Verse. 2903 (AR)

٢٥ - ٱلْفُرْقَان

25 - Al-Furqan (AR)

وَہُوَالَّذِيْۗ اَرْسَلَ الرِّيٰحَ بُشْرًۢا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِہٖ۝۰ۚ وَاَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاۗءِ مَاۗءً طَہُوْرًا۝۴۸ۙ
Wahuwa allathee arsala alrriyaha bushran bayna yaday rahmatihi waanzalna mina alssamai maan tahooran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وهو الذي أرسل الرياح» وفي قراءة الريح «نُشرا بين يديْ رحمته» متفرقة قدام المطر، وفي قراءة بسكون الشين تخفيفا، وفي أخرى بسكونها ونون مفتوحة مصدر، وفي أخرى بسكونها وضم الموحدة بدل النون: أي مبشرات ومفرد الأولى نشور كرسول والأخيرة بشير «وأنزلنا من السماء ماءً طهورا» مطهرا.

48

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ نُشُراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} تقدم في «الأعراف» مستوفى. قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً}. فيه خمس عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: {مَآءً طَهُوراً} يتطهر به؛ كما يقال: وضوء للماء الذي يتوضأ به. وكل طهور طاهر وليس كل طاهر طهوراً. فالطَّهور (بفتح الطاء) الاسم. وكذلك الوضوء والوقود. وبالضم المصدر، وهذا هو المعروف في اللغة؛ قاله ابن الأنباريّ. فبيّن أن الماء المنزل من السماء طاهر في نفسه مطهِّر لغيره؛ فإن الطهور بناء مبالغة في طاهر، وهذه المبالغة اقتضت أن يكون طاهراً مطهراً. وإلى هذا ذهب الجمهور. وقيل: إن {طَهُوراً} بمعنى طاهر؛ وهو قول أبي حنيفة؛ وتعلق بقوله تعالى: {أية : وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً} تفسير : [الإنسان: 21] يعني طاهراً. وبقول الشاعر:شعر : خليليّ هل في نظرة بعد توبة أداوي بها قلبي عليّ فُجورُ إلى رُجَّحِ الأكفالِ غِيدٍ من الظِّبا عِذاب الثنايا رِيقُهنَّ طَهُورُ تفسير : فوصف الريق بأنه طهور وليس بمطهر. وتقول العرب: رجل نؤوم وليس ذلك بمعنى أنه منيم لغيره، وإنما يرجع ذلك إلى فعل نفسه. ولقد أجاب علماؤنا عن هذا فقالوا: وصف شراب الجنة بأنه طهور يفيد التطهير عن أوضار الذنوب وعن خسائس الصفات كالغِل والحَسَد، فإذا شربوا هذا الشراب يطهرهم الله من رحض الذنوب وأوضار الاعتقادات الذميمة، فجاؤوا الله بقلب سليم، ودخلوا الجنة بصفات التسليم، وقيل لهم حينئذٍ: {أية : سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ}تفسير : [الزمر: 73]. ولما كان حكمه في الدنيا بزوال حكم الحدث بجريان الماء على الأعضاء كانت تلك حكمته ورحمته في الآخرة. وأما قول الشاعر:شعر : ... رِيقُهُن طَهُورُ تفسير : فإنه قصد بذلك المبالغة في وصف الريق بالطهورية لعذوبته وتعلقه بالقلوب، وطيبه في النفوس، وسكون غليل المحب برشفه حتى كأنه الماء الطهور، وبالجملة فإن الأحكام الشرعية لا تثبت بالمجازاة الشعرية؛ فإن الشعراء يتجاوزون في الاستغراق حدّ الصدق إلى الكذب، ويسترسلون في القول حتى يخرجهم ذلك إلى البدعة والمعصية، وربما وقعوا في الكفر من حيث لا يشعرون. ألا ترى إلى قول بعضهم:شعر : ولو لم تُلامِسْ صفحةُ الأرضِ رجلَها لما كنتُ أدري عِلَّةً للتيمم تفسير : وهذا كفر صراح، نعوذ بالله منه. قال القاضي أبو بكر بن العربي: هذا منتهى لباب كلام العلماء، وهو بالغ في فنِّه؛ إلا أني تأملت من طريق العربية فوجدت فيه مطلعاً مشرقاً، وهو أن بناء فعول للمبالغة، إلا أن المبالغة قد تكون في الفعل المتعدّي كما قال الشاعر:شعر : ضَروبٌ بنصل السيفِ سُوقَ سِمانها تفسير : وقد تكون في الفعل القاصر كما قال الشاعر:شعر : نؤوم الضُّحا لم تَنْتَطِقْ عن تَفَضُّلِ تفسير : وإنما تؤخذ طهورية الماء لغيره من الحسن نظافة ومن الشرع طهارة؛ كقوله عليه السلام: «حديث : لا يقبل الله صلاة بغير طهور»تفسير : . وأجمعت الأمة لغة وشريعة على أن وصف طهور يختص بالماء فلا يتعدى إلى سائر المائعات وهي طاهرة؛ فكان اقتصارهم بذلك على الماء أدّل دليل على أن الطهور هو المطهر، وقد يأتي فعول لوجه آخر ليس من هذا كله وهو العبارة به عن الآلة للفعل لا عن الفعل كقولنا: وَقُود وسَحُور بفتح الفاء، فإنها عبارة عن الحطب والطعم المتسحر به؛ فوصف الماء بأنه طهور (بفتح الطاء) أيضاً يكون خبراً عن الآلة التي يتطهر بها. فإذا ضمت الفاء في الوقود والسحور والطهور عاد إلى الفعل وكان خبراً عنه. فثبت بهذا أن اسم الفعول (بفتح الفاء) يكون بناء للمبالغة ويكون خبراً عن الآلة، وهو الذي خطر ببال الحنفية، ولكن قصرت أشداقها عن لَوْكِه، وبعد هذا يقف البيان عن المبالغة وعن الآلة على الدليل بقوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً}. وقوله عليه السلام: «جعلت لي الأرض مسجداً وطَهوراً» يحتمل المبالغة ويحتمل العبارة به عن الآلة؛ فلا حجة فيه لعلمائنا، لكن يبقى قوله: {أية : لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ}تفسير : [الأنفال: 11] نص في أن فعله يتعدى إلى غيره. الثانية: المياه المنزلة من السماء والمودعة في الأرض طاهرة مطهرة على اختلاف ألوانها وطعومها وأرياحها حتى يخالطها غيرها، والمخالط للماء على ثلاثة أضرب: ضرب يوافقه في صفتيه جميعاً، فإذا خالطه فغيّره لم يسلبه وصفاً منهما لموافقته لهما وهو التراب. والضرب الثاني يوافقه في إحدى صفتيه وهي الطهارة، فإذا خالطه فغيّره سلبه ما خالفه فيه وهو التطهير؛ كماء الورد وسائر الطاهرات. والضرب الثالث يخالفه في الصفتين جميعاً، فإذا خالطه فغيره سلبه الصفتين جميعاً لمخالفته له فيهما وهو النجس. الثالثة: ذهب المصريون من أصحاب مالك إلى أن قليل الماء يفسده قليل النجاسة، وأن الكثير لا يفسده إلا ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه من المحرمات. ولم يحدّوا بين القليل والكثير حدّاً يوقف عنده، إلا أن ابن القاسم روى عن مالك في الجُنُب يغتسل في حوض من الحياض التي تسقى فيها الدواب ولم يكن غسل ما به من الأذى أنه قد أفسد الماء؛ وهو مذهب ابن القاسم وأشهب وابن عبد الحكم ومن اتبعهم من المصريين. إلا ابن وهب فإنه يقول في الماء بقول المدنيين من أصحاب مالك. وقولهم: ما حكاه أبو مصعب عنهم وعنه: أن الماء لا تفسده النجاسة الحالّة فيه قليلاً كان أو كثيراً إلا أن تظهر فيه النجاسة وتغيّر منه طعماً أو ريحاً أو لوناً. وذكر أحمد بن المعدّل أن هذا قول مالك بن أنس في الماء. وإلى هذا ذهب إسماعيل بن إسحاق ومحمد بن بكير وأبو الفرج الأبهرِي وسائر المنتحلين لمذهب مالك من البغداديين؛ وهو قول الأوزاعي والليث بن سعد والحسن بن صالح وداود بن عليّ. وهو مذهب أهل البصرة، وهو الصحيح في النظر وجيد الأثر. وقال أبو حنيفة: إذا وقعت نجاسة في الماء أفسدته كثيراً كان أو قليلاً إذا تحققت عموم النجاسة فيه. ووجه تحققها عنده أن تقع مثلاً نقطة بول في بركة، فإن كانت البركة يتحرك طرفاها بتحرك أحدهما فالكل نجس، وإن كانت حركة أحد الطرفين لا تحرك الآخر لم ينجس. وفي المجموعة نحو مذهب أبي حنيفة. وقال الشافعي: بحديث القلتين، وهو حديث مطعون فيه؛ اختلف في إسناده ومتنه؛ أخرجه أبو داود والترمذي وخاصة الدَّارَقُطْنِي، فإنه صدّر به كتابه وجمع طرقه. قال ابن العربي: وقد رام الدَّارَقُطْنِي على إمامته أن يصحح حديث القلتين فلم يقدر. وقال أبو عمر بن عبد البر: وأما ما ذهب إليه الشافعي من حديث القلتين فمذهب ضعيف من جهة النظر، غير ثابت في الأثر؛ لأنه قد تكلم فيه جماعة من أهل العلم بالنقل، ولأن القلتين لا يوقف على حقيقة مبلغهما في أثر ثابت ولا إجماع، فلو كان ذلك حدّاً لازماً لوجب على العلماء البحث عنه ليقفوا على حدّ ما حدّه النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنه من أصل دينهم وفرضهم، ولو كان ذلك كذلك ما ضيعوه، فلقد بحثوا عما هو أدون من ذلك وألطف. قلت: وفيما ذكر ابن المنذر في القلتين من الخلاف يدلّ على عدم التوقيف فيهما والتحديد. وفي سنن الدَّارَقُطْنِي عن حماد بن زيد عن عاصم بن المنذر قال: القِلال الخوابي العظام. وعاصم هذا هو أحد رواة حديث القلتين. ويظهر من قول الدَّارَقُطْنِي أنها مثل قِلال هَجَر؛ لسياقه حديث الإسراء عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لما رفعت إلى سِدرة المنتهى في السماء السابعة نبقها مثل قِلال هَجَرو ورقها مثل آذان الفيلة»تفسير : وذكر الحديث. قال ابن العربي: وتعلق علماؤنا بحديث أبي سعيد الخدري: في بئر بُضاعة، رواه النسائيّ والترمذي وأبو داود وغيرهم. وهو أيضاً حديث ضعيف لا قدم له في الصحة فلا تعويل عليه. وقد فاوضت الطوسي الأكبر في هذه المسألة فقال: إن أخلص المذاهب في هذه المسألة مذهب مالك، فإن الماء طهور ما لم يتغير أحد أوصافه؛ إذ لا حديث في الباب يعوّل عليه، وإنما المعوّل على ظاهر القرآن وهو قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً} وهو ماء بصفاته، فإذا تغيّر عن شيء منها خرج عن الاسم لخروجه عن الصفة، ولذلك لما لم يجد البخاري إمام الحديث والفقه في الباب خبراً يعوّل عليه قال: (باب إذا تغير وصف الماء) وأدخل الحديث الصحيح: «حديث : ما من أحد يُكلَم في سبيل الله والله أعلم بمن يُكلَم في سبيله إلا جاء يوم القيامة وجرحه يَثْعَب دماً اللون لون الدم والريح ريح المسك»تفسير : . فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الدم بحاله وعليه رائحة المسك، ولم تخرجه الرائحة عن صفة الدموية. ولذلك قال علماؤنا: إذا تغير الماء بريح جيفة على طرفه وساحله لم يمنع ذلك الوضوء منه. ولو تغير بها وقد وضعت فيه لكان ذلك تنجيساً له للمخالطة والأولى مجاورة لا تعويل عليها. قلت: وقد استدلّ به أيضاً على نقيض ذلك، وهو أن تغير الرائحة يخرجه عن أصله. ووجه هذا الاستدلال أن الدم لما استحالت رائحته إلى رائحة المسك خرج عن كونه مستخبثاً نجساً، وأنه صار مسكاً؛ وإن المسك بعض دم الغزال. فكذلك الماء إذا تغيرت رائحته. وإلى هذا التأويل ذهب الجمهور في الماء. وإلى الأول ذهب عبد الملك. قال أبو عمر: جعلوا الحكم للرائحة دون اللون، فكان الحكم لها فاستدلوا عليها في زعمهم بهذا الحديث. وهذا لا يفهم منه معنى تسكن إليه النفس، ولا في الدم معنى الماء فيقاس عليه، ولا يشتغل بمثل هذا الفقهاء، وليس من شأن أهل العلم اللغز به وإشكاله؛ وإنما شأنهم إيضاحه وبيانه، ولذلك أخذ الميثاق عليهم ليبيِّنُنه للناس ولا يكتمونه، والماء لا يخلو تغيّره بنجاسة أو بغير نجاسة، فإِن كان بنجاسة وتغير فقد أجمع العلماء على أنه غير طاهر ولا مطهر، وكذلك أجمعوا أنه إذا تغير بغير نجاسة أنه طاهر على أصله. وقال الجمهور: إنه غير مطهر إلا أن يكون تغيره من تربة وحمأة. وما أجمعوا عليه فهو الحق الذي لا إشكال فيه، ولا التباس معه. الرابعة: الماء المتغير بقراره كزرنيخ أو جير يجري عليه، أو تغير بطحلب أو ورق شجر ينبت عليه لا يمكن الاحتراز عنه فاتفق العلماء أن ذلك لا يمنع من الوضوء به، لعدم الاحتراز منه والانفكاك عنه؛ وقد روى ابن وهب عن مالك أن غيره أولى منه. الخامسة: قال علماؤنا رحمة الله عليهم: ويكره سؤر النصرانيّ وسائر الكفار والمدمن الخمر، وما أكل الجيف؛ كالكلاب وغيرها. ومن توضأ بسؤرهم فلا شيء عليه حتى يستيقن النجاسة. قال البخاريّ: وتوضأ عمر رضي الله عنه من بيت نصرانية. ذكر سفيان بن عيينة قال: حدّثونا عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: لما كنا بالشأم أتيت عمر بن الخطاب بماء فتوضأ منه فقال: من أين جئت بهذا الماء؟ ما رأيت ماء عذباً ولا ماء سماء أطيب منه. قال قلت: جئت به من بيت هذه العجوز النصرانية؛ فلما توضأ أتاها فقال: أيتها العجوز أسلِمي تسلمِي، بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق. قال: فكشفت عن رأسها؛ فإذا مثل الثَّغامة، فقالت: عجوز كبيرة، وإنما أموت الآنٰ فقال عمر رضي الله عنه: اللهم اشهد. خرّجه الدَّارَقُطْنِيّ، حدّثنا الحسين بن إسماعيل قال: حدّثنا أحمد بن إبراهيم البُوشَنْجِي قال: حدّثنا سفيان.. فذكره. ورواه أيضاً عن الحسين بن إسماعيل قال حدّثنا خلاد بن أسلم حدّثنا سفيان عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه توضأ من بيت نصرانية أتاها فقال: أيتها العجوز أسلمي...؛ وذكر الحديث بمثل ما تقدّم. السادسة: فأما الكلب إذا ولغ في الماء فقال مالك: يغسل الإناء سبعاً ولا يتوضأ منه وهو طاهر. وقال الثورِيّ: يتوضأ بذلك الماء ويتيمم معه. وهو قول عبد الملك بن عبد العزيز ومحمد بن مسلمة. وقال أبو حنيفة: الكلب نجس، ويغسل الإناء منه لأنه نجس. وبه قال الشافعيّ وأحمد وإسحاق. وقد كان مالك يفرق بين ما يجوز اتخاذه من الكلاب وبين ما لا يجوز اتخاذه منها في غسل الإناء من ولوغه. وتحصيل مذهبه أنه طاهر عنده، لا ينجس ولوغه شيئاً ولغ فيه طعاماً ولا غيره؛ إلا أنه استحب هراقة ما ولغ فيه من الماء ليسارة مؤنته. وكلب البادية والحاضرة سواء. ويغسل الإناء منه على كل حال سبعاً تعبداً. هذا ما استقر عليه مذهبه عند المناظرين من أصحابه. ذكر ابن وهب قال: حدّثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء عن أبي هريرة قال:حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحياض التي تكون فيما بين مكة والمدينة، فقيل له: إن الكلاب والسباع ترد عليها. فقال: «لها ما أخذت في بطونها ولنا ما بقي شراب وطهور» تفسير : أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ. وهذا نص في طهارة الكلاب وطهارة ما تلغ فيه. وفي البخاريّ عن ابن عمر أن الكلاب كانت تقبل وتدبر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يرشُّون شيئاً من ذلك. وقال عمر بحضرة الصحابة لصاحب الحوض الذي سأله عمرو بن العاص: هل ترد حوضك السباع. فقال عمر: يا صاحب الحوض، لا تخبرنا فإنا نرد على السباع وترد علينا. أخرجه مالك والدَّارَقُطْنِيّ. ولم يفرّق بين السباع، والكلب من جملتها، ولا حجة للمخالف في الأمر بإراقة ما ولغ فيه وأن ذلك للنجاسة، وإنما أمر بإراقته لأن النفس تعافه لا لنجاسة؛ لأن التنزه من الأقذار مندوب إليه، أو تغليظاً عليهم لأنهم نهوا عن اقتنائها كما قاله ابن عمر والحسن؛ فلما لم ينتهوا عن ذلك غلظ عليهم في الماء لقلته عندهم في البادية، حتى يشتد عليهم فيمتنعوا من اقتنائها. وأما الأمر بغسل الإناء فعبادة لا لنجاسته كما ذكرناه بدليلين: أحدهما: أن الغسل قد دخله العدد. الثاني: أنه قد جعل للتراب فيه مدخل لقوله عليه السلام: «وعفِّروه الثامنة بالتراب». ولو كان للنجاسة لما كان للعدد ولا للتراب فيه مدخل كالبول. وقد جعل صلى الله عليه وسلم الهرّ وما ولغ فيه طاهراً. والهرّ سبُعٌ لا خلاف في ذلك؛ لأنه يفترس ويأكل الميتة؛ فكذلك الكلب وما كان مثله من السباع؛ لأنه إذا جاء نَصُّ في أحدهما كان نصّاً في الآخر. وهذا من أقوى أنواع القياس. هذا لو لم يكن هناك دليل؛ وقد ذكرنا النص على طهارته فسقط قول المخالف. والحمد لله. السابعة: ما مات في الماء مما لا دم له فلا يضرّ الماء إن لم يغيّر ريحه؛ فإن أنتن لم يتوضأ به. وكذلك ما كان له دم سائل من دواب الماء كالحوت والضفدع لم يفسد ذلك الماء موته فيه؛ إلا أن تتغير رائحته، فإن تغيرت رائحته وأنتن لم يجز التطهر به ولا الوضوء منه، وليس بنجس عند مالك. وأما ما له نفس سائلة فمات في الماء ونزح مكانه ولم يغير لونه ولا طعمه ولا ريحه فهو طاهر مطهر سواء كان الماء قليلاً أو كثيراً عند المدنيين. واستحب بعضهم أن ينزح من ذلك الماء دلاء لتطيب النفس به، ولا يحدّون في ذلك حدّاً لا يتعدّى. ويكرهون استعمال ذلك الماء قبل نزح الدلاء، فإن استعمله أحد في غسل أو وضوء جاز إذا كانت حاله ما وصفنا. وقد كان بعض أصحاب مالك يرى لمن توضأ بهذا الماء وإن لم يتغير أن يتيمم، فيجمع بين الطهارتين احتياطاً، فإن لم يفعل وصلّى بذلك الماء أجزأه. وروى الدَّارَقُطْنِيّ عن محمد بن سِيرين أن زِنجِياً وقع في زمزم ـ يعني فمات ـ فأمر به ابن عباس رضي الله عنه فأخرج فأمر بها أن تنزح. قال: فغلبتهم عين جاءتهم من الركن فأمر بها فدُسمت بالقُباطِيّ والمطارف حتى نزحوها، فلما نزحوها انفجرت عليهم. وأخرجه عن أبي الطفيل أن غلاماً وقع في بئر زمزم فنزحت. وهذا يحتمل أن يكون الماء تغير، والله أعلم. وروى شعبة عن مغيرة عن إبراهيم أنه كان يقول: كل نفس سائلة لا يتوضأ منها، ولكن رخص في الخنفساء والعقرب والجراد والجُدْجُد إذا وقعن في الرِّكاء فلا بأس به. قال شعبة: وأظنه قد ذكر الوزغة. أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ، حدّثنا الحسين بن إسماعيل قال حدّثنا محمد بن الوليد قال حدّثنا محمد بن جعفر قال حدّثنا شعبة...؛ فذكره. الثامنة: ذهب الجمهور من الصحابة وفقهاء الأمصار وسائر التابعين بالحجاز والعراق أن ما ولغ فيه الهر من الماء طاهر، وأنه لا بأس بالوضوء بسؤره؛ لحديث أبي قتادة، أخرجه مالك وغيره. وقد روي عن أبي هريرة فيه خلاف. وروي عن عطاء بن أبي رباح وسعيد بن المسيّب ومحمد بن سِيرين أنهم أمروا بإراقة ماء ولغ فيه الهر وغسل الإناء منه. واختلف في ذلك عن الحسن. ويحتمل أن يكون الحسن رأى في فمه نجاسة ليصح مخرج الروايتين عنه. قال الترمذيّ لما ذكر حديث مالك: «وفي الباب عن عائشة وأبي هريرة، هذا حديث حسن صحيح، وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن بعدهم؛ مثلِ الشافعيّ وأحمد وإسحاق، لم يروا بسؤر الهرّة بأساً. وهذا أحسن شيء في الباب، وقد جوَّد مالك هذا الحديث عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، ولم يأتي به أحد أتمّ من مالك». قال الحافظ أبو عمر: الحجة عند التنازع والاختلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد صح من حديث أبي قتادة أنه أصغى لها الإناء حتى شربت. الحديث. وعليه اعتماد الفقهاء في كل مصر إلا أبا حنيفة ومن قال بقوله؛ فإنه كان يكره سؤره. وقال: إن توضأ به أحد أجزأه، ولا أعلم حجة لمن كره الوضوء بسؤر الهرّة أحسن من أنه لم يبلغه حديث أبي قتادة، وبلغه حديث أبي هريرة في الكلب فقاس الهرّ عليه، وقد فرقت السنة بينهما في باب التعبد في غسل الإناء، ومن حجَّتْه السنة خاصمته، وما خالفها مطرح. وبالله التوفيق. ومِن حجتهم أيضاً ما رواه قرّة بن خالد عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : طهور الإناء إذا ولغ فيه الهر أن يغسل مرة أو مرتين»تفسير : شك قرة. وهذا الحديث لم يرفعه إلا قرة بن خالد، وقرة ثقة ثبت. قلت: هذا الحديث أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ، ومتنه: «حديث : طهور الإناء إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات الأولى بالتراب والهر مرة أو مرتين»تفسير : . قرة شك. قال أبو بكر: كذا رواه أبو عاصم مرفوعاً، ورواه غيره عن قرة (ولوغ الكلب) مرفوعاً و(ولوغ الهر) موقوفاً. وروى أبو صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يغسل الإناء من الهر كما يغسل من الكلب» تفسير : قال الدَّارَقُطْنِيّ: لا يثبت هذا مرفوعاً والمحفوظ من قول أبي هريرة واختلف عنه. وذكر معمر وابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه أنه كان يجعل الهر مثل الكلب. وعن مجاهد أنه قال في الإناء يلغ فيه السنور قال: اغسله سبع مرات. قاله الدَّارَقُطْنِيّ. التاسعة: الماء المستعمل طاهر إذا كانت أعضاء المتوضىء به طاهرة؛ إلا أن مالكاً وجماعة من الفقهاء الجِلّة كانوا يكرهون الوضوء به. وقال مالك: لا خير فيه، ولا أحِب لأحد أن يتوضأ به، فإن فعل وصلّى لم أر عليه إعادة الصلاة ويتوضأ لما يستقبل. وقال أبو حنيفة والشافعيّ وأصحابهما: لا يجوز استعماله في رفع الحدث، ومن توضأ به أعاد؛ لأنه ليس بماء مطلق، ويتيمّم واجده لأنه ليس بواجد ماء. وقال بقولهم في ذلك أصبغ بن الفرج، وهو قول الأوزاعيّ. واحتجوا بحديث الصُّنابِحيّ خرجه مالك وحديث عمرو بن عنبسة أخرجه مسلم، وغير ذلك من الآثار. وقالوا: الماء إذا توضىء به خرجت الخطايا معه؛ فوجب التنزه عنه لأنه ماء الذنوب. قال أبو عمر: وهذا عندي لا وجه له؛ لأن الذنوب لا تنجس الماء لأنها لا أشخاص لها ولا أجسام تمازج الماء فتفسده، وإنما معنى قوله: «خرجت الخطايا مع الماء» إعلام منه بأن الوضوء للصلاة عمل يكفر الله به السيئات عن عباده المؤمنين رحمة منه بهم وتفضلاً عليهم. وقال أبو ثور وداود مثل قول مالك، وأن الوضوء بالماء المستعمل جائز؛ لأنه ماء طاهر لا ينضاف إليه شيء وهو ماء مطلق. واحتجوا بإجماع الأمة على طهارته إذا لم يكن في أعضاء المتوضىء نجاسة. وإلى هذا ذهب أبو عبد الله المَرْوَزِيّ محمد بن نصر. وروي عن عليّ بن أبي طالب وابن عمر وأبي أُمامة وعطاء بن أبي رَبَاح والحسن البصري والنَّخَعِيّ ومكحول والزهريّ أنهم قالوا فيمن نسي مسح رأسه فوجد في لحيته بللاً: إنه يجزئه أن يمسح بذلك البلل رأسه؛ فهؤلاء كلهم أجازوا الوضوء بالماء المستعمل. روى عبد السلام بن صالح حدّثنا إسحاق بن سُويد عن العلاء بن زياد عن رجل من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم مرضى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عليهم ذات يوم وقد اغتسل وقد بقيت لمعة من جسده ولم يصبها الماء، فقلنا: يا رسول الله، هذه لمعة لم يصبها الماء؛ فكان له شعر وارد، فقال بشعره هكذا على المكان فبَلَّه. أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ، وقال: عبد السلام بن صالح هذا بصريّ وليس بقويّ، وغيره من الثقات يرويه عن إسحاق عن العلاء مرسلاً، وهو الصواب. قلت: الراوي الثقة عن إسحاق بن سُويد العدوي عن العلاء بن زياد العدوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اغتسل...؛ الحديث فيما ذكره هشيم. قال ابن العربي: «مسألة الماء المستعمل إنما تنبني على أصل آخر، وهو أن الآلة إذا أدّى بها فرض هل يؤدي بها فرض آخر أم لا؛ فمنع ذلك المخالف قياساً على الرقبة إذا أدّى بها فرض عتق لم يصلح أن يتكرر في أداء فرض آخر؛ وهذا باطل من القول، فإن العتق إذا أتى على الرق أتلفه فلا يبقى محل لأداء الفرض بعتق آخر. ونظيره من الماء ما تلف على الأعضاء فإنه لا يصح أن يؤدّي به فرض آخر لتلف عينه حِسّاً كما تلف الرق في الرقبة بالعتق حكماً، وهذا نفيس فتأملوه». العاشرة: لم يفرق مالك وأصحابه بين الماء تقع فيه النجاسة وبين النجاسة يرد عليها الماء، راكداً كان الماء أو غير راكد؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب عليه فغيّر طعمه أو لونه أو ريحه»تفسير : . وفرقت الشافعية فقالوا: إذا وردت النجاسة على الماء تنجس؛ واختاره ابن العربي. وقال: من أصول الشريعة في أحكام المياه أن ورود النجاسة على الماء ليس كورود الماء على النجاسة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده»تفسير : . فمنع من ورود اليد على الماء وأمر بإيراد الماء عليها، وهذا أصل بديع في الباب، ولولا وروده على النجاسة ـ قليلاً كان أو كثيراً ـ لما طهرت. وقد ثبت حديث : عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال في بول الأعرابي في المسجد: «صبّوا عليه ذَنُوباً من ماء»تفسير : . قال شيخنا أبو العباس: واستدلّوا أيضاً بحديث القلتين، فقالوا: إذا كان الماء دون القلتين فحلته نجاسة تنجس وإن لم تغيّره، وإن ورد ذلك القدر فأقَبل على النجاسة فأذهب عينها بقي الماء على طهارته وأزال النجاسة وهذه مناقضة، إذ المخالطة قد حصلت في الصورتين، وتفريقهم بورود الماء على النجاسة وورودها عليه فرق صوريّ ليس فيه من الفقه شيء، فليس الباب باب التعبدات بل من باب عقلية المعاني، فإنه من باب إزالة النجاسة وأحكامها. ثم هذا كله منهم يرده قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه».تفسير : قلت: هذا الحديث أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ عن رِشدِين بن سعد أبي الحجاج عن معاوية بن صالح عن راشد بن سعد عن أبي أمامة الباهلي وعن ثوبان عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وليس فيه ذكر اللون. وقال: لم يرفعه غير رشدين بن سعد عن معاوية بن صالح وليس بالقوي، وأحسن منه في الاستدلال ما رواه أبو أسامة عن الوليد بن كثير عن محمد بن كعب عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خدِيج عن أبي سعيد الخدري قال قيل: يا رسول الله، أنتوضأ من بئر بُضاعة، وهي بئر تلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الماء طهور لا ينجسه شيء»تفسير : أخرجه أبو داود والترمذي والدَّارَقُطْنِيّ كلهم بهذا الإسناد. وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن، وقد جوّد أبو أسامة هذا الحديث ولم يرو أحد حديث أبي سعيد في بئر بُضاعة أحسن مما روى أبو أسامة. فهذا الحديث نص في ورود النجاسة على الماء، وقد حكم صلى الله عليه وسلم بطهارته وطهوره. قال أبو داود: سمعت قتيبة بن سعيد قال: سألت قيِّم بئر بضاعة عن عمقها؛ قلت: أكثر ما يكون الماء فيها؟ قال: إلى العانة. قلت: فإذا نقص؟ قال: دون العورة. قال أبو داود: وقدّرت بئر بُضاعة بردائي مددته عليها ثم ذرعته فإذا عرضها ستة أذرع، وسألت الذي فتح لي باب البستان فأدخلني إليه: هل غيّر بناؤها عما كانت عليه؟ فقال لا. ورأيت فيها ماء متغير اللون. فكان هذا دليلاً لنا على ما ذكرناه، غير أن ابن العربي قال: إنها في وسط السَّبَخة، فماؤها يكون متغيّراً من قرارها؛ والله أعلم. الحادية عشرة: الماء الطاهر المطهر الذي يجوز به الوضوء وغسل النجاسات هو الماء القراح الصافي من ماء السماء والأنهار والبحار والعيون والآبار، وما عرفه الناس ماء مطلقاً غير مضاف إلى شيء خالطه كما خلقه الله عز وجل صافياً ولا يضره لون أرضه على ما بيناه. وخالف في هذه الجملة أبو حنيفة وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر فأما أبو حنيفة فأجاز الوضوء بالنبيذ في السفر، وجوز إزالة النجاسة بكل مائع طاهر. فأما بالدهن والمرق فعنه رواية أنه لا يجوز إزالتها به. إلا أن أصحابه يقولون: إذا زالت النجاسة به جاز. وكذلك عنده النار والشمس؛ حتى أن جلد الميتة إذا جفّ في الشمس طهر من غير دباغ. وكذلك النجاسة على الأرض إذا جفت بالشمس فإنه يطهر ذلك الموضع، بحيث تجوز الصلاة عليه، ولكن لا يجوز التيمم بذلك التراب. قال ابن العربي: لما وصف الله سبحانه الماء بأنه طهور وامتن بإنزاله من السماء ليطهرنا به دلّ على اختصاصه بذلك؛ وكذلك حديث : قال عليه الصلاة والسلام لأسماء بنت الصدّيق حين سألته عن دم الحيض يصيب الثوب: «حُتِّيه ثم اقرِضيه ثم اغسليه بالماء»تفسير : . فلذلك لم يلحق غير الماء بالماء لما في ذلك من إبطال الامتنان، وليست النجاسة معنى محسوساً حتى يقال كل ما أزالها فقد قام به الغرض، وإنما النجاسة حكم شرعي عين له صاحب الشرع الماء فلا يلحق به غيره إذ ليس في معناه، ولأنه لو لحق به لأسقطه، والفرع إذا عاد إلحاقه بالأصل في إسقاطه سقط في نفسه. وقد كان تاج السنة ذو العز ابا المرتضى الدبوسي يسميه فرخ زنى. قلت: وأما ما استُدِلّ به على استعمال النبيذ فأحاديث واهية، ضعاف لا يقوم شيء منها على ساق؛ ذكرها الدَّارَقُطْنِيّ وضعفها ونصّ عليها. وكذلك ضعف ما روي عن ابن عباس موقوفاً: «النبيذ وضوء لمن لم يجد الماء». في طريقه ابن محرز متروك الحديث. وكذلك ما روي عن علي أنه قال: لا بأس بالوضوء بالنبيذ. الحجاج وأبو ليلى ضعيفان. وضعف حديث ابن مسعود وقال: تفرّد به ابن لهيعة وهو ضعيف الحديث. وذكر عن علقمة بن قيس قال قلت لعبد الله بن مسعود: أشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد منكم ليلة أتاه داعي الجن؟ فقال: لا. قلت: هذا إسناد صحيح لا يختلف في عدالة رواته. وأخرج الترمذي حديث حديث : ابن مسعود قال: سألني النبي صلى الله عليه وسلم: «ما في إدواتك» فقلت: نبيذ. فقال: «تمرة طيبة وماء طهور» قال: فتوضأ منهتفسير : . قال أبو عيسى: وإنما روي هذا الحديث عن أبي زيد عن عبد الله عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأبو زيد رجل مجهول عند أهل الحديث لا نعرف له رواية غير هذا الحديث، وقد رأى بعض أهل العلم الوضوء بالنبيذ؛ منهم سفيان وغيره، وقال بعض أهل العلم: لا يتوضأ بالنبيذ، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، وقال إسحاق: إن ابتلي رجل بهذا فتوضأ بالنبيذ وتيَمَّم أحب إلي. قال أبو عيسى: وقول من يقول لا يتوضأ بالنبيذ أقرب إلى الكتاب والسنة وأشبه؛ لأن الله تعالى قال: {أية : فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً} تفسير : [النساء: 43]. وهذه المسألة مطولة في كتب الخلاف؛ وعمدتهم التمسك بلفظ الماء حسبما تقدم في «المائدة» بيانه والله أعلم. الثانية عشرة: لما قال الله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً} وقال: {أية : لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ}تفسير : [الأنفال: 11] توقف جماعة في ماء البحر؛ لأنه ليس بمنزل من السماء؛ حتى رووا عن عبد الله ابن عمر وابن عمرو معاً أنه لا يتوضأ به؛ لأنه نار ولأنه طبق جهنم. ولكن النبيّ صلى الله عليه وسلم بيّن حكمه حين قال لمن سأله: «حديث : هو الطهور ماؤه الحِلّ ميتته»تفسير : أخرجه مالك. وقال فيه أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وهو قول أكثر الفقهاء من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم، منهم أبو بكر وعمر وابن عباس، لم يروا بأساً بماء البحر، وقد كره بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء بماء البحر؛ منهم ابن عمر وعبد الله بن عمرو، وقال عبد الله بن عمرو: هو نار. قال أبو عمر؛ وقد سئل أبو عيسى الترمذي عن حديث مالك هذا عن صفوان بن سُلَيم فقال: هو عندي حديث صحيح. قال أبو عيسى فقلت للبخاري: هشيم يقول فيه ابن أبي بَرْزة. فقال: وَهِم فيه، إنما هو المغيرة بن أبي بُرْدة. قال أبو عمر: لا أدري ما هذا من البخاري رحمه لله، ولو كان صحيحاً لأخرجه في مصنفه الصحيح عنده، ولم يفعل لأنه لا يعول في الصحيح إلا على الإسناد. وهذا الحديث لا يحتج أهل الحديث بمثل إسناده، وهو عندي صحيح لأن العلماء تلقوه بالقبول له والعمل به، ولا يخالف في جملته أحد من الفقهاء، وإنما الخلاف بينهم في بعض معانيه. وقد أجمع جمهور من العلماء وجماعة أئمة الفتوى بالأمصار من الفقهاء: أن البحر طهور ماؤه، وأن الوضوء به جائز؛ إلا ما روي عن عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو بن العاص أنهما كرها الوضوء بماء البحر، ولم يتابعهما أحد من فقهاء الأمصار على ذلك ولا عرج عليه، ولا التفت إليه لحديث هذا الباب. وهذا يدلّك على اشتهار الحديث عندهم، وعملهم به وقبولهم له، وهو أولى عندهم من الإسناد الظاهر الصحة لمعنى ترده الأصول. وبالله التوفيق. قال أبو عمر: وصفوان بن سُلَيم مولى حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، من عُبّاد أهل المدينة وأتقاهم لله، ناسكاً، كثير الصدقة بما وجد من قليل وكثير، كثير العمل، خائفاً لله، يكنى أبا عبد الله، سكن المدينة لم ينتقل عنها، ومات بها سنة اثنتين وثلاثين ومائة. ذكر عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سمعت أبي يسأل عن صفوان بن سُلَيم فقال: ثقة من خيار عباد الله وفضلاء المسلمين. وأما سعيد بن سلمة فلم يرو عنه فيما علمت إلا صفوان ـ والله أعلم ـ ومن كانت هذه حاله فهو مجهول لا تقوم به حجة عند جميعهم. وأما المغيرة بن أبي بُرْدة فقيل عنه إنه غير معروف في حملة العلم كسعيد بن سلمة. وقيل: ليس بمجهول. قال أبو عمر: المغيرة بن أبي بردة وجدت ذكره في مغازي موسى بن نصير بالمغرب، وكان موسى يستعمله على الخيل، وفتح الله له في بلاد البربر فتوحات في البر والبحر. وروى الدَّارَقُطْنِيّ من غير طريق مالك عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من لم يطهره ماء البحر فلا طهره الله»تفسير : . قال إسناد حسن. الثالثة عشرة: قال ابن العربي: توهّم قوم أن الماء إذا فضلت للجنب منه فضلة لا يتوضأ به، وهو مذهب باطل، فقد ثبت عن ميمونة أنها قالت: أجنبت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم واغتسلت من جَفْنة وفضلت فضلة، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ليغتسل منه فقلت: إني قد اغتسلت منه. فقال: «حديث : إن الماء ليس عليه نجاسة ـ أو ـ إن الماء لا يُجْنِب»تفسير : . قال أبو عمر: وردت آثار في هذا الباب مرفوعة في النهي عن أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة. وزاد بعضهم في بعضها: ولكن ليغترفا جميعاً. فقالت طائفة: لا يجوز أن يغترف الرجل مع المرأة في إناء واحد؛ لأن كل واحد منهما متوضىء بفضل صاحبه. وقال آخرون: إنما كره من ذلك أن تنفرد المرأة بالإناء ثم يتوضأ الرجل بعدها بفضلها. وكل واحد منهم روى بما ذهب إليه أثراً. والذي ذهب إليه الجمهور من العلماء وجماعة فقهاء الأمصار أنه لا بأس أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة وتتوضأ المرأة من فضله، انفردت المرأة بالإناء أو لم تنفرد. وفي مثل هذا آثار كثيرة صحاح. والذي نذهب إليه أن الماء لا ينجسه شيء إلا ما ظهر فيه من النجاسات أو غلب عليه منها؛ فلا وجه للاشتغال بما لا يصح من الآثار والأقوال. والله المستعان. روى الترمذيّ عن ابن عباس قال: حدثتني ميمونة قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد من الجنابة. قال هذا حديث حسن صحيح. وروى البخاريّ عن عائشة قالت: كنت اغتسل أنا والنبيّ صلى الله عليه وسلم من إناء واحد يقال له الفَرَق. وفي «صحيح مسلم» عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بفضل ميمونة. وروى الترمذي عن ابن عباس قال: اغتسل بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في جَفْنة فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ منه فقالت: يا رسول الله، إني كنت جنباً. قال: «حديث : إن الماء لا يُجْنِب»تفسير : . قال: هذا حديث حسن صحيح، وهو قول سفيان الثوريّ ومالك والشافعي. وروى الدَّارَقُطْنِيّ عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أتوضأ أنا والنبيّ صلى الله عليه وسلم من إناء واحد وقد أصابت الهرة منه قبل ذلك. قال: هذا حديث حسن صحيح. وروي أيضاً عن رجل من بني غِفار قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فضل طهور المرأة. وفي الباب عن عبد الله بن سَرْجِس، وكره بعض الفقهاء فضل طهور المرأة، وهو قول أحمد وإسحاق. الرابعة عشرة: روى الدَّارَقُطْنِيّ عن زيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب أن عمر بن الخطاب كان يسخن له الماء في قُمْقُمَة ويغتسل به. قال: وهذا إسناد صحيح. وروي حديث : عن عائشة قالت: دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سخَّنت ماء في الشمس. فقال: «لا تفعلي يا حميراء فإنه يورث البرص»تفسير : . رواه خالد بن إسماعيل المخزومي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وهو متروك. ورواه عمرو بن محمد الأعشم عن فليح عن الزهريّ عن عروة عن عائشة. وهو منكر الحديث، ولم يروه غيره عن فليح، ولا يصح عن الزهري؛ قاله الدَّارَقُطْنِيّ. الخامسة عشرة: كل إناء طاهر فجائز الوضوء منه إلا إناء الذهب والفضة؛ لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اتخاذهما. وذلك ـ والله أعلم ـ للتشبُّه بالأعاجم والجبابرة لا لنجاسة فيهما. ومن توضأ فيهما أجزأه وضوءه وكان عاصياً باستعمالهما. وقد قيل: لا يجزىء الوضوء في أحدهما. والأوّل أكثر؛ قاله أبو عمر. وكل جلد ذُكِّي فجائز استعماله للوضوء وغير ذلك. وكان مالك يكره الوضوء في إناء جلد الميتة بعد الدباغ؛ على اختلاف من قوله. وقد تقدّم في «النحل».

ابن كثير

تفسير : وهذا أيضاً من قدرته التامة وسلطانه العظيم، وهو أنه تعالى يرسل الرياح مبشرات، أي: بمجيء السحاب بعدها، والرياح أنواع في صفات كثيرة من التسخير، فمنها ما يثير السحاب، ومنها ما يحمله، ومنها ما يسوقه، ومنها ما يكون بين يدي السحاب مبشراً، ومنها ما يكون قبل ذلك يقم الأرض، ومنها ما يلقح السحاب ليمطر، ولهذا قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً} أي: آلة يتطهر بها، كالسحور والوقود وما جرى مجراهما، فهذا أصح ما يقال في ذلك. وأما من قال: إنه فعول بمعنى فاعل، أو إنه مبني للمبالغة والتعدي، فعلى كل منهما إشكالات من حيث اللغة والحكم، ليس هذا موضع بسطها، والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي عن أبي جعفر الرازي إلى حميد الطويل عن ثابت البناني قال: دخلت مع أبي العالية في يوم مطير، وطرق البصرة قذرة، فصلى، فقلت له، فقال: {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً} قال: طهره ماء السماء، وقال أيضاً: حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا وهيب عن داود عن سعيد بن المسيب في هذه الآية قال: أنزله الله طهوراً لا ينجسه شيء. وعن أبي سعيد قال: قيل: يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر يلقى فيها النتن ولحوم الكلاب؟ فقال: «حديث : إن الماء طهور لا ينجسه شيء» تفسير : رواه الشافعي وأحمد وصححه، وأبو داود والترمذي وحسنه، والنسائي. وروى ابن أبي حاتم بإسناده: حدثنا أبي، حدثنا أبو الأشعث، حدثنا معتمر، سمعت أبي يحدث عن سيار عن خالد بن يزيد قال: كان عند عبد الملك بن مروان، فذكروا الماء، فقال خالد بن يزيد: منه من السماء، ومنه ما يسقيه الغيم من البحر، فَيُعذبه الرعد والبرق، فأما ما كان من البحر، فلا يكون له نبات، فأما النبات، فمما كان من السماء. وروي عن عكرمة قال: ما أنزل الله من السماء قطرة، إلا أنبت بها في الأرض عشبة، أو في البحر لؤلؤة. وقال غيره: في البر بر، وفي البحر در. وقوله تعالى: {لِّنُحْيِىَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً} أي: أرضاً قد طال انتظارها للغيث، فهي هامدة لا نبات فيها ولا شيء، فلما جاءها الحياء، عاشت واكتست رباها أنواع الأزاهير والألوان، كما قال تعالى: {أية : فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} تفسير : [فصلت: 39] الآية، {وَنُسْقِيَهِ مِمَّا خَلَقْنَآ أَنْعَـٰماً وَأَنَاسِىَّ كَثِيراً} أي: وليشرب منه الحيوان من أنعام، وأناسيَّ محتاجين إليه غاية الحاجة لشربهم وزروعهم وثمارهم؛ كما قال تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى يُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ} تفسير : [الشورى: 28] الآية، وقال تعالى: {أية : فَٱنظُرْ إِلَىٰ ءَاثَـٰرِ رَحْمَةِ ٱللَّهِ كَيْفَ يُحْىِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ} تفسير : [الروم: 50] الآية. وقوله تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَـٰهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ} أي: أمطرنا هذه الأرض دون هذه، وسقنا السحاب يمر على الأرض، ويتعداها ويتجاوزها إلى الأرض الأخرى، فيمطرها ويكفيها ويجعلها غدقاً، والتي وراءها لم ينزل فيها قطرة من ماء، وله في ذلك الحجة البالغة والحكمة القاطعة. قال ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم: ليس عام بأكثر مطراً من عام، ولكن الله يصرفه كيف يشاء، ثم قرأ هذه الآية: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَـٰهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً} أي: ليذكروا بإحياء الله الأرض الميتة أنه قادر على إحياء الأموات والعظام الرفات، أو ليذكر من منع المطر أنما أصابه ذلك بذنب أصابه، فيقلع عما هو فيه. وقال عمر مولى غفرة: كان جبريل عليه السلام في موضع الجنائز، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : يا جبريل إني أحب أن أعلم أمر السحاب» تفسير : قال: فقال له جبريل: يا نبي الله هذا ملك السحاب فسله، فقال: تأتينا صكاك مختمة، اسق بلاد كذا وكذا، كذا وكذا قطرة. رواه ابن أبي حاتم، وهو حديث مرسل. وقوله تعالى: {فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا} قال عكرمة: يعني الذين يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، وهذا الذي قاله عكرمة؛ كما صح في الحديث المخرج في صحيح مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه يوماً على أثر سماء أصابتهم من الليل: «حديث : أتدرون ماذا قال ربكم؟» تفسير : قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «حديث : قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذاك مؤمن بي، كافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذاك كافر بي، مؤمن بالكواكب».

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى أَرْسَلَ ٱلرِّيَٰحَ } وفي قراءة: الرِّيحَ {بُشْرَاً بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ } أي متفرّقة قدّام المطر. وفي قراءة بسكون الشين تخفيفاً. وفي أخرى بسكونها وفتح النون مصدراً، وفي أُخرى بسكونها وضم الموحدة بدل النون: أي مبشرات، ومفرد الأولى: نَشُور، كرسول والأخيرة: بشير كقدير {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمآءِ مَآءً طَهُوراً } مطهّراً.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ} قال أبي بن كعب كل شيء في القرآن من الرياح فهو رحمة، وكل شيء في القرآن من الريح فهو عذاب. وقيل: لأن الرياح جمع وهي الجنوب والشمال والصبا لأنها لواقح، والعذاب ريح واحدة وهي الدبور لأنها لا تلقح. {بُشْراً} قرئت بالنون وبالباء فمن قرأ بالنون ففيه وجهان: أحدهما: أنه نشر السحاب حتى يمطر. الثاني: حياة لخلقه كحياتهم بالنشور. ومن قرأ {بُشْراً} بالباء ففيه وجهان: أحدهما لأنها بشرى بالمطر. الثاني: لأن الناس يستبشرون بها. {بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} يعني المطر لأنه رحمة من الله لخلقه، وتأوله بعض أصحاب الخواطر يرسل رياح الندم بين يدي التوبة. {وَأَنزَلْنَا السَّمِآءِ مَآءً طَهُوراً} فيه تأويلان: أحدهما: طاهراً، قاله أبو حنيفة ولذلك جوز إزالة النجاسات بالمائعات الطاهرات. الثاني: مطهراً، قاله الشافعي ولذلك لم يجوز إزالة النجاسة بمائع سوى الماء. {لِّنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً} وهي التي لا عمارة فيها ولا زرع، وإحياؤها يكون بنبات زرعها وشجرها، فكما أن الماء يطهر الأبدان من الأحداث والأنجاس، كذلك الماء يطهر الأرض من القحط والجدب. {وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنآ أَنْعَاماً وَأنَاسِيَّ كَثِيراً} فجمع بالماء حياة النبات والحيوان وفي الأناسي وجهان: أحدهما: أنه جمع إنسي. الثاني: جمع إنسان. قوله تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ} فيه وجهان: أحدهما: أنه الفرقان المذكور في أول السورة. الثاني: أراد الماء الذي أنزله طهوراً. وفيه وجهان: أحدهما: يعني قسمنا المطر فلا يدوم على مكان، فيهلك ولا ينقطع عن مكان، فيهلك، وهو معنى قول قتادة. الثاني: أنه يصرفه في كل عام من مكان إلى مكان، قال ابن عباس ليس عام بأمطر من عام،ولكن الله يصرفه بين عباده. {لِيَذَّكَّرُوا} يحتمل وجهين: أحدهما: ليتذكروا النعمة بنزوله. الثاني: ليتذكروا النعمة بانقطاعه. {فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسَ إِلاَّ كُفُوراً} قال عكرمة: هو قولهم مطرنا بالأنواء. روى الربيع بن صبيح قال: أمطر الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فلما أصبح قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أَصْبَحَ النَّاسُ فِيهَا بَيْنَ رَجْلَينِ شَاكِرٍ وَكَافِرٍ، فَأَمَّا الشَّاكِرُ فَيحْمِدُ اللَّهَ عَلَى سُقْياهُ وَغِيَاثِهِ وَأَمَّا الكَافِرُ فَيقُولُ مطرنَا بِنَوءِ كَذَا وَكَذَا ".

ابن عطية

تفسير : قرأت فرقة "الرياح"، وقرأت فرقة "الريح" على الجنس، فهي بمعنى الرياح وقد نسبنا القراءة في سورة الأعراف وقراءة الجمع أوجه لأن عرف الريح متى وردت في القرآن مفردة فإنما هي للعذاب، ومتى كانت للمطر والرحمة فإنما هي رياح، لأن ريح المطر تتشعب وتتداءب وتتفرق وتأتي لينة من ها هنا وها هنا، وشيئاً إثر شيء، وريح العذاب خرجت لا تتداءب وإنما تأتي جسداً واحداً، ألا ترى أنها تحطم ما تجد وتهدمه، قال الرماني جمعت رياح الرحمة لأنها ثلاثة لواقح الجنوب والصبا والشمال وأفردت ريح العذاب لأنها واحدة لا تلقح وهي الدبور. قال القاضي أبو محمد: يرد على هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا هبت الريح اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً، واختلف القراء في "النشر"، في النون والباء وغير ذلك اختلافاً قد ذكرناه في سورة الأعراف، و {نشراً} معناه منتشرة متفرقة و"الطهور" بناء مبالغة في طاهر وهذه المبالغة اقتضته في ماء السماء وفي كل ما هو منه وبسبيله أن يكون طاهراً مطهراً وفيما كثرت فيه التغايير، كماء الورد وعصير العنب أن يكون طاهراً ولا مطهراً، ووصف "البلدة" بـ"الميت" لأنه جعله كالمصدر الذي يوصف به المذكر والمؤنث وجاز ذلك من حيث البلدة بمعنى البلد، وقرأ طلحة بن مصرف "لننشىء به بلدة ونُسقيه" بضم النون وهي قراءة الجمهور ومعناه نجعله لهم سقياً، هذا قول بعض اللغويين في أسقى قالوا وسقى معناه للشفة، وقال الجمهور سقى وأسقى بمعنى واحد وينشد على ذلك بيت لبيد: [الوافر] شعر : سقى قومي بني نجد وأسقى نميراً والقبائـل من هلال تفسير : وقرأ أبو عمرو "ونَسقيه" بفتح النون وهي قراءة ابن مسعود وابن أبي عبلة وأبي حيوة، ورويت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، {وأناسيٌ}، قيل هو جمع إنسان والياء المشددة بدل من النون في الواحد قاله سيبويه، وقال المبرد هو جمع إنسي وكان القياس أن يكون أناسية كما قالوا في مهلبي ومهالبة، وحكى الطبري عن بعض اللغويين في جمع إنسان أناسين بالنون كسرحان وبستان، وقرأ يحيى بن الحارث "أناسي" بتخفيف الياء، والضمير في {صرفناه} قال ابن عباس ومجاهد هو عائد على الماء المنزل من السماء، المعنى أن الله تعالى جعل إنزال الماء تذكرة بأن يصرفه عن بعض المواضع إلى بعض المواضع وهذا كله في كل عام بمقدار واحد، وقاله ابن مسعود، وقوله على هذا التأويل {فأبى أكثر الناس إلا كفوراً} أي في قولهم بالأنواء والكواكب قاله عكرمة، وقيل {كفوراً} على الإطلاق لما تركوا التذكر، وقال ابن عباس الضمير في {صرفناه} للقرآن وإن كان لم يتقدم له ذكر لوضوح الأمر ويعضد ذلك قوله بعد ذلك، {وجاهدهم به}، وعلى التأويل الأول الضمير في {به} يراد به القرآن على نحو ما ذكرناه، وقال ابن زيد يراد به الإِسلام، وقرأ عكرمة "صرَفنا" بتخفيف الراء، وقرأ حمزة والكسائي والكوفيون "ليذْكروا" بسكون الذال، وقرأ الباقون "ليذكّروا" بشد الذال والكاف، وفي قوله {ولو شئنا} الآية اقتضاب يدل عليه ما ذكر تقديره ولكنا أفردناك بالنذارة وحملناك {فلا تطع الكافرين}.

ابن عبد السلام

تفسير : {الرِّيَاحَ} قال أُبي بن كعب: كل شيء من ذكر الرياح في القرآن فهو رحمة وكل شيء من الريح فهو عذاب، قيل لأن الرياح جمع وهي الجنوب والشمال والصبا لأنها لواقح، والعذاب ريح واحدة، وهي الدَّبور؛ لأنها لا تُلقح. {نشراً} تنشر السحاب ليمطر، أو تحيي الخلق كما يحيون بالنشور. {بشراً} لتبشيرها بالمطر، أو لأنهم يستبشرون بالمطر. {رَحْمَتِهِ} بالمطر.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد عن عطاء أنه قرأ ‏{‏وهو الذي أرسل الرياح‏} ‏ على الجمع بشراً بالباء، ورفع الباء بنون فيهما خفيفة‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن مسروق أنه قرأ ‏ {‏الرياح نشراً‏} ‏ بالنون، ونصب النون منونة ومخففة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن المسيب في قوله ‏ {‏وأنزلنا من السماء ماء طهوراً‏} ‏ قال‏:‏ لا ينجسه شيء‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والدارقطني عن سعيد بن المسيب قال‏:‏ أنزل الله الماء طهوراً لا ينجسه شيء‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ الماء لا ينجسه شيء‏.‏ يطهر ولا يطهره شيء فإن الله قال {‏وأنزلنا من السماء ماء طهورا‏ً}‏ ‏.‏ وأخرج الشافعي وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارقطني والحاكم والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏‏ حديث : قيل يا رسول الله انتوضأ من بئر بضاعة‏؟‏ وهي بئر يلقى فيها الحيض، ولحوم الكلاب، والنتن‏.‏ فقال‏: إن الماء طهور لا ينجسه شيء ‏.‏ تفسير : وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن القاسم بن أبي بزة قال‏:‏ سأل رجل عبد الله بن الزبير عن طين المطر قال‏:‏ سألتني عن طهورين جميعاً قال الله تعالى ‏ {‏وأنزلنا من السماء ماء طهوراً‏} ‏ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً‏ "‏‏.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ بُشْرَى بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} [الآية: 48]. قال ابن عطاء رحمه الله: يرسل رياح الندم بين يدى التوبة. وقال أبو بكر بن طاهر: إن الله جل جلاله يرسل إلى القب ريحًا فيكنسه من المخالفات، وأنواع الكدورات ويصفيه لقبول الموارد عليه، فإذا صادف القلب تلك الريح وتنسم نسيمها اشتاق إلى الزوائد من فنون الموارد فيكرمه الله بالمعرفة ويزينه بالإيمان ألا تراه يقول: {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ بُشْرَى بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ}. قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً} [الآية: 48]. قال بعضهم: طهر قلوبهم ببركاته عن المخالفات، وطهر أبدانهم بظاهر رحمته من جميع الأنجاس. قال النصرآباذى: هو الرش الذي يرش من حياة المحبة على قلوب العارفين فتخير به نفوسهم بأمانة الطبع فيها ثم يجعل قلبه إمامًا للخلق تفيض بركاته عليهم فتصيب بركات نور قلبه كل شىء من ذوات الأرواح. قال الله عز وجل: {وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَآ أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً} [الآية: 49].

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ بُشْرَاً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً}. يُرْسِلُ رياحَ الكَرَم فتهب على قلوب ذوي الحاجات فتزعجها إلى طلب مبارِّه، ويرسل رياحَ الولاية فتهب على قلوب الخواص فتطهرها من جميع الإرادات فتُكْفَى بالله لله، ويرسِلُ رياحَ الخوفِ على قلوبِ العُصَاةِ فتحملهم على النَّدَمِ، وتطهرها من الإصرار فترجع إلى التوبة، ويرسل رياح الاشتياق على قلوب الأحباب، فتزعجها عن المساكنات، وتطهرها عن كل شيء إلا عن اللواعج فلا تستقِرُّ إلا بالكشف والتجلِّّي. ويقال إذا تَنَسَّمَ القلبُ نسيمَ القُرْبِ هَامَ في ملكوت الجلال، وامتحى عن كل مرسوم ومعهود. قوله جل ذكره: {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً لِّنُحْيِـيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَآ أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً}. أنزل من السماء ماء المطرِ فأحيا به الغياضَ والرياضَ، وأنبت به الأزهار والأنوار، وأنزل من السماء ماء الرحمةِ فغَسَلَ العصاةُ ما تلطخوا به من الأوضار، وما تدنَّسوا به من الأوزار. و(الطَّهُور) هو الطاهرُ المُطَهِّرُ، وماءُ الحياء يُطِهرُ قلوبَ العارفين عن الجنوح إلى المساكنات وما يتداخلها في بعض الأحيان من الغفلات. وماء الرعاية يُحْيِي به قلوبَ المشتاقين بما يتداركها من أنوار التجلِّي حتى يزول عنها عَطَشُ الاشتياق ويحصل فيها من سكينة الاستقلال، ويحيي به نفوساً ميتةً باتباع الشهوات فيردها إلى القيام بالعبادات.

اسماعيل حقي

تفسير : {وهو} تعالى وحده {الذى ارسل الرياح} [كشاد بادها درهوا قال فى كشف الاسرار ارسال اينجا بمعنى كشادن است جنانكه كويى] ارسلت الطائر وارسلت الكلب المعلم انتهى، وفى المفردات فد يكون الارسال للتسخير كارسال الريح والريح ومعروفة هى فيما قيل الهواء المتحرك وقيل فى الرحمة رياح بلفظ الجمع لانها تجمع الجنوب والشمال والصبا وقيل فى العذاب ريح لانها واحدة وهى الدبور وهو عقيم لا يلقح ولذا ورد فى الحديث "حديث : اللهم اجعلها لنا رياحا ولا تجعلها ريحا"تفسير : {بشرا} حال من الرياح تخفيف بشر بضمتين جمع بشورا وبشير بمعنى مبشر لان الرياح تبشر بالمطر كما قال تعالى {أية : ومن آياته ان يرسل الرياح مبشرات}تفسير : بالفارسية [بشارت دهندكان] {بين يدى رحمته} اى قدام المطر على سبيل الاستعارة وذلك لانه ريح ثم سحاب ثم مطر. وبالفارسية [بيش ازتول رحمت كه اوبارانست يعنى وزيدن ايشان غالبا دلالت ميكند بروقوع مطر دراوان آن باران آسمانرا رحمت نام كرد ازانكه برحمت ميفرستد] {وانزلنا} بعظمتنا والالتفات الى نون العظمة لابراز كمال العناية بالانزال لانه نتيجة ارسال الرياح {من السماء} من جهة الفوق وقد سبق تحقيقه مرارا {ماء طهورا} بليغا فى الطهارة وهو الذى يكون طاهرا فى نفسه ومطهرا لغيره من الحدث والنجاسة: وبالفارسية [آبى باك وباك كننده]، والطهور يجيىء صفة كما فى ماء طهورا واسما كما فى قوله عليه السلام "حديث : التراب طهور المؤمن"تفسير : وبمعنى الطهارة كما فى تطهرت طهورا حسنا اى وضوأ حسنا ومنه قوله عليه السلام "حديث : لاصلاة الا بالطهور " تفسير : قالى فى فتح الرحمن الطهور هو الباقى على اصل خلقته من ماء المطر والبحر والعيون والآبار على أى صفة كان من عذوبة وملوحة وحرارة وبرودة وغيرها وما تغير بمكثه او بطاهر لا يمكن صونه عنه كالتراب والطحلب وورق الشجر ونحوها فهو طاهر فى نفسه مطهر لغيره يرفع الاحداث ويزيل الانجاس بالاتفاق قال تغير عن اصل خلقته بطاهر يغلب على اجزائه ما يستغنى عنه الماء غالبا لم يجز التطهير به عد الثلاثة وجوز ابو حنيفة رحمه الله الوضوء بالماء المتغير بالزعفران ونحوه من الطاهرات مالم تزل رقته، وقال ايضا يجوز ازالة النجاسة بالمائعات الطاهرة كالخل وماء الورد ونحوهما وخالفه الثلاثة ومحمد بن الحسن وزفر كما فصل فى الفقه ثم فى توصيف الماء بالطهور مع ان وصف الطهارة لا دخل له فى ترتيب الاحياء والسقى على انزال الماء اشعار بالنعمة فيه لان وصف الطهارة نعمة زائدة على انزال ذات الماء وتتميم للمنة المستفادة من قوله لنحيى به ونسقيه فان الماء الطهور اهنأ وانفع مما خالطه ما يزيل طهوريته وتنبيه على ان ظواهرهم لما كانت مما ينبغى ان يطهروها كانت بواطنهم بذلك اولى لأن باطن الشىء اولى بالحفظ عن التلوث من ظاهره وذلك لان منظر الحق هو باطن الانسان لاظاهره والتطهير مطلقا سبب لتوسع الرزق كما قال عليه السلام "حديث : دم على الطهارة يوسع عليك الرزق"تفسير : والماء الذى هو سبب الرزق الصورى طاهر ومطهر فينبغى لطالبه ان يكون دائما على الطهارة الظاهرة فانها الجالبة له واما الطهارة الباطنة فجالبة للرزق المعنوى وهو ما يكون غذاء للروح من العلو والفيوض.

الجنابذي

تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ بُشْرَى بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} فانّ الرّياح الصّوريّة وقت الشّتاء والرّبيع تحرّك السّحاب وتصير سبباً لامطار المطر، واطلاق الرّحمة على المطر شائع فى العرب والعجم، ورياح الغموم والاخاويف والاسقام والقبضات والبلايا وسائر ما لا يلايم الانسان تبشّر بضدّ ذلك فانّ مع العسر يسرين وقد سبق فى سورة الاعراف اختلاف القراءة فى بشراً وغير ذلك {وَأَنزَلْنَا} لمّا كان الامتحانات الآلهيّة موجبة لترقّى السّالك عن مقام الغيبة الى مقام الحضور ويكون الامتحان فى الغياب قال ارسل الرّياح بالغيبة وانزلنا بالالتفات من الغيبة الى الحضور {مِنَ ٱلسَّمَآءِ} اى السّحاب او وجهة العلو بعد ارسال الرّياح {مَآءً طَهُوراً} اى طاهراً فى نفسه مطهّراً لغيره من الاخباث والاحداث فانّ الطّهور للمبالغة فى الطّاهر، والبالغ فى الطّهارة هو الّذى يكون لشدّة طهارته مورثاً لطهارة مجاوره، وتوصيف الجنس بهذا الوصف يدلّ على انّ الماء ما لم يخرج من حدّ اطلاق هذا الاسم ولم يصر مضافاً ومغلوباً لوصف غيره لم يسلب عنه هذا الوصف قليلاً كان ام كثيراً وارداً على المتنجّس ام وارداً عليه المتنجّس او ملاقياً له غسالةً ام غيرها، كما افتى به بعض الفقهاء رضوان الله عليهم، لكنّ الاحتياط طريق الرّشاد خصوصاً فى البلاد الّتى يكون الماء بها كثيراً حيث لا ينجّر الى تعسّر وتبذيرٍ واسرافٍ.

الأعقم

تفسير : {وهو الذي أرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته} لأنها تنشر السحاب، وقد قيل: إنها كلها لواقح إلا الدبور فهي عقيم لا تلقح {وأنزلنا من السماء ماء طهوراً}، قيل: طاهراً بنفسه مطهراً لغيره {لنحيي به بلدة ميتاً} لا زرع ولا ضرع ولا نبات لنسقيه {مما خلقنا أنعاماً وأناسي كثيراً} أي لنجعله سقياً للأنعام والأناسي {ولقد صرفناه} المطر {بينهم} يدور في جهات الأرض، وقيل: قسمناه {ليذكروا} وليتعظوا، وقيل: ليذكروا نعم الله وقدرته {فأبى أكثر الناس إلاَّ كفوراً} يعني كفروا بنعمة الله وجحدوا به، وعن ابن عباس: ما عام أقل مطراً من عام، ولكن الله قسّم بين عباده على ما يشاء، وتلا هذه الآية، وروي أن الملائكة يعرفون عدد المطر ومقداره في كل عام {ولو شئنا لبعثنا في كل قريةٍ نذيراً} يعني رسولاً ينذرهم، وحققنا عنك، وبعثنا في كل قرية نذيراً ينذر أهلها {فلا تطع الكافرين} فيما يدعونك إليه من المداهنة والإقتراحات {وجاهدهم به} أي بالقرآن {جهاداً كبيراً} يعني جاهدهم بالدعاء إلى الحق {وهو الذي مرج البحرين} المرج الخلط، والفرات كل ماء عذب، والبحر كل مالح، والاجاج: أشد الملوحة، والبرزخ الحاجز بين الشيئين، قيل: أرسلهما، وقيل: حفظهما {هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج} وهو البليغ العذوبة حتى يضرب إلى الحلاوة، والاجاج نقيضه، ومرجهما خلاهما متحادين متلاصقين وهو بقدرته يفصل بينهما ويمنعهما من التمازج وهذا من عظيم اقتداره {وجعل بينهما برزخاً} حائلاً من قدرته كقوله: {أية : بغير عمد ترونها} تفسير : [الرعد: 2] يريد بغير عمد مرئية وهو قدرته {وحجراً محجوراً} أي منعاً وستراً لا يفسد المالح العذب {وهو الذي خلق من الماء} أي النطفة ومنها خلق بني آدم {بشراً فجعله نسباً وصهراً} النسب ما لا يحل نكاحه، والصهر ما يحل نكاحه، عن علي (عليه السلام) وعن ابن سيرين: نزلت نسباً وصهراً في النبي وعليّ بن أبي طالب هو ابن عمه وزوج ابنته منه، وقيل: النسب سبعة والصهر خمسة، وقرأ: {أية : حرمت عليكم أمهاتكم} تفسير : [النساء: 23] إلى آخرها {وكان ربك قديراً} أي قادر على ما يشاء {ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم} يعني هؤلاء المشركين لا ينفعهم إن عبدوه ولا يضرهم إن تركوه {وكان الكافر على ربه ظهيرا} يعني أن الكافر مظاهر الشيطان على ربه بالعداوة والشرك، وقيل: إنها نزلت في أبي جهل، وقيل: ربه الصنم يعمل به ما شاء من الصنوع وتغيير الشكل {وما أرسلناك إلاَّ مبشراً ونذيراً} يعني لا تبعة عليك من فعلهم وإنما أنت مبشر ونذير {قل ما أسألكم عليه من أجر} فتتركون الإِيمان لعلة، أي طمع في أموالكم {إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً}، قيل: الاستثناء منقطع، معناه لكن من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً بانفاق ماله في طاعته وابتغاء مرضاته، وقيل: إلاَّ بمعنى بل أسألكم الإِيمان والله أعلم.

اطفيش

تفسير : {وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْرَى} وقرأ ابن كثير (ارسل الريح) بالافراد واراده الجنس * نشرا جمع نشورا بفتح النون اي ناشرات السحاب اي جامعة له. وقرأ ابن عامر بسكون الشين اما جمعا له آخر أو تخفيفا. وقرأ حمزة والكسائي بسكون الشين وفتح النون على انه مصدر جعل حال مبالغة أو بتأوله بالوصف اي ناشرات أو يقدر مضاف اي ذوات نشر. وقرأ عاصم بُشرا بباء موحدة مضمونة وسكون الشين جمع (بشير) بمعنى (مبشرا) واصله الضم سكن تخفيفا وهو ايضا جمع. وقيل: هو فخفف (بشرا) بضم الشين كالباء جمع (بشور) بفتح الموحدة وبشرى. {بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} يعني قدار المطر وذلك استعارة {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً} الحق ان طهورا اما صفة مبالغة اي هو في نفسه طهور فلا يستفاد من الاية انه مطهر لغيره لانه صفة مبالغة من طهر بالتخفيف وهو لازم لا متعد. واما اسم لما يقع به التطهير كالوضوء بفتح الواو اسما لما يقع به التوضؤ والوقود بفتح الواو اسما لما يقع ايقاد النار به وعلى هذا يصح الاستدلال بالآية على ان الماء مطهر لغيره لكن الدليل إذا طارقه الاحتمال سقط به الاستدلال وقد احتمل طهور ان يكون صفة مبالغة. واما ان يقال: ان الدليل وهو الآية اخص من المدعي وهو الماء مطلقا من حيث ان الماء في الآية ماء السماء فقط فقد يجاب عنه بان الدليل ايضا عام لانه لا ماء في الارض الا وقد نزل من السماء والغالب في فعول بفتح الفاء ان يكون صفة مبالغة أو اسما على حد ما مر. وقد جاء ايضا بمعنى مفعول كناقة ركوب ومصدرا كالقبول واسما على غير حد ما مر كالذنوب اسما للدلو كما يأتي ان شاء الله. وعن احمد بن يحيى: الطهور هو ما كان طاهرا في نفسه مطهرا لغيره فان كان هذا تفسيرا متلقى عن العرب أو شرحا لبلاغته في الطهارة كان سديدا والا فليس (فعول) من التفعيل في شيء إذ لا يستعمل (خروج) بفتح الخاء بمعنى مخرج بكسر الراء المشددة بل بمعنى كثير الخروج. ووصف الماء بطهور إكراما لهم وتتميما للمنة عليهم وبيانا انه من حقهم حين اراد الله لهم الطهارة ان يؤثروها في بواطنهم ثم في ظواهرهم وان يترفعوا عن قذورات المعاصي كما رفعهم ربهم بالطهارة فان الماء الطهور انفع وأهنأ مما خالطته نجاسة. وفي الحديث "حديث : طهار إِناء أَحدكما إذا ولغ فيه كلب يغسله سبعا أولاهم أَو آخراهن بالتراب " تفسير : واجيز غسله ثلاثا بالماء وحده. واجيز يكون الاولى والاخيرة بالتراب والوسطى بالماء. ورخص بعض اصحابنا ان لا ينجسه الا ان ولغ فيه ولغتين. ورخص بعضهم ان لا ينجس ان ولغ ثلاثا. ورواية قومنا طهارة اناء ولغ فيه الكلب ان يغسل سبعا احداهن بالتراب وإذا كان الماء قدر قلتين أو اكثر لم ينجسه الا ما غير لونه او طعمه او رائحته. ورخص بعضهم ان لا ينجس الا غير لونه وطعمه ورائحته ان كان ماء مطر ورخص مطلقا وان كان اقل من القلتين نجس بكل نجاسة وقعت فيه ولو لم يتغير شيء من ذلك. وزعم بعضهم انه لا ينجس الا ان تغير شيء من ذلك. وزعم ابو حنيفة ان الماء المستعمل في البدن لأداء عبادة من غسل ووضوء ايضا نجس. ورواه بعضهم عن ابي يوسف وكان بعض من يقول بذلك يتخذ جلدا يتوقى به عن ثيابه. وفي التاج الماء المستعمل في وضوء أو غسل جنابة أو حيض يجوز شربه وغسل النجس به. واجاز مالك الوضوء به والاغتسال به بعد ذلك. واجاز بعض قومنا الوضوء والاغتسال بماء تغير باوراق الاشجار وبماء تغير بما لا يختلط كالدهن لان تغير المائية للمجاورة لا للمخالطة.

اطفيش

تفسير : {وهو الَّذى أرْسل الرياحَ} من هنا ومن هنا كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم اجعلها رياحاً لا ريحاً"تفسير : وريح العذاب تأتى واحدة ولا تفرد فى القرآن إلا للشر {بشراً} جمع نُشور بفتح النون كرسول ورسل، والمعنى ناشرات للسحاب من النشر بمعنى البعث {بيْن يَدَى رحْمتِه} متقدمة على رحمته التى هى مطره الجائى بعد الرياح، سمى رحمة تجوزاً إرسالياً الأصل مرحوماً به، أى منعماً به، وهو الماء، وشبه المطر بنحو سلطان يتقدم بين يديه خاصته أو أعوانه، واستعير لفظ سلطان له على الكناية، وذكر بين يدى قرينه، ويجوز أن يكون الكلام استعارة تمثيلية. {وأنْزلنَا} تكلماً بعد غيبة إظهار لكمال العناية {منَ السَّماءِ} احدى السبع، والله قادرا أو السحاب أو جهة العلو، وقد قيل: إن فى الهواء بحر ماء عذب {ماءً طَهُوراً} آلة للطهارة كالوضوء بفتح الواو للماء الذى يتوضأ به، والغسول بفتح الغين لما يغسل به، والسحور بفتح السين لما يتسحر به، والفطور بفتح الفاء لما يفطر به، والوقود لما يوقد به، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : التراب طهور"تفسير : بفتح الطاء أى آلة لرفع الأحداث بالتيمم ومزيل للأنجاس بالحك به، وهو باق جلى أصله من اللزوم، وليس بمعنى التطهير او الطهارة، بل بمعنى ما يفعل به ذلك، وليس صفة مبالغة كضروب، ولا يكفى أن يقال: إنه طاهر جداً، حتى أنه مطهر لغيره، وليس كل طاهر جداً مطهراً لغيره، وأيضا يوهم التعدى، واللازم لا يكون متعدياً بكنه على وزن فعول، وليس فعول من التفعيل فى شىء، وقياسه على ما هو متعد كقطوع ومنوع غير سديد، وبناء فعول للمبالغة مع بقاءه على اللزوم إن كان فعله لازماً.

الالوسي

تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى أَرْسَلَ ٱلرّيَـٰحَ } وقرأ ابن كثير بالتوحيد على إرادة الجنس بأل أو الاستغراق فهو في معنى الجمع موافقة لقراءة الجمهور، وقال ابن عطية: قراءة الجمع أوجه لأن الريح متى وردت في القرآن مفردة فهي للعذاب ومتى كانت للمطر والرحمة جاءت مجموعة لأن ريح المطر تتشعب وتتذأب وتتفرق وتأتي لينة من هٰهنا وهٰهنا وشيئاً إثر شيء وريح العذاب تأتي جسداً واحداً لا تتذأب ألا ترى أنها تحطم ما تجد وتهدمه. وقال الرماني: جمعت رياح الرحمة لأنها ثلاثة لواقح الجنوب والصبا والدبور، وأفردت ريح العذاب لأنها واحدة لا تلقح وهي الدبور، حديث : وفي قوله صلى الله عليه وسلم إذا هبت الريح: اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً تفسير : إشارة إلى ما ذكر، وأنت تعلم أن في كلام ابن عطية غفولاً عن التأويل الذي تتوافق به القراءتان، وقد ذكر في «البحر» أنه لا يسوغ أن يقال في تلك القراءة أنها أوجه من القراءة الأخرى مع أن كلاً منهما متواتر، وأل في الريح للجنس فتعم، وما ذكر في التفرقة بين المفرد والمجموع أكثري أو عند عدم القرينة أو في المنكر كما جاء في الحديث، وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة الروم [46] ما يتعلق بهذا المبحث. / {بُشَرًا } تخفيف بشراً بضمتين جمع بشور بمعنى مبشر أي أرسل الرياح مبشرات، وقرىء {نَشْراً } بالنون والتخفيف جمع نشور كرسول ورسل، و {نَشْراً } بضم النون والشين وهو جمع لذلك أيضاً أي أرسلها ناشرات للسحاب من النشر بمعنى البعث لأنها تجمعه كأنها تحييه لا من النشر بمعنى التفريق لأنه غير مناسب إلا أن يراد به السوق مجازاً، و {نَشْراً } بفتح النون وسكون الشين على أنه مصدر وصف به مبالغة، وجوز أن يكون مفعولاً مطلقاً لأرسل لأنه بمعنى نشر والكل متواتر. وروي عن ابن السميقع أنه قرأ {بشرى} بألف التأنيث {بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ } أي قدام المطر وقد استعيرت الرحمة له ورشحت الاستعارة أحسن ترشيح، وجوز أن يكون في الكلام استعارة تمثيلية و {بَشَرًا } من تتمة الاستعارة داخل في جملتها. والالتفات إلى نون العظمة في قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَاء } لإبراز كمال العناية بالإنزال لأنه نتيجة ما ذكر من إرسال الرياح أي أنزلناه بعظمتنا بما رتبنا من إرسال الرياح من جهة العلو التي ليست مظنة الماء أو من السحاب أو من الجرم المعلوم، وقد تقدم تفصيل الكلام في ذلك {مَاء طَهُوراً} الظاهر أنه نعت الماء، وعليه قيل معناه بليغ الطهارة زائدها، ووجه في «البحر» المبالغة بأنها راجعة إلى الكيفية باعتبار أنه لم يشبه شيء آخر مما في مقره أو ممره أو ما يطرح فيه كمياه الأرض، وفسره ثعلب بما كان طاهراً في نفسه مطهراً لغيره. وتعقبه الزمخشري بأنه إن كان ما قاله شرحاً لبلاغته في الطهارة كان سديداً وإلا فليس فعول من التفعيل في شيء، وقال غيره: إن أخذ التطهير فيه يأباه لزوم الطهارة والمبالغة في اللازم لا توجب التعدي. وأجاب صاحب «الكشف» بأنه لما لم تكن الطهارة في نفسها قابلة للزيادة رجعت المبالغة فيها إلى انضمام معنى التطهير إليها لا أن اللازم صار متعدياً، وتعقبه المولى الدواني بأن فيه تأملاً من حيث إن انضمام معنى التطهير لما كان مستفاداً من المبالغة بمعونة عدم قبول الزيادة كانت المبالغة في الجملة سبباً للتعدي، ثم قال: ويمكن التفصي بأن المعنى اللازم باق بحاله، والمبالغة أوجبت انضمام المتعدي إليه لا تعدية ذلك اللازم وبينهما فرقان، وذكر بعض الأجلة أن إفادة المبالغة تعلق الفعل بالغير مما لا يساعده لغة ولا عرف وأين هذا التعلق في قول جرير:شعر : إلى رجح الأكفال غيد من الظبا عذاب الثنايا ريقهن طهور تفسير : ومثله قوله تعالى: {أية : وَسَقَـٰهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً }تفسير : [الإنسان: 21] ومن هذا وأمثاله اختار بعضهم كون المبالغة راجعة إلى الكيفية على ما سمعت عن «البحر»، وقال بعض المحققين: إن {طَهُوراً } هنا اسم لما يتطهر به كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : التراب طهور المؤمن» تفسير : وفعول كما قال الأزهري في كتاب «الزاهر» يكون اسم آلة لما يفعل به الشيء كغسول ووضوء وفطور وسحور إلى غير ذلك كما يكون صفة بمعنى فاعل كأكول أو مفعول كصبوب بمعنى مصبوب واسم جنس كذنوب ومصدراً وهو نادر كقبول فيفيد التطهير للغير وضعاً، ويمكن حمل ما روي عن ثعلب على هذا، واعتبار كونه طاهراً في نفسه لأن كونه مطهراً للغير فرع ذلك، وجعل على هذا بدلاً من (ماء) أو عطف بيان له لا نعتاً فيكون التركيب نحو أرسلت إليك ماء وضوءاً. وأنت تعلم أن المتبادر فيما نحن فيه كونه نعتاً فإن أمكن ذلك على هذا الوجه بنوع تأويل كان أبعد عن / القيل والقال، وحكى سيبويه أن طهوراً جاء مصدر التطهر في قولهم: تطهرت طهوراً حسناً، وذكر أن منه قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : لا صلاة إلا بطهور» تفسير : وحمل ما في الآية على ذلك مما لا ينبغي. وأياً ما كان ففي توصيف الماء به إعظام للمنة كما لا يخفى.

ابن عاشور

تفسير : استدلال على الانفراد بالخلق وامتنان بتكوين الرياح والأسحِبة والمطر. ومناسبة الانتقال من حيث ما في الاستدلال الذي قبله من ذكر حال النشور والامتنان به فانتقل إلى ما في الرّياح من النشور بذكر وصفها بأنها نُشرٌ على قراءة الجمهور، أو لكونها كذلك في الواقع على قراءة عاصم. ومردود الاستدلال قصر إرسال الرياح وما عطف عليه على الله تعالى إبطالاً لادعاء الشركاء له في الإلهية بنفي الشركة في التصرف في هذه الكائنات وذلك ما لا ينكره المشركون كما تقدم مثله في قوله: {أية : وهو الذي جعل لكم الليل لباساً}تفسير : [الفرقان: 47] إلخ.. وأطلق على تكوين الرياح فعل {أرسل} الذي هو حقيقة في بعث شيء وتوجيهه، لأن حركة الرياح تشبه السير. وقد شاع استعمال الإرسال في إطلاق العنان لخيل السباق. وهذا استدلال بدقيق صنع الله في تكوين الرياح، فالعامة يعتبرون بما هو داخل تحت مشاهدتهم من ذلك، والخاصة يدركون كيفية حدوث الرياح وهبوبها واختلافها، وذلك ناشىء عن التقاء حرارة جانب من الجو ببرودة جانب آخر. ثم إن الرياح بهبوبها حارة مرة وباردة أخرى تكوّن الأسحبة وتؤذن بالمطر فلذلك وصفت بأنها نُشُر بين يدي المطر. قرأ الجمهور {أَرسل الرياح} بصيغة الجمع وقرأ ابن كثير {الريح} بصيغة الإفراد على معنى الجنس. والقراءتان متحدتان في المعنى، ولكن غلب جمع الريح في ريح الخير وإفرادُ الريح في ريح العذاب قاله ابن عطية. وتقدم قوله تعالى {أية : وتصريف الرياح} تفسير : في سورة البقرة (164). وقرأ الجمهور {نُشُراً} بنون في أوله وبضمتين جمع نَشُور كرسول ورُسل. وقرأ ابن عامر بضم فسكون على تخفيف الحركة. وقرأ حمزة والكسائي وخلف بفتح النون وسكون الشين على أنه من الوصف بالمصدر، وكلها من النشر وهو البسط كما ينشر الثوب المطوي لأن الرياح تنشر السحاب. وقرأ عاصم بباء موحدة وسكون الشين جمع بَشُور من التبشير لأنها تبشر بالمطر. وتقدم قوله {أية : وهو الذي يرسل الرياح نشراً بين يدي رحمته}تفسير : في سورة الأعراف (57). والالتفات من الغيبة إلى التكلم في قوله {وأنزلنا لنحيي ونسقيه ولقد صرفناه} للداعي الذي قدمناه في قوله آنفاً {أية : ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً ثم قبضناه إلينا}تفسير : [الفرقان: 45، 46]. والمراد بــــ{رحمته} المطر لأنه رحمة للناس والحيوان بما يُنْبِته من الشجر والمرعى. وجملة {وأنزلنا من السماء ماء طهوراً} عطف على جملة {أرسل الرياح} إلخ، فهي داخلة في حيز القصر، أي وهو الذي أنزل من السماء ماء طهوراً. وضمير {أنزلنا} التفات من الغيبة إلى التكلم لأن التكلم أليق بمقام الامتنان. وتقدم معنى إنزال الماء من السماء عند قوله: {أية : أو كصيّب من السماء} تفسير : في سورة البقرة (19). والطَّهور بفتح الطاء من أمثلة المبالغة في الوصف بالمصدر كما يقال: رجل صَبور. وماء المطر بالغ منتهى الطهارة إذ لم يختلط به شيء يكدره أو يقذره وهو في علم الكيمياء أنقى المياه لخلوه عن جميع الجراثيم فهو الصافي حقاً. والمعنى: أن الماء النازل من السماء هو بالغ نهاية الطهارة في جنسه من المياه ووصف الماء بالطهور يقتضي أنه مُطهّر لغيره إذ العدول عن صيغة فاعل إلى صيغة فَعول لزيادة معنى في الوصف، فاقتضاؤه في هذه الآية أنه مطهّر لغيره اقتضاء التزامي ليكون مستكملاً وصف الطهارة القاصرة والمتعدية، فيكون ذكر هذا الوصف إدماجاً لمنة في أثناء المنن المقصودة، ويكون كقوله تعالى: {أية : وينزل عليكم من السماء ماء لِيُطَهِّركم به}تفسير : [الأنفال: 11] وصف الطهارة الذاتية وتطهيره، فيكون هذا الوصف إدماجاً ولولا ذلك لكان الأحقّ بمقام الامتنان وصف الماء بالصفاء أو نحو ذلك. والبلدة: الأرض. ووصفها بالحياة والموت مجازان للري والجفاف لأن ري الأرض ينشأ عنه النبات وهو يشبه الحي، وجفاف الأرض يجفّ به النبات فيشبه الميّت. ولماء المطر خاصية الإحياء لكل أرض لأنه لخلّوه من الجراثيم ومن بعض الأجزاء المعدنية والترابية التي تشتمل عليها مياه العيون ومياه الأنهار والأودية كان صالحاً بكل أرض وبكل نبات على اختلاف طباع الأرضين والمنابت. والبلدة: البلد. والبلد يذكر ويؤنث مثل كثير من أسماء أجناس البقاع كما قالوا: دار ودَارة. ووصفت البلدة بميت، وهو وصف مذكر لتأويل {بلدة} بمعنى مكان لقصد التخفيف. وقال في «الكشاف» ما معناه: إنه لما دل على المبالغة في الاتصاف بالموت ولم يكن جارياً على أمثلة المبالغة نزّل منزلة الاسم الجامد (أي فلم يغير). وأحسن من هذا أنه أريد به اسم الميت، ووصف البلدة به وصف على معنى التشبيه البليغ. وفي قوله {لنحي به بلدة ميتاً} إيماء إلى تقريب إمكان البعث. و{نُسقيه} بضم النون مضارع أسقى مثل الذي بفتح النون فقيل هما لغتان يقال: أسقى وسَقى. قال تعالى: {أية : قالتا لا نَسقي}تفسير : [القصص: 23] بفتح النون. وقيل: سقى: أعطى الشراب، وأسقى: هيَّأ الماء للشرب. وهذا القول أسدّ لأن الفروق بين معاني الألفاظ من محاسن اللغة فيكون المعنى هيَّأناه لشرب الأنعام والأناسي فكل من احتاج للشرب شرب منه سواء من شرب ومن لم يشرب. و{أنعاماً} مفعول ثان لــــ{نسقيه}. وقوله: {مما خلقنا} حال من {أنعاماً وأناسي}. و(مِن) تبعيضية. و(مَا) موصولة، أي بعض ما خلقناه، والموصول للإيماء إلى علة الخبر، أي نسقيهم لأنهم مخلوقات. ففائدة هذا الحال الإشارة إلى رحمة الله بها لأنها خلقه. وفيه إشارة إلى أن أنواعاً أخرى من الخلائق تُسقى بماء السماء، ولكن الاقتصار على ذكر الأنعام والأناسي لأنهما موقع المنة، فالأنعام بها صلاح حال البَادين بألبانها وأصوافها وأشعارها ولُحومها، وهي تشرب من مياه المطر من الأحواض والغدران. والأناسيّ: جمع إنسيّ، وهو مرادف إنسان. فالياء فيه ليست للنسب. وجُمع على فَعالِيّ مثل كُرسي وكَراسِي. ولو كانت ياؤه نَسب لَجُمع على أنَاسِيَةٍ كما قالوا: صيرفي وصيارفة. ووصف الأناسيّ بــــ{كثيراً} لأن بعض الأناسيّ لا يشربون من ماء السماء وهم الذين يشربون من مياه الأنهار كالنيل والفرات، والآبار والصهاريج، ولذلك وصف العرب بأنهم بنو ماء السماء. فالمنة أخص بهم، قال زيادة الحارثي:شعر : ونحن بنو ماء السماء فلا نرى لأنفسنا من دون مملكةٍ قصراً تفسير : وفي أحاديث ذكر هاجر زوج إبراهيم عليه السلام قال أبو هريرة «حديث : فتلك أمّكم يا بني ماءِ السماء»تفسير : يعني العرب. وماء المطر لنقاوته التي ذكرناها صالح بأمعاء كل الناس وكل الأنعام دون بعض مياه العيون والأنهار. ووصف أناسي وهو جمع بكثير وهو مفرد لأن فعيلاً قد يراد به المتعدد مثل رفيق وكذلك قليل قال تعالى: {أية : واذكروا إذ كنتم قليلاً}تفسير : [الأعراف: 86]. وتقديم ذكر الأنعام على الأناسيّ اقتضاه نسج الكلام على طريقة الأحكام في تعقيبه بقوله: {ولقد صرفناه بينهم ليذكروا}، ولو قدم ذكر {أناسيَّ} لتفكك النظم. ولم يقدم ذكر الناس في قوله تعالى: {أية : متاعاً لكم ولأنعامكم} تفسير : في سورة النازعات (33) لانتفاء الداعي للتقديم فجاء على أصل الترتيب. وضمير {صرفناه} عائد إلى {ماء طهوراً}. والتصريف: التغيير. والمراد هنا تغيير أحوال الماء، أي مقاديره ومواقعه. وتوكيد الجملة بلام القسم و(قد) لتحقيق التعليل لأن تصرف المطر محقق لا يحتاج إلى التأكيد وإنما الشيء الذي لم يكن لهم علم به هو أن من حكمة تصريفه بين الناس أن يذكُروا نعمة الله تعالى عليهم مع نزوله عليهم وفي حالة إمساكه عنهم، لأن كثيراً من الناس لا يقدُر قدرَ النعمة إلا عند فقدها فيعلموا أن الله هو الربّ الواحد المختار في خلق الأسباب والمسببات وقد كانوا لا يتدبرون حكمة الخالق ويسندون الآثار إلى مؤثرات وهمية أو صورية. ولما كان التذكر شاملاً لشكر المنعم عليهم بإصابة المطر ولتفطن المحرومين إلى سبب حرمانهم إياه لعلهم يستغفرون، جيء في التعليل بفعل {ليذكروا} ليكون علة لحالتي التصريف بينهم. وقوله: {فأبى أكثر الناس إلا كفوراً} تركيب جرى بمادّته وهيئته مجرى المَثَل في الإخبار عن تصميم المخبر عنه على ما بعد حرف الاستثناء، وذلك يقتضي وجود الصارف عن المستثنى، أي فصمموا على الكفور لا يرجعون عنه لأن الاستثناء من عموم أشياء مبهمة جعلت كلها مما تعلق به الإباء كأنّ الآبين قد عرضت عليهم ــــ من الناس أو من خواطرهم ــــ أمورٌ وراجعوا فلم يقبلوا منها إلا الكُفور، وإن لم يكن هنالك عَرض ولا إباء، ومنه قوله تعالى في سورة براءة: (32) {أية : ويأبى الله إلاّ أن يُتِمّ نورَه}تفسير : ؛ ألاَ ترى أن ذلك استعمل هنا في مقام معارضة المشركين للتوحيد وفي سورة براءة في مقام معارضة أهل الكتاب للإسلام. وشدّةُ الفريقين في كفرهم معلومة مكشوفة ولم يُستعمل في قوله تعالى في سورة الصّفّ: (8): {أية : يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره}تفسير : . والكُفور: مصدر بمعنى الكفر. وتقدم نظيره في سورة الإسراء، أي أبوا إلاّ الإشراك بالله وعدم التذكر. وقرأ الجمهور {ليذّكّروا} بتشديد الذال وتشديد الكاف مدغمة فيها التاءُ وأصله ليتذكروا. وقرأ حمزة والكسائي وخلف بسكون الذال وتخفيف الكاف مضمومة، أي ليذْكُروا ما هم عنه غافلون. ويؤخذ من الآية أن الماء المنزّل من السماء لا يختلف مقداره وإنما تختلف مقادير توزيعه على مواقع القَطر، فعن ابن عباس: ما عامٌ أقل مطراً من عام ولكن الله قسم ذلك بين عباده على ما شاء. وتلا هذه الآية. وذكر القرطبي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : ما من سنة بأمطرَ من أخرى ولكن إذا عمل قوم المعاصي صَرف الله ذلك إلى غيرهم فإذا عصوا جميعاً صرف الله ذلك إلى الفيافي والبحار»تفسير : اهــــ. فحصل من هذا أن المقدار الذي تفضل الله به من المطر على هذه الأرض لا تختلف كميته وإنما يختلف توزيعه. وهذه حقيقة قررها علماء حوادث الجو في القرن الحاضر، فهو من معجزات القرآن العلمية الراجعة إلى الجهة الثالثة من المقدمة العاشرة لهذا التفسير. وجوز فريق أن يكون ضمير {صرفناه} عائداً إلى غير مذكور معلوم في المقام مرادٍ به القرآن؛ قالوا لأنه المقصود في هذه السورة فإنها افتتحت بذكره، وتكرر في قوله: {أية : إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً}تفسير : [الفرقان: 30]. وأصل هذا التأويل مروي عن عطاء، ولقوله بعده {أية : وجاهدهم به جهاداً كبيراً}تفسير : [الفرقان: 52]. وقيل الضمير عائد إلى الكلام المذكور، أي ولقد صرفنا هذا الكلام وكررناه على ألسنة الرسل ليذّكروا.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ بُشْرَى بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} قد قدمنا الآية الموضحة له في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْرىً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} تفسير : [الأعراف: 57] على قراءة من قرأ بشراً بالباء. وآية الأعراف وآية الفرقان المذكورتان تدلان على أن المطر رحمة من الله لخلقه. وقد بين ذلك في مواضع أخر كقوله تعالى: {أية : فَٱنظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَةِ ٱللَّهِ كَيْفَ يُحْيِيِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ} تفسير : [الرّوم: 50] وقوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ} تفسير : [الشورى: 28] الآية.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 48- وهو الذى سخر الرياح فتسوق السحب وتبشر الناس بالمطر الذى هو رحمة منه لهم، ولقد أنزلنا من السماء ماء طاهراً مُطهراً مزيلا للأنجاس والأوساخ. 49- أنزلنا المطر لينبت به الزرع، فتحيا به الأرض الجدبة بعد موتها، وينتفع به السقيا مما خلق أنعاماً وأناسى كثيراً. 50- وهذا القرآن قد بيَّنا آياته وصرَّفناها، ليتذكر الناس ربهم وليتعظوا ويعملوا بموجبه، ولكن أكثر الناس أبوا إلا الكفر والعناد. 51- ولو شئنا لبعثنا فى كل بلدة نذيراً، فاجتهد فى دعوتك، ودع كلام الكافرين، وانبذ ما يأتون به. 52- واستمر فى دعايتك إلى الحق وتبليغ رسالة ربك، وإن قاوموا دعوتك واعتدوا على المؤمنين فحاربهم وجاهد فى ذلك جهاداً عظيماً.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلرِّيَاحَ} (48) - ومِنْ دلائلِ قُدرتِه تَعالى أَنَّهُ يُرسِلُ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ بمَجيءِ، السَّحابِ بَعدَها (بين يديْ رحمتِهِ)، ومن الرياحِ ما يُثير السَّحابَ، ومنها ما يَحْمِلُه، ومنها ما يَسُوقُه، ومنها ما يَلْقَحُ السَّحابَ ليُمْطِرَ، ويُنزلُ اللهُ تعالى مَطراً من السَّماءِ يَتَطَهَّرُ بهِ الناسُ. بُشْراً - مُبَشِّرات بالرَّحمةِ وهيَ المَطرُ. طَهُوراً - طَاهِراً بنفسِهِ مُطَهِّراً لِغَيِرِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قلنا: إن الرياح إذا جاءت هكذا بصيغة الجمع دلَّتْ على الخير، وإنْ جاءتْ مفردة فهي آتية بالشر، وإذا نظرتَ إلى الجبال العالية وإلى ناطحات السحاب تقول: ما الذي يقيم هذه المباني العالية، فلا تميل؟ الذي يمسكها هو الهواء الذي يحيط بها من كل ناحية، ولو فرَّغْتَ الهواء من أحد نواحيها تنهار فوراً. إذن: فالريح من هنا، ومن هنا، ومن هنا، فهي رياح متعددة تُصلِح ولا تُفسِد، وتُحدِث هذا التوازن الذي نراه في الكون، أمّا الريح التي تأتي من ناحية واحدة فهي مدمرة مهلكة، كما جاء في قوله تعالى: {أية : بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ}تفسير : [الحاقة: 6]. وقال الحق سبحانه وتعالى: {أية : بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ}تفسير : [الأحقاف: 24]. ومعنى {بُشْراً ..} [الفرقان: 48] بسكون الشين، مع أنها في الأصل بُشُراً مثل رُسُل، فلما خُفِّفَتْ صارت بُشْراً، والبُشْرى هي الإخبار بما يسرُّ قبل زمنه، فلا تقول يبشر إلا في الخير، وكان العربي ساعة تمر عليه الرياح يعرف كم بينه وبين المطر، فيحكم على مجيء المطر بحركة الرياح الطرية التي تداعب خدّه. وقوله سبحانه: {بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ..} [الفرقان: 48] يقال: بين يديك يعني: أمامك. والمراد هنا المطر الذي يسبق رحمة الله. ثم يقول تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً} [الفرقان: 48] السماء لها معنى لُغوي، ومعنى شرعي. فهي لغةً: كل ما علاك، وشرعاً: هي هذه السماء العالية والتي تتكون من سبع سماوات، لكن أينزل المطر من السماء أم من جهة السماء؟ المطر ينزل من الغمام من جهة السماء، والغمام أصله من الأرض نتيجة عملية البخر الذي يتجمع في طبقات الجو، كما قال سبحانه: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ ..}تفسير : [النور: 43]. إذن: فرحمة الله هي الماء الذي خلق الله منه كلّ شيء حيٍّ. وقوله تعالى: {مَآءً طَهُوراً} [الفرقان: 48] الطَّهُور: الماء الطاهر في ذاته، المطهِّر لغيره، فالماء الذي تتوضأ به طاهر ومطهر، أما بعد أنْ تتوضأ به فهو طاهر في ذاته غير مُطهِّر لغيره، وماء السماء طاهر ومُطهر؛ لأنه مُصفّى مُقطّر، والماء المقطر أنقى ماء. بالإضافة إلى أن الماء قِوَام الحياة، منه نشرب ونسقي الزرع والحيوان والطير، فالماء يعطيك الحياة ويعطيك الطهارة. ثم يقول الحق سبحانه: {لِّنُحْيِـيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً وَنُسْقِيَهُ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ بُشْرَى} معناه حياةٌ. تفسير : وقوله تعالى: {بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} والرّحمةُ: المطرُ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: هو وحده الذي رحم عباده وأدر عليهم رزقه بأن أرسل الرياح مبشرات بين يدي رحمته وهو المطر فثار بها السحاب وتألف وصار كسفا وألقحته وأدرته بإذن آمرها والمتصرف فيها ليقع استبشار العباد بالمطر قبل نزوله وليستعدوا له قبل أن يفاجئهم دفعة واحدة. { وَأَنزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا } يطهر من الحدث والخبث ويطهر من الغش والأدناس، وفيه بركة من بركته أنه أنزله ليحيي به بلدة ميتا فتختلف أصناف النوابت والأشجار فيها مما يأكل الناس والأنعام. { وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا } أي: نسقيكموه أنتم وأنعامكم، أليس الذي أرسل الرياح المبشرات وجعلها في عملها متنوعات، وأنزل من السماء ماء طهورا مباركا فيه رزق العباد ورزق بهائمهم، هو الذي يستحق أن يعبد وحده ولا يشرك معه غيره؟ ولما ذكر تعالى هذه الآيات العيانية المشاهدة وصرفها للعباد ليعرفوه ويشكروه ويذكروه مع ذلك أبي أكثر الخلق إلا كفورا، لفساد أخلاقهم وطبائعهم.