٢٥ - ٱلْفُرْقَان
25 - Al-Furqan (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
45
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين جهل المعرضين عن دلائل الله تعالى وفساد طريقهم في ذلك ذكر بعده أنواعاً من الدلائل الدالة على وجود الصانع. النوع الأول: الاستدلال بحال الظل في زيادته ونقصانه وتغيره من حال إلى حال، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: {أَلَمْ تَرَ } فيه وجهان: أحدهما: أنه من رؤية العين والثاني: أنه من رؤية القلب يعني العلم، فإن حملناه على رؤية العين فالمعنى أم تر إلى الظل كيف مده ربك وإن كان تخريج لفظه على عادة العرب أفصح وإن حملناه على العلم وهو اختيار الزجاج، فالمعنى ألم تعلم وهذا أولى وذلك أن الظل إذا جعلناه من المبصرات فتأثير قدرة الله تعالى في تمديده غير مرئي بالاتفاق، ولكنه معلوم من حيث إن كل متغير جائز فله مؤثر فحمل هذا اللفظ على رؤية القلب أولى من هذا الوجه. المسألة الثانية: المخاطب بهذا الخطاب وإن كان هو الرسول عليه السلام بحسب ظاهر اللفظ ولكن الخطاب عام في المعنى، لأن المقصود من الآية بيان نعم الله تعالى بالظل، وجميع المكلفين مشتركون في أنه يجب تنبههم لهذه النعمة وتمكنهم من الاستدلال بها على وجود الصانع. المسألة الثالثة: الناس أكثروا في تأويل هذه الآية والكلام الملخص يرجع إلى وجهين: الأول: أن الظل هو الأمر المتوسط بين الضوء الخالص وبين الظلمة الخالصة وهو ما بين ظهور الفجر إلى طلوع الشمس، وكذا الكيفيات الحاصلة داخل السقف وأفنية الجدران وهذه الحالة أطيب الأحوال لأن الظلمة الخالصة يكرهها الطبع وينفر عنها الحس، وأما الضوء الخالص وهو الكيفية الفائضة من الشمس فهي لقوتها تبهر الحس البصري وتفيد السخونة القوية وهي مؤذية، فإذن أطيب الأحوال هو الظل ولذلك وصف الجنة به فقال: { أية : وَظِلّ مَّمْدُودٍ } تفسير : [الواقعة: 30] وإذا ثبت هذا فنقول إنه سبحانه بين أنه من النعم العظيمة والمنافع الجليلة، ثم إن الناظر إلى الجسم الملون وقت الظل كأنه لا يشاهد شيئاً سوى الجسم وسوى اللون، ونقول الظل ليس أمراً ثالثاً، ولا يعرف به إلا إذا طلعت الشمس ووقع ضوؤها على الجسم زال ذلك الظل فلولا الشمس ووقوع ضوئها على الأجرام لما عرف أن للظل وجوداً وماهية لأن الأشياء إنما تعرف بأضدادها، فلولا الشمس لما عرف الظل، ولولا الظلمة لما عرف النور، فكأنه سبحانه وتعالى لما طلع الشمس على الأرض وزال الظل، فحينئذ ظهر للعقول أن الظل كيفية زائدة على الجسم واللون، فلهذا قال سبحانه {ثُمَّ جَعَلْنَا ٱلشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً } أي خلقنا الظل أولاً بما فيه من المنافع واللذات ثم إنا هدينا العقول إلى معرفة وجوده بأن أطلعنا الشمس فكانت الشمس دليلاً على وجود هذه النعمة، ثم قبضناه أي أزلنا الظل لا دفعة بل يسيراً يسيراً فإن كلما ازداد ارتفاع الشمس ازداد نقصان الظل في جانب المغرب، ولما كان الحركات المكانية لا توجد دفعة بل يسيراً يسيراً فكذا زوال الإظلال لا يكون دفعة بل يسيراً يسيراً، ولأن قبض الظل لو حصل دفعة لاختلت المصالح، ولكن قبضها يسيراً يسيراً يفيد معه أنواع مصالح العالم، والمراد بالقبض الإزالة والإعدام هذا أحد التأويلين. التأويل الثاني: وهو أنه سبحانه وتعالى لما خلق الأرض والسماء وخلق الكواكب والشمس والقمر وقع الظل على الأرض، ثم إنه سبحانه خلق الشمس دليلاً عليه وذلك لأن بحسب حركات الأضواء تتحرك الأظلال فإنهما متعاقبان متلازمان لا واسطة بينهما فبمقدار ما يزداد أحدهما ينقص الآخر، وكما أن المهتدي يهتدي بالهادي والدليل ويلازمه، فكذا الأظلال كأنها مهتدية وملازمة للأضواء فلهذا جعل الشمس دليلاً عليها. وأما قوله: {ثُمَّ قَبَضْنَـٰهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً } فأما أن يكون المراد منه انتهاء الأظلال يسيراً يسيراً إلى غاية نقصاناتها، فسمى إزالة الأظلال قبضاً لها أو يكون المراد من قبضها يسيراً قبضها عند قيام الساعة، وذلك بقبض أسبابها وهي الأجرام التي تلقي الأظلال وقوله: {يَسِيراً } هو كقوله: { أية : ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ } تفسير : [ق: 44] فهذا هو التأويل الملخص. المسألة الرابعة: وجه الاستدلال به على وجود الصانع المحسن أن حصول الظل أمر نافع للأحياء والعقلاء، وأما حصول الضوء الخالص، أو الظلمة الخالصة، فهو ليس من باب المنافع، فحصول ذلك الظل، إما أن يكون من الواجبات أو من الجائزات، والأول باطل وإلا لما تطرق التغير إليه، لأن الواجب لا يتغير فوجب أن يكون من الجائزات، فلا بد له في وجوده بعد العدم، وعدمه بعد الوجود، من صانع قادر مدبر محسن يقدره بالوجه النافع، وما ذاك إلا من يقدر على تحريك الأجرام العلوية وتدبير الأجسام الفلكية وترتيبها على الوصف الأحسن والترتيب الأكمل، وما هو إلا الله سبحانه وتعالى. فإن قيل: الظل عبارة عن عدم الضوء عما شأنه أن يضيء، فكيف استدل بالأمر العدمي على ذاته، وكيف عده من النعم؟ قلنا: الظل ليس عدماً محضاً، بل هو أضواء مخلوطة بظلم، والتحقيق أن الظل عبارة عن الضوء الثاني وهو أمر وجودي، وفي تحقيقه وبسطه كلام دقيق يرجع فيه إلى كتبنا العقلية. النوع الثاني: قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِبَاساً وَٱلنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُوراً } اعلم أنه تعالى شبه الليل من حيث إنه يستر الكل ويغطي باللباس الساتر للبدن، ونبه على ما لنا فيه من النفع بقوله: {وَٱلنَّوْمَ سُبَاتاً } والسبات هو الراحة وجعل النوم سباتاً لأنه سبب للراحة قال أبو مسلم: السبات الراحة ومنه يوم السبت لما جرت به العادة من الاستراحة فيه، ويقال للعليل إذا استراح من تعب العلة مسبوت، وقال صاحب «الكشاف» السبات الموت والمسبوت الميت لأنه مقطوع الحياة قال: وهذا كقوله: { أية : وَهُوَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّـٰكُم بِٱلَّيْلِ } تفسير : [الأنعام: 60] وإنما قلنا إن تفسيره بالموت أولى من تفسيره بالراحة، لأن النشور في مقابلته يأباه، قال أبو مسلم: {وجعل النهار نشوراً} هو بمعنى الانتشار والحركة كما سمى تعالى نوم الإنسان وفاة، فقال: { أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلاْنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا } تفسير : [الزمر: 42] والتي لم تمت في منامها كذلك وفق بين القيام من النوم والقيام من الموت في التسمية بالنشور، وهذه الآية مع دلالتها على قدرة الخالق فيها إظهار لنعمه على خلقه، لأن الاحتجاب بستر الليل كم فيه لكثير من الناس من فوائد دينية ودنيوية، والنوم واليقظة شبههما بالموت والحياة، وعن لقمان أنه قال لابنه: كما تنام فتوقظ، كذلك تموت فتنشر. النوع الثالث: قوله: {وَهُوَ ٱلَّذِى أَرْسَلَ ٱلرّيَـٰحَ بُشْرًاَ بَيْنَ يَدَيْهِ رَحْمَتِهِ } وقد تقدم تفسيره في سورة الأعراف، ثم فيه مسائل: المسألة الأولى: قرىء (الريح) و (الرياح)، قال الزجاج: وفي (نشراً) خمسة أوجه بفتح النون وبضمها وبضم النون والشين وبالباء الموحدة مع ألف والمؤنث وبشراً بالتنوين، قال أبو مسلم في قرأ (بشراً) أراد جمع بشير مثل قوله تعالى: { أية : وَمِنْ ءايَـٰتِهِ أَن يُرْسِلَ ٱلرّيَـٰحَ مُبَشّرٰتٍ } تفسير : [الروم: 46] وأما بالنون فهو في معنى قوله: { أية : وٱلنَّـٰشِرٰتِ نَشْراً } تفسير : [المرسلات: 3] وهي الرياح، والرحمة الغيث والماء والمطر. المسألة الثانية: قوله: {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء طَهُوراً } نص في أنه تعالى ينزل الماء من السماء، لا من السحاب. وقول من يقول السحاب سماء ضعيف لأن ذاك بحسب الاشتقاق، وأما بحسب وضع اللغة فالسماء اسم لهذا السقف المعلوم فصرفه عنه ترك للظاهر. المسألة الثالثة: اختلفوا في أن الطهور ما هو؟ قال كثير من العلماء الطهور ما يتطهر به كالفطور ما يفطر به، والسحور ما يتسحر به وهو مروي أيضاً عن ثعلب، وأنكر صاحب «الكشاف» ذلك، وقال ليس فعول من التفعيل في شيء والطهور على وجهين في العربية: صفة واسم غير صفة فالصفة قولك: ماء طهور كقولك طاهر، والاسم قولك طهور لما يتطهر به كالوضوء والوقود لما يتوضأ به ويوقد به النار. حجة القول الأول قوله عليه السلام: «حديث : التراب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج» تفسير : ولو كان معنى الطهور الطاهر لكان معناه التراب طاهر للمسلم وحينئذ لا ينتظم الكلام، وكذا قوله عليه السلام: « حديث : طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبعاً » تفسير : ولو كان الطهور الطاهر لكان معناه طاهر إناء أحدكم وحينئذ لا ينتظم الكلام، ولأنه تعالى قال: { أية : وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم مّن ٱلسَّمَاء مَاء لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ } تفسير : [الأنفال: 11] فبين أن المقصود من الماء إنما هو التطهر به فوجب أن يكون المراد من كونه طهوراً أنه هو المطهر به لأنه تعالى ذكره في معرض الإنعام، فوجب حمله على الوصف الأكمل ولا شك أن المطهر أكمل من الطاهر. المسألة الرابعة: اعلم أن الله تعالى ذكر من منافع الماء أمرين: أحدهما: ما يتعلق بالنبات والثاني: ما يتعلق بالحيوان، أما أمر النبات فقوله: {لّنُحْيِىَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً } وفيه سؤالات: السؤال الأول: لم قال {لّنُحْيِىَ بِهِ بَلْدَةً } ميتاً ولم يقل ميتة؟ الجواب: لأن البلدة في معنى البلد في قوله: { أية : فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيّتٍ } تفسير : [فاطر: 9]. السؤال الثاني: ما المراد من حياة البلد وموتها؟ الجواب: الناس يسمون ما لا عمارة فيه من الأرض مواتاً، وسقيها المقتضي لعمارتها إحياء لها. السؤال الثالث: أن جماعة الطبائعيين وكذا الكعبي من المعتزلة قالوا إن بطبع الأرض والماء وتأثير الشمس فيهما يحصل النبات وتمسكوا بقوله تعالى: {لّنُحْيِىَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً } فإن الباء في (به) تقتضي أن للماء تأثيراً في ذلك الجواب: الظاهر وإن دل عليه لكن المتكلمون تركوه لقيام الدلالة على فساد الطبع وأما أمر الحيوان فقوله سبحانه: {وَنُسْقِيَهِ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَـٰماً وَأَنَاسِىَّ كَثِيراً } وفيه سؤالات: السؤال الأول: لم خص الإنسان والأنعام ههنا بالذكر دون الطير والوحش مع انتفاع الكل بالماء؟ الجواب: لأن الطير والوحش تبعد في طلب الماء فلا يعوزها الشرب بخلاف الأنعام لأنها قنية الأناسي وعامة منافعهم متعلقة بها فكأن الإنعام عليهم بسقي أنعامهم كالإنعام عليهم بسقيهم. السؤال الثاني: ما معنى تنكير الأنعام والأناسي ووصفهما بالكثرة؟ الجواب: معناه أن أكثر الناس يجتمعون في البلاد القريبة من الأودية والأنهار (ومنافع) المياه فهم في غنية (في شرب المياه عن المطر)، وكثير منهم نازلون في البوادي فلا يجدون المياه للشرب إلا عند نزول المطر وذلك قوله: {لّنُحْيِىَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً } يريد بعض بلاد هؤلاء المتباعدين عن مظان الماء ويحتمل في (كثير) أن يرجع إلى قوله: {وَنُسْقِيَهِ } لأن الحي يحتاج إلى الماء حالاً بعد حال وهو مخالف للنبات الذي يكفيه من الماء قدر معين، حتى لو زيد عليه بعد ذلك لكان إلى الضرر أقرب، والحيوان يحتاج إليه حالاً بعد حال ما دام حياً. السؤال الثالث: لم قدم إحياء الأرض وسقي الأنعام على سقي الأناسي الجواب: لأن حياة الأناسي بحياة أرضهم وحياة أنعامهم، فقدم ما هو سبب حياتهم ومعيشتهم على سقيهم لأنهم إذا ظفروا بما يكون سقيا لأرضهم ومواشيهم فقد ظفروا أيضاً بسقياهم وأيضاً فقوله تعالى: { أية : وَلَقَدْ صَرَّفْنَـٰهُ بَيْنَهُمْ } تفسير : [الفرقان: 50] يعني صرف المطر كل سنة إلى جانب آخر، وإذا كان كذلك فلا يسقي الكل منه بل يسقي كل سنة أناسي كثيراً منه. السؤال الرابع: ما الأناسي؟ الجواب: قال الفراء والزجاج: الإنسي والأناسي كالكرسي والكراسي، ولم يقل كثيرين لأنه قد جاء فعيل مفرداً ويراد به الكثرة كقوله: { أية : وَقُرُوناً بَيْنَ ذٰلِكَ كَثِيراً } تفسير : [الفرقان: 38] { أية : وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً } تفسير : [النساء: 69]. واعلم أن الفقهاء قد استنبطوا أحكام المياه من قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء طَهُوراً } ونحن نشير إلى معاقد تلك المسائل فنقول ههنا نظران: أحدهما: أن الماء مطهر والثاني: أن غير الماء هل هو مطهر أم لا؟ النظر الأول: أن نقول الماء إما أن لا يتغير أو يتغير القسم الأول وهو الذي لا يتغير فهو طاهر في ذاته مطهر لغيره، إلا الماء المستعمل فإنه عند الشافعي طاهر وليس بمطهر، وقال مالك والثوري يجوز الوضوء به، وقال أبو حنيفة في رواية أبي يوسف إنه نجس فههنا مسائل: المسألة الأولى: في بيان أنه ليس بمطهر، ودليلنا قوله عليه السلام: « حديث : لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب » تفسير : ولو بقي الماء كما كان طاهراً مطهراً لما كان للمنع منه معنى، ومن وجه القياس أن الصحابة كانوا يتوضؤون في الأسفار وما كانوا يجمعون تلك المياه مع علمهم باحتياجهم بعد ذلك إلى الماء، ولو كان ذلك الماء مطهراً لحملوه ليوم الحاجة، واحتج مالك بالآية والخبر والقياس. أما الآية فمن وجهين: الأول: قوله تعالى:{وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء طَهُوراً} وقوله: { أية : وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم مّن ٱلسَّمَاء مَاء لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ } تفسير : [الأنفال: 11] فدلت الآية على حصول وصف المطهرية للماء، والأصل في الثابت بقاؤه، فوجب الحكم ببقاء هذه الصفة للماء بعد صيرورته مستعملاً، وأيضاً قوله: {طَهُوراً } يقتضي جواز التطهر به مرة بعد أخرى والثاني: أنه أمر بالغسل مطلقاً في قوله: { أية : فٱغْسِلُواْ } تفسير : [المائدة: 6] واستعمال كل المائعات غسل، لأنه لا معنى للغسل إلا إمرار الماء على العضو، قال الشاعر: شعر : فياحسنها إذ يغسل الدمع كحلهاï تفسير : فمن اغتسل بالماء المستعمل فقد أتى بالغسل، فوجب أن يكون مجزئاً له لأنه أتى بما أمر به فوجب أن يخرج عن العهدة وأما السنة فما روي أنه عليه السلام « حديث : توضأ فمسح رأسه بفضل ما في يده » تفسير : وعنه عليه السلام: « حديث : أنه توضأ فأخذ من بلل لحيته فمسح به رأسه » تفسير : وعن ابن عباس أنه عليه السلام: « حديث : اغتسل فرأى لمعة في جسده لم يصبها الماء، فأخذ شعرة عليها بلل فأمرها على تلك اللمعة » تفسير : . وأما القياس فإنه ماء طاهر لقي جسداً طاهراً فأشبه ما إذا لقي حجارة أو حديداً، وكذا الماء المستعمل في الكرة الرابعة والمستعمل في التبرد والتنظيف، ولأنه لا خلاف أنه إذا وضع الماء على أعلى وجهه وسقط به فرض ذلك الموضع، ثم نزل ذلك الماء بعينه إلى بقية الوجه فإنه يجزيه مع أن ذلك الماء صار مستعملاً في أعلى الوجه. المسألة الثانية: الدليل على أن الماء المستعمل طاهر قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء طَهُوراً } ومن السنة أنه عليه السلام: أخذ من بلل لحيته ومسح به رأسه، وقال: « حديث : خلق الماء طهوراً لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو ريحه أو لونه » تفسير : وقال الشافعي: إنه عليه السلام توضأ ولا شك أنه أصابه ما تساقط منه، ولم ينقل أنه غير ثوبه ولا أنه غسله، ولا أحد من المسلمين فعل ذلك، فثبت أنهم أجمعوا على أنه ليس بنجس، ولأنه ماء طاهر لقي جسماً طاهراً فأشبه ما إذا لاقى حجارة. المسألة الثالثة: الماء المستعمل إما أن يكون مستعملاً في أعضاء الوضوء أو في غسل الثياب، أما المستعمل في أعضاء الوضوء فإما أن يكون مستعملاً فيما كان فرضاً وعبادة، أو فيما كان فرضاً ولا يكون عبادة، أو فيما كان عبادة ولا يكون فرضاً، أو فيما لا يكون فرضاً ولا عبادة. أما القسم الأول: وهو المستعمل فيما كان فرضاً وعبادة فهو غير مطهر باتفاق أصحاب الشافعي. وأما القسم الثاني: فهو كالماء الذي استعملته الذمية التي تحت الزوج المسلم، أي في غسل حيضها ليحل للزوج غشيانها. وأما القسم الثالث: فهو كالماء المستعمل في الكرة الثانية والثالثة، والماء المستعمل في تجديد الوضوء، والماء المستعمل في الأغسال المسنونة، فلأصحاب الشافعي في هذين القسمين وجهان: وأما القسم الرابع: فهو كالماء المستعمل في الكرة الرابعة، وفي التبرد والتنظف، فذاك باتفاق أصحاب الشافعي غير مستعمل، وهو طاهر مطهر، أما الماء المستعمل في غسل الثياب، فإذا غسل ثوباً من نجاسة وطهر بغسلة واحدة، يستحب أن يغسله ثلاثاً فالمنفصل في الكرة الثانية والثالثة مطهر على الأصح القسم الثاني: الماء الذي يتغير فنقول الماء إذا تغير، فإما أن يتغير بنفسه أو بغيره، أما الأول فكالمتغير بطول المكث فيجوز الوضوء به، لأنه عليه السلام كان يتوضأ من بئر (قضاعة)، وكان ماؤها كأنه نقاعة الحناء، وأما المتغير بسبب غيره فذلك الغير إما أن لا يكون متصلاً به أو يكون متصلاً به. أما الذي لا يكون متصلاً به فهو كما لو وقع بقرب الماء جيفة فصار الماء منتناً بسببها فهو أيضاً مطهر، وأما إذا تغير بسبب شيء متصل به فذلك المتصل إما أن يكون طاهراً أو نجساً القسم الأول: إذا كان طاهراً فهو إما أن لا يخالطه أو يخالطه، فإن لم يخالطه فهو كالماء المتغير بسبب وقوع الدهن والطيب والعود والعنبر والكافور الصلب فيه وهذا أيضاً مطهر كما لو كان بقرب الماء جيفة، ولأن الطهورية ثبتت بقوله: {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء طَهُوراً } والأصل في الثابت بقاؤه، وأما المتغير بسبب شيء يخالطه، فذلك المخالط إما أن لا يمكن صون الماء عنه أو يمكن، أما الذي لا يمكن فكالمتغير بالتراب والحمأة والأوراق التي تقع فيه والطحلب الذي يتولد فيه، وهذا أيضاً مطهر، لأن الطهورية ثبتت بالآية والاحتراز عن ذلك عسير، فيكون مرفوعاً لقوله: { أية : مَّا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ٱلدّينِ مِنْ حَرَجٍ } تفسير : [الحج: 78] وكذا لو جرى الماء في طريقه على معدن زرنيخ أو نورة أو كحل أو وقع شيء منها فيه أو نبع من معادنها، أما إذا تغير الماء بسبب مخالطة ما يستغني الماء عن جنسه نظر إن كان التغير قليلاً، بحيث لا يضاف الماء إليه بأن وقع فيه زعفران فاصفر قليلاً، أو دقيق فابيض قليلاً، جاز الوضوء به على الصحيح من المذهب، لأنه لم يسلبه إطلاق اسم الماء، وأما إن كان التغير كثيراً فإن استحدث اسماً جديداً كالمرقة لم يجز الوضوء به بالاتفاق، وإن لم يستحدث اسماً جديدا فعند الشافعي لا يجوز الوضوء به، وعند أبي حنيفة يجوز. حجة الشافعي من وجوه: أحدها: أنه عليه السلام توضأ ثم قال: « حديث : هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به » تفسير : فذلك الوضوء إن كان واقعاً بالماء المتغير وجب أن لا يجوز إلا به، وبالاتفاق ليس الأمر كذلك، فثبت أنه كان بماء غير متغير وهو المطلوب وثانيها: أنه إذا اختلط ماء الورد بالماء ثم توضأ الإنسان به، فيحتمل أن بعض الأعضاء قد انغسل بماء الورد دون الماء، وإذا كان كذلك فقد وقع الشك في حصول الوضوء وكان تيقن الحدث قائماً، والشك لا يعارض اليقين فوجب أن يبقى على الحدث، بخلاف ما إذا كان قليلاً لا يظهر أثره فإنه صار كالمعدوم، أما إذا ظهر أثره علمنا أنه باق فيتوجه ما ذكرناه وثالثها: أن الوضوء تعبد لا يعقل معناه، فإنه لو توضأ بماء الورد لا يصح وضوؤه ولو توضأ بالماء الكدر المتعفن صح وضوؤه. وما لا يعقل معناه وجب الاقتصار فيه على مورد النص وترك القياس. حجة أبي حنيفة وجوه: أحدها: قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء طَهُوراً } دلت الآية على كون الماء مطهراً والأصل في الثابت بقاؤه، فوجب بقاء هذه الصفة بعد التغير بالمخالطة وثانيها: قوله تعالى: { أية : فٱغْسِلُواْ } تفسير : [المائدة: 6] أمر بمطلق الغسل وقد أتى به فوجب أن يخرج عن العهدة وقد بينا تقرير هذا الوجه فيما تقدم وثالثها: قوله تعالى: { أية : فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ } تفسير : [النساء: 43] علق جواز التيمم بعدم وجدان الماء وواجد هذا الماء المتغير واجد للماء لأن الماء المتغير ماء مع صفة التغير، والموصوف موجود حال وجود الصفة، فوجب أن لا يجوز له التيمم ورابعها: قوله عليه السلام في البحر: « حديث : هو الطهور ماؤه » تفسير : ظاهره يقتضي جواز الطهارة به وإن خالطه غيره، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق ذلك وخامسها: أنه عليه السلام أباح الوضوء بسؤر الهرة وسؤر الحائض وإن خالطه شيء من لعابهما وسادسها: لا خلاف في الوضوء بماء المدر والسيول مع تغير لونه بمخالطة الطين وما يكون في الصحارى من الحشيش والنبات، ومن أجل مخالطة ذلك له يرى تارة متغيراً إلى السواد وأخرى إلى الحمرة والصفرة فصار ذلك أصلاً في جميع ما خالط الماء إذا لم يغلب عليه فيسلبه اسم الماء القسم الثاني: إذا كان المخالط للماء شيئاً نجساً فمن الناس من زعم أن الماء لا ينجس ما لم يتغير بالنجاسة سواء كان قليلاً أو كثيراً وهو قول الحسن البصري والنخعي ومالك وداود، وإليه مال الشيخ الغزالي في كتاب «الإحياء»، وقال أبو بكر الرازي مذهب أصحابنا أن كل ما تيقنا فيه جزأ من النجاسة أو غلب على الظن ذلك لم يجز استعماله ولا يختلف على هذا الحد ماء البحر وماء البئر والغدير والراكد والجاري، لأن ماء البحر لو وقعت فيه نجاسة لم يجز استعمال الماء الذي فيه النجاسة وكذلك الماء الجاري، وأما اعتبار أصحابنا للغدير الذي إذا حرك أحد طرفيه لم يتحرك الطرف الآخر، فإنما هو كلام في جهة تغليب الظن في بلوغ النجاسة الواقعة في أحد طرفيه إلى الطرف الآخر، وليس هو كلامنا في أن بعض المياه الذي فيه النجاسة قد يجوز استعمالها، وبعضها لا يجوز استعماله هذا كله كلام أبي بكر وأقول: من الناس من فرق بين القليل والكثير فعن عبدالله بن عمر: « حديث : إذا كان الماء أربعين قلة لم ينجسه شيء » تفسير : وعن ابن عباس رضي الله عنهما: « حديث : الحوض لا يغتسل فيه جنب إلا أن يكون فيه أربعون غرباً » تفسير : وهو قول محمد بن كعب القرظي، وقال مسروق وابن سيرين: إذا كان الماء كثيراً لا ينجسه شيء، وقال سعيد بن جبير: الماء الراكد لا ينجسه شيء إذا كان قدر ثلاث قلال وقال الشافعي: إذا كان الماء قلتين بقلال هجر لم ينجسه إلا ما غير طعمه أو ريحه أو لونه، وإن كان أقل ينجس لظهور النجاسة فيه. واعلم أنه يمكن التمسك لنصرة قول مالك بوجوه: أحدها: قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء طَهُوراً } ترك العمل به في الماء الذي تغير لونه أو طعمه أو ريحه لظهور النجاسة فيه فيبقى فيما عداه على الأصل وثانيها: قوله عليه السلام: « حديث : خلق الله الماء طهوراً لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه » تفسير : وهو نص في الباب وثالثها: قوله تعالى: { أية : فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ } تفسير : [المائدة: 6] المتوضىء بهذا الماء قد غسل وجهه فيكون آتياً بما أمر به فيخرج عن العهدة ورابعها: أن من شأن كل مختلطين كان أحدهما غالباً على الآخر أن يتكيف المغلوب بكيفية الغالب فالقطرة من الخل لو وقعت في الماء الكثير بطلت صفة الخلية عنها واتصفت بصفة الماء، وكون أحدهما غالباً على الآخر إنما يعرف بغلبة الخواص والآثار المحسوسة وهي الطعم أو اللون أو الريح، فلا جرم مهما ظهر طعم النجاسة أو لونها أو ريحها كانت النجاسة غالبة على الماء وكان الماء مستهلكاً فيها، فلا جرم يغلب حكم النجاسة فإذا لم يظهر شيء من ذلك كان الغالب هو الماء وكانت النجاسة مستهلكة فيه فيغلب حكم الطهارة وخامسها: ما روي عن عمر (أنه) توضأ من جرة نصرانية، مع أن نجاسة أواني النصارى معلومة بظن قريب من العلم، وذلك يدل على أن عمر لم يعول إلا على عدم التغير وسادسها: أن تقدير الماء بمقدار معلوم ولو كان معتبراً كالقلتين عند الشافعي وعشر في عشر عند أبي حنيفة رضي الله عنه لكان أولى المواضع بالطهارة مكة والمدينة لأنه لا تكثر المياه هناك لا الجارية وإلا الراكدة الكثيرة ومن أول عصر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى آخر عصر الصحابة لم ينقل أنهم خاضوا في تقدير المياه بالمقادير المعينة، ولا أنهم سألوا عن كيفية حفظ المياه عن النجاسات وكانت أواني مياههم يتعاطاها الصبيان والإماء الذين لا يحترزون عن النجاسات وسابعها: إصغاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الإناء للهرة وعدم منعهم الهرة من شرب الماء من أوانيهم بعد أن كانوا يرون أنه تأكل الفأرة ولم يكن في بلادهم حياض تلغ السنانير فيها وكانت لا تنزل إلى الآبار وثامنها: أن الشافعي نص على أن غسالة النجاسات طاهرة إذا لم تتغير ونجسة إذا تغيرت، وأي فرق بين أن يلاقي الماء النجاسة بالورود عليها أو بورودها عليه؟ وأي معنى لقول القائل إن قوة الورود تدفع النجاسة مع أن قوة الورود لم تمنع المخالطة وتاسعها: أنهم كانوا يستنجون على أطراف المياه الجارية القليلة، ولا خلاف أن مذهب الشافعي إذا وقع بول في ماء جار ولم يتغير أنه يجوز الوضوء به وإن كان قليلاً، وأي فرق بين الجاري والراكد؟ وليت شعري الحوالة على عدم التغير أولى أو على قوة الماء بسبب الجريان؟ وعاشرها: إذا وقع بول في قلتين ثم فرقتا فكل كوز يؤخذ منه فهو ظاهر على قول الشافعي ومعلوم أن البول منتشر فيه وهو قليل، فأن فرق بينه إذا وقع ذلك القليل في ذلك القدر من الماء ابتداء، وبينه إذا وصل إليه عند اتصال غيره به؟ وحادي عشرها: أن الحمامات لم تزل في الأعصار الخالية يتوضأ فيها المتقشفون ويغمسون الأيدي والأواني في ذلك القليل من الماء من تلك الحياض مع علمهم بأن الأيدي الطاهرة والنجسة كانت تتوارد عليها ولو كان التقدير بالقلتين معتبراً لاشتهر ذلك ولبلغ ذلك إلى حد التواتر، لأن الأمر الذي تشتد حاجة الجمهور إليه يجب بلوغ نقله إلى حد التواتر لما لم يكن كذلك علمنا أنه غير معتبر وثاني عشرها: أنا لو حكمنا بنجاسة الماء فلا يمكننا أن نحكم بنجاسة الماء إن كان في غاية الكثرة مثل ماء الأودية العظيمة والغدران الكبار، فإن ذلك بالإجماع باطل، فلا بد من التقدير بمقدار معين، وقد نقلنا عن الناس تقديرات مختلفة فليس بعضها أولى من بعض فوجب التعارض والتساقط، أما تقدير أبي حنيفة بعشر في عشر فمعلوم أنه مجرد تحكم، وأما تقدير الشافعي بالقلتين بناء على قوله عليه السلام: « حديث : إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً » تفسير : فضعيف أيضاً لأن الشافعي لما روى هذا الخبر، قال أخبرني رجل فيكون الراوي مجهولاً، ويكون الحديث مرسلاً وهو عنده ليس بحجة، وأيضاً زعم كثير من المحدثين أنه موقوف على ابن عمر رضي الله عنه، سلمنا صحة الرواية لكنه إحالة مجهول على مجهول لأن القلة غير معلومة فإنها تصلح للكوز والجرة ولكل ما نقل باليد، وهو أيضاً اسم لهامة الرجل ولقلة الجبل، سلمنا كون القلة معلومة لكن في متن الخبر اضطراب فإنه روي « إذا بلغ الماء قلتين »، وروي « إذا بلغ قلة »، وروي « أربعين قلة »، وروي « إذا بلغ قلتين أو ثلاثاً »، وروي « إذا بلغ كوزين » سلمنا صحة المتن ولكنه متروك الظاهر لأن قوله « لم يحمل خبثاً » لا يمكن إجراؤه على ظاهره، فإن الخبث إذا ورد عليه فقد حمله، سلمنا إمكان إجرائه على ظاهره لكن الخبث على قسمين خبث شرعي وخبث حقيقي، والاسم إذا دار بين المسمى اللغوي والمسمى الشرعي، كان حمله على المسمى اللغوي أولى، لأن الاسم حقيقة في المسمى اللغوي مجاز في المسمى الشرعي، دفعاً للاشتراك والنقل، وإذا كان كذلك وجب حمله عليه، والمسمى اللغوي للخبث المستقذر بالطبع قال عليه السلام: « حديث : ما استخبثته العرب فهو حرام » تفسير : إذا ثبت هذا فنقول: معنى قوله « لم يحمل خبثاً » أي لا يصير مستقذراً طبعاً، ونحن نقول بموجبه لكن لم قلت إنه لا ينجس شرعاً، سلمنا أن المراد من الخبث النجاسة الشرعية لكن قوله «لم يحمل خبثاً» أي يضعف عن حمله ومعنى الضعف تأثره به، فيكون هذا دليلاً على صيرورته نجساً لا على بقائه طاهراً. لا يقال: الجواب عن هذه الأسئلة أن يقال إن الشافعي وإن لم يذكر اسم الراوي في بعض المواضع فقد ذكره في سائر المواضع فخرج عن كونه مرسلاً، ولأن سائر المحدثين قد عينوا اسم الراوي. قوله إنه موقوف على ابن عمر، قلنا لا نسلم فإن يحيى بن معين قال إنه جيد الإسناد فقيل له إن ابن علية وقفه على ابن عمر، فقال إن كان ابن علية وقفه فحماد بن سلمة رفعه وقوله القلة مجهولة قلنا لا نسلم لأن ابن جريج قال في روايته «بقلال هجر». ثم قال: وقد شاهدت قلال هجر فكانت القلة تسع قربتين أو قربتين وشيئاً. قوله في متنه اضطراب قلنا لا نسلم لأنا وأنتم توافقنا على أن سائر المقادير غير معتبرة فيبقى ما ذكرناه معتبراً. قوله إنه متروك الظاهر قلنا إذا حملناه على الخبث الشرعي اندفع ذلك، وذلك أولى لأن حمل كلام الشرع على الفائدة الشرعية أولى من حمله على المعنى العقلي، لا سيما وفي حمله على المعنى العقلي يلزم التعطيل، قوله المراد أنه يضعف عن حمله قلنا صح في بعض الروايات أنه قال: « حديث : إذا كان الماء قلتين لم ينجس » تفسير : ، ولأنه عليه السلام جعل القلتين شرطاً لهذا الحكم، والمعلق على الشرط عدم عند عدم الشرط وعلى ما ذكروه لا يبقى للقلتين فائدة لأنا نقول: لا شك أن هذا الخبر بتقدير الصحة يقتضي تخصيص عموم قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء طَهُوراً } وعموم قوله: { أية : وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ } تفسير : [المائدة: 6] وعموم قوله: { أية : فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ } تفسير : [المائدة: 6] وعموم قوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : خلق الماء طهوراً لا ينجسه شيء » تفسير : وهذا المتخصص لا بد وأن يكون بعيداً عن الاحتمال والاشتباه وقلال هجر مجهولة وقول ابن جريج القلة تسع قربتين أو قربتين وشيئاً ليس بحجة، لأن القلة كما أنها مجهولة فكذا القربة مجهولة فإنها قد تكون كبيرة، وقد تكون صغيرة، ولأن الروايات أيضاً مختلفة فتارة قال« إذا بلغ الماء قلتين » ، وتارة « أربعين قلة » ، وتارة كرين فإذا تدافعت وتعارضت لم يجز تخصيص عموم الكتاب والسنة الظاهرة البعيدة عن الاحتمال بمثل هذا الخبر. هذا تمام الكلام في نصرة قول مالك، واحتج من حكم بنجاسة الماء الذي تقع النجاسة فيه بوجوه: أولها: قوله تعالى: { أية : وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَـئِثَ } تفسير : [الأعراف: 157] والنجاسات من الخبائث، وقال تعالى: { أية : إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ } تفسير : [النحل: 115]، وقال في الخمر: { أية : رِجْسٌ مّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ } تفسير : [المائدة: 90] ومر عليه السلام بقبرين فقال: « حديث : إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير إن أحدهما كان لا يستبرىء من البول والآخر كان يمشي بالنميمة » تفسير : فحرم الله هذه الأشياء تحريماً مطلقاً، ولم يفرق بين حال انفرادها واختلاطها بالماء، فوجب تحريم استعمال كل ما يبقى فيه جزء من النجاسة أكثر ما في الباب أن الدلائل الدالة على كون الماء مطهراً تقتضي جواز الطهارة به، ولكن تلك الدلائل مبيحة والدلائل التي ذكرناها حاظرة والمبيح والحاظر إذا اجتمعا فالغلبة للحاظر، ألا ترى أن الجارية بين رجلين لو كان لأحدهما منها مائة جزء وللآخر جزء واحد، أن جهة الحظر فيها أولى من جهة الإباحة، وأنه غير جائز لواحد منهما وطؤها فكذا ههنا وثانيها: قوله عليه السلام: « حديث : لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه من الجنابة » تفسير : ذكره على الإطلاق من غير فرق بين القليل والكثير وثالثها: قوله عليه السلام: « حديث : إذا استيقظ أحدكم من منامه فليغسل يده ثلاثاً قبل أن يدخلها الإناء فإنه لا يدري أين باتت يده » تفسير : فأمر بغسل اليد احتياطاً من نجاسة قد أصابته من موضع الاستنجاء، ومعلوم أن مثلها إذا أدخلت الماء لم تغيره ولولا أنها تفسده ما كان للأمر بالاحتياط منها معنى ورابعها: قوله عليه السلام: « حديث : إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً » تفسير : يدل بمفهومه على أنه إذا لم يبلغ قلتين وجب أن يحمل الخبث. أجاب مالك عن الوجه الأول فقال لا نزاع في أنه يحرم استعمال النجاسة ولكن الجزء القليل من النجاسة المائعة إذا وقع في الماء لم يظهر فيه لونه ولا طعمه ولا رائحته، فلم قلتم إن تلك النجاسة بقيت، ولم لا يجوز أن يقال إنها انقلبت عن صفتها؟ وتقريره ما قدمناه. وأما قوله عليه السلام: « حديث : لا يبولن أحدكم في الماء الدائم » تفسير : فلم قلتم إن هذا النهي ليس إلا لما ذكرتموه، بل لعل النهي إنما كان لأنه ربما شربه إنسان وذلك مما ينفر طبعه عنه، وليس الكلام في نفرة الطبع، وأما قوله: « حديث : إذا استيقظ أحدكم من منامه فليغسل يده ثلاثاً » تفسير : فقد أجمعنا على أن هذا الأمر استحباب، فالمرتب عليه كيف يكون أمر إيجاب ثم بتقدير أن يكون أمر إيجاب، فلم قلتم إنه لم يوجه ذلك الإيجاب إلا لما ذكرتموه؟ وأما قوله عليه السلام: « حديث : إذا بلغ الماء قلتين » تفسير : فقد سبق الكلام عليه، ثم بعد النزول عن كل ما قلناه فهو تمسك بالمفهوم والنصوص التي ذكرناها منطوقة والمنطوق راجح على المفهوم، والله أعلم. النظر الثاني: في أن غير الماء هل هو طهور أم لا؟ فقال الأصم والأوزاعي يجوز الوضوء بجميع المائعات، وقال أبو حنيفة يجوز الوضوء بنبيذ التمر في السفر، وقال أيضاً تجوز إزالة النجاسة بجميع المائعات التي تزيل أعيان النجاسات، وقال الشافعي رضي الله عنه الطهورية مختصة بالماء على الإطلاق ودليله في صورة الحدث قوله تعالى: { أية : فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ } تفسير : [النساء: 43] أوجب التيمم عند عدم الماء، ولو جاز الوضوء بالخل أو نبيذ التمر لما وجب التيمم عند عدم الماء، وأما في صورة الخبث، فلأن الخل لو أفاد طهارة الخبث لكان طهوراً لأنه لا معنى للطهور إلا المطهر ولو كان طهوراً لوجب أن يجوز به طهارة الحدث لقوله عليه السلام: « حديث : لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الطهور مواضعه » تفسير : وكلمة (حتى) لانتهاء الغاية فوجب انتهاء عدم القبول عند استعمال الطهور وانتهاء عدم القبول يكون بحصول القبول، فلو كان الخل طهوراً لحصل باستعماله قبول الصلاة، وحيث لم يحصل علمنا أن الطهورية في الخبث أيضاً مختصة بالماء.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ} يجوز أن تكون هذه الرؤية من رؤية العين، ويجوز أن تكون من العلم. وقال الحسن وقتادة وغيرهما: مدّ الظل من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. وقيل: هو من غيوبة الشمس إلى طلوعها. والأوّل أصح؛ والدليل على ذلك أنه ليس من ساعة أطيب من تلك الساعة؛ فإن فيها يجد المريض راحة والمسافر وكل ذي علة: وفيها ترد نفوس الأموات والأرواح منهم إلى الأجساد، وتطيب نفوس الأحياء فيها. وهذه الصفة مفقودة بعد المغرب. وقال أبو العالية: نهار الجنة هكذا؛ وأشار إلى ساعة المصلين صلاة الفجر. أبو عبيدة: الظل بالغداة والفيء بالعشي؛ لأنه يرجع بعد زوال الشمس؛ سمي فيئاً لأنه فاء من المشرق إلى جانب المغرب. قال الشاعر، وهو حميد بن ثور يصف سرحة وكنى بها عن امرأة:شعر : فلا الظِّلُّ من بَرْدِ الضُّحَا تَسْتطيعُهُ ولا الْفَيْءُ من بَرْدِ العشِيّ تَذُوقُ تفسير : وقال ابن السّكيت: الظل ما نسخته الشمس والفيء ما نسخ الشمس. وحكى أبو عبيدة عن رؤبة قال: كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء وظل، وما لم تكن عليه الشمس فهو ظلّ. {وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً} أي دائماً مستقراً لا تنسخه الشمس. ابن عباس: يريد إلى يوم القيامة، وقيل: المعنى لو شاء لمنع الشمس الطلوع. {ثُمَّ جَعَلْنَا ٱلشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً} أي جعلنا الشمس بنسخها الظلّ عند مجيئها دالة على أن الظلّ شيء ومعنى؛ لأن الأشياء تعرف بأضدادها ولولا الشمس ما عرف الظل، ولولا النور ما عرفت الظلمة. فالدليل فعيل بمعنى الفاعل. وقيل: بمعنى المفعول كالقتيل والدهين والخضيب. أي دللنا الشمس على الظل حتى ذهبت به؛ أي أتبعناها إياه. فالشمس دليل أي حجة وبرهان، وهو الذي يكشف المشكل ويوضحه. ولم يؤنث الدليل وهو صفة الشمس لأنه في معنى الاسم؛ كما يقال: الشمس برهان والشمس حق. {ثُمَّ قَبَضْنَاهُ} يريد ذلك الظل الممدود. {إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً} أي يسيراً قبضه علينا. وكل أمرِ ربنا عليه يسير. فالظل مكثه في هذا الجو بمقدار طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فإذا طلعت الشمس صار الظل مقبوضا، وخلفه في هذا الجو شعاع الشمس فأشرق على الأرض وعلى الأشياء إلى وقت غروبها، فإذا غربت فليس هناك ظل، إنما ذلك بقية نور النهار. وقال قوم: قبضه بغروب الشمس؛ لأنها ما لم تغرب فالظل فيه بقية، وإنما يتم زواله بمجيء الليل ودخول الظلمة عليه. وقيل: إن هذا القبض وقع بالشمس؛ لأنها إذا طلعت أخذ الظل في الذهاب شيئاً فشيئاً؛ قاله أبو مالك وإبراهيم التيميّ. وقيل: {ثُمَّ قَبَضْنَاهُ} أي قبضنا ضياء الشمس بالفيء {قَبْضاً يَسِيراً}. وقيل: {يَسِيراً} أي سريعاً، قاله الضحاك. قتادة: خفيا؛ أي إذا غابت الشمس قبض الظل قبضاً خفياً؛ كلما قُبض جزءٌ منه جُعل مكانه جزءٌ من الظلمة، وليس يزول دفعة واحدة. فهذا معنى قول قتادة؛ وهو قول مجاهد.
ابن كثير
تفسير : من ههنا شرع سبحانه وتعالى في بيان الأدلة الدالة على وجوده وقدرته التامة على خلق الأشياء المختلفة والمتضادة، فقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ} قال ابن عباس وابن عمر وأبو العالية وأبو مالك ومسروق ومجاهد وسعيد بن جبير والنخعي والضحاك والحسن وقتادة والسدي وغيرهم: هو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، {وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً} أي: دائماً لا يزول؛ كما قال تعالى: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلَّيْلَ سَرْمَداً} تفسير : [القصص: 71] الآيات. وقوله تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَا ٱلشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً} أي: لولا أن الشمس تطلع عليه، لما عرف، فإن الضد لا يعرف إلا بضده، وقال قتادة والسدي: دليلاً تتلوه وتتبعه حتى تأتي عليه كله. وقوله تعالى: {ثُمَّ قَبَضْنَـٰهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً} أي: الظل، وقيل: الشمس {حِسَاباً} أي: سهلاً، قال ابن عباس: سريعاً. وقال مجاهد: خفياً. وقال السدي: قبضاً خفياً حتى لا يبقى في الأرض ظل إلا تحت سقف أو تحت شجرة، وقد أظلت الشمس ما فوقه. وقال أيوب بن موسى في الآية: {قَبْضاً يَسِيراً} قليلاً قليلاً. وقوله: {وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِبَاساً} أي: يلبس الوجود ويغشاه؛ كما قال تعالى:{أية : وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ}تفسير : [الليل: 1]. {وَٱلنَّوْمَ سُبَاتاً} أي: قاطعاً للحركة؛ لراحة الأبدان، فإن الأعضاء والجوارح تكل من كثرة الحركة في الانتشار بالنهار في المعاش، فإذا جاء الليل وسكن، سكنت الحركات فاستراحت، فحصل النوم الذي فيه راحة البدن والروح معاً، {وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُوراً} أي: ينتشر الناس فيه لمعايشهم ومكاسبهم وأسبابهم؛ كما قال تعالى: {أية : وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} تفسير : [القصص: 73] الآية.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ } تنظر {إِلَىٰ } فعل {رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ } من وقت الإِسفار إلى وقت طلوع الشمس {وَلَوْ شَآءَ } ربك {لَجَعَلَهُ سَاكِناً } مقيماً لا يزول بطلوع الشمس {ثُمَّ جَعَلْنَا ٱلشَّمْسَ عَلَيْهِ } أي الظل {دَلِيلاً } فلولا الشمس ما عرف الظل.
الشوكاني
تفسير : لما فرغ سبحانه من ذكر جهالة الجاهلين وضلالتهم أتبعه بذكر طرف من دلائل التوحيد مع ما فيها من عظيم الإنعام، فأوّلها الاستدلال بأحوال الظل، فقال: {أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظّلَّ } هذه الرؤية إما بصرية، والمراد بها: ألم تبصر إلى صنع ربك، أو ألم تبصر إلى الظل كيف مدّه ربك؟ وإما قلبية بمعنى: العلم، فإن الظل متغير، وكل متغير حادث، ولكل حادث موجد. قال الزجاج {أَلَمْ تَرَ } ألم تعلم، وهذا من رؤية القلب. قال: وهذا الكلام على القلب، والتقدير: ألم تر إلى الظلّ كيف مدّه ربك؟ يعني: الظل من وقت الإسفار إلى طلوع الشمس، وهو ظل لا شمس معه، وبه قال الحسن وقتادة. وقيل: هو من غيبوبة الشمس إلى طلوعها. قال أبو عبيدة: الظل بالغداة، والفيء بالعشي، لأنه يرجع بعد زوال الشمس، سمي فيئاً لأنه فاء من المشرق إلى جانب المغرب. قال حميد بن ثور يصف سرحة، وكنى بها عن امرأة:شعر : فلا الظلّ من برد الضحى تستطيعه ولا الفيء من برد العشي تذوق تفسير : وقال ابن السكيت: الظل: ما نسخته الشمس، والفيء: ما نسخ الشمس. وحكى أبو عبيدة عن رؤبة قال: كل ما كانت عليه الشمس، فزالت عنه، فهو فيء وظلّ، وما لم تكن عليه الشمس، فهو ظلّ. انتهى. وحقيقة الظلّ: أنه أمر متوسط بين الضوء الخالص والظلمة الخالصة، وهذا التوسط هو أعدل من الطرفين، لأن الظلمة الخالصة يكرهها الطبع، وينفر عنها الحسّ، والضوء الكامل لقوّته يبهر الحسّ البصري، ويؤذي بالتسخين، ولذلك وصفت الجنة به بقوله: {أية : وَظِلّ مَّمْدُودٍ } تفسير : [الواقعة: 30]، وجملة: {وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِناً } معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه أي: لو شاء الله سبحانه سكونه لجعله ساكناً ثابتاً دائماً مستقراً لا تنسخه الشمس. وقيل: المعنى: لو شاء لمنع الشمس الطلوع، والأول أولى. والتعبير بالسكون عن الإقامة، والاستقرار سائغ، ومنه قولهم: سكن فلان بلد كذا: إذا أقام به، واستقرّ فيه. وقوله: {ثُمَّ جَعَلْنَا ٱلشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً } معطوف على قوله: {مَدَّ ٱلظّلَّ } داخل في حكمه أي: جعلناها علامة يستدل بها بأحوالها على أحواله، وذلك لأن الظل يتبعها كما يتبع الدليل في الطريق من جهة أنه يزيد بها وينقص، ويمتد ويتقلص. وقوله {ثُمَّ قَبَضْنَـٰهُ } معطوف أيضاً على مَدَّ داخل في حكمه. والمعنى: ثم قبضنا ذلك الظلّ المدود، ومحوناه عند إيقاع شعاع الشمس موقعه بالتدريج حتى انتهى ذلك الإظلال إلى العدم والإضمحلال. وقيل: المراد في الآية قبضه عند قيام الساعة بقبض أسبابه، وهي الأجرام النيرة. والأوّل أولى. والمعنى: أن الظلّ يبقى في هذا الجوّ من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فإذا طلعت الشمس صار الظل مقبوضاً، وخلفه في هذا الجوّ شعاع الشمس، فأشرقت على الأرض، وعلى الأشياء إلى وقت غروبها، فإذا غربت، فليس هناك ظلّ، إنما فيه بقية نور النهار وقال قوم: قبضه بغروب الشمس، لأنها إذا لم تغرب، فالظلّ فيه بقية، وإنما يتمّ زواله بمجيء الليل، ودخول الظلمة عليه. وقيل: المعنى: ثم قبضنا ضياء الشمس بالفيء {قَبْضاً يَسِيراً} ومعنى {إِلَيْنَا }: أن مرجعه إليه سبحانه كما أن حدوثه منه قبضاً يسيراً أي: على تدريج قليلاً قليلاً بقدر ارتفاع الشمس، وقيل: يسيراً سريعاً، وقيل: المعنى يسيراً علينا أي: يسيراً قبضه علينا ليس بعسير. {وَهُوَ الَّذي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِبَاساً } شبه سبحانه ما يستر من ظلام الليل باللباس الساتر. قال ابن جرير: وصف الليل باللباس تشبيهاً من حيث أنه يستر الأشياء، ويغشاها، واللام متعلقة بجعل {وَٱلنَّوْمَ سُبَاتاً } أي: وجعل النوم سباتاً أي: راحة لكم، لأنكم تنقطعون عن الاشتغال، وأصل السبات: التمدد، يقال: سبتت المرأة شعرها أي: نقضته وأرسلته، ورجل مسبوت أي: ممدود الخلقة. وقيل: للنوم سبات، لأنه بالتمدد يكون، وفي التمدد معنى الراحة. وقيل: السبت القطع، فالنوم انقطاع عن الاشتغال، ومنه سبت اليهود لانقطاعهم عن الاشتغال. قال الزجاج: السبات النوم، وهو أن ينقطع عن الحركة، والروح في بدنه أي: جعلنا نومكم راحة لكم. وقال الخليل: السبات نوم ثقيل أي: جعلنا نومكم ثقيلاً ليكمل الإجمام والراحة {وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُوراً } أي: زمان بعث من ذلك السبات، شبه اليقظة بالحياة كما شبه النوم بالسبات الشبيه بالممات. وقال في الكشاف: إن السبات الموت، واستدل على ذلك بكون النشور في مقابلته. {وَهُوَ ٱلَّذِي أَرْسَلَ ٱلرّيَـٰحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ } قرىء: "الريح"، وقرىء: "بشراً" بالباء الموحدة، وبالنون. وقد تقدم تفسير هذه الآية مستوفى في الأعراف {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء طَهُوراً } أي: يتطهر به كما يقال: وضوء للماء الذي يتوضأ به. قال الأزهري: الطهور في اللغة الطاهر المطهر، والطهور ما يتطهر به. قال ابن الأنباري: الطهور بفتح الطاء الاسم، وكذلك الوضوء، والوقود، وبالضم المصدر، هذا هو المعروف في اللغة؛ وقد ذهب الجمهور إلى أن الطهور هو الطاهر المطهر، ويؤيد ذلك كونه بناء مبالغة. وروي عن أبي حنيفة أنه قال: الطهور هو الطاهر، واستدل لذلك بقوله تعالى: {أية : وَسَقَـٰهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً } تفسير : [الإنسان: 21] يعني: طاهراً، ومنه قول الشاعر:شعر : خليليّ هل في نظرة بعد توبة أداوي بها قلبي عليّ فجور إلى رجح الأكفال غيد من الظبي عذاب الثنايا ريقهنّ طهور تفسير : فوصف الريق بأنه طهور، وليس بمطهر، ورجح القول الأوّل ثعلب، وهو راجح لما تقدّم من حكاية الأزهري لذلك عن أهل اللغة. وأما وصف الشاعر للريق بأنه طهور، فهو على طريق المبالغة، وعلى كل حال، فقد ورد الشرع بأن الماء طاهر في نفسه مطهر لغيره، قال الله تعالى: {أية : وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم مّن ٱلسَّمَاء مَاء لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ } تفسير : [الأنفال: 11] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : خلق الماء طهوراً»تفسير : . ثم ذكر سبحانه علة الإنزال، فقال: {لّنُحْيِيَ بِهِ } أي: بالماء المنزل من السماء {بَلْدَةً مَّيْتاً } وصف البلدة بـ {ميتاً}، وهي صفة للمذكر؛ لأنها بمعنى البلد. وقال الزجاج: أراد بالبلد: المكان، والمراد بالإحياء هنا: إخراج النبات من المكان الذي لا نبات فيه {وَنُسْقِيَهِ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَـٰماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً } أي: نسقي ذلك الماء، قرأ أبو عمرو وعاصم في رواية عنهما، وأبو حيان وابن أبي عبلة بفتح النون من: "نسقيه" وقرأ الباقون بضمها، و«من» في: {مِمَّا خَلَقْنَا } للإبتداء، وهي متعلقة بـ {نسقيه}، ويجوز أن تتعلق بمحذوف على أنه حال، والأنعام قد تقدّم الكلام عليها، والأناسيّ جمع إنسان على ما ذهب إليه سيبويه. وقال الفراء والمبرّد والزجاج: إنه جمع إنسيّ، وللفراء قول آخر: إنه جمع إنسان، والأصل: أناسين مثل سرحان وسراحين وبستان وبساتين، فجعلوا الباء عوضاً من النون. {وَلَقَدْ صَرَّفْنَـٰهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ } ضمير {صرفناه} ذهب الجمهور إلى أنه راجع إلى ما ذكر من الدلائل أي: كرّرنا أحوال الإظلال، وذكر إنشاء السحاب، وإنزال المطر في القرآن، وفي سائر الكتب السماوية، ليتفكروا ويعتبروا {فَأَبَىٰ أَكْثَرُ } هم إلاّ كفران النعمة وجحدها. وقال آخرون: إنه يرجع إلى أقرب المذكورات وهو المطر أي: صرفنا المطر بينهم في البلدان المختلفة، فنزيد منه في بعض البلدان، وننقص في بعض آخر منها، وقيل: الضمير راجع إلى القرآن، وقد جرى ذكره في أوّل السورة حيث قال: {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ } تفسير : [الفرقان: 1]، وقوله: {أية : لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي } تفسير : [الفرقان: 29]، وقوله: {أية : ٱتَّخَذُواْ هَـٰذَا ٱلْقُرْءاَنَ مَهْجُوراً } تفسير : [الفرقان: 30] والمعنى: ولقد كرّرنا هذا القرآن بإنزال آياته بين الناس؛ ليذكروا به، ويعتبروا بما فيه، فأبى أكثرهم {إِلاَّ كُفُورًا } به، وقيل: هو راجع إلى الريح، وعلى رجوع الضمير إلى المطر؛ فقد اختلف في معناه، فقيل: ما ذكرناه. وقيل: صرفناه بينهم وابلاً وطشاً وطلاً ورذاذاً، وقيل: تصريفه تنويع الانتفاع به في الشرب، والسقي والزراعات به والطهارات. قال عكرمة: إن المراد بقوله {فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا } هو قولهم: في الأنواء مطرنا بنوء كذا. قال النحاس: ولا نعلم بين أهل التفسير اختلافاً أن الكفر هنا قولهم: مطرنا بنوء كذا. وقرأ عكرمة "صرفناه" مخففاً، وقرأ الباقون بالتثقيل. وقرأ حمزة، والكسائي: "ليذكروا" مخففة الذال من الذكر، وقرأ الباقون بالتثقيل من التذكر. {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً } أي: رسولاً ينذرهم كما قسمنا المطر بينهم، ولكنا لم نفعل ذلك بل جعلنا نذيراً واحداً، وهو أنت يا محمد، فقابل ذلك بشكر النعمة {فَلاَ تُطِعِ ٱلْكَـٰفِرِينَ } فيما يدعونك إليه من اتباع آلهتهم، بل اجتهد في الدعوة، واثبت فيها، والضمير في قوله: {وَجَـٰهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبيراً } راجع إلى القرآن أي: جاهدهم بالقرآن، واتل عليهم ما فيه من القوارع والزواجر والأوامر والنواهي. وقيل: الضمير يرجع إلى الإسلام، وقيل: بالسيف، والأوّل أولى. وهذه السورة مكية، والأمر بالقتال إنما كان بعد الهجرة. وقيل: الضمير راجع إلى ترك الطاعة المفهوم من قوله: {فَلاَ تُطِعِ ٱلْكَـٰفِرِينَ }. وقيل: الضمير يرجع إلى ما دل عليه قوله: {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً }؛ لأنه سبحانه لو بعث في كل قرية نذيراً لم يكن على كل نذير إلا مجاهدة القرية التي أرسل إليها، وحين اقتصر على نذير واحد لكل القرى، وهو محمد، فلا جرم اجتمع عليه كل المجاهدات، فكبر جهاده وعظم، وصار جامعاً لكل مجاهدة، ولا يخفى ما في هذين الوجهين من البعد. ثم ذكر سبحانه دليلاً رابعاً على التوحيد، فقال: {وَهُوَ ٱلَّذِى مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ } مرج: خلّى، وخلط، وأرسل، يقال: مرجت الدابة، وأمرجتها: إذا أرسلتها في المرعى، وخليتها تذهب حيث تشاء. قال مجاهد: أرسلهما، وأفاض أحدهما إلى الآخر. وقال ابن عرفة: خلطهما، فهما يلتقيان، يقال: مرجته: إذا خلطته، ومرج الدين والأمر: اختلط واضطرب، ومنه قوله: {أية : فِى أَمْرٍ مَّرِيجٍ } تفسير : [قۤ: 5] وقال الأزهري: {مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ } خلى بينهما، يقال: مرجت الدابة: إذا خليتها ترعى. وقال ثعلب: المرج الإجراء، فقوله: {مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ } أي: أجراهما. قال الأخفش: ويقول قوم: أمرج البحرين مثل مرج، فعل وأفعل بمعنى: {هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ } الفرات: البليغ العذوبة، وهذه الجملة مستأنفة جواب سؤال مقدّر، كأنه قيل: كيف مرجهما؟ فقيل: هذا عذب، وهذا ملح، ويجوز أن يكون في محل نصب على الحال. قيل: سمى الماء الحلو فراتاً، لأنه يفرت العطش أي: يقطعه، ويكسره {وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ } أي: بليغ الملوحة، هذا معنى الأجاج. وقيل: الأجاج البليغ في الحرارة، وقيل: البليغ في المرارة، وقرأ طلحة "ملح" بفتح الميم، وكسر اللام {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً } البرزخ: الحاجز، والحائل الذي جعله الله بينهما من قدرته يفصل بينهما، ويمنعهما التمازج، ومعنى {حِجْراً مَّحْجُوراً }: ستراً مستوراً يمنع أحدهما من الاختلاط بالآخر، فالبرزخ الحاجز، والحجز: المانع. وقيل: معنى {حِجْراً مَّحْجُوراً }: هو ما تقدّم من أنها كلمة يقولها المتعوّذ، كأن كل واحد من البحرين يتعوّذ من صاحبه، ويقول له هذا القول، وقيل: حدًّا محدوداً. وقيل: المراد من البحر العذب: الأنهار العظام كالنيل والفرات وجيحون، ومن البحر الأجاج: البحار المشهورة، والبرزخ بينهما الحائل من الأرض. وقيل: معنى {حِجْراً مَّحْجُوراً }: حراماً محرماً أن يعذب هذا المالح بالعذب، أو يملح هذا العذب بالمالح، ومثل هذه الآية قوله سبحانه في سورة الرحمٰن: {أية : مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ } تفسير : [الرحمٰن: 19، 20]. ثم ذكر سبحانه حالة من أحوال خلق الإنسان والماء، فقال: {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلْمَاء بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً }، والمراد بالماء هنا: ماء النطفة أي: خلق من ماء النطفة إنساناً، فجعله نسباً وصهراً، وقيل: المراد بالماء: الماء المطلق الذي يراد في قوله: {أية : وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَاء كُلَّ شَيْء حَيّ } تفسير : [الأنبياء: 30]، والمراد بالنسب: هو الذي لا يحلّ نكاحه. قال الفراء، والزجاج: واشتقاق الصهر من صهرت الشيء: إذا خلطته، وسميت المناكح صهراً لاختلاط الناس بها. وقيل: الصهر: قرابة النكاح؛ فقرابة الزوجة هم الأختان، وقرابة الزوج هم الأحماء، والأصهار تعمهما، قاله الأصمعي. قال الواحدي: قال المفسرون: النسب سبعة أصناف من القرابة يجمعها قوله: {حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَـٰتُكُمْ } إلى قوله: {أية : وَأُمَّهَـٰتُ نِسَائِكُمْ } تفسير : [النساء: 23] ومن هنا إلى قوله: {أية : وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ } تفسير : [النساء: 23] تحريم بالصهر، وهو الخلطة التي تشبه القرابة، حرم الله سبعة أصناف من النسب، وسبعة من جهة الصهر، قد اشتملت الآية المذكورة على ستة منها، والسابعة قوله: {أية : وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَاؤُكُمْ مّنَ ٱلنّسَاء } تفسير : [النساء: 22]، وقد جعل ابن عطية، والزجاج، وغيرهما الرضاع من جملة النسب، ويؤيده قوله: «حديث : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»تفسير : . {وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً } أي: بليغ القدرة عظيمها، ومن جملة قدرته الباهرة خلق الإنسان، وتقسيمه إلى القسمين المذكورين. وقد أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظّلَّ } قال: بعد الفجر قبل أن تطلع الشمس. وأخرج ابن أبي حاتم عنه بلفظ: أَلَمْ تَرَ أنك إذا صليت الفجر كان بين مطلع الشمس إلى مغربها ظلاً، ثم بعث الله عليه الشمس دليلاً، فقبض الظلّ. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً في الآية قال: مدّ الظلّ ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس {وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِناً } قال: دائماً {ثُمَّ جَعَلْنَا ٱلشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً } يقول: طلوع الشمس {ثُمَّ قَبَضْنَـٰهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً } قال: سريعاً. وأخرج أهل السنن، وأحمد، وغيرهم من حديث أبي سعيد قال: قيل: يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة؟ وهي: بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن، فقال: «حديث : إن الماء طهور لا ينجسه شيء»تفسير : . وفي إسناد هذا الحديث كلام طويل قد استوفيناه في شرحنا على المنتقى. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: ما من عام بأقلّ مطراً من عام، ولكن الله يصرفه حيث يشاء، ثم قرأ هذه الآية: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَـٰهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ } الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: {وَجَـٰهِدْهُمْ بِهِ } قال: بالقرآن. وأخرج ابن جرير عنه: {هُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ } يعني: خلط أحدهما على الآخر، فليس يفسد العذب المالح، وليس يفسد المالح العذب. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {وَحِجْراً مَّحْجُوراً } يقول: حجر أحدهما عن الآخر بأمره وقضائه. وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن المغيرة قال: سئل عمر بن الخطاب عن {نَسَباً وَصِهْراً }، فقال: ما أراكم إلا وقد عرفتم النسب، وأما الصهر: فالأختان والصحابة.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ} أي بسطه على الأرض وفيه وجهان: أحدهما: أن الظل الليل لأنه ظل الأرض يقبل بغروب الشمس ويدبر بطلوعها. الثاني: أنه ظل النهار بما حجب من شعاع الشمس. وفي الفرق بين الظل والفيء وجهان: أحدهما: أن الظل ما قبل طلوع الشمس والفيء ما بعد طلوعها. الثاني: أن الظل ما قبل الزوال والفيء ما بعده. {ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا} يعني الظل، وفيه وجهان: أحدهما: أنه قبض الظل بطلوع الشمس. الثاني: بغروبها. {قَبْضاً يَسِيراً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: سريعاً، قاله ابن عباس. الثاني: سهلاً، قاله أبو مالك. الثالث: خفياً، قاله مجاهد. قوله تعالى: {... جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاساً} يعني غطاءً لأن يَسْتُرُ كمَا يستر اللباس. {وَالنَّوْمَ سُبَاتاً} فيه وجهان: أحدهما: لأنه مسبوت فيه، والنائم لا يعقل كالميت، حكاه النقاش. الثاني: يعني راحة لقطع العمل ومنه سمي يوم السب، لأنه يوم راحة لقطع العمل، حكاه ابن عيسى. {وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً} فيه وجهان: أحدهما: لانتشار الروح باليقظة فيه مأخوذ من النشر والبعث. الثاني: لانتشار الناس في معايشهم، قاله مجاهد، وقتادة.
ابن عطية
تفسير : {ألم تر} معناه انتبه، والرؤية ها هنا رؤية القلب، وأدغم عيسى بن عمر {ربك كيف}، قال أبو حاتم والبيان أحسن، و {مد الظل} بإطلاق هو بين أول الإسفار إلى بزوغ الشمس ومن بعد مغيبها مدة يسيرة فإن في هذين الوقتين على الأرض كلها ظل ممدود على أنها نهار، وفي سائر أوقات النهار ظلال متقطعة والمد والقبض مطرد فيها وهو عندي المراد في الآية، والله أعلم، وفي الظل الممدود ما ذكر الله في هواء الجنة لأنها لما كانت لا شمس فيها كان ظلها ممدوداً أبداً. وتظاهرت أقوال المفسرين على أن {مد الظل} هو من الفجر إلى طلوع الشمس وهذا معترض بأن ذلك في غير نهار بل في بقايا الليل لا يقال له ظل، وقوله تعالى: {ولو شاء لجعله ساكناً} أي ثابتاً غير متحرك ولا منسوخ، لكنه جعل {الشمس} ونسخها إياه وطردها له من موضع إلى موضع {دليلاً} عليه مبيناً لوجوده ولوجه العبرة فيه، حكى الطبري أنه لولا الشمس لم يعلم أن الظل شيء إذ الأشياء إنما تعرف بأضدادها وقوله {قبضاً يسيراً} يحتمل أن يريد لطيفاً أي شيئاً بعد شيء لا في مرة واحدة ولا بعنف، قال مجاهد، ويحتمل أن يريد معجلاً وهذا قول ابن عباس ويحتمل أن يريد سهلاً قريب المتناول، قال الطبري ووصف {الليل} باللباس تشبيهاً من حيث يستر الأشياء ويغشاها، و"السبات" ضرب من الإغماء يعتري اليقظان مرضاً، فشبه النائم به، والسبت الإقامة في المكان فكأن السبات سكون ما وثبوت عليه، و"النشور" في هذا الموضع الإحياء شبه اليقظة به ليتطابق الإحياء مع الإماتة والتوفي اللذين يتضمنهما النوم والسبات ويحتمل أن يريد بـ "النشور" وقت انتشار وتفرق لطلب المعايش وابتغاء فضل الله، وقوله {النهار نشوراً} وما قبله من باب ليل نائم ونهار صائم.
ابن عبد السلام
تفسير : {مَدَّ} بسط {الظِّلَّ} الليل يظل الأرض يدْبر بطلوع الشمس ويقْبل بغروبها، أو ظلال النهار بما حجب عن شعاع الشمس، والظل ما قبل الزوال والفيء بعده، أو الظل: قبل طلوع الشمس والفيء بعد طلوعها. {سَاكِناً} دائماً. {دَلِيلاً} برهاناً على الظل، أو تالياً يتبعه حتى يأتي عليه كله".
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظّلَّ...} الآية: مَدُّ الظل بإطلاقٍ: هو ما بين أول الإسفار إلى بُزُوغ الشمس، ومن بعد مغيبها أيضاً وقتاً يسيراً؛ فإنَّ في هذين الوقتين على الأَرض كُلِّها ظِلاًّ ممدوداً. {وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً} أي: ثابتاً غيرَ متحرك ولا منسوخ، لكنه جعل الشمس ونسخها إيَّاه، وطردها له من موضع إلى موضع؛ دليلاً عليه مُبَيِّناً لوجوده ولوجه العبرة فيه، وحكى الطبريّ أَنَّه: لولا الشمسُ لم يُعْلَمْ أَنَّ الظل شيء، إذِ الأشياء إنَّما تُعْرَفُ بأضدادها. وقوله تعالى: {قَبْضاً يَسِيراً} يحتمل أَنْ يريد، لطيفاً، أي: شيئاً بعدَ شيءٍ، لا في مرة واحدة. قال الداوُوديُّ: قال الضَّحَّاكُ: {قَبْضاً يَسِيراً} يعني: الظِّلَّ إذا علته الشمسُ، انتهى. قال الطبريُّ: ووصف الليل باللباس من حيث يستُر الأَشياء ويغشاها، والسبات: ضرب من الإِغماء يعترى اليقظانَ مرضاً، فشُبِّهَ النوم به، والنشور هنا: الإحياء، شبَّهَ اليقظةَ به، ويحتمل أَنْ يريد بالنشور وقتَ انتشار وتفرق، و {أناسِيَّ}: قيل هو جمع إنسان، والياء المُشَدَّدَةُ بدل من النون في الواحد، قاله سيبويه، وقال المُبَرِّدُ: هو جمع إنسي، والضمير في {صَرَّفْنَاهُ} عائد على القرآن وإن لم يتقدم له ذكر، ويَعْضُدُ ذلك قوله: {وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبيراً}.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ} الآية. لما بين جهل المعرضين عن دلائل التوحيد، وبين فساد طريقهم ذكر أنواعاً من الدلائل الدالة على وجود الصانع، فأولها الاستدلال بحال الظل في زيادته ونقصانه، وتغير أحواله قوله: "ألم تر" فيه وجهان: أحدهما: أنه من رؤية العين. والثاني: أنه من رؤية القلب، يعني: العلم، فإن حملناه على رؤية العين، فالمعنى: أَلَمْ تَرَ إلى الظل كيف مده ربُّك، وإن حملناه على العلم وهو اختيار الزجاج، فالمعنى: ألم تعلم، وهذا أولى، لأن الظل إذا جعلناه من المبصرات فتأثير قدرة الله في تمديده غير مرئي بالاتفاق ولكنه معلوم من حيث أن كل مبصر فله مؤثر، فحمل هذا اللفظ على رؤية القلب أولى من هذا الوجه. وهذا الخطاب وإن كان ظاهره للرسول فهو عام في المعنى، لأن المقصود بيان نعم الله تعالى بالظل، وجميع المكلفين مشتركون في تنبيههم لهذه النعمة و"كَيْفَ" منصوبة بـ "مَدَّ"، وهي معلقة لـ "تَرَ" فهي في موضع نصب، وقد تقدم القول في {أية : أَلَمْ تَرَ} تفسير : [البقرة: 243]. فصل الظل عبارة عن عدم الضوء مما شأنه أن يضيء، وهو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، جعله ممدوداً، لأنه ظل لا شمس معه، كما قال في ظل الجنة {أية : وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ} تفسير : [الواقعة: 30] إذ لم يكن معه شمس، {وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً} دائماً ثابتاً لا يزول ولا تذهبه الشمس. وقال أبو عبيدة: الظل ما نسخته الشمس وهو بالغداة، والفيء ما نسخ الشمس. سمي فيئاً، لأنه فاء من جانب المغرب إلى جانب المشرق، {ثُمَّ جَعَلْنَا ٱلشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً}، أي: على الظل دليلاً، ومعنى دلالتها عليه أنه لو لم تكن الشمس لما عرفت الظل، ولولا النور ما عرف الظلمة، والأشياء تُعْرَفُ بأضدادها. قال الزمخشري: فإن قُلتَ: "ثم" في هذين الموضعين كيف موقعها قلت موقعها لبيان تفاضل الأمور الثلاث، كأن الثاني أعظم من الأول، والثالث أعظم منهما تشبيهاً لتباعد ما بينهما في الفضل بتباعد ما بينهما في الوقت. قوله: "ثُمَّ قَبَضْنَاهُ" يعني: الظل {إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً} بالشمس التي تأتي عليه، والقبض جمع المنبسط من الشيء، معناه: أن الظل يعم جميع الأرض قبل طلوع الشمس، فإذا طلعت الشمس قبض الله الظل جزءاً فجزءاً "قَبْضاً يَسِيراً" أي: خفياً، وقيل: المراد من قبضها يسيراً قبضها عند قيام الساعة، وذلك قبض أسبابها، وهي الأجرام التي تلقي الظلال. وقوله: "يَسِيراً" كقوله: {أية : حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ} تفسير : [ق: 44] قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱللَّيْلَ لِبَاساً} الآية. هذا هو النوع الثاني شبه الليل من حيث يستر الكل ويغطي باللباس الساتر للبدن، ونبه على (ما لنا فيه) من النفع بقوله: "والنَّوْمَ سُباتاً" والسبات: هو الراحة، أي: راحة لأبدانكم، وقطعاً لعملكم، وأصل السبت: القطع، والنائم مسبوت، لأنه انقطع عمله وحركته. قال أبو مسلم: السبات: الراحة، ومنه يوم السبت، لما جرت به العادة من الاستراحة فيه، ويقال للعليل إذا استراح من تعب العلة مسبوت. وقال الزمخشري: السبات: الموت، والمسبوت الميت، لأنه مقطوع الحياة، قال: وهذا كقوله: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِٱللَّيْلِ} تفسير : [الأنعام: 60]. وإنما قلنا إن تفسيره بالموت أولى من تفسيره بالراحة، لأن النشور في مقابلته. {وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُوراً} قال أبو مسلم: هو بمعنى الانتشار والحركة، كما سمى تعالى نوم الإنسان وفاة فقال: {أية : يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا وَٱلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِـهَا} تفسير : [الزمر: 42] كذلك وفق بين القيام من النوم والقيام من الموت في التسمية بالنشور. قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ بُشْرَا} الآية. هذا هو النوع الثالث، وقد تقدم الكلام على نظيرتها في الأعراف. {بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} يعني: المطر، {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً} قال الزمخشري: فإن قلت: إنزال الماء موصوفاً بالطهارة وتعليله بالإحياء والسقي يؤذن بأن الطهارة شرط في صحة ذلك كما تقول: حملني الأمير على فرس جواد لأصيد عليه الوحش. قلت: لما كان سقي الأناسي من جملة ما أنزل له الماء وصف بالطهارة إكراماً لهم، وتتميماً للمنّة عليهم. وطهور: يجوز أن يكون صفة مبالغة منقولاً من ظاهر، كقوله تعالى: {أية : شَرَاباً طَهُوراً} تفسير : [الإنسان: 21]، وقال: شعر : 3876- إلى رُجَّحِ الأَكْفَالِ غِيدٌ مِنَ الصِّبَا عِذَابُ الثَّنَايَا رِيقُهُنَّ طَهُورُ تفسير : وأن يكون اسم ما يتطهر به كالسحور لما يتسحَّر به، والفطور لما يتفطَّر به، قال عليه السلام في البحر: "حديث : هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ" تفسير : أراد به المطهر، فالماء مطهر، لأنه يطهر الإنسان من الحدث والنجاسة، كما قال في آية أخرى {أية : وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} تفسير : [الأنفال: 11] فثبت أن التطهير مختص بالماء. (وذهب أصحاب الرأي إلى أن الطهور هو الطاهر حتى جوزوا إزالة النجاسة بالمائعات الطاهرة كالخل وماء الورد، والمرق، ولو جاز إزالة النجاسة بها لجاز رفع الحدث بها. وقال عليه السلام: "حديث : التّراب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج" تفسير : ولو كان معنى الطهور هو الطاهر لكان معناه التراب طاهر للمسلم، وحينئذ لا ينتظم الكلام، وكذا قوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسل سبعاً" تفسير : ولو كان الطهور هو الطاهر لكان معناه: طاهر إناء أحدكم، وحينئذ لا ينتظم الكلام). ويجوز أن يكون مصدراً كـ (القبول والولوع). وقوله: "لِنُحْيِيَ بِهِ" فيه وجهان: أظهرهما: أنه متعلق بالإنزال. والثاني: وهو صعب أنه متعلق بـ (طهور). ووصف "بَلْدَةً" بـ "مَيِّت" وهي صفة للمذكر، لأنها بمعنى البلد. قوله: "وَنُسْقِيَهُ" العامة على ضمّ النون، وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية عنهما وأبو حيوة وابن أبي عبلة بفتحها، وقد تقدم أنه قرئ بذلك في النحل والمؤمنون وتقدم الكلام (على ذلك). قوله: "مِمَّا خَلَقْنَا" يجوز أن يتعلق "مِنْ" بـ "نُسْقِيَهُ"، وهي لابتداء الغاية، ويجوز أن تتعلق بمحذوف على أنها حال من "أَنْعَاماً"، ونكرت الأنعام والأناسي، (قال الزمخشري): لأن علية الناس وجلهم مجتمعون بالأودية والأنهار، فيهم غنية عن سقي الماء وأعقابهم وهم كثير منهم لا يعيشهم إلا ما ينزل الله من رحمته وسقيا (سمائه). قوله: "وَأَنَاسِيَّ" فيه وجهان: أحدهما: وهو مذهب سيبويه أنه جمع إنسان، والأصل إنسان، وأناسين، فأبدلت النون ياء، وأدغمت فيها الياء قبلها نحو ظربان وظرابي. والثاني: وهو قول الفراء والمبرد والزجاج أنه جمع إنسي. وفيه نظر، لأن فعالي إنما يكون جمعاً لما فيه ياء مشددة لا تدل على نسب نحو كرسي وكراسي، فلو أريد بـ (كرسي) النسب لم يجز جمعه على كراسي، ويبعد أن يقال: إن الياء في إنْسِيّ ليست للنسب، وكان حقه أن يجمع على (أناسية) نحو مهالبة في المهلبي، وأزارقة في الأزرقي. وقرأ يحيى بن الحارث الذماري والكسائي في رواية "وأناسِيَ" بتخفيف الياء. قال الزمخشري: بحذف ياء أفاعيل، كقولك (أناعم في أناعيم). قال الزمخشري: فإن قلت: لم قدم إحياء الأرض وسقي الأنعام على سقي الأناسي. قلت: لأن حياة الأناسي بحياة أرضهم وحياة أنعامهم، فقدم ما هو سبب حياتهم، ولأنهم إذا ظفروا بسقيا أرضهم، وسقي أنعامهم لم يعدموا سقياهم فإن قيل: لم خص الإنسان والأنعام هاهنا بالذكر دون الطير والوحش مع انتفاع الكل بالماء؟ فالجواب: لأن الطير والوحش تبعد في طلب الماء فلا يعوزها الشرب بخلاف الأنعام، لأن حوائج الأناسي ومنافعهم متعلقة بها فكان الإنعام عليهم (بسقي أنعامهم كالإنعام عليهم) بسقيهم. وقال: "أَنَاسِيَّ كَثيراً" ولم يقل: كثيرين، لأنه قد جاء فعيل مفرداً ويراد به الكثرة كقوله: {أية : وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً} تفسير : [الفرقان: 38] {أية : وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً} تفسير : [النساء: 69].
البقاعي
تفسير : ولما بين جمود المعترضين على دلائل الصانع، وتناهي جهلهم، وفساد طريقتهم، وكان المراد من العبد في تعرف ذلك أن ينظر في أفعال سيده بعين الحقيقة نظراً تفنى لديه الأغيار، فلا يرى إلا الفاعل المختار، خاطب رأس المخلصين الناظرين هذا النظر، حثاً لأهل وده على مثل ذلك، فقال ذاكراً لأنواع من الدلائل الدالة على وجود الصانع، وإحاطة علمه، وشمول قدرته، مشيراً إلى أن الناظر في هذا الدليل - لوضوحه في الدلالة على الخالق - كالناظر إلى الخالق، معبراً بوصف الإحسان تشويقاً إلى إدامة النظر إليه والإقبال عليه: {ألم تر} وأشار إلى عظم المقام وعلو الرتبة بحرف الغاية مع أقرب الخلق منزلة وأعلاهم مقاماً فقال: {إلى ربك} أي المحسن إليك، والأصل: إلى فعله؛ وأشار إلى زيادة التعجب من أمره بجعله في معرض الاستفهام فقال: {كيف مد الظل} وهو ظلمة ما منع ملاقاة نور الشمس، قال أبو عبيد: وهو ما تنسخه الشمس وهو بالغداة، والفيء ما نسخ الشمس وهو بعد الزوال. والظل هنا الليل لأنه ظل الأرض الممدود على قريب من نصف وجهها مدة تحجب نور الشمس بما قابل قرصها من الأرض حتى امتد بساطه، وضرب فسطاطه، كما حجب ظل ضلالهم أنوار عقولهم، وغفلة طباعهم نفوذَ أسماعهم {ولو شاء لجعله} أي الظل {ساكناً} بإدامة الليل لا تذهبه الشمس كما في الجنة لقوله {أية : وظل ممدود} تفسير : [الواقعة: 30] وإن كان بينهما فرق، ولكنه لم يشأ ذلك بل جعله متحركاً بسوق الشمس له. ولما كان إيجاد النهار بعد إعدامه، وتبيين الظل به غبّ إبهامه، أمراً عظيماً، وإن كان قد هان بكثرة الإلف، أشار بأداة التراخي ومقام العظمة فقال: {ثم جعلنا} أي بعظمتنا {الشمس عليه دليلاً*} أي يدور معها حيثما دارت، فلولا هي ما ظهر أن لشيء ظلاًّ، ولولا النور ما عرف الظلام، والأشياء تعرف بأضدادها. ولما كانت إزالته شيئاً فشيئاً بعد مدة كذلك من العظمة بمكان. قال منبهاً على فضل مدخول "ثم" وترتبه متصاعداً في درج الفضل، فما هنا أفضل مما قبله، وما قبله أجلّ مما تقدمه، تشبيهاً لتباعد ما بين المراتب الثلاث في الفضل بتباعد ما بين الحوادث في الوقت: {ثم قبضناه} أي الظل، والقبض: جمع المنبسط {إلينا} أي إلى الجهة التي نريدها، لا يقدر أحد غيرنا أن يحوله إلى جهة غيرها؛ قال الرازي رحمه الله في اللوامع: وهذه الإضافة لأن غاية قصر الظل عند غاية تعالي الشمس، والعلو موضع الملائكة وجهة السماء التي فيها أرزاق العباد، ومنها نزول الغيث والغياث، وإليها ترتفع أيدي الراغبين، وتشخص أبصار الخائفين - انتهى. {قبضاً يسيراً*} أي هو - مع كونه في القلة بحيث يعسر إدراكه حق الإدراك - سهل علينا، ولم نزل ننقصه شيئاً فشيئاً حتى اضمحل كله، أو إلا يسيراً، ثم مددناه أيضاً بسير الشمس وحجبها ببساط الأرض قليلاً قليلاً، أولاً فأولاً بالجبال والأبنية والأشجار، ثم بالروابي والآكام والظراب وما دون ذلك، حتى تكامل كما كان، وفي تقديره هكذا من المنافع ما لا يحصى، ولو قبض لتعطلت أكثر منافع الناس بالظل والشمس جميعاً، فالحاصل أنه يجعل بواطنهم مظلمة بحجبها عن أنوار المعارف فيصيرون كالماشي في الظلام، ويكون نفوذهم في الأمور الدنيوية كالماشي بالليل في طرق قد عرفها ودربها بالتكرار، وحديث علي رضي الله عنه في الروح الذي مضى عند "والطبيات للطيبين" في النور شاهد حسي لهذا المر المعنوي - والله الموفق.
السيوطي
تفسير : أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {ألم تر إلى ربك كيف مد الظل} قال: بعد الفجر قبل أن تطلع الشمس. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {ألم تر إلى ربك كيف مد الظل...} الآية. قال: ألم تر إنك إذا صليت الفجر كان ما بين مطلع الشمس إلى مغربها ظلاً؟ ثم بعث الله عليه الشمس دليلاً فقبض الله الظل. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس {ألم تر إلى ربك كيف مد الظل} قال: ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس {ولو شاء لجعله ساكناً} قال: دائماً {ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً} يقول: طلوع الشمس {ثم قبضناه إلينا قبضاً يسيراً} قال: سريعاً. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبه وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد {ألم تر إلى ربك كيف مد الظل} قال: ظل الغداة قبل طلوع الشمس {ولو شاء لجعله ساكناً} قال: لا تصيبه الشمس ولا يزول {ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً} قال: تحويه {ثم قبضناه إلينا} فاحوينا الشمس إياه {قبضاً يسيراً} قال: خفيفاً. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن {ألم تر إلى ربك كيف مد الظل} قال: مده من المشرق إلى المغرب فيما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس {ولو شاء لجعله ساكناً} قال: تركه كما هو ظلاً ممدوداً ما بين المشرق والمغرب. وأخرج ابن أبي حاتم عن أيوب بن موسى {ألم تر إلى ربك كيف مد الظل} قال: الأرض كلها ظل. ما بين صلاة الغداة إلى طلوع الشمس {ثم قبضناه إلينا قبضاً يسيراً} قال: قليلاً قليلاً. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن إبراهيم التيمي والضحاك وأبي مالك الغفاري في قوله {كيف مد الظل} قالوا: الظل: ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس {ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً} قالوا: على الظل {ثم قبضناه إلينا قبضاً يسيراً} يعني ما تقبض الشمس من الظل. وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية {كيف مد الظل} قال: من حين يطلع الفجر إلى حين تطلع الشمس. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي {جعلنا الشمس عليه دليلاً} قال: يتبعه فيقبضه حيث كان. وأما قوله تعالى: {وجعل النهار نشوراً} . وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس قال: إن النهار اثنتا عشرة ساعة، فأول الساعة ما بين طلوع الفجر إلى أن ترى شعاع الشمس، ثم الساعة الثانية إذا رأيت شعاع الشمس إلى أن يضيء الاشراق. عند ذلك لم يبق من قرونها شيء، وصفا لونها، فإذا كانت بقدر ما تريك عينك قيد رمحين فذلك أول الضحى، وذلك أول ساعة من ساعات الضحى، ثم من بعد ذلك الضحى ساعتين، ثم الساعة السادسة حين نصف النهار. فإذا زالت الشمس عن نصف النهار فتلك ساعة صلاة الظهر، وهي التي قال الله {أقم الصلاة لدلوك الشمس} ثم من بعد ذلك العشي ساعتين، ثم الساعة العاشرة ميقات صلاة العصر وهي الآصال، ثم من بعد ذلك ساعتين إلى الليل. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبه وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {وجعل النهار نشوراً} قال: ينشر فيه. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة {وجعل النهار نشوراً} قال: لمعايشهم وحوائجهم وتصرفهم.
ابو السعود
تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبّكَ} بـيانٌ لبعضِ دلائل التَّوحيدِ إثرَ بـيانِ جهالةِ المُعرِضينِ عنها وضلالتهم. والخطابُ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم، والهمزةُ للتَّقريرِ. والتَّعرضُ لعُنوان الرُّبُوبِّـيةِ مع الإضافة إلى ضميره عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لتشريفه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وللإيذانِ بأنَّ ما يعقُبه من آثارِ ربوبـيَّتِه ورحمتِه تعالى أي ألم تنظُر إلى بديعِ صُنعه تعالى {كَيْفَ مَدَّ ٱلظّلَّ} أي كيف أنشأ ظلَّ أيَّ مُظَلَ كان من جبلٍ أو بناءٍ أو شجرةٍ عند ابتداء طلوع الشَّمسِ ممتداً لا أنَّه تعالى مدَّهَ بعد أنْ لم يكن كذلك كما بعدَ نصفِ النهار إلى غروبها فإنَّ ذلك مع خُلوِّه عن التَّصريح بكون نفسه بإنشائه تعالى وإحداثِه يأباهُ سياقُ النَّظمِ الكريمِ. وأما ما قيل من أنَّ المرادَ بالظِّل ما بـين طُلوعِ الفجرِ وطُلوع الشَّمسِ وأنه أطيبُ الأوقاتِ فإنَّ الظُّلمةَ الخالصةَ تنفِرُ عنها الطِّباعُ وشعاع الشمس يسخِّنُ الجوَّ ويبهر البصرَ ولذلك وَصَف به الجَّنةَ في قوله تعالى: { أية : وَظِلّ مَّمْدُودٍ} تفسير : [سورة الواقعة: الآية 30] فغيرُ سديد إذ لا ريب في أنَّ المرادَ تنبـيهُ النَّاسِ على عظيم قُدرة الله عزَّ وجلَّ وبالغِ حكمتِه فيما يشاهدونَه فلا بدَّ أنْ يُرادُ بالظلِّ ما يتعارفونه من حالةٍ مخصوصةٍ يشاهدونها في موضعٍ يحول بـينه وبـين الشَّمسِ جسمٌ كثيفٌ مخالفةً لما في جوانبه من مواقعِ ضحِّ الشَّمسِ وما ذُكر وإن كانَ في الحقيقةِ ظلاَّ للأفق الشرقيِّ لكنَّهم لا يعدونه ظلاً ولا يصفونه بأوصافهِ المعهودةِ ولعلَّ توجيه الرُّؤية إليه سبحانه وتعالى مع أنَّ المرادَ تقريرُ رؤيته عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لكيفيَّةِ مدِّ الظِّلِّ للتنبـيهِ على أنَّ نظرَه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ غيرُ مقصورٍ على ما يُطالعه من الآثارِ والصَّنائعِ بل مطمح أنظارِه معرفةُ شؤون الصَّانعِ المجيدِ. وقوله تعالى: {وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِناً} جملةٌ اعترضتْ بـين المعطوفين للتَّنبـيِه من أول الأمرِ على أنَّه لا مدخل فيما ذكر من المدِّ للأسباب العاديَّةِ وإنَّما المؤثر فيها المشيئةُ والقدرةُ، ومفعولُ المشيئةِ محذوفٌ على القاعدة المستمرَّة من وقوعها شرطاً وكونِ مفعولها مضمونَ الجزاء أي ولو شاء سكونَه لجعله ساكناً أي ثابتاً على حالِه من الطُّولِ والامتدادِ وإنما عُبِّر عن ذلك بالسُّكونِ لما أنَّ مقابلَه الذي هو تغيُّر حاله حسب تغُّيرِ الأوضاعِ بـينَ المظلِّ وبـين الشَّمسِ يُرَى رأيَ العينِ حركة وانتقالاً وحاصلُه أنه لا يعتريهِ اختلافُ حالٍ بأن لا تنسخه الشَّمسُ، وأمَّا التَّعليلُ بأنْ يجعل الشَّمسَ مقيمةً على وضع واحد فمداره الغفُول عمَّا سِيق له النَّظمُ الكريم ونطقَ به صريحاً من بـيان كمال قُدرته القاهرة وحِكمته الباهرة بنسبة جميعِ الأمور الحادثة إليه تعالى بالذَّاتِ وإسقاط الأسباب العاديَّةِ عن رُتبة السَّببـيَّةِ والتَّأثيرِ بالكُلِّيةِ وقصرِها على مجرَّدِ الدِّلالةِ على وجود المسبَّبات لا بذكر قُدرته تعالى على بعض الخوارق كإقامةِ الشَّمسِ في مُقام واحدٍ على أنَّها أعظمُ من إبقاء الظلِّ على حالِه في الدِّلالةِ على ما ذُكر من كمال القُدرةِ والحكمة لكونِه من فُروعها ومُستتبعاتها فهي أَوْلَى وأحقُّ بالإيراد في معرضِ البـيانِ. وقولُه تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَا ٱلشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً} عطفٌ على مدَّ داخلٌ في حُكمه أي جعلناها علامةً يستدلُّ بأحوالها المتغيِّرة على أحوالِه من غير أنْ يكونَ بـينهما سببـيّة وتأثيرٌ قطعاً حسبما نطقَ به الشَّرطيةُ المعترضة. والالتفاتُ إلى نون العظمةِ لما في الجعلِ المذكورِ العاري عن التَّأثيرِ مع ما يشاهد بـين الشَّمسِ والظلِّ من الدَّورانِ المُطَّردِ المنبـىءِ عن السَّببـيّةِ من مزيد دلالة على عظمِ القُدرةِ ودقة الحكمةِ، وهو السرُّ في إيراد كلمة التَّراخي.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ} [الآية: 45]. قال الواسطى: أثبت للعامة المخلوق فأثبتوا به الخالق، وأثبت للخاصة الخالق فأثبتوا به المخلوق، ومخاطبة العوام {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً}،تفسير : [النور: 43] {أية : أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ}تفسير : [الغاشية: 17] ومخاطبة الخاصة {أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ}. قال بعضهم: قال لنبينا محمد {أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ} ظل العصمة قبل أن أرسلك الى الخلق، ولو شاء لجعله ساكناً أى: جعلك مهملاً ولم يفعل بل جعل الشمس التى طلعت من صدرك دليلاً ثم قبضناه إلينا قبضًا يسيرًا هذا خطاب من أسقط عنه الرسوم، والوسائط. قال ابن عطاء: {أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ}، قال: كيف حجب الخلق عنه؟ ومد عليهم ستور الغفلة وحجبها. قوله تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَا ٱلشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً} [الآية: 45]. قال: شموس المعرفة هى دلائل القلب إلى الله.
القشيري
تفسير : قيل نَزَلَ الرسول - صلى الله عليه وسلم - في بعض أسفاره وقت القيلولة في ظل شجرة وكانوا خَلْقاً كثيراً فَمَدَّ اللَّهُ ظِلَّ تلك الشجرة حتى وسع جميعَهم وكانوا كثيرين، فأنزل الله هذه الآية، وكان ذلك من جملة معجزاته عليه السلام. وقيل إن الله في ابتداء النهار قبل طلوع الشمس يجعل الأرضَ كلَّها ظلاً، ثم إذا طلعت الشمسُ، وانبسط على وجه الأرض شعاعُها فكلُّ شخصٍ يُبْسَطُ له ظِلٌّ، ولا يُصيب ذلك الموضعَ شعاعُ الشمس، ثم يتناقص إلى وقت الزوال، ثم يأخذ في الزيادة وقت الزوال. وذلك من أماراتِ قدرة الله تعالى؛ لأنه أجرى العادة بخلق الظلِّ والضوء والفيء. قوله: {وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً}: أي دائماً: {ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً}؛ أي حال ارتفاعِ الشْمسِ ونُقصانِ الظِّلِّ. ويقال: ألم تر إلى ربك كيف مدَّ ظل العناية على أحوال أوليائه؛ فقومٌ هم في ظل الحماية، وآخرون في ظل الرعاية، وآخرون في ظل العناية، والفقراء في ظل الكفاية، والأغنياء في ظل الراحة من الشكاية. ظلٌ هو ظل العصمة، وظل هو ظل الرحمة؛ فالعصمة للأنبياء عليهم السلام ثم للأولياء، والرحمة للمؤمنين، ثم في الدنيا لكافة الخلائق أجمعين. ويقال قوله للنبي صلى الله عليه وسلم: {أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ} ثم قوله: {كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ} ستراً لما كان كاشفه به أولاً، إجراءً للسُّنَّةِ في إخفاء الحال عن الرقيب. قال لموسى عليه السلام:{أية : لَن تَرَانِي}تفسير : [الأعراف: 143] وقال لنبينا عليه السلام: {أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ} وشتان ماهما! ويقال أحيا قلبه بقوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ} إلى أن قال: {كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ} فجعل استقلاله بقوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ} إلى أن سمع ذكر الظل. ويقال أحياه بقوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ} ثم أفناه بقوله: {كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ} وكذا سُنَّتُه مع عباده؛ يُردِّدُهم بين إِفناءٍ وإبقاء.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ} الاشارة فى الاية ان للعارفين فى مقام المراقبة والمحاضرة ثلث مقامات مقام كشف انوار الفعل وكشف انوار الصفة وكشف انوار الذات فاذا ذهب ظلام ليالى الطبيعة من عالم الغيب وتلاشى دخان النفس الامارة وصار سماء الروح وهواء العقل وارض القلب صافية عن عللها وظلمات هواها ولم يكن هناك شمس الذات وانوار الصفات يمد الحق سبحانه ظلال بهاء فعله فى ولاية القلب على مقادير تربية اسراره فلما قويت الاسرار بظلال فعله يطلع عليها انوار الصفات فلما قويت بانوار الصفة يطلع عليها شمس الذات قرباه او لا فى ظل الفعل ثم قوة بنور الصفة ثم كشف له جلال الذات حتى صار مكاشفا مشاهدا عين الحقيقة واصل الاصول وهناك محل الفناء والبقاء ومقام الخطاب الصرف وظهور اسرار الربوبية فالاول ظل العناية والثانى مقام الولاية والثالث مقام المشاهدة التى هى قبلة الكلية بجميع الانبياء الصديقين والمقربين ومنتهى مامول الراغبين هذه مسالك جميع السالكين ولسيد العالمين عليه الصلاة والسلام فى ذلك خاصية لم يكن لاحد فيها تصيب وذلك انهم يسلكون من مقام مشاهدة نور الفعل الى مشاهدة نور الصفة ثم الى مشاهدة نور الذات وهو عليه السلام فى اول حاله شاهد العين ثم شاهد الصفة ثم شاهد الفعل حق لعالمين ولو بقى فى مقام الاول لما استمتع به الخلق فى متابعته الا ترى الى قوله سبحانه لحبيبه عليه السّلام الم تر الى ربك اشهده ذاته وابرز له صفاته ثم حال الى رؤية الفعل بقوله كيف مد الظل لئلا يفنى فى سطوات عظمة ذاته وصفاته فلما ضاف مكان فى رؤية الفعل وطالب الاصل وشق عليه الاحتجاب به عنه كاشف الحق عنه ضرار الفعل وابرز له مشاهدة ذاته بقوله {ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً} اى خفيا سريعا ولولا فضله ورحمته فى قبضه خفيا يسر الاحترق الكل فى اوّل بداهة طلوع الجمال والجلال على قلوبهم وهو تعالى خاطب الجمهور برؤية فعله وخاطب حبيبه برؤية ذاته وصفاته وهنا كما قال الواسطى اثبت للعامة المخلوق فاثتبوا الخلاق واثبت للخاصة الخلاق فاثبتوا به المخلوق ومخاطبة العام الم تر ان الله يزجى سحابا ---- ينظرون الى الابل كيف خلقت ومخاطبة الخاص الم ترى الى ربك قال بعضهم قال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الم ترى ربك كيف مد ظل العصمة قبل ان ارسلك الى المخلوق ولو شاء لجعله ساكنا اى جعله مهملا ولم يفعل بل جعل الشمس التى طلعت من صدرك دليلا ثم قبضانه الينا قبضا يسيرا هذا خطاب من اسقط من الرسوم والوسايط قال ابن عطا كيف حجب الخلق عنه ومد عليهم ستور الغفلة وحجبها وقال فى قوله ثم جعلنا الشمس عليه دليلا شموس المعرفة هى دلائل القلب الى الله وعن جعفر قال حجب الخلق عنه وقال بعضهم الظل حجاب بينك وبين الله ولو شاء لجلعه اسكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا وهو نور الهداية بالاشارة ثم قبضناه الينا قبضا يسيرا وهو جذب القدرة التى يجذبك من الاشياء اليه وقال الاستاذ ظل العناية على احوال اوليائه فقوم هم فى ظل الحماية وأخرون فى ظل الرعاية وأخرون فى ظل العناية والفقراء فى ظل الكفاية والاغنياء فى ظل الراحة والحماية ويقال احيا قلبه بقوله لم ترى الى ربك ثم افناه بقوله كيف مد الظل فكذا سنته مع عباده ويردوهم بين افناء وابقاء ثم من الله علينا براحة الليل وسره بقوله {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱللَّيْلَ لِبَاساً وَٱلنَّوْمَ سُبَاتاً} اذا هجم ظلال لليل على اهل شوقه هاج اسرارهم بنعت الشوق والانس الى قربه ووصاله فينكشف لهم اسرار الملك والملكوت وانوار العزة والجبروت وهم ينقلبون فيها باشكال غريبة وحركات عجيبة ومناجاة لطيفة وموجبات عظيمة وعبرات عزيزة ولولا ستر الليل عليهم لفشا احوالهم وانكشف اسرارهم عند الخلق فاذا كانوا فى حالة اليقظة فحالهم الغلبات فاذا انسو بنور الجمال ياخذهم النوم ويقطعهم عن التهجد وبرجات الوجد فيسكنون فى روح الانس وراحة القدس وربما يرون المقصود فى نومهم كما حكى عن ----- شجاع انه لم ينم ثلثين سنة فاتفق انه تام ليله فراى الحق سبحانه فى مامه ثم بعد ذلك ياخذ الوسادة معه ويضطجع حيث كان فسئل عن ذلك فانشا يقول شعر : رايت سرور قلبى فى منامى فاحبت التنفس والمناما تفسير : يافهم لهم فى زمان الامتحان ليل الحجاب وسبات الغفلات فاذا ذابوا فى مقام الغرقة اخذ الله ايديهم بكشف الوصال بقوله {وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُوراً} اطلع عليهم بعد ذلك شمس العناية من مشرف الكفاية نومهم سببب الزلفات وسباتهم راحة المداناة وهذا حال اهل النهايات شعر : وانى لا ستغفى وما بى نعسه لعل خيالات منك يلقى خياليا تفسير : قال الاستاذ الليل وقت السكون قوم ووقت الانزعاج أخرين فارباب الغفلة يسكنون فى ليلهم والمجنون يسهرون فى ليلهم ان كانوا فى روح الوصال فلا ياخذهم النوم بكمال انفسهم وان كانوا فى الم الفراق فلا ياخذهم النوم لكمال قلقهم فالسهر للاحباب صفة اما لكما السرور او الهجوم الهموم ويقال جعل النوم لقوم من الاحباب وقت التجلى يريهم ما لا سبيل اليه فى اليقظة فاذا اراوا ربهم المنام يوثرون النوم على السهر وهذا كما انشد شعر : فلولا رجاء الوصل ما عشت ساعة ولولا مكان الطيف لم اتهجع تفسير : ثم زاد منته بان نشق نسائم روح وصاله اهل شوق جماله بقوله {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ بُشْرَى بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} اذا اراد سبحانه كشف لقائه لارواح العاشقين يرسل رياح الواردات قيل حصول كشف المشاهدات فيستنشقون منها نسيم الانس وهم يعلمون ان ذك مبشر كشف القدس والحكمة فى ذلك انه تعالى يكتسر بها قلوب المحبين غبار الحدثان وهو اجس النفس والشيطان حتى لا يبقى فيها غير جمال الرحمن فاذا راؤا أثار ملك المبشرات علموا ان فى ذلك وقت ظهور المقصود وحصول المامول شعر : وانى لاستهدى الريح نسبكم اذا اقبلت من نحوكم بهبوب تفسير : قال ابن عطا يرسل رياح الندم بين يدى التوبة قال ابو بكر بن طاهر ان الله يرسل الى القلب ريحا فيكفه من المخالفات وانواع الكدورات ويصفيه لقبول الموارد عليه اذا صارف القلب ذلك الريح فتنم نسيمها ثم اشتاق الى الزوايد من فنون المراد فيكرمه الله بالمعرفة ويزينه بالايمان الا تراه يقول وهو الذى الأية يرسل الرياح الاشتياق على قلوب الاحباب فتزعجها عن المساكنات ويطهرها عن كل شئ الا عن اللوايح فلا تستقر الا بالكشف والتجلى ويقال اذا انتسمت القلوب نسيم القرب هام فى ملكوت الحلال وامحى من كل رسوم ومعهود ثم زاد المنة سبحانه بذكره وصف مياه الكرم الذى يطهر بها قلوب احباب وجه القدم من يرث غبار العدم بقوله {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً} انشأ فى الاول سحايب الرحمة وبشر رياح الزلفة ثم مطر مطر الخطاب والكلام من حبر الذات والصفات على ارض قلوب اهل المشاهدات فظهرها من صفات البشريات واحياها من موت الغفلات وانبت فيها اشجار المعرفة---- ذلك قوله تعالى {لِّنُحْيِـيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً} ثم جعل قلوبهم سوا فى المعارف والكواشف فيفيض سقيها الى الارواح والاشباح قال تعالى {وَنُسْقِيَهِ مِمَّا خَلَقْنَآ أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً} قال بعضهم طهر قلوبهم ببركاته عَنِ المخالفات وطهرا بدانهم بظاهر رحمته من جميع الانجاس قال النصار ابادى هو الرش الذى يرش من مياه المحبة على قلوب العارفين فيحيى به نفوسهم باماتة الطبع فيها ثم يجعل قلبه اماما للخلق بفيض بركاته عليهم فيصيب بركات نور قلبه من كل ذوات الارواح قال الله تعالى نسقيه الاية قال الاستاذ انزل من السماء ماء المطر فاحيا به الرياض والفياض وانبت به الازهار والانوار وانزل من السّماء ماء الحرمة فغسل للعصاة ما تنطحوا به من الاوضار وتدنسوا به من الاوزار وماء الحياء يطهر قلوب العارفين عن الجنوح الى المساكنات وما فى بعض الاحوال يتداخلا من الغفلات وماء الرعاية يحيى به قلوب المشتاقين مما يتداركها من انوار التجلى حتى يزول عنها عطش الاشتياق ويحصل فيها من سكنه الاستقلال ويحيى به نفوسا ميتة اتباع الشهوات فيرّدها الى القيام بالعبادات ثم مرج سبحانه بحر ---- النكرة فى قلوب العارفين بقوله {وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ} فبحر المعرفة بحر الصفات وبحر النكرة بحر الذات ثم وصف البحرين فقال {هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} فبحر الصفات عذب للعارفين اذ هى فياضة لطائفها الى الارواح والقلوب والعقول وهى ادركت نعوتها واسماءها بنورها ففهمت وعرفت معارفها وكواشفها على قدر الطاقة لا على الحقيقة وبحر ملح اجاج اذ امتنع بحار وحقائقه عن تناول العقول والقلوب والارواح والاسرار فاذا انحسرت هذه الساءرات فى بيداء الازل وانقطعت ساحتها فى بحار القدم فصارت نكراتها مهلكها بحر الذات الى بحر الصفات قال تعالى بينهما برزخ لا يبغيان ولا يختلطان فمياه بحر الروح من بحار مشاهدة الالطاف ومياه بحر النفس ملح اجاج وهى من بحار القهريات قال ابن عطا تلاطمت صفتان فتلاقيا فى قلوب الخلق فقلوب اهل المعرفة منورة بانوار الهداية ---- بضياء الاقبال وقلوب اهل النكرة مظلمة بظلمات المخالفات معرضة عن سنن التوفيق وبينهما قلوب العامة ليس لها علم بما يرد عليها ---- منها ليس معها خطاب ولا لها جواب قال الاستاذ القلوب بعضها معدن اليقين والعرفان وبعضها محل الشرك والكفران.
اسماعيل حقي
تفسير : {ألم تر الى ربك} الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والهمزة للتقرير والرؤية رؤية العين. والمعنى ألم تنظر الى بديع صنعه تعالى فان المنظور يجب ان يكون مما يصح ان يتعلق به رؤية العين {كيف} منصوبة بقوله {مد الظل} اصل المد الجزء من المدة للوقت الممتد والظل ما يحصل مما يضيىء بالذات كالشمس او بالغير كالقمر، قال فى المفردات الظل ضد الضح وهو بالكسر الشمس وضوئها كما فى القاموس وهو اعم من الفيىء فانه يقال ظل الليل وظل الجنة ويقال لكل موضع لاتصل اليه الشمس ظل ولايقال الفيىء الا لمازال عنه الشمس يعنى ان الشمس تنسخ الظل وتزيله شيئا فشيئا الى الزوال ثم ينسخ الظل ضوء الشمس ويزيله من وقت الزوال الى الغروب فالظل الآخذ فى التزايد الناسخ لضوء الشمس يسمى فيأ لانه فاء من جانب المشرق الى جانب المغرب فهو من الزوال الى الغروب والظل الى الزوال. والمعنى كيف انشأ الظل أى ظل كان من جبل او بناء او شجر عند ابتداء طلوع الشمس ممتدا وهو بيان لكمال قدرته وحكمته بنسبه جميع الامور الحادثة اليه بالذات واسقاط الاسباب العادية عن رتبة السببية والتأثير بالكلية وقصرها على مجردة الدلالة على وجود المسببات {ولو شاء} ربك سكون ذلك الظل {لجعله ساكنا} اى ثابتا على حاله من الطول والامتداد ومقيما: وبالفارسية [ثابت وآرام يافته بريك منوال] يقال فلان يسكن بلد كذا اذا اقام به واستوطن والجملة اعتراضية بين المعطوفين للتنبيه من اول الامر على انه لامدخل فيما ذكر من المد للاسباب العادية وانما المؤثر فيه المشيئة والقدرة {ثم جعلنا الشمس عليه دليلا} عطف على مدّ داخل فى حكمه ولم يقل دالة لان المراد ضوء الشمس والمعنى جعلناها علامة يستدل باحوالها المتغيرة على احواله من غير ان يكون بينهما سببية وتأثير قطعا حسبما نطقت به الشرطية المعترضة والالتفات الى نون العظمة لما فى جعل المذكور العارى عن التأثير مع ما يشاهد بين الشمس والظل من الدوران المطرد المنبىء عن السببية من مزيدة دلالة على عظم القدرة ودقة الحكمة وهو السر فى ايراد كلمة التراخى.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {ألم تَر} يامحمد {إلى رَبّكَ} أي: ألم تنظر إلى بديع صنع ربك ودلائل قدرته وتوحيده. والتعرض لعنوان الربوبية، مع الإضافة إلى ضميره - عليه الصلاة والسلام -، لتشريفه وتبجيله، وللإيذان بأن ما يعقبه من آثار قدرته ورحمته، {كيف مَدَّ الظِّلَّ} أي: بسطه حتى عمَّ الأرض، وذلك من حين طلوع الفجر إلى وقت طلوع الشمس، في قول الجمهور؛ لأنه ظل ممدود، لا شمس معه ولا ظلمة، فهو شبيه بظل الجنة. وقيل: مد ظل الأشياء الشاخصة أول النهار؛ من شجر، أو مدر، أو إنسان، ثم قبضها وردها إلى المشرق. {ولو شاء لجعله ساكناً} أي: دائماً لا يزول ولا تُذهبه الشمس، أو: لا ينتقص بسيرها. {ثم جعلنا الشمسَ عليه} أي: على الظل {دليلاً}، لأنه بالشمس يُعرف الظل، فلولا طلوعها وظهورها ما عرف الظل، ولا ظهر له أثر، فالأشياء تُعرف بأضدادها. {ثم قبضناه} أي: أخذنا ذلك الظل الممدود {إلينا}؛ إلى حيث إرادتنا {قَبْضاً يسيراً} أي: على مهل قليلاً قليلاً، حسب ارتفاع دليله، على حسب مصالح المخلوقات ومرافقها. {وهو الذي جعلَ لكم الليلَ لباساً} أي: جعل الظلام الساتر كاللباس {والنوم سباتاً} أي: راحة لأبدانكم، وقطعاً لأعمالكم. والسبت: القطع، والنائم مسبوت؛ لأنه انقطع عمله وحركته، وقيل السبات: الموت، والميت مسبوت؛ لأنه مقطوع الحياة، كقوله: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّاكُم بِٱلَّيْلِ} تفسير : [الأنعام: 60]. ويعضده ذكر النشور في مقابلته بقوله: {وجعل النهار نُشُوراً} أي: ذا نشور، أي: انبعاث من النوم، كنشور الميت، أو: ينشر فيه الخلق للمعاش. وهذه الآية، مع دلالتها على قدرته تعالى، فيها إظهار لنعمته تعالى؛ لأن في الاحتجاب بستر الليل فوائد دينية ودنيوية، وفي النوم واليقظة - المشبهين بالموت والبعث - عبرة للمعتبرين. قال لقمان لابنه: كما تنام فتوقظ، كذلك تموت فتنشر. {وهو الذي أرسل الرياحَ}، وعن المكي بالإفراد، {نشراً}: جمع نشور، أي: أرسلها للسحاب حتى تسوقها إلى حيث أراد تعالى أن تمطر، {بين يدي رحمته} أي: أرسلها قدام المطر، لأنه ريح، ثم سحاب، ثم مطر. وقرأ عاصم الباء، أي: مبشرات بالمطر. {وأنزلنا من السماء ماءً طَهُوراً} أي: مطهراً بالغاً في التطهير، كقوله: {أية : لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ}تفسير : [الأنفال: 11] وهو اسم لما يتطهر به، كالوضوء والوقود، لِمَا يتوضأ به ويوقد به. وقيل: طهور في نفسه، مبالغة في الطاهرية، فالطهور في العربية يكون صفة، كما تقول: ماء طهور، واسماً، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : التراب طهور، والمؤمن طهور"،تفسير : وقد يكون مَصْدَراً بمعنى الطهارة، كقولك: تطهرت طهوراً حسناً، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا صلاة إلا بطهور" تفسير : . ووصْفُهُ تعالى الماءَ بذلك؛ ليكون أبلغ في النعمة، فإن الماء الطهور أنفع وأهنأ مما خالطه ما يزيل طهوريته، أي: أنزلناه كذلك. {لنُحيي به} أي: بالمطر الطهور {بلدةً ميتاً} بالجدب والقحط، فحييت بالنبات والعشب. والتذكير؛ لأن البلدة بمعنى البلد، والمراد به: القطعة من الأرض عامرة أو غامرة. {ونُسْقِيَهُ} أي: ذلك الماء الطهور، عند جريانه في الأودية، أو اجتماعه في الآبار والحياض، {مما خلقنا أنعاماً وأَنَاسِيَّ كثيراً} أي: نسقي ذلك بهائم وناساً كثيراً. والأناسي: جمع أُنْسِيّ، ككرسي وكراسي. وقيل: جمع إنسان، وأصله: أناسين، وأبدلت النون ياءً، وأدغمت التي قبلها فيها. وقدَّم إحياء الأرض على سقي الأنعام والأناسي؛ لأن حياتها سبب لحياتهما. وتخصيص الأنعام من بين سائر الحيوان؛ لأن عامة منافع الإنسان متعلقة بها. {ولقد صرَّفناه} أي: هذا القول، الذي هو إنشاء السحاب وإنزال المطر، على الوجه الذي مرّ من الغايات الجميلة، في القرآن وغيره من الكتب السماوية، أو: صرفنا المطر عاماً بعد عام وفي بلدة دون أخرى. أو صرفناه بينهم وابلاً، وطَلاًّ، ورذاذاً وديمة. وقيل: التصريف راجع إلى الريح. وقيل: إلى القرآن المتقدم في قوله: {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ}تفسير : [الفرقان: 32] ويعضده: {أية : وَجَاهِدْهُم بِهِ} تفسير : [الفرقان: 52]. وقوله: {بينهم} أي: بين الناس جميعاً متقدمين ومتأخرين، {ليذَّكَّرُوا}؛ ليتفكروا ويعرفوا قدر النعمة فيه، أو: ليعرفوا بذلك كمال قدرته وسعة رحمته، {فأبَى أكثرُ الناس} ممن سلف وخلف {إلا كفوراً} أي: جُحُداً لهذه النعمة وقلة اكْتِرَاثٍ بها، وربما نسبوها إلى غير خالقها، فيقولون: مُطرنا بنَوْء كذا. وفي البخاري عنه صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى: "حديث : أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وكَافِرٌ، فَأَما مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْل الله ورَحْمَتهِ؛ فَذلِكَ مُؤْمِنٌ بِي، كَافِرٌ بالكَواكِب. وأما مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا، فهو كافِرُ بِي، مُؤْمِنٌ بالكَواكِبِ"تفسير : . فمن نسب الأمطار إلى الأنواء، وجَحَد أن تكون هي والأنواء من خلق الله، فقد كفر، ومن اعتقد أن الله خالقها، وقد نصب الأنواء أمارات ودلالات عليها، لم يكفر. وعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ليس سَنَةٌ بأمطر من الأخرى، ولكن الله تعالى قسم هذه الأرزاق، فجعلها في سماء الدنيا، في هذا القطر، ينزل منه كل سنة بكيل معلوم ووزن معلوم. ولكن إذا عمل قوم بالمعاصي حوَّل الله ذلك إلى غيرهم، فإذا عصوا جميعاً صرف الله ذلك إلى الفيافي والبحار"تفسير : . والله تعالى أعلم. الإشارة: الكون كله، من جهة حسه الظاهر، ظل آفل، وضباب حائل، لا وجود له من ذاته، وإنما الوجود للمعاني القديمة الأزلية. فنسبة الكائنات، من بحر المعاني الأزلية، كنسبة ظلال الأشجار في البحار. فظلال الأشجار في البحار لا تمنع السفن من التسيار, فكذلك ظلال الكائنات لا تمنع سفن الأفكار من الخوض في بحار المعاني الأزلية الجبروتية، بل تخرقها، وتخوض في بحار الأحدية الجبروتية، الأولية والآخرية، والظاهرية والباطنية، والعلوية والسفلية، ولا يحجبها عن الله ظل شيء من الكائنات، وإليه الإشارة قوله: ألم تر، أيها العارف، إلى ربك كيف مد الظل، أي: مد ظل الكائنات؛ ليعرف بها كنز ربوبيته وبطون غيبه، ثم يرفع ذلك الظل عن عين البصيرة، التي أراد فتحها، فتشاهد بطون الأزل وغيب الغيب، وتصير عارفة بالله. ولو شاء لجعله ساكناً، فيقع به الحجاب، فيحجب العبد بسحب الآثار عن شهود الأنوار. ثم جعلنا شمس العرفان عليه أي: على الأثر، دليلاً، فيستدل بالله على غيره، فلا يرى غيره، ثم قبضناه، أي: ذلك الظل، عن قلب السائر أو العارف، قبضاً يسيراً، فيغيب عنه شيئاً فشيئاً، حتى يفنى عن حسه وحس غيره من الكائنات، فلا يشهد إلا المكوِّن؛ لأن ذلك إنما يكون بالتدرج والتدريب، فإذا تحقق فناؤه رجع إلى شهود الأثر بالله؛ قياماً برسم الحكمة، وأداءاً لحق العبودية. وهو الذي جعل ليل القبض لباساً، أي: ستراً ورداء من الهفوات؛ لأن القبض يغلب فيه السكون، وجانبه مأمون، والنوم - أي: الزوال - سُباتاً، أي: راحة من كد التدبير والاختيار، وجعل نهار البسط نشوراً، تنتشر فيه العلوم وتنبسط فيه المعارف، إن قام صاحبه بآدابه، ولا يقوم به إلا القليل؛ لأنه مزلة أقدام، ولذلك قال في الحكم: "ربما أفادك في ليل القبض ما لم تستفده في إشراق نهار البسط، لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً". وهو الذي أرسل رياح الواردات الإلهية نُشْراً بين يدي رحمته، أي: معرفته؛ إذ لا رحمة أعظم منها، وأنزلنا من سماء الغيوب ماءاً طهوراً، وهو العلم بالله، الذي تحيا به الأرواح والأسرار، وتطهر به قلوب الأحرار، لنحيي به بلدة ميتاً، أي: روحاً ميتة بالجهل والغفلة، ونُسقيه مما خلقنا أنعاماً وأناسي كثيراً؛ لأن ماء المعاني سارٍ في كل الأواني؛ فماء التوحيد سار في الأشياء كلها، جَهلَ هذا مَنْ جهله، وعرفه من عرفه. وأكثر الناس جاحدون لهذا. ولذلك قال تعالى: {ولقد صرفناه بينهم} ؛ فكل شيء فيه سر من حياة هذا الماء، فأبى أكثر الناس إلا كفوراً وجحوداً له، ولم ينتفع به إلا خواص أوليائه. وبالله التوفيق. ثم إن هذا الماء إنما يسقى على أيدي الوسائط. وكان القياس تعددهم كتعدد سحابات الأمطار بتعدد الأقطار، لكن خُولف ذلك في حق نبينا صلى الله عليه وسلم؛ تشريفاً لقدره، وتعظيماً لأمره. ثم إن هذا الماء إنما يسقى على أيدي الوسائط. وكان القياس تعددهم كتعدد سحابات الأمطار بتعدد الأقطار، لكن خُولف ذلك في حق نبينا صلى الله عليه وسلم؛ تشريفاً لقدره، وتعظيماً لأمره، كما أشار إلى ذلك بقوله: {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ...}
الطوسي
تفسير : يقول الله تعالى لنبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) وهو متوجه الى جميع المكلفين {ألم تر} يا محمد {إلى ربك} ومعناه ألم تعلم ربك {كيف مد الظل} قال ابن عباس والضحاك وسعيد ابن جبير: الظل حده من طلوع الفجر الى طلوع الشمس. وقال ابو عبيدة: الظل بالغداة، والفيء بالعشي، لانه يرجع بعد زوال الشمس. وقوله {ولو شاء لجعله ساكناً} أي دائماً لا يزول، فى قول ابن عباس ومجاهد. وقوله {ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً} قال ابن زيد: يعني باذهابها له عند مجيئها. وقيل: لان الظل يتبع الشمس فى طوله وقصره، فاذا أرتفعت في اعلا ارتفاعها قصر، وإن انحطت طال بحسب ذلك الانحطاط ولو شاء لجعله ساكناً بوقوف الشمس. والظل يتبع الدليل الذي هو الشمس، كما يتبع السائر فى المفازة الدليل. وقوله {ثم قبضناه} يعني الظل يقبضه الله، من طلوع الشمس. وقيل: بغروبها، فالقبض جمع الاجزاء المنبسطة قبضه يقبضه قبضاً، فهو قابض والشيء مقبوض، وتقابضا تقابضاً، وقبضه تقبضاً، وتقبض تقبضاً، وانقبض انقباضاً. واليسير السهل القريب واليسير نقيض العسير، يسر ييسر يسراً، وتيسر تيسراً، ويسره تيسراً، وأيسر ايساراً أي ملك من المال ما تتيسر به الامور عليه. واليد اليسرى لانها يتيسر بها العمل مع اليمنى، وتياسر أخذ في جهة اليد اليسرى. وقيل: معناه قبضاً خفيفاً، لان ظلمة الليل تجيء شيئاً بعد شيء، فلا تهجم دفعة واحده عقيب غروب الشمس. وقيل: معناه قبضاً سريعاً.
الجنابذي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ} الخطاب لمحمّدٍ (ص) فانّه اهل لتلك الرّؤية وينبغى ان يعاتب على تركها ويؤكّد ثبوتها له او عامّ فانّ غيره ينبغى ان يرى ويوبّخ على تركها {إِلَىٰ رَبِّكَ} المضاف وهو ربّه فى الولاية، ومدّ الظّلّ منه عبارة عن صورته المثاليّة الّتى اذا تمكّن القابل للولاية فى الاتّصال بها يرى سعة احاطتها وتصرّفها فيما سواها من غير توقّفٍ الى مضىّ زمانٍ او قطع مكان والنّقل من مقامٍ او ربّك المطلق، ومدّ الظّلّ منه عبارة عن سعة مفعولاته وكثرة مقدوراته وانتهاء ذلك الظّلّ الى الملكوت السّفلىّ وعالم الجنّة والشّياطين، او المراد بالظّلّ هو الّذى خرج من انانيّته وحيى بحيٰوة الله وبقى ببقاء الله وهم الانبياء والاولياء (ع) فانّهم بالنّسبة الى الله كالظّلّ بالنّسبة الى الشّاخص من حيث انّه لا انانيّة له من نفسه ولا استقلال ولا بقاء كما قيل: شعر : سايه يزدان بود بنده خدا مرده اين عالم وزنده خدا كيد مدّ الظل نقش اولياست كاودليل نورخورشيد خداست دامن او كير زوتر بيكمان تا رهى از آفت آخر زمان اندرين وادى مروبى اين دليل لا احبّ الآفلين كوجون خليل تفسير : {كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ} قيل على ظاهر التّنزيل: الم تر الى فعل ربّك، وقيل معناه: الم تعلم، وقيل: انّ هذا على القلب والتّقدير الم تر الى الظّلّ كيف مدّه ربّك، وقيل: المراد بالظّلّ ما بين الطّلوعين فانّه ظلّ ممدود غير مقطوع، وقيل: المراد بالظّلّ ما بين غروب الشّمس الى طلوعها {وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً} غير ممدود وغير متحرّكٍ الى المدّ او جعله ساكناً من السّكنى بمعنى الاقامة فانّه لو شاء الله لم يظهر الشّمس حتّى يكون الظّل دائماً، او لم يتبدّل اوضاعها حتّى يكون الظّلّ بحال واحدة، او لم يرجع الفانى الى البقاء او لم يذهب بالرّاجع الى البقاء الى حضرته فيكون نبىّ واحد وولىّ واحد فى جملة ادوار العالم او لم يذهب بالمكوّنات ولم يخرجها من القوى الى الفعليّات او لم ينزل الوجود من عالم الارواح الى عالم الاكوان {ثُمَّ جَعَلْنَا ٱلشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً} يعنى لو شاء لجعل الشّمس على الظّلّ دليلاً لكنّه لم يشأ فجعل الظّلّ دليلاً على الشّمس فانّه بجملة معانيه وبطونه يدلّ على الشّمس، او المعنى ثمّ لو شاء لجعل الشّمس عليه دليلاً لكنّه شاء وجعل الشّمس دليلاً على الظّلّ لمن رقى عن رؤية افعال الله الى مشاهدة ذاته فى مظاهر جماله، او المعنى الم تر كيف مدّ الظّلّ ثمّ كيف جعل الشّمس عليه دليلاً لمن صار كذلك وعلى هذين المعنيين فالاتيان بثمّ للاشعار بانّ دلالة الشّمس على الظّلّ مع انّها مدلولة للظّلّ فى اوّل الامر لا تكون بعد مشاهدة فعل الله فى جملة الافعال الاّ بتراخٍ كما انّ الالتفات من الغيبة الى التّكلّم للاشارة الى انّ دلالة الشّمس على مصنوعاته لا تكون الاّ بعد حصول مقام الحضور.
اطفيش
تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ مَدَّ الظِّلَّ} اي إلى فعل ربك والفعل ولو كان لا يرى ولكنه لما كان اثره يرى جعل كأنه يرى أو هو لصحته وقوته كأنه شيء متجسم يرى او يقدر إلى مفعول ربك يقال رأيته ورأيت إليه ونظرته ونظرت إليه (ومد الظل) بسطه لينتفع الخلق به أو الاصل (ألم تر إلى الظل كيف مده ربك) فغيره إلى (ألم تر إلى ربك كيف مد الظل) اشعارا بانه ليس المعقول من هذا الكلام لوضوح برهانه وهو دلالة حدوثه وتصرفه على الوجه النافع باسباب ممكنة على ان ذلك فعل الصانع الحكيم الا كالمشاهد المرئي فكيف بالمحسوس منه أو الرؤيا قلبية اي أو لم ينته علمك إلى ربك (كيف مد الظل). قال الحسن: (مد الظل) من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. وقيل: من الاسفار إلى طلوعها. وانما وصف بالمد لانه ظل لا شمس معه وذلك الوقت على القولين اطيب الاوقات لان الظلمة الخالصة تنفر الطبيعة عنها وتسد النظر وشعاع الشمس يكل البصر وحرها يسخن الجور ولذلك وصفت الجنة بمد الظل قال الله سبحانه {وظل ممدود} وجملة (كيف مد الظل) مستأنفة (وكيف) حال وهذا الاستئناف نحوي بمعنى انه لم يتقدمها طالب رفع أو نصب أو جر او جزم أو الجملة بدل وسيأتي كلام ان شاء الله في {أفلا ينظرون إلى الابل كيف خلقت}. {وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً} بان لا يطلع عليه الشمس فيكون ساكنا ابدا لا يزول بل لو شاء لم يزل بطلوعها وذلك قول مجاهد. أو المراد بمد الظل بسطه في مواضعه التي هو فيها يعقبه لنقص أو زيد ففي المساء يزيد وفي الصباح ينقص وبذلك ينتفع الخلق وعلى هذا فجعله ساكنا جعله لاصقا باصل كل مظل من جبل وبناء وشجرة ونحو ذلك غير منبسط بان يجعل الشمس ابدا على وضع واحد وفي تسميته ساكنا ما يدل على تسميته متحركا في قوله: (مد الظل) فكأنه قال: حرك الظل ولزم من التحريك التحرك. وعن بعض ان المراد جعله ابدا لا يتحرك بان يجعل الشمس كحالها قبيل الزوال * {ثُمَّ جَعَلْنَا} التفات من الغيبة إلى التكلم. {الشَّمْسَ عَلَيْهِ} على الظل * {دَلِيلاً} فانه لا يظهر الحسن حتى تطلع الشمس في بعض الاجرام وانما تعلقنا الظل وتصورناه لتميزه بالشمس. حكى الطبري انه لولا الشمس لم يعلم ان الظل شيء ولولا الشمس لما عرف الظل ولولا النور لما عرفت الظلمة والاشياء تعرف باضدادها والظل الذي في الليل ولو تصورته فالاعتبار زوال الشمس أو معنى كون الشمس دليلا عليه ان الناس يستدلون بالشمس وباحوالها في مسيرها على احوال الظل من كونه ثابتا في مكان وزائلا ومتسعا ومتقلصا فيبينون حاجتهم إلى الظل واستغنائهم عنه على حسب ذلك. وقيل: معنى كونها دليلا انها تتبعه وتقبضه.
اطفيش
تفسير : {ألَم تَرَ} ببصرك {إلى ربِّكَ} الى دلائل ربِّك أو ألم ينته علمك الى دلائله، ومنها بسط الظل كما قال: {كيف مدَّ الظلَّ} أطاله بعد الفجر، وقيل ما بين الفجر وطلوع الشمس، وهو أطيب الأوقات لانتفاء الظلمة، وشعاع الشمس القاهر للبصر، وقيل ظل الليل على أن الظل عدم الشمس عن موضع، ولو لم تكن فيه كما يقال: ظل الجنة قال الله جل وعلا: "أية : وظل ممدود"تفسير : [الواقعة: 30] ولا سيما أن ظل الليل عن شمس الغروب، وظل الفجر عن افق الشرق، ولو كان لا يعهد تسميتهما ظلا، وقيل ظل الاجرام المتشخصة كظل شجرة وحائط وجبل، أو النهار أو كل ذلك، أو مدة تحريكه كما قال: {ولو شاء لجعله ساكناً} لا يزيد ولا ينقص، ومقابل السكون على الأقوال نقصه شيئا فشيئاً، وهو تحريك وهو للصلوات كالأهلة مواقيت للناس {ثم جَعَلنا الشَّمس} أى طلوعها {عليه} على ظهوره {دليلا} فانه اذا وقع وضوؤها على شىء ظهر أن الظل شىء زائد على الجسم والضد يظهر حاله الضد.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظّلَّ } الخ بيان لبعض دلائل التوحيد إثر بيان جهالة المعرضين عنها وضلالهم، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والهمزة للتقرير والرؤية بصرية لأنها التي تتعدى بإلى، وفي الكلام مضاف مقدر حذف وأقيم المضاف إليه مقامه أي ألم تنظر إلى صنع ربك لأنه ليس المقصود رؤية ذات الله عز وجل، وكون ـ إلى ـ اسماً واحد الآلاء وهي النعم بعيد جداً، وجوز أن تكون علمية وليس هناك مضاف مقدر وتعديتها بإلى لتضمين معنى الانتهاء أي ألم ينته علمك إلى أن ربك كيف مد الظل والأول أولى. وذكر بعض الأجلة أنه يحتمل أن يكون حق التعبير ألم تر إلى الظل كيف مده ربك فعدل عنه إلى ما في النظم الجليل / إشعاراً بأن المعقول المفهوم من هذا الكلام لوضوح برهانه وهو دلالة حدوثه وتصرفه على الوجه النافع بأسباب ممكنة على أن ذلك فعل الصانع الحكيم كالمشاهد المرئي فكيف بالمحسوس منه، وقال الفاضل الطيبـي: لو قيل ألم تر إلى الظل كيف مده ربك كان الانتقال من الأثر إلى المؤثر والذي عليه التلاوة كان عكسه والمقام يقتضيه لأن الكلام في تقريع القوم وتجهيلهم في اتخاذهم الهوى إلها مع وضوح هذه الدلائل ولذلك جعل ما يدل على ذاته تعالى مقدماً على أفعاله في سائر آياته {أية : وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ } تفسير : [الفرقان: 47] {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى أَرْسَلَ ٱلرّيَـٰحَ }تفسير : [الفرقان: 48] {أية : وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا }تفسير : [الفرقان: 51] وروى السلمي في «الحقائق» عن بعضهم مخاطبة العام {أية : أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ }تفسير : [الغاشية: 17] ومخاطبة الخاص {أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبّكَ } انتهى، وفي «الإرشاد» ((لعل توجيه الرؤية إليه سبحانه مع أن المراد تقرير رؤيته عليه الصلاة والسلام لكيفية مد الظل للتنبيه على أن نظره عليه الصلاة والسلام غير مقصور على ما يطالعه من الآثار والصنائع بل مطمح أنظاره صلى الله عليه وسلم معرفة شؤون الصانع المجيد)) جل جلاله ولعل هذا هو سر ما روي عن السلمي، وقيل: إن التعبير المذكور للإشعار بأن المقصود العلم بالرب علماً يشبه الرؤية، ونقل الطبرسي عن الزجاج أنه فسر الرؤية بالعلم وذكر أن الكلام من باب القلب، والتقدير ألم تر إلى الظل كيف مده ربك ولا حاجة إلى ذلك. والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام لتشريفه صلى الله عليه وسلم وللإيذان بأن ما يعقبه من آثار ربوبيته تعالى ورحمته جل وعلا، {وَكَيْفَ } منصوب بمد على الحالية وهي معلقة لتر إن لم تكن الجملة مستأنفة، وفي «البحر» أن الجملة الاستفهامية التي يتعلق عنها فعل القلب ليس باقية على حقيقة الاستفهام وفيه بحث، وذكر بعض الأفاضل أن كيف للاستفهام وقد تجرد عن الاستفهام وتكون بمعنى الحال نحو انظر إلى كيف تصنع، وقد جوزه الدماميني في هذه الآية على أنه بدل اشتمال من المجرور وهو بعيد انتهى، ولا يخفى أنه يستغني على ذلك عن اعتبار المضاف لكنه لا يعادل البعد. والمراد بالظل على ما رواه جماعة عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن وأيوب بن موسى وإبراهيم التيمي والضحاك وأبـي مالك الغفاري وأبـي العالية وسعيد بن جبير ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس وذلك أطيب الأوقات فإن الظلمة الخالصة تنفر عنها الطباع وتسد النظر وشعاع الشمس يسخن الجو ويبهر البصر، ومن هنا كان ظل الجنة ممدوداً كما قال سبحانه: {أية : وَظِلّ مَّمْدُودٍ } تفسير : [الواقعة: 30]. وقيل: المراد به ما يكون من مقابلة كثيف كجبل أو بناء أو شجر للشمس عند ابتداء طلوعها، ومد الظل من باب ضيق فم القربة، فالمعنى ألم تنظر إلى صنع ربك كيف أنشأ ظلاً أي مظلاً كان عند ابتداء طلوع الشمس ممتداً إلى ما شاء الله عز وجل واختاره شيخ الإسلام وتعقب ما تقدم بقوله: غير سديد إذ لا ريب في أن المراد تنبيه الناس على عظيم قدرة الله عز وجل وبالغ حكمته سبحانه فيما يشاهدونه فلا بد أن يراد بالظل ما يتعارفونه من حالة مخصوصة يشاهدونها في موضع يحول بينه وبين الشمس جسم مخالفة لما في جوانبه من مواقع ضح الشمس، وما ذُكر وإن كان في الحقيقة ظلاً للأفق الشرقي لكنهم لا يعدونه ظلاً ولا يصفونه بأوصافه المعهودة اهـ وفيه منع ظاهر، وهو أظهر على ما ذكره أبو حيان في الاعتراض على ذلك من أنه لا يسمى ظلاً فقد قال الراغب وكفى به حجة في اللغة ((الظل ضد الضح وهو أعم من الفىء فإنه يقال: ظل الليل وظل الجنة ويقال لكل موضع لم تصل إليه الشمس ظل ولا يقال الفىء إلا لما زال عنه الشمس)) انتهى، وظاهر قوله تعالى: {أية : وَظِلّ مَّمْدُودٍ }تفسير : [الواقعة: 30] في وصف الجنة يقتضي أنهم يعدون مثل ما ذكر ظلاً. وقيل: هو ما كان من غروب / الشمس إلى طلوعها وحكي ذلك عن الجبائي والبلخي. وقيل: هو ما كان يوم خلق الله تعالى السماء وجعلها كالقبة ودحا الأرض من تحتها فألقت ظلها عليها وليس بشيء، وإن فسر {أَلَمْ تَرَ } بألم تعلم لما في تطبيق ما يأتي من تتمة الآية عليه من التكلف وارتكاب خلاف الظاهر، وربما يفوت عليه المقصود الذي سيق له النظم الكريم، وربما يختلج في بعض الأذهان جواز أن يراد به ما يشمل جميع ما يصدق عليه أنه ظل فيشمل ظل الليل وما بين الفجر وطلوع الشمس وظل الأشياء الكثيفة المقابلة للشمس كالجبال وغيرها فإذا شرع في تطبيق الآية على ذلك عدل عنه كما لا يخفى، وللصوفية في ذلك كلام طويل سنذكر إن شاء الله تعالى شيئاً منه، وجمهور المفسرين على الأول، والقول الثاني أسلم من القال والقيل. وقوله تعالى: {وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِناً } جملة اعتراضية بين المتعاطفين للتنبيه من أول الأمر على أنه لا مدخل للأسباب العادية من قرب الشمس إلى الأفق الشرقي على الأول أو قيام الشاخص الكثيف على الثاني، وإنما المؤثر فيه حقيقة المشيئة والقدرة، ومفعول المشيئة محذوف وهو مضمون الجزاء كما هو القاعدة المستمرة في أمثال هذا التركيب أي ولو شاء جعله ساكناً لجعله ساكناً أي ثابتاً على حاله ظلاً أبداً كما فعل عز وجل في ظل الجنة أو لجعله ثابتاً على حاله من الطول والامتداد وذلك بأن لا يجعل سبحانه للشمس على نسخه سبيلاً بأن يطلعها ولا يدعها تنسخه أو بأن لا يدعها تغيره باختلاف أوضاعها بعد طلوعها، وقيل: بأن يجعلها بعد الطلوع مقيمة على وضع واحد وليس بذاك، وإنما عبر عن ذلك بالسكون قيل: لما أن مقابله الذي هو زواله لما كان تدريجياً كان أشبه شيء بالحركة، وقيل: لما أن مقابله الذي هو تغير حاله حسب تغير الأوضاع بين الظل وبين الشمس يرى رأي العين حركة وانتقالاً. وأفاد الزمخشري أنه قوبل مد الظل الذي هو انبساطه وامتداده بقوله تعالى: {سَاكِناً } والسكون إنما يقابل الحركة فيكون قد أطلق {مَدَّ ٱلظّلَّ } على الحركة مجازاً من باب تسمية الشيء باسم ملابسه أو سببه كما قرره الطيبـي وذكر أنه عدل عن حرك إلى مد مع أنه أظهر من مد في تناوله الانبساط والامتداد ليدمج فيه معنى الانتفاع المقصود بالذات وهو معرفة أوقات الصلوات فإن اعتبار الظل فيها بالامتداد دون الانبساط وتمم معنى الإدماج بقوله تعالى: {أية : ثُمَّ قَبَضْنَـٰهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً } تفسير : [الفرقان: 46] أي بالتدرج والمهل لمعرفة الساعات والأوقات وفيه لمحة من معنى قوله تعالى: {أية : يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ }تفسير : [البقرة: 189] اهـ. ولا يبعد أن يقال: إن التعبير بمد لما أن الظل المذكور ظل الأفق الشرقي، وقد اعتبر المشرق والمغرب طرفي جهتي الأرض طولاً والشمال والجنوب طرفي جهتيها عرضاً أو لأن ظهوره في الأرض وطول المعمور منها الذي يسكنه من يشاهد الظل أكثر من عرض المعمور منها إذ الأول كما هو المشهور نصف دور أعني مائة وثمانين درجة، والثاني دون ذلك على جميع الأقوال فيه فيكون الظل بالنظر إلى الرائين في المعمور من الأرض ممتداً ما بين جهتي شرقيه وغربيه أكثر مما بين جهتي شماليه وجنوبيه، وربما يقال: إن ذلك لما أن مبدأ الظل الفجر الأول وضوؤه يرى مستطيلاً ممتداً كذنب السرحان ويلتزم القول بأنه لا يذهب بالكلية وإن ضعف بل يبقى حتى يمده ضوء الفجر الثاني فيرى منبسطاً والله تعالى أعلم. وقوله سبحانه: {ثُمَّ جَعَلْنَا ٱلشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً } عطف على {مَدَّ } داخل في حكمه أي ثم جعلنا طلوع الشمس دليلاً على ظهوره للحس فإن الناظر إلى الجسم الملون حال قيام / الظل عليه لا يظهر له شيء سوى الجسم ولونه ثم إذا طلعت الشمس ووقع ضوؤها على الجسم ظهر له أن الظل كيفية زائدة على الجسم ولونه:شعر : والضد يظهر حاله الضد تفسير : قاله الرازي والطبري وغيرهما، وقيل: أي ثم جعلناها دليلاً على وجوده أي علة له لأن وجوده بحركة الشمس إلى الأفق وقربها منه عادة ولا يخفى ما فيه أو ثم جعلناها علامة يستدل بأحوالها المتغيرة على أحواله من غير أن يكون بينهما سببية وتأثير قطعاً حسبما نطق به الشرطية المعترضة، ومن الغريب الذي لا ينبغي أن يخرج عليه كلام الله تعالى المجيد أن على بمعنى مع أي ثم جعلنا الشمس مع الظل دليلاً على وحدانيتنا على معنى جعلنا الظل دليلاً وجعلنا الشمس دليلاً على وحدانيتنا. والالتفات إلى نون العظمة للإيذان بعظم قدر هذا الجعل لما يستتبعه من المصالح التي لا تحصى أو لما في الجعل المذكور العاري عن التأثير مع ما يشاهد بين الظل والشمس من الدوران المطرد المنبـىء عن السببية من مزيد الدلالة على عظم القدرة ودقة الحكمة، و(ثم) إما للتراخي الرتبـي ويعلم وجهه مما ذكر، وإما للتراخي الزماني كما هو حقيقة معناها بناءً على طول الزمان بين ابتداء الفجر وطلوع الشمس.
سيد قطب
تفسير : في هذا الشوط يدع مقولات المشركين وجدالهم مع الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليبدأ جولة في مشاهد الكون ومجاليه، يوجه إليها قلب الرسول ويصل بها مشاعره. وهذا الاتصال كاف وحده ليدفع خاطره عن مضايقات المشركين الصغيرة؛ ويفتح قلبه على تلك الآفاق الوسيعة التي يتضاءل معها كيد الكائدين وعداوة المجرمين.. والقرآن يوجه القلوب والعقول دائماً إلى مشاهد هذا الكون؛ ويربط بينهما وبين العقول والقلوب. ويوقظ المشاعر لاستقبالها بحس جديد متفتح، يتلقى الأصداء والأضواء، وينفعل بها ويستجيب، ويسير في هذا الكون ليلتقط الآيات المبثوثة في تضاعيفه، المنثورة في أرجائه، المعروضة في صفحاته، ويرى فيها يد الصانع المدبر، ويستشعر آثار هذه اليد في كل ما تقع عليه عينه، وكل ما يلمسه حسه، وكل ما يلتقطه سمعه؛ ويتخذ من هذا كله مادة للتدبر والتفكر، والاتصال بالله، عن طريق الاتصال بما صنعت يداه. وحين يعيش الإنسان في هذا الكون مفتوح العين والقلب، مستيقظ الحس والروح، موصول الفكر والخاطر؛ فإن حياته ترتفع عن ملابسات الأرض الصغيرة، وشعوره بالحياة يتسامى ويتضاعف معاً. وهو يحس في كل لحظة أن آفاق الكون أفسح كثيراً من رقعة هذه الأرض؛ وأن كل ما يشهده صادر عن إرادة واحدة، مرتبط بناموس واحد، متجه إلى خالق واحد؛ وإن هو إلا واحد من هذه المخلوقات الكثيرة المتصلة بالله؛ ويد الله في كل ما حوله، وكل ما تقع عليه عينه، وكل ما تلمسه يداه. إن شعوراً من التقوى، وشعوراً من الأنس، وشعوراً من الثقة لتمتزج في حسه، وتفيض على روحه، وتعمر عالمه، فتطبعه بطابع خاص من الشفافية والمودة والطمأنينة في رحلته على هذا الكوكب حتى يلقى الله. وهو يقضي هذه الرحلة كلها في مهرجان من صنع الله وعلى مائدة من يد الصانع المدبر الجميل التنسيق. وفي هذا الدرس يتنقل السياق من مشهد الظل اللطيف، ويد الله تمده ثم تقبضه في يسر ولطف. إلى مشهد الليل وما فيه من نوم وسبات، والنهار وما فيه من حركة وانبعاث. إلى مشهد الرياح تبشر بالرحمة ثم يعقبها الماء المحيي للموات. إلى مشهد البحرين الفرات والأجاج وبينهما برزخ يمنعهما ويحجز بينهما فلا يختلطان. ومن ماء السماء إلى ماء النطفة، وإذا هو بشر يصرف الحياة. إلى مشهد خلق السماوات والأرض في ستة أيام. إلى مشهد البروج في السماء وما فيها من سراج مضيء وقمر منير. إلى مشهد الليل والنهار يتعاقبان على مدار الزمان. وفي خلال هذه المشاهد الموحية يوقظ القلب وينبه العقل إلى تدبر صنع الله فيها؛ ويذكر بقدرته وتدبيره؛ ويعجب معه إشراك المشركين، وعبادتهم مالا ينفعهم ولا يضرهم، وجهلهم بربهم وتطاولهم عليه، وتظاهرهم على الكفر والجحود والنكران. فإذا هو تصرف عجيب مريب في وسط هذا الحشد المعروض من آيات الله، ومشاهد الكون الذي خلقه الله. فلنعش نحن لحظات في ذلك المهرجان الذي يدعونا الخالق البارىء المصور إليه في طول الحياة. {ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ـ ولو شاء لجعله ساكناً ـ ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً ثم قبضناه إلينا قبضاً يسيراً}.. إن مشهد الظل الوريف اللطيف ليوحي إلى النفس المجهودة المكدودة بالراحة والسكن والأمان. وكأنما هو اليد الآسية الرحيمة تنسم على الروح والبدن، وتمسح على القرح والألم، وتهدهد القلب المتعب المكدود.. أفهذا الذي يريده الله سبحانه وهو يوجه قلب عبده إلى الظل بعدما ناله من استهزاء ولأواء؟ وهو يمسح على قلبه المتعب في هذه المعركة الشاقة، وهو في مكة يواجه الكفر والكبر والمكر والعناد، في قلة من المؤمنين وكثرة من المشركين؛ ولم يؤذن له بعد في مقابلة الاعتداء بمثله وفي رد الأذى والتهجم والاستهزاء؟! إن هذا القرآن الذي كان يتنزل على قلب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان هو البلسم المريح، والظل الظليل، والروح المحيي في هجير الكفر والجحود والعصيان. وإن الظل ـ وبخاصة في هجير الصحراء المحرق ـ لهو المشهد الذي يتناسق مع روح السورة كلها وما فيها من أنداء وظلال. والتعبير يرسم مشهد الظل ويد الله الخفية التدبير تمده في رفق، وتقبضه في لطف: {ألم تر إلى ربك كيف مد الظل؟}.. {ثم قبضناه إلينا قبضاً يسيراً}.. والظل هو ما تلقيه الأجرام من الظلمة الخفيفة حين تحجب أشعة الشمس في النهار. وهو يتحرك مع حركة الأرض في مواجهة الشمس، فتتغير أوضاعه وامتداداته وأشكاله؛ والشمس تدل عليه بضوئها وحرارتها، وتميز مساحته وامتداده وارتداده. ومتابعة خطوات الظل في مده وانقباضه يشيع في النفس نداوة وراحة كما يثير فيها يقظة لطيفة شفيفة، وهي تتتبع صنع البارئ اللطيف القدير.. وإن مشهد الظلال والشمس مائلة للمغيب، وهي تطول وتطول، وتمتد وتمتد. ثم في لحظة. لحظة واحدة ينظر الإنسان فلا يجدها جميعاً. لقد اختفى قرص الشمس وتوارت معه الظلال. أين تراها ذهبت؟ لقد قبضتها اليد الخفية التي مدتها. لقد انطوت كلها في الظل الغامر الطامي. ظل الليل والظلام! إنها يد القدرة القوية اللطيفة. التي يغفل البشر عن تتبع آثارها في الكون من حولهم وهي تعمل دائبة لا يدركها الكلال. {ولو شاء لجعله ساكناً}.. فبناء الكون المنظور على هذا النسق، وتنسيق المجموعة الشمسية هذا التنسيق هو الذي جعل الظل متحركاً هذه الحركة اللطيفة. ولو اختلف ذلك النسق أقل اختلاف لاختلفت آثاره في الظل الذي نراه. لو كانت الأرض ثابتة لسكن الظل فوقها لا يمتد ولا يقبض. ولو كانت سرعتها أبطأ أو أسرع مما هي عليه لكان الظل في امتداده وقبضه أبطأ أو أسرع. فتنسيق الكون المنظور على ناموسه هذا هو الذي يسمح بظاهرة الظل، ويمنحها خواصها التي نراها. وهذا التوجيه إلى تلك الظاهرة التي نراها كل يوم، ونمر بها غافلين، هو طرف من منهج القرآن في استحياء الكون دائماً في ضمائرنا، وفي إحياء شعورنا بالكون من حولنا، وفي تحريك خوامد إحساسنا التي افقدها طول الألفة إيقاع المشاهد الكونية العجيبة. وطرف من ربط العقول والقلوب بهذا الكون الهائل العجيب. ومن مشهد الظل إلى مشهد الليل الساتر، والنوم الساكن، والنهار وما فيه من حركة ونشور: {وهو الذي جعل لكم الليل لباساً، والنوم سباتاً، وجعل النهار نشوراً}.. والليل يستر الأشياء والأحياء فتبدو هذه الدنيا وكأنها تلبس الليل وتتشح بظلامه فهو لباس. وفي الليل تنقطع الحركة ويسكن الدبيب وينام الناس وكثير من الحيوان والطيور والهوام. والنوم انقطاع عن الحس والوعي والشعور. فهو سبات. ثم يتنفس الصبح وتنبعث الحركة، وتدب الحياة في النهار. فهو نشور من ذلك الموت الصغير، الذي يتداول الحياة على هذه الأرض مع البعث والنشور مرة في كل دورة من دورات الأرض الدائبة التي لا يصيبها الكلال. وهي تمر بالبشر وهم غافلون عما فيها من دلالة على تدبير الله، الذي لا يغفل لحظة ولا ينام. ثم ظاهرة الرياح المبشرة بالمطر وما يبثه من حياء: {وهو الذي أرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته، وأنزلنا من السماء ماء طهوراً، لنحيي به بلدة ميتاً، ونسقيه مما خلقنا أنعاماً وأناسي كثيراً}.. والحياة على هذه الأرض كلها تعيش على ماء المطر إما مباشرة، وإما بما ينشئه من جداول وأنهار على سطح الأرض. ومن ينابيع وعيون وآبار من المياه الجوفية المتسربة إلى باطن الأرض منه، ولكن الذين يعيشون مباشرة على المطر هم الذين يدركون رحمة الله الممثلة فيه إدراكاً صحيحاً كاملاً. وهم يتطلعون إليه شاعرين بأن حياتهم كلها متوقفة عليه، وهم يترقبون الرياح التي يعرفونها تسوق السحب، ويستبشرون بها؛ ويحسون فيها رحمة الله ـ إن كانوا ممن شرح الله صدورهم للإيمان. والتعبير يبرز معنى الطهارة والتطهير: {وأنزلنا من السماء ماء طهوراً} وهو بصدد ما في الماء من حياة. {لنحيي به بلدة ميتاً، ونسقيه مما خلقنا أنعاماً وأناسي كثيراً} فيلقي على الحياة ظلاً خاصاً. ظل الطهارة. فالله سبحانه أراد الحياة طاهرة نقية وهو يغسل وجه الأرض بالماء الطهور الذي ينشئ الحياة في الموات ويسقي الأناسي والأنعام. وعند هذا المقطع من استعراض المشاهد الكونية يلتفت إلى القرآن النازل من السماء كذلك لتطهير القلوب والأرواح؛ وكيف يستبشرون بالماء المحيي للأجسام ولا يستبشرون بالقرآن المحيي للأرواح: {ولقد صرفناه بينهم ليذكروا، فأبى أكثر الناس إلا كفوراً، ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً. فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيراً}.. {ولقد صرفناه بينهم ليذكروا}.. فعرضناه عليهم في صور شتى، وأساليب متعددة، ولفتات متنوعة؛ وخاطبنا به مشاعرهم ومداركهم، وأرواحهم وأذهانهم؛ ودخلنا عليهم به من كل باب من أبواب نفوسهم، وبكل وسيلة تستجيش ضمائرهم.. {ليذكروا}.. فما يحتاج الأمر إلى أكثر من التذكر. والحقيقة التي يحاول القرآن ردهم إليها مركوزة في فطرتهم، أنساهم إياها الهوى الذي اتخذوا منه إلهاً.. {فأبى أكثر الناس إلا كفوراً}. ومهمة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذن ضخمة شاقة؛ وهو يواجه البشرية كلها وأكثرها أضله الهوى، وأبى إلا الكفر ودلائل الإيمان حاضرة.. {ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً}.. فتوزع المشقة، وتخف المهمة. ولكن الله اختار لها عبداً واحداً، هو خاتم الرسل؛ وكلفه إنذار القرى جميعاً، لتتوحد الرسالة الأخيرة، فلا تتفرق على ألسنة الرسل في القرى المتفرقة، وأعطاه القرآن ليجاهدهم به: {فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيراً}.. وإن في هذا القرآن من القوة والسلطان، والتأثير العميق، والجاذبية التي لا تقاوم، ما كان يهز قلوبهم هزاً، ويزلزل أرواحهم زلزالاً شديداً؛ فيغالبون أثره بكل وسيلة فلا يستطيعون إلى ذلك سبيلاً. ولقد كان كبراء قريش يقولون للجماهير: {أية : لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون}.. تفسير : وكانت هذه المقالة تدل على الذعر الذي تضطرب به نفوسهم ونفوس أتباعهم من تأثير هذا القرآن؛ وهم يرون هؤلاء الأتباع كأنما يسحرون بين عشية وضحاها من تأثير الآية والآيتين، والسورة والسورتين، يتلوهما محمد بن عبد الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فتنقاد إليه النفوس، وتهوى إليه الأفئدة. ولم يقل رؤساء قريش لأتباعهم وأشياعهم هذه المقالة، وهم في نجوة من تأثير هذا القرآن. فلولا أنهم أحسوا في أعماقهم هزة روعتهم ما أمروا هذا الأمر، وما أشاعوا في قومهم بهذا التحذير، الذي هو أدل من كل قول على عمق التأثير! قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري أنه حُدِّث: أن أبا سفيان بن حرب، وأبا جهل ابن هشام، والأخنس بن شريق بن عمر بن وهب الثقفي حليف بني زهرة.. خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يصلي من الليل في بيته. فأخذ كل رجل منهم مجلساً يستمع فيه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فتلاوموا، وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا، فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئاً! ثم انصرفوا. حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة! ثم انصرفوا. حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض: لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود! فتعاهدوا على ذلك، ثم تفرقوا. "فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه. ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته، فقال: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد. فقال: يا أبا ثعلبة، والله لقد سمعت أشياء أعرفها، وأعرف ما يراد بها؛ وسمعت أشياء ما عرفت معناها، ولا ما يراد بها. قال الأخنس: وأنا والذي حلفت به. قال: ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل، فدخل عليه بيته، فقال: يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال: ماذا سمعت؟! تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف. أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء. فمتى ندرك مثل هذه؟ والله لا نؤمن به أبداً ولا نصدقه!! قال: فقام عنه الأخنس وتركه". فهكذا كانوا يغالبون أنفسهم أن تهفو إلى هذا القرآن فتغلبهم، لولا أن يتعاهدوا وهم يحسون ما يتهدد زعامتهم، لو اطلع عليهم الناس، وهم مأخوذون شبه مسحورين! وإن في القرآن من الحق الفطري البسيط، لما يصل القلب مباشرة بالنبع الأصيل، فيصعب أن يقف لهذا النبع الفوار، وأن يصد عنه تدفق التيار. وأن فيه من مشاهد القيامة، ومن القصص، ومن مشاهد الكون الناطقة، ومن مصارع الغابرين، ومن قوة التشخيص والتمثيل، لما يهز القلوب هزاً لا تملك معه قراراً. وإن السورة الواحدة لتهز الكيان الإنساني في بعض الأحيان، وتأخذ على النفس أقطارها ما لا يأخذه جيش ذو عدة وعتاد!! فلا عجب مع ذلك أن يأمر الله نبيه أن لا يطيع الكافرين، وألا يتزحزح عن دعوته وأن يجاهدهم بهذا القرآن. فإنما يجاهدهم بقوة لا يقف لها كيان البشر، ولا يثبت لها جدال أو محال. وبعد هذه اللفتة يعود إلى مشاهد الكون، فيعقب على مشهد الرياح المبشرة والماء الطهور، بمشهد البحار العذبة والملحة وما بينهما من حجاز: {وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات، وهذا ملح أجاج؛ وجعل بينهما برزخاً، وحجراً محجوراً}.. وهو الذي ترك البحرين، الفرات العذب والملح المر، يجريان ويلتقيان، فلا يختلطان ولا يمتزجان؛ إنما يكون بينهما برزخ وحاجز من طبيعتهما التي فطرها الله. فمجاري الأنهار غالباً أعلى من سطح البحر، ومن ثم فالنهر العذب هو الذي يصب في البحر الملح، ولا يقع العكس إلا شذوذاً. وبهذا التقدير الدقيق لا يطغى البحر ـ وهو أضخم وأغزر ـ على النهر الذي منه الحياة للناس والأنعام والنبات. ولا يكون هذا التقدير مصادفة عابرة وهو يطرد هذا الاطراد. إنما يتم بإرادة الخالق الذي أنشأ هذا الكون لغاية تحققها نواميسه في دقة وإحكام. وقد روعي في نواميس هذا الكون ألا تطغى مياه المحيطات الملحة لا على الأنهار ولا على اليابسة حتى في حالات المد والجزر التي تحدث من جاذبية القمر للماء الذي على سطح الأرض، ويرتفع بها الماء ارتفاعاً عظيماً. يقول صاحب كتاب: الإنسان لا يقوم وحده (العلم يدعو إلى الإيمان): "يبعد القمر عنا مسافة مائتين وأربعين ألفاً من الأميال، ويذكرنا المد الذي يحدث مرتين تذكيراً لطيفاً بوجود القمر. والمد الذي يحدث بالمحيط قد يرتفع إلى ستين قدماً في بعض الأماكن. بل إن قشرة الأرض تنحني مرتين نحو الخارج مسافة عدة بوصات بسبب جاذبية القمر. ويبدو لنا كل شيء منتظماً لدرجة أننا لا ندرك القوة الهائلة التي ترفع مساحة المحيط كلها عدة أقدام، وتنحني قشرة الأرض التي تبدو لنا صلبة للغاية". "والمريخ له قمر. قمر صغير. لا يبعد عنه سوى ستة آلاف من الأميال. ولو كان قمرنا يبعد عنا خمسين ألف ميل مثلاً، بدلاً من المسافة الشاسعة التي يبعد بها عنا فعلاً، فإن المد كان يبلغ من القوة بحيث أن جميع الأراضي التي تحت منسوب الماء كانت تغمر مرتين في اليوم بماء متدفق يزيح بقوته الجبال نفسها. وفي هذه الحالة ربما كانت لا توجد الآن قارة قد ارتفعت من الأعماق بالسرعة اللازمة، وكانت الكرة الأرضية تتحطم من هذا الاضطراب، وكان المد الذي هو في الهواء يُحدث أعاصير كل يوم". "وإذا فرضنا أن القارات قد اكتسحت، فإن معدل عمق الماء فوق الكرة الأرضية كلها يكون نحو ميل ونصف. وعندئذ ما كانت الحياة لتوجد إلا في أعماق المحيط السحيقة على وجه الاحتمال؟ ". ولكن اليد التي تدبر هذا الكون مرجت البحرين وجعلت بينهما برزخاً وحاجزاً من طبيعتهما ومن طبيعة هذا الكون المتناسق الذي تجري مقاديره بيد الصانع المدبر الحكيم، هذا الجري المقدر المنسق المرسوم. ومن ماء السماء وماء البحر والنهر إلى ماء النطفة الذي تنشأ منه الحياة البشرية المباشرة: {وهو الذي خلق من الماء بشراً، فجعله نسباً وصهراً، وكان ربك قديراً}.. فمن هذا الماء يتخلق الجنين: ذكراً فهو نسب، وأنثى فهو صهر، بما أنها موضع للصهر. وهذه الحياة البشرية الناشئة من هذا الماء أعجب وأضخم من تلك الحياة الناشئة من ماء السماء. فمن خلية واحدة (من عشرات الألوف الكامنة في نقطة واحدة من ماء الرجل) تتحد ببويضة المرأة في الرحم، ينشأ ذلك الخلق المعقد المركب.. الإنسان.. أعجب الكائنات الحية على الإطلاق! ومن الخلايا المتشابهة والبويضات المتشابهة ينشأ ذكور وإناث بطريقة عجيبة، لا يدرك البشر سرها، ولا يستطيع علم البشر ضبطها أو تعليلها. فما من خلية من آلاف الخلايا يمكن أن تلحظ فيها مميزات معروفة هي التي تؤهلها لأن تنتج ذكراً أو أنثى، وما من بويضة كذلك لوحظ فيها مثل هذه الميزات.. ومع ذلك تصير هذه إلى أن تكون رجلاً، وهذه إلى أن تكون امرأة، في نهاية المطاف! {وكان ربك قديراً}.. وها هي ذي القدرة تكشف عن طرف منها في هذا العجب العجاب! ولو راح الإنسان يدقق في هذا الماء الذي يخلق منه الإنسان، لأدركه الدوار وهو يبحث عن خصائص الإنسان الكاملة الكامنة في الأجسام الدقيقة البالغة الدقة، التي تحمل عناصر الوراثة للجنس كله، وللأبوين وأسرتيهما القريبتين، لتنقلها إلى الجنين الذكر والجنين الأنثى كل منهما بحسب ما ترسم له يد القدرة من خلق واتجاه في طريق الحياة. وهذه لمحات من كتاب: "الإنسان لا يقوم وحده" عن خصائص الوراثة الكامنة في تلك الذريرات الصغيرة: "كل خلية ذكراً أو أنثى. تحتوي على كروموزومات وجينات (وحدات الوراثة) والكروموزومة تكون النوية (نواة صغيرة) المعتمة التي تحتوي الجينة. والجينات هي العامل الرئيسي الحاسم فيما يكون عليه كل كائن حي أو إنسان. والسيتوبلازم هي تلك التركيبات الكيماوية العجيبة التي تحيط بالاثنتين. وتبلغ الجينات (وحدات الوراثة) من الدقة أنها ـ وهي المسؤولة عن المخلوقات البشرية جميعاً، التي على سطح الأرض من حيث خصائصها الفردية وأحوالها النفسية وألوانها وأجناسها ـ لو جمعت كلها ووضعت في مكان واحد، لكان حجمها أقل من حجم "الكستبان"!" "وهذه الجينات الميكروسكوبية البالغة الدقة هي المفاتيح المطلقة لخواص جميع البشر والحيوانات والنباتات. "والكستبان" الذي يسع الصفات الفردية لبليونين من البشر هو بلا ريب مكان صغير الحجم. ومع ذلك فإن هذه هي الحقيقة التي لا جدال فيها". "وإن الجنين وهو يخلص في تطوره التدريجي من النطفة (البروتوبلازم) إلى الشبه الجنسي، إنما يقص تاريخاً مسجلاً، قد حفظ وعبر عنه بالتنظيم الذري في الجينات والسيتوبلازم". ..."لقد رأينا أن الجينات متفق على كونها تنظيمات أصغر من الميكروسكوبية للذرات، في خلايا الوراثة بجميع الكائنات الحية. وهي تحفظ التصميم، وسجل السلف، والخواص التي لكل شيء حي. وهي تتحكم تفصيلاً في الجذر والجذع والورق والزهر والثمر لكل نبات. تماماً كما تقرر الشكل، والقشر، والشعر، والأجنحة لكل حيوان بما فيه الإنسان". وبهذا القدر نكتفي من عجائب الحياة، التي أودعتها إياها القدرة الخالقة المدبرة. {وكان ربك قديراً}.. وفي مثل هذا الجو. جو الخلق والتقدير. وأمام تلك الحياة الناشئة من ماء السماء وماء النطفة. المزودة بتلك الخصائص، التي تجعل من خلية ذكراً بمميزاته كلها ووراثاته، وتجعل من خلية أنثى بمميزاتها كذلك ووراثاتها.. في مثل هذا الجو تبدو عبادة غير الله شيئاً مستغرباً مستنكراً تشمئز منه الفطرة.. وهنا يعرض عباداتهم من دون الله. {ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم. وكان الكافر على ربه ظهيراً}.. {وكان الكافر على ربه ظهيراً}.. كل كافر ـ ومشركو مكة من ضمنهم! ـ إنما هو حرب على ربه الذي خلقه وسواه. فكيف ذلك، وهو صغير ضئيل لا يبلغ أن يكون حرباً ولا ضداً على الله؟ إنه حرب على دينه. وحرب على منهجه الذي أراده للحياة. إنما يريد التعبير أن يفظع جريمته ويبشعها، فيصوره حرباً على ربه ومولاه! فهو يحارب ربه حين يحارب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ورسالته، فلا على الرسول منه، فإنما الحرب مع الله، وهو به كفيل. ثم يطمئن الله عبده، ويخفف العبء عن عاتقه، ويشعره أنه حين يؤدي واجبه في التبشير والإنذار، وجهاد الكفار بما معه من قرآن فلا عليه من عداء المجرمين له ولا عناد الكافرين. والله يتولى عنه المعركة مع أعدائه الذين إنما يعادون الله. فليتوكل على ربه. والله أعلم بذنوب عباده! {وما أرسلناك إلا مبشراً ونذيراً. قل: ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً. وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده، وكفى به بذنوب عباده خبيراً}.. وبهذا يحدد واجب الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو التبشير والإنذار. ولم يكن بعد مأموراً بقتال المشركين وهو في مكة لضمان حرية التبشير والإنذار كما أمر به بعد ذلك في المدينة. وذلك لحكمة يعلمها الله. نحدس منها أنه كان في هذه الفترة يعد الرجال الذين ترتكز إليهم هذه العقيدة الجديدة، وتعيش في نفوسهم، وتترجم في حياتهم، وتتمثل في سلوكهم، لكي يكونوا نواة المجتمع المسلم الذي يحكمه الإسلام ويهيمن عليه. ولكي لا يدخل في خصومات وثارات دموية تصد قريشاً عن الإسلام، وتغلق قلوبهم دونه؛ والله يقدر أنهم سيدخلون فيه بعضهم قبل الهجرة وسائرهم بعد الفتح، ويكون منهم نواة صلبة للعقيدة الخالدة بإذن الله. على أن لب الرسالة بقي في المدينة كما كان في مكة هو التبشير والإنذار. إنما جعل القتال لإزالة الموانع المادية دون حرية الدعوة، ولحماية المؤمنين حتى لا تكون فتنة؛ فالنص صادق في مكة وفي المدينة على السواء: {وما أرسلناك إلا مبشراً ونذيراً}.. {قل: ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً}.. فليس للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من مطمع في أجر ولا عرض من أعراض الحياة الدنيا يناله ممن يهتدون إلى الإسلام. ليست هناك إتاوة. ولا نذر ولا قربان يقدمه المسلم. وهو يدخل في الجماعة المسلمة بكلمات ينطق بها لسانه ويعتقد بها قلبه. وهذه ميزة الإسلام. ميزته أن ليس هناك كاهن يتقاضى ثمن كهانته، ولا وسيط يقبض ثمن وساطته؛ ليس هنالك "رسم دخول" ولا ثمن لتناول سر ولا بركة ولا استقبال! هذه هي بساطة هذا الدين وبراءته من كل ما يحول بين القلب والإيمان؛ ومن كل ما يقف بين العبد وربه من وسطاء وكهان.. ليس هنالك سوى أجر واحد للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو اهتداء المهتدي إلى الله وتقربه إلى ربه بما يراه! {إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً}.. هذا وحده هو أجره.. يرضي قلبه الطاهر ويستريح وجدانه النبيل أن يرى عبداً من عباد الله قد اهتدى إلى ربه، فهو يبتغي رضاه، ويتحرى طريقه، ويتجه إلى مولاه. {وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده}.. وكل ما عدا الله ميت، لأنه صائر إلى موت، فلا يبقى إلا الحي الذي لا يموت. والتوكل على ميت، تفارقه الحياة يوماً طال عمره أم قصر، هو ارتكان إلى ركن ينهار، وإلى ظل يزول. إنما التوكل على الحي الدائم الذي لا يزول.. {وسبح بحمده} ولا يحمد إلا الله المنعم الوهاب.. ودع أمر الكفار الذين لا ينفعهم التبشير والإنذار إلى الحي الذي لا يموت فهو يعلم ذنوبهم ولا يخفى عليه منها شيء: {وكفى به بذنوب عباده خبيراً}. وفي معرض الخبرة المطلقة والقدرة على الجزاء يذكر خلق الله للسماوات والأرض، واستعلاءه على العرش: {الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش، الرحمن، فاسأل به خبيراً}.. وأيام الله التي خلق فيها السماوات والأرض غير أيامنا الأرضية قطعاً. فإنما أيامنا هذه ظل للنظام الشمسي، ومقياس لدورة فلكية وجدت بعد خلق السماوات والأرض. وهي مقيسة بقدر دورة الأرض حول نفسها أمام الشمس. والخلق لا يقتضي إلا توجه الإرادة الإلهية المرموز له بلفظة: "كن" فتتم الكينونة "فيكون". ولعل هذه الأيام الستة من أيام الله التي لا يعلم مقدارها إلا هو ـ إنما تمت فيها أطوار متباعدة في السماوات والأرض حتى انتهت إلى وضعها الحالي. أما الاستواء على العرش فهو معنى الاستعلاء والسيطرة ولفظ {ثم} لا يدل على الترتيب الزمني إنما يدل على بعد الرتبة. رتبة الاستواء والاستعلاء. ومع الاستعلاء والسيطرة الرحمة الكبيرة الدائمة: {الرحمن}.. ومع الرحمة الخبرة: {فاسأل به خبيراً} الخبرة المطلقة التي لا يخفى عليها شيء. فإذا سألت الله، فإنما تسأل خبيراً، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. ومع هذا فإن أولئك المتبجحين المتطاولين، يقابلون الدعوة إلى عبادة الرحمن باستخفاف واستنكار: {وإذا قيل لهم: اسجدوا للرحمن: قالوا: وما الرحمن؟ أنسجد لما تأمرنا؟ وزادهم نفوراً}! وهي صورة كريهة من صور الاستهتار والتطاول؛ تذكر هنا للتهوين من وقع تطاولهم على الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهم لا يوقرون ربهم، فيتحدثون بهذه اللهجة عن ذاته العلية، فهل يستغرب من هؤلاء أن يقولوا عن الرسول ما قالوا؟ وهم ينفرون من اسم الله الكريم، ويزعمون أنهم لا يعرفون اسم {الرحمن} ويسألون عنه بما، زيادة في الاستهتار. {قالوا: وما الرحمن؟}. ولقد بلغ من تطاولهم واستخفافهم أن يقولوا: ما نعرف الرحمن إلا ذاك باليمامة. يعنون به مسيلمة الكذاب! ويرد على تطاولهم هذا بتمجيد الله سبحانه وتكبيره والتحدث ببركته وعظمته، وعظمة خلقه، وآياته المذكرة به في هذا الخلق العظيم. {تبارك الذي جعل في السماء بروجاً. وجعل فيها سراجاً. وقمراً منيراً. وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر، أو أراد شكوراً}.. والبروج ـ على الأرجح ـ منازل الكواكب السيارة ومداراتها الفلكية الهائلة. والفخامة هنا تقابل في الحس ذلك الاستخفاف في قولة المشركين: {وما الرحمن}؟ فهذا شيء من خلقه ضخم هائل عظيم في الحس وفي الحقيقة؛ وفي هذه البروج تنزل الشمس ويسميها {سراجاً} لما تبعث به من ضوء إلى أرضنا وغيرها. وفيها القمر المنير الذي يبعث بنوره الهادئ اللطيف. ويعرض كذلك مشهد الليل والنهار وتعاقبهما. وهما آيتان مكرورتان ينساهما الناس، وفيهما الكفاية: {لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً}. ولولا أن جعلهما كذلك يتعاوران الناس، ويخلف أحدهما أخاه، ما أمكنت الحياة على ظهر هذا الكوكب لإنسان ولا لحيوان ولا لنبات. بل لو أن طولهما تغير لتعذرت كذلك الحياة. جاء في كتاب: "الإنسان لا يقوم وحده" (العلم يدعو إلى الإيمان). "تدور الكرة الأرضية حول محورها مرة في كل أربع وعشرين ساعة، أو بمعدل نحو ألف ميل في الساعة. والآن افرض أنها تدور بمعدل مائة فقط في الساعة. ولم لا؟ عندئذ يكون ليلنا ونهارنا أطول مما هما الآن عشر مرات. وفي هذه الحالة قد تحرق شمس الصيف الحارة نباتاتنا في كل نهار. وفي الليل يتجمد كل نبت في الأرض!". فتبارك الذي خلق السماوات والأرض، وخلق كل شيء فقدره تقديراً. وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً. {وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً}..
ابن عاشور
تفسير : استئناف ابتدائي فيه انتقال من إثبات صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وإثبات أن القرآن من عند الله أنزله على رسوله، وصفات الرسل وما تخلل ذلك من الوعيد وهو من هذا الاعتبار متصل بقوله: {أية : وقال الذين كفروا لولا نُزِّل عليه القرآن جملة واحدة}تفسير : [الفرقان: 32] الآية. وفيه انتقال إلى الاستدلال على بطلان شركهم وإثبات الوحدانية لله وهو من هذه الجهة متصل بقوله في أول السورة {أية : واتخَذَوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئاً}تفسير : [الفرقان: 3] الآية. وتوجيه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقتضي أن الكلام متصل بنظيره من قوله تعالى: {أية : قل أنزله الذي يعلم السرّ في السموات والأرض}تفسير : [الفرقان: 6]. وما عطف عليه {أية : قل أذلك خير}تفسير : [الفرقان: 15] {أية : وما أرسلنا قبلَك من المرسلين}تفسير : [الفرقان: 20] {أية : وكفى بربك هادياً}تفسير : [الفرقان: 31] فكلها مخاطبات للنبي صلى الله عليه وسلم وقد جُعل مَدُّ الظل وقبْضُه تمثيلاً لحكمة التدريج في التكوينات الإلهية والعدول بها عن الطَفْرَة في الإيجاد ليكون هذا التمثيل بمنزلة كبرَى القياسسِ للتدليل على أن تنزيل القرآن منجَّماً جارٍ على حكمة التدرج لأنه أمكن في حصول المقصود، وذلك ما دل عليه قوله سابقاً {أية : كذلك لنُثَبّت به فؤادك}تفسير : [الفرقان: 32]. فكان في قوله: {ألم تر إلى ربك كيف مدّ الظّل...} الآية زيادةٌ في التعليل على ما في قوله {أية : كذلك لِنُثبّت به فؤادك}تفسير : [الفرقان: 32]. ويستتبع هذا إيماءً إلى تمثيل نزول القرآن بظهور شمس في المواضع التي كانت مظلَّلة إذ قال تعالى: {ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً} فإن حال الناس في الضلالة قبل نزول القرآن تشبَّه بحال امتداد ظلمة الظل، وصار ما كان مظلّلاً ضاحياً بالشمس وكان زوال ذلك الظل تدريجاً حتى ينعدم الفيء. فنظم الآية بما اشتمل عليه من التمثيل أفاد تمثيل هيئة تنزيل القرآن منجَّماً بهيئة مدّ الظل مدرّجاً ولو شاء لجعله ساكناً. وكان نظْمُها بحمله على حقيقة تركيبه مفيداً العبرة بمد الظل وقبضِه في إثبات دقائق قدرة الله تعالى، وهذان المُفادان من قبيل استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه الذي ذكرناه في المقدمة التاسعة. وكان نظم الكلام بمعنى ما فيه من الاستعارة التصريحية من تشبيه الهداية بنور الشمس، وتقلّص ضلال الكفر بانقباض الظل بعد أن كان مديداً قبل طلوع الشمس. وبهذه النكتة عُطف قوله {ثم قبضناه إلينا قبضاً يسيراً} إلى قوله {أية : وجعل النهار نشوراً}تفسير : [الفرقان: 47]. والاستفهام تقريري فهو صالح لطبقات السامعين: مِن غافل يُسأل عن غفلته ليُقِرَّ بها تحريضاً على النظر، ومِن جَاحد يُنكَر عليه إهماله النظر، ومن موفق يُحَثّ على زيادة النظر. والرؤية بصرية، وقد ضمن الفعل معنى النظر فعدّي إلى المرْئي بحرف (إلى). والمدّ: بسط الشيء المنقبض المتداخل يقال: مد الحبل ومد يده، ويطلق المد على الزيادة في الشيء وهو استعارة شائعة، وهو هنا الزيادة في مقدار الظل. ثم إذا كان المقصود بفعل الرؤية حالةً من أحوال الذات تصحّ رؤيتها فلك تعدية الفعل إلى الحالة كقوله تعالى: {أية : ألم ترَ كيفَ فَعَل ربّك بأصحاب الفيل}تفسير : [الفيل: 1] {أية : ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقاً}تفسير : [نوح: 15]، وصحّ تعديته إلى اسم الذات مقيّدة بالحالة المقصودة بحال أو ظرف أو صلة نحو {أية : أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت}تفسير : [الغاشية: 17] {أية : ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيم في ربه}تفسير : [البقرة: 258] {أية : ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبيء لهم ابعث لنا ملكاً}تفسير : [البقرة: 246]. والفرق بين التعديتين أن الأولى يقصد منها العناية بالحالة لا بصاحبها، فالمقصود من آية سورة الفيل: الامتنان على أهل مكة بما حلّ بالذين انتهكوا حرمتَها من الاستئصال، والمقصود من آية سورة الغاشية العبرة بكيفية خلقه الإبل لِما تشتمل عليه من عجيب المنافع، وكذلك الآيتان الأخِيرتان. وإذ قد كان المقام هنا مقام إثبات الوحدانية والإلهية الحقّ لله تعالى، أوثرَ تعلق فعل الرؤية باسم الذات ابتداء ثم مجيء الحال بعد ذلك مجيئاً كمجيء بدل الاشتمال بعد ذكر المبدَل منه. وأما قوله في سورة نوح (15) {أية : ألم تَروا كيف خلق الله} تفسير : دون أن يقال: ألم تروا رَبَّكم كيف خلق، لأن قومه كانوا متصلبين في الكفر وكان قد جادلهم في الله غيرَ مرة فعَلِم أنه إن ابتدأهم بالدعوة إلى النظر في الوحدانية جعلوا أصابعهم في آذانهم فلم يسمعوا إليه فبادأهم باستدعاء النظر إلى كيفية الخلق. وعلى كل فإن {كيف} هنا مجردة عن الاستفهام وهي اسم دال على الكيفية فهي في محلّ بدل الاشتمال من {ربك}، والتقدير: ألم ترَ إلى ربك إلى هيئة مده الظل. وقد تقدم ذكر خروج (كيف) عن الاستفهام عند قوله تعالى: {أية : هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء} تفسير : في سورة آل عمران (6)، فإنه لا يخلو النهار من وجود الظل. وفي وجود الظل دقائقُ من أحوالِ النظام الشمسي فإن الظل مقدار محدد من الظلمة يحصل من حيلولة جسم بين شعاع الشمس وبين المكان الذي يقع عليه الشعاعُ فينطبع على المكان مقدار من الظل مقدَّر بمقدار كيفية الجسم الحائل بين الشعاع وبين موقع الشعاع على حسب اتجاه ذلك الجسم الحائل من جهته الدقيقة أو الضخمة، ويكون امتداد تلك الظلمة المكيَّفية بكيفية ذلك الجسم متفاوتاً على حسب تفاوت بُعد اتجاه الأشعة من موقعها ومن الجسم الحائل ومختلفاً باستواء المكان وتحدُّبه، فذلك التفاوت في مقادير ظل الشيء الواحد هو المعبر عنه بالمَدّ في هذه الآية لأنه كلما زاد مقدار الظلمة المكيّفية لكيفية الحائل زاد امتداد الظل. فتلك كلها دلائل كثيرة من دقائق التكوين الإلهي والقدرة العظيمة. وقد أفاد هذا المعنى كاملاً فعلُ {مَدّ}. وهذا الامتداد يكثر على حسب مقابلة الأشعة للحائل فكلّما اتجهت الأشعة إلى الجسم من أخفض جهةٍ كان الظل أوسع، وإذا اتجهت إليه مرتفعةً عنه تقلّص ظلّه رويداً رويداً إلى أن تصير الأشعة مُسامتة أعلى الجسم ساقطة عليه فيزول ظِله تماماً أو يكاد يزول، وهذا معنى قوله تعالى: {ولو شاء لجعله ساكناً} أي غير متزايد لأنه لما كان مدّ الظل يشبه صورة التحرك أطلق على انتفاء الامتدادِ اسم السكون بأن يلازم مقداراً واحداً لا ينقص ولا يزيد، أي لو شاء الله لجعل الأرض ثابتة في سَمت واحد تُجاه أشعة الشمس فلا يختلف مقدار ظل الأجسام التي على الأرض وتلزم ظلالُها حالة واحدة فتنعدم فوائد عظيمة. ودلت مقابلة قوله: {مد الظل} بقوله {لجعله ساكناً} على حالة مطوية من الكلام، وهي حالة عموم الظل جميع وجه الأرض، أي حالة الظلمة الأصلية التي سبقت اتجاه أشعة الشمس إلى وجه الأرض كما أشار إليه قول التوراة «وكانت الأرض خالية، وعلى وجه القمر ظلمة» ثم قال «وقال الله ليكن نور فكان نور...» وفصل الله بين النور والظلمة (إصحاح واحد من سفر الخروج)، فاستدلال القرآن بالظل أجدى من الاستدلال بالظلمة لأن الظلمة عدم لا يكاد يحصل الشعور بجمالها بخلاف الظل فهو جامع بين الظلمة والنور فكلا دلالتيه واضحة. وجملة {ولو شاء لجعله ساكناً} معترضة للتذكير بأن في الظل منّة. وقوله: {ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً} عطف على جملة {مد الظل} وأفادت {ثُمّ} أن مدلول المعطوف بها متراخ في الرتبة عن مدلول المعطوف عليه شأن {ثُم} إذا عطفت الجملة. ومعنى تراخي الرتبة أنها أبعد اعتباراً، أي أنها أرفع في التأثير أو في الوجود فإن وجود الشمس هو علة وجود الظّل للأجسام التي على الأرض والسبب أرفع رتبة من المسبّب، أي أن الله مد الظل بأن جعل الشمس دليلاً على مقادير امتداده. ولم يفصح المفسرون عن معنى هذه الجملة إفصاحاً شافياً. والالتفات من الغيبة إلى التكلم في قوله: {ثم جعلنا} لأن ضمير المتكلم أدخل في الامتنان من ضمير الغائب فهو مشعر بأن هذا الجعل نعمة وهي نعمة النور الذي به تمييز أحوال المرئيات وعليه فقوله (تعالى): {ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً} ارتقاء في المنّة. والدليل: المرشد إلى الطريق والهادي إليه، فجُعل امتداد الظل لاختلاف مقاديره كامتداد الطريق وعلامات مقادير مثلَ صُوى الطريق، وجعلت الشمس من حيث كانت سبباً في ظهور مقادير الظل كالهادي إلى مَراحلَ، بطريقة التشبيه البليغ، فكما أن الهادي يخبر السائر أين ينزل من الطريق، كذلك الشمس بتسببها في مقادير امتداد الظل تعرّف المستدل بالظل بأوقات أعماله ليشرع فيها. وتعدية {دليلاً} بحرف (على) تفيد أن دلالة الشمس على الظل هنا دلالة تنبيه على شيء قد يخفى كقول الشاعر:شعر : «إلا عليّ دليل» تفسير : وشمل هذا حالتي المد والقبض. وجملة {ثم قبضناه إلينا} إلخ عطف على جملة {مد الظل}، أو على جملة {جعلنا الشمس عليه دليلاً} لأن قبض الظل من آثار جعل الشمس دليلاً على الظل. و{ثم} الثانية مثل الأولى مفيدة التراخي الرتبي، لأن مضمون جملة {قبضناه إلينا قبضاً يسيراً} أهم في الاعتبار بمضمونها من مضمون {جعلنا الشمس عليه دليلاً} إذ في قبض الظل دلالة من دلالة الشمس هي عكس دلالتها على امتداده فكانت أعجب إذ هي عملٌ ضدٌّ للعمل الأول، وصدور الضدين من السبب الواحد أعجب من صدور أحدهما السابق في الذكر. والقبض: ضد المدّ فهو مستعمل في معنى النقص، أي نقصنا امتداده، والقبض هنا استعارة للنقص. وتعديته بقوله: {إلينا} تخييل، شُبِّه الظل بحبل أو ثوب طواه صاحبه بعد أن بسطه على طريقة المكنية، وحرف (إلى) ومجروره تخييل. وموقع وصف القبض بيسير هنا أنه أريد أن هذا القبض يحصل ببطء دون طفرة، فإن في التريث تسهيلاً لقبضه لأن العمل المجزّأ أيسر على النفوس من المجتمع غالباً، فأطلق اليسر وأريد به لازم معناه عرفاً، وهو التدريج ببطء، على طريقة الكناية، ليكون صالحاً لمعنى آخر سنتعرض إليه في آخر كلامنا. وتعدية القبض بــــ{إلينا} لأنه ضد المدّ الذي أسند إلى الله في قوله: {مد الظل}. وقد علم من معنى {قبضناه} أن هذا القبض واقع بعد المد فهو متأخر عنه. وفي مَدِّ الظل وقبضِه نعمةُ معرفة أوقات النهار للصلوات وأعمال الناس، ونعمةُ التناوب في انتفاع الجماعات والأقطار بفوائد شعاع الشمس وفوائد الفيء بحيث إن الفريق الذي كان تحت الأشعة يتبرد بحلول الظلّ، والفريق الذي كان في الظل ينتفع بانقباضه. هذا محل العبرة والمنّة اللتين تتناولهما عقول النّاس على اختلاف مداركهم. ووراء ذلك عبرة علمية كبرى توضحها قواعد النظام الشمسي وحركةُ الأرض حول الشمس وظهورُ الظلمة والضياء، فليس الظل إلا أثر الظلمة فإن الظلمة هي أصل كيفيات الأكوان ثم انبثق النور بالشمس ونشأ عن تداول الظلمة والنور نظام الليل والنهار وعن ذلك نظام الفصول وخطوط الطول والعرض للكرة الأرضية وبها عرفت مناطق الحرارة والبرودة. ومن وراء ذلك إشارة إلى أصل المخلوقات كيف طرأ عليها الإيجاد بعد أن كانت عدماً، وكيف يمتد وجودها في طور نمائها، ثم كيف تعود إلى العدم تدريجاً في طور انحطاطها إلى أن تصير إلى العدم، فذلك مما يشير إليه {ثم قبضناه إلينا قبضاً يسيراً} فيكون قد حصل من التذكير بأحوال الظلّ في هذه الآية مع المنّة والدلالة على نظام القدرة تقريب لحالة إيجاد الناس وأحوال الشباب وتقدم السن، وأنهم عقب ذلك صائرون إلى ربّهم يوم البعث مصيراً لا إحالة فيه ولا بعد، كما يزعمون، فلما صار قبض الظل مثلاً لمصير الناس إلى الله بالبعث وُصف القبض بيسير تلميحاً إلى قوله: {أية : ذلك حَشْر علينا يسير}تفسير : [ق: 44]. وفي هذا التمثيل إشارة إلى أن الحياة في الدنيا كظل يمتد وينقبض وما هو إلا ظل. فهذان المَحملان في الآية من معجزات القرآن العلمية.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ألم تر إلى ربك كيف مد الظل: أي ألم تنظر إلى صنيع ربك في الظل كيف بسطه. ولو شاء الله لجعله ساكناً: أي ثابتاً على حاله في الطول والامتداد ولا يقصر ولا يطول. ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً: أي علامة على وجوده إذ لولا الشمس لما عرف الظل. ثم قبضناه إلينا قبضاً يسيرا: أي أزلناه بضوء الشمس على مهل جزءاً فجزءاً حتى ينتهي. ثم جعلنا الليل لباساً: أي يستركم بظلامه كما يستركم اللباس. والنوم سباتاً: أي راحة لأبدانكم من عناء عمل النهار. وجعل النهار نشوراً: أي حياة إذ النوم بالليل كالموت والانتشار بالنهار كالبعث. بشراً بين يدي رحمته: أي مبشرة بالمطر قبل نزوله، والمطر هو الرحمة. ماء طهوراً: أي تتطهرون به من الأحداث والأوساخ. لنحيي به بلدة ميتاً: أي بالزروع والنباتات المختلفة. أنعاماً وأناسي كثيراً: أي حيواناً وأناساً كثيرين. ولقد صرفناه بينهم: أي المطر فينزل بأرض قوم ولا ينزل بأخرى لحكم عالية. ليذكروا: أي يذكروا فضل الله عليهم فيشكروا فيؤمنوا ويوحدوا. فأبى أكثر الناس إلا كفوراً: أي فلم يذكروا وأبى أكثرهم إلا كفوراً جحوداً للنعمة. معنى الآيات: قوله تعالى {أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ} هذا شروع في ذكر مجموعة من أدلة التوحيد وهي مظاهر لربوبية الله تعالى المقتضية لألوهيته فأولاً الظل وهو المشاهد من وقت الإِسفار إلى طلوع الشمس وقد مدّه الخالق عز وجل أي بسطه في الكون، ثم تطلع الشمس فتأخذ في زواله وانكماشه شيئاً فشيئاً، ولو شاء الله تعالى لجعله ساكناً لا يبارح ولا يغادر ولكنه حسب مصلحة عباده جعله يتقاصر ويقبض حتى تقف الشمس في كبد السماء فيستقر ثم لما تدحض الشمس مائلة إلى الغروب يفيء أي يرجع شيئاً فشيئاً فيطول تدريجياً لتعرف به ساعات النهار وأوقات الصلوات حتى يبلغ من الطول حداً كبيراً كما كان في أول النهار ثم يقبض قبضاً يسيراً خفياً سريعاً حين تغرب الشمس ويغشاه ظلام الليل. هذه آية من آيات قدرة الله وعلمه وحكمته ورحمته بعباده تجلت في الظل الذي قال تعالى فيه {أَلَمْ تَرَ} أيها الرسول أي تنظر إلى صنيع ربك جل جلاله {كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً} ينتقل، {ثُمَّ جَعَلْنَا ٱلشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً} إذ بضوءها يعرف، فلولا الشمس لما عرف الظل وقوله تعالى {ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً} حسب سنته ففي خفاء كامل وسرعة تامة يقبض الظل نهائياً ويحل محله الظلام الحالك. وثانياً: في الليل والنهار قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ لِبَاساً} أي ساتراً يستركم بظلامه كما تستركم الثياب، {وَٱلنَّوْمَ سُبَاتاً} أي وجعل النوم قطعاً للعمل فتحصل به راحة الأبدان {وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُوراً} أي حياة بعد وفاة والنوم فيتنشر فيه الناس لطلب الرزق بالعمل بالأسباب والسنن التي وضع الله تعالى لذلك. وثالثا: إرسال الرياح للقاح السحب للإِمطار لإحياء الأرض بعد موتها بالقحط والجدب قال تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ} هو لا غيره من الآلهة الباطلة {أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ بُشْرَاً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} أي مبشرات بالمطر متقدمة عليه وهو الرحمة وهي بين يديه فمن يفعل هذا غير الله؟ اللهم إنه لا أحد. ورابعاً: إنزال الماء الطهور العذب الفرات للتطهير به وشرب الحيوان والإِنسان قال تعالى {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً لِّنُحْيِـيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَآ أَنْعَاماً} أي إبلاً وبقراً وغنماً {وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً} أي وأناساً كثيرين وهم الآدميون ففي خلق الماء وإنزاله وإيجاد حاجة في الحيوان والإِنسان إليه ثم هدايتهم لتناوله وشربه كل هذا آيات الربوبية الموجبة لتوحيد الله تعالى. وخامساً: تصريف المطر بين الناس فيمطر في أرض ولا يمطر في أخرى حسب الحكمة الإِلهية والتربية الربانية، قال تعالى: { وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ} أي بين الناس كما هو مشاهد إقليم يسقى وآخر يحرم، وقوله تعالى: {فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً} أي جحوداً لإِنعام الله عليهم وربوبيته عليهم وألوهيته لهم. وهو أمر يقتضي التعجب والاستغراب. هذه مظاهر الربوبية المقتضية للألوهية، {فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً} والعياذ بالله تعالى. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- عرض الأدلة الحسية على وجوب عبادة الله تعالى وتوحيده فيها ووجوب الإِيمان بالبعث والجزاء الذي أنكره المشركون فضلوا ضلالاً بعيداً. 2- بيان فائدة الظل إذ به تعرف ساعات النهار وبه يعرف وقت صلاة الظهر والعصر فوقت الظهر من بداية الفيء، أي زيادة الظل بعد توقفه من النقصان عند وقوف الشمس في كبد السماء، ووقت العصر من زيادة الظل مثله بمعنى إذا دخل الظهر والظل أربعة أقدام أو ثلاثة أو أقل أو أكثر فإذا زاد مثله دخل وقت العصر فإن زالت الشمس على أربعة أقدام فالعصر يدخل عندما يكون الظل ثمانية أقدام وإن زالت الشمس على ثلاثة أقدام فالعصر على ستة أقدام وهكذا. 3- الماء الطهور وهو الباقي على أصل خلقته فلم يخالطه شيء يغير طعمه أو لونه أو ريحه، وبه ترفع الأحداث وتغسل النجاسات، ويحرم منعه عمن احتاج إليه من شرب أو طهارة.
القطان
تفسير : ألم تَرَ: الم تنظر. الى ربك: الى صنع ربك. مد: بسط. الظل: الخيال. ساكنا: ثابتا على حاله لا يزول. دليلا: علامة. قبضناه قبضا يسيرا: قليلا قليلا. لباسا: ساترا. سباتا: سكونا. نشورا: بعثا وحركة. بُشْرا: مبشرة. بين يدي رحمته: الرحمة هنا المطر، يعني ان الرياح تأتي مبشرة بالمطر. بلدة ميتا: ارضا لا نبات فيها. أناسي: الناس. كُفورا: كفرانا للنعمة وجحودا لها. مَرَجَ البحرين: خلطهما ببعض. عذْب فرات: حلو سائغ للشرب. ومِلح أُجاج: مالح شديد الملوحة. برزخا: حاجزا. حِجرا محجورا: لا يبغي احدهما على الآخر، ولا يفسد المالح العذب. نسبا: ذكورا ينسب اليهم. وصهرا: إناثا يصاهَر بهن. انظر الى صنع ربك كيف بسَط الظلَّ، وجعل الشمس سبباً لوجوده، كما جعله مرافقاً لنور الشمس، فإن مالت طال، وان ارتفعت في السماء قصُر، ثم يقبضه تدريجا. وهو الذي جعل الليلَ ساتراً ومظلِما، والنومَ راحة وهدوءاً، كما جعل النهار مجالاً للسعي والعمل. إنه الله.. هو الّذي جعل الرياح تسوق الغيوم مبشِّرة برحمتِه من المطر، وبهذا الماء الطهور يحيي الأراضيَ التي لا نبات فيها، ومنه تشرب الأنعام والناس. {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً} لقد كررنا هذا القولَ (وهو ذِكر إنشاء السحاب وإنزال المطر) على الناس ليعتبروا، ولكن اكثر الناس أبَوا إلا الكفر والعناد. وهناك رأيٌ ثانٍ في تفسير هذه الآية ومعناه: وهذا القرآن قد بيّنّا آياته وصرّفناها ليتذكر الناس ربهم، وليتَّعظوا ويعملوا بموجبه. {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً} إنا عظّمناك ايها الرسول بهذا الأمر، وجعلناك مستقلا بأعبائه، فاجتهد في دعوتك. ولا تطع الكافرين فيما يدعونك إليه، وجاهدْهم بتبليغ رسالتك جهاداً كبيرا. {وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً}. ومن آثار نعمة الله على خلْقه ان خَلَقَ البحارَ نوعين، منها عذبٌ سائغ للشاربين، ومنها مالح شديد الملوحة، وجعل البَحْرَين متجاورين، لكنّ بينهما حاجزاً بحيث لا يطغى المالح على العذب فيفسده. وهو الذي جعلَ الماءَ جزءاً من مادة الانسان، وخلقه من النطفة ثم جعل الناس ذكورا واناثا، ذوي قرابات بالنسَب أو المصاهرة، والله قديرٌ فعال لما يريد.
د. أسعد حومد
تفسير : (45) - يبينُ اللهُ تعالى الأدلةَ على وجُودِه، وعلى قُدْرَتِهِ التَّامَّةِ على خَلْقِ الأشياءِ المُتضَادَّةِ فقالَ: أَلا تَرى يا أيُّها الرسُولُ كيفَ جعَلَ ربُّكَ لِكلِّ شيءٍ مُظِلٍّ ظِلاٍّ مُنْذُ طُلوعِ الشَّمسِ حتَّى مَغيبها، فاستَخْدَمَهُ الإِنسانُ للوقايَة من لَفْحِ الشّمسِ وَحرِّهَا، ولو شَاءَ اللهُ لجعلَهُ ثابِتاً على حَالٍ واحدةٍ، ولكنَّهُ جعَلهُ مُتغَيِّراً في ساعاتِ النهارِ المخْتَلِفَةِ، لذلك اتُّخِذَ دليلاً على قياس الزَّمان. ثمَّ جَعَلَ طلوعَ الشَّمسِ دلِيلاً على ظُهورِ الظِّلِّ ومُشَاهَدَتِهِ بِالحِسِّ والمُعَايَنَةِ، فَلولا الشَّمسُ لما عُرِفَ الظِّلُّ. (وقالَ ابنُ عباسٍ ومُجَاهِدٌ: الظِّلُّ ما بينَ طلوعِ الفجرِ إلى طُلوعِ الشَّمسِ) وهَذا هُو الشَّفَقُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق - سبحانه وتعالى - وهو خالق الآيات في الكون يُنبِّه إليها الخَلْق، وكان من المفروض ممَّن يرى الآيات أنْ يتنبه إليها دون أنْ يُنبه، فإذا رأى عجيبة من عجائب الكون تأملها، وسبق أنْ ضربنا لذلك مثلاً بمَنِ انقطعت به السُّبل في صحراء شاسعة، ليس بها أنيس ولا حياة، وقد بلغ به الجهد حتى نام، فلما استيقظ وجد مائدة عليها أطايب الطعام أو الشراب، بالله قبل أنْ تمتدَّ يده إلى الطعام، أليس من المفروض أنْ يفكر في هذا الطعام، مَنْ أتى به؟ وأعدَّه على هذه الصورة؟ إذن: في الكون آياتٌ كان يجب أنْ تشدَّ انتباهك لتبحث فيها وفي آثار وجودها وكلها آيات عالية عَنّا وفوق إمكاناتنا: الشمس والقمر، الهواء والمطر .. إلخ. ومع ذلك لم يتركك الله؛ لأن تتنبه أنت، بل نبَّهك ولفتَك وجذب انتباهك لهذه ولهذه. وهنا، الحق - تبارك وتعالى - يعرض الآيات والكونيات التي يراها الإنسان برتابة كل يوم، يراها الفيلسوف كما يراها راعي الشاة، يراها الكبير كما يراها الصغير كل يوم على نظام واحد، لا يكاد يلتفت إليها. يقول سبحانه: {أَلَمْ تَرَ ..} [الفرقان: 45] أي: ألم تعلم، أو ألم تنظر إلى صَنْعة ربك {كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا ٱلشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً} [الفرقان: 45] نعم نرى الظل، فما هو؟ الظل أنْ يَحْجب شيء كثيف على الأرض - مثل جبل أو بناء أو شجرة أو نحوه - ضوءَ الشمس، فتظهر منطقة الظل في المكان المُشْمِس، فالمسألة - إذن - متعلقة بالشمس، وبالأرض التي نعيش عليها. وقد علمنا أن الأرض كرة تواجه الشمس، فالجهة المواجهة منها للشمس تكون مُضَاءة، والأخرى تكون ظلاماً لا نقول - ظلاً، فما الفرق بين الظلِّ والظلام؟ قالوا: إذا كان الحاجبُ لضوء الشمس من نفس الأرض فهي ظُلْمة، وإنْ كان الحاجب شيئاً على الأرض فهو ظل. والظل نراه في كل وقت، وقد ورد في عدة مواضع من كتاب الله، فقال سبحانه: {أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي ظِلاَلٍ وَعُيُونٍ}تفسير : [المرسلات: 41]. وقال: {أية : لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً}تفسير : [النساء: 57] وقال: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ ..}تفسير : [النحل: 48]. ينبهنا ربنا - تبارك وتعالى - إلى مهمة أخرى من مهام الظل، وهي أنه يحمينا من وَخْزة الشمس وحرارتها، ويرتقي الإنسان في استخدام الظل فيجعله كما قال تعالى {أية : ظِـلاًّ ظَلِيلاً}تفسير : [النساء: 57] أي: أن الظل نفسه مُظلَّل، فيجعلون الخيمة مثلاً لها سقفان منفصلان حتى لا يتأثر داخلُ الخيمة بالحرارة خارجها. لذلك تجد ظل الشجرة ألطفَ من ظِلِّ الحائط مثلاً أو المظلة؛ لأن أوراق الشجرة يُظلِّل بعضها بعضاً، فالظل يأتيك من مُظلل آخر، فتشعر تحت ظل الشجرة وكأنك في (تكييف)؛ لأن الأوراق تَحجب عنك حرارة الشمس، في حين تسمح بمرور الهواء، كما قال الشاعر في وصف دوحة: شعر : يصدُّ الشمسَ أنَّى وَاجَهتْنَا فَيحْجُبُها وَيَأْذَنُ لِلْنَسِيمِ تفسير : وقال تعالى: {أية : وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ ..}تفسير : [الأعراف: 171]. وحين تتأمل هذه الظاهرة ساعة طلوع الشمس ترى الشيء الكثيف الذي يحجب ضوء الشمس يطول ظِلُّه إلى نهاية الأفق، ثم يأخذ في القِصر كلما ارتفعتْ الشمس إلى أنْ يصير في زوال، ثم ينعكس الظل مع ميل الشمس ناحية الغرب فيطول إلى نهاية الأفق. والحق - تبارك وتعالى - يريد منا أن نلاحظ هذه الظاهرة، وأنْ نتأملها {أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ ..} [الفرقان: 45] أي: ساعة طلوع الشمس {وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً ..} [الفرقان: 45] لأن مشيئة الله تستطيع أن تخلق الشيء ونقيضه، فإنْ شاءَ مَدَّ الظل، وإنْ شاء أمسكه. ولكنه يتغير: ينقص في أول النهار، ويزيد في آخره وكل ما يقبل الزيادة يقبل النقص، والنقص أو الزيادة حركة، وللحركة نوعان: حركة قَفْزية كحركة عقرب الدقائق في الساعة، فهو يتحرك بحركة قفزية، وهي أنْ يمرَّ على المتحرك وقت ساكن ثم يتحرك، إنما أتدرك ذلك في حركة عقرب الساعات؟ لا؛ لأنه يسير بحركة انسيابية، بحيث توزع أجزاء الحركة على أجزاء الزمن. ومثَّلْنا هذه الحركة بنمو الطفل الصغير الذي لا تدرك حركة نموه حالَ نظرك له منذ ولادته، إنما إنْ غبْتَ عنه فترة أمكنك أنْ تلاحظ أنه يكبر ويتغير شكله؛ لأن نموه مُوزَّع على فترات الزمن، لا يكبر هكذا مرة واحدة، فهي مجموعات كِبَر تجمعتْ في أوقات متعددة، وليس لديك المقياس الدقيق الذي تلاحظ به كبر الطفل في فترة قصيرة. وإذا كنا نستطيع إجراء هذه الحركة في الساعات مثلاً، فالحق - تبارك وتعالى - يُحدِثها في حركة الظل وينسبها لعظمها إلى نفسه تعالى؛ لأن الظل لا يسير بحركة ميكانيكية كالتي تراها في الساعة إنما يسير بقدرة الله. والحق سبحانه يلفتنا إلى هذه الظاهرة، لا لأنها مجرد ظاهرة كونية نراها ونتعجب منها، إنما لأننا سنستغلها وننتفع بها في أشياء كثيرة. فقدماء المصريين أقاموا المسلات ليضبطوا بها الزمن عن طريق الظل، وصنع العرب المسلمون المزْولة لضبط الوقت مع حركة الشمس، ونرى الفلاح البسيط الآن ينظر إلى ظل شيء ويقول لك: الساعة الآن كذا؛ لأنه تعوَّد أن يقيس الوقت بالظل، مع أن مثل هذا التقدير يكون غير دقيق؛ لأن للشمس مطالعَ متعددة على مرِّ أيام العام؛ لذلك في أحد معابد الفراعنة معبد به 365 طاقة، تدخل الشمس كل يوم واحدة منها. إذن: أفادنا الظل في المسلات والمزاول، ومنها انتقل المسلمون إلى عمل الساعات، وأولها الساعة الدقاقة التي كانت تعمل بالماء، وقد أهدوْا شارلمان ملك فرنسا واحدة منها فقال: إن فيها شيطاناً، هكذا كان المسلمون الأوائل. وقوله تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَا ٱلشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً} [الفرقان: 45] أي: أن الضوء هو الذي يدل على الظلِّ.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، ثنا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد {أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ} [الآية: 45]. قال: مده من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. أَنبا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً} [الآية: 45]. يقول: لو شاءَ لجعل الظل لا تصيبه الشمس ولا تزول. أَنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {دَلِيلاً} [الآية: 45]. قال: تحويه. أنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا مبارك بن فضالة عن الحسن: {ثُمَّ جَعَلْنَا ٱلشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً} [الآية: 45]. يقول: تتلوه.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ} معناه ما بينَ طُلُوعِ الفجرِ إلى طُلُوعِ الشَّمسِ. تفسير : وقوله تعالى: {وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً} معناه جَعلَ النَّهارَ كُلّهُ ظِلاًّ. ويقال: دائمٌ {ثُمَّ جَعَلْنَا ٱلشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً} معناه على الظّلِ. تفسير : وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ} معناه ألَمْ تَعلمْ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: ألم تشاهد ببصرك وبصيرتك كمال قدرة ربك وسعة رحمته، أنه مد على العباد الظل وذلك قبل طلوع الشمس { ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ } أي: على الظل { دَلِيلا } فلولا وجود الشمس لما عرف الظل فإن الضد يعرف بضده. { ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا } فكلما ارتفعت الشمس تقلص الظل شيئا فشيئا، حتى يذهب بالكلية فتوالي الظل والشمس على الخلق الذي يشاهدونه عيانا وما يترتب على ذلك من اختلاف الليل والنهار وتعاقبهما وتعاقب الفصول، وحصول المصالح الكثيرة بسبب ذلك- من أدل دليل على قدرة الله وعظمته وكمال رحمته وعنايته بعباده وأنه وحده المعبود المحمود المحبوب المعظم، ذو الجلال والإكرام.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 734 : 4 : 6 - حدثنا سفين عن منصور عن مجاهد في قوله {أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ} قال طلوع الفجر. [الآية 45].
همام الصنعاني
تفسير : 2091- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن، وقتادة، في قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ}: [الآية: 45]، قَالاَ: مدَّ الظّل من حين يطلع الفجر إلى أن تطلع الشمس، فذلِكَ مد الظِّلِّ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):