Verse. 2896 (AR)

٢٥ - ٱلْفُرْقَان

25 - Al-Furqan (AR)

وَاِذَا رَاَوْكَ اِنْ يَّتَّخِذُوْنَكَ اِلَّا ہُزُوًا۝۰ۭ اَھٰذَا الَّذِيْ بَعَثَ اللہُ رَسُوْلًا۝۴۱
Waitha raawka in yattakhithoonaka illa huzuwan ahatha allathee baAAatha Allahu rasoolan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإذا رأوْك إن» ما «يتخذونك إلا هزؤا» مهزوءا به يقولن «أهذا الذي بعث الله رسولا» في دعواه محتقرين له عن الرسالة.

41

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه سبحانه لما بين مبالغة المشركين في إنكار نبوته وفي إيراد الشبهات في ذلك، بين بعد ذلك أنهم إدا رأوا الرسول اتخذوه هزواً فلم يقتصروا على ترك الإيمان به بل زادوا عليه بالاستهزاء والاستحقار، ويقول بعضهم لبعض {أَهَـٰذَا ٱلَّذِى بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف» (إنْ) الأولى نافية والثانية مخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينهما. المسألة الثانية: جواب (إذا) هو ما أضمر من القول يعني وإذا رأوك مستهزئين قالوا أبعث الله هذا رسولاً، وقوله: {إِن يَتَّخِذُونَكَ } جملة اعترضت بين (إذا) وجوابها. المسألة الثالثة: اتخذوه هزواً في معنى استهزؤا به والأصل اتخذوه موضع هزء أو مهزوءاً به. المسألة الرابعة: اعلم أن الله تعالى أخبر عن المشركين أنهم متى رأوا الرسول أتوا بنوعين من الأفعال أحدهما أنهم يستهزئون به، وفسر ذلك الاستهزاء بقوله: {أَهَـٰذَا ٱلَّذِى بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً } وذلك جهل عظيم لأن الاستهزاء إما أن يقع بصورته أو بصفته. أما الأول فباطل لأنه عليه الصلاة والسلام كان أحسن منهم صورة وخلقة، وبتقدير أنه لم يكن كذلك، لكنه عليه السلام ما كان يدعي التمييز عنهم بالصورة بل بالحجة. وأما الثاني فباطل لأنه عليه السلام ادعى التميز عنهم في ظهور المعجز عليه دونهم، وأنهم ما قدروا على القدح في حجته ودلالته، ففي الحقيقة هم الذين يستحقون أن يهزأ بهم، ثم إنهم لوقاحتهم قلبوا القضية واستهزؤا بالرسول عليه السلام، وذلك يدل على أنه ليس للمبطل في كل الأوقات إلا السفاهة والوقاحة. وثانيهما أنهم كانوا يقولون فيه: {إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا } وذلك يدل على أمور: الأول: أنهم سموا ذلك إضلالاً، وذلك يدل على أنهم كانوا مبالغين في تعظيم آلهتهم وفي استعظام صنيعه صلى الله عليه وسلم في صرفهم عنه، وذلك يدل على أنهم كانوا يعتقدون أن هذا هو الحق، فمن هذا الوجه يبطل قول أصحاب المعارف في أنه لا يكفر إلا من يعرف الدلائل لأنهم جهلوه، ثم نسبهم الله تعالى إلى الكفر واضلال، وقولهم: {لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا } يدل أيضاً على ذلك الثاني: يدل هذا القول منهم على جد الرسول عليه السلام واجتهاده في صرفهم عن عبادة الأوثان، ولولا ذلك لما قالوا: {إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ ءالِهَتِنَا لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا } وهكذا كان عليه السلام فإنه في أول الأمر بالغ في إيراد الدلائل والجواب عن الشبهات وتحمل ما كانوا يفعلونه من أنواع السفاهة وسوء الأدب الثالث: أن هذا يدل على اعتراف القوم بأنهم لم يعترضوا ألبتة على دلائل الرسول صلى الله عليه وسلم وما عارضوها إلا بمحض الجحود والتقليد لأن قولهم: {لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا } إشارة إلى الجحود والتقليد، ولو ذكروا اعتراضاً على دلائل الرسول عليه السلام لكان ذكر ذلك أولى من ذكر مجرد الجحود والإصرار الذي هو دأب الجهال، وذلك يدل على أن القوم كانوا مقهورين تحت حجته عليه السلام، وأنه ما كان في أيديهم إلا مجرد الوقاحة الرابع: الآية تدل على أن القوم صاروا في ظهور حجته عليه السلام عليهم كالمجانين لأنهم استهزؤا به أولاً، ثم وصفوه بأنه كاد يضلنا عن آلهتنا لولا أن قابلناه بالجحود والإصرار، فهذا الكلام الأخير يدل على أن القوم سلموا له قوة الحجة وكمال العقل والكلام الأول وهو السخرية والاستهزاء لا يليق إلا بالجاهل العاجز، فالقوم لما جمعوا بين هذين الكلامين دل ذلك على أنهم كانوا كالمتحيرين في أمره، فتارة بالوقاحة يستهزئون منه، وتارة يصفونه بما لا يليق إلا بالعالم الكامل، ثم إنه سبحانه لما حكى عنهم هذا الكلام زيف طريقتهم في ذلك من ثلاثة أوجه أولها: قوله: {وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً } لأنهم لما وصفوه بالإضلال في قولهم: {إِن كَانَ } بين تعالى أنه سيظهر لهم من المضل ومن الضال عند مشاهدة العذاب الذي لا مخلص لهم منه فهو وعيد شديد لهم على التعامي والإعراض عن الاستدلال والنظر وثانيها: قوله تعالى: {أَرَءيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً } والمعنى أنه سبحانه بين أن بلوغ هؤلاء في جهالتهم وإعراضهم عن الدلائل إنما كان لاستيلاء التقليد عليهم وأنهم اتخذوا أهواءهم آلهة، فكل ما دعاهم الهوى إليه انقادوا له، سواء منع الدليل منه أو لم يمنع، ثم ههنا أبحاث: الأول: قوله: {أَرَأَيْتَ } كلمة تصلح للإعلام والسؤال، وههنا هي تعجيب من جهل من هذا وصفه ونعته. الثاني: قوله: {ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ } معناه اتخذ إلهه ما يهواه أو إلهاً يهواه، وقيل هو مقلوب ومعناه اتخذ هواه إلهه وهذا ضعيف، لأن قوله: {ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ } يفيد الحصر، أي لم يتخذ لنفسه إلهاً إلا هواه، وهذا المعنى لا يحصل عند القلب. قال ابن عباس: الهوى إله يعبد، وقال سعيد بن جبير: كان الرجل من المشركين يعبد الصنم فإذا رأى أحسن منه رماه واتخذ الآخر وعبده. الثالث: قوله: {أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً } أي حافظاً تحفظه من اتباع هواه أي لست كذلك. الرابع: نظير هذه الآية قوله تعالى: { أية : لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ } تفسير : [الغاشية: 22] وقوله: { أية : وَمَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ } تفسير : [ق: 45] وقوله: { أية : لا إِكْرَاهَ فِى ٱلدّينِ } تفسير : [البقرة: 256] قال الكلبي: نسختها آية القتال وثالثها: قوله: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ } أم ههنا منقطعة، معناه بل تحسب، وذلك يدل على أن هذه المذمة أشد من التي تقدمتها حتى حقت بالإضراب عنها إليها، وهي كونهم مسلوبي الأسماع والعقول، لأنهم لشدة عنادهم لا يصغون إلى الكلام، وإذا سمعوه لا يتفكرون فيه، فكأنه ليس لهم عقل ولا سمع ألبتة، فعند ذلك شبههم بالأنعام في عدم انتفاعهم بالكلام وعدم إقدامهم على التدبر والتفكر وإقبالهم على اللذات الحاضرة الحسية وإعراضهم عن طلب السعادات الباقية العقلية وها هنا سؤالات: السؤال الأول: لم قال: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ } فحكم بذلك على الأكثر دون الكل؟والجواب: لأنه كان فيهم من يعرف الله تعالى ويعقل الحق، إلا أنه ترك الإسلام لمجرد حب الرياسة لا للجهل. السؤال الثاني: لم جعلوا أضل من الأنعام؟ الجواب: من وجوه: أحدها: أن الأنعام تنقاد لأربابها وللذي يعلفها ويتعهدها وتميز بين من يحسن إليها وبين من يسيء إليها، وتطلب ما ينفعها وتجتنب ما يضرها، وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يميزون بين إحسانه إليهم وبين إساءة الشيطان إليهم الذين هو عدو لهم، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع، ولا يحترزون من العقاب الذي هو أعظم المضار وثانيها: أن قلوب الأنعام كما أنها تكون خالية عن العلم فهي خالية عن الجهل الذي هو اعتقاد المعتقد على خلاف ما هو عليه مع التصميم. وأما هؤلاء فقلوبهم كما خلت عن العلم فقد اتصفت بالجهل فإنهم لا يعلمون ولا يعلمون أنهم لا يعلمون، بل هم مصرون على أنهم يعلمون وثالثها: أن عدم علم الأنعام لا يضر بأحد أما جهل هؤلاء فإنه منشأ للضرر العظيم، لأنهم يصدون الناس عن سبيل الله ويبغونها عوجاً ورابعها: أن الأنعام لا تعرف شيئاً ولكنهم عاجزون عن الطلب وأما هؤلاء الجهال فإنهم ليسوا عاجزين عن الطلب، والمحروم عن طلب المراتب العالية إذا عجز عنه لا يكون في استحقاق الذم كالقادر عليه التارك له لسوء اختياره وخامسها: أن البهائم لا تستحق عقاباً على عدم العلم، أما هؤلاء فإنهم يستحقون عليه أعظم العقاب وسادسها: أن البهائم تسبح الله تعالى على مذهب بعض الناس على ما قال { أية : وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ } تفسير : [الأسراء: 44] وقال: { أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ } تفسير : [الحج: 18] إلى قوله: { أية : وَٱلدَّوَابّ } تفسير : [الحج: 18] وقال: { أية : وَٱلطَّيْرُ صَافَّـٰتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ } تفسير : [النور: 41] وإذا كان كذلك فضلال الكفار أشد وأعظم من ضلال هذه الأنعام. السؤال الثالث: أنه سبحانه لما نفى عنهم السمع والعقل، فكيف ذمهم على الإعراض عن الدين وكيف بعث الرسول إليهم فإن من شرط التكليف العقل؟ الجواب: ليس المراد أنهم لا يعقلون بل إنهم لا ينتفعون بذلك العقل، فهو كقول الرجل لغيره إذا لم يفهم إنما أنت أعمى وأصم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً} جواب {إذا} {إِنْ يَتَّخذُونَكَ} لأن معناه يتخذونك. وقيل: الجواب محذوف وهو قالوا أو يقولون: {أَهَذَا الَّذِي} وقوله: {إِنْ يَتَّخذُونك إِلاَّ هُزُواً} كلام معترض. ونزلت في أبي جهل كان يقول للنبيّ صلى الله عليه وسلم مستهزئاً: {أَهَـٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً} والعائد محذوف، أي بعثه الله. {رَسُولاً} نصب على الحال والتقدير: أهذا الذي بعثه الله مرسلاً. {أَهذَا} رفع بالابتداء و{الَّذِي} خبره. {رَسُولاً} نصب على الحال. و{بَعَثَ} في صلة {الَّذِي} واسم الله عز وجل رفع بـ{ـبَعثَ}. ويجوز أن يكون مصدراً؛ لأن معنى {بَعَث} أرسل ويكون معنى {رَسُولاً} رسالة على هذا. والألف للاستفهام على معنى التقرير والاحتقار. {إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا} أي قالوا قد كاد أن يصرفنا. {عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا} أي حبسنا أنفسنا على عبادتها. قال الله تعالى: {وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً} يريد من أضل ديناً أهم أم محمد، وقد رأوه في يوم بدر.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن استهزاء المشركين بالرسول صلى الله عليه وسلم إذا رأوه؛ كما قال تعالى: {أية : وَإِذَا رَآكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً} تفسير : [الأنبياء: 36] الآية، يعنونه بالعيب والنقص. وقال ههنا: {وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهَـٰذَا ٱلَّذِى بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً} أي: على سبيل التنقص والازدراء، فقبحهم الله؛ كما قال: {أية : وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ} تفسير : [الأنعام: 10] الآية. وقوله تعالى: {إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا} يعنون: أنه كاد يثنيهم عن عبادة الأصنام، لولا أن صبروا وتجلدوا واستمروا عليها. قال الله تعالى متوعداً لهم ومتهدداً: {وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ} الآية. ثم قال تعالى لنبيه منبهاً أن من كتب الله عليه الشقاوة والضلال، فإنه لا يهديه أحد إلا الله عز وجل، {أَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ} أي: مهما استحسن من شيء، ورآه حسناً في هوى نفسه، كان دينه ومذهبه؛ كما قال تعالى: {أية : أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ } تفسير : [فاطر: 8] الآية، ولهذا قال ههنا: {أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً}؟ قال ابن عباس: كان الرجل في الجاهلية يعبد الحجر الأبيض زماناً، فإذا رأى غيره أحسن منه، عبد الثاني، وترك الأول. ثم قال تعالى: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ}؟ الآية، أي: هم أسوأ حالاً من الأنعام السارحة، فإن تلك تعقل ما خلقت له، وهؤلاء خلقوا لعبادة الله وحده لا شريك له، وهم يعبدون غيره، ويشركون به، مع قيام الحجة عليهم، وإرسال الرسل إليهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِذَا رَأَوْكَ إِن } ما {يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً } مهزوءاً به يقولون {أَهَٰذَا ٱلَّذِى بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً } في دعواه؟ محتقرين له عن الرسالة.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {أَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَههُ هَوَاهُ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم قوم كان الرجل منهم يعبد حجراً يستحسنه، فإذا رأى أحسن منه عبده وترك الأول، قاله ابن عباس. الثاني: أنه الحارث بن قيس كان إذا هوى شيئاً عبده، حكاه النقاش. الثالث: أنه الذي يتبع هواه في كل ما دعا إليه، قاله الحسن، وقتادة. {أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً} فيه أربعة أوجه: أحدها: يعني ناصراً، قاله قتادة. الثاني: حفيظاً، قاله يحيى بن سلام. الثالث: كفيلاً قاله الكلبي. الرابع: مسيطراً، قاله السّدي.

النسفي

تفسير : {وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ } إن نافية {إِلاَّ هُزُواً } اتخذه هزواً في معنى استهزاء أي قائلين أي أهذا الذي {بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً } والمحذوف حال والعائد إلى {الذين} محذوف أي بعثه. {إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ ءالِهَتِنَا لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا } «أن» مخففة من الثقيلة واللام فارقة وهو دليل على فرط مجاهدة رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعوتهم وعرض المعجزات عليهم حتى شارفوا بزعمهم أن يتركوا دينهم إلى دين الإسلام لولا فرط لجاجهم واستمساكهم بعبادة آلهتهم {وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ } هو وعيد ودلالة على أنهم لا يفوتونه وإن طالت مدة الإمهال {مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً } هو كالجواب عن قولهم {إن كاد ليضلنا} لأنه نسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الضلال إذ لا يضل غيره إلا من هو ضال في نفسه. {أَرَءيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ } أي من أطاع هواه فيما يأتي ويذر فهو عابد هواه وجاعله إلٰهه فيقول الله تعالى لرسوله: هذا الذي لا يرى معبوداً إلا هواه كيف تستطيع أن تدعوه إلى الهدى. يروى أن الواحد من أهل الجاهلية كان يعبد الحجر فإذا مر بحجر أحسن منه ترك الأوّل وعبد الثاني. وعن الحسن: هو في كل متبعٍ هواه {أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً } أي حفيظاً تحفظه من متابعة هواه وعبادة ما يهواه، أفأنت تكون عليه موكلاً فتصرفه عن الهوى إلى الهدى، عرفه أن إليه التبليغ فقط

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزواً} نزلت في أبي جهل كان إذا مر مع أصحابه قال مستهزئاً {أهذا الذي بعث الله رسولاً إن كان ليضلنا} يعني قد قارب أن يضلنا {عن} عبادة {آلهتنا لولا أن صبرنا عليها} يعني على عبادتها والمعنى لو لم نصبر عليها لصرفنا عنها {وسوف يعلمون حين يرون العذاب} أي في الآخرة عياناً {من أضل سبيلاً} أي أخطأ طريقاً {أرأيت من اتخذ إلهه هواه} وذلك أن الرجل من المشركين كان يعبد حجراً، فإذا رأى حجراً أحسن منه رماه وأخذ الأحسن منه وعبده وقال ابن عباس: أرأيت من ترك عبادة الله خالقه? ثم هوى حجراً فعبده ما حاله عندي وقيل الهوى إله يعبد {أفأنت تكون عليه وكيلاً} أي حافظاً تحفظه من اتباع الهوى وعبادة ما يهواه من دون الله والمعنى لست كذلك وقال الكلبي نسختها آية القتال {أم تحسب أن أكثرهم يسمعون} أي ما تقول سماع طالب الإفهام {أو يعقلون} يعني ما يعاينون من الحجج والأعلام وهذه المذمة أعظم من التي تقدمت، لأنهم لشدة عنادهم لا يسمعون القول وإذا سمعوه لا يتفكرون فيه، فكأنهم لا سمع لهم ولا عقل ألبتة فعند ذلك شبههم بالأنعام فقال تعالى {إن هم} أي ما هم إلا كالأنعام أي في عدم انتفاعهم بالكلام وعدم إقدامهم على التدبر والتفكير ثم قال تعالى {بل هم أضل سبيلاً} لأن البهائم تهتدي لمراعيها ومشاربها وتنقاد لأربابها الذين يتعاهدونها، وهؤلاء الكفار لا يعرفون طريق الحق ولا يطيعون ربهم الذي خلقهم ورزقهم لأن الأنعام تسجد وتسبح والكفار لا يفعلون ذلك. قوله تعالى {ألم تر إلى ربك كيف مد الظل} هو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس جعله ممدوداً، لأنه ظل لا شمس معه {ولو شاء لجعله ساكناً} يعني دائماً ثابتاً لا يزول ولا تذهبه الشمس {ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً} معنى دلالتها عليه أنه لو لم تكن الشمس لما عرف الظل، ولولا النور لما عرفت الظلمة، والأشياء تعرف بضدها {ثم قبضناه} يعني الظل {إلينا قبضاً يسيراً} يعني بالشمس التي تأتي عليه والمعنى أن الظل يعم جميع الأرض قبل طلوع الشمس فإذا طلعت الشمس قبض الله الظل جزأ فجرأ قبضاً خفيفاً {وهو الذي جعل لكم الليل لباساً} يعني ستراً تسترون به والمعنى أن الظلمة الليل تغشى كل شيء كاللباس، الذي يشتمل على لابسه {والنوم سباتاً} يعني راحة لأبدانكم وقطعاً لأعمالكم {وجعل النهار نشوراً} يعني يقظة وزماناً تنتشرون فيه لابتغاء رزقكم وطلب الاشتغال {وهو الذي أرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته} يعني المطر {وأنزلنا من السماء ماء طهوراً} الطهور هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره فهو اسم لما يتطهر به بدليل ما روي "حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في البحر "هو الطهور ماؤه الحل ميتته"" تفسير : أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي. وأراد به المطهر والماء المطر لأنه يطهر الإنسان من الحدث والنجاسة فثبت أن التطهير مختص بالماء وذهب أصحاب الرأي إلى أن الطهور وهو الطاهر حتى جوزوا إزالة النجاسة بالمائعات الطاهرة مثل الخل والريق ونحوها، ولو جاز إزالة النجاسة بها لجاز إزالة الحدث بها وذهب بعضهم إلى أن الطهور ما تكرر منه التطهير، وهو قول مالك حتى جوز الوضوء بالماء إذا توضىء به مرة، وإن وقع في الماء شيء غير طعمه أو لونه أو ريحه هل تزول طهوريته نظر إن كان الواقع شيئاً لا يمكن صون الماء عنه? كالطين والتراب وأوراق الأشجار فتجوز الطهارة به كما لو تغير بطول المكث في قراره، وكذلك لو وقع فيه ما لا يختلط كالدهن يصب فيه فيتروح الماء برائحته تجوز الطهارة به لأن تغيره للمجاورة لا للمخالطة, وإن كان شيئاً يمكن صون الماء عنه، ومخالطته كالخل والزعفران ونحوهما تزل طهوريته فلا يجوز الوضوء به وإن لم يتغير أحد أوصافه نظر إن كان الواقع شيئاً طاهراً لا يزيل طهوريته يجوز الوضوء به سواء كان الماء قليلاً أو كثيراً، وإن كان الواقع شيئاً نجساً نظر فيه فإن كان الماء، أقل من قلتين نجس الماء وإن كان قدر قلتين فأكثر فهو طاهر يجوز الوضوء به والقلتان خمسمائة رطل بالبغدادي يدل عليه ما روي عن ابن عمر عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه سئل عن الماء يكون في الفلاة، ترده السباع والذئاب فقال: "حديث : إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث" تفسير : أخرجه أبو داود والترمذي. وهذا قول الشافعي وأحمد وإسحاق وجماعة من أهل الحديث، أن الماء إذا بلغ هذا الحد لا ينجس بوقوع النجاسة فيه ما لم يتغير أحد أوصافه، وذهب جماعة إلى أن الماء القليل لا ينجس بوقوع النجاسة فيه ما لم يتغير طعمه أو لونه أو ريحه، وهذا قول الحسن وعطاء والنخعي والزهري واحتجوا بما روي عن أبي سعيد الخدري قال: "حديث : قيل يا رسول الله إنه يستقى لك من بئر بضاعة ويلقى فيها لحوم الكلام وخرق الحيض وعذر النساء، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إن الماء طهور لا ينجسه شيء" تفسير : وفي رواية قال "حديث : قلت يا رسول الله أيتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر تطرح فيها خرق الحيض ولحوم الكلام والنتن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الماء طهور لا ينجسه شيء"

ابو السعود

تفسير : {وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً} أي ما يتَّخذونك إلا مهزُوءاً به على معنى قصرِ معاملتِهم معه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ على اتِّخاذِهم إيَّاهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ هُزؤاً لا على معنى قصرِ اتِّخاذِهم على كونِه هُزؤاً كما هو المتبادرُ من ظاهر العبارةِ كأنَّه قيل: ما يفعلون بك إلا اتِّخاذَك هزواً وقد مرَّ تحقيقُه في قولِه تعالى: {أية : إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَىَّ } تفسير : من [سورة الأنعام: الآية 6] وقوله تعالى: {أَهَـٰذَا ٱلَّذِى بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً} محكيٌّ بعد قول مضمر هو حالٌ من فاعلِ يتَّخذونك أي يستهزئون بك قائلينَ أهذا الذي الخ والإشارةُ للاستحقارِ وإبراز بعث الله رسولاً في معرض التَّسليمِ بجعله صلةً للموصول الذي هو صفتُه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ مع كونِهم في غاية النَّكيرِ لبعثه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بطريقِ التَّهكُّمِ والاستهزاءِ وإلاَّ لقالُوا أبعثَ الله هذا رسولاً أو أهذا يزعمُ أنَّه بعثه الله رسولاً. {إِن كَادَ} إنْ مخففةٌ مِن إنَّ. وضميرُ الشَّأنِ محذوفٌ أيْ إنَّه كادَ. {لَيُضِلُّنَا عَنْ ءالِهَتِنَا} أي ليصرفنا عن عبادتِها صرفاً كليَّاً بحيث يُبعدنا عنها لا عن عبادتِها فقط، والعدولُ إلى الإضلال لغاية ضلالِهم بادَّعاء أنَّ عبادتَها طريقٌ سويٌّ. {لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا} ثبتْنا عليها واستمسكنَا بعبادتِها. ولولا في أمثال هذا الكلامِ تجري مجَرى التَّقيـيدِ للحكم المطلقِ من حيثُ المعنى كما أشار إليه في قوله تعالى: { أية : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ} تفسير : [سورة يوسف: الآية 24] الخ وهذا اعترافٌ منهم بأنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ قد بلغ من الاجتهادِ في الدَّعوةِ إلى الحقِّ وإظهارِ المعجزاتِ وإقامةِ الحججِ والبـيِّناتِ إلى حيثُ شارفُوا أنْ يتركُوا دينَهم لولا فرطُ لجَاجِهم وغايةُ عنادِهم. يُروى أنَّه من قولِ أبـي جهلٍ {وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} جوابٌ من جهته تعالى لآخرِ كلامِهم وردٌّ لما ينبىءُ عنه من نسبته عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى الضَّلالِ في ضمن الإضلال أي سوف يعلمونَ البتةَ وإنْ تراخىٰ {حِينَ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ} الذي يستوجبُه كفرُهم وعنادُهم {مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً} وفيه ما لا يخفى من الوعيدِ والتَّنبـيهِ على أنَّه تعالى لا يُهملهم وإنْ أمهلهم. {أَرَءيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ} تعجيبٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم من شناعةِ حالِهم بعد حكاية قبائحِهم من الأقوالِ والأفعالِ وبـيانِ ما لهم من المصيرِ والمآلِ وتنبـيهٌ على أنَّ ذلك من الغرابةِ بحيث يجبُ أنْ يرى ويتعجَّبَ منه. وإلههَ مفعول ثانٍ لاتَّخذ قُدِّم على الأوَّلِ للاعتناء به لأنَّه الذي يدورُ عليه أمرُ التَّعجيبِ. ومَن توهَّم أنهما على التَّرتيبِ بناء على تساويهما في التَّعريفِ فقد زلَّ منه أنَّ المفعولَ الثَّانِي في هذا الباب هو المتلبِّسُ بالحالة الحادثِة أي أرأيتَ مَن جعلَ هواهُ إلهاً لنفسهِ من غير أنْ يلاحظه وبنى عليه أمرَ دينِه مُعرِضاً عن استماع الحجَّةِ الباهرة والبُرهان النيِّرِ بالكلِّيةِ على معنى انظُر إليه وتعجَّب منه. وقولُه تعالى: {أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً}إنكارٌ واستبعادٌ لكونه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ حفيظاً عليه يزجرُه عمَّا هو عليه من الضَّلالِ ويُرشده إلى الحقَ طوعاً أو كَرهاً. والفاءُ لترتيب الإنكارِ على ما قبله من الحالةِ المُوجبةِ له كأنَّه قيل أبعد ما شاهدت غلوَّه في طاعة الهوى وعتوَّه عن اتباع الهُدى تقسره على الإيمان شاء أو أَبَى.

القشيري

تفسير : كانت تكون له سلوة لو ذكر حالته وشكا إليه قصته، فإذا أخبر اللَّهُ وقصَّ عليه ما كان يلاقيه كان أَوْجَبَ للسَّلْوَةِ وأقربَ من الأُنْس، وغايةُ سلوةِ أربابِ المحن أن يذكروا لأحبائهم ما لقوا في أيام امتحانهم كما قال قائلُهم: شعر : يودُّ بأن يمشي سقيماً لَعَلَّها إذا سمعت منه بشكوى تراسله ويهتزُّ للمعروفِ في طَلَبِ العلَى لتُذْكَرَ يوماً عند سلمى شمائلُه تفسير : وأخبر أنهم كانوا ينظرون إليه - عليه السلام - بعين الازدراءِ والتصغيرِ لشأنه؛ لأنهم كانوا لا يعرفون قَدْرَه، قال تعالى: {أية : وَتَرَٰهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ}تفسير : [الأعراف: 198].

اسماعيل حقي

تفسير : {واذا رأوك} اى ابصروك يا محمد يعنى قريشا {ان يتخذونك الا هزوا} ان نافية اى ما يتخذونك الا موضع هزو اى يستهزئون بك قائلين بطريق الاستحقار والتهكم {أهذا الذى بعث الله رسولا} اى بعث الله الينا رسولا ليثبت الحجة علينا: وبالفارسية [ايا اين كس آنست كه اورا برانكيخت خدا وفرستاد بيغمبر] يعنى لم يقتصروا على ترك الايمان وايراد الشبهات الباطلة بل زادوا عليه الاستخفاف والاستهزاء اذا رأوه وهو قول ابى جهل لابى سفيان وهذا نبى بنى عبدمناف. وفى التأويلات النجمية يشير الى ان هل الحس لايرون النبوة والرسالة بالحس الظاهر لانها تدرك بنظر البصيرة المؤيدة بنور الله وهم عميان بهذا البصر فلما سمعوا منه مالم يهتدوا به من كلام النبوة والرسالة مااتخذوه الا هزؤا وقالوا مستهزئين أهذا الذى بعث الله رسولا وهو بشر مثلنا محتاج الى الطعام والشراب: وفى المثنوى شعر : كاربا كان را قياس ازخود مكير كرجه ماند در نبشتن شير شير جمله عالم زين سبب كمراه شد كم كسى زابدال حق آكاه شد همسرى با انبيا بر داشتند اوليا را همجو خود بنداشتند كفته اينك مابشر ايشان بشر ماوايشان بسته خوابيم وخور اين ندانستند ايشان ازعمى هست فرق درميان بى منتهى هردوكون زنبور خوردند ازمحل ليك شد زين نيش وزان ديكر عسل هردوكون آهوكيا خوردندو آب زين يكى سركين شدوزان مشك ناب هردونى خوردند ازيك آبخور اين يكى خالى وان براز شكر

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {وإِذا رَأَوْكَ} أي: مشركو مكة {إِن}؛ ما {يتخذونَك إلا هُزُواً} أي: مهزوءاً بك، أو محل هزء، حال كونهم قائلين: {أهذا الذي بعثَ الله رسولاً}، ورسولاً، حال من العائد المحذوف، أي: هذا الذي بعثه الله رسولاً، والإشارة؛ للاستحقار في اعتقادهم وتسليمهم البعث والرسالة، مع كونهم في غاية الإنكار لهما؛ على طريق الاستهزاء، وإلا لقالوا: أبعث الله هذا رسولاً. {إن كاد لَيُضلُّنا عن آلهتنا} أي ليصرفنا عن عبادتها صرفاً كلياً، والعدول إلى الإضلال؛ لغاية ضلالتهم بادعاء أن عبادتها طريق سَوي. {لولا أن صبرنا عليها} لصرفنا عنها، وهو دليل على مجاهدة الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوتهم، وإظهار المعجزات لهم، حتى شارفوا أن يتركوا دينهم إلى دين الإسلام، لولا فرط لجاجهم وتقليدهم. قال تعالى: {وسوف يعلمون حين يَرَوْن العذابَ} الذي يستوجبه كفرهم وعنادهم، {من أضلُّ سبيلاً}، وأخطأ طريقاً. وفيه ما لا يخفى من الوعيد والتنبيه على أنه تعالى يُمهل ولا يهمل. {أرأيتَ من اتخذ إلهَهُ هَواهُ} أي: أطاع هواه فيما يذر ويفعل، فصار معبوده هواه، يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا الذي لا يرى معبوده إلا هواه، كيف تستطيع أن تدعوه إلى الهدى وتهديه إليها؟ يُروى أن الواحد من أهل الجاهلية كان يعبد الحجر، فإذا مر بحجر أحسن منه تركه وَعَبَد الثاني. وقال الحسن: هو في كل متبع هواه. {أفأنت تكون عليه وكيلاً}؛ حفيظاً تحفظه عن متابعة هواه وعبادة ما يهواه. والفاء؛ لترتيب الإنكار على ما قبله، كأنه قيل: أَبَعْدَمَا شاهدت من غلوه في طاعة الهوى، وعتوه عن اتباع الهدى، تقهره على الإيمان، شاء أو أبى، وإنما عليك التبليغ فقط. {أم تَحْسَبُ أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون}، "أم": منقطعة، بمعنى بل، أي: بل أتظن أن أكثرهم يسمعون ما تتلو عليهم من الآيات حق السماع، أو يعقلون ما في تضاعيفها من المواعظ والأنكال؟ {إنْ هم كالأنعام} أي: ما هم، في عدم الانتفاع بما يقرع آذانهم من قوارع الآيات، وانتفاء التأثير بما يشاهدونه من الدلائل والمعجزات، إلاّ كالبهائم، التي هي غاية في الغفلة، ومَثل في الضلالة، {بل هم أضلُّ سبيلاً}؛ لأن البهائم تنقاد لصاحبها الذي يعلفها ويتعاهدها, وتعرف من يُحسن إليها ممن يسيء إليها, وتطلب ما ينفعها وتجتنب ما يضرها, وتهتدي لمراعيها ومشاربها، وتأوي إلى معاطنها، وهؤلاء لا ينقادون لخالقهم ورازقهم، ولا يعرفون إحسانه من إساءة الشيطان، الذي هو أعدى عدوهم, ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع, ولا يتقون العقاب الذي هو أقبح المضار والمعاطب, ولا يهتدون الحق, الذي هو الشرع الهني، والمورد العذب الروي، ولأنها، إن تعتقد حقاً مستتبعاً لاكتساب الخير، لم تعتقد باطلاً مستوجباً لاقتراب الشر، بخلاف هؤلاء؛ حيث مهَّدوا قواعد الباطل، وفرعوا أحكام الشرور، ولأن أحكام جهالتها وضلالتها مقصورة عليها، لا تتعدى إلى أحد، وجهالة هؤلاء مؤدية إلى ثوران الفساد، وصد الناس عن سنَن السداد، وهيجان الهرج والمرج فيما بين العباد، ولأنها غير متمكنة من طلب الكمال، لعدم القوى العقلية، فلا تقصير من قبلها، ولا ذم، وهؤلاء متمكنون من القوى العقلية مضيعون الفطرة الأصلية، مستحقون بذلك أعظم العقاب، وأشد النكال. هـ. وأصله للبيضاوي. الإشارة: تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم وإجلاله وتوقيره من أعظم ما يُقرب إلى الله، ويوصل إلى رضوان الله، ويدخل العبد على مولاه؛ لأنه باب الله الأعظم، والواسطة الكبرى بين الله وبين عباده فمن عظَّمه صلى الله عليه وسلم وبجّله وخدمه أتم الخدمة، أدخله الحضرة، على التوقير والتعظيم والهيبة والإجلال. ومن حاد عن متابعتة فقد أتى البيت من غير بابه؛ كمن دخل حضرة الملك بالتسور، فيستحق القتل والطرد والبُعد. وإدخاله على الله: دلالته على من يعرفه بالله، وقد يوصله بلا واسطة، لكنه نادر. ومن أهمل هذا الجانب واستصغره طرده الله وأبعده، وانسحب عليه قوله: {وإِذا رأوك إِن يتخذونك إلا هزوا} وكان ممن اتخذ إلهه هواه، وكان كالبهائم، أو أضل؛ لأن من اتبع الواسطة كان هواه تابعاً لما جاء من عند الله، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يكُون هَواه تَبِعاً لما جئتُ به"تفسير : . وبالله التوفيق. ثم ذكر دلائل توحيده بعد بيان من غفل عنها وضلّ، فقال: {أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ...}

الطوسي

تفسير : يقول الله تعالى حاكياً عن الكفار الذين وصفهم بأنه {إذا رأوك} يا محمد وشاهدوك لا يتخذونك {إلا هزواً} أي سخرياً، والهزو إظهار خلاف الابطان لاستصغار القدر على وجه اللهو. وانهم ليقولون {أهذا الذي بعث الله رسولاً} متعجبين من ذلك، ومنكرين له، لانهم يعتقدون فى الباطن انه ما بعثه الله. وقوله {إن كاد ليضلنا عن آلهتنا} أي قد قارب أن يأخذ بنا في غير جهة عبادة آلهتنا، على وجه يؤدي الى هلاكنا. والاضلال الأخذ بالشيء الى طريق الهلاك. وقوله {لولا أن صبرنا عليها} أي على عبادتها لأزلنا عن ذلك، وحذف الجواب لدلالة الكلام عليه. فقال الله تعالى متوعداً لهم {وسوف يعلمون} فيما بعد إذا رأوا العذاب الذي ينزل بهم {من أضل سبيلاً} عن طريق الحق: هم أم غيرهم؟ ثم قال لنبيه يا محمد {أرأيت من اتخذ إلهه هواه} لأنه ينقاد له ويتبعه في جميع ما يدعوه اليه. وقيل: المعني من جعل إلهه ما يهوى، وذلك نهاية الجهل، لان ما يدعو اليه الهوى باطل، والاله حق يعظم بما لا شيء أعظم منه، فليس يجوز أن يكون الاله ما يدعو اليه الهوى، وانما الاله ما يدعوا الى عبادته العقل. ومعنى {أفأنت تكون عليه وكيلاً} أي لا تكون له انت حافظاً من الخروج الى هذا الفساد. قال المبرد: الوكيل أصله واحد، ويشتمل على فروع ترجع اليه، فالوكيل من تتكل عليه وتعتمد فى امورك عليه. ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وسلم) {أم تحسب} يا محمد وتظن {أن أكثر} هؤلاء الكفار {يسمعون} ما تقول سماع طالب للافهام {أو يعقلون} ما تقوله لهم؟ بل سماعهم كسماع الانعام، وهم أضل سبيلا من الانعام، لأنهم مكنوا من طريق الفهم، ولم تمكن النعم من ذلك، وهم مع ذلك لا يعقلون ما تقول، إذ لو عقلوا عقل الفهم به لدعاهم عقلهم اليه، لانه نور فى قلب المدرك له. وقيل {بل هم أضل سبيلاً} لانها لا تعتقد بطلان الصواب وإن كانت لا تعرفه، وهم قد اعتقدوا ضد الصواب الذي هو الجهل. وقيل: كان أحدهم يعبد الحجر، فاذا رأى أحسن صورة منه ترك الأول وعبد الثاني. وقيل: لان الأنعام تهتدي الى منافعها ومضارها. وهولاء لا يهتدون إلى ما يدعون اليه من طريق الحق، فهم اضل.

الجنابذي

تفسير : {وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً} الهزؤ بالضّمّ والسّكون والهُزؤ بالضّمّتين مصدرا هزء به ومنه كمنع وسمع بمعنى سخر منه قائلين تهكّماً بك وتحقيراً لك {أَهَـٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً} وهذا الكلام منهم لغاية التّحقير والاستهزاء لاتيانهم بالاستفهام التّعجّبىّ الدّالّ على منافاة حاله لرسالة الله لحقارته، وباسم الاشارة القريبة الدّالّ على تحقيره، وببعث الله ايّاه رسولاً على سبيل التّسليم من حيث انّهم جعلوا البعث صلة للموصول دالّة على تحقّقه وتسليمه مع انكارهم له وهذا مبتدء والّذى خبره او صفته وخبره قوله {إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا}.

اطفيش

تفسير : {وَإِذَا رَأَوْكَ إِن} اي ما * {يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً} موضع هزؤا أو مهزأ به نزلت في ابي جهل كان إذا مر مع اصحابه قال * {أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً} الجملة محكية بقوله مقدر أو مفعول لهزؤ على الحكاية لان فيه معنى القول (والذي) خبر لهذا والاشارة للاستحقار بدليل انهم عبروا بعبارة من يسلم الرسالة وهم على غاية انكارها ولو قالوا هذا الذي زعم انه بعثه الله رسولا لم يكن استهزاء أو كان استهزاء دون الاستهزاء الذي يفيده (هذا الذي بعث الله رسولا). وفي الآية دليل على انه لا يقرن الجواب بالفاء إذا صدر بـ (ان) النافية دخلت على الفعل.

اطفيش

تفسير : {وإذا رأوك} رآك أبو جهل ومن معه {إنْ يتَّخذُونك إلا هُزواً} موضع هزء أو مهزوءاً به، وإذا الشرطية تختص بعدم الفاء فى جوابها المبدوء بأن أو لا أو ما النافية {أهذا الذى بعَثَ الله رسُولاً} الجملة محكية يتخذ، أو بهزأ لتضمن معنى القول، أو بقول مقدر، أى يقولون أهذا والاستفهام تعجب من أن يكون رسولا، وإشارة القرب تهاون به.

الالوسي

تفسير : {وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ } أي ما يتخذونك {إِلاَّ هُزُواً } على معنى ما يفعلون به إلا اتخاذك هزواً أي موضع هزو أو مهزواً به فهزواً إما مصدر بمعنى المفعول مبالغة أو هو بتقدير مضاف وجملة {إِن يَتَّخِذُونَكَ } جواب {إذا}، وهي كما قال أبو حيان وغيره تنفرد بوقوع جوابها المنفي بأن ولا وما بدون فاء بخلاف غيرها من أدوات الشرط. وقوله تعالى: {أَهَـٰذَا ٱلَّذِى بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً } مقول قول مضمر أي يقول أهذا الخ. والجملة في موضع الحال من فاعل {يتخذونك} أو مستأنفة في جواب ماذا يقولون؟ وجوز أن تكون الجواب وجملة {إِن يَتَّخِذُونَكَ } معترضة، وقائل ذلك أبو جهل ومن معه، وروي أن الآية نزلت فيه، والإشارة للاستحقار كما في يا عجباً لابن عمرو هذا، وعائد الموصول محذوف أي بعثه و {رَسُولاً } حال منه وهو بمعنى مرسل. وجوز أبو البقاء أن يكون مصدراً حذف منه المضاف أي ذا رسول أي رسالة وهو تكلف مستغنى عنه، وإخراج بعث الله تعالى إياه صلى الله عليه وسلم رسولاً بجعله صلة وهم على غاية الإنكار تهكم واستهزاء وإلا لقالوا: أبعث الله هذا رسولاً. وقيل: إن ذلك بتقدير أهذا الذي بعث الله رسولاً في زعمه، وما تقدم أوفق بحال أولئك الكفرة مع سلامته من التقدير.

ابن عاشور

تفسير : كان ما تقدمت حكايته من صنوف أذاهُم الرسولَ عليه الصلاة والسلام أقوالاً في مغيبه، فعُطف عليها في هذه الآية أذى خاص وهو الأذى حين يرونه. وهذا صنف من الأذى تبعثهم إليه مشاهدة الرسول في غير زيّ الكبراء والمترَفين لا يجرّ المطارف ولا يركب النجائب ولا يمشي مرحاً ولا ينظر خُيلاء ويجالس الصالحين ويُعرض عن المشركين، ويرفق بالضعفاء ويواصل الفقراء، وأولئك يستخفون بالخلُق الحسن، لما غلب على آرائهم من أفَن، لذلك لم يخل حاله عندهم من الاستهزاء به إذا رَأوه بأن حاله ليست حال من يختاره الله لرسالته دونَهم، ولا هو أهل لقيادتهم وسياستهم. وهذا الكلام صدر من أبي جهل وأهل ناديه. و{إذا} ظرف زمان مضمَّن معنى الشرط فلذلك يجعل متعلَّقه جواباً له. فجملة {إن يتخذونك إلا هزؤاً} جوابُ {إذا}. والهُزُؤ بضمتين: مصدر هزأ به. وتقدم في قوله: (تعالى) {أية : قالوا أتَتّخِذُنا هُزوءاً} تفسير : في سورة البقرة (67). والوصف للمبالغة في استهزائهم به حتى كأنه نفس الهُزؤ لأنهم محَّضوه لذلك، وإسناد {يتخذونك} إلى ضمير الجمع للدلالة على أن جماعاتهم يستهزئون به إذا رأوه وهم في مجالسهم ومنتدياتهم. وصيغة الحصر للتشنيع عليهم بأنهم انحصر اتخاذُهم إياه في الاستهزاء به يلازمونه ويدْأبون عليه ولا يخلطون معه شيئاً من تذكر أقواله ودعوته، فالاستثناء من عموم الأحوال المنفية، أي لا يتخذونك في حالة إلا في حالة الاستهزاء. وجملة {أهذا الذي بعث الله رسولاً} بيان لجملة {إن يتخذونك إلا هزؤاً} لأن الاستهزاء من قبيل القول فكان بيانه بما هو من أقوالهم ومجاذَبتهم الأحاديث بينهم. والاستفهام إنكار لأن يكون بعثَه الله رسولاً. واسم الإشارة مستعمل في الاستصغار كما علمت في أول تفسير هذه الآية. والمعنى: إنكار أن يكون المشار إليه رسولاً لأن في الإشارة إليه ما يكفي للقطع بانتفاء أنه رسول الله في زعمهم، وقد تقدم قريب من هذه الجملة في قوله تعالى: {أية : وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هُزؤاً أهذا الذي يذكر آلهتكم} تفسير : في سورة الأنبياء (36)، سوى أن الاستفهام هنالك تعجبي فانظره. أما قولهم {إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها} فالمقصود منه تفاخرهم بتصلبهم في دينهم وأنهم كادوا أن يتبعوا دعوة الرسول بما يلقيه إليهم من الإقناع والإلحاح فكان تَأثر أسماعِهم بأقواله يُوشك بهم أن يرفضوا عبادة الأصنام لولا أنهم تريَّثوا، فكان في الريث أن أفاقوا من غِشاوة أقواله وخلابة استدلاله واستبصروا مرآة فانجلى لهم أنه لا يستأهل أن يكون مبعوثاً من عند الله، فقد جمعوا من كلامهم بين تزييف حجته وتنويه ثباتهم في مقام يَستفز غير الراسخين في الكفر. وهذا الكلام مشوب بفَسادِ الوضع ومؤلف على طرائق الدهماء إذ يتكلمون كما يشتهون ويستبلهون السامعين. ومن خلابة المغالطة إسنادهم مقاربة الإضلال إلى الرسول دون أنفسهم ترفعاً على أن يكونوا قاربوا الضلال عن آلهتهم مع أن مقاربته إضلالَهم تستلزم اقترابهم من الضلال. و{إنْ} مخفَّفَة من (إنّ) المشددة، والأكثر في الكلام إهمالها، أي ترك عملها نصبَ الاسم ورفعَ الخبر، والجملة التي تليها يلزم أن تكون مفتتحة بفعل من أخوات كان أو من أخوات ظنّ وهذا من غرائب الاستعمال. ولو ذهبنا إلى أن اسمها ضمير شأن وأن الجملة التي بعدها خبر عن ضمير الشأن كما ذهبوا إليه في (أنّ) المفتوحة الهمزة إذا خففت لما كان ذلك بعيداً. وفي كلام صاحب «الكشاف» ما يشهد له في تفسير قوله تعالى: {أية : وإن كانوا من قبلُ لفي ضلال مبين} تفسير : في سورة آل عمران (164)، والجملة بعدها مستأنفة، واللاّم في قوله {لَيُضِلّنا} هي الفارقة بين (إنْ) المحققة وبين (إنْ) النافية. والصبر: الاستمرار على ما يشق عمله على النفس. ويعدّى فعله بحرف (على) لما يقتضيه من التمكن من الشيء المستمر عليه. و{لولا} حرف امتناع لوجود، أي امتناع وقوع جوابها لأجل وجود شرطها فتقتضي جواباً لشرطها، والجواب هنا محذوف لدلالة ما قبل {لولا} عليه، وهو {إن كاد ليضلنا}. وفائدة نسج الكلام على هذا المنوال دون أن يؤتى بأداة الشرط ابتداء متلوة بجوابها قصد العناية بالخبر ابتداء بأنه حاصل ثم يؤتى بالشرط بعده تقييداً لإطلاق الخبر فالصناعة النحوية تعتبر المقدَّم دليلَ الجواب، والجواب محذوفاً لأن نظر النحوي لإقامة أصل التركيب، فأما أهل البلاغة فيعتبرون ذلك للاهتمام وتقييد الخبر بعد إطلاقه، ولذا قال في «الكشاف»: «{لولا} في مثل هذا الكلام جار مجرى التقييد للحكم المطلق من حيث المعنى لا من حيث الصنعة» فهذا شأن الشروط الواقعة بعد كلام مقصود لذاته كقوله تعالى: {لا تتخذوا عدوّي وعدوّكم أولياء} إلى قوله: {أية : إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي}تفسير : [الممتحنة: 1] فإن قوله: {إن كنتم} قيد في المعنى للنهي عن موالاة أعداءِ الله. وتأخير الشرط ليَظهر أنه قيد للفعل الذي هو دليل الجواب. قال في «الكشاف»: {إن كنتم خرجتم} متعلق بــــ{لا تتخذوا} يعني: لا تتولوا أعدائي إن كنتم أوليائي. وقولُ النحويين في مثله هو شرط جوابه محذوف لدلالة ما قبله عليه» اهــــ. وكذلك ما قدم فيه على الشرط ما حقه أن يكون جواباً للشرط تقديماً لقصد الاهتمام بالجواب كقوله تعالى: {أية : قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين}تفسير : [آل عمران: 93]. هذا جواب قولهم {إن كاد لَيُضِلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها} المتضمن أنهم على هدى في دينهم، وكان الجواب بقطع مُجادلتهم وإحالتهم على حين رؤيتهم العذاب ينزل بهم، فتضمن ذلك وعيداً بعذاب. والأظهر أن المراد عذاب السيف النازل بهم يوم بدر، وممن رآه أبو جهل سيّد أهل الوادي، وزعيم القالة في ذلك النادي. ولما كان الجواب بالإعراض عن المحاجّة ارتكب فيه أسلوب التهكم بجعل ما ينكشف عنه المستقبل هو معرفة من هو أشد ضلالاً من الفريقين على طريقة المجاراة وإرخاء العنان للمخطىءِ إلى أن يقف على خطئه وقد قال أبو جهل يوم بدر وهو مثخَّن بالجراح في حالة النزع لما قال له عبد الله بن مسعود: أنتَ أبو جهل؟ فقال: «وهَل أعمد من رجل قتله قومه». و{مَن} الاستفهامية أوجبت تعليق فعل {يعلمون} عن العمل.

الشنقيطي

تفسير : تقدم إيضاحه في سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَإِذَا رَآكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهَـٰذَا ٱلَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ هُمْ كَافِرُونَ} تفسير : [الأنبياء: 36]، وما قالوه هنا: من أنهم صبروا على آلهتهم، بين في سورة (ص) أن بعضهم أمر به بعضاً في قوله تعالى: {أية : وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ وَاْصْبِرُواْ عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ} تفسير : [ص: 6] الآية.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: إن يتخذونك: أي ما يتخذونك. إلا هزواً: أي مهزوءاً به. أهذا الدي بعث الله رسولاً: أي في دعواه لا أنهم معترفون برسالته والاستفهام للتهكم والاحتقار. إن كاد ليضلنا عن آلهتنا: أي قارب أن يصرفنا عن آلهتنا. لولا أن صبرنا عليها: أي لصرفنا عنها. أرأيت من اتخذ إلهه هواه: أي أخبرني عمن جعل هواه معبوده فأطاع هواه. فهل تقدر على هدايته. إن هم إلا كالأنعام: أي ما هم إلا كالأنعام في عدم الوعي والإِدراك. معنى الآيات: قوله تعالى {وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً} يخبر تعالى رسوله عن أولئك المشركين المكذبين بالبعث أنهم إذا رأوه في مجلس أو طريق ما يتخذونه إلا هزواً أي مهزوءاً به احتقاراً وازدراءً له فيقولون فيما بينهم، {أَهَـٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً} وهو استفهام احتقار وازدراء لأنهم لا يعتقدون أنه رسول الله ويقولون {إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا} أي يصرفنا عن عبادة آلهتنا لولا أن صبرنا وثبتنا على عبادتها. وهذا القول منهم نابج عن ظلمة الكفر والتكذيب بالبعث وقوله تعالى {وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ} في الدنيا أو في الآخرة أي عندما يعاينون العذاب يعرفون من كان أضل سبيلاً هم أم الرسول والمؤمنون، وفي هذا تهديد ووعيد بقرب عذابهم وقد حل بهم في بدر فذلوا وأسروا وقتلوا وتبين لهم أنهم أضل سبيلاً من النبيّ وأصحابه. وقوله تعالى لرسوله وهو يسليه ويخفف عنه آلام إعراض المشركين عن دعوته {أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ} أخبرني عمن جعل معبوده هواه فلا يعبد غيره فكلما اشتهى شيئاً فعله بلا عقل ولا روية ولا فكر فقد يكون لأحدهم حجر يعبده فإذا رأى حجراً أحسن منه عبده وترك الأول فهذا لم يعبد إلا هواه وشهوته فهل مثل هذا الإِنسان الهابط إلى مستوى دون البهائم تقدر على هدايته يا رسولنا؟ {أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً} أي حفيظاً تتولى هدايته أم أنك لا تقدر فاتركه لنا يمضي فيه حكمنا. وقوله {أَمْ تَحْسَبُ} أيها الرسول أن أكثر هؤلاء المشركين يسمعون ما يقال لهم ويعقلون ما يطلب منهم إن هم إلا كالأنعام فقط بل هم أضل سبيلاً من الأنعام إذ الأنعام تعرف طريق مرعاها وتستجيب لنداء راعيها وهم على خلاف ذلك فجهلوا ربهم الحق ولم يتسجيبوا لنداء رسوله إليهم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان ما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يلاقي في سبيل الدعوة من سخرية به واستهزاء. 2- يتجاهل الإِنسان الضال الحق وينكره حتى إذا عاين العذاب عرف ما كان ينكر، وآمن بما كان يكفر. 3- هداية الإِنسان ممكنة حتى إذا كفر بعقله وآمن بشهوته وعبد هواه تعذرت هدايته وأصبح أضل من الحيوان وأكثر خسراناً منه.

القطان

تفسير : اتخذ إلهه هواه: اتبع هواه وشهواته. وكيلا: مؤكَّلا به. واذا رآك المشركون يقولون مستهزئين: أهذا الذي بعثه الله إلينا رسولاً نتبعه ونسير وراءه!؟ ها هو بحُسنِ بيانه وفصاحته يكاد يزحزحنا عن آلهتنا لولا صبرُنا وتمسّكنا بها. سيعلم هؤلاء حين ينزل بهم العذابُ من هو الضالّ ومن هو المهتدي. {أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ....} انظر يا محمد في حال الذي اتّبع شهواتِه حتى جعلها إلها له، انك لا تستطيع ان تدعوه الى الهدى، ولا أن تكون عليه حفيظا ووكيلا. وهل تظنّ أن اكثرهم يسمعون حقّ السماع ما تتلو عليهم أو يعقِلون ما تتضمنه المواعظ التي تلقيها عليهم! إنهم كالبهائم، لا همّ لهم إلا الأكل والشرب ومتاع الحياة الدنيا، بل هم شرٌّ من البهائم وأضلُّ سبيلا.

د. أسعد حومد

تفسير : (41) - وإذا رآك هَؤلاءِ المُشْرِكُونَ الذينَ قَصَصْتُ عليكَ قِصَّتَهُمْ اتَّخَذُوكَ مَوْضِعَ هُزْءٍ وَسُخْرِيَةٍ، وقالوا مستهزئين: أهذا الذي بعثَهُ اللهُ إلينا رسُولاً لِنَتَّبِعَهُ ونُؤمِنَ برسالَتِهِ؟ هُزُواً - مَهْزَوءاً بِه.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : (إنْ) نافية بمعنى: ما يتخذونك إلا هُزُواً، ثم ذكر صيغة الاستهزاء: {أَهَـٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً} [الفرقان: 41] وفي موضع آخر قالوا: {أية : أَهَـٰذَا ٱلَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ ..}تفسير : [الأنبياء: 36] كأنه صلى الله عليه وسلم دون هذه المنزلة، وما دام الرسول في نظرهم دون هذه المنزلة فإنهم يريدون شخصاً على مستوى المنزلة، كما قالوا: {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}تفسير : [الزخرف: 31]. ومعنى هذا أنهم مؤمنون بضرورة وجود إله ورسول ومنهج، وكل اعتراضهم أن تكون الرسالة في محمد بالذات. ثم تناقضون مع أنفسهم، فيقولون: {إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى شبهات المشركين حول القرآن والرسول، وردَّ عليهم بالحجج الدامغة، والبراهين القاطعة، ذكر هنا طرفاً من استهزائهم وسخريتهم بالرسول فلم يقتصروا على تكذيبه بل زادوا عليه بالاستهزاء والاحتقار، ثم ذكر الأدلة على وحدانيته تعالى وقدرته. اللغَة: {سُبَاتاً} السُّبات: الراحة جعل النوم سُباتاً لأنه راحة للأبدان وأصل السبت: القطع ومنه السبت لليهود لانقطاعهم فيه عن الأعمال {نُشُوراً} النشور: الانتشار والحركة، والنهار سببٌ للانتشار من أجل طلب المعاش {أَنَاسِيَّ} جمع إِنسي مثل كراسي وكرسي قال الفراء: الإِنسي والأناسي اسم للبشر وأصله انسان ثم أُبدلت من النون ياء فصار إِنسي {مَرَجَ} خلَّى وأرسل وخلط يقال مرجته إِذا خلطته و {أية : ۤ أَمْرٍ مَّرِيجٍ} تفسير : [ق: 5] أي مضطرب مختلط {فُرَاتٌ} شديد العذوبة {أُجَاجٌ} شديد الملوحة {بَرْزَخاً} حاجزاً. التفسِير: {وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً} أي وإِذا رآك المشركون يا محمد ما يتخذونك إِلا موضع هزء وسخرية {أَهَـٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً} أي قائلين بطريق التهكم والاستهزاء: أهذا الذي بعثه الله إِلينا رسولاً؟ {إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا} أي إِن كان ليصرفنا عن عبادة آلهتنا لولا أن ثبتنا عليها واسمتسكنا بعبادتها قال تعالى رداً عليهم {وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً} وعيد وتهديد أي سوف يعلمون في الآخرة عند مشاهدة العذاب من أخطأ طريقاً وأضل ديناً أهم أم محمد؟ {أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ} تعجيبٌ من ضلال المشركين أي أرأيت من جعل هواه إِلهاً كيف يكون حاله؟ قال ابن عباس: كان الرجل من المشركين يعبد حجراً فإِذا رأى حجراً أحسن منه رماه وأخذ الثاني فعبده {أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً} أي حافظاً تحفظه من اتباع هواه؟ ليس الأمر لك قال أبو حيان: وهذا تيئيسٌ من إِيمانهم، وإِشارةٌ للرسول عليه السلام ألا يتأسف عليهم، وإِعلامٌ أنهم في الجهل بالمنافع وقلة النظر في العواقب مثل البهائم {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ}؟ أي أتظن أن هؤلاء المشركين يسمعون ما تقول لهم سماع قبول؟ أو يعقلون ما تورده عليهم من الحجج والبراهين الدالة على الوحدانية فتهتم بشأنهم وتطمع في إِيمانهم؟ {إِنْ هُمْ إِلاَّ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً} أي ما هم إِلا كالبهائم بل هم أبشع حالاً، وأسوأ مآلاً من الأنعام السارحة، لأن البهائم تهتدي لمراعيها، وتنقاد لأربابها وتعرف من يحسن إِليها، وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يعرفون إِحسانه إِليهم، ثم ذكر تعالى أنواعاً من الدلائل الدالة على وحدانيته وكمال قدرته فقال {أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ} أي ألم تنظر إِلى بديع صنع الله وقدرته كيف بسط تعالى الظلَّ ومدَّه وقت النهار حتى يستروح الإِنسان بظل الأشياء من حرارة الشمس المتوهجة؟ إذ لولا الظلُّ لأحرقت الشمس الإِنسان وكدَّرت حياته {وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً} أي لو أراد سبحانه لجعله دائماً ثابتاً في مكانٍ لا يزول ولا يتحول عنه، ولكنه بقدرته ينقله من مكان إِلى مكان، ومن جهةٍ إلى جهة، فتارة يكون جهة المشرق، وتارة جهة المغرب، وأُخرى من أمام أو خلف {ثُمَّ جَعَلْنَا ٱلشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً} أي جعلنا طلوع الشمس دليلاً على وجود الظل، فلولا وقوع ضوئها على الأجرام لما عرف أن للظل وجوداً، ولما ظهرت آثار هذه النعمة الجليلة للعباد، والأشياء إِنما تُعرف بأضدادها فلولا الظلمة ما عُرف النور، ولولا الشمسُ ما عرف الظل "وبضدها تتميز الأشياء" {ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً} أي أزلنا هذا الظلَّ شيئاً فشيئاً، وقليلاً قليلاً لا دفعة واحدة لئلا تختل المصالح قال ابن عباس: الظلُّ من وقت طلوع الفجر إِلى وقت طلوع الشمس قال المفسرون: الظلُّ هو الأمر المتوسط بين الضوء الخالص والظلمة الخالصة، وهو يحدث على وجه الأرض منبسطاً فيما بين ظهور الفجر إلى طلوع الشمس، ثم إِن الشمس تنسخه وتزيله شيئاً فشيئاً، إلى الزوال، ثم هو ينسخ ضوء الشمس من وقت الزوال إلى الغروب ويسمى فَيْئاً، ووجه الاستدلال به على وجود الصانع الحكيم أن وجوده بعد العدم، وعدمه بعد الوجود، وتغير أحواله بالزيادة والنقصان، والانبساط والتقلص، على الوجه النافع للعباد لا بدَّ له من صانع قادر، مدبر حكيم، يقدر على تحريك الأجرام العلوية، وتدبير الأجسام الفلكية وترتيبها على الوصف الأحسن، والترتيب الأكمل وما هو إِلا الله رب العالمين. ثم أشار تعالى إِلى آثار قدرته، وجليل نعمته الفائضة على الخلق فقال {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ لِبَاساً} أي هو سبحانه الذي جعل لكم الليل كاللباس يستركم بظلامه كما يستركم اللباس بزينته قال الطبري: وصف الليل باللباس تشبيهاً من حيث يستر الأشياء فصار لهم ستراً يستترون به كما يستترون بالثياب التي يكسونها {وَٱلنَّوْمَ سُبَاتاً} أي وجعل النوم راحةٌ لأبدانكم بانقطاعكم عن أعمالكم {وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُوراً} أي وقتاً لانتشار الناس فيه لمعايشهم، ومكاسبهم، وأسباب رزقهم {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ بُشْرَى بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} أي أرسل الرياح مبشرة بنزول الغيث والمطر {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً} أي أنزلنا من السحاب الذي ساقته الرياح ماءً طاهراً مطهّراً تشربون وتتطهرون به قال القرطبي: وصيغة {طَهُوراً} بناء مبالغة في "طاهر" فاقتضى أن يكون طاهراً مطهّراً {لِّنُحْيِـيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً} أي لنحيي بهذا المطر أرضاً ميتةً لا زرع فيها ولا نبات {وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَآ أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً} أي وليشرب منه الحيوان والإِنسان لأن الماء حياة كل حيّ، والناس محتاجون إِليه غاية الحاجة لشربهم وزروعهم وسقي مواشيهم قال الإِمام الفخر: وتنكير الأنعام والأناسي لأن حياة البشر بحياة أرضهم وأنعامهم، وأكثر الناس يجتمعون في البلاد القريبة من الأودية والأنهار، فهم في غنية عن شرب مياه المطر، وكثيرٌ منهم نازلون في البوادي فلا يجدون المياه للشرب إِلا عند نزول المطر ولهذا قال {أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً} أي بشراً كثيرين لأن "فعيل" يراد به الكثرة {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ} أي ضربنا الأمثال في هذا القرآن للناس وبيَّنا فيه الحجج والبراهين ليتفكروا ويتدبروا {فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً} أي أبى الكثير من البشر إِلا الجحود والتكذيب {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً} أي لو أردنا لخففنا عنك أعباء النبوة فبعثنا في كل أهل قرية نبياً ينذرهم، ولكنا خصصناك بالبعثة إلى جميع أهل الأرض إِجلالاً لك، وتعظيماً لشأنك، فقابل هذا الإِجلال بالثبات والاجتهاد في الدعوة وإِظهار الحق {فَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبيراً} أي فلا تطع الكفار فيما يدعونك إِليه من الكفّ عن آلهتهم، وجاهدهم بالقرآن جهاداً كبيراً بالغاً نهايته لا يصاحبه فتور {وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ} أي هو تعالى بقدرته خلى وأرسل البحرين متجاورين متلاصقين بحيث لا يتمازجان {هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ} أي شديد العذوبة قاطع للعطش من فرط عذوبته {وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} أي بليغ الملوحة، مرٌّ شديد المرارة {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً} أي جعل بينهما حاجزاً من قدرته لا يغلب أحدهما على الآخر {وَحِجْراً مَّحْجُوراً} أي ومنعاً من وصول أثر أحدهما إِلى الآخر وامتزاجه به قال ابن كثير: معنى الآية أنه تعالى خلق الماءين: الحلو والمالح، فالحلو كالأنهار والعيون والآبار، والمالح كالبحار الكبار التي لا تجري، وجعل بين العذب والمالح حاجزاً وهو اليابس من الأرض، ومانعاً من أن يصل أحدهما إِلى الآخر، وهذا اختيار ابن جرير وقال الرازي: ووجه الاستدلال هٰهنا بيّن لأن الحلاوة والملوحة إِن كانت بسبب طبيعة الأرض أو الماء فلا بدَّ من الاستواء، وإِن لم يكن كذلك فلا بدَّ من قادر حكيم يخص كل واحد بصفة معينة {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلْمَآءِ بَشَراً} أي خلق من النطفة إِنساناً سميعاً بصيراً {فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً} أي قسمهم من نطفةٍ واحدة قسمين: ذوي نسب أي ذكوراً ينسب إليهم لأن النسب إِلى الآباء كما قال الشاعر: شعر : فإِنما أمهاتُ الناس أوعيةٌ مستودعات وللآباء أبناء تفسير : وإِناثاً يُصاهر بهن، فبالنسب يتعارفون ويتواصلون، وبالمصاهرة تكون المحبة والمودة واجتماع الغريب بالقريب {وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً} أي مبالغاً في القدرة حيث خلق من النطفة الواحدة ذكراً وأنثى.. ولما شرح دلائل التوحيد عاد إِلى تهجين سيرة المشركين في عبادة الأوثان فقال {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُهُمْ وَلاَ يَضُرُّهُمْ} أي يعبدون الأصنام التي لا تنفع ولا تضر لأنها جمادات لا تُحسُّ ولا تُبصر ولا تعقل {وَكَانَ ٱلْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيراً} أي معيناً للشيطان على معصية الرحمن، لأنَّ عبادته للأصنام معانة للشيطان قال مجاهد: يظاهر الشيطان على معصية الله ويُعينه {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً} أي مبشراً للمؤمنين بجنات النعيم، ومنذراًَ للكافرين بعذاب الجحيم {قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} أي قل لهم يا محمد لا أسألكم على تبليغ الرسالة أجراً {إِلاَّ مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً} أي لكن من شاء أن يتخذ طريقاً يقربه إِلى الله بالإِيمان والعمل الصالح فليفعل كأنه يقول: لا أسألكم مالاً ولا أجراً وإِنما أسألكم الإِيمان بالله وطاعته وأجري على الله {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي لاَ يَمُوتُ} أي اعتمد في جميع أمورك على الواحد الأحد، الدائم الباقي الذي لا يموت أبداً، فإِنه كافيك وناصرك ومظهر دينك على سائر الأديان {وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ} أي نزّه الله تعالى عمّا يصفه هؤلاء الكفار مما لا يليق به من الشركاء والأولاد {وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً} أي حسبك أن الله مطَّلع على أعمال العباد لا يخفى عليه شيء منها قال الإِمام الفخر: وهذه الكلمة يراد بها المبالغة كقولهم: كفى بالعلم جمالاً، وكفى بالأدب مالاً، وهي بمعنى حسبك أي لا تحتاج معه إلى غيره لأنه خبيرٌ بأحوالهم، قادر على مجازاتهم، وذلك وعيدٌ شديد {ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} أي هذا الإِله العظيم الذي ينبغي أن تتوكل عليه هو القادر على كل شيء، الذي خلق السماوات السبع في ارتفاعها واتساعها، والأرضين في كثافتها وامتدادها في مقدار ستة أيام من أيام الدنيا قال ابن جبير: الله قادر على أن يخلقها في لحظة ولكن علَّم خلقه الرفق والتثبت {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} استواءً يليق بجلاله من غير تشبيه ولا تعطيل {ٱلرَّحْمَـٰنُ} أي هو الرحمن ذو الجود والإِحسان {فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً} أي فسلْ عنه من هو خبيرٌ عارف بجلاله ورحمته، وقيل: الضمير يعود إلى الله أي فاسأل اللهَ الخبيرَ بالأشياء، العالم بحقائقها يطلعك على جليَّة الأمر {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰنِ} أي وإِذا قيل للمشركين اسجدوا لربكم الرحمن الذي وسعت رحمته الأكوان {قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ}؟ أي من هو الرحمن؟ استفهموا عنه استفهام من يجهله وهم عالمون به {أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا} أي أنسجد لما تأمرنا بالسجود له من غير أن نعرفه؟ {وَزَادَهُمْ نُفُوراً} اي وزادهم هذا القول بعداً عن الدين ونفوراً منه. البَلاَغَة: تضمنت الآيات وجوهاً من البلاغة والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الاستفهام للتهكم والاستهزاء {أَهَـٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً}؟ 2- التعجيب {أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ} وفيه تقديم المفعول الثاني على الأول اعتناءً بالأمر المتعجب منه والأصل "اتخذ هواه إِلهاً له". 3- التشبيه البليغ {جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ لِبَاساً} أي كاللباس الذي يغطي البدن ويستره حذف منه الأداة ووجه الشبه فأصبح بليغاً. 4- المقابلة اللطيفة بين الليل والنهار والنوم والانتشار {جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ لِبَاساً وَٱلنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُوراً}. 5- الاستعارة البديعة {بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} استعار اليدين لما يكون أمام الشيء وقدَّامه كما تقول: بين يدي الموضوع أو السورة. 6- الالتفات من الغيبة إلى التكلم للتعظيم {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ} بعد قوله {ۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ}. 7- المقابلة اللطيفة {هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ، وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} أي نهاية في الحلاوة ونهاية في الملوحة. تنبيه: الفرق بين {مَيْت} بالتخفيف و {مَّيْت} بالتشديد أن الأول لمن مات حقيقة والثاني لمن سيموت قال الشاعر: شعر : أيا سائلي تفسير مَيْتٍ ومَيِّتٍ فدونَك قد فسرتُ ما عنه تسأل فما كان ذا روحٍ فذلك مَيِّتٌ وما المَيْتُ إِلا من إِلى القبر يُحمل

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: وإذا رآك يا محمد هؤلاء المكذبون لك المعاندون لآيات [الله] المستكبرون في الأرض استهزءوا بك واحتقروك وقالوا -على وجه الاحتقار والاستصغار- { أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولا } أي: غير مناسب ولا لائق أن يبعث الله هذا الرجل، وهذا من شدة ظلمهم وعنادهم وقلبهم الحقائق فإن كلامهم هذا يفهم أن الرسول -حاشاه- في غاية الخسة والحقارة وأنه لو كانت الرسالة لغيره لكان أنسب. {أية : وَقَالُوا لَوْلا نزلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } تفسير : فهذا الكلام لا يصدر إلا من أجهل الناس وأضلهم، أو من أعظمهم عنادا وهو متجاهل، قصده ترويج ما معه من الباطل بالقدح بالحق وبمن جاء به، وإلا فمن تدبر أحوال محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وجده رجل العالم وهمامهم ومقدمهم في العقل والعلم واللب والرزانة، ومكارم الأخلاق ومحاسن الشيم والعفة والشجاعة والكرم وكل خلق فاضل، وأن المحتقر له والشانئ له قد جمع من السفه والجهل والضلال والتناقض والظلم والعدوان ما لا يجمعه غيره، وحسبه جهلا وضلالا أن يقدح بهذا الرسول العظيم والهمام الكريم. والقصد من قدحهم فيه واستهزائهم به تصلبهم على باطلهم وغرورا لضعفاء العقول ولهذا قالوا: { إِنْ كَادَ } هذا الرجل { لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا } بأن يجعل الآلهة إلها واحدا { لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا } لأضلنا زعموا -قبحهم الله- أن الضلال هو التوحيد وأن الهدى ما هم عليه من الشرك فلهذا تواصوا بالصبر عليه. {أية : وَانْطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ }. تفسير : وهنا قالوا: { لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا } والصبر يحمد في المواضع كلها، إلا في هذا الموضع فإنه صبر على أسباب الغضب وعلى الاستكثار من حطب جهنم. وأما المؤمنون فهم كما قال الله عنهم: {أية : وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ } تفسير : ولما كان هذا حكما منهم بأنهم المهتدون والرسول ضال وقد تقرر أنهم لا حيلة فيهم توعدهم بالعذاب وأخبر أنهم في ذلك الوقت { حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ } يعلمون علما حقيقيا { مَنْ } هو { أَضَلُّ سَبِيلا } { وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا } الآيات. وهل فوق ضلال من جعل إلهه معبوده [هواه] فما هويه فعله فلهذا قال: { أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ } ألا تعجب من حاله وتنظر ما هو فيه من الضلال؟ وهو يحكم لنفسه بالمنازل الرفيعة؟ { أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلا } أي: لست عليه بمسيطر مسلط بل إنما أنت منذر، وقد قمت بوظيفتك وحسابه على الله. ثم سجل تعالى على ضلالهم البليغ بأن سلبهم العقول والأسماع وشبههم في ضلالهم بالأنعام السائمة التي لا تسمع إلا دعاء ونداء، صم بكم عمي فهم لا يعقلون بل هم أضل من الأنعام لأن الأنعام يهديها راعيها فتهتدي وتعرف طريق هلاكها فتجتنبه وهي أيضا أسلم عاقبة من هؤلاء، فتبين بهذا أن الرامي للرسول بالضلال أحق بهذا الوصف وأن كل حيوان بهيم فهو أهدى منه.