Verse. 2899 (AR)

٢٥ - ٱلْفُرْقَان

25 - Al-Furqan (AR)

اَمْ تَحْسَبُ اَنَّ اَكْثَرَہُمْ يَسْمَعُوْنَ اَوْ يَعْقِلُوْنَ۝۰ۭ اِنْ ہُمْ اِلَّا كَالْاَنْعَامِ بَلْ ہُمْ اَضَلُّ سَبِيْلًا۝۴۴ۧ
Am tahsabu anna aktharahum yasmaAAoona aw yaAAqiloona in hum illa kaalanAAami bal hum adallu sabeelan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أم تحسب أن أكثرهم يسمعون» سماع تفهم «أو يعقلون» ما تقول لهم «إن» ما «هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا» أخطأ طريقا منها لأنها تنقاد لمن يتعهدها، وهم لا يطيعون مولاهم المنعم عليهم.

44

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ} ولم يقل أنهم لأن منهم من قد علم أنه يؤمن. وذمّهم جل وعز بهذا. {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ} سماع قبول أو يفكرون فيما تقول فيعقلونه؛ أي هم بمنزلة من لا يعقل ولا يسمع. وقيل: المعنى أنهم لمّا لم ينتفعوا بما يسمعون فكأنهم لم يسمعوا؛ والمراد أهل مكة. وقيل: {أَمْ} بمعنى بل في مثل هذا الموضع. {إِنْ هُمْ إِلاَّ كَٱلأَنْعَامِ} أي في الأكل والشرب لا يفكرون في الآخرة. {بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً} إذ لا حساب ولا عقاب على الأنعام. وقال مقاتل: البهائم تعرف ربها وتهتدي إلى مراعيها وتنقاد لأربابها التي تعقلها، وهؤلاء لا ينقادون ولا يعرفون ربهم الذي خلقهم ورزقهم. وقيل: لأن البهائم إن لم تعقل صحة التوحيد والنبوّة لم تعتقد بطلان ذلك أيضاً.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ } سماع تفهم {أَوْ يَعْقِلُونَ } ما تقول لهم {إن } ما {هُمْ إِلاَّ كَٱلأَنْعَٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً } أخطأ طريقاً منها لأنها تنقاد لمن يتعهدها، وهم لا يطيعون مولاهم المنعم عليهم.

النسفي

تفسير : {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَٱلأَنْعَـٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً } «أم» منقطعة معناه بل أتحسب كأن هذه المذمة أشد من التي تقدمتها حتى حقت بالإضراب عنها إليها وهي كونها مسلوبي الأسماع والعقول، لأنهم لا يلقون إلى استماع الحق أذناً ولا إلى تدبره عقلاً، ومشبهين بالأنعام التي هي مثل في الغفلة والضلالة فقد ركبهم الشيطان بالاستذلال لتركهم الاستدلال، ثم هم أرجح ضلالة منها لأن الأنعام تسبح ربها وتسجد له وتطيع من يعلفها وتعرف من يحسن إليها ممن يسيء إليها، وتطلب ما ينفعها وتجتنب ما يضرها وتهتدي لمراعيها ومشاربها، وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يعرفون إحسانه إليهم من إساءة الشيطان الذي هو عدوهم، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع، ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار والمهالك، ولا يهتدون للحق الذي هو المشرع الهني والعذب الروي، وقالوا: للملائكة. روح وعقل، وللبهائم نفس وهوى، والآدمي مجمع الكل ابتلاء. فإن غلبته النفس والهوى فضلته الأنعام، وإن غلبته الروح والعقل فضل الملائكة الكرام. وإنما ذكر الأكثر لأن فيهم من لم يصده عن الإسلام إلا حب الرياسة وكفى به داء عضالاً ولأن فيهم من آمن. {أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبّكَ } ألم تنظر إلى صنع ربك وقدرته {كَيْفَ مَدَّ ٱلظّلَّ } أي بسطه فعم الأرض وذلك من حين طلوع الفجر إلى وقت طلوع الشمس في قول الجمهور لأنه ظل ممدود لا شمس معه ولا ظلمة، وهو كما قال في ظل الجنة {أية : وَظِلّ مَّمْدُودٍ }تفسير : [الواقعة: 30] إذ لا شمس معه ولا ظلمة {وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِناً } أي دائماً لا يزول ولا تذهبه الشمس {ثُمَّ جَعَلْنَا ٱلشَّمْسَ عَلَيْهِ } على الظل {دَلِيلاً } لأنه بالشمس يعرف الظل ولولا الشمس لما عرف الظل فالأشياء تعرف بأضدادها {ثُمَّ قَبَضْنَـٰهُ } أي أخذنا ذلك الظل الممدود {إِلَيْنَا } إلى حيث أردنا {قَبْضاً يَسِيراً } سهلاً غير عسير أو قليلاً قليلاً أي جزءًا فجزءا بالشمس التي تأتي عليه. وجاء بـــــ «ثم» لتفاضل ما بين الأمور فكأن الثاني أعظم من الأول، والثالث أعظم من الثاني، شبه تباعد ما بينهما في الفضل بتباعد ما بين الحوادث في الوقت

ابو السعود

تفسير : وقوله تعالى: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ} إضرابٌ وانتقال عن الإنكار المذكُور إلى إنكارِ حُسبانِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لهم ممَّن يسمعُ أو يعقل حسبما ينبىءُ عنه جِدُّه عليه الصَّلاةُ والسلام في الدَّعوةِ واهتمامُه بالإرشاد والتَّذكيرِ لكن لا على أنَّه لا يقعُ كالأوَّلِ بل على أنَّه لا ينبغي أنْ يقعَ أي بل أتحسب أنَّ أكثرهم يسمعون ما تتلُو عليهم من الآيات حقَّ السَّماعِ أو يعقلون ما في تضاعيفها من المواعظ الزَّاجرةِ عن القبائح الدَّاعيةِ إلى المحاسن فتعتنِي بشأنِهم وتطمعُ في إيمانهم. وضميرُ أكثرَهم لمَن، وجمعُه باعتبارِ معناهَا كما أنَّ الإفرادَ في الضَّمائرِ الأُوَلِ باعتبار لفظِها، وضميرُ الفعلينِ لأكثرَ لاَ لِمَا أُضيف هُو إليهِ. وقولُه تعالى: {إِنْ هُمْ إِلاَّ كَٱلأَنْعَـٰمِ}الخ جملةٌ مستأنفة مسوقة لتقرير النَّكيرِ وتأكيدِه وحسم مادة الحُسبانِ بالمرَّةِ أي ما هم في عدم الانتفاعِ بما يقرعُ آذانَهم من قوارع الآياتِ وانتفاء التَّدبرِ فيما يشاهدونَهُ من الدَّلائلِ والمُعجزاتِ إلا كالبهائمِ التي هي مثلٌ في الغفلةِ وعَلَمٌ في الضَّلالةِ {بَلْ هُمْ أَضَلُّ} منها {سَبِيلاً} لما أنها تنقادُ لصاحبها الذي يعلِفها ويتعهدُّها وتعرف مَن يُحسِن إليها ممَّن يُسيء إليها وتطلبُ ما ينفعها وتجتنبُ ما يضرُّها وتهتدي لمراعيها ومشاربها وتأوِي إلى معاطنِها، وهؤلاءِ لا ينقادونَ لربِّهم وخالقِهم ورازقِهم ولا يعرفون إحسانَهُ إليهم من إساءةِ الشَّيطانِ الذي هو أعدى عدوِّهم ولا يطلبون الثَّوابَ الذي هو أعظمُ المنافع ولا يتَّقون العقابَ الذي هو أشدُّ المضارِّ والمهالك ولا يهتدون للحقِّ الذي هو المشرب الهنيُّ والمورد العذبُ الرَّويُّ لأنَّها إنْ لم تعتقِد حقَّاً مستتبِعاً لاكتساب الخيرِ لم تعتقد باطلاً مستوجباً لاقترافِ الشَّرِّ بخلاف هؤلاء حيث مهّدوا قواعدَ الباطلِ وفرَّعُوا عليها أحكامُ الشُّرورِ، ولأنَّ أحكامَ جهالتِها وضلالتها مقصورةٌ على أنفسها لا تتعدَّى إلى أحدٍ وجهالةُ هؤلاء مؤدِّيةٌ إلى ثوران الفتنةِ والفسادِ وصدِّ النَّاسِ عن سَننِ السَّدادِ وهيجان الهَرْجِ والمَرْجِ فيما بـين العباد ولأنَّها غيرُ معطلةٍ لقوَّةٍ من القُوى المُودَعة بل صارفة لها إلى ما خُلقت هي له فلا تقصيرَ من قبلها في طلبِ الكمالِ، وأمَّا هؤلاءِ فهم مُعطِّلون لقواهم العقلية مضيِّعون للفطرةِ الأصليةِ التي فُطر النَّاسُ عليها مستحقُّون بذلك أعظم العقابِ وأشدَّ النَّكالِ.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ} [الآية: 44]. قال ابن عطاء رحمه الله: لا تظن أنك تسمع بندائك إنما يسمعهم نداء الأزل فمن لم يسمع نداء الأزل فإن نداءك له، ودعوتك لا تغني عنه شيئًا إجابتهم دعوتك، هو بركة جواب نداء الأزل ودعوته، فمن غفل أو أعرض فإنما هو لبعده عن محل الجواب فى القدم.

القشيري

تفسير : كالأنعام التي ليس لها هَمٌّ إلاَّ في أَكْلَةٍ وشَرْبَة، ومَنْ استجلب حظوظَ نَفْسِه فكالبهائم. وإنَّ الله - سبحانه - خَلَقَ الملائكةَ وعلى العقلِ جَبَلَهم، والبهائمَ وعلى الهوى فَطَرَهم، وبنى آدم ورَكّبَ فيهم الأمْرَيْن؛ فَمَنْ غًلَبَ هواه عَقْلَه فهو شرُّ من البهائم، ومَنْ غَلَبَ عَقْلُه هواه فهو خيرٌ من الملائكة... كذلك قال المشايخ.

البقلي

تفسير : قال الله تعالى {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ} قال ابن عطا لا تظنّ انك تسمع نداءك انما يسمعهم نداء الازل فمن لم يسمع نداء الازل فان نداءك له ودعوتك لا تغنى عنه شيئا واجابتهم دعوتك هو بركة جواب نداء الازل ودعوته فمن غفل او اعرض فانما هو لبعده عن محل الجواب فى القدم.

اسماعيل حقي

تفسير : {أم تحسب} بل أتظن: وبالفارسية [بلكه كمان ميبرى] {ان اكثرهم يسمعون} مايتلى علهيم من الآيات حق سماع {او يعقلون} مافى تضاعيفها من المواعظ الزاجرة عن القبائح الداعية الى المحاسن فتهتم بشأنهم وتطمع فى ايمانهم وتخصيص الاكثر لانه كان منهم من آمن ومنهم من عقل الحق وكابر استدبارا وخوفا على الرياسة، قال ابن عطاء رحمه الله لا تظن انك تسمع نداءك انما تسمعهم ان سمعوا نداء الازل والا فان نداءك لهم ودعوتك لا تغنى عنهم شيئا واجابتهم دعوتك هو بركة جواب نداء الازل ودعوته فمن غفل واعرض فانما هو لبعده عن محل الجواب فى الازل {ان هم} ما هم فى عدم انتفاعهم بما يقرع آذانهم من قوارع الآيات وانتفاء التدبير فيما يشاهدونه من الدلائل والمعجزات {الا كالانعام} الا كالبهائم التى هى مثل فى الغفلة وعلم فى الضلالة. وفى التأويلات النجمية ليس لهم نهمة الا فى الاكل والشرب واستجلاب حظوظ النفس كالبهائم التى نهمتها الا كل والشرب {بل هم اضل سبيلا} من الانعام لانها تنقاد لمن يقودها وتميز من يحسن اليها وتطلب ما ينفعها وتجتنب ما يضرها وهؤلاء لاينقادون لربهم ولا يعرفون احسانه من اساءة الشيطان ولا يطلبون الثواب الذى هو اعظم المنافع ولا يتقون العقاب الذى هو اشد المضار ولانها لم تعتقد حقا ولم تكتسب خيرا ولا شرا بخلاف هؤلاء ولان جهالتها لا تضر باحد وجهالة هؤلاء تؤدى الى هيج الفتن وصد الناس عن الحق ولانها غير متمكنة من طلب الكمال فلا تقصير منها ولا ذم وهؤلاء مقصرون مستحقون اعظم العقاب على تقصيرهم، واعلم ان الله تعالى خلق الملائكة وعلى العقل جبلهم وخلق البهائم وركب فيها الشهوة وخلق الانسان وركب فيه الامرين اى العقل والشهوة فمن غلبت شهوته عقله فهو شر من البهائم ولذا قالى تعالى {بل هم اضل سبيلا} لان الانسان بقدمى العقل المغلوب والهوى الغالب ينقل الى اسفل دركة لا تبلغ البهائم اليها بقدم الشهوة فقط ومن غلب عقله هواه اى شهوته فهو بمنزلة الملائكة الذين لا يعصون الله ماامرهم ويفعلون ما يؤمرون ومن كان غالبا على امره فهو خير من الملائكة كما قال تعالى {أية : اولئك خير البرية}تفسير : كما قال فى المثنوى شعر : در حديث آمد كه يزدان مجيد خلق عالم را سه كونه آفريد يك كروه را جمله عقل وعلم وجود آنو فرشته است اونداند جزسجود نيست اندر عنصر ش حرص وهوا نور مطلق زنده از عشق خدا يك كروه ديكر از دانش تهى همجو حيوان ازعلف در فربهى او نبيند جز كه اصطبل وعلف از شقاوت غافلست و از شرف اين سوم هست آدمى زاد وبشر از فرشته نيمى ونيمى ز خر نيم خر خود مائل سفلى بود نيم ديكر مائل علوى شود آن دوقسم آسوده ازجنك وخراب وين بشر باد ومخالف در عذاب واين بشرهم زامتحان قسمت شدند آدمى شكلند وسه امت شدند يك كروه مستغرق مطلق شدست همجو عيسى باملك ملحق شدست نقش آدم ليك معنى جبرئيل رسته ازخشم وهوا وقال وقيل قسم ديكر باخران محلق شدند خشم محض وشهوت مطلق شدند وصف جبريلى درايشان بود رفت تنك بود آن خانه وآن وصف رفت نام "كالانعام" كرد آن قوم را زانكه نسبت كو بيقظه نوم را روح حيوانى ندارد غير نوم حسهاى منعكس دارند قوم ماند يك قسمى دكر اندر جهاد نيم حيوان نيم حى بارشاد روزوشب درجنك واندر كشمكش كرده جاليش آخرش بااولش تفسير : فعلى العاقل الاحتراز عن الافعال الحيوانية فانها سبب لزوال الجاه الصورى والمعنوى، سئل بعض البرامكة عن سبب زوال دوالتهم قال نوم الغدوات وشرب العشيات، وقيل لى وانا مراقب بعد صلاة الفجر من لم يترك النوم اى من لم يترك الراحة الظاهرة مطلقا ومال كالحيوان الى الدعة والحضور لم يتخلص من الغفلة فمدار الخلاص هو ترك الراحة والعمل بسبيل مخالفة النفس والطبيعة.

الجنابذي

تفسير : {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ} فى مقام التّقليد {أَوْ يَعْقِلُونَ} فى مقام التّحقيق فانّ السّماع اوّل مقام العلم الّذى هو مقام التّقليد، والتّعقّل آخر مقامه الّذى هو مقام التّحقيق واليهما اشار تعالى بقوله تعالى: {أية : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} تفسير : [ق:37] {إِنْ هُمْ إِلاَّ كَٱلأَنْعَامِ} فى عدم التّدبرّ وعدم تذكّر المقصود من التّخاطب وفى كونهم محكومين بحكم شهوتهم وغضبهم من دون رادعٍ يردعهم من أنفسهم {بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً} لانّ الانعام مفطورة على اتّباع الشّهوات والغضبات وليست ضالّة عن طريقها المفطورة عليها، وانّما ضلالها يكون بالنّسبة الى الانسان وطريقه والانسان مفطورٌ على السّلوك الى الله والخروج من جملة الحدود والتّعيّنات واللّحوق بعالم الاطلاق، فاذا انصرف عن هذا السّير واللّحوق ووقف على بعض مراتب البهائم او السّباع او الشّياطين كان ضالاًّ عن طريقه الخاصّة به واضلّ من كلّ ضالٍ، لانّ ضلال كلّ ضالّ سوى الانسان والجانّ يكون بالنّسبة الى طريق الانسانيّة الّتى لا يترقّب منه السّير عليها بخلاف ضلال الانسان فانّه يكون بالنّسبة الى طريقه الّتى يترقّب منه السّير عليها.

فرات الكوفي

تفسير : {إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل44} [تقدم في ذيل الآية 199/ البقرة ذكرها في الحديث فراجع].

اطفيش

تفسير : {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ} سماع تفهم {أَوْ يَعْقِلُونَ} ما تقول لهم فتهتم بِشأنهم وتطمع في ايمانهم فاما ان يريد ما ذكرت فيكون ما بعد ذلك مبنيا عليه ومزيدا للكشف عن حالهم واما ان يريد تشبيههم بالصم المجانين فيكون ما بعده غير مبني عليه لكنه كشف لحالهم بطريق اخرى وام للاضراب والهمزة وهذا ذم لهم اشد من الذم الذي قبله للاضراب به عن هذا الذي قبله وانما ذكر الاكثر ولم يعمم لان منهم من آمن ومنهم من عقل الحق ومنعه عن الايمان الاستكبار وحب الرئاسة وكفى به داء عضالا. {إِنْ هُمْ} اي ما هم * {إلاَّ كَالأَنْعَامِ} لا يتعظون كما لا تتعظ الانعام ما لم يخلق الله لها عقلا وكما ان الانعام تسمع صوت الوعظ ولا تعقل حقيقته فكذلك هم يسمعون الصوت ولا يتعلق بقلوبهم فيعموا به فليسوا تؤثر فيهم الآيات والمعجزات فهم باقون على الشرك والمعاصي {بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً} من الانعام فان الانعام ولو كانت تنقاد لاربابها التي تعلفها وتسقيها وتعرف من يحسن إليها ومن يسيء وتطلب ما ينفعها وتجتنب ما يضرها وتهتدي لراعيها ومشاربها لكن قد ضلت عن منافع لا تهتدي إليها وعن اجتناب مضار فانها لو رأت مثلا ابرة مغروزة بالارض أو سيفا لم تجتنب وطء ذلك ولو كان يضرها ومثل ذلك كثير فهي ضالة ضلالة دنيوية وضلالة الكفار اشد لانها اخروية دائمة وايضا دنيوية مخزية الا تراهم بأقبل على ما يحل به مالهم ودمهم ويسبي ذراريهم الا ذراري قريشي لا يسبى. وقيل: العرب كلها لا تسبى ذريتهم وانت خبير ان الكفار لا ينقادون لربهم ولا يعرفون احسانه إليهم من ايتائه الشيطان الذي هو عدوهم ولا يطلبون الثواب الذي هو اعظم المنافع ولا تذوقون العقاب الذي هو اشد المضار. ويجوز ان يكون وجه اسم التفضيل وجها آخر غير ما مر وهو ان الانعام ضالة عن طريق الآخرة اي غير عارفة به وغير عاملة له لان الله تعالى سبحانه لم يخلق لهم من التمييز ما يوجب ذلك لكنها لم تعتقد باطلا ولم تكسب شرا وهؤلاء ضالون عن طريق الآخرة ومعتقدون للباطل ومكتسبون للشر فضلالتهم اشد. ووجها آخر هو أن ضلالتها لا تضر احدا وضلالتهم تؤدي إلى هيجان الفتنة وصد الناس عن الحق. ووجها آخر هو ان ضلالتهم اشد لتمكين الله اياهم بالعقل على الحق وهي لا عقل لها فلا تقصير منها. ووجها آخر انهم اضل من كل من يتصف الضلالة. ووجها آخر هو اضل بمعنى (ضالون) اي بل هم ضالون سبيلا بخلاف الانعام فانها تسبح وتذكر الله وتؤمن بالرسل.

اطفيش

تفسير : {أم تَحْسبُ} إذا جهدت نفسك فى الانذار حتى كأنك باخع نفسك طمعا فى إيمانهم {أنَّ أكثَرهم} إضراب انتقال الى نفى لياقة ظن أن أكثرهم سامعون أو عاقلون كما قال {يسمعون} من الآيات المتلوة سماع تفهم {أو يعْقلُون} دلائل المخلوقات، فان سمعهم وعقلهم لما تقول كعدمهما إذ لم ينتفعوا بهما، واحترز بالأكثر عمن يؤمن، وعمن أدرك الحق منهم كابر، وإن شئت فأدخل هذا فى الأكثر، لأن إدراكه فاسد إذ كابر أو أريد بالأكثر لكل حتى من سيؤمن، لأنه قبل الايمان لا يعتبر سمعه وعقله فى ذلك، وداخل فى قوله: {إنْ هُم} أى الأكثر المذكورون، أو من اتخذ إلهه هواه، وعليه فالأكثرية مرادة لذكرها قبل. {إلاَّ كالأنعام} فى عدم التدبر {بل هُم أضل سبيلاً} لأنها ولو ضلت عن أمر الشرع، لم تعتقد باطلاً، وانها تعرف مصالحها، وتقصدها ومضارها فتجنبها، وهم ضلوا فعلا وتركاً واعتقاداً، وضلوا عن مصالحهم التى هى فى الدنيا والتى فى الآخرة.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ } إضراب وانتقال عن الإنكار المذكور إلى إنكار حسبانه صلى الله عليه وسلم إياهم ممن يسمع أو يعقل حسبما ينبىء عنه جده عليه الصلاة والسلام في الدعوة واهتمامه بالإرشاد والتذكير على معنى أنه لا ينبغي أن يقع أي بل أتحسب أن أكثرهم يسمعون حق السماع ما تتلو عليهم من الآيات القرآنية أو يعقلون ما أظهر لهم من الآيات الآفاقية والأنفسية فتعتني في شأنهم وتطمع في إيمانهم، ولما كان الدليل السمعي أهم نظراً للمقام من الدليل العقلي قيل: {يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ} وقيل: المعنى بل أتحسب أن أكثرهم يسمعون حق السماع ما تتلو عليهم من الآيات أو يعقلون ما في تضاعيفها من المواعظ الزاجرة عن القبائح الداعية إلى المحاسن فتجتهد في دعوتهم وتهتم / بإرشادهم وتذكيرهم ولعل ما قلناه أولى فتدبر. وأياً ما كان فضمير {أَكْثَرُهُمْ } لمن باعتبار معناه وضمير {أية : عَلَيْهِ }تفسير : [الفرقان: 43] له أيضاً باعتبار لفظه واختير الجمع هنا لمناسبة إضافة الأكثر لهم وأفرد فيما قبله لجعلهم في اتفاقهم على الهوى كشيء واحد، وقيل: ضمير {أَكْثَرُهُمْ } للكفار لا لمن لأن قوله: {تَعَالَى } عليه يأباه وليس بشيء، وضميرا الفعلين للأكثر لا لما أضيف إليه، وتخصيص الأكثر لأن منهم من سبقت له العناية الأزلية بالإيمان بعد الاتخاذ المذكور، ومنهم من سمع أو عقل لكنه كابر استكباراً وخوفاً على الرياسة. وقوله تعالى: {إِنْ هُمْ إِلاَّ كَٱلأَنْعَـٰمِ } الخ جملة مستأنفة لتقرير النكير وتأكيده وحسم مادة الحسبان بالمرة والضمير للأكثر أو لمن، واكتفى عن ذكر الأكثر بما قبله أي ما هم في عدم الانتفاع بما يقرع آذانهم من قوارع الآيات وانتفاء التدبر بما يشاهدونه من الدلائل البينات إلا كالبهائم التي هي مثل في الغفلة وعلم في الضلالة {بَلْ هُمْ أَضَلُّ } منها {سَبِيلاً } لما أنها تنقاد لصاحبها الذي يتعهدها وتعرف من يحسن إليها ومن يسىء إليها وتطلب ما ينفعها وتجتنب ما يضرها وتهتدي لمراعيها ومشاربها وتأوي إلى معاطنها ومرابضها، وهؤلاء لا ينقادون لربهم سبحانه وخالقهم ورازقهم ولا يعرفون إحسانه تعالى إليهم من إساءة الشيطان المزين لهم اتباع الشهوات الذي هو عدو مبين ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار والمهالك ولا يهتدون للحق الذي هو المشرع الهني والمورد العذب الروي، ولأنها إن لم تعتقد حقاً مستتبعاً لاكتساب الخير لم تعتقد باطلاً مستوجباً لاقتراف الشر بخلاف هؤلاء حيث مهدوا قواعد الباطل وفرعوا عليها أحكام الشرور ولأن أحكام جهالتها وضلالتها مقصورة على أنفسها لا تتعدى إلى أحد وجهالة هؤلاء مؤدية إلى ثوران الفتنة والفساد وصد الناس عن سنن السداد وهيجان الهرج والمرج فيما بين العباد ولأنها غير معطلة لقوة من القوى المودعة فيها بل صارفة لها إلى ما خلقت له فلا تقصير من قبلها في طلب الكمال وأما هؤلاء فهم معطلون لقواهم العقلية مضيعون للفطرة الأصلية التي فطر الناس عليها. واستدل بالآية على أن البهائم لا تعلم ربها عز وجل، ومن ذهب إلى أنها تعلمه سبحانه وتسبحه كما هو مذهب الصوفية وجماعة من الناس قال: إن هذا خارج مخرج الظاهر، وقيل: المراد إن هم إلا كالأنعام في عدم الانتفاع بالآيات القرآنية والدلائل الأنفسية والآفاقية فإن الأنعام كذلك والعلم بالله تعالى الحاصل لها ليس استدلالياً بل هو فطري، وكونهم أضل سبيلاً من الأنعام من حيث إنها رزقت علماً بربها تعالى فهي تسبحه عز وجل به وهؤلاء لم يرزقوا ذلك فهم في غاية الضلالة.

ابن عاشور

تفسير : انتقال عن التأييس من اهتدائهم لغلبة الهوى على عقولهم إلى التحذير من أن يظن بهم إدراك الدلائل والحجج، وهذا توجيه ثان للإعراض عن مجادلتهم التي أنبأ عنها قوله تعالى: {أية : وسوف يعلمون حين يَرَوْن العذاب مَن أضلّ سبيلاً}تفسير : [الفرقان: 42]، فــــ{أم} منقطعة للإضراب الانتقالي من إنكار إلى إنكار وهي مؤذنة باستفهام عطفته على الاستفهام الذي قبلها. والتقدير: أم أتحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون. والمراد من نفي {أن أكثرهم يسمعون} نفي أثر السماع وهو فهم الحق لأن ما يلقيه إليهم الرسول صلى الله عليه وسلم لا يَرتاب فيه إلا من هو كالذي لم يسمعه. وهذا كقوله تعالى {أية : ولا تُسمع الصُّمَّ الدعاء إذا ولَّوْا مدبرين}تفسير : [النمل: 80]. وعطف {أو يعقلون} على {يسمعون} لنفي أن يكونوا يعقلون الدلائل غير المقالية وهي دلائل الكائنات قال تعالى: {أية : قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون}تفسير : [يونس: 101]. وإنما نُفي فهم الأدلة السمعية والعقلية عن أكثرهم دون جميعهم، لأن هذا حال دهمائهم ومقلِّديهم، وفيهم معشر عقلاء يفهمون ويستدلون بالكائنات ولكنهم غلب عليهم حبّ الرئاسة وأَنِفوا من أن يعودوا أتباعاً للنبي صلى الله عليه وسلم ومساوين للمؤمنين من ضعفاء قريش وعبيدهم مِثل عمار، وبلال. وجملة {إن هم إلا كالأنعام} مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن ما تقدم من إنكار أنهم يسمعون يثير في نفس السامعين سؤالاً عن نفي فهمهم لما يسمعون مع سلامة حواس السمع منهم، فكان تشبيههم بالأنعام تبييناً للجمع بين حصول اختراق أصوات الدعوة آذانهم مع عدم انتفاعهم بها لعدم تهيئهم للاهتمام بها، فالغرض من التشبيه التقريب والإمكان كقول أبي الطيب:شعر : فإن تَفُق الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال تفسير : وضمائر الجمع عائدة إلى أكثرهم باعتبار معنى لفظه كما عاد عليه ضمير {يسمعون}. وانتُقل في صفة حالهم إلى ما هو أشدّ من حال الأنعام بأنهم أضلّ سبيلاً من الأنعام. وضَلال السبيل عدم الاهتداء للمقصود لأن الأنعام تفقه بعض ما تسمعه من أصوات الزجر ونحوها من رُعاتها وسائقيها وهؤلاء لا يفقهون شيئاً من أصوات مرشدهم وسائسهم وهو الرسول عليه الصلاة والسلام. وهذا كقوله تعالى {أية : فهي كالحجارة أو أشدّ قسوة وإن من الحجارة لَمَا يتفجر منه الأنهار}تفسير : [البقرة: 74] الآية.

الشنقيطي

تفسير : أم في هذه الآية الكريمة هي المنقطعة وأشهر معانيها أنها جامعة بين معنى بل الإضرابية، واستفهام الإنكار معاً، والإضراب المدلول عليه بها هنا إضراب انتقالي: والمعنى: بل أتحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون: أي لا تعتقد ذلك ولا تظنه، فإنهم لا يسمعون الحق ولا يعقلونه: أي لا يدركونه بعقولهم إن هم إلا كأنعام أي ما هم إلا كالأنعام، التي هي الإبل والبقر والغنم في عدم سماع الحق، وإدراكه، بل هم أضل من الأنعام: أي أبعد عن فهم الحق، وإدراكه. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً} قال الزمخشري: فإن قلت: كيف جعلوا أضل من الأنعام؟ قلت: لأن الأنعام تنقاد لأربابها التي تعلفها وتتعهدها، وتعرف من يحسن إليها ممن يسيء إليها، وتطلب ما ينفعها، وتجتنب ما يضرها، وتهتدي لمراعيها ومشاربها، وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يعرفون إحسانه إليهم من إساءة الشيطان الذي هو عدوهم، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار والمهالك، ولا يهتدون للحق الذي هو المشرع الهني والعذب الروي. اهـ. منه. وإذا علمت ما دلت عليه هذه الآية الكريمة، فاعلم أن الله بينه في غير هذا الموضع كقوله تعالى في سورة الأعراف: {أية : وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ} تفسير : [الأعراف: 179]، وقوله تعالى في البقرة: {أية : وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} تفسير : [البقرة: 171].

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 44- وهل تظن أن أكثرهم يسمعون سماع الفهم أو يهتدون بعقولهم؟! لقد نفذوا ما تأمرهم به أحلامهم، وصاروا كالبهائم لا همّ لهم إلا الأكل والشرب ومتاع الحياة الدنيا، ولا تفكير لهم فيما وراء ذلك، بل هم شر مكاناً من البهائم، فالبهائم تنقاد لأصحابها إلى ما فيه خيرها، وتنأى عما يضرها، وهؤلاء يلقون بأنفسهم فيما يهلكهم. 45- لقد نصبنا من الدلائل على التوحيد ما يهدى ذوى الألباب، انظر إلى الظل فقد بسطه الله وجعله ساكناً أول النهار، ثم سلطنا الشمس تزيل منه بما يحل محله من أشعتها، فكانت الشمس دالة عليه ولولاها ما عرف الظل، ولو شاء الله لجعل الظل ساكناً مطبقاً على الناس فتفوت مصالحهم ومرافقهم. 46- ولقد كان نسخنا للظل بالشمس تدريجياً بمقدار ولم يكن دفعة واحدة، وفى ذلك منافع للناس. 47- ومن آيات التوحيد أن جعل الليل ستراً بظلامه، يدخل فيه الخلق فيحيطهم إحاطة الثوب بلابسه. وهيَّأ الناس للنوم فكان راحة لهم يستجمون به من التعب، ثم يأتى النهار بضيائه ناشراً للناس باحثين عن معايشهم طالبين لرزقهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {كَٱلأَنْعَامِ} (44) - هَلْ تَطُنُّ يا محمدُ أنَّ هؤلاءِ المُشرِكينَ يَسمَعُون أو يَعْقِلونَ؟ إنهم في الحَقيقَةِ لا يَسْمعُونَ حقَّ السَّماعِ، ولا يُدْرِكُون حقَّ الإِدْرَاكِ ولا يفْهَمُونَ فَهْماً صَحِيحاً ما تَتْلُوهُ عليْهِمْ مِنَ الآياتِ والمواعظِ الداعِيَةِ إلى الإيمانِ وإلى الخَيْرِ، حَتَّى تَجْتَهِدَ في دَعْوَتِهِمْ، وتَحْفِلَ بِإرشَادِهِمْ، وتذكيرِهِمْ، وتَطْمَعَ في إيمَانِهِمْ، فَهُمْ أَسْوَأُ من الأنْعَامِ السَّارِحَةِ، وأضَلُّ سَبيلاً، لأنَّ الأنْعَامَ السَّارِحَةَ تنقَادُ لصَاحِبِها الذي يَتَعَهَّدُهَا، وتعرفُ مَنْ يُحْسِنُ إليها ومن يُسيءُ، وتطلبُ ما يَنفَعُها، وتَجتنبُ ما يَضرُّها، وتَهتدِي لمَرْعَاها ومَشْرَبِها. أما هؤلاءِ المُشركونَ فإنهمْ لا يَنْقادُونَ لَخَالِقِهِمْ وبارِئِهم، ولا يَعْرِفُونَ إحْسَانَهُ إليهم، ولا يعْرِفُونَ إساءَةَ الشيطانِ وعَدَاوتَهُ لَهُم، وهوَ الذي يزيِّنُ لهمُ الكُفْرَ واتِّباعَ الشَّهَواتِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {يَسْمَعُونَ ..} [الفرقان: 44] أي: سماع تعقُّل وتدبُّر، فلو سَمعُوا وعَقِلوا ما وصلتْ بهم المسائل إلى هذا الحدِّ {إِنْ هُمْ إِلاَّ كَٱلأَنْعَامِ ..} [الفرقان: 44] مع أن الأنعام مُسخَّرة وتُؤدِّي مهمتها ولم تمتنع عن شيء خُلِقَتْ له، فقد شبَّههم الله بالأنعام؛ لأن الأنعام لا يُطلب منها أن تسمع الهداية لأنها مُسخَّرة، والذي يُطلب منه السماع والهداية هو المخيِّر بين أن يفعل أو لا يفعل. كأن الحق سبحانه يقول: أتظن أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون؟ وكلمة {أَكْثَرَهُمْ ..} [الفرقان: 44] تدل على أن بعضهم يسمع ويعقل، وهذا من قانون الاحتمال، فكثير من كفار قريش ناصبوا رسول الله العداء، وانتهى الأمر بهم إلى أَنْ أسلموا وحَسُن إسلامهم، إذن: كان فيهم مَنْ يسمع، ومَنْ يفكر ويعقل؛ لذلك قال: {أَكْثَرَهُمْ ..} [الفرقان: 44] ليحمي هذا الحكم، وليحتاط لما سيقع من إيمان هؤلاء البعض، هذا دِقَّة في تحرِّي الحقيقة. وسبق أنْ ذكرنا ما كان من أسف المؤمنين حين يفوتهم قَتْل أحد صناديد الكفر في المعركة، فكانوا يألمون لذلك أشدَّ الألم، وهم لا يدرون أن حكمة الله كانت تدخرهم للإيمان فيما بعد، ومنهم خالد ابن الوليد الذي أصبح بعد ذلك سيف الله المسلول. والأنعام قُلْنا: لا دخلَ لها في مسألة الهداية أو الضلال؛ لأنها مُسخَّرة لا اختيارَ لها؛ لذلك ضرب الله بها المثل لليهود: {أية : كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ..}تفسير : [الجمعة: 5] فالحمار مهمته أنْ يحمل فحسب، أمّا أنت أيها اليهودي فمهمتك أن تحمل وتطبق، الحمار لا يطبق؛ لأنه لم يُطلب منه ذلك، مع أن الحيوان يعرف صاحبه ويعرف طعامه ومكان شرابه، ويعرف طريقه ومكان مبيته، حتى أن أحدهم مات على ظهر جواده، فسار به الجواد إلى بيته. إذن: فالأنعام تفهم وتعقل في حدود المهمة التي خلقها الله لها، ولا تُقصِّر في مهمتها، أما المهمة الدينية فتعلمها في باطن الأمر، لكن لا يُطلَب منها شيء الآن، لأنها انتهتْ من هذه المسألة أولاً، كما قال سبحانه وتعالى: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}تفسير : [الأحزاب: 72]؟ فاختاروا أن يكونوا مُسيَّرين بالغريزة محكومين بها، إذن: فلهم اختيار، لكن نفّذوا اختيارهم جملةً واحدة من أول الأمر. خُذْ مثلاً الهدهد وهو من المملوكات التي سخّرها الله لسليمان - عليه السلام - يقول له: {أية : أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ}تفسير : [النمل: 22] أيُّ ديمقراطية هذه التي تمتَّع بها الهدهد مع سليمان.؟! إذن: فحتى الحيوانات تعرف هذه القضية، وإنْ لم يُطلَب منها شيء، والحيوانات لا يمكن أنْ تفعل شيئاً إلا إذا كان منوطاً بغرائزها وفي مقدورها. وسبق أنْ ضربنا مثلاً بالحمار، إذا أردتَ منه أن يقفز فوق جدول ماء فإنه ينظر إليه، فإنْ كان في مقدوره قفزَ، وإنْ كان فوق مقدوره تراجَع، ولا يمكن أنْ يُقدِم مهما ضربته؛ لأنه علم بغريزته أنه فوق إمكاناته، أما الإنسان فقد يُقدِم على مثل هذا دون حساب للإمكانات، فيُوقع نفسه فيما لا تُحمد عقباه. ثم يقول الحق سبحانه: {أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ ...}.