Verse. 2898 (AR)

٢٥ - ٱلْفُرْقَان

25 - Al-Furqan (AR)

اَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ اِلٰـہَہٗ ہَوٰىہُ۝۰ۭ اَفَاَنْتَ تَكُوْنُ عَلَيْہِ وَكِيْلًا۝۴۳ۙ
Araayta mani ittakhatha ilahahu hawahu afaanta takoonu AAalayhi wakeelan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أرأيت» أخبرني «من اتخذ إلههُ هواه» أي مُهويه قدَّم المفعول الثاني لأنه أهمّ وجملة من اتخذ مفعول أول لرأيت والثاني «أفأنت تكون عليه وكيلا» حافظا تحفظه عن ابتاع هواه لا.

43

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ} عَجَّب نبيه صلى الله عليه وسلم من إضمارهم على الشرك وإصرارهم عليه مع إقرارهم بأنه خالقهم ورازقهم، ثم يعمد إلى حجر يعبده من غير حجة. قال الكلبي وغيره: كانت العرب إذا هوِي الرجل منهم شيئاً عبده من دون الله، فإذا رأى أحسن منه ترك الأوّل وعَبَد الأحسن؛ فعلى هذا يعني: أرأيت مِن اتخذ إِلهه بهواه؛ فحذف الجار. وقال ابن عباس: الهوى إله يعبد من دون الله، ثم تلا هذه الآية. قال الشاعر:شعر : لعمر أبيها لو تبدّت لناسك قد اعتزل الدنيا بإحدى المناسِك لَصلَّى لها قبل الصلاة لربه ولا ٱرتد في الدنيا بأعمال فاتك تفسير : وقيل: {اتَّخَذ إِلَهَهُ هَواهُ} أي أطاع هواه. وعن الحسن لا يهوى شيئاً إلا اتبعه، والمعنى واحد. {أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً} أي حفيظاً وكفيلاً حتى تردّه إلى الإيمان وتخرجه من هذا الفساد. أي ليست الهداية والضلالة موكولتين إلى مشيئتك، وإنما عليك التبليغ. وهذا رد على القدرية. ثم قيل: إنها منسوخة بآية القتال. وقيل: لم تنسخ؛ لأن الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَرَءَيْتَ } أخبرني {مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَٰهُ } أي مَهْوِيَّهُ، قدّم المفعول الثاني لأنه أهمَّ وجملة «من اتخذ» مفعول أوّل لرأيت الثاني و{أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً } حافظاً تحفظه عن اتباع هواه؟ لا.

ابن عبد السلام

تفسير : {مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} قوم كانوا يعبدون ما يستحسنونه من الحجارة فإذا رأوا أحسن منه عبدوه وتركوا الأول "ع"، أو الحارث بن قيس كان إذا هوى شيئاً عبده، أو التابع هواه في كل ما دعاه إليه "ح". {وَكِيلاً} ناصراً، أو حفيظاً، أو كفيلاً أو مسيطراً.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ} الآية. "أَرَأَيْتَ" كلمة تصلح للإعلان والسؤال، وههنا تعجب ممن هذا وصفه ونعته. وقوله: {مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ} مفعولا الاتخاذ من غير تقديم ولا تأخير، لاستوائهما في التعريف. وقال الزمخشري: فإن قلت: لم أخر "هَوَاهُ" والأصل قولك: اتخذ الهوى إلهاً. قلت: ما هو إلا تقديم المفعول الثاني على الأول للعناية (به) كما تقول: علمت منطلقاً زيداً لفضل عنايتك بالمنطلق. قال أبو حيان: وادعاء القلب، يعني: أن التقديم ليس بجيد، لأنه من ضرائر الأشعار. قال شهاب الدين: قد تقدم فيه ثلاثة مذاهب، على أن هذا ليس من القلب المذكور في شيء إنما هو تقديم وتأخير فقط. وقرأ ابنُ هُرمز "إِلاَهَةً هَوَاهُ" على وزن فعالة، والإِلهة بمعنى المَأْلُوه، والهاء للمبالغة كـ "عَلاَّمَة وَنسَّابة). و"إِلاَهَةً" مفعول ثاني قدم لكونه نكرة ولذلك صرف. وقيل: إلاهة هي الشمس، ورد هذا بأنه كان ينبغي أن يمتنع من الصرف للعلمية والتأنيث. وأجيب بأنها يدخل عليها (أل) كثيراً فلما نزعت منها صارت نكرة جارية مجرى الأوصاف. ويقال: أُلاهة بضم الهمزة للشمس وقرأ بعض المَدَنيِّين "آلِهَةً هَوَاهُ" جمعُ إله، وهو أيضاً مفعول مقدم وجمع باعتبار الأنواع، فقد كان الرجل يعبد آلهة شتى. ومفعول "أَرَأَيْتَ" الأول "مَنْ" والثاني الجملة الاستفهامية. فصل قال ابن عباس: الهوى إله يعبد. وقال سعيد بن جبير: كان الرجل من المشركين يعبد الحجر، فإذا رأى حجراً أحسن منه طرح الأول وأخذ الآخر وعبده. {أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً} أي: حافظاً تحفظه من اتباع هواه، أي لست كذلك، ونظيره: {أية : لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ} تفسير : [الغاشية: 22] {أية : وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ} تفسير : [ق: 45] {أية : لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ} تفسير : [البقرة: 256]، قال الكلبي: نسختها آية القتال. {أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون} يسمعون ما تقول سماع طالب الإفهام، أو يعقلون ما يعاينون من الحجج والأعلام. و"أم" هنا منقطعة بعنى: بل. {إِنْ هُمْ إِلاَّ كَٱلأَنْعَامِ} في عدم انتفاعهم بالكلام، وعدم تدبرهم، وتفكرهم، بل هم أضل سبيلاً لأن البهائم تهتدي لمراعيها ومشاربها، وتَنْقَاد لأربابها التي تتعهدها، (وتطلب ما ينفعها، وتجتنب ما يضرها، وقلوب الأنعام خالية عن العلم، وعن الاعتقاد الفاسد، وهؤلاء قلوبهم خالية عن العلم ومليئة من الاعتقاد والباطل، وعدم علم الأنعام لا يضر بأحد، وجهل هؤلاء منشأ للضرر العظيم، لأنهم يصدون الناس عن سبيل الله، والبهائم لا تستحق عقاباً على عدم العلم، وهؤلاء يستحقون على عدم العلم أعظم العقاب)، وهؤلاء الكفار لا يعرفون طريق الحق ولا يطيعون ربهم الذي خلقهم ورزقهم، ولأن الأنعام تسجد وتسبح الله، وهؤلاء الكفار لا يفعلون فإن قيل: لم قال: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ} فحكم بذلك على الأكثر دون الكل؟ فالجواب: لأنه كان فيهم من يعرف الله ويعقل الحق إلا أنه ترك الإسلام لحبّ الرياسة لا للجهل. فإن قيل: إنه تعالى لما نفى عنهم السمع والعقل فكيف ذمهم على الإعراض عن الدين، وكيف بعث الرسول إليهم، فإن من شرط التكليف العقل؟ فالجواب: ليس المراد أنهم لا يعقلون بل المراد أنهم لم ينتفعوا بذلك العقل، فهو كقول الرجل لغيره إذا لم يفهم: إنما أنت أعمى وأصم.

السيوطي

تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ‏{‏أرأيت من اتخذ إِلهه هواه‏} ‏ قال‏:‏ كان الرجل يعبد الحجر الأبيض زماناً من الدهر في الجاهلية، فإذا وجد حجراً أحسن منه رمى به وعبد الآخر، فأنزل الله الآية‏. وأخرج ابن مردويه عن أبي رجاء العطاردي قال‏:‏ كانوا في الجاهلية يأكلون الدم بالعلهز ويعبدون الحجر، فإذا وجدوا ما هو أحسن منه رموا به وعبدوا الآخر، فإذا فقدوا الآخر أمروا منادياً فنادى‏:‏ أيها الناس إن إلهكم قد ضل فالتمسوه‏.‏ فانزل الله هذه الآية ‏{‏أرأيت من اتخذ إلهه هواه‏}‏ ‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏أرأيت من اتخذ إلهه هواه‏}‏ قال‏: ذاك الكافر اتخذ دينه بغير هدى من الله ولا برهان. ‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن {أرأيت من اتخذ إلهه هواه} قال:‏ لا يهوى شيئاً إلا تبعه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة ‏{‏أرأيت من اتخذ إلهه هواه‏}‏ قال‏:‏ كلما هوى شيئاً ركبه، وكلما اشتهى شيئاً أتاه‏.‏ لا يحجزه عن ذلك ورع ولا تقوى‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الحسن أنه قيل له‏:‏ في أهل القبلة شرك‏؟‏ فقال‏:‏ نعم‏.‏ المنافق مشرك، إن المشرك يسجد للشمس والقمر من دون الله، وإن المنافق عند هواه‏.‏ ثم تلا هذه الآية ‏ {‏أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا‏ً}‏.‏ وأخرج الطبراني عن أبي امامة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏حديث : ما تحت ظل السماء من إله يعبد من دون الله أعظم عند الله من هوى متبع ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏{‏أم تحسب أن أكثرهم يسمعون‏} ‏ قال‏:‏ مثل الذين كفروا كمثل البعير والحمار والشاة‏.‏ إن قلت لبعضهم كل لم يعلم ما تقول غير أنه يسمع صوتك‏.‏ كذلك الكافر إن أمرته بخير، أو نهيته عن شر، أو وعظته لم يعقل ما تقول غير أنه يسمع صوتك‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله ‏{‏بل هم أضل سبيلا‏ً} ‏ قال‏:‏ أخطأ السبيل‏.‏

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ} [الآية: 43]. قال أبو سليمان: من اتبع نفسه هواها فقد أشرك فى قتلها لأن حياتهما بالذكر، وموتها وقتلها بالغفلة وإذا غفل اتبع الشهوات، وإذا اتبع الشهوات صار فى حكم الأموات. قال أيضًا: النفس حية ما دامت تخالف هواها فإذا وافقت هواها ماتت، وموتها فى انهماكها فى المعاصى وإعراضها عن الطاعات.

القشيري

تفسير : كانوا يعبدون من الأصنام ما يَهْوَوْن؛ يستبدلون صنماً بصنم، وكانوا يَجْرُون على مقتضى ما يقع لهم. والمؤمنُ بِحُكْمِ اللَّهِ لا بحكم نفسه، وبهذا يتضح الفرقان بين رجل وبين رجل. والذي يعيش على ما يقع له فعابِدُ هواه، وملتحِقٌ بالذين ذكرهم الحقُّ بالسوءِ في هذه الآية.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ} غير الله سبحانه المتابعين هواهم لانهم بمعزل من رؤية الالوهية ومشاهدة الازلية استفهم على وجه التعجب من حبيبه بقوله ارايت من اتخذ الهه هواه الى طلعت شموس انوار الصفات من مشارق الأيات وان هولاء البطالين بقوا فى ظلمات الطبائع قال ابو سليمان من اتبع نفسه وهاها فقد شرك فى قتلها لان حيوتها بالذكر وموتها وقتلها بالغفلة واذا غفل اتبع الشهوات واذا اتبع الشهوات صار فى حكم الاصوات ثم خاطب بنبيه عليه السّلام بالحقيقة حيث ان اسماعهم وقلوبهم وابصارهم وعقولهم محجوبة عن مناداة الحق من الغيوب فى القلوب.

اسماعيل حقي

تفسير : {أرأيت} [آياديدى] {من اتخذ الهه هواه} كلمة أرأيت تستعمل تارة للاعلام وتارة للسؤال وههنا للتعجيب من جهل من هذا وصفه والهه مفعول ثان قدم على الاول للاعتناء به لانه الذى يدور عليه امر التعجب والهوى مصدر هويه اذا احبه واشتهاه ثم سمى به المهوى المشتهى محمودا كان او مذموما ثم غلب على غير المحمود فقيل فلان اتبع هواه اذا اريد ذمه فالهوى ما يميل اليه الطبع وتهواه النفس بمجرد الاشتهاء من غير سند منقول ودليل معقول. والمعنى أرأيت يا محمد من جعل هواه الها لنفسه بان اطاعه وبنى عليه امر دينه معرضا عن استماع الحجة والبرهان بالكلية كأنه قيل ألا تعجب ممن جعل هواه بمنزلة الاله فى الالتزام طاعته وعدم مخالفته فانظر اليه وتعجب منه وهذا الاستفهام للتقرير والتعجيب وكفته اند قومى بودند ازعرب كه سنك مى برستيدند هركاه كه ايشانرا سنكى نيكو بجشم آمدى ودل ايشان آن خواستى آنرا سجود بردندى وآنجه داشتندى بيفكندندى حارث بن قيس ازايشان بود دركاروانى ميرفتند وآن سنك داشتند ازشتر بيفتاد آواز در قافله افتادكه سنك معبود ازشتر بيفتاد توقف كنيد تابجوييم ساعتى جستند ونيافتند كوينده ازايشان آواز دادكه] وجدت حجرا احسن منه فسيراو وفى الحديث "حديث : ماعبد اله ابغض على الله من الهوى"تفسير : فكل من يعيش على ما يكون له فيه شرب نفسانى ولو كان استعمال الشريعة بهذه الطبيعة ومطلبه فيه الحظوظ النفسانية لا الحقوق الربانية فهو عابد هواه كما فى التأويلات النجمية، قال الكاشفى صاحب تأويلات فرموده كه هركه بغير خداى جيزى دوست دارد وبروبازماند واورا برسته درحقيقت هواى خودرا مى برستد زيرا كه هواى اورا برمحبت غير خدا ميدارد سيد حسينى رحمه الله در طرب المجالس آورده كه جون آدم صفى عليه السلام باحوا عقد بستند ابليس ودنيا بيكديكر بيوستند وهمجنانكه ازامتزاج آنان بايكديكر آدمى وجود كرفت ازوصلت اينان باهمه هوا مدد مى يابند رسوم وعادات مردوده ومذاهب واديان مختلفه همه ازتأثير او ظهور مى يابد شعر : غبارى كه خيزد ميان ره اوست جه كويم كه هريوسفى را جه اوست تفسير : قوت غلبه اوتاحديست كه "الهوى اول اله عبد فى الارض" درشان او واردشده وزبان قرآن درحق او جنين فرموده كه {أرأيت من اتخذ الهه هواه} كويى كه اصل هواست آلهة باطله همه فرع اويند وازينجا كه مخالفت هوى سبب وصول بحقيقت ايمانست] شعر : سرزهوى نافتن ازسروريست ترك هوى قوت بيغمبريست تفسير : قال ابو سليمان رحمه الله من اتبع نفسه هواها فقد سعى فى قتلها لان حياتها بالذكر وموتها وقتلها بالغفلة فاذا غفل اتبع الشهوات واذا اتبع الشهوات صار فى حكم الاموات: وفى المثنوى شعر : اين جهان شهوتى بتخانه ايست انبيا وكافر انرا لانه ايست ليك شهوت بنده باكان بود زرنسوزد زانكه نقد كان بود كافران قلبند وباكان همجوزر اندرين بوته درند اين دونفر قلب جون آمد سيه شد درزمان زردر آمد شد زرى اوعيسان تفسير : [يكى را ازا كابر سمرفند كفتند كه اكركسى درخواب بيندكه حق سبحانه وتعالى مرده است تعبير آن جيست وى كفت كه اكابر كفته اندكه اكركسى درخواب بيندكه بيغمبر صلى الله عليه وسلم مرده است تعبيرش آنست كه درشريعت اين صاحب واقعه قصورى وفتورى واقع شده است وآن مردن صورت شريعت است اين نيز مثل آن زنكى دارد. وبعضى كبار مى فرمودندكه ميتوان بودكه كسى حضور مع الله بوده باشد ناكاه آن حضور نماند تعبير آن مردن آن باشد. ومولانا نور الدين عبدالرحمن جامى رحمه الله اين سخن را تأويل ديكر كرده بودند فرموده كه ميتواند بودكه بحم آيت كريمه {أرأيت من اتخذ الهه هواه} يكى ازهواها كه صاحب واقعة آنرا خداى خود كرفته بوده است. ازدل وى رخت بندند ونابود شود آن مردن خداى عبارت ازنابودن اين هوابود بس اين خواب دليل باشد برآنكه حضور اوزياده شود كذا فى رشحات على الصفى بن الحسين الكاشفى] {أفأنت تكون} [آيامى باشى تو] {عليه} [برآنكس كه هواى خودرا خدا ساخته] {وكيلا} حفيظا تمنعه عن الشرك والمعاصى وحاله هذا اى الاتخاذ اى لست موكلا على حفظه بل انت منذر فهذا الاستفهام للانكار وليس هذا نهيا عن دعائه اياهم بل الاعلام بانه قد قضى ما عليه من الانذار والاعذار، وقال بعض المفرسين هذه منسوخة بآية السيف.

الجنابذي

تفسير : {أَرَأَيْتَ} خطاب لمحمّد (ص) والرّؤية من رؤية البصر او رؤية القلب او الخطاب عامّ {مَنِ ٱتَّخَذَ} من موصولة ومفعول لرأيت او استفهاميّة ومفعول معلّق عنه العامل {إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ} قدّم المفعول الثّانى للاهتمام به والهوى مقصوراً المحبّة والعشق فى الخبر والشّرّ والمهوىّ كذلك لكن اذا اضيف الى الانسان او الى نفسه يتبادر منه الهوى فى الشّرّ بالنّسبة الى الانسانيّة، والآله هو الّذى يعبده الانسان يعنى يطيعه فى اوامره ونواهيه ويجعل غاية حركاته وسكناته الّتى يسمّيها عبادة رضاه، ولمّا كان الانسان ما لم يصر بالنّسبة الى الله والشّيطان كالمدارك بالنّسبة الى النّفس ذا وجهين وجه الى نفسه ووجه الى عقله ووجهه النّفسانىّ يأمره بمهويّات النّفس الّتى فيها هلاكه وضلاله، ووجهه العقلانىّ يأمره بمرضيّات العقل الّتى هى مرضيّات الله ومأموراته، وبعبارةٍ اخرى ما لم يخرج الانسان من حكم نفسه ولم يتمكّن فى اتّباع الرّحمن او الشّيطان كان عليه حاكمان حاكم الهىّ عقلانىّ وحاكم شيطانىّ نفسانىّ هذا يزجره وذاك يغويه، فاذا اتّبع الشّيطان فى اغوائه والنّفس فى هواها واراداتها ومهويّاتها تدرّج فى المحكوميّة للشّيطان والنّفس بحيث تمكّن فى ذلك ولم يبق فيه مدخل ومخرج للعقل والملك والرّحمن، ولا يقبل حكم الله بتوسّط الملك والعقل، ولا يحبّ مرضيّات العقل ولا يطلبها بل يطبع الشّيطان فى امره بطلب المهويّات والمهويّات فى جذبها الّذى هو أمرها التّكوينىّ والارادات فى تسخيرها له الّذى هو امرها فيكون الشّيطان معبوداً له اوّلاً كما قال تعالى حكاية لقول الملائكة {أية : بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ أَكْـثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ}تفسير : [سبأ:41] لكن من حيث لا يشعرون بل يحسبون انّ الله يعبدون ثمّ المهويّات ثانياً ثمّ الاهوية والارادات ثالثاً ونعم ما قيل: شعر : اى هواهاى توخدا انكيز زين خداهاى توخدا بيزار تفسير : {أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً} حتّى تحزن على اتّباعهم الهوى وعدم استماعهم منك وتضيق صدراً به، والوكيل فعيل بمعنى المفعول من وكل اليه الامر سلّمه اليه وتركه، وتعديته بعلى بتضمين مثل معنى الرّقيب.

اطفيش

تفسير : {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} الاصل ان تلك الهمزة للتقرير (ورأيت) بمعنى (ابصرت) ومن مفعول به فذلك التركيب موضع لهذا المعنى ثم استعمل في التعجب فكأنه قيل تعجب يا محمد منه فذلك من المجاز المركب فذلك انشاء منقول إلى انشاء آخر فان الاستفهام انشاء والتعجب انشاء ولك ان تقول {رَأَيْتَ} بمعنى (علمت وعرفت) متعد لواحد هو (من) ونقل إلى معنى (اخبرني) هو ايضا مجاز مركب من نقل انشاء إلى انشاء فان الامر انشاء وعلى الوجهين فالمنصوب استصحب فيه الاصل فلم يدخل عليه (من) في الاول ولا (عن) في الثاني لان التجوز في المجموع لا في الفعل وحده وهكذا في (ارايتك هو الذي كرمت عليّ) ونحوه. هذا ما ظهر لي فانظر سورة الاسراء. وان جعلت التجوز في {أَرَأَيْتَ} وحده قدرت من اي تعجب ممن اتخذ أو واخبرني عمن اتخذ بناء على جواز نزع الخافض أو يقال هذا مما سمع فيه وقد اجازة الاخفش للغير بشرط امن اللبس وان يتعين لفظ الحافظ وموضعه أو يقال المعنى اخبرني خبر من {اتَّخَذَ} فحذف المضاف وكذا في مثل الآية (والهه) مفعول ثان قدم للعناية به (وَهَوَاهُ) مفعول أول كقول: (علمت منطلقا زيدا) لاعتنائك بالمنطلق اعنى لاعتنائك بزيد من حيث انه منطلق لا من حيث ذاته وذلك ان ذلك الكافر اطاع هواه وبنى عليه دينه لا يتدبر دليلا ولا يلقي إلى الحق اذنا ولا عقلا وكأن الرجل يعبد حجرا فاذا رأى احسن منه رمى به واخذ آخر ومنهم الحارث بن قيس السهمي. {أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً} مستأنف على التحقيق واخطأ من جعل ذلك مفعولا ثانيا ومدخول الهمزة محذوف والفاء عاطفة عليه أو مستأنفة اي اتجبره فانت تكون الخ أو الهمزة مما بعد الفاء اي اتجبره على الاسلام وتكون حفيظا له عن اتباع هواه لا تستطيع ذلك ولا اكراه في الدين وما عليك الا البلاغ والاستفهام تقريري أو انكاري. قال الكلبي: الآية منسوخة بآية القتال.

اطفيش

تفسير : {أرأيت} يا محمد ببصرك، أو ذكرت بقلبك {مَنْ} موصولة مفعول لرأيت {اتخذ إلٰهه هَواهُ} تعجيب له صلى الله عليه وسلم، من اعتبار الألوهية بميل الهوى، وإذا أمكن جهل المتقدم مبتدأ بلا ضعف معنى، ولا صناعة فهو مبتدأ، والهوى بالمعنى المصدرى، أو بمعنى المهوى، كان الحارث بن قيس كلما هوى حجراً عبده، قال ابن عباس: كان الرجل يعبد الحجر الأبيض زمانا، وإذا رأى أحسن منه عبده وترك الأول، فنزل: {أرأيت من اتخذ} إلخ وأقول لا يترك عموم اللفظ لخصوص السبب، فالآية أعم من ذلك، كما قال ابن عباس فى الآية: كلما هوى شيئاً فعله لا يحجزه ورع ولا تقوى، فمن فعل كبيرة من أهل التوحيد، فقد جعل إلهه هواه، إذ تبع ما هواه، وخالف الله عز وجل. أخرج عبد بن حميد أنه قيل للحسن البصرى أفى أهل القبلة شرك؟ فقال: نعم المنافق مشرك، أى فى المعنى أن المشرك يسجد للشمس والقمر، أى مثلا والمنافق أى فاعل الكبيرة عبد هواه، ثم تلا الحسن هذه الآية، فترى فاعل الكبيرة منافقاً مع أنه لم يضمر الشرك، كما يسمى مضمره منافقاً قال بعض المحققين من قومنا ما ذكره الحسن هو ما ذكره غير واحد من الأجلة. وأخرج الطبرى أبو نعيم عن أبى أمامة عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما تحت ظل السماء من إله يٌعبد من دون الله تعالى أعظم عند الله عز وجل من هوى يتبع"تفسير : والمشرك داخل فى الاية أولا، وذلك كما جاء أن الرئاء شرك {أفأنت تكون عليه وكيلاً} أتشاهد غلوه فى الهوى، فأنت تكون وكيلا عليه تقهره على الاسلام.

الالوسي

تفسير : {أَرَءيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ } تعجيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم من شناعة حالهم بعد حكاية قبائحهم من الأقوال والأفعال والتنبيه على ما لهم من المصير والمآل وتنبيه على أن ذلك من الغرابة بحيث يجب أن يرى ويتعجب منه، والظاهر أن ـ رأى ـ بصرية و {مِنْ } مفعولها وهي اسم موصول والجملة بعدها صلة، و {ٱتَّخَذَ } متعدية لمفعولين أولهما {هَوَاهُ } وثانيهما {إِلَـٰهَهُ } وقدم على الأول للاعتناء به من حيث أنه الذي يدور عليه أمر التعجيب لا من حيث أن الإله يستحق التعظيم والتقديم كما قيل أي أرأيت الذي جعل هواه إلهاً لنفسه بأن أطاعه وبنى عليه أمر دينه معرضاً عن استماع الحجة الباهرة وملاحظة البرهان النير بالكلية على معنى انظر إليه وتعجب منه، وقال ابن المنير في تقديم المفعول الثاني هنا نكتة حسنة وهي إفادة الحصر فإن الكلام قبل دخول (أرأيت. واتخذ) الأصل فيه هواه إلهه على أن هواه مبتدأ خبره إلهه فإذا قيل إلهه هواه كان من تقديم الخبر على المبتدأ وهو يفيد الحصر فيكون معنى الآية حينئذ أرأيت من لم يتخذ معبوده إلا هواه وذلك أبلغ في ذمه وتوبيخه. وقال صاحب «الفرائد»: تقديم المفعول الثاني يمكن حيث يمكن تقديم الخبر على المبتدأ والمعرفتان إذا وقعتا مبتدأ وخبراً فالمقدم هو المبتدأ فمن جعل ما هنا نظير قولك: علمت منطلقاً زيداً فقد غفل عن هذا، ويمكن أن يقال: المتقدم هٰهنا يشعر بالثبات بخلاف المتأخر فتقدم {إِلَـٰهَهُ } يشعر بأنه لا بد من إله فهو كقولك اتخذ ابنه غلامه فإنه يشعر بأن له ابناً ولا يشعر بأن له غلاماً فهذا فائدة تقديم إلهه على هواه. وتعقب ذلك الطيبـي فقال: لا يشك في أن مرتبة المبتدأ التقديم وأن المعرفتين أيهما قدم كان المبتدأ لكن صاحب المعاني لا يقطع نظره عن أصل المعنى فإذا قيل: زيد الأسد فالأسد هو المشبه به أصالة ومرتبته التأخير عن المشبه بلا نزاع فإذا جعلته مبتدأ في قولك: الأسد زيد فقد أزلته عن مقره الأصلي للمبالغة، وما نعني بالمقدم إلا المزال عن مكانه لا القار فيه فالمشبه به هٰهنا إلاله والمشبه الهوى لأنهم نزلوا أهواءهم في المتابعة منزلة الإله فقدم المشبه به الأصلي وأوقع مشبهاً ليؤذن بأن الهوى في باب استحقاق العبادة عندهم أقوى من الإله عز وجل كقوله تعالى: {أية : قَالُواْ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرّبَٰواْ } تفسير : [البقرة: 275] ولمح صاحب «المفتاح» إلى هذا المعنى في كتابه. وأما المثال الذي أورده صاحب «الفرائد» فمعنى قوله: اتخذ ابنه غلامه جعل ابنه كالغلام يخدمه في مهنة أهله وقوله: اتخذ غلامه ابنه جعل غلامه كابنه مكرماً مدللاً اهـ، وأنت تعلم ما في قوله: إن المعرفتين أيهما قدم كان المبتدأ فإن الحق أن الأمر دائر مع القرينة والقرينة هنا قائمة على أن {إِلَـٰهَهُ } الخبر وهي عقلية لأن المعنى على ذلك فلا حاجة إلى جعل ذلك من التقديم المعنوي، وقال شيخ الإسلام: من توهم أنهما على الترتيب بناء على / تساويهما في التعريف فقد زل عنه أن المفعول الثاني في هذا الباب هو الملتبس بالحالة الحادثة؛ وفي ذلك رد على أبـي حيان حيث أوجب كونهما على الترتيب. ((ونَقَلَ عن بعض المدنيين أنه قرأ {ءالهة } منونة على الجمع وجعل ذلك على التقديم والتأخير، والمعنى جعل كل جنس من هواه إلهاً، وذكر أيضاً أن ابن هرمز قرأ {إلهة} على وزن فعالة وهو أيضاً من التقديم والتأخير أي جعل هواه الهة بمعنى مألوهة أي معبودة والهاء للمبالغة فلذلك صرفت، وقيل: بل الإلاهة الشمس ويقال ألاهة بضم الهمزة وهي غير مصروفة للعلمية والتأنيث لكنها لما كانت مما يدخلها لام التعريف في بعض اللغات صارت بمنزلة ما كان فيه اللام ثم نزعت فلذلك صرفت وصارت كالمنكر بعد التعريف قاله صاحب «اللوامح»)) وهو كما ترى. والآية نزلت على ما قيل في الحرث بن قيس السهمي كان كلما هوى حجراً عبده، وأخرج ابن أبـي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس أنه قال: كان الرجل يعبد الحجر الأبيض زماناً من الدهر في الجاهلية فإذا وجد أحسن منه رمى به وعبد الآخر فأنزل الله تعالى {أَرَأَيْتَ } الخ. وزعم بعضهم لهذا ونحوه أن هواه بمعنى مهويه وليس بلازم كما لا يخفى. وأخرج ابن المنذر وابن أبـي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في الآية كلما هوى شيئاً ركبه وكلما اشتهى شيئاً أتاه لا يحجزه عن ذلك ورع ولا تقوى فالآية شاملة لمن عبد غير الله تعالى حسب هواه ولمن أطاع الهوى في سائر المعاصي وهو الذي يقتضيه كلام الحسن، فقد أخرج عنه عبد بن حميد أنه قيل له: أفي أهل القبلة شرك؟ فقال: نعم المنافق مشرك إن المشرك يسجد للشمس والقمر من دون الله تعالى وإن المنافق عبد هواه ثم تلا هذه الآية، والمنافق عند الحسن مرتكب المعاصي كما ذكره غير واحد من الأجلة. وقد أخرج الطبراني وأبو نعيم في «الحلية» عن أبـي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما تحت ظل السماء من إله يعبد من دون الله تعالى أعظم عند الله عز وجل من هوى يتبع» تفسير : ولا يكاد يسلم على هذا من عموم الآية إلا من اتبع ما اختاره الله تعالى لعباده وشرعه سبحانه لهم في كل ما يأتي ويذر، وعليه يدخل الكافر فيما ذكر دخولاً أولياً. {أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً } استئناف مسوق لاستبعاد كونه صلى الله عليه وسلم حفيظاً على هذا المتخذ يزجره عما هو عليه من الضلال ويرشده إلى الحق طوعاً أو كرهاً وإنكار له، والفاء لترتيب الإنكار على ما قبله من الحالة الموجبة له كأنه قيل: أبعد ما شاهدت غلوه في طاعة الهوى تعسره على الانقياد إلى الهدى شاء أو أبى، وجوز أن تكون رأى علمية وهذه الجملة في موضع المفعول الثاني وليس بذاك.

ابن عاشور

تفسير : استئناف خوطب به الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يخطر بنفسه من الحزن على تكرر إعراضهم عن دعوته إذ كان حريصاً على هداهم والإلحاح في دعوتهم، فأعلمه بأن مثلهم لا يرجى اهتداؤه لأنهم جعلوا هواهم إلههم، فالخطابُ للرسول صلى الله عليه وسلم وفعل {اتخذ} يتعدى إلى مفعولين وهو من أفعال التصيير الملحقة بأفعال الظن في العمل، وهو إلى باب كَسا وأعطى أقرب منه إلى باب ظنّ، فإن {اتخذ} معناه صيّر شيئاً إلى حالة غير ما كان عليه أو إلى صورة أخرى. والأصل فيه أن مفعوله الأول هو الذي أدخل عليه التغيير إلى حال المفعول الثاني فكان الحق أن لا يقدم مفعوله الثاني على مفعوله الأول إلا إذا لم يكن في الكلام لبس يلتبس فيه المعنى فلا يدري أي المفعولين وقع تغييره إلى مدلول المفعول الآخر، أو كان المعنى الحاصل من التقديم مساوياً للمعنى الحاصل من الترتيب في كونه مراداً للمتكلم. فقوله تعالى: {أرأيت من اتخذ إلٰهه هواه} إذا أجري على الترتيب كان معناه جعل إلهه الشيء الذي يهوى عبادته، أي ما يُحب أن يكون إلهاً له، أي لمجرد الشهوة لا لأن إلهه مستحق للإلهية، فالمعنى: من اتخذ رباً له محبوبه فإن الذين عبدوا الأصنام كانت شهوتهم في أن يعبدوها وليست لهم حجة على استحقاقها العبادة. فإطلاق {إلٰهه} على هذا الوجه إطلاق حقيقي. وهذا يناسب قوله قبله {أية : إن كاد لَيُضِلُّنا عن آلهتنا}تفسير : [الفرقان: 42]، ومعناه منقول عن سعيد بن جبير. واختاره ابن عرفة في «تفسيره» وجزم بأنه الصواب دون غيره وليس جزمه بذلك بوجيه وقد بحث معه بعض طلبته. وإذا أجري على اعتبار تقديم المفعول الثاني كان المعنى: من اتخذ هواه قُدوة له في أعماله لا يأتي عملاً إلا إذا كان وفاقاً لشهوته فكأنَّ هواهُ إلهه. وعلى هذا يكون معنى {إلهه} شبيهاً بإلهه في إطاعته على طريقة التشبيه البليغ. وهذا المعنى أشمل في الذم لأنه يشمل عبادتهم الأصنام ويشمل غير ذلك من المنكرات والفواحش من أفعالهم. ونحا إليه ابن عباس، وإلى هذا المعنى ذهب صاحب «الكشاف» وابن عطية. وكلا المعنيين ينبغي أن يكون محملاً للآية. واعلم أنه إن كان مجموع جملتي {أرأيتَ من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلاً} كلاماً واحداً متصلاً ثانيه بأوله اتصال المفعول بعامله، تعين فعل «رأيت» لأن يكون فعلاً قلبياً بمعنى العلم وكان الاستفهام الذي في الجملة الأولى بقوله: {أرأيت} إنكارياً كالثاني في قوله: {أفأنت تكون عليه وكيلاً} وكان مجموع الجملتين كلاماً على طريقة الإجمال ثم التفصيل. والمعنى: أرأيتَك تكون وكيلاً على من اتخذ إلهه هواه، وتكون الفاء في قوله {أفأنت} فاء الجواب للموصول لمعاملته معاملة الشرط، وهمزة الاستفهام الثانية تأكيد للاستفهام الأول كقوله {أية : أئذا كنا عظاماً ورفاتاً إنَّا لمبعوثون}تفسير : [الإسراء: 49] على قراءة إعادة همزة الاستفهام، وتكون جملة {أفأنت تكون عليه وكيلاً} عوضاً عن المفعول الثاني لفعل {أرأيت}، والفعل معلق عن العمل فيه بسبب الاستفهام على نحو قوله تعالى: {أية : أفمن حَقّ عليه كلمةُ العذاب أفأنت تُنقذ من في النار}تفسير : [الزمر: 19] وعليه لا يوقف على قوله {هواه} بل يوصل الكلام. وهذا النظم هو الذي مشى عليه كلام «الكشاف». وإن كانت كل جملة من الجملتين مستقلةً عن الأخرى في نظْم الكلام كان الاستفهام الذي في الجملة الأولى مستعملاً في التعجيب من حال الذين اتخذوا إلههم هواهم تعجيباً مشوباً بالإنكار، وكانت الفاء في الجملة الثانية للتفريع على ذلك التعجيب والإنكار، وكان الاستفهام الذي في الجملة الثانية من قوله {أفأنت تكون عليه وكيلاً} إنكارياً بمعنى: إنك لا تستطيع قلعه عن ضلاله كما أشار إليه قوله قبله {أية : من أضل سبيلاً}تفسير : [الفرقان: 42]. و{مَن} صادقة على الجمع المتحدث عنه في قوله {أية : وسوف يعلمون حين يَرون العذاب}تفسير : [الفرقان: 42] وروعي في ضمائر الصلة لفظ {مَن} فأُفردت الضمائر. والمعنى: من اتخذوا هواهم إلهاً لهم أو من اتخذوا آلهة لأجل هواهم. و«إلٰه» جنس يصدق بعدة آلهة إن أريد معنى اتخذوا آلهة لأجل هواهم. وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في قوله {أنت تكون عليه وكيلاً} للتقوِّي إشارة إلى إنكار ما حَمَّل الرسول عليه الصلاة والسلام نفسه من الحرص والحزن في طلب إقلاعهم عن الهوى كقوله تعالى: {أية : أفأنت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين}تفسير : [يونس: 99]. والمعنى: تكون وكيلاً عليه في حال إيمانه بحيث لا تفارق إعادة دعوته إلى الإيمان حتى تلجئه إليه.

الشنقيطي

تفسير : قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: أرأيت من اتخذ إلهه هواه: أي مهما استحسن من شيء ورآه حسناً في هوى نفسه كان دينه، ومذهبه إلى أن قال: قال ابن عباس: "كان الرجل في الجاهلية يعبد الحجر الأبيض زماناً، فإذا رأى غيره أحسن منه عبد الثاني وترك الأول". اهـ منه. وذكر صاحب الدر المنثور: أن ابن أبي حاتم وابن مردويه أخرجا عن ابن عباس "أن عبادة الكافر للحجر الثاني مكان الأول: هي سبب نزول هذه الآية"، ثم قال صاحب الدر المثنور: وأخرج ابن مردويه عن أبي رجاء العطاردي، قال: كانوا في الجاهلية يأكلون الدم بالعلهز ويعبدون الحجر، فإذا وجدوا ما هو أحسن منه، رموا به وعبدوا الآخر، فإذا فقدوا الآخر أمروا منادياً فنادى: أيها الناس إن إلهكم قد ضل فالتمسوه، فأنزل الله هذه الآية: {أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ}، وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ} قال: "ذلك الكافر اتخذ دينه بغير هدى من الله ولا برهان". وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الحسن: {أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ}. قال: لا يهوى شيئاً إلا تبعه. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة: {أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ} قال: كل ما هوى شيئاً ركبه، وكل ما اشتهى أتاه لا يحجزه عن ذلك ورع، ولا تقوى. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن أنه قيل له أفيّ أهل القبلة شرك؟ قال. نعم المنافق مشرك، إن المشرك يسجد للشمس والقمر من دون الله، وإن المنافق عبد هواه ثم تلا هذه الآية الكريمة: {أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً}. وأخرج الطبرانين عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما تحت ظل السماء من إله يعبد من دون الله أعظم عند الله من هوى متبع" تفسير : انتهى محل الغرض من كلام صاحب الدر المنثور. وإيضاح أقوال العلماء المذكورة في هذه الآية: أن الواجب الذي يلزم العمل به، هو أن يكون جميع أفعال المكلف مطابقة لما أمره به معبوده جل وعلا، فإذا كانت جميع أفعاله تابعة لما يهواه، فقد صرف جميع ما يستحقه عليه خالقه من العبادة والطاعة إلى هواه، وإذن فكونه اتخذ إلهه هواه في غاية الوضوح. وإذا علمت هذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة، فاعلم أن الله جل وعلا بينه في غير هذا الموضع في قوله: {أية : أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ٱللَّهِ} تفسير : [الجاثية: 23] الآية، وقوله تعالى: {أية : أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءَ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ } تفسير : [فاطر: 8] الآية. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً}: استفهام إنكار فيه معنى النفي. والمعنى: أن من أضله الله فاتخذ الهه هواه، لا تكون أنت عليه وكيلاً أي حفيظاً تهديه، وتصرف عنه الضلال الذي قدره الله عليه، لأن الهدى بيد الله وحده لا بيدك، والذي عليك إنما هو البلاغ، وقد بلغت. وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة، جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله تعالى: {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ} تفسير : [القصص: 56] الآية، وقوله تعالى: {أية : إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَاهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ} تفسير : [النحل: 37] الآية. وقوله تعالى: {أية : أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي ٱلنَّارِ} تفسير : [الزمر: 19]، وقوله تعالى: {أية : أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} تفسير : [يونس: 99ـ100] الآية، وقوله في آية فاطر المذكورة آنفاً: {أية : فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} تفسير : [فاطر: 8] الآية، وقوله تعالى تعالى في آية الجاثية المذكورة آنفاً أيضاً {أية : فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ٱللَّهِ} تفسير : [الجاثية: 23] الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة، والعلم عند الله تعالى.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَرَأَيْتَ} {هَوَاهُ} (43) - انْظُرْ إلى حَالِ هذا الذي جَعَلَ هَوَاهُ إلهَهُ، بأَنْ أطَاعَهُ وبَنَى عليهِ أمرَ دِينهِ، وأعْرَضَ عن استماع الحَقِّ، والحُجَجِ، والبَراهِينِ الواضِحَةِ الدَّالَّةِ على وَحْدَانِيَّةِ اللهِ، وعظيمِ قُدْرَتِه، واعْجَبْ منْهُ، ولا تَعْبَأْ بِهِ فإِنَّكَ لستَ حَفيظاً عليهِ، وليسَ عَلَيْكَ هُدَاهُ، وإِنّما عَليكَ إبلاغُهُ الرِّسَالَةَ، ثُمّ إِنْ شَاءَ اللهُ هَدَاه، وإِنْ شَاءَ أضَلَّهُ. (وقالَ ابنُ عَباسٍ: كانَ الرجلُ في الجَاهليةِ يَعْبُدُ الحَجَرَ الأَبْيَضَ، فإِذَا مَا رَأَى أحْسَنَ منهُ عبدَ الثانيَ، وتَرَكَ الأَوَّلَ، فأنزَلَ اللهُ تَعالى هذهِ الآيةَ). وَكِيلاً - حَفيظاً تَمْنَعُهُ مِنْ عِبَادَةِ ما يَهْوَاهُ. أَرَأَيْتَ - أخْبِرْنِي.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الحق - تبارك وتعالى - يضع لرسوله صلى الله عليه وسلم قضية، هي أن الدين إنما جاء ليعصم الناس من أهواء الناس، فلكُلِّ نفس بشرية هَوىً، وكل إنسان يعجبه هواه، وما دام الأمر كذلك فلن ينقاد لغيره؛ لأن غيره أيضاً له هوىً؛ لذلك يقول تعالى: {أية : وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ ..}تفسير : [المؤمنون: 71]. لكن، لماذا تختلف الأهواء؟ قالوا: لأن طبيعة الحياة تتطلب أن تكون الأهواءُ مختلفةً؛ لأن مجالات الحياة متعددة، فهذا هواه في كذا، وهذا هواه في كذا. فترى الصَّديقَيْن يلازم أحدهما الآخر، ويشاركه طعامه وشرابه، فلا يفرقهما شيء، فإذا ما ذهبا لشراء شيء ما تباينتْ أهواؤهما، كما أن هوىً مختلفاً يخدم هوىً مختلفاً، فالذين اختلفوا مثلاً في تصميم الأشياء يخدمون اختلاف الأذواق والأهواء، لذلك يقولون: خلاف هو عَيْن الوفاق، ووفاق هو عَيْن الخلاف. وقد ضربنا لذلك مثلاً بسيطاً: هَبْ أنك دخلتَ مطعماً، وأنت تفضل مثلاً ورك الدجاجة وغيرك كذلك يفضله، وصادف أن في المطعم (وركاً) واحداً، فلا شكَّ أنكما ستختلفان عليه. إذن: اتفقتما في الأول لتختلفا في الآخر، لكن إن اختلفتْ رغباتكما، فسوف ينتج عن هذا الاختلاف اتفاقٌ في النهاية، فأنت ستأخذ الورك، وغيرك سيأخذ الصدر، فهذا - إذن - خلاف يؤدي إلى وفاق، ووفاق يؤدي إلى خلاف. هنا يقول الحق سبحانه: {أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ ..} [الفرقان: 43] الهَوَى. أن تكون هناك قضية ظاهرٌ فيها وَجْه الحق، إلا أنك تميلُ عنه وأنت تعرفه، لا أنك تجهله. لذلك يقول العلماء: آفةُ الرأْي الهوى. فالرأي قد يكون صائباً، لكن يميل به الهوى حيث يريد الإنسان، وقلنا: لا أدلّ على ذلك من أن الرجل منهم كان يسير فيجد حجراً أجمل من حَجره الذي يعبده، فيَلْقى الإله الذي يعبده ليأخذ هذا الذي هو أجمل منه فيتخذه إلهاً، إذن: هواه في جمال الحجر غلب أنه إله. وقد وقف المستشرقون عند قوله تعالى في حَقِّ النبي صلى الله عليه وسلم: {أية : وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ}تفسير : [النجم: 3]. يقولون: كيف يحكم الله بأن رسوله لم ينطق عن الهوى، وقد عدَّل له بعض ما نطق به، مثل قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ ..}تفسير : [التحريم: 1]. وقال تعالى: {أية : عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ..}تفسير : [التوبة: 43]. ولا بُدَّ أن نُحدِّد مفهوم الهوى أولاً: أنت مدرك أن لديه قضيتين: الحق واضح في إحداهما، إلا أن هواه يميل إلى غير الحق. إنه صلى الله عليه وسلم نطق لأنه لم تكن هناك قضية واقعة، وهو يعرف وجه الحق فيها، فهو - إذن - لم يَسِرْ على الهوى، إنما على ما انتهى إليه اجتهاده. ألاَ ترى قوله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم في مسألة تبنِّيه لزيد بن حارثة {أية : ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ ..}تفسير : [الأحزاب: 5] فمعنى أن نسبته لأبيه أقسط أن رسول الله لم يكُنْ جائراً، فما فعله قِسْط، لكن فِعْل الله أقسط منه. فالحق - تبارك وتعالى - لم يُخطّىء رسوله صلى الله عليه وسلم، وسمّى فِعْله عدلاً، وهو عَدْل بشري يناسب ما كان من تمسُّك زيد برسول الله، وتفضيله له على أهله، فلم يجد رسول الله أفضلَ من أنْ يتبنَّاه مكافأةً له. ثم يقول سبحانه: {أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً} [الفرقان: 43] وكيلاً يتولَّى توجيهه، ليترك هواه ويتبع الحق، كما قال سبحانه في موضع آخر: {أية : لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ}تفسير : [الغاشية: 22] وقال: {أية : أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ}تفسير : [يونس: 99] وقال: {أية : إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ..}تفسير : [الشورى: 48]. فالذي اتبع هواه حتى جعله إلهاً له لا يمكن أنْ تحمله على أنْ يعدل عن هواه؛ لأن الأهواء مختلفة، فالبعض يريد أنْ يتمتع بجهد غيره، فيضع يده في جيوب الآخرين ليسرقهم، لكن أيسرُّه أن يفعل الناسُ معه مثلَ فِعْله معهم؟ إذن: هوى صادمَ هوى، فأَيُّهما يغلب؟ يغلب مَنْ يحكم بلا هوى، لا لك ولا عليك، وقضية الحق في ذاتها لا توجد إلا من الله تعالى. ثم يقول الحق سبحانه: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ ...}.

الجيلاني

تفسير : ثمَّ قال سبحانه على التوبيخ لعامة المشركين المتخذين غير الله إلهاً، سواء كانوا مشركين بالشرك الجلي أو الخفي، المسندين الأفعال والحوادث الكائنة في عالم الكون والفساد إلى الأسباب والوسائل العادية على مقتضى هوية نفوسهم؛ وذلك لجهلهم بالله وغفلتهم عن إحاطة علمه وقدرته، وجميع أوصافه وأسمائه بجميع ما ظهر وبطن، وكان ويكون: {أَرَأَيْتَ} أي: أخبرني يا أكمل الرسل إن كنت من أهل الخبرة والذكاء، أتهدي وترشد إلى التوحيد {مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ} أي: من اتخذ هواه ومشتهى قلبه إلهاً يعبده كعبادة الله، قدَّم المفعول الثاني؛ للغاية والاهتمام {أَفَأَنتَ} يا أكمل الرسل {تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً} [الفرقان: 43] حفيظاً تحفظه عن متابعة هواه ومقتضى طبعه، مع أنا جبلناه وأثبتناه في لوح قضائنا وحضرة علمنا أنه من الأشقياء المردودين؟!. {أَمْ تَحْسَبُ} وتظن من كمال حرصك وشفقتك على إيمان هؤلاء الهلكى {أَنَّ أَكْثَرَهُمْ} أي: أكثر المشركين {يَسْمَعُونَ} كلمة التوحيد سمع قبول ورضاء {أَوْ يَعْقِلُونَ} ويفهمون معناه فهم عارف متدرب متدبر؟! إلا من سبقت له العناية الأزلية والتوفيق، بل {إِنْ هُمْ} أيك ما أكثرهم {إِلاَّ كَٱلأَنْعَامِ} يأكلون ويمشون، وعن السمع والشعور معزولون {بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً} [الفرقان: 44] من الأنعام؛ لأنهم مجبولون على المعرفة والتوحيد، والأنعام ليست كذلك، فهم أسوأ حالاً منها. فكيف لا يكونون أضل سبيلاً من الأنعام؛ لأنهم مع استعدادهم وقابليتهم لقبول فيضان أنوار التوحيد، ومعرفة كيفية سريان الوحدة الذاتية، وامتداد أظلالها على هياكل الموجودات والمظاهر، صاروا محرومين عنها وعن شهودها والاطلاع عليها، غافلين عن لذاتها، مع أنهم إنما جُبلوا؛ لأن يدركوها ويشاهدوا عليها، وينكشفوا بسرائرها، ومع ذلك لا يجتهدون في شأنها، بل لا يلتفتون أيضاً، مع أنه سبحانه أشار إليها وصرَّح بها في كتابه العزيز؛ إرشاداً لنبيه صلى الله عليه وسلم وتنبيهاً على من تبعه من المؤمنين؛ ليتفطنوا منها إلى مبدئهم ومعادهم، ويتصفوا بكمال المعرفة والتوحيد. فقال مخاطباً لحبيبه صلى الله عليه وسلم؛ إذ أمثال هذه الخطابات لا يسع في سمع غيره صلى الله عليه وسلم: {أَلَمْ تَرَ} أيها المسترشد البصير، والمستكشف الخبير {إِلَىٰ رَبِّكَ} أي: مربيك الذي رباك بأنواع الكمالات وأرفع الدرجات {كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ} أي: كيف بسط أظلال أوصافه وأسمائه، وعكوس شئونه وتطوراته على مرايا الإعدام القابلة، فيتراءى؛ أي: حسب اقتضاء أسمائه الحسنى وصفاته العليا ما لا يتناهى من الصور العجيبة والهياكل الغريبة حتى يتوهم المحجوبون أنها موجودات حقيقة متأصلة الوجود، مستقلة في الآثار المترتبة عليها. ثمَّ افترقوا، فذهب قوم إلى أنها موجودات متأصلة مستقلة بأنفسها، مستغنية عن فاعل خارجي يؤثر فيها، وهم الدهريون الجاهلون، القائلون بأن الطبيعة تكفي في تكوّن الأشياء، وإذا وجدت الشرائط وارتفعت الموانع تكوَّن الشيء ألتة بلا احتياج إلى فاعل خارجي مؤثر في وجوده، ولم يتفطنوا أولئك الحمقى أن هذه الصور باقية على عدماتها الأصلية، ما شمت رائحة من الوجود سوى أن ظل الوجود انبسط عليها. وآخر إلى أنها موجودات حقيقية قديمات بأنواع لها صور ومواد قديمة محتاجة إلى فاعل خارجي مؤثر موجب بمقارنة الصور للمادة، وهذا مذهب الحكماء، وهؤلاء الهلكى القاصرو عن درك الحق أيضاً لم يتنبهوا ألاَّ قديم في الوجود إلا الله الواحد القهار للسوى والأغيار مطلقاً. وآخر إلى أنها موجودات حقيقية أبدعها الله تعالى من العدم بمقتضى علمه وقدرته وإرادته و اختياره بلا وجوب شيء عليه في إيجادها، وبلا سبق مادة ومدة عليها، وهذا مذهب جمهور المتكلمين، وهؤلاء أيضاً لم يتنبهوا أن العدم لا يقبل الوجود أصلاً، كما أن الوجود لا يقبل العدم أصلاً؛ إذ بينهما تضاد حقيقي لا يتصف أحدهما بالآخر مطلقاً. ومنشأ توهم هؤلاء الفرق الثلاث اقتصار نظرهم على الصور المرئية ظاهراً وغفلتهم عن ذي الصورة التي هي عكوس وأظلال وآثار له، ولو علموا ارتباط هذه الصور بذي الصورة، وكوشفوا بوحدة الوجود، وشهدوا ألاَّ موجود إلا الله الواحد القهار لجميع الأغيار لم يبقَ لهم شائبة شك في عدمية هذه الصورة المرئية، كما لا شك لهم في عدمية الصور المرئية في المرايا والأظلال، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له نور. {وَلَوْ شَآءَ} وأراد سبحانه عدم انبساط عكس وجوده وانبعاث العدم على صرافته، ولم يجعل مرآة الكمالات وجوده ولم يلتفت إليها، ولم ينحل عليها {لَجَعَلَهُ سَاكِناً} اي: جعل ظل وجوده مقبوضاً غير مبسوط؛ لفني العالم دفعةً ألبتة {ثُمَّ} أوضحنا هذا المد والبسط بمثال واضح من جملة المحسوسات عنايةً منا لعبادنا بأن {جَعَلْنَا ٱلشَّمْسَ} في إضاءتها وإشراقها، وانبساط نورها وشعاعها على ظلمة الليل المشابهة بالعدم {عَلَيْهِ} أي: على بسط الوجود على مرايا الأعدام {دَلِيلاً} [الفرقان: 45] مثالاً موضحاً واضحاً لكيفية امتداد أظلال الوجود وانعكاسها من العدم؛ وذلك أن الشمس إذا أخذت في الإشراق، وبسطت على النور والآفاق، استنار العالم بعدما كان مظلماً، وإذا قبضت عاد على ظلمته الأصلية. {ثُمَّ} بعدما بسطنا ظل وجودنا على هياكل المظاهر والموجودات {قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا} دفعاً لتوهم الشركة المنافية لصرافة التوحيد، وإن كان بحسب الظاهر؛ إذ لا موجود حقيقة إلا الله الواحد القهار {قَبْضاً يَسِيراً} [الفرقان: 46] سهلاً. فإن قدرنا له التغير والتجدد على تعاقب الأمثال؛ ليدل على ألاَّ وجود لها لذاتها؛ إذ لو كان لها وجود من نفسها لم يطرأ عليها التغير والانتقال، فعلم من هذه التغيرات الواقعة في الأكوان ألاَّ وجود لها في الحقيقة بل لا وجود حقيقةً إلا للواجب الذي هو نفس الوجود.