Verse. 2902 (AR)

٢٥ - ٱلْفُرْقَان

25 - Al-Furqan (AR)

وَہُوَالَّذِيْ جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِبَاسًا وَّالنَّوْمَ سُـبَاتًا وَّجَعَلَ النَّہَارَ نُشُوْرًا۝۴۷
Wahuwa allathee jaAAala lakumu allayla libasan waalnnawma subatan wajaAAala alnnahara nushooran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وهو الذي جعل لكم الليل لباسا» ساترا كاللباس «والنوم سُباتا» راحة للأبدان بقطع الأعمال «وجعل النهار نشورا» منشورا فيه لابتغاء الرزق وغيره.

47

Tafseer

القرطبي

تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱللَّيْلَ لِبَاساً} يعني ستراً للخلق يقوم مقام اللباس في ستر البدن. قال الطبري: وصف الليل باللباس تشبيهاً من حيث يستر الأشياء ويغشاها. الثانية: قال ابن العربيّ: ظن بعض الغُفْلَة أن من صلّى عرياناً في الظلام أنه يجزئه؛ لأن الليل لباس. وهذا يوجب أن يصلّي في بيته عرياناً إذا أغلق عليه بابه. والستر في (الصلاة) عبادة تختص بها ليست لأجل نظر الناس. ولا حاجة إلى الإطناب في هذا. الثالثة: قوله تعالى: {وَٱلنَّوْمَ سُبَاتاً} أي راحة لأبدانكم بانقطاعكم عن الأشغال. وأصل السبات من التمدد. يقال: سبتت المرأة شعرها أي نقضته وأرسلته. ورجل مسبوت أي ممدود الخلقة. وقيل: للنوم سبات لأنه بالتمدد يكون، وفي التمدد معنى الراحة. وقيل: السبت القطع؛ فالنوم انقطاع عن الاشتغال؛ ومنه سَبَتَ اليهودُ لانقطاعهم عن الأعمال فيه. وقيل: السبت الإقامة في المكان؛ فكأن السبات سكون مّا وثبوت عليه؛ فالنوم سُبَاتٌ على معنى أنه سكون عن الاضطراب والحركة. وقال الخليل: السبات نوم ثقيل؛ أي جعلنا نومكم ثقيلاً ليكمل الإجمام والراحة. الرابعة: قوله تعالى: {وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُوراً} من الانتشار للمعاش؛ أي النهار سبب الإحياء للانتشار. شبه اليقظة فيه بتطابق الإحياء مع الإماتة. وكان عليه السلام إذا أصبح قال: «الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور».

البيضاوي

تفسير : {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِبَاساً } شبه ظلامه باللباس في ستره. {وَٱلنَّوْمَ سُبَاتاً} راحة للأبدان بقطع المشاغل، وأصل السبت القطع أو موتاً كقوله: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّـٰكُم بِٱلَّيْلِ }تفسير : [الأنعام: 60] لأنه قطع الحياة ومنه المسبوت للميت. {وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُوراً} ذا نشور أي انتشار ينتشر فيه الناس للمعاش، أو بعث من النوم بعث الأموات فيكون إشارة إلى أن النوم واليقظة أنموذج للموت والنشور. وعن لقمان عليه السلام يا بني كما تنام فتوقظ كذلك تموت فتنشر. {وَهُوَ ٱلَّذِي أَرْسَلَ ٱلرّيَـٰحَ} وقرأ ابن كثير على التوحيد إرادة للجنس. {نشَرًا} ناشرات للحساب جمع نشور، وقرأ ابن عامر بالسكون على التخفيف وحمزة والكسائي به وبفتح النون على أنه مصدر وصف به وعاصم {بُشْرًا} تخفيف بشر جمع بشور بمعنى مبشر {بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} يعني قدام المطر. {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَاء مَاءً طَهُوراً} مطهراً لقوله {لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ}. وهو اسم لما يتطهر به كالوضوء والوقود لما يتوضأ به ويوقد به. قال عليه الصلاة والسلام «حديث : التراب طهور المؤمن» «حديث : طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسل سبعاً إحداهن بالتراب»تفسير : وقيل بليغاً في الطهارة وفعول وإن غلب في المعنيين لكنه قد جاء للمفعول كالضبوث وللمصدر كالقبول وللاسم كالذنوب، وتوصيف الماء به إشعاراً بالنعمة فيه وتتميم للمنة فيما بعده فإن الماء الطهور أهنأ وأنفع مما خالطه ما يزيل طهوريته، وتنبيه على أن ظواهرهم لما كانت مما ينبغي أن يطهروها فبواطنهم بذلك أولى. {لّنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً} بالنبات وتذكير {مَيْتًا} لأن البلدة في معنى البلد، ولأنه غير جار على الفعل كسائر أبنية المبالغة فأجرى مجرى الجامد. {وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَـٰماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً} يعني أهل البوادي الذين يعيشون بالحيا ولذلك نكر الأنعام والأناسي، وتخصيصهم لأن أهل المدن والقرى يقيمون بقرب الأنهار، والمنافع فيهم وبما حولهم من الأنعام غنية عن سقيا السماء وسائر الحيوانات تبعد في طلب الماء فلا يعوزها الشرب غالباً مع أن مساق هذه الآيات كما هو للدلالة على عظم القدرة، فهو لتعداد أنواع النعمة والأنعام قنية الإِنسان وعامة منافعهم وعلية معايشهم منوطة بها، ولذلك قدم سقيها على سقيهم كما قدم عليها إحياء الأرض فإنه سبب لحياتها وتعيشها، وقرىء {نسقيه} بالفتح وسقى وأسقى لغتان، وقيل أسقاه جعل له سقياً {وَأَنَاسِيَّ} بحذف ياء وهو جمع إنسي أو إنسان كظرابي في ظربان على أن أصله أناسين فقلبت النون ياء. {وَلَقَدْ صَرَّفْنَـٰهُ بَيْنَهُمْ } صرفنا هذا القول بين الناس في القرآن وسائر الكتب، أو المطر بينهم في البلدان المختلفة والأوقات المتغايرة وعلى الصفات المتفاوتة من وابل وطل وغيرهما، وعن ابن عباس رضي الله عنه: «ما عام أمطر من عام ولكن الله قسم ذلك بين عباده على ما شاء وتلا هذه الآية» أو في الأنهار والمنافع. {لّيَذَّكَّرُواْ} ليتفكروا ويعرفوا كمال القدرة وحق النعمة في ذلك ويقوموا بشكره، أو ليعتبروا بالصرف عنهم وإليهم. {فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا } إلا كفران النعمة وقلة الاكتراث لها، أو جحودها بأن يقولوا مطرنا بنوء كذا، ومن لا يرى الأمطار إلا من الأنواء كان كافراً بخلاف من يرى أنها من خلق الله، والأنواء وسائط وأمارات بجعله تعالى. {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً } نبياً ينذر أهلها فيخف عليك أعباء النبوة لكن قَصَرْنَا الأمر عليك إجلالاً لك وتعظيماً لشأنك وتفضيلاً لك على سائر الرسل، فَقَابِل ذلك بالثبات والاجتهاد في الدعوة وإظهار الحق. {فَلاَ تُطِعِ ٱلْكَـٰفِرِينَ } فيما يريدونك عليه، وهو تهييج له عليه الصلاة والسلام وللمؤمنين. {وَجَـٰهِدْهُمْ بِهِ } بالقرآن أو بترك طاعتهم الذي يدل عليه فلا تطع، والمعنى أنهم يجتهدون في إبطال حقك فقابلهم بالاجتهاد في مخالفتهم وإزاحة باطلهم. {جِهَاداً كَبيراً } لأن مجاهدة السفهاء بالحجج أكبر من مجاهدة الأعداء بالسيف، أو لأن مخالفتهم ومعاداتهم فيما بين أظهرهم مع عتوهم وظهورهم، أو لأنه جهاد مع كل الكفرة لأنه مبعوث إلى كافة القرى. {وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ } خلاهما متجاورين متلاصقين بحيث لا يتمازجان من مرج دابته إذا خلاها. {هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ } قامع للعطش من فرط عذوبته. {وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ } بليغ الملوحة، وقرىء {مِلْحٌ } على فعل ولعل أصله مالح فخفف كبرد في بارد. {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً } حاجزاً من قدرته. {وَحِجْراً مَّحْجُوراً } وتنافراً بليغاً كأن كلاً منهما يقول للآخر ما يقوله المتعوذ للمتعوذ عنه، وقيل حدا محدوداً وذلك كدجلة تدخل البحر فتشقه فتجري في خلاله فراسخ لا يتغير طعمها، وقيل المراد بالبحر العذب النهر العظيم مثل النيل وبالبحر الملح البحر الكبير وبالبرزخ ما يحول بينهما من الأرض فتكون القدرة في الفصل واختلاف الصفة مع أن مقتضى طبيعة أجزاء كل عنصر أن تضامت وتلاصقت وتشابهت في الكيفية. {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلْمَاءِ بَشَراً} تعني الذي خمر به طينة آدم، أو جعله جزءاً من مادة البشر لتجتمع لتبشر وتسلس وتقبل الأشكال والهيئات بسهولة، أو النطفة. {فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً } أي قسمه قسمين ذوي نسب أي ذكوراً ينسب إليهم، وذاوت صهر أي إناثاً يصاهر بهن كقوله تعالى: {أية : فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ }تفسير : [القيامة: 39] {وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً } حيث خلق من مادة واحدة بشراً ذا أعضاء مختلفة وطباع متباعدة وجعله قسمين متقابلين، وربما يخلق من نطفة واحدة توأمين ذكراً وأنثى. {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُهُمْ وَلاَ يَضُرُّهُمْ } يعني الأصنام أو كل ما عبد من دون الله إذ ما من مخلوق يستقل بالنفع والضر. {وَكَانَ ٱلْكَـٰفِرُ عَلَىٰ رَبّهِ ظَهِيراً} يظاهر الشيطان بالعداوة والشرك والمراد بـ {ٱلْكَـٰفِرُ } الجنس أو أبو جهل. وقيل هيناً مهيناً لا وقع له عنده من قولهم ظهرت به إذا نبذته خلف ظهرك فيكون كقوله {أية : وَلاَ يُكَلّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ }تفسير : [آل عمران: 77] {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشّرًا وَنَذِيرًا } للمؤمنين والكافرين. {قُلْ مَا أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ } على تبليغ الرسالة الذي يدل عليه {إِلاَّ مُبَشّرًا وَنَذِيرًا}. {مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَن شَاء} إلا فعل من شاء. {أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً} أن يتقرب إليه ويطلب الزلفى عنده بالإِيمان والطاعة، فصور ذلك بصورة الأجر من حيث إنه مقصود فعله واستثناه منه قلعاً لشبهة الطمع وإظهاراً لغاية الشفقة، حيث اعتد بإنفاعك نفسك بالتعرض للثواب والتخلص عن العقاب أجراً وافياً مرضياً به مقصوراً عليه، وإشعاراً بأن طاعتهم تعود عليه بالثواب من حيث إنها بدلالته. وقيل الاستثناء منقطع معناه لكن من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً فليفعل.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِبَاساً } ساتراً كاللباس {وَٱلنَّوْمَ سُبَاتاً } راحة للأبدان بقطع الأعمال {وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُوراً } منشوراً فيه لابتغاء الرزق وغيره.

ابن عبد السلام

تفسير : {لِبَاساً} غطاء كاللباس. {سُبَاتاً} راحة لقطع العمل فيه، أو لأنه مسبوت فيه كالميت لا يعقل. {نُشُوراً} باليقظة كالنشور بالبعث، أو ينتشر فيه للمعاش.

النسفي

تفسير : {وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِبَاساً } جعل الظلام الساتر كاللباس {وَٱلنَّوْمَ سُبَاتاً } راحة لأبدانكم وقطعاً لأعمالكم، والسبت القطع والنائم مسبوت لأنه انقطع عمله وحركته. وقيل: السبات الموت والمسبوت الميت لأنه مقطوع الحياة وهو كقوله تعالى {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّـٰكُم بِٱلَّيْلِ }تفسير : [الأنعام: 60] ويعضده ذكر النشور في مقابلته {وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُوراً } إذ النشور انبعاث من النوم كنشور الميت أن ينشر فيه الخلق للمعاش. وهذه الآية مع دلالتها على قدرة الخالق فيها إظهار لنعمته على خلقه لأن في الاحتجاب بستر الليل فوائد دينية ودنيوية، وفي النوم واليقظة المشبهين بالموت والحياة عبرة لمن اعتبر. وقال لقمان لابنه: كما تنام فتوقظ كذلك تموت فتنشر. {وَهُوَ ٱلَّذِى أَرْسَلَ ٱلرّيَـٰحَ } {الريح} مكي والمراد به الجنس {بُشَرًا } تخفيف بشر جمع بشور {بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ } أي قدام المطر لأنه ريح ثم سحاب ثم مطر وهذه استعارة مليحة {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء } مطراً {طَهُوراً } بليغاً في طهارته. والطهور صفة كقولك «ماء طهور» أي طاهر، واسم كقولك لما يتطهر به طهور كالوضوء والوقود لما يتوضأ به وتوقد به النار، ومصدر بمعنى التطهر كقولك تطهرت طهوراً حسناً ومنه قوله عليه الصلاة والسلام «حديث : لا صلاة إلا بطهور»تفسير : أي بطهارة. وما حكي عن ثعلب هو ما كان طاهراً في نفسه مطهراً لغيره وهو مذهب الشافعي رحمه الله تعالى إن كان هذا بيان زيادة الطهارة فحسن ويعضده قوله تعالى {أية : وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم مّن ٱلسَّمَاء مَاء لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ }تفسير : [الأنفال: 11] وإلا فليس فعول من التفعيل في شيء، وقياسه على ما هو مشتق من الأفعال المتعدية كقطوع ومنوع غير سديد لأن بناء الفعول للمبالغة، فإن كان الفعل متعدياً فالفعول متعد وإن كان لازماً فلازم

البقاعي

تفسير : ولما تضمنت هذه الآية الليل النهار، قال مصرحاً بهما دليلاً على الحق، وإظهاراً للنعمة على الخلق: {وهو} أي ربك وحده {الذي جعل} ولما كان ما مضى في الظل أمراً دقيقاً فخص به أهله، وكان أمر الليل والنهار ظاهراً لكل أحد، عم فقال: {لكم الليل} أي الذي تكامل به مد الظل {لباساً} أي ساتراً للأشياء عن الأبصار كما يستر اللباس {والنوم سباتاً} أي نوماً وسكوناً وراحة، عبارة عن كونه موتاً أصغر طاوياً لما كان من الإحساس، قطعاً عما كان من الشعور والتقلب، دليلاً لأهل البصائر على الموت؛ قال البغوي وغيره: وأصل السبت القطع. وفي جعله سبحانه كذلك من الفوائد الدينية والدنيوية ما لا يعد، وكذا قوله: {وجعل النهار نشوراً*} أي حياة وحركة وتقلباً بما أوجد فيه من اليقظة المذكرة بالبعث، المهيئة للتقلب، برد ما أعدمه النوم من جميع الحواس؛ يحكى أن لقمان قال لابنه: كما تنام فتوقظ فكذلك تموت فتنشر. فالآية من الاحتباك: ذكر السبات أولاً دليلاً على الحركة ثانياً، والنشور ثانياً دليلاً على الطيّ والسكون أولاً. ولما دل على عظمته بتصرفه في المعاني بالإيجاد والإعدام، وختمه بالإماتة والإحياء بأسباب قريبة، أتبعه التصرف في الأعيان بمثل ذلك، دالاًّ على الإماتة والإحياء بأسباب بعيدة، وبدأه بما هو قريب للطافته من المعاني، وفيه النشر الذي ختم به ما قبله، فقال: {وهو} أي وحده {الذي أرسل الرياح} فقراءة ابن كثير بالإفراد لإرادة الجنس، وقراءة غيره بالجمع أدل على الاختيار بكونها تارة صباً وأخرى دبوراً، ومرة شمالاً وكرة جنوباً وغير ذلك {بشراً} أي تبعث بأرواحها السحاب، كما نشر بالنهار أرواح الأشباح {بين يدي رحمته} لعباده بالمطر. ولما كان السحاب قريباً من الريح في اللطافة، والماء قريباً منهما ومسبباً عما تحمله الريح من السحاب، أتبعهما به، ولما كان في إنزاله من الدلالة على العظمة بإيجاده هنالك وإمساكه ثم إنزاله في الوقت المراد والمكان المختار على حسب الحاجة ما لا يخفى، غير الأسلوب مظهراً للعظمة فقال: {وأنزلنا من السماء} أي حيث لا ممسك للماء فيه غيره سبحانه {ماء} ثم أبدل منه بياناً للنعمة به فقال: {طهوراً*} أي طاهراً في نفسه مطهراً لغيره، اسم آلة كالسحور والسنون لما يتسحر به ويستن به، ونقل أبو حيان عن سيبويه أنه مصدر لتطهّر المضاعف جرى على غير فعله. وأما جعله مبالغة لطاهر فلا يفيد غير أنه بليغ الطهارة في نفسه لأن فعله قاصر. ولما كانت هذه الأفعال دالة على البعث لكن بنوع خفاء، أتبعها ثمرة هذا الفعل دليلاً واضحاً على ذلك، فقال معبراً بالإحياء لذلك، معللاً للطهور المراد به البعد عن جميع ما يدنسه من ملوحة أو مرارة أو كبرتة ونحو ذلك مما يمنع كمال الانتفاع به: {لنحيي به} أي بالماء. ولما كان المقصود بإحياء الأرض بالنبات إحياء البلاد لإحياء أهلها قال: {بلدة} ولو كان ملحاً أو مراً أو مكبرتاً لم تكن فيه قوة الإحياء. ولما كره أن يفهم تخصيص البلاد، أجري الوصف باعتبار الموضع ليعم كل مكان فقال: {ميتاً} أي بما نحدث فيه من النبات بعد أن كان قد صار هشيماً ثم تراباً، ليكون ذلك آية بينة على قدرتنا على بعث الموتى بعد كونهم تراباً. ولما كان في مقام العظمة، بإظهار القدرة، زاد على كونه آية على البعث بإظهار النبات الذي هو منفعة للرعي منفعة أخرى عظيمة الجدوى في الحفظ من الموت بالشرب كما كانت آية الإحياء حافظة بالأكل فقال: {ونسقيه} أي الماء وهو من أسقاه - مزيد سقاه، وهما لغتان. قال ابن القطاع: سقيتك شراباً وأسقيتك، والله تعالى عباده وارضه كذلك. {مما خلقنا} أي بعظمتنا. ولما كانت النعمة في إنزال الماء على الأنعام وأهل البوادي ونحوهم أكثر، لأن الطير والوحش تبعد في الطلب فلا تعدم ما تشرب، خصها فقال: {أنعاماً} وقدم النبات لأن به حياة الأنعام، والأنعام لأن بها كمال حياة الإنسان، فإذا وجد ما يكفيها من السقي تجزّأ هو بأيسر شيء، وأتبع ذلك قوله: {وأناسيّ كثيراً*} أي بحفظنا له في الغدران لأهل البوادي الذين يبعدون عن الأنهار والعيون وغيرهم ممن أردنا، لأنه تعالى لا يسقي جميع الناس على حد سواء، ولكن يصيب بالمطر من يشاء، ويصرفه عمن يشاء، ويسقي بعض الناس من غير ذلك، ولذا نكر المذكورات - كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: ما من عام بأمطر من عام، ولكن الله قسم ذلك بين عباده على ما يشاء - وتلا هذه الآية. وقال البغوي: وذكر ابن إسحاق وابن جريج ومقاتل وبلغوا به ابن مسعود رضي الله عنه يرفعه قال: ليس من سنة بأمطر من أخرى، ولكن الله قسم الأرزاق، فجعلها في السماء الدنيا في هذا القطر، ينزل منه كل سنة بكيل معلوم ووزن معلوم، فإذا عمل قوم بالمعاصي حول الله ذلك إلى غيرهم، وإذا عصوا جميعاً صرف الله تعالى ذلك إلى الفيافي والبحار - انتهى. وكان السر في ذلك أنه كان من حقهم أن يطهروا ظواهرهم وبواطنهم، ويطهروا غيرهم ليناسبوا حاله في الطهورية، فلما تدنسوا بالقاذورات تسببوا في صرفه عنهم. ولما ذكر سبحانه أن من ثمرة إنزال القرآن نجوماً إحياء القلوب التي هي أرواح الأرواح، وأتبعه ما لاءمه، إلى أن ختم بما جعله سبباً لحياة الأشباح، فكان موضعاً لتوقع العود إلى ما هو حياة الأرواح، قال عاطفاً على متعلق {أية : كذلك لنثبت}تفسير : [الفرقان: 32] منبهاً على فائدة أخرى لتنجيمه أيضاً: {ولقد صرفناه} أي وجهنا القرآن. كما قال ابن عباس رضي الله عنهما إنه المراد ههنا، ويؤيده ما بعده - وجوهاً من البيان، وطرقناه طرقاً تعيي أرباب اللسان، في معان كثيرة جداً {بينهم} في كل قطر عند كل قوم {ليذكروا} بالآيات المسموعة ما ركزنا في فطرهم من الأدلة العقلية والمؤيدة بالآيات المرئية ولو على أدنى وجوه التذكر المنجية لهم - بما أشار إليه الإدغام. ولما كان القرآن قائداً ولا بد لمن أنصف إلى الإيمان، دل على أن المتخلف عنه إنما هو معاند بقوله: {فأبى} أي لم يرد {أكثر الناس} أي بعنادهم {إلا كفوراً*} مصدر كفر مبالغاً فيه.

القشيري

تفسير : جعل الليلَ وقتاً لسكون قومٍ ووقتاً لإنزعاج آخرين؛ فأربابُ الغفلة يسكنون في ليلهم، والمحبون يسهرون في ليلهم إنْ كانوا في رَوْحِ الوصال، فلا يأخذهم النومُ لكمال أُنْسِهم، وإن كانوا في ألم الفراق فلا يأخذهم النوم لكمال قلقهم، فالسّهرُ للأحباب صِفَةٌ: إمَّا لكمال السرور أو لهجوم الهموم. ويقال جعل النومَ للأحباب وقتَ التجلِّي بما لا سبيلَ إليه في اليقظة، فإذا رَأَوْا ربَّهم في المنام يؤثِرون النومُ على السَّهر، قال قائلهم: شعر : وإني لأَستغفي وما بي نَعْسَةٌ لعلَّ خيالاً منك يلقى خياليا تفسير : وقال قائلهم: شعر : رأيتُ سرورَ قلبي في منامي فأحببتُ التَّنَعُّسَ والمناما تفسير : ويقال النوم لأهلِ الغفلة عقوبةٌ ولأهلِ الاجتهادِ رحمةٌ؛ فإن الحقَّ - سبحانه - يُدْخِلُ عليهم النوم ضرورةً رحمةً منه بنفوسهم ليستريحوا من كَدِّ المجاهدة.

اسماعيل حقي

تفسير : {وهو} اى الله تعالى وحده {الذى جعل لكم الليل لباسا} كاللباس يستركم بظلامه كما يستر اللباس فشبه ظلامه باللباس فى الستر. واصل اللبس ستر الشىء وجعل اللباس وهو ما يلبس اسما لكل ما يغطى الانسان من قبيح وجعل الزوج لزوجها لباسا فى قوله {أية : هن لباس لكم وانتم لباس لهن} تفسير : من حيث انه يمنعها عن تعاطى قبيح وجعل التقوى لباسا فى قوله {أية : ولباس التقوى}تفسير : على طريق التمثيل والتشبيه، فان قلت اذا كان ظلمة الليل لباسا فلا حاجة الى ستر العورة فى صلاة الليل، قلت لااعتبار لستر الظلمة فان ستر العورة باللباس ونحوه لحق الصلاة هو باق فى الظلمة والضوء {والنوم سباتا} النوم استرخاء اعصاب الدماغ برطوبات البخار الصاعد والسبت قطع العمل ويوم سبتهم يوم قطعهم للعمل وسمى يوم السبت لذلك او لانقطاع الايام عنده لان الله تعالى ابتدأ بخلق السموات والارض يوم الاحد فخلقها فى ستة ايام فقطع عمله يوم السبت كما فى المفردات. والمعنى وجعل النوم الذى يقع فى الليل غالبا راحة للابدان بقطع المشاغل والاعمال المختصة بحال اليقظة او جعله موتا فعبر عن القطع بالسبات الذى هو الموت لما بينهما من المشابهة التامة فى انقطاع الحياة وعليه قوله تعالى {أية : وهو الذى يتوفاكم بالليل}تفسير : فالموت والنوم من جنس واحد خلا ان الموت هو الانقطاع الكلى اى انقطاع ضوء الروح عن ظاهر البدن وباطنه والنوم هو الانقطاع الناقص اى انقطاع ضوء الروح عن ظاهره دون باطنه والمسبوت الميت لانقطاع الحياة عنه والمريض المغشى عليه لزوال عقله وتمييزه وعليه قولهم مثل المبطون والمفلوج والمسبوت ينبغى ان لا يبادر الى دفنهم حتى يمضى يوم وليلة ليتحقق موتهم {وجعل النهار نشورا} النهار الوقت الذى ينتشر فيه الضوء وهو فى الشرع مابين طلوع الفجر الى غروب الشمس وفى الاصل مابين طلوع الشمس الى غروبها والنشور اما من الانتشار اى وجعل النهار ذا نشور اى انتشار ينتشر فيه الناس لطلب المعاش وابتغاء الرزق كما قال {أية : لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله}تفسير : او من نشر الميت اذا عاد حيا اى وجعل النهار زمام بعث من ذلك السبات والنوم كبعث الموتى على حذف المضاف واقامة المضاف اليه مقامه اى نفس البعث على طريق المبالغة، وفيه اشارة الى ان النوم واليقظة انموذج للموت والنشور، وعن لقمان عليه السلام يابنى كما تنام فتوقظ كذلك تموت فتنشر: وفى المثنوى شعر : نوم ماجون شد اخ الموت اى فلان زين برادر آن برادررا بدان تفسير : وفى الآية رخصة للمنام بقدر دفع الضرورة وهو فتور البدن، قال بعض الكبار النوم راحة للبدن والمجاهدات اتعاب البدن فيتضادان وحقيقة النوم سد حواس الظاهر لفتح حواس القلب والحكمة فى النوم ان الروح القدسى او اللطيفة الربانية او النفس الناطقة غريبة جدا فى هذا الجسم السفلى مشغولة باصلاحه وجلب منافعه ودفع مضاره محبوسة فيه مادام المرء يقظان فاذا نام ذهب الى مكانه الاصلى ومعدنه الذاتى فيستريح بواسطة لقاء الارواح ومعرفة المعانى والغيوب مما يتلقى فى حين ذهابه الى عالم الملكوت من المعانى التى يراها بالامثلة فى عالم الشهادة وهو السر فى تعبير الرؤيا فاذا هجر المجاهد النوم والاستراحة ذابت عليه اجزاء الاركان الاربعة من الترابية والمائية والنارية والهوائية فيعرى القلب حينئذ عن الحجب فينظر الى عالم الملكوت بعين قلبه فيشتاق الى ربه وربما يرى المقصود فى نومه كما حكى عن شاه شجاع انه لم ينم ثلاثين سنة فاتفق انه نام ليلة فرأى الحق سبحانه فى منامه ثم بعد ذلك كان يأخذ الوسادة معه ويضطجع حيث كان فسئل عن ذلك فانشأ يقول شعر : رأيت سرور قلبى فى منامى فاحببت التنعس والمناما تفسير : فهذا حال اهل النهاية فانهم حيث كانت بصيرتهم يقظانة كان منامهم فى حكم اليقظة ولذا قال بعضهم شعر : مشو بمرك زامداد اهل دل نوميد كه خواب مردم آكاه عين بيداريست تفسير : واما حال غيرهم فكما قيل شعر : سر آنكه ببالين نهد هوشمند كه خوابش بقهر آورد دركمند تفسير : وعن ذى النون المصرى رحمه الله ثلاثة من اعلام العبادة حب الليل للسهر فى الطاعة والخلوة بالصلاة وكراهة النهار لرؤية الناس والغفلة عن الصلاة والمبادرة بالاعمال مخافة الفتنة، قال بعضهم جعل الليل وقتا لسكون قوم ووقتا لانزعاج آخرين فارباب الغفلة يسكنون فى ليلهم والمحبون يسهرون فان كانوا فى روح الوصال فلا يأخذهم النوم لكمال انسهم وان كانوا فى ألم الفراق فلا يأخذهم النوم لكمال قلقهم فالسهر للاحباب صفة اما لكمال السرور او لهجوم الغموم ثم الادب عند الانتباه ان يذهب بباطنه الى الله تعالى ويصرف فكره الى امر الله قبل ان يجول الفكر فى شىء سوى الله ويشغل اللسان بالذكر فالصادق كالطفل الكلف بالشىء اذ انام ينام على محبة الشىء واذا انتبه يطلب ذلك الذى كان كلفا به وعلى هذا الكلف والشغل يكون الموت والقيام الى الحشر فلينظر وليعتبر عند انتباهه من النوم ماهمه فانه يكون هكذا عند القيام من القبران كان همه الله والا فهمه غير الله، وفى الخبر "حديث : اذا نام العبد عقد الشيطان على رأسه ثلاث عقد فان قعد وذكر الله تعالى انحلت عقدة فان توضأ انحلت اخرى وان صلى ركعتين انحلت كلها فاصبح نشيطا طيب النفس والا اصبح كسلان خبيث النفس"تفسير : وفى خبر آخر "حديث : ان نام حتى يصبح بال الشيطان فى اذنه"تفسير : والعياذ بالله من شر النفس والشيطان.

الطوسي

تفسير : قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو "نشراً" بضم النون والشين. وقرأ ابن عامر - بضم النون وسكون الشين - وروى ذلك هارون عن أبي عمرو. وقرأ حمزة والكسائي - بفتح النون وسكون الشين - وقرأ عاصم "بشراً" بالباء وسكون الشين. قال ابو علي النحوي: من ثقل أراد جمع (نشور) مثل رسول ورسل، ومن سكن الشين، فعلى قول من سكن (كتب) في (كتب) و (رسل) فى (رسل). ومن فتح النون جعله مصدراً واقعاً موقع الحال، وتقديره يرسل الرياح حياة أي يحيي بها البلاد الميتة. ومن قرأ بالباء أراد جمع (بشور) أي تبشر بالغيث من قوله {أية : الرياح مبشرات} تفسير : يعني بالغيث المحيي للبلاد. وقرأ حمزة والكسائي "ليذكروا" خفيفة الذال. الباقون بتشديدها. من شدد الذال أراد (ليتذكروا) فأدغم التاء فى الذال، وهو الأجود لأن التذكير والتذكر والاذكار فى معنى واحد وهو في معنى الاتعاظ، وليس الذكر كذلك. وقد حكى أبو علي ان الذكر يكون بمعنى التذكر، كقوله تعالى {أية : إنها تذكرة فمن شاء ذكره} تفسير : وقوله {أية : خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه}، تفسير : والاول أكثر. والمعنى ليتفكروا فى قدرة الله، وموضع نعمته بما أحيا بلادهم به من الغيث. يقول الله تعالى معدداً لنعمه على خلقه منها أنه {جعل لكم الليل لباساً} ومعناه أن ظلمته تلبس كل شخص، وتغشيه حتى تمنع من ادراكه. وانما جعله كذلك للهدوء فيه والراحة من كد الاعمال، مع النوم الذي فيه صلاح البدن. وقوله {والنوم سباتاً} أي جعل نومكم ممتداً طويلا تكثر به راحتكم وهدوؤكم. وقيل: انه اراد جعله قاطعاً للاعمال التي يتصرف فيها. والسبات قطع العمل، ومنه سبت رأسه يسبته سبتاً اذا حلقه، ومنه يوم السبت، وهو يوم ينقطع فيه العمل. قال المبرد: يعني سباتاً سكوتاً يقال: أسبت الرجل إذا اخذته سكتة. وقوله {وجعل النهار نشوراً} أي للانبساط والتصرف في الحوائج. والنشور الانبساط في تصرف الحي، يقال: نشر الميت إذا حيي وانشره الله فنشر، قال الاعشى: شعر : حتى يقول الله مما رأوا يا عجبا للميت الناشر تفسير : ثم قال {وهو الذي أرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته} وفى الرحمة تجمع الرياح، لانه جمع الجنوب والشمال والصبا. وفي العذاب (ريح) لانها هي الدبور وحدها وهي عقيم، لا تلقح، فكل الرياح لواقح غيرها. والرحمة التي ينزلها من السماء هي الغيث، وذكر انه قد يرسل الرياح لينشىء السحاب. ثم ينزل {من السماء ماء طهوراً} أي طاهراً مطهراً مزيلا للاحداث والنجاسات مع طهارته فى نفسه. وانما نزل هذا الماء {ليحيي به بلدة ميتاً} قد مات بالجدب. قال ابو عبيدة: زعم بعضهم انه اراد إذا لم يكن فيها نبات، فهو بغير (هاء) وإذا كانت حية روحانية فماتت، فهي ميتة. وقال غيره: اراد بالبلدة المكان، فلذلك قال ميتاً بالتذكير، ومعنى نسقيه نجعله سقياً للانعام التي خلقها الله تعالى. وقوله {وأناسي كثيراً} جمع إنسان جعلت الياء عوضاً من النون، وقد قالوا: (أناسين) نحو بستان وبساتين. ويجوز أن يكون (أنسي) نحو كرسي وكراسي. وقد قالوا: أناسية كثيرة. ثم قال تعالى {ولقد صرفناه بينهم} قيل: معناه قسمناه بينهم يعني المطر قال ابن عباس: ليس من غمام إلا يمطر، وإنما يصرف من موضع الى موضع. والتصريف تصيير الشيء دائراً فى الجهات. فالمطر يصرف بدوره فى جهات الارض. ثم بين انه صرفه كذلك {ليتذكروا} ويتفكروا، فيستدلوا على سعة مقدور الله وانه لا يستحق العبادة سواه. ثم اخبر عن حال الكفار، فقال {فأبى أكثر الناس إلا كفوراً} أي جحوداً لهذه النعم التي عددناها وانكارها. ويقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا.

الجنابذي

تفسير : {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱللَّيْلَ لِبَاساً} عطف على الم تر كيف مدّ الظّلّ باعتبار المعنى، فانّه فى معنى هو الّذى مدّ الظّلّ والمراد باللّباس الثّوب فانّ ظلمة اللّيل السّاترة للاشخاص عن الانظار شبيهة باللّباس السّاتر للابدان من الانظار، او الاختلاط فانّ اللّيل سبب لاختلاط القوى وآثارها، او الاجتماع مقابل النّشر فى النّهار فانّ اللّيل وقت لاجتماع الاشخاص فى البيوت واجتماع القوى والارواح فى الباطن {وَٱلنَّوْمَ سُبَاتاً} اى سبب قطع من الدّنيا ومشاغلها او سبب راحة او نوم {وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُوراً} اى سبب نشورٍ، ولمّا كان المقام للامتنان بتعداد النّعم وتكرار النّعم والبسط فيها كان مطلوباً كرّر جعل ههنا ولمّا كان النّوم من نعم اللّيل كأنّه لم يكن نعمة على حيالها لم يكرّر جعل هناك.

اطفيش

تفسير : {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاساً} فلو تعرى احد بوسط جماعة في ليلة مقمرة رجل كان أو امرأة من جمع ما يستره لم يتبرأ منه ولا انتقض وضوء الناظر إليه لكن التعري مكروه ولو في خلوة وظلمه ولما كانت الظلمة تغشى على الشيء وتمنع نفوذ البصرانية كاللباس سمي الليل لباسا. {وَالنَّوْمَ سُبَاتاً} راحة للأبدان بقطع العمل والسبت القطع وسمي المسبب وهو الراحة باسم السبب وهو القطع واللازم وهو الراحة باسم الملزوم وهو القطع واسند ذلك المسبب اللازم إلى النوم لتحققه به أو السبات الموت كقوله عز وجل {يتوفاكم بالليل} فان النوم موت من الموتين وفيه قطع الاحساس وهذا الوجه الاخير اولى لان مطابقة قوله. {وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً} له اشد من مطابقته للاول لان النشور الانتشار للمعيشة وليس غير مطابق للاول بالكلية فانه مطابق لان في النشور عدم راحة الابدان ثم ظهر لي انه ليس باولى لان النشور يصح ان يكون بمعنى البعث من النوم ونشورا بمعنى الانتشار اي جعل النهار ذا نشورا ومنشورا فيه أو سماه نشورا مبالغة والمعنى ان الناس ينتشرون فيه للمعاش أو النشور البعث من النوم وفيه تنبيه على البعث بعد الموت. قال لقمان عليه السلام لابنه: يا بني كما تنام فتوقظ كذلك تموت فتنشر. وقيل: ان لقمان ولي غير نبي.

اطفيش

تفسير : {وهُو الذى جَعَل لَكم اللَّيل لباساً} استعارة أو تشبيه كما تلبسون ثياباً، وذلك مناسب لتغطية الأرض بالظل كاللباس لها، ونقول الشمس لباس آخر لها {والنَّوم} وهو يقع فى الليل غالباً لاستيلاء الأبخرة على القوى عادة، فتسترخى {سباتاً} قطعاً للأبدان والقلوب عن العمل، والنوم نفس القطع، كالسكون قطع الحركة، أو السبات الراحة، وهى تكون بقطع عمل القلب والجوارح، وقد شهر أن يوم السبت سمى لجريان العادة فيه بالاستراحة، قيل لم يخلق الله فيه شيئاً ولا يلحقه تعب، ومريض مسبوت استراح من تعب العلة، أو ضرب من الأعمال يشبه النوم به. {وجَعَل النَّهار نُشُوراً} زمان نشور لطلب المعاش، أو نفس النشور مبالغة، أو ناشراً على الاسناد المجازة العقلى، أو السبات الموت استعارة أو تشبيها، والنشور البعث كذلك لشبه النوم بالموت، والاستيقاظ بالحياة بالبعث، وهو الذى يتوفاكم بالليل الله يتوفى الأنفس الخ.

الالوسي

تفسير : {وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِبَاساً } بيان لبعض بدائع آثار قدرته عز وجل وروائع أحكام رحمته ونعمته الفائضة على الخلق، وتلوين الخطاب / لتوفية مقام الامتنان حقه، واللام متعلقة بجعل وتقديمها على مفعوليه للاعتناء ببيان كون ما بعد من منافعهم، وفي تعقيب بيان أحوال الظل ببيان أحكام الليل الذي هو ظل الأرض من لطف المسلك ما لا مزيد عليه أي وهو الذي جعل لنفعكم الليل كاللباس يستركم بظلامه كما يستركم اللباس {وَ} جعل {النَّوْمَ} الذي يقع فيه غالباً بسبب استيلاء الأبخرة على القوى عادة، وقيل: بشم نسيم يهب من تحت العرش ولا يكاد يصح. {سُبَاتاً } راحة للأبدان بقطع الأفاعيل التي تكون حال اليقظة، وأصل السبت القطع، وقيل: يوم السبت لما جرت العادة من الاستراحة فيه على ما قيل، وقيل: لأن الله تعالى لم يخلق فيه شيئاً، ويقال للعليل إذا استراح من تعب العلة: مسبوت، وإلى هذا ذهب أبو مسلم. وقال أبو حيان: ((السبات ضرب من الإغماء يعتري اليقظان مرضاً فشبه النوم به، والسبت الإقامة في المكان فكان النوم سكوناً ما)). {وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُوراً } أي ذا نشور ينتشر فيه الناس لطلب المعاش فهو كقوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً } تفسير : [النبأ: 11] وفي جعله نفس النشور مبالغة، وقيل: نشوراً بمعنى ناشراً على الإسناد المجازي، وجوز أن يراد بالسبات الموت لما فيه من قطع الإحساس أو الحياة، وعبر عن النوم به لما بينهما من المشابهة التامة في انقطاع أحكام الحياة، وعليه قوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّـٰكُم بِٱلَّيْلِ } تفسير : [الأنعام: 60] وقوله سبحانه: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا وَٱلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِـهَا } تفسير : [الزمر: 42] وبالنشور البعث أي وجعل النهار زمان بعث من ذلك السبات أو نفس البعث على سبيل المبالغة. وأبـى الزمخشري الراحة في تفسير السبات وقال: إنه يأباه النشور في مقابلته إباء العيوف الورد وهو مرنق، وكأن ذلك لأن النشور في القرآن لا يكاد يوجد بمعنى الانتشار والحركة لطلب المعاش، وعلل في «الكشف» إباء الزمخشري بذلك وبأن الآيات السابقة واللاحقة مع ما فيها من التذكير بالنعمة والقدرة أدمج فيها الدلالة على الإعادة فكذلك ينبغي أن لا يفرق بين هذه وبين أترابها. وكأنه جعل جعل الليل لباساً والنوم فيه سباتاً بمجموعه مقابل جعل النهار نشوراً ولهذا كرر (جعل) فيه لما في النشور من معنى الظهور والحركة الناصبة أو معنى الظهور والبعث ولم يسلك في آية سورة النبأ هذا المسلك لما لا يخفى.

ابن عاشور

تفسير : مناسبة الانتقال من الاستدلال باعتبار أحوال الظلّ والضَّحاء إلى الاعتبار بأحوال اللّيل والنهار ظاهرة، فالليل يشبه الظِلّ في أنه ظلمة تعقب نور الشمس. ومورد الاستدلال المقصد المستفاد من تعريف جُزَأي الجملة وهو قصر إفراد، أي لا يشركه غيره في جعل الليل والنهار. أما كون الجعل المذكور بخلق الله فهم يُقرون به؛ ولكنهم لما جعلوا له شركاء على الإجمال أُبطلت شركتهم بقصر التصرف في الأزمان على الله تعالى لأنه إذا بطل تصرفهم في بعض الموجودات اختلت حقيقة الإلهية عنهم إذ الإلهية لا تقبل التجزئة. و{لكم} متعلق بــــ{جعل} أي من جملة ما خُلق له الليل أنه يكون لباساً لكم. وهذا لا يقتضي أن الليل خُلق لذلك فقط لأن الليل عَوْد الظلمة إلى جانب من الكرة الأرضية المحتجب عن شعاع الشمس باستداراته فتحصُل من ذلك فوائد جمة منها ما في قوله تعالى بعد هذا {أية : وهو الذي جعل الليل والنهار خِلْفَة لمن أراد أن يذكّر...}تفسير : [الفرقان: 62] إلخ. وقد رجع أسلوب الكلام من المتكلم إلى الغيبة على طريقة الالتفات. و{لباساً} مشبه به على طريقة التشبيه البليغ، أي ساتراً لكم يسْتر بعضَكم عن بعض. وفي هذا الستر مِنَن كثيرة لقضاء الحوائج التي يجب إخفاؤها. وتقديم الاعتبار بحالة ستر الليل على الاعتبار بحالة النوم لرعي مناسبة الليل بالظل كما تقدم، بخلاف قوله: {أية : وخلقناكم أزواجاً وجعلنا نومكم سباتاً وجعلنا الليل لباساً} تفسير : في سورة النبأ (8 ـــ 10)، فإن نعمة النوم أهم من نعمة الستر، ولأن المناسبة بين نعمة خلق الأزواج وبين النوم أشد. وقد جمعت الآية استدلالاً وامتناناً فهي دليل على عظم قدرة الخالق، وهي أيضاً تذكير بنعمة، فإن في اختلاف الليل والنهار آيات جمّةً لما يدل عليه حصول الظلمة من دِقة نظام دوران الأرض حول الشمس ومن دقة نظام خلق الشمس، ولِما يتوقف عليه وجود النهار من تغير دوران الأرض ومن فوائد نور الشمس، ثم ما في خلال ذلك من نظام النوم المناسب للظلمة حين ترتخي أعصاب الناس فيحصل لهم بالنوم تجدد نشاطهم، ومن الاستعانة على التستر بظلمة الليل ومن نظام النهار من تجدد النشاط وانبعاث الناس للعمل وسآمتهم من الدعة، مع ما هو ملائم لذلك من النور الذي به إبصار ما يقصده العاملون. والسبات له معان متعددة في اللغة ناشئة عن التوسع في مادة السبت وهو القطع. وأنسب المعاني بمقام الامتنان هو معنى الراحة وإن كان في كلا المعنيين اعتبار بدقيق صنع الله تعالى. وفسر الزمخشري السبات بالموت على طريقة التشبيه البليغ ناظراً في ذلك إلى مقابلته بقوله: {وجعل النهار نشوراً}. وإعادة فعل {جعل} في قوله: {وجعل النهار نشوراً} دون أن يعاد في قوله {والنوم سباتاً} مشعرة بأنه تنبيه إلى أنه جعلٌ مخالف لجَعْل الليل لباساً. وذلك أنه أخبر عنه بقوله {نشوراً}، والنشور: بعث الأموات، وهو إدماج للتذكير بالبعث وتعريض بالاستدلال على من أحالوه، بتقريبه بالهبوب في النهار. وفي هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا أصبح «حديث : الحمد لله الذي أحيانا بعد إذ أماتنا وإليه النشور»تفسير : . والنشور: الحياة بعد الموت، وتقدم قريباً عند قوله تعالى: {أية : بل كانوا لا يرجون نشوراً}تفسير : [الفرقان: 40]. وهو هنا يحتمل معنيين أن يكون مراداً به البروز والانتشار فيكون ضد اللباس في قوله: {وهو الذي جعل لكم الليل لباساً} فيكون الإخبار به عن النهار حقيقياً، والمنّة في أن النهار ينتشر فيه الناس لحوائجهم واكتسابهم. ويحتمل أن يكون مراداً به بعث الأجساد بعد موتها فيكون الإخبار على طريقة التشبيه البليغ.

الشنقيطي

تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه هو الذي جعل لخلقه الليل لباساً، والنوم سباتاً، وجعل لهم النهار نشوراً، أما جعله لهم الليل لباساً، فالظاهر أنه لما جعل الليل يغطي جميع من في الأرض بظلامه، صار لباساً لهم، يسترهم كما يستر اللباس عورة صاحبه، وربما انتفعوا بلباس الليل كهروب الأسير المسلم من الكفار في ظلام الليل، واستتاره به حتى ينجو منهم، ونحو ذلك من الفوائد التي تحصل بسبب لباس الليل كما قال أبو الطيب المتنبي: شعر : وكم لظلام الليل عندي من يد تخبر أن المانوية تكذب وقال ردى الأعداء تسري إليهم وزارك فيه ذو الدلال المحجب تفسير : وأما جعله لهم النوم سباتاً فأكثر المفسرين على أن المراد بالسبات: الراحة، من تعب العمل بالنهار، لأن النوم يقطع العمل النهاري، فينقطع به التعب، وتحصل الاستراحة، كما هو معروف. وقال الجوهري في صحاحه: السبات النوم وأصله الراحة، ومنه قوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً} تفسير : [النبأ: 9] وقال الزمخشري في الكشاف: والسبات: الموت، والمسبوت: الميت، لأنه مقطوع الحياة وهذا، كقوله: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِٱللَّيْلِ} تفسير : [الأنعام: 60]. فإن قلت: هل لا فسرته بالراحة؟ قلت: النشور في مقابلته يأباه إباء العيوف الورد، وهو مرنق اهـ محل الغرض منه. وإيضاح كلامه: أن النشور هو الحياة بعد الموت كما تقدم إيضاحه، وعليه فقوله: {وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُوراً} أي حياة بعد الموت، وعليه فالموت هو المعبر عنه بالسبات في قوله: {وَٱلنَّوْمَ سُبَاتاً} وإطلاق الموت على النوم معروف في القرآن العظيم كقوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِٱللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيه} تفسير : [الأنعام: 60] وقوله: {ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيه} فيه دليل على ما ذكره الزمخشري، لأن كلا من البعث والنشور، يطلق على الحياة بعد الموت، وكقوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا وَٱلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِـهَا فَيُمْسِكُ ٱلَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ وَيُرْسِلُ ٱلأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} تفسير : [الزّمر: 42]، وقال الجوهري في صحاحه: والمسبوت الميت والمغشى عليه. اهـ. والذين قالوا: إن السبات في الآية الراحة بسبب النوم من تعب العمل بالنهار، قالوا: إن معنى قوله تعالى: {وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُوراً} أنهم ينشرون فيه لمعايشهم، ومكاسبهم، وأسبابهم، والظاهر أن هذا التفسير فيه حذف مضاف، أو هو من النعت بالمصدر، وهذا التفسير يدل عليه قوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً} تفسير : [النبأ: 11] وقوله تعالى في القصص: {أية : وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} تفسير : [القصص: 73] أي لتسكنوا في الليل، ولتبتغوا من فضله بالنهار في السعي للمعاش. وإذا علمت هذا فاعلم أن ما دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء موضحاً في مواضع أخر كقوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً وَجَعَلْنَا ٱللَّيْلَ لِبَاساً وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً} تفسير : [النبأ: 9ـ11] وقوله تعالى: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلْلَّيْلَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُون قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} تفسير : [القصص: 71ـ73]. وقوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلْلَّيْلِ وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ} تفسير : [الإسراء: 12] الآية. وقد أوضحنا هذا في الكلام على هذه الآية. وكقوله تعالى: {أية : وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ} تفسير : [الليل: 1ـ2] وقوله تعالى: {أية : وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا وَٱللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا} تفسير : [الشمس: 3ـ4] إلى غير ذلك من الآيات. وفي الآيات المذكورة بيان أن الليل والنهار آيتان من آياته ونعمتان من نعمته جل وعلا.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱللَّيْلَ} (47) - ومِنْ آثارِ قُدرتِه تَعالى، ورَوائعِ رَحْمَتِه الفائِضَةِ على خَلْقِه، أنه جَعَلَ الليلَ يلْبَسُ الوجودَ ويَغْشَاهُ، ويسْتُرُهُ بِظَلاَمِه، كما يَسْتُرُ اللبَاسُ جَسَد الإِنْسَانِ، وجَعَلَ النَّوْمَ كالمَوتِ قَاطِعاً للحَرَكَةِ لِتَرْتَاحَ الأَبْدَانُ (سُبَاتاً)، فإن الأجْسَادَ تَكِلُّ مِنْ كَثْرَةِ الحَرَكَةِ، فإذا جَاءَ الليلُ سَكَنَتْ الحَرَكَاتُ فاسْتَراحَت الأجْسَادُ ونَامَتْ، وفي النَّومِ راحةٌ. وهوَ الذي جعَل الناسَ يَنْبَعِثُونَ في النَّهَارِ، ويَنْتَشِرُون لكَسْبِ مَعَايِشِهِمْ، وتَأْمِينِ رِزْقِهِمْ ولِبَاسِهِمْ. الليلَ لِباساً - ساتِراً لكُمْ بظَلامهِ كاللِّباسِ. السُّبَاتُ - قَطْعُ الحَرَكَةِ لترْتَاحَ الأبْدانُ. نُشُوراً - انْبعاثاً منَ النَّومِ للسَعيِ والعَمَلِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {ٱلَّيْلَ ..} [الفرقان: 47] يعني: الظلْمة لا الظل، فالظلمة هي التي منعتْ النور، وإياك أن تظن أن الظلمة ضد النور، وتحاول أنت أن تنسخ الظلمة بنور من عندك، وهذه آفة الحضارة الآن أنْ جعلتَ الليل نهاراً. وقد تنبه العلماء أخيراً إلى مدى ضرر الأشعة على صحة الإنسان، لذلك جاء في الحديث الشريف: "حديث : أطفئوا المصابيح إذا رقدتم"تفسير : فالشعاع له عمل وقت حركتك، لكن ساعة نومك وراحتك ليس له مهمة، بل هو ضار في هذا الوقت. والحق - تبارك وتعالى - يمتنُّ علينا بالليل والنهار، فيقول: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلَّيْلَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ}تفسير : [القصص: 71-72]. إذن: فلليل مهمة، وللنهار مهمة يُوضِّحها هنا الحق سبحانه بقوله: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِبَاساً ..} [الفرقان: 47] أي: ساتراً، كما أن اللباس يستر الجسم، والنوم ردع ذاتي يقهر الكائن الحي، وليس ردعاً اختيارياً. لذلك تلاحظ أنك إنْ أردت أنْ تنامَ في غير وقت النوم تتعب وترهق، أمّا إنْ أتاك النوم فتسكن وتهدأ، ومن هنا قالوا: النوم ضيف ثقيل إنْ طلبته أَعْنَتكَ، وإنْ طلبك أراحك. لذلك ساعة يطلبك النوم تنام مِلْء جفونك، ولو على الحصى يغلبك النوم فتنام، وكأن النوم يقول لك: اهمد واسترح، فلم تَعُدْ صالحاً للحركة، أما مَنْ غالب هذه الطبيعة فأخذ مثلاً حبوباً تساعده على السهر، فإنْ سهر ليلة نام بعدها ليلتين، كما أن الذي يغالب النوم تأتي حركته مضطربة غير متوازنة. فعليك - إذن - أن تخضع لهذه الطبيعة التي خلقك الله عليها وتستسلم للنوم إنْ ألحَّ عليك، ولا تكابر لتقوم في الصباح نشيطاً وتستأنف حركة حياتك قوياً صالحاً للعمل وللعطاء. وللصوفية في النوم مَلْحظ دقيق يُبْنَى على أن الكون كله غير المختار مُسبِّح لربه، كما قال تعالى: {أية : كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ..}تفسير : [النور: 41] وعليه، فذرات الكافر في ذاتها مؤمنة، يؤلمها ويغيظها أن صاحبها عَاصٍ أو كافر فتطيعه، وهي كارهة لفعله بدليل أنها ستشهد عليه يوم القيامة، فإنْ كانت مُسخَّرة لمراداته في الدنيا فإنها ستتحرر من هذه الإرادة في الآخرة. فاللسان مُسخَّر لصاحبه، إنْ شاء نطق به الشهادتين، وإنْ شاء نطق به كلمة الكفر؛ لأنه مقهور لإرادته، أما في القيامة فلا إرادة إلا للحق تبارك وتعالى. وفي النوم ترتاح هذه الجوارح وهذه الذرات من سيئات صاحبها ومن ذنوبه، تستريح من نكده وإكراهه لها على معصية الله. فالنوم رَدْع طاقيّ، فلم يَعُد الإنسان صالحاً للحركة، ولا للتعايش السالم مع جوارحه، لقد كثُرتْ ذنوبه ومعاصيه حتى ضاقتْ بها الجوارح، فيأتي النوم ليريحها. وهذه الظاهرة نشاهدها مثلاً في موسم الحج، يقول لك الحاج: يكفيني أنْ أنامَ في اليوم ساعة أو ساعتين لماذا؟ لأن السيئات في هذا المكان قليلة، فجوارحك في راحة وانسجام معك فلا تحملك على النوم، أمّا العاصي فلا يكفيه أن ينام عشرة ساعات؛ لأن جوارحه وأعضاءه مُتْعَبة متضايقة من أفعاله. وهذه نُفسِّر بها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تنام عيناه ولا ينام قلبه ذلك لأن جوارحه صلى الله عليه وسلم تصحبه خير صُحْبة، فهي في طاعة دائمة مستمرة، فكيف تحمله على أنْ ينام؟ والخالق - عز وجل - يعامل الناس على المعنى العام، فالنفوس دائماً ميَّالة للشر جانحة للسوء؛ لذلك تتعب الطاقة وتتعب الجوارح، وكأن الله تعالى يريد إحداث هُدْنة للتعايش بينك وبين جوارحك، نَمْ لتصبح نشيطاً. ومعنى {وَٱلنَّوْمَ سُبَاتاً ..} [الفرقان: 47] السّبْت أي: القطْع. فمعنى {سُبَاتاً ..} [الفرقان: 47] يعني: قاطعاً للحركة، لا انقطاعاً نهائياً، إنما انقطاعاً مُسْتأنفاً لحركة أفضل، وبدن أقوى وأصحّ، فالذي يقضي ليله ساهراً يقوم من نومه مُتْعباً مُضطرباً، على خلاف مَنْ جعل وقت النوم للنوم؛ لأن الخالق عز وجل جعل نومك بالليل على قَدْر ما تتحرك بالنهار، فإنْ أردتَ حركة مُتزنة نشيطة وقوية فنَمْ على مقدار هذه الحركة. وقوله تعالى: {وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُوراً} [الفرقان: 47] النشور مثل الشُّكور: {أية : إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً}تفسير : [الإنسان: 9] أي: شكر، وكذلك النشور أي نشر، والنشر يعني الانطلاق في الأرض بالحركة، كما في قوله تعالى: {أية : فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ ..}تفسير : [الجمعة: 10]. ثم يقول سبحانه: {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ لِبَاساً وَٱلنَّوْمَ سُبَاتاً} قال: زيد بن علي عليهما السّلامُ واللِّباسُ: السَّكنُ. والسُّباتُ: السَّاكنُ. وقال: هو الحسنُ الجَميلُ!. تفسير : وقوله تعالى: {وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُوراً} معناه يَنْشُرُ فيهِ خَلقُ الله تعالى فِي مَعائِشهم وحوائِجهم.

الجيلاني

تفسير : ثمَّ تنزل سبحانه عن خطاب حبيبه صلى الله عليه وسلم في المعارف الحقائق المتعلقة بالوحدة الذاتية السارية في الأكوان، وكيفية ارتباط الأكوان عليها غلى مخاطبة العوام ومقتضى استعداداتهم وقابلياتهم فقال: وكيف تغفلون عن مبدعكم ومظهركم أيها الغافلون؟! {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ لِبَاساً} تسترون بظلمته عن أعين الناس؛ لئلا يطلع بعضكم على مقابح بعض {وَ} جعل {ٱلنَّوْمَ} فيه {سُبَاتاً} راحة للأبدان بعد قطع المشاغل وقضاء الأوطار المتعلقة بالنهار {وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُوراً} [الفرقان: 47] تنتشرون في أقطار الأرض؛ لطلب المعاش، كل ذلك بتقدير الله وتدبيره وإصلاحه لأمور عباده. {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ بُشْرَاً} مبشراً {بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} يبشركم بنزوله {وَ} بعد تبشيرنا إياكم بالرياح المبشرات {أَنزَلْنَا} من مقام جودنا {مِنَ} جانب {ٱلسَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً} [الفرقان: 48] متناهياً في الطهارة، مبالغاً أقصى غاياتها. {لِّنُحْيِـيَ بِهِ} أي: بالماء {بَلْدَةً مَّيْتاً} قفراً يابساً جامداً بأنواع النباتات والخضورات {وَنُسْقِيَهُ} أي: بالماء {مِمَّا خَلَقْنَآ} في البراري والبوادي {أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً} [الفرقان: 49] وهي جمع: إنسان، حذف نونه عوضاً منها الياء فأدغم، أو جمع: إنسي؛ لبعدهم عن المنابع والأنهار. {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ} أي: المطر {بَيْنَهُمْ} إنعاماً له وإصلاحاً لحالهم، وكررنا ذكره في هذا الكتاب، وكذا في الكتب السالفة {لِيَذَّكَّرُواْ} ويتفكروا في نعمنا وإنعامنا، ويواظبوا على شكرنا؛ ليزداد لهم، ومع ذلك {فَأَبَىٰ} وامتنع {أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ} عن قبوله وما يزيدون {إِلاَّ كُفُوراً} [الفرقان: 50] أي: كفراناً للنعم وإنكاراً لمنعها، حيث يقولون منكراً على المنعم: مُطرنا بنوء كذا. {وَ} من شدة بغيهم وكفرانهم {لَوْ شِئْنَا} وتعلق مشيئتنا؛ لإنذار كل منهم بمنذر مخصوص {لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ} من القرى نبياً {نَّذِيراً} [الفرقان: 51] ينذرهم عما هم عليه من الكفران والطغيان، ولكن بعثناك يا أكمل الرسل إلى كافتهم وعامتهم تعظيماً لشأنك وإجلالاً لك، فلك ألاَّ تعي من حمل أعباء رسالتنا وتبليغ ما أمرناك به، ولا تلتفت إلى مزخرفاتهم التي أرادوا أن يخدعوك بها. {فَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ} المصرين على الكفر والعناد مطلقاً {وَ} لا تتبع أهوائهم، بل {جَاهِدْهُمْ بِهِ} أي: بدينك هذا {جِهَاداً كَبيراً} [الفرقان: 52] حتى تقمع وتقلع دينهم الباطل، وتروج أمر دينك الحق ترويجاً بليغاً إلى حيث يظهر دينك على الأديان كلها {أية : وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً}تفسير : [النساء: 6].

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: من رحمته بكم ولطفه أن جعل الليل لكم بمنزلة اللباس الذي يغشاكم، حتى تستقروا فيه وتهدؤوا بالنوم وتسبت حركاتكم أي: تنقطع عند النوم، فلولا الليل لما سكن العباد ولا استمروا في تصرفهم فضرهم ذلك غاية الضرر، ولو استمر أيضا الظلام لتعطلت عليهم معايشهم ومصالحهم، ولكنه جعل النهار نشورا ينتشرون فيه لتجاراتهم وأسفارهم وأعمالهم فيقوم بذلك ما يقوم من المصالح.