Verse. 2905 (AR)

٢٥ - ٱلْفُرْقَان

25 - Al-Furqan (AR)

وَلَقَدْ صَرَّفْنٰہُ بَيْنَہُمْ لِيَذَّكَّرُوْا۝۰ۡۖ فَاَبٰۗى اَكْثَرُ النَّاسِ اِلَّا كُفُوْرًا۝۵۰
Walaqad sarrafnahu baynahum liyaththakkaroo faaba aktharu alnnasi illa kufooran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولقد صرفناه» أي الماء «بينهم ليذَّكروا» أصله يتذكروا أدغمت التاء في الذال وفي قراءة ليذْكُروا بسكون الذال وضم الكاف أي نعمة الله به «فأبى أكثر الناس إلا كفورا» جحودا للنعمة حيث قالوا: مطرنا بنوء كذا.

50

Tafseer

الرازي

تفسير : المسألة الأولى: اعلم أنهم اختلفوا في أن الهاء في قوله: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَـٰهُ } إلى أي شيء يرجع وذكروا فيه ثلاثة أوجه: أحدها: وهو الذي عليه الجمهور أنه يرجع إلى المطر، ثم من هؤلاء من قال معنى (صرفناه) أنا أجريناه في الأنهار حتى انتفعوا بالشرب وبالزراعات وأنواع المعاش به، وقال آخرون معناه أنه سبحانه ينزله في مكان دون مكان وفي عام دون عام، ثم في العام الثاني يقع بخلاف ما وقع في العام الأول، قال ابن عباس ما عام بأكثر مطراً من عام، ولكن الله يصرفه في الأرض، ثم قرأ هذه الآية، وروى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : ما من عام بأمطر من عام، ولكن إذا عمل قوم بالمعاصي حول الله ذلك إلى غيرهم، فإذا عصوا جميعاً صرف الله ذلك إلى الفيافي » تفسير : وثانيها: وهو قول أبي مسلم: أن قوله: {صَرَّفْنَـٰهُ } راجع إلى المطر والرياح والسحاب والأظلال وسائر ما ذكر الله تعالى من الأدلة وثالثها: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَـٰهُ } أي هذا القول بين الناس في القرآن وسائر الكتب والصحف التي أنزلت على رسل وهو ذكر إنشاء السحاب وإنزال القطر ليتفكروا ويستدلوا به على الصانع، والوجه الأول أقرب لأنه أقرب المذكورات إلى الضمير. المسألة الثانية: قال الجبائي قوله تعالى: {لّيَذْكُرُواْ } يدل على أنه تعالى مريد من الكل أن يتذكروا ويشكروا ولو أراد منهم أن يكفروا ويعرضوا لما صح ذلك، وذلك يبطل قول من قال إن الله تعالى مريد للكفر ممن يكفر، قال ودل قوله: {فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا } على قدرتهم على فعل هذا التذكر إذ لو لم يقدروا لما جاز أن يقال أبوا أن يفعلوه كما لا يقال في الزَّمن أبى أن يسعى، وقال الكعبي قوله: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَـٰهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ } حجة على من زعم أن القرآن وبال على الكافرين وأنه لم يرد بإنزاله أن يؤمنوا لأن قوله: {لّيَذْكُرُواْ } عام في الكل، وقوله: {فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ } يقتضي أن يكون هذا الأكثر داخلاً في ذلك العام لأنه لا يجوز أن يقال أنزلناه على قريش ليؤمنوا، فأبى أكثر ـ بني تميم ـ إلا كفوراً. واعلم أن الكلام عليه قد تقدم مراراً. المسألة الثالثة: قوله: {فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا } المراد كفران النعمة وجحودها من حيث لا يتفكرون فيها ولا يستدلون بها على وجود الصانع وقدرته وإحسانه، وقيل المراد من الكفور هو الكفر وذلك الكفر إنما حصل لأنهم يقولون مطرنا بنوء كذا لأن من جحد كون النعم صادرة من المنعم، وأضاف شيئاً من هذه النعمة إلى الأفلاك والكواكب فقد كفر، واعلم أن التحقيق أن من جعل الأفلاك والكواكب مستقلة باقتضاء هذه الأشياء فلا شك في كفره، وأما من قال الصانع تعالى جبلها على خواص وصفات تقتضي هذه الحوادث، فلعله لا يبلغ خطؤه إلى حد الكفر. المسألة الرابعة: قالوا الآية دلت على أن خلاف معلوم الله مقدور له لأن كلمة لو دلت على أنه تعالى ما شاء أن يبعث في كل قرية نذيراً، ثم إنه تعالى أخبر عن كونه قادراً على ذلك فدل ذلك على أن خلاف معلوم الله مقدور له. أما قوله تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِى كُلّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً } فالأقوى أن المراد من ذلك تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وذلك لوجوه: أحدها: كأنه تعالى بين له أنه مع القدرة على بعثة رسول ونذير في كل قرية خصه بالرسالة وفضله بها على الكل ولذلك أتبعه بقوله: {فَلاَ تُطِعِ ٱلْكَـٰفِرِينَ } أي لا توافقهم وثانيها: المراد ولو شئنا لخففنا عنك أعباء الرسالة إلى كل العالمين ولبعثنا في كل قرية نذيراً ولكنا قصرنا الأمر عليك وأجللناك وفضلناك على سائر الرسل، فقابل هذا الإجلال بالتشدد في الدين وثالثها: أن الآية تقتضي مزج اللطف بالعنف لأنها تدل على القدرة على أن يبعث في كل قرية نذيراً مثل محمد، وأنه لا حاجة بالحضرة الإلهية إلى محمد ألبتة، وقوله: {وَلَوْ } يدل على أنه سبحانه لا يفعل ذلك، فبالنظر إلى الأول يحصل التأديب، وبالنظر إلى الثاني يحصل الإعزاز. أما قوله: {فَلاَ تُطِعِ ٱلْكَـٰفِرِينَ } فالمراد نهيه عن طاعتهم، ودلت هذه الآية على أن النهي عن الشيء لا يقتضي كون المنهي عنه مشتغلاً به. وأما قوله: {وَجَـٰهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبيراً } فقال بعضهم: المراد بذل الجهد في الأداء، والدعاء وقال بعضهم: المراد القتال، وقال آخرون: كلاهما، والأقرب الأول لأن السورة مكية، والأمر بالقتال ورد بعد الهجرة بزمان وإنما قال: {جِهَاداً كَبيراً } لأنه لو بعث في كل قرية نذيراً لوجب على كل نذير مجاهدة قريته، فاجتمعت على رسول الله تلك المجاهدات وكثر جهاده من أجل ذلك وعظم فقال له: {وَجَـٰهِدْهُمْ } بسبب كونك نذير كافة القرى {جِهَاداً كَبيراً } جامعاً لكل مجاهدة.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ} يعني القرآن، وقد جرى ذكره في أوّل السورة: قوله تعالى: {تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ}. وقوله: {أية : لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَآءَنِي} تفسير : [الفرقان: 29] وقوله: {أية : ٱتَّخَذُواْ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ مَهْجُوراً} تفسير : [الفرقان: 30]. {لِيَذَّكَّرُواْ فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً} أي جحوداً له وتكذيباً به. وقيل: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ} هو المطر. روي عن ابن عباس وابن مسعود: وأنه ليس عام بأكثر مطراً من عام ولكن الله يصرِّفه حيث يشاء، فما زيد لبعض نقص من غيرهم. فهذا معنى التصريف. وقيل: {صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ} وابلاً وطَشّاً وطَلاّ ورِهاما ـ الجوهري: الرهام الأمطار اللينة ـ ورَذَاذاً. وقيل: تصريفه تنويع الانتفاع به في الشرب والسقي والزراعات به والطهارات وسقي البساتين والغسل وشبهه. {لِيَذَّكَّرُواْ فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً} قال عكرمة: هو قولهم في الأنواء: مطرنا بنوء كذا. قال النحاس: ولا نعلم بين أهل التفسير اختلافاً أن الكفر هاهنا قولهم مطرنا بنوء كذا وكذا؛ وأن نظيره فعل النجم كذا، وأن كل من نسب إليه فعلاً فهو كافر. وروى الربيع بن صبيح قال: مُطِر الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فلما أصبح قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أصبح الناس فيها رجلين شاكر وكافر فأما الشاكر فيحمد الله تعالى على سقياه وغياثه وأما الكافر فيقول مُطِرنا بنوء كذا وكذا»تفسير : . وروي من حديث ابن مسعود عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : ما من سنة بأمطر من أخرى ولكن إذا عمل قوم بالمعاصي صرف الله ذلك إلى غيرهم فإذا عصوا جميعاً صرف الله ذلك إلى الفيافي والبحار»تفسير : . وقيل: التصريف راجع إلى الريح، وقد مضى في «البقرة» بيانه. وقرأ حمزة والكسائي: «لِيَذْكُرُوا» مخففة الذال من الذكر. الباقون مثقلاً من التذَكُّر؛ أي ليذّكروا نعم الله ويعلموا أن من أنعم بها لا يجوز الإشراك به؛ فالتذكر قريب من الذكر غير أن التذكر يطلق فيما بعد عن القلب فيحتاج إلى تكلف في التذكر.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَقَدْ صَرَّفْنَٰهُ } أي الماء {بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ } أصله يتذكروا أدغمت التاء في الذال. وفي قراءة ليذْكُروا بسكون الذال وضم الكاف: أي نعمة الله به {فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا } جحوداً للنعمة حيث قالوا: مطرنا بنوء كذا.

ابن عبد السلام

تفسير : {صَرَّفْنَاهُ} الفرقان، أو المطر. قسمة بينهم فلا يدوم على مكان فيهلك، ولا ينقطع عن آخر فيفسد، أو يصرفه في كل عام من مكان إلى مكان، قال ابن عباس. رضي الله تعالى عنهما: ليس عام بأمطر من عام ولكن الله تعالى يصرفه بين عباده {كُفُوراً} قولهم: مطرنا بالأنواء.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: "وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ" في هذه الهاء ثلاثة أوجه: أحدها: قال الجمهور: إنها ترجع إلى المطر، ثم هؤلاء قال بعضهم: (المعنى صرفنا نزول الماء من وابل، وطل وجود وطشّ، ورذاذ، وغير ذلك. وقال بعضهم): "صَرَّفْنَاهُ" أي: أجريناه في الأنهار حتى انتفعوا بالشرب وبالزراعات وأنواع المعاش به. وقال آخرون: معناه: أنه تعالى ينزله في مكان (دون مكان) في عام ثم في العام الثاني يقع بخلاف ما وقع في العام الأول، قال ابن عباس: ما عام بأكثر من عام، ولكن الله يصرفه في الأرض. ثم قرأ هذه الآية. وروى ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "حديث : ما من عام بأمطر من عام ولكن إذا عمل قوم بالمعاصي حول الله ذلك إلى غيرهم فإذا عصوا جميعاً صرف الله ذلك إلى الفيافي ". تفسير : الثاني: قال أبو مسلم: الضمير راجع إلى المطر والسحاب والإظلال وسائر ما ذكره الله من الأدلة. الثالث: أي هذا القول صرفناه بين الناس في القرآن وفي سائر الكتب والصحف التي أنزلت على الرسل، وهو ذكر إنشاء السحاب، وإنزال المطر ليتفكروا ويستدلوا به على الصانع. وقرأ عكرمة: "صَرَفْنَاهُ" بتخفيف الراء. وقيل: التصريف راجع إلى الريح. "ليذكروا" ويتفكروا في قدرة الله تعالى {فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً} جحوداً، وكفرانهم هو أنهم إذا أمطروا قالوا: أُمْطرنا بنوء كذا، روى زيد بن خالد الجهني قال: حديث : صلى لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الصبح بالحديبية في إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: "هل تدرون ما قال ربكم" قالوا: الله ورسوله أعلم "قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي فأما من قال: مُطِرنا بفضل الله ورحمته فذاك مؤمن بي وكافر بالكواكب، وأما من قال: مُطِرْنا بنوء كذا وكذا فذاك كافر بي مؤمن بالكواكب ". تفسير : فصل قال الجبائي: قوله: "لِيَذَّكَّرُوا" يدل على أنه تعالى يريد من الكل أن يذكروا ويشكروا، ولو أراد أن يكفروا أو يعرضوا لما صح ذلك، وذلك يبطل قول من قال: إن الله مريد لكفر من يكفر قال: ودلَّ قوله: {فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً} على قدرتهم على فعل هذا التذكر؛ إذ لو لم يقدروا لما جاز أن يقال: أبوا أن يفعلوه، كما لا يقال في الزمن أبى أن يسعى. وقال الكعبي: قوله: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ} (حجة على من زعم أن القرآن وبال على الكافرين، وأنه لم يرد بإنزاله أن يؤمنوا، لأن قوله: "ليذَّكَّروا") عامّ في الكل، وقوله تعالى: {أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ} يقتضي أن يكون هذا الأكثر داخلاً في ذلك العام، لأنه لا يجوز أن يقال أنزلناه على قريش ليؤمنوا فأبى أكثر بني تميم إلا كفوراً. والجواب قد تقدم مراراً. قوله تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً} رسولاً ينذرهم، والمراد من ذلك تعظيم النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه: أحدها: أنه تعالى بين أنه مع القدرة على بعثه نذيراً ورسولاً في كل قرية خصه بالرسالة وفضّله بها على الكل، ولذلك أتبعه بقوله: {فَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ} أي: لا توافقهم. وثانيها: المراد: ولو شئنا لخففنا عنك أعباء الرسالة إلى كل العالمين و{لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً} ولكنا قصرنا الأمر عليك وأجللناك وفضلناك على سائر الرسل، فقابل هذا الإجلال بالتشدُّد في الدين. وثالثها: أن الآية تقتضي مزج اللطف بالعنف، لأنها تدل على القدرة على أن يبعث في كل قرية نذيراً مثل محمد، وأنه لا حاجة بالحضرة الإلهية إلى محمد البتة. وقوله: "ولَوْ شِئْنَا" يدل على أنه تعالى لا يفعل ذلك. والمعنى: ولكن بعثناك إلى القُرَى كلها وحمَّلناك ثقل نذارة جميعها لتستوجب بصبرك عليه ما أعتدنا لك من الكرامة والدرجة الرفيعة. {فَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ} فيما يدعونك إليه من موافقتهم وهذا يدل على أن النهي عن الشيء لا يقتضي كون المنهي عنه مشتغلاً به. قوله: "وَجَاهِدْهُمْ بِهِ" أي: بالقرآن، أو بترك الطاعة المدلول عليه بقوله: "فَلاَ تُطِع"، أو بما دل عليه {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً} من كونه نذير كافة القرى، أو بالسيف. والأقرب الأول؛ لأن السورة مكية، والأمر بالقتال ورد بعد الهجرة بزمان، فالمراد بذل الجهد في الدعاء جهاداً كبيراً شديداً.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله ‏ {‏ولقد صرفناه بينهم‏}‏ يعني المطر تسقى هذه الأرض وتمنع هذه ‏ {‏ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفوراً‏}‏ قال عكرمة‏:‏ قال ابن عباس‏:‏ قولهم مطرنا بالانواء‏.‏ فأنزل الله في الواقعة ‏{أية : ‏وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون‏}‏تفسير : ‏[‏الواقعة: 82‏]‏. وأخرج سنيد وابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج عن مجاهد ‏{‏ولقد صرفنا بينهم‏}‏ قال‏:‏ المطر‏.‏ ينزله في الأرض ولا ينزله في أخرى ‏{‏فأبى أكثر الناس إلا كفورا‏ً} ‏ قولهم مطرنا بنوء كذا وبنوء كذا‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ‏ {‏ولقد صرفناه بينهم ليذكروا‏}‏ قال‏:‏ إن الله قسم هذا الرزق بين عباده، وصرفه بينهم‏.‏ قال‏:‏ وذكر لنا أن ابن عباس كان يقول‏:‏ ما كان عام قط أقل مطراً من عام، ولكن الله يصرفه بين عباده‏.‏ قال قتادة‏:‏ فترزقه الأرض وتحرمه الأخرى‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال‏:‏ ما من عام بأقل مطراً من عام، ولكن الله يصرفه حيث يشاء‏.‏ ثم قرأ هذه الآية ‏ {‏ولقد صرفناه بينهم ليذكروا‏} ‏ الآية‏. وأخرج الخرائطي في مكارم الأخلاق عن ابن مسعود‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر مولى غفرة قال‏:‏ كان جبريل في موضع الجنائز فقال له النبي صلى الله عليه وسلم‏"‏حديث : يا جبريل إني أحب أن أعلم أمر السحاب‏.‏ فقال جبريل‏:‏ هذا ملك السحاب فسأله فقال‏:‏ تأتينا صكاك مختتمة اسقوا بلاد كذا وكذا قطرة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطاء الخراساني في قوله ‏ {‏ولقد صرفناه بينهم‏}‏ قال‏: القرآن.‏ ألا ترى إلى قوله ‏ {‏ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا‏ً}‏ ‏؟ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله ‏{‏وجاهدهم به‏}‏ قال‏:‏ بالقرآن‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله ‏ {‏وجاهدهم به جهاداً كبيراً‏}‏ قال‏:‏ هو قوله ‏{أية : ‏واغلظ عليهم‏}‏تفسير : ‏[‏التوبة: 73‏]‏ والله تعالى أعلم‏.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولقد صرفناه} اى وبالله لقد كررنا هذا القول الذى هو ذكر انشاء السحاب وانزال القطر لما مر من الغايات الجليلة فى القرآن وغيره من الكتب السماوية {بينهم} اى بين الناس من المتقدمين والمتأخرين {ليذكروا} اى ليتفكروا ويعرفوا كمال القدرة وحق النعمة فى ذلك ويقوموا بشكره حق القيام واصله يتذكروا والتذكر التفكر {فابى} الاباء شدة الامتناع ورجل ابىّ ممتنع من تحمل الضيم وهو متأول بالنفى ولذا صح الاستثناء اى لم يفعل او لم يرد او لم يرض {اكثر الناس} مما سلف وخلف {الا كفورا} الا كفران النعمة وقلة المبالاة بشأنها فان حقها ان يتفكر فيها ويستدل بها على وجود الصانع وقدرته واحسانه وكفر النعمة وكفرانها سترها بترك اداء شكرها واعظم الكفر جحود الوحدانية او النبوة او الشريعة والكفران فى جحود النعمة اكثر استعاملا والكفر فى الدين اكثر والكفور فيهما جميعا كما فى المفردات واكثر اهل التفسير على ضمير صرفناه راجع الى نفس الماء الطهور الذى هو المطر. فالمعنى {ولقد صرفناه} اى فرقنا المطر بينهم بانزاله فى بعض البلاد والامكنة دون غيرها او فى بعض الاوقات دون بعض او على صفة دون اخرى بجعله تارة وابلا وهو المطر الشديد واخرى طلا وهو المطر الضعيف ومرة ديمة وهو المطر الذى يدوم اياما فابى اكثر الناس الا جحودا للنعمة وكفرا بالله تعالى بان يقولوا مطرنا بنوء كذا اى بسقوط كوكب كذا كما يقول المنجمون فجعلهم الله بذلك كافرين حيث لم يذكروا صنع الله تعالى ورحمته بل اسندوا مثل هذه النعمة الى الافلاك والكواكب فمن لايرى الامطار الا من الانواء فهو كافر بالله بخلاف من يرى ان الكل بخلق الله تعالى والانواء امارات بجعل الله تعالى والانواء النجوم التى يسقط واحد منها فى جانب المغرب وقت طلوع الفجر ويطلع رقيبه فى جانب المشرق من ساعته والعرب كانت تضيف الامطار والرياح والحر والبرد الى الساقط منها وقيل الى الطالع منها لانه فى سلطانه يقال ناء به الحمل اثقله واماله فالنوء نجم مال للغروب ويقال لمن طلب حاجة فلم ينجح اخطأ نوءك وفى الحديث "حديث : ثلاث من امر الجاهلية الطعن فى الانساب والنياحة والانواء"تفسير : وعن زيد بن خالد الجهنى رضى الله عنه قال حديث : صلى النبى صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية فى اثر سماء كانت من الليل فلما انصرف اقبل على الناس فقال "هل تدرون ماذا قال ربكم" قالوا الله ورسوله اعلم قال "قال اصبح عبادى مؤمن بى وكافر فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بى كافر بالكواكب واما من قال مطرنا بنوء كذا فذلك كافر بى ومؤمن بالكواكب"تفسير : كذا فى كشف الاسرار. فعلى المؤمن ان يحترز من سوء الاعتقاد ويرى التأثير فى كل شىء من رب العباد فالمطر بامره نازل وفى انزاله الى بلد دون بلد وفى وقت دون وقت وعلى صفة دون صفة حكمة ومصلحة وغاية جليلة ـ روى ـ ان الملائكة يعرفون عدد القطر ومقداره فى كل عام لانه لا يختلف ولكن تختلف فيه البلاد ـ روى ـ مرفوعا "حديث : مامن ساعة من ليل ولانهار الا السماء المطر فيها يصرفه الله حيث يشاء"تفسير : وفى الحديث "حديث : مامن سنة بامطر من اخرى ولكن اذا عمل قوم بالمعاصى حوّل الله ذلك الى غيرهم فاذا عصوا جميعا صرف الله ذلك الى الفيافى والبحار"تفسير : وفى المثنوى شعر : تو بزن يا ربنا آب طهور تاشود اين نار عالم جمله نور آب دريا جمله در فرمان تست آب وآتش اى خداوندان تست كرتو خواهى آتش آب خوش شود ورنخواهى آب آتش هم شود اين طلب ازما هم ازايجادتست رستن از بيداد يارب دادتست بى طلب تو اين طلب مان داده كنج احسان برهمه بكشاده

الجنابذي

تفسير : {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ} اى امر ولاية علىّ (ع) فانّه المعهود على الاطلاق والمنظور من كلّ قولٍ وخطابٍ، او صرّفنا تعداد النّعم فى القرآن وسائر الكتب وعلى السنة خلفائنا او صرّفنا المطر فى البلدان والبرارى والبحار وفى الاوقات وفى الاوصاف بجعله وابلاً وطلاًّ ورضراضاً وثلجاً وبرداً ومتتابعاً وغير متتابع {بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ} بذلك ويقرّوا بالمبدء والمعاد {فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ} الّذين نسوا الآخرة ولم يكن لهم همّ الاّ حيوتهم الدّنيويّة {إِلاَّ كُفُوراً} بالولاية او بالنّعم المعدودة من حيث انعامنا او بنعمة المطر وانعامنا به، عن ابى جعفرٍ (ع) انّه قال: فأبى اكثر النّاس من امّتك بولاية علىٍّ (ع) الاّ كفوراً.

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ صَرَّفَنَاهُ} اي الماء * {بَيْنَهُمْ} مرة ببلدة ومرة ببلدة ومرة في وقت ومرة في وقت آخر ومرة وابلا ومرة طلا ومرِة جودا ومرة رذاذا ومرة ديمة ومرة رهاما. وقيل: المراد تصريفه جعله مرة في بلدة وأخرى في أخرى. وقيل: المراد كونه على تلك الصفات من وابل وغيره. وعن ابن عباس رضي الله عنهما "ما عام بأَمطر من عام ولكن الله سبحانه وتعالى قسم ذلك بين عباده على ما شاء" وتلا هذه الآية. وفي رواية عنه: ولكن الله يصرفه في الارض. وعن ابن مسعود: يرويه "ليس من سنة بأمطر من سنة ولكن الله عز وجل قسم هذه الارزاق فجعلها في هذه السماء الدنيا فهذا القطر ينزل منه في كل سنة بكيل معلوم ووزن معلوم وإذا عمل قوم بالمعاصي حول الله عز وجل ذلك إلى غيرهم واذا عصوا جميعا صرفه الله إلى البحر وإلى ما لا ينتفعون منه. وروي مرفوعا "ما من ساعة من ليل ولا نهار الا والسماء تمطر فيها يصرفها الله حيث يشاء". ويحتمل أن يكون المراد (صرفناه) بينهم في الانهار أو في المنافع. وقيل: الضمير للريح والريح يذكر ويؤنث. وقيل: الضمير للقرآن. قيل: ويعضده قوله {أية : وجاهدهم به جهادا كبيراً}تفسير : فان الظاهر ان هاءه للقرآن. وقيل: الهاء عائدة إلى القول اي (لقد صرفنا هذا القول بين الناس في القرآن وسائر الكتب). {لِيَذَّكَّرُوا} ليتفكروا في قدرة الله ويعرفوا كمالها ويعرفون حق النعمة في ذلك فيشكروها أو ليعتبروا بصرف المطر عنهم والريح أو بالصرف إليهم والاصل ليتذكروا ابدلت التاء ذالا وادغمت في الذال. وقرئ بسكون الذال وضم الكاف وهو قراءة حمزة والكسائي. وروي ان الملائكة يعرفون عدد المطر ومقداره في كل عام لانه لا يختلف ولكن ينزع من موضع لآخر {فَأَبَى} كره. {أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً} كفران النعم بان لم يستعملوها في الطاعة أو الكفور جحودها بقولهم مطرنا بنوء كذا؛ حديث : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية في أثر سماء من الليل وأَقبل على الناس فقال: هل تدرون ما قال ربكم قالوا: الله ورسوله أَعلم قال: أَصبح من عبادي مؤمن بي وكافر فمن قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي وكافر بالكواكب ومن قال: مطرنا بنوء كذا فذلك كافر بي ومؤمن بالكواكب ". تفسير : وان قلت: فهل يكفر من يعتقد ان المطر والانواء خلق لله عز وجل وان الانواء دليل على المطر؟ قلت: لا. وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : لو حبس الله المطر عن أُمتي عشر سنين ثم صبه عليهم لأَصبحت طائفة منهم كافرين يقولون مطرنا بنوء كذا " تفسير : وعن الحسن عنه صلى الله عليه وسلم "حديث : ثلاثة لا يدعهن الناس الفخر في الأَحساب والعز في الأَنساب والإِستسقاء بالانواء "

اطفيش

تفسير : {ولقد صرفناه} حولنا أحواله وأوقاته وأنواعه من وابل وطل ورذاذ ونحوها {بينَهم} بذلك، وبالقلة والكثرة، وعن ابن عباس رضى الله عنهما فى معنى التصريف ما من عام بأقل مطراً من عام، ولكن الله يصرفه حيث يشاء، ولفظ ابن مسعود: ليست سنة امطر من سنة لكن الله تعالى قسم هذه الأرزاق فجعلها فى هذه السماء الدنيا فى هذا القطر، أى المطر ينزل منه كل سنة بكيل معلوم ووزون معلوم، واذا عمل قوم بالمعاصى حول الله ذلك الى غيرهم، واذا عصوا جميعاً صرف الله تعالى ذلك الى البحار والفيافى، وقيل التصريف فى الآية للريح. {ليذكَّروا} يتذكروا ابدلت التاء ذالا، وأدغمت فى الذال، والمعنى ليحضرهم ما نسوا من العيرة، إذ كان قد سبق لهم شىء، ولا يخلون منه أو غفلوا عنه أو جهلوه، {فأبى أكثر الناس إلاَّ كفوراً} للنعم بفعل المعاصى ومعاصى المشركين كلها كبائر، ولا صغيرة لهم تغفر لاصرارهم، ولو تفاوتت معاصيهم، ومن كفرهم قولهم مطرنا بنوه نجم كذا، معتقدين ان النجم مستقل بالأمطار اوله تأثير فيه ولا مؤثر على الحقيقة إلا الله، ومن قال: مطرنا بنوء كذا ونوى ان الله هو الخالق للمطر ونزوله عند نجم كذا، ولا أثر للنجم فيه فلا إشراك ولا معصية، إلا أن أوهم أحدا فنفاق، ويكره وإن لم يوهم، ولا كفر أيضاً، اعتقد ان الله خلق عند فلك أو نجم سبباً للمطر، وأن الله هو مسببه، ويجوز عود هاء صرفناه الى القرآن، ألا ترى الى قوله: {وجاهدهم به} والى ان التذكر به أنسب، وفيه أيضاً ذكر دلائل المخلوقات، إلا أن قوله بينهم أنسبه بغير القرآن، ويبعد عوده الى ذكر انشاء السحاب، وإنزال المطر، كرر ذكر ذلك للأمم، فتكون هاء بينهم وواو يذكروا للناس كلهم الأمة ومن قبلها.

الالوسي

تفسير : {كَثِيراً وَلَقَدْ صَرَّفْنَـٰهُ } الضمير للماء المنزل من السماء كالضميرين السابقين، وتصريفه تحويل أحواله وأوقاته وإنزاله على أنحاء مختلفة أي وبالله تعالى لقد صرفنا المطر {بَيْنَهُمْ } أي بين الناس / في البلدان المختلفة والأوقات المتغايرة والصفات المتفاوتة من وابل وطل وغيرهما {لّيَذْكُرُواْ } أي ليعتبروا بذلك {فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا } أي لم يفعل إلا كفران النعمة وإنكارها رأساً بإضافتها لغيره عز وجل بأن يقول: مطرنا بنوء كذا معتقداً أن النجوم فاعلة لذلك ومؤثرة بذواتها فيه، وهذا الاعتقاد والعياذ بالله تعالى كفر، وفي «الكشاف» وغيره أن من اعتقد أن الله عز وجل خالق الأمطار وقد نصب الأنواء دلائل وأمارات عليها وأراد بقوله مطرنا بنوء كذا مطرنا في وقت سقوط النجم الفلاني في المغرب مع الفجر لا يكفر، وظاهره أنه لا يأثم أيضاً، وقال الإمام: من جعل الأفلاك والكواكب مستقلة باقتضاء هذه الأشياء فلا شك في كفره وأما من قال: إنه سبحانه جبلها على خواص وصفات تقتضي هذه الحوادث فلعله لا يبلغ خطؤه إلى حد الكفر. وسيأتي إن شاء الله تعالى منا في هذه المسألة كلام أرجو من الله تعالى أن تستحسنه ذوو الأفهام ويتقوى به كلام الإمام. ورجوع ضمير {أية : أَنزَلْنَا}تفسير : [الفرقان: 48] إلى الماء المنزل مروى عن ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وعكرمة وأخرج جماعة عن الأول وصححه الحاكم أنه قال: ما من عام بأقل مطراً من عام ولكن الله تعالى يصرفه حيث يشاء ثم قرأ هذه الآية. وأخرج الخرائطي في «مكارم الأخلاق» عن الثاني مثله، ويفهم من ذلك حمل التصريف على التقسيم، وقال بعضهم: هو راجع إلى القول المفهوم من السياق وهو ما ذكر فيه إنشاء السحاب وإنزال القطر لما ذكر من الغايات الجليلة وتصريفه تكريره وذكره على وجوه ولغات مختلفة، والمعنى ولقد كررنا هذا القول وذكرناه على أنحاء مختلفة في القرآن وغيره من الكتب السماوية بين الناس من المتقدمين والمتأخرين ليتفكروا ويعرفوا بذلك كمال قدرته تعالى وواسع رحمته عز وجل في ذلك فأبـى أكثرهم ممن سلف وخلف إلا كفران النعمة وقلة الاكتراث بها أو إنكارها رأساً بإضافتها لغيره تعالى شأنه، واختار هذا القول الزمخشري، وقال أبو السعود: هو الأظهر، وأخرج ابن المنذر وابن أبـي حاتم عن عطاء الخراساني أنه عائد على القرآن ألا ترى قوله تعالى بعد: {أية : وَجَـٰهِدْهُمْ بِهِ }تفسير : [الفرقان: 52] وحكاه في «البحر» عن ابن عباس أيضاً والمشهور عنه ما تقدم، ولعل المراد ما ذكر فيه من الأدلة على كمال قدرته تعالى وواسع رحمته عز وجل أو نحو ذلك فتأمل، وأما ما قيل إنه عائد على الريح فليس بشيء.

الشنقيطي

تفسير : التحقيق أن الضمير في قوله: ولقد صرفناه، راجع إلى ماء المطر المذكور في قوله تعالى: {أية : وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً} تفسير : [الفرقان: 48] كما روي عن ابن عباس وابن مسعود، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، وغير واحد، خلافاً لمن قال: إن الضمير المذكور راجع إلى القرآن كما روي عن عطاء الخراساني وصدر به القرطبي، وصدر الزمخشري بما يقرب منه. وإذا علمت أن التحقيق أن الضمير في: صرفناه، عائد إلى ماء المطر. فأعلم أن المعنى: ولقد صرفنا ماء المطر بين الناس فأنزلنا مطراً كثيراً في بعض السنين على بعض البلاد، ومنعنا المطر في بعض السنين عن بعض البلاد، فيكثر الخصب في بعضها، والجدب في بعضها الآخر. وقوله: ليذكروا أي صرفناه بينهم، لأجل أن يتذكروا: أي يتذكر الذين أخصبت أرضهم لكثرة المطر، نعمة الله عليهم، فيشكروا له، ويتذكر الذين أجدبت أرضهم ما نزل بهم من البلاء، فيبادروا بالتوبة إلى الله جل وعلا، ليرحمهم ويسقيهم. وقوله: {فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً} أي كفراً لنعمة من أنزل عليهم المطر، وذلك بقولهم: مطرنا بنوء كذا. وهذا المعنى دلت عليه هذه الآية الكريمة أشار له جل وعلا في سورة الواقعة في قوله تعالى: {أية : وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} تفسير : [الواقعة: 82] فقوله: رزقكم: أي المطر، كما قال تعالى: {أية : وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقاً} تفسير : [غافر: 13] وقوله: {أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} أي بقولكم: مطرنا بنوء كذا، ويزيد هذا إيضاحاً الحديث الثابت في صحيح مسلم، وقد قدمناه بسنده ومتنه مستوفى، وهو أنه صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوماً على أثر سماء أصابتهم من الليل: "حديث : أتدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذاك مؤمن بي كافر بالكوكب. وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذاك كافر بي مؤمن بالكوكب ". تفسير : وقد قدمنا أن قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً} يدخل فيه من قال مطرنا بنوء كذا. ومن قال مطرنا بالبخار، يعني أن البحر يتصاعد منه بخار الماء، ثم يتجمع ثم ينزل على الأرض بمقتضى الطبيعة لا بفعل فاعل، وأن المطر منه كما تقدم إيضاحه فسبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً.

د. أسعد حومد

تفسير : {صَرَّفْنَاهُ} (50) - ولَقَد صَرَّفْنَا المَطَر بينَ النَّاسِ عَلى أوضَاعٍ شَتَّى، فَخَصَّصْنَا بهِ أَرْضاً دُونَ غيرِها، وسُقْنَا السَّحَابَ فيمُرُّ فوقَ الأرضِ ويتعَدَّاها ويَتَجَاوزُها إلى الأرضِ الأُخْرى فيُمْطِرُها اللهُ، ويَكْفِيها، ويجعلُهَا غَدَقاً، والتي وَرَاءَها لم يَنزِلْ فيها قطْرةُ مطرٍ واحدةٍ. ولقد أرادَ اللهُ تعالى ذلكَ لعلَّ الناسَ يَتَذَكَّرُون، وهُمْ يَرَوْنَ إحْياءَ الأَرضِ المَيْتَةِ، أنَّ اللهَ قادرٌ عَلَى إحياءِ الأمواتِ والعِظَامِ والرُّفَاتِ، وَليَذْكُر مَنْ مَنَعَهُ اللهُ المَطَرَ أَنَّ ما أصابَهُ إِنَّمَا كَان بِذَنْبِهِ، فَيُقْلِعَ عَمَّا هوَ فيهِ. وحينَ تُمطِرُ السَّماءُ يقولُ المؤمنونَ: أُمْطِرْنا بفضِلِ اللهِ ورَحْمَتِهِ. ويقولُ الكافرون: أُمُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا. وذلك مَعنى قولِهِ تَعَالى {فأبى أكثرُ الناسِ إلا كُفُوراً}. (وقِيل إنَّ المَقْصُودَ بقولِه تَعالى (صَرَّفْنَاهُ) هُنا هُو القُرآنُ، أيْ إنَّ اللهَ بَيَّنَ آياتِهِ ووضَّحَها للناسِ، والأولُ أظهرُ لأنه يَتَّفِقُ مع السِّيَاقِ).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : التصريف: التحويل والتغيير، والمعنى حَوّلناه من هنا إلى هنا، ومع كل هذه العبر والآيات {فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً} [الفرقان: 50] فالكافرون بآيات الله كثير لا يلتفتون إلى آيات الله، حتى بعد أنْ تقدَّم العلم وتقدَّمتْ الحضارة الإنسانية، ووقف الناس على كثير من الآيات. فالحق - تبارك وتعالى - يُصرِّف المطر إلى بلاد بغزارة، فإنْ شاء أصابها الجفاف والجدب حتى تموت مزروعاتهم وحيواناتهم. إذنْ: ليست المسألة بيئة باردة أو كثيرة الأمطار، إنما المسألة مرادات خالق، ومرادات حق.