Verse. 2906 (AR)

٢٥ - ٱلْفُرْقَان

25 - Al-Furqan (AR)

وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِيْ كُلِّ قَرْيَۃٍ نَّذِيْرًا۝۵۱ۡۖ
Walaw shina labaAAathna fee kulli qaryatin natheeran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا» يخوِّف أهلها ولكن بعثناك إلى أهل القرى كلها نذيرا ليعظم أجرك.

51

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً } أي رسولاً ينذرهم كما قسمنا المطر ليخف عليك أعباء النبوّة، ولكنا لم نفعل بل جعلناك نذيراً للكل لترتفع درجتك فاشكر نعمة الله عليك. {فَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ} أي فيما يدعونك إليه من اتباع آلهتهم. {وَجَاهِدْهُمْ بِهِ} قال ابن عباس بالقرآن. ابن زيد: بالإسلام. وقيل: بالسيف؛ وهذا فيه بعدٌ؛ لأن السورة مكية نزلت قبل الأمر بالقتال. {جِهَاداً كَبيراً} لا يخالطه فتور.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً} يدعوهم إلى الله عز وجل، ولكنا خصصناك يا محمد بالبعثة إلى جميع أهل الأرض، وأمرناك أن تبلغهم القرآن {أية : لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ} تفسير : [الأنعام: 19] {أية : وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ ٱلأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ} تفسير : [هود: 17] {أية : لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا} تفسير : [الشورى: 7] {أية : قُلْ يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} تفسير : [الأعراف: 158]. وفي "الصحيحين": «حديث : بعثت إلى الأحمر والأسود»تفسير : ، وفيهما: «حديث : وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة» تفسير : ولهذا قال تعالى: {فَلاَ تُطِعِ ٱلْكَـٰفِرِينَ وَجَـٰهِدْهُمْ بِهِ} يعني: القرآن، قاله ابن عباس {جِهَاداً كَبيراً} كما قال تعالى: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّـٰرَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ} تفسير : [التوبة: 83] الآية. وقوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِى مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} أي: خلق الماءين: الحلو والملح، فالحلو كالأنهار والعيون والآبار، وهذا هو البحر الحلو العذب الفرات الزلال، قاله ابن جريج، واختاره ابن جرير، وهذا المعنى لا شك فيه، فإنه ليس في الوجود بحر ساكن وهو عذب فرات، والله سبحانه وتعالى إنما أخبر بالواقع لينبه العباد على نعمه عليهم ليشكروه، فالبحر العذب هو هذا السارح بين الناس، فرقه الله تعالى بين خلقه لاحتياجهم إليه أنهاراً وعيوناً في كل أرض، بحسب حاجتهم وكفايتهم لأنفسهم وأرضيهم. وقوله تعالى: {وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} أي: مالح مر زعاق لا يستساغ، وذلك كالبحار المعروفة في المشارق والمغارب: البحر المحيط، وما يتصل به من الزقاق، وبحر القلزم، وبحر اليمن، وبحر البصرة، وبحر فارس، وبحر الصين والهند، وبحر الروم، وبحر الخزر، وما شاكلها وما شابهها من البحار الساكنة التي لا تجري، ولكن تموج وتضطرب وتلتطم في زمن الشتاء وشدة الرياح، ومنها ما فيه مد وجزر، ففي أول كل شهر يحصل منها مد وفيض، فإذا شرع الشهر في النقصان، جزرت حتى ترجع إلى غايتها الأولى، فإذا استهل الهلال من الشهر الآخر، شرعت في المد إلى الليلة الرابعة عشرة، ثم تشرع في النقص، فأجرى الله سبحانه وتعالى ــــ وهو ذو القدرة التامة ــــ العادة بذلك، فكل هذه البحار الساكنة، خلقها الله سبحانه وتعالى مالحة لئلا يحصل بسببها نتن الهواء، فيفسد الوجود بذلك، ولئلا تجوى الأرض بما يموت فيها من الحيوان، ولما كان ماؤها مالحاً، كان هواؤها صحيحاً، وميتتها طيبة، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن ماء البحر: أنتوضأ به؟ فقال: «حديث : هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» تفسير : رواه الأئمة مالك والشافعي وأحمد وأهل السنن بإسناد جيد. وقوله تعالى: {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً} أي بين العذب والمالح {بَرْزَخاً} أي: حاجزاً وهو اليبس من الأرض، {وَحِجْراً مَّحْجُوراً} أي: مانعاً من أن يصل أحدهما إلى الآخر؛ كقوله تعالى: {أية : مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ فَبِأَىِّ ءَالاۤءِ رَبِّكُمَا تِكَذِّبَانِ} تفسير : [الرحمن: 19 ــــ 21] وقوله تعالى: {أية : أَمَّن جَعَلَ ٱلأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِىَ وَجَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَءِلـٰهٌ مَّعَ ٱللهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } تفسير : [النمل: 61]. وقوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ مِنَ ٱلْمَآءِ بَشَراً} الآية، أي: خلق الإنسان من نطفة ضعيفة، فسواه وعدله، وجعله كامل الخلقة ذكراً وأنثى، كما يشاء، {فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً} فهو في ابتداء أمره ولد نسيب، ثم يتزوج فيصير صهراً، ثم يصير له أصهار وأختان وقرابات، وكل ذلك من ماء مهين، ولهذا قال تعالى: {وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً } يخوِّف أهلها ولكن بعثناك إلى أهل القرى كلها نذيراً ليعظم أجرك.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {فَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ} يعني إلى ما يدعونك إليه: إما من تعظيم آلهتهم، وإما من موادعتهم. {وَجَاهِدْهُم بِهِ} فيه وجهان: أحدهما: بالقرآن. الثاني: بالإِسلام. {جِهَاداً كَبِيراً} فيه وجهان: أحدهما: بالسيف. الثاني: بالغلظة. قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَينِ} فيه وجهان: أحدهما: هو إرسال أحدهما إلى الآخر، قاله الضحاك. الثاني: هو تخليتها، حكاه النقاش وقال الأخفش مأخوذ من مَرَجْتَ الشيء إذا خليته، وَمَرَجَ الوالي الناس إذا تركهم، وأمرجت الدابّة إذا خليتها ترعى، ومنه قول العجاج. شعر : "رَعى بها مَرْج ربيع ممرجاً" تفسير : وفي البحرين ثلاثة أقاويل: أحدها: بحر السماء وبحر الأرض، وهو قول سعيد، ومجاهد. الثاني: بحر فارس والروم، وهو قول الحسن. الثالث: بحر العذب وبحر المالح. {هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} قال عطاء: الفرات: العذب، وقيل هو أعذب العذب. وفي الأجاج: ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه المالح، وهو قول عطاء، وقيل: هو أملح المالح. الثاني: أنه المر، وهو قول قتادة. والثالث: أنه الحار المؤجج، مأخوذ من تأجج النار، وهو قول ابن بحر. {وََجَعلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً} فيه ثلاثة أقويل: أحدها: حاجز من البر، وهو قول الحسن، ومجاهد. الثاني: أن البرزخ: التخوم، وهو قول قتادة. والثالث: أنه الأجل ما بين الدنيا والآخرة، وهو قول الضحاك. {وَحِجْراً مَّحْجُوراً} أي مانعاً لا يختلط العذب بالمالح، ومنه قول الشاعر: شعر : فَرُبّ في سُرادقٍ محجورِ سرت إليه من أعالي السور تفسير : محجور أي ممنوع. وتأول بعض المتعمقين في غوامض المعاني أن مرج البحرين قلوب الأبرار مضيئة بالبر، وهو العذب، وقلوب الفجار مظلمة بالفجور وهو الملح الأجاج، وهو بعيد. قوله عز وجل: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَراً} يعني من النطفة إنساناً. {فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً} فالنسب مِن تناسُب كل والد وولد، وكل شيء أضفته إلى شيء عرفته به فهو مناسِبُهُ. وفي الصهر وجهان: أحدهما: أنه الرضاع وهو قول طاووس. الثاني: أنه المناكح وهو معنى قول قتادة، وقال الكلبي: النسب من لا يحل نكاحه من القرابة، والصهر من يحل نكاحه من القرابة وغير القرابة. وأصل الصهر الاختلاط، فسميت المناكح صهراً لاختلاط الناس بها، ومنه قوله تعالى: {أية : يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُوِهِم} تفسير : [الحج: 20] وقيل إن أصل الصهر الملاصقة.

النسفي

تفسير : {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِى كُلّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً فَلاَ تُطِعِ ٱلْكَـٰفِرِينَ } أي لو شئنا لخففنا عنك أعباء نذارة جميع القرى، ولبعثنا في كل قرية نبياً ينذرها، ولكن شئنا أن تجمع لك فضائل جميع المرسلين بالرسالة إلى كافة العالمين فقصرنا الأمر عليك وعظمناك به فتكون وحدك ككلهم، ولذا خوطب بالجمع {يا أيها الرسل} فقابل ذلك بالشكر والصبر والتشدد، فلا تطع الكافرين فيما يدعونك إليه من موافقتهم ومداهنتهم، وكما آثرتك على جميع الأنبياء فآثر رضائي على جميع الأهواء، وأريد بهذا تهييجه وتهييج المؤمنين وتحريكهم {وَجَـٰهِدْهُمْ بِهِ } أي بالله يعني بعونه وتوفيقه أو بالقرآن أي جادلهم به وقرعهم بالعجز عنه {جِهَاداً كَبيراً } عظيماً موقعه عند الله لما يحتمل فيه من المشاق، ويجوز أن يرجع الضمير في {به} إلى ما دل عليه {ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً} من كونه نذير كافة القرى لأنه لو بعث في كل قرية نذيراً لوجب على كل نذير مجاهدة قريته فاجتمعت على رسول الله تلك المجاهدات فكبر جهاده من أجل ذلك وعظم فقال له: وجاهدهم بسبب كونك نذير كافة القرى جهاداً كبيراً جامعاً لكل مجاهدة. {وَهُوَ ٱلَّذِى مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ } خلاّهما متجاورين متلاصقين. تقول: مرجت الدابة إذا خليتها ترعى، وسمى الماءين الكثيرين الواسعين بحرين {هَـٰذَا } أي أحدهما {عَذْبٌ فُرَاتٌ } صفة لـــــ {عذب} أي شديد العذوبة حتى يقرب إلى الحلاوة {وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ } صفة لـــــ {ملح} أي شديد الملوحة {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً } حائلاً من قدرته يفصل بينهما ويمنعهما التمازج فهما في الظاهر مختلطان وفي الحقيقة منفصلان {وَحِجْراً مَّحْجُوراً } وستراً ممنوعاً عن الأعين كقوله {أية : حجاباً مستورا} [الإسراء: 45]

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {ملح} بفتح الميم وكسر اللام كحذر أو لأنه مقصور مالح وكذلك في "فاطر": قتيبة {يأمرنا} على الغيبة: حمزة وعلي {سرجاً} بضمتين: حمزة وعلي وخلف. {أن يذكر} من الذكر: حمزة وخلف. {يقتروا} بضم التاء: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى المفضل، وبضم الياء وكسر التاء من الإقتار: أبو جعفر ونافع وابن عامر والمفضل. الباقون بفتح الياء وكسر التاء. {يضاعف} {ويخلد} بالرفع فيهما من المضاعفة ومن الخلود: أبو بكر وحماد مثله، ولكن يخلد مجهولاً من الإخلاد: المفضل {يضعف} بالتشديد والرفع {ويخلد} بالرفع من الخلود: ابن عامر مثله ولكن بالجزم فيهما: ابن كثير ويعقوب وزيد. الآخرون كالأول ولكن بالجزم فيهما. {فيهي} بإشباع الكسرة: ابن كثير وحفص: {يبدل} من الإبدال: البرجمي {وذريتنا} على التوحيد: أبو عمرو وعلي وخلف وعاصم والمفضل: {ويلقون} بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف من اللقاء: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل. الباقون بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف من باب التفعيل. الوقوف: {نذيراً} ه والوصل أولى للفاء {كبيراً} ه أجاج ج لعطف الجملتين المتفقتين مع العارض {محجوراً} ه {وصهراً} ه {قديراً} ه {ولا يضرهم} ط {ظهيراً} ه {نذيراً} ه {سبيلاً} ه {بحمده} ط {خبيراً} ه ج لأن الذي يصلح صفة للحي والوقف على العرش على تقدير هو الرحمن إذ لا وقف عليه ايضاً بناء على أن {الرحمن} بدل من المستترفي {استوى} ويصلح أن يكون {الذي} مبتدأ {والرحمن} خبره {خبيراً} ه {وما الرحمن} ه قد قيل: ولا وجه له لأن الكل مقول قالوا {نفوراً} ه سجدة {منيراً} ه {شكوراً} ه {سلاماً} ه {وقياماً} ه {جهنم} ق قد قيل: والوصل أولى لاتحاد القائل {غراماً} ه كذلك {ومقاماً} ه {قواماً} ه {ولا يزنون} ج للشرط مع واو العطف {أثاماً} ه لمن قرأ {يضاعف} بالرفع على الاستئناف دون الجزم على إبدال الجملة من الجملة لتقارب معنييهما {مهاناً} ه لا وقد يوقف على جعل إلا بمعنى "لكن" والوصل أولى لأن "لكن" تقتضي الوصل أيضاً {حسنات} ط {رحيماً} ه {متاباً} ه {الزور} ه لا {كراماً} ه {عمياناً} ه {إماماً} ه {وسلاماً} ه لا لاتصال الحال {فيها} ط {ومقاماً} ه {دعاؤكم} ج لاختلاف الجملتين{لزاماً} ه. التفسير: إنه سبحانه لما قرر سيرة القوم من كفران النعمة وإيذاء النبي أراد تهييج نبيه على استمرار الدعوة. وفي الآية لطف ممزوج بنوع تأديب وإرشاد وفحواه ولو شئنا لخففنا عنك أعباء نذارة جميع القرى، وبعثنا في كل قرية نبياً، ولكن خصصناك برسالة الثقلين إجلالاً وتعظيماً، فقابل هذا التفضل بالتشدد بالدين ففي أول الآية بيان كمال الاقتدار وأنه لا حاجة به إلى نبي محمداً كان أو غيره، ولكن في مفهوم "لو" دلالة على أنه لم يفعل ذلك بل خصه بهذا المنصب الشريف لكمال العناية به وبأمته، فعليه أن يترك طاعة الكافرين فيما يريدونه عليه مما يوافق أهواءهم. النهي كقولك للمتحرك "لا تسكن" لا كقولك للساكن "لا تسكن" فإنه صلى الله عليه وسلم لم يترك طاعة الله طرفة عين. ثم بالغ في النهي بأن أمره بضدّه قائلاً {وجاهدهم به} أي بالقرآن أو بترك طاعتهم أو بسبب كونك نذير القرى كلها لأنه لو بعث في كل قرية نذيراً لم يكن على كل نذير إلا مجاهدة قريته. وحين اقتصر على نذير واحد لكل القرى وهو محمد صلى الله عليه وسلم فلا جرم اجتمع عليه تلك المجاهدات كلها فكبر جهاده وعظم وصار جامعاً لكل مجاهدة، ثم ذكر دليلاً رابعاً على التوحيد فقال {وهو الذي مرج البحرين} اي خلاهما وارسلهما متجاورين متلاصقين. يقال: مرجت الدابة أي خليتها لترعى. وسمى المائين الكثيرين بحرين. والفرات البليغ العذوبة، والتركيب يدل على كسره العطش بخلاف الأجاج وهو الملح فإنه يدل على الشدة والتوهج. وقوله {هذا} إشارة إلى ما ارتسم في الذهن بعد ذكر البحرين والبرزخ الحائل الذي جعل الله بينهما من قدرته يفصل بينهما ويمنعهما التمازج {وحجراً محجوراً} كلمة يقولها المتعوذ كما قلنا في السورة كأن كل واحد من البحرين يتعوّذ من صاحبه ويقول له هذا القول، ونظيره في سورة الرحمن {أية : بينهما برزخ لا يبغيان} تفسير : [الرحمن: 20] فانتفاء البغي ثمة كالتعوّذ ههنا وكل منهما مجاز في غاية الحسن. سؤال: لا وجود للبحر العذب فكيف ذكره الله تعالى؟ والجواب من وجهين: أحدهما أن في البحار مواضع فيها مياه عذبة يعرفها الملاحون يحمل منها الماء إلى حين الوصول إلى الموضع الآخر. وثانيهما لعل المراد من البحر العذب الأودية العظام كالنيل والفرات وجيحون، ومن البحر الأجاج البحار المشهورة، والبرزخ بينهما الحائل من الأرض ووجه الاستدلال على هذا الوجه أن يقال: العذوبة والملوحة إن كانتا بسبب طبيعة الأرض أو الماء فلا بد من الاستواء وإلا فلا بد من قادر مختار يخص كل واحد من الماءين بصفة مخصوصة. الاستدلال الخامس: من أحوال خلقة الإنسان والماء إما العنصر كقوله: {وجعلنا من الماء كل شيء حي} أو النطفة. ومعنى {فجعله نسباً وصهراً} أنه قسم البشر قسمين ذوي نسب وذوات صهر، والأول الذكور ينسب إليهم فيقال: فلان وفلانة بنت فلان ومنه أخذ الشاعر: شعر : بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد تفسير : والثاني الإناث التي يصاهر بهن ونحوه قوله عز من قائل {أية : فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى}تفسير : [القيامة: 39] والأصهار أهل بيت المرأة عن الخليل. قال: ومن العرب من يجعل الصهر من الأحماء والأختان. يقال: صاهرت إليهم إذا تزوّجت فيهم. {وكان ربك قديراً} حين خلق من ماء واحد صنفين مختلفين بل أشخاصً متباينة لا تكاد تنحصر. ثم عاد إلى تهجين سيرة عبدة الأوثان فقال {ويبعدون} الاية. يروى أنها نزلت في أبي جهل المراد بالكافر والأولى حمله على العموم. والظهير المظاهر أي المعاون أي هذا الجنس يظاهر الشيطان على ربه بالشرك والعداوة. والمظاهرات على الرب هي المظاهرة على رسوله أو على دينه، ويجوز أن يكون الظهير جمعاً كقوله: {أية : والملائكة بعد ذلك ظهير} تفسير : [التحريم: 4] والمعنى أن بعض الكفرة مظاهر لبعض على إطفاء نور دين الله جل وعلا. وقال أبو مسلم: هو من قولهم "ظهر فلان بحاجتي". إذا نبذها وراء ظهره. والمراد أن الكافر وكفره هين على ربه غير ملتفت إليه. قوله: {وما ارسلناك} إلى قوله {سبيلاً} وجه تعلقه بما قبله أن الكفار يطلبون العون على الله وعلى رسوله ولا أجهل ممن استفرغ جهده في إيذاء من يبذل وسعه في إصلاح مهماته ديناً ودنيا حتى يبشرهم على الطاعة وينذرهم على المعصية ولا يسألهم على ذلك أجراً إلا أن يشاؤا التقرب بالإنفاق في الجهاد وغيره فيتخذوا به سبيلاً إلى رحمة ربهم ونيل ثوابه. ومعنى الاستثناء عن الأجر والتقدير إلا فعل من شاء هو معنى قولك لمن سعيت له في تحصيل مال ما أطلب منك ثواباً على ما سعيت إلا أن تحفظ هذا المال ولا تضيعه، فيكون في تسمية حفظ المال ثواباً. فائدتان: إحداهما قلع شبهة الطمع في شيء من الثواب، والثانية إظهار الشفقة وأنه إن حفظ ماله رضي الساعي به كما يرضى المثاب بالثواب هذا ما قاله جار الله. وقال القاضي: معناه لا أسألكم أجراً لنفسي واسألكم أن تطلبوا الأجر لأنفسكم باتخاذ السبيل إلى ربكم بالإيمان والطاعة. ولما بين أن الكفار متظاهرون على إيذائه وأمره أن لا يطلب منهم أجراً ألبتة أمره بأن يتوكل عليه في دفع المضارّ وجلب المنافع ويتمسك بقاعدة التنزيه والتحميد. وفي وصفه ذاته بالحي الذي لا يموت إشارة إلى أن الذي يوثق به في المصالح يجب أن يكون موصوفاً بهذه الصفة وليس إلا الله وحده. وعن بعض السلف أنه قرأها فقال: لا يصح لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق وإلا صار ضائعاً إذا مات ذلك المخلوق. ثم ختم الآية بما لا مزيد عليه في الوعيد أي لا يحتاج معه إلى غيره لأنه خبير بأحوالهم قادر على مجازاتهم. ومعنى كفى به أي حسبك وهذه كلمة يراد بها المبالغة كقولك "كفى بالعلم جمالاً وكفى بالأدب مالاً". ثم زاد لعلمه وقدرته مبالغة وبياناً فقال: {الذي خلق} الخ. وقد سبق تفسيره في "الأعراف" وأما قوله {فاسأل به خبيراً} ففيه وجوه. قال الكلبي: الضمير في {به} يعود إلى ما ذكر من خلق السماء والأرض والاستواء على العرش. والباء من صلة الخبير قدمت لرعاية الفاصلة وذلك الخبير هو الله عز وجل لأن كيفية ذلك الخلق والاستواء لا يعلمها إلا الله سبحانه. وعن ابن عباس أن ذلك الخبير هو جبرائيل. وقال الأخفش والزجاج: الباء بمعنى "عن" فسأل به مثل "اهتم به" واشتغل به وسأل عنه كقولك "بحث عنه وفتش عنه". قال تعالى {أية : سأل سائلٍ بعذاب واقع} تفسير : [المعارج: 1]. وقال ابن جرير: الباء زائدة والمعنى فاسأله حال كونه عالماً بكل شيء. وجوز جار الله أن تكون الباء تجريدية كقولك "رأيت به اسداً" أي برؤيته. والمراد فاسال بسؤاله خبيراً أي إن سألته وجدته عالماً به. وقيل: الباء للقسم ولعل الوجه الأول أقرب إلى المراد نظيره {أية : ولا ينبئك مثل خبير}تفسير : [فاطر: 14]. ثم أخبر عن قوم أنهم {قالوا وما الرحمن} والواو عاطفة وقعت في كلام فحكى كما هو فاحتمل أنهم جهلوا الله سبحانه، واحتمل أنهم عرفوه لكن جحدوه، واحتمل أنهم عرفوه بغير هذا الاسم فلهذا سألوا عنه، ومن هنا ذهب بعضهم إلى تفسير آخر لقوله {فاسأل به خبيراً} وهو أن الرحمن اسم من أسماء الله تعالى مذكور في الكتب المتقدمة ولم يكونوا يعرفونه فقيل: فاسأل بهذا الاسم من يخبرك من أهل الكتاب حتى يعرف من ينكره وكانوا يقولون: ما نعرف الرحمن إلا الذي باليمامة يعنون مسيلمة. قال القاضي: والأقرب أن المراد إنكارهم لله لا للاسم لأن هذه اللفظة عربية وهم يعلمون أنها تفيد المبالغة في "الأنعام". ثم إن قلنا: إنهم كانوا منكرين لله فاسؤال عن الحقيقة كقول فرعون {أية : وما رب العالمين}تفسير : [الشعراء: 23] وإن قلنا: إنهم كانوا مقرين لكنهم جهلوا أنه تعالى سمي بهذا الاسم فالسؤال عن الاسم. ومعنى {لما تأمرنا} للذي تأمرناه بمعنى تأمرنا بسجوده مثل "أمرتك الخبير" فاتسع أولاً ثم حذف ثانياً. ويجوز أن تكون "ما" مصدرية أي لأمرك لنا ومن قرأ على الغيبة فالضمير لمحمد أو للمسمى بالرحمن كأنهم قالوا هذا القول فيما بينهم. والضمير في {زادهم} للمقول وهو اسجدوا للرحمن أي وزادهم أمره {نفورا} ومن حقه أن يكون باعثاً على الفعل والقبول. قال الضحاك: لما رآهم المشركون يسجدون تباعدوا في ناحية المسجد مستهزئينن فمعنى الآية وزادهم سجودهم نفوراً. ومن السنة أن يقول الساجد والقارئ إذا بلغ هذا الموضع زادنا الله خضوعاً وما زاد للأعداء نفوراً. ثم ذكر ما لو تفكروا فيه لعرفوا وجوب السجود للرحمن فقال {تبارك} الخ. فالبروج هي الأقسام الاثنا عشر للفلك وأساميها مشهورة: الحمل والثور والجوزاء الخ. شبهت بالقصور العالية. واشتقاق البروج لظهوره والسراج الشمس. ومن جمع أراد الشمس والكواكب الكبار والخلفة للهيئة من الخلافة يريد الحالة التي يخلف عليها الليل والنهار كل واحد منهما الآخر أي جعلهما ذوي خلفة يعقب هذا ذاك وذاك هذا ومثله قوله {أية : واختلاف الليل والنهار} تفسير : [البقرة: 164] في أحد تفاسيره. وعن ابن عباس جعل كل واحد منهما يخلف صاحبه فيما يحتاج أن يعمل، فمن فاته شيء من وظائف العبادة في أحدهما قضاه في الآخر. وعن مجاهد وقتادة والكسائي يقال لكل مختلفين "هما خلفتان" فالمعنى أن أحدهما أسود والآخر أبيض أو هذا طويل وهذا قصير. ثم بين أن هذه النعمة سبب للتذكر لمن اراد ذلك أو للشكر لمن اراده. أما التذكر فلدلالة الانتقال والتغير على الناقل والمغير، وأما الشكر فلأن الليل سبب الراحة والسكون والنهار سبب لسهولة التصرف في المعايش. قال بعضهم: معنى "أو" الفاصلة أنه إن كان كافرا تذكر وإن كان مؤمناً شكر. وقيل: أراد ليكونا وقتين للمتذكرين والشاكرين من فاته في أحدهما ورده من العبادة قام به في الآخر. والشكور مصدر كالكفور. ثم أراد أن يختم السورة بوصف عباده المخلصين فقال {وعباد الرحمن} وهو مبتدأ خبره في آخر السورة {أولئك يجزون الغرفة} أو خبره {الذين يمشون} والإضافة إلى الرحمن للتخصيص والتشريف. وقرئ {وعبّاد} جمع عابد وصف سيرتهم مع الخلق بالنهار أوّلاً، ثم وصف معاملتهم مع الحق بالليل ثانياً، ثم قسم الوصف الأول إلى نوعين: أحدهما ترك الإيذاء وهو المراد بقوله {الذين يمشون على الأرض هوناً} مصدر وضع للمبالغة موضع الحال أو الصفة للمشي بمعنى هينين أو مشياً هيناً والمعنى أنهم يمشون بسكينة ووقار وتواضع لا يضربون بأقدامهم ولا يخفقون بنعالهم اشراً وبطراً، ولذلك كره بعضهم الركوب في الأسواق والمشي في الأسواق دون الركوب سيرة المرسلين قال عز من قائل {أية : وما ارسلنا قبلك من المرسلين إلا إِنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق} تفسير : [الفرقان: 20] وثانيهما تحمل الإيذاء وإليه الإشارة بقوله {وإذا خاطبهم الجاهلون} يعني السفهاء وقليلي الأدب {قالوا سلاماً} يعني سلام توديع ومتاركة كسلام إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين قال لأبيه {أية : سلام عليك} تفسير : [مريم: 47] ولا نسخ في الآية على ما زعم الكلبي وأبو العالية من أنها نسخت بآية القتال، فإن الإغضاء عن السفهاء وترك مقابلتهم بسوء الأدب مستحسن عقلاً وشرعاً، والبيتوتة هي أن يدركك الليل نمت أو لم تنم، وصفهم بإحياء الليل أو أكثره. وقوله {لربهم} إما أن يتعلق بما قبله أو بما بعده أي يبيتون لله على أقدامهم ويفرشون خدودهم ويعفرون جباههم. وقيل: من قرأ شيئاً من القرآن في صلاة وإن قل فقد بات ساجداً وقائماً. وقيل: هما الركعتان بعد المغرب والركعتان بعد العشاء قاله ابن عباس. ثم وصفهم بأنهم يقولون في سجودهم وقيامهم {ربنا اصرف عنا} الآية. وقال الحسن: خشعوا بالنهار وتعبوا بالليل خوفاً من عذاب جهنم. وقوله: {غراماً} أي هلاكاً وخسراناً ملحاً لازماً ومنه الغريم لإلحاحه وإلزامه، وفلان مغرم بالنساء إذا كان مولعاً بهن. وسأل ابن عباس نافع بن الأزرق عن الغرام فقال: هو الموجع. وعن محمد بن كعب في {غراماً} إنه سأل الكفار عن نعمه فما أدّوها إليه فأغرمهم فأدخلهم النار. {وساءت} إما بمعنى أحزنت وفيها ضمير اسم إن ومستقر حال أو تمييز، وإما بمعنى بئست وفيها ضمير مبهم يفسره {مستقراً} والمخصوص بالذم وهو الرابط ايضاً محذوف اي ساءت مستقراً ومقاماً هي. والظاهر أن الجملتين منقول الداعين. وجوز جار الله أن يكون من كلام الله، والتعليلان يصح أن يكونا متداخلين بأن يكون قوله {إنها ساءت} تعليلاً لقوله {أن عذابها كان غراماً} وأن يكونا مترادفين كل منهما تعليل لقوله: {ربنا اصرف} قال المتكلمون: التعليل الأول إشارة إلى أن عقاب أهل النار مضرة خالصة، والتعليل الثاني إشارة إلى كونها دائمة وقد يفرق بين المستقر والمقام بأن المستقر للعصاة من أهل الإيمان والمقام للكفار الذين لا خلاص لهم منها. ثم وصفهم بالتوسط في الإنفاق والقتر. والإقتار التضييق نقيض الإسراف، وكان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا يأكلون طعاماً للتنعم واللذة ولا يلبسون ثياباً للجمال والزينة، ولكن ما يسد جوعتهم ويستر عورتهم ويكنهم من الحر والقر. عن عمر: كفى شرهاً أن لا يشتهي رجل شيئاً إلا اشتراه فأكله. ثم بالغ في نسبة إنفاقهم إلى الاعتدال بقوله {وكان} أي الإنفاق {بين ذلك قواماً} والمنصوبان يجوز أن يكونا خبرين وأن يكون الظرف خبراً و{قواماً} حالاً مؤكدة. وقال في الكشاف: يجوز أن يجعل بين ذلك لغواً وقواماً مستقراً. ولعل معناه أنه يقوم مقام لفظ المستقر إذا كان متعلقاً به في قولك الإنفاق بين ذلك. وقد ذكر مثله في أول "الشعراء" في قوله {أية : إنا معكم مستمعون}تفسير : [الشعراء: 15] والقوام العدل بين الشيئين لاستقامة الطرفين واعتدالهما ونظير القوام من الاستقامة السواء من الاستواء. وقرئ بكسر القاف وهو ما يقام به الحاجة لا يفضل ولا ينقص. وأجاز الفراء أن يكون {بين ذلك} اسم {كان} على أنه مبني لإضافته إلى غير متمكن كما يقال: كان دون هذا كافياً يريد اقل من ذلك، فيكون المعنى وكان الوسط بين ذلك قواماً. وضعفه في الكشاف بأن ما بين الإسراف والتقتير قوام لا محالة فليس في الخبر الذي هو معتمد الفائدة فائدة. واقول: إذا اريد بالقوام حاق الوسط وبقوله {بين ذلك} أعلم منه لم يلزم التكرار. حديث : وعن ابن مسعود قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل الله نداً وهو خلقك. قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشيه أن يأكل معك. قلت: ثم أي؟ قال أن تزاني حليلة جاركتفسير : . فأنزل الله عز وجل تصديقه {والذين لا يدعون} إلى قوله {ولا يزنون} قال جار الله: نفى هذه الأمور الشنيعة عن الموصوفين بتلك الخلال العظيمة في الدين تعريض بما كان عليه أعداء المؤمنين من قريش وغيرهم كأنه قيل: والذين برأهم الله وطهرهم مما أنتم عليه. وقيل: إن الموصوف بالصفات المذكورة قد يرتكب هذه الأمور تديناً فبين الله تعالى أن المكلف لا يصير بتلك الخلال وحدها من عباد الرحمن حتى ينضاف إلى ذلك كونه مجانباً لهذه الكبائر، والقتل بغير حق يشمل الوأد وغيره كما مر في سبب النزول {ومن يفعل ذلك} أي المذكور فترك المأمورات أو ارتكب المنهيات. والأثام جزاء الإثم بوزن الوبال والنكال ومعناهما. وقيل: هو الإثم والمضاف محذوف أي يلق جزاء الإثم، وقرأ ابن مسعود {أياماً} بتشديد الياء التحتانية يعني ايام الشدة. ومعنى مضاعفة العذاب لمن ارتكب مخالفة المذكورات أن يعذب على الشرك وعلى المعاصي الأخر جميعاً. هذا عند من يرى تعذيب الكفار بفروع الشرائع، والمخالف يدعي أن الشمار إليه بقوله {ذلك} هو قوله {والذين لا يدعون} قال القاضي: قوله {ويخلد فيه} أي في ذلك التضعيف أو المضعف ففيه دليل على أن حال الزيادة كحال الأصل في الدوام فيكون عقاب المعصية دائماً، وإذا كان كذلك في حق الكافر لزم أن يكون كذلك في حق المؤمن. وأجيب بأن الشيئين قد يكون كل واحد منهما قبيحاً ويكون الجمع بينهما أقبح فلا يلزم أن يكون للانفراد حكم الاجتماع. وفي قوله {ويخلد فيه مهاناً} إشارة إلى أن العقاب هو المضرة الخالصة الدائمة المقرونة بالإذلال والإهانة كما أن الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالإجلال والتعظيم. وقوله {إلا من تاب} لا يفهم منه إلا أن التائب لا يضاعف له العذاب ولا يلزم منه أن يكون مثاباً فلذلك قال: {فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات} عن ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة أن هذا التبديل إنما يكون في الدنيا فيبدلهم بالشرك إيماناً، وبقتل المسلمين قتل المشركين، وبالزنا عفة وإحصاناً، يبشرهم الله تعالى بأنه يوقفهم لهذه الأعمال الصالحة إذا تابوا وآمنوا وعملوا سائر الأعمال الصالحة، وإنما أفرد التوبة والإيمان بالذكر أوّلاً لعلو شأنهما. وقال الزجاج. السيئة بعينها لا تصير حسنة ولكن السيئة تمحى بالتوبة، وتكتب الحسنة مع التوبة، والكافر يحبط الله عمله ويثبت عليه السيئات. وذهب سعيد بن المسيب ومكحول إلى ظاهر الآية وهو أنه تعالى يمحو السيئة عن العبد ويثبت له بدلها الحسنة، وأكدوا هذا الظاهر بما روي عن أبي هريرة مرفوعاً "حديث : ليتمنين أقوام أنهم أكثروا من السيئات قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات"تفسير : . وقال القاضي والقفال: إنه تعالى يبدل بالعقاب الثواب فذكر السبب وأراد المسبب. ثم عمم الحكم فذكر أن جميع الذنوب بمنزلة الخصال المذكورة أي ومن يترك المعاصي كلها ويندم عليها وأتى بالعمل الصالح فإنه بذلك تائب على الله عز وجل متاباً مرضياً مكفراً للخطايا. ويجوز أن ترجع الفائدة إلى تخصيص اسم الله أي فإنه تائب متاباً إلى الله الذي هو المفيض لكل الخيرات يعرف حق التائبين ويفعل بهم ما يليق بكرمه، ويحتمل أن ترجع الفائدة إلى تنكير متاباً. والمتاب المرجع أي يرجع إلى الله مرجعاً حسناً اي مرجع، وقيل: هو وعد للتائبين المخلصين فيما مضى بأنه سيوفقهم للتوبة في المستقبل. ثم وصفهم بأنهم لا يشهدون الزور. فإن كان من الشهادة فالمضاف محذوف أي لا يشهدون شهادة الزور، وإن كان من الشهود الحضور فللمفسرين أقوال: فعن قتادة: هي مجالس الباطل. وعن أبي حنيفة: اللهو والغناء. وعن مجاهد: أعياد المشركين. وعن ابن عباس: هي المجالس التي يقال فيها الزور والكذب على الله تعالى وعلى رسوله. والتحقيق أنه يدخل فيه حضور كل موضع يجري فيه ما لا ينبغي كمحاضر الكذابين ومجالس الخطائين وكالنظارة إلى ما لم تسوغه الشريعة، لأن الحضور والنظر إلى تلك المجالس دليل الإهانة وبعث لفاعله عليه لا زجر له عنه. وفي مواعظ عيسى بن مريم "إياكم ومجالسة الخطائين" {وإذا مروا باللغو} وهو كل ما ينبغي أن يلغى ويطرح {مرّوا كراماً} مكرمين أنفسهم عن الخوض فيه مع المشتغلين به. وأصل الكلمة من قولهم "ناقة كريمة" إذ كاننت لا تبالي بما يحلب منها للغزارة، فاستعير للصفح عن الذنب. ويقال: تكرم فلان عما يشينه إذا تنزه وأكرم نفسه عن ذلك. وقيل: إذا سمعوا من الكفار الشتم والأذى أعرضوا. وقيل: إذا ذكروا النكاح كفوا عنه. قال جار الله: قوله {لم يخروا عليها} ليس نفياً للخرور ولكنه إثبات له ونفي للصمم والعمى كما تقول: لا يلقاني زيد مسلماً هو نفي للسلام لا للقاء. والمراد أنهم إذا ذكروا بآيات الله أي وعظوا بها ونبهوا حرصوا على استماعها بآذان واعية وعيون باكية لا كالمنافقين الذين يظهرون الحرص الشديد على استماعها وهم كالصم والعميان لا يعونها ولا يبصرون ما فيها فهم متساقطون عليها غير منتفعين بها. قوله {من أزواجنا} "من" للبيان وتسمى في علم البيان تجريدية كأنه قيل: هب لنا قرة أعينن ثم فسرت القرة بالأزواج والذرية كقولهم "رأيت منك أسداً"أي أنت أسد. ويجوز أن تكون ابتدائية على معنى هب لنا من جهتهم ما تقر به عيوننا لا في الأمور الدنيوية من الجاه والمال والجمال بل في الأمور الأخروية من الطاعة والصلاح. عن محمد بن كعب: ليس شيء أقر لعين المؤمن من ان يرى زوجته وأولاده مطيعين لله. وعن ابن عباس: هو الولد إذا رآه يكتب الفقه. وقيل: سألوا أن يلحق الله عز وجل بهم أولادهم وأزواجهم في الجنة ليتم لهم سرورهم. وتنكير أعين إما لأنه أراد أعيناً مخصوصة هي أعين المتقين ولهذا اختير جمع القلة لأن أعين المتقين قليلة بالإضافة إلى عيون غيرهم {أية : وقليل من عبادي الشكور} تفسير : [سبأ: 13] وإما لأجل تنكير القرة فإن المضاف لا سبيل إلى تنكيره إلا بتنكير المضاف إليه أي هب لنا منهم سروراً وفرحاً. قال الزجاج: يقال أقر الله عينك اي صادف فؤادك ما يحبه. وقال المفضل: في قرة العين ثلاثة أقوال أحدها: برد دمعها لأنه دليل السرور والضحك كما أن حره دليل الحزن والغم. والثاني قرتها أن تكون مع فراغ الخاطر وذهاب الحزن. والثالث حصول الرضا. وقوله {إماماً} في معنى الجمع اكتفى به لدلالته على الجنس ولعدم اللبس كما قال: {أية : يخرجكم طفلاً} تفسير : [غافر: 67] أو أريد كل واحد منا أو اجعلنا إماماً واحداً لاتحاد كلمتنا، أو هو جمع آمّ كصائم وصيام وصاحب وصحاب. وقيل: في الاية دلالة على أن الرياسة يجب أن تطلب ويرغب فيها والأقرب أنهم سألوا الله أن يبلغهم في الطاعة المبلغ الذي يشار إليهم ويقتدي بهم. ومن هنا فسره القفال بأن المراد اجعلنا حجة للمتقين. قالت الأشاعرة: الإمامة في الدين لا تكون إلا بالعلم والعمل فدل ذلك على أن العلم والعمل بل جميع افعال العباد مخلوقة لله تعالى. وقالت المعتزلة: إنهم سألوا من الألطاف ما بها يخارون أفعال الخير إلى أن يصيروا أئمة. وأجيب بأن تلك الألطاف مفعولة لا محالة فيكون سؤالها عبثاً. ثم بين جزاء عبادة العباد بقوله {أولئك يجزون الغرفة} أي الغرفات وهي العلاليّ في الجنة فوحد اكتفاء بالجنس. وقيل: الغرفة اسم للجنة. وقوله {بما صبروا} أي بصبرهم على الطاعات وعن الشهوات أو على اذى الكفار وضر الفقر وغير ذلك ولهذا أطلق إطلاقاً ليشمل كل مصبور عليه. ثم بين بقوله {ويلقون} أن تلك المنافع مقرونة بالتعظيم والتحية والدعاء بالتعمير، والسلام دعاء بالسلامة من الآفات وهما من الملائكة أو من الله أو من بعضهم لبعض. ثم ذكر أنه غني عن طاعة الكل وأنه إنما كلفهم لينتفعوا بذلك. قال الخليل: ما أعبأ بفلان اي ما أصنع به كأنه يستقله ويستحقره ويدعي أن وجوده وعدمه سواء. وقال الزجاج: {ما يعبأ بكم ربي} يريد ايّ وزن يكون لكم عنده؟ والعبء الثقل، و"ما" استفهامية أو نافية، والدعاء إما مضاف إلى المفعول أي لولا دعاؤه إياكم إلى الدين والطاعة، وإما إلى الفاعل أي لولا إيمانكم أو لولا عبادتكم أو لولا دعاؤكم إياه في الشدائد كقوله {أية : فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله} تفسير : [العنكبوت: 65] أو لولا شكركم له على إحسانه كقوله {أية : ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم} تفسير : [النساء: 147] أو ما يصنع بعذابكم لولا دعاؤكم معه آلهة، أو ما خلقتكم وبي إليكم حاجة إلا أن تسألوني فأعطيكم أو تستغفروني فأغفر لكم. قوله: {فقد كذبتم} أي أعلمتكم أني لا أعتد بعبادي إلا لعبادتهم فقد خالفتم بتكذيبكم حكمي. {فسوف يكون لزاماً} وهو عقاب الآخرة نظيره قول الملك لمن استعصى عليه: إن من عادتي أن أحسن إلى من يطيعني فقد عصيت فسوف ترى عقوبتي. والخطاب لجنس الإنس وإذا وجد في جنسهم التكذيب فقد صح الخطاب، والأوجه أن يترك اسم "كان" غير منطوق به ليذهب الوهم كل مذهب من أنواع الإبعاد. وقيل: يكون العقاب لزاماً. وعن مجاهد: هو القتل يوم بدر وقد لوزم إذ ذاك بين القتلى لزاماً والله تعالى أعلم. التأويل: {ولو شئنا لبعثنا} فيه كمال القدرة وإن أمر النبوة ليس يتعلق بالقربات والمزاجات بل بمحض المشيئة الأزلية. ويروى أن موسى عليه السلام سئم الرسالة وتبرم في بعض الأيام فأوحى الله تعالى: في ليلة واحدة إلى ألف من بني إسرائيل فاصبحوا أنبياء، فضاق قلب موسى وغار وقال: يا رب إني لا أطيق ذلك. فقبض الله ارواحهم في ذلك اليوم. وفيه كمال الحكمة فإن العزة في القلة ومنه تظهر فائدة الخاتمة وعموم رسالته، وفيه تأديب الخواص وعصمتهم عن رؤية الأعمال. فلا تطع كفار النفس وسائر القوى البدنية {وجاهدهم} بهذا الخلاق {جهاداً كبيراً} لا تواسيهم بالرخص ولكن يحملهم على العزائم {وهو الذي مرج} بحر الروح وبحر النفس {هذا عذب فرات} من الأخلاق الحميدة الربانية {وهذا ملح أجاج} من الصفات الذميمة الحيوانية. والرزخ هو القلب. وفائدة مرج الأجاج هو احتياج الإنسان إلى الأخلاق الذميمة لدفع المضرات الدنيوية والأخروية في مقامها. وحرام على الروح أن تكون منشأ الأخلاق الذميمة، وعلى النفس أن تكون معدن الأخلاق الحميدة {فجعله نسباً وصهراً} أهل النسب هم الذين صحت نسبتهم إلى عالم الأمر وهو قوله {أية : ونفخت فيه من روحي}تفسير : [ص: 72] وأهل الصهرهم الذين بقوا في عالم الخلق واختلطوا بالصفات البشرية من الحرص والشهوة والغضب، وأشار إلى هذا الصنف بقوله: {أية : ويعبدون من دون الله} تفسير : [يونس: 18] الآية وكان كافر النفس على ربه ظهيراً في إظهار صفة قهره لأنه مظهرها {وما أرسلناك إلا مبشراً} لأهل النسب {ونذيراً} لأهل الصهر إلا من شاء إلا أجر من شاء أن يتوسل إلى الرب بطاعته إياي وبخدمته لي. ومن ههنا قال المشايخ: يصل المريد بالطاعة إلى الجنة وبتعظيم الشيخ وإجلاله إلى الله. {وتوكل} اصل التوكل أن يعلم العبد أن الحادثات بأسرها مستندة إلى تكوين الله وتخليقه وهذا القدر من أصول الإيمان {أية : وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين}تفسير : [المائدة: 23] وما زاد على هذا القدر من سكون القلب وزوال الانزعاج والاضطراب فإنه مقام أرباب الأحوال وأصحاب الكمال. {وسبح بحمده} أي بما حمد به نفسه كقوله "حديث : أنت أثنيت على نفسك"تفسير : والقديم لا يليق به إلا الحمد القديم {وزادهم نفوراً} لأن الرحمن أقبل عليهم بقهره ولو كان أقبل عليهم بلطفه لخضعوا واستكانوا. {تبارك الذي جعل} في سماء القلوب بروج المنازل والمقامات وهي اثنا عشر: التوبة والزهد والخوف والرجاء والتوكل والصبر والشكر واليقين والإخلاص والتسليم والتفويض والرضا وهي منازل الأحوال السيارة شمس التجلي وقمر المشاهدة وزهرة الشوق ومشتري المحبة وعطارد الكشوف ومريخ الفناء وزحل البقاء. وهو الذي جعل ليل السر ونهار التجلي خلقة رعاية لحقوق القلب وحظوظ النفس، إن اراد أن يتعظ عند السر أو اراد شكوراً عند التجلي {وعباد الرحمن} دون الشيطان والدنيا والهوى والنفس يمشون في أرض الوجود عند السير إلى الله هوناً لئلا يتاذى بإثارة غبار صفات بشريتهم أحد {وإذا خاطبهم الجاهلون} وهم كل ما سوى الله من الدنيا والآخرة وما فيهما من اللذة والنعيم {قالوا سلاما} سلام مودّع {والذين يبيتون لربهم} لا لحظ أنفسهم في الروح ساجدون وفي الصباح واجدون. وأحسن الأشياء ظاهر بالسجود وباطن في الوجود مزين، ومع هذه الأحوال والمقامات يقفون في موقف الاعتذار والتذلل قائلين {ربنا اصرف عنا عذاب جهنم} القطيعة والبعد إذا أفنوا وجودهم في ذات الله وصفاته لم يبالغوا في الرياضة إلى حد تلف البدن {ولم يقتروا} في بذل الوجود بالركون إلى الشهوات {لا يدعون مع الله إلهاً آخر} بأن لا يرفعوا حوائجهم إلى الأغيار، ولا يشوبون أعمالهم بالرياء والسمعة ولا يحبون مع الله غيره {ولا يقتلون النفس التي حرم الله} قتلها بكثرة المجاهدة إلا بسطوات تجلي صفات الحق في مثل هذا القتل حياة أبدية {ولا يزنون} بالتصرف في عجوز الدنيا بغير إذن الله {يضاعف له العذاب} وهو عذاب النيران وعذاب الحرمان عن نعيم الجنان ومن قرب الرحمن {إلا من تاب} من عبادة الدنيا وهوى النفس. {وآمن} بكرامات الأولياء ومقامات الأصفياء {وعمل عملاً صالحاً} هو الإعراض عن غير الله وهو الإكسير الأعظم الذي لو طرح ذرة منه على ملء الأرض سيئة يبدلها إبريز الحسنات. {ومن تاب} رجع عن إنانيته إلى هوية الحق {وعمل صالحاً} بالدوام على هذه الحالة {فإنه يتوب} يرجع {إلى الله متاباً} لا مزيد عليه وهو جذبة {أية : ارجعي} تفسير : [الفجر: 28] وحينئذ لا يشهد الزور اي لا يساكن غير الحق. {وإذا مرّوا باللغو} وهو ما سوى الحق لا يلتفت إليه. وإذا ذكر بآيات ربه تأمل فيها حق التأمل ودعا الله بأن يهب له من ازدواج الروح والجسد ومتولداتهما من القلب والنفس وملكات الأعمال الصالحة ما تقر به عين القلب وعين السر وعين الروح اي يتنور بنورها، ويصير إذ ذاك مقتدى للمتقين لمتقي الجسد من مخالفات الشريعة، ولمتقي النفس من الأوصاف الذميمة ولمتقي الروح عما سوى الله، فيجزى الغرفة في مقام العندية بما صبر في البداية على التكاليف الشرعية، وفي الوسط على تبديل الأخلاق الحميدة بالذميمة، وفي النهاية بإفناء الوجود. ثم أخبر عن استغنائه عن وجود الخلق وعدمهم لولا دعاؤهم إياه بلسان الحاجة في حس العدم، أو لولا دعاؤه إياهم في الأزل بلسان القدرة {فقد كذبتم} حين ادعيتم الغنى عن الصانع {فسوف يكون} خسران السعادة الأبدية لازماً لكم أعاذنا الله منه.

البقاعي

تفسير : ولما كان تعنتهم بأن ينزل عليه ملك فيكون معه نذيراً، ربما أثار في النفس طلب إجابتهم إلى مقترحهم حرصاً على هدايتهم، فأومأ أولاً إلى أنه لا فائدة في ذلك بأن مؤازرة هارون لموسى عليهما السلام لم تغن عن القبط شيئاً، وثانياً بأن المدار في وجوب التصديق للنذير الإتيان بما يعجز، وكان ذلك موجوداً في آيات القرآن، المصرفة في كل زمان ومكان بكل بيان، فكانت كل آية منه قائمة مقام نذير، قال مشيراً إلى أنه إنما ترك ذلك لحكم يعلمها: {ولو شئنا لبعثنا} أي بما لنا من العظمة ونفوذ الكلمة {في كل قرية نذيراً*} أي من البشر أو الملائكة أو غيرهم من عبادنا، كما قسمنا المطر لأن الملك - كما قدمنا أول السورة - كله لنا، ليس لنا شريك يمنع من ذلك بما له من الحق، ولا ولد يمنع بما له من الدلة، ولكنا لم نفعل لما في آيات القرآن من الكفاية في ذلك، ولما في انفرادك بالدعوة من الشرف لك - وغير ذلك من الحكمة {فلا تطع الكافرين} فيما قصدوا من التفتير عن الدعاء به، بما يبدونه من المقترحات أو يظهرون لك من المداهنة، أو من القلق من صادع الإنذار، ويخيلون أنك لو أقللت منه رجوا أن يوافقوك {وجاهدهم} أي بالدعاء {به} أي القرآن الذي تقدم التحديث عنه في {أية : ولقد صرفناه} تفسير : [الفرقان: 5] بإبلاغ آياته مبشرة كانت أو منذرة، والاحتجاج ببراهينه {جهاداً كبيراً*} جامعاً لكل المجاهدات الظاهرة والباطنة، لأن في ذلك إقبال كثير من الناس إليك واجتماعهم عليك، فيتقوى أمرك، ويعظم خطبك، وتضعف شوكتهم، وتنكسر سورتهم. ولما ذكر تصريف الفرقان، ونشره في جميع البلدان، بعد إثارة الرياح ونشر السحاب، وخلط الماء بالتراب، لجمع النبات وتفريقه، أتبعه - تذكيراً بالنعمة، وتحذيراً من إحلال النقمة - الحجز بين أنواع الماء الذي لا أعظم امتزاجاً منه، وجمع كل نوع منها على حدته، ومنعه من أن يختلط بالآخر مع اختلاط الكل بالتراب المتصل بعضه ببعض، فقال عائداً إلى أسلوب الغيبة تذكيراً بالإحسان بالعطف على ضمير "الرب" في آية الظل: {وهو} أي وحده {الذي مرج البحرين} أي الماءين الكثيرين الواسعين بأن جعلهما مضطربين كما تشاهدونه من شأن الماء؛ وقال الرازي: خلى بينهما كأنه أرسلهما في مجاريهما كما ترسل الخيل في المرج، وأصل المرج يدل على ذهاب ومجيء واضطراب والتباس. ولما كان الاضطراب موجباً للاختلاط، وكانت "ال" دائرة بين العهد والجنس، تشوف السامع إلى السؤال عن ذلك، فأجيب بأن المراد جنس الماء الحلو والملح، لأن البحر في الأصل الماء الكثير، وبأنه سبحانه منعهما من الاختلاط، مع الموجب له في العادة، بقدرته الباهرة، وعظمته القاهرة، فقال: {هذا عذب} أي حلو سائغ {فرات} أي شديد العذوبة بالغ الغاية فيها حتى يضرب إلى الحلاوة، لا فرق بين ما كان منه على وجه الأرض وما كان في بطنها {وهذا ملح} شديد الملوحة {أجاج} أي مر محرق بملوحته ومرارته، لا يصلح لسقي ولا شرب، ولعله أشار بأداة القرب في الموضعين تنبيهاً على وجود الموضعين، مع شدة المقاربة، لا يلتبس أحدهما بالآخر حتى أنه إذا حفر على شاطىء البحر الملح بالقرب منه جداً خرج الماء عذباً جداً {وجعل} أي الله سبحانه {بينهما برزخاً} أي حاجزاً من قدرته مانعاً من اختلاطهما. ولما كانا يلتقيان ولا يختلطان، كان كل منهما بالاختلاط في صورة الباغي على الآخر، فأتم سبحانه تقرير النعمة في منعهما الاختلاط بالكلمة التي جرت عادتهم بقولها عند التعوذ، تشبيهاً لكل منهما بالمتعوذ، ليكون الكلام - مع أنه خبر - محتملاً للتعوذ، فيكون من أحسن الاستعارات وأشهدها على البلاغة فقال: {وحجراً} أي منعاً {محجوراً*} أي ممنوعاً من أن يقبل رفعاً، كل هذا التأكيد إشارة إلى جلالة هذه الآية وإن كانت قد صارت لشدة الإلف بها معرضاً عنها إلى الغاية، لتعرف بها قدرته، وتشكر نعمته. ولما ذكر تعالى قدرته في منع الماء من الاختلاط، أتبعه القدرة على خلطه، لئلا يظن أنه ممتنع، تقريراً للفعل بالاختيار، وإبطالاً للقول بالطبائع، فقال معبراً بالضمير كما تقدمه حثاً على استحضار الأفعال والصفات التي تقدمت، لتعرف الحيثية التي كرر الضمير لأجلها: {وهو} أي وحده {الذي خلق من الماء} بخلطه مع الطين {بشراً} كما تشاهدونه يخلق منه نباتاً وشجراً وورقاً وثمراً {فجعله} أي بعد ذلك بالتطوير في أطوار الخلقة، والتدوير في أدوار التربية {نسباً} أي ذكراً ينسب إليه {وصهراً} أي أنثى يصاهر - أي يخالط بها إلى الذكر، فقسم هذا الماء بعد التطوير إلى ذكر وأنثى كما جعل ذلك الماء قسمين: عذبا وملحاً، وخلط ماء الذكر بماء الأنثى متى أراد فصور منه آدمياً، ومنعه من ذلك إذا أراد، كما أنه ميز بين العذب والملح ويخلط بينهما إذا أراد بعلمه الشامل وقدرته التامة {وكان ربك} أي المحسن إليك بإرسالك وإنزال هذا الذكر إليك {قديراً*} على كل شيء قدرته على ما ذكر من إبداع هذه الأمور المتباعدة من مادة واحدة فهو يوفق من يشاء فيجعله عذب المذاق، سهل الأخلاق، ويخذل من يشاء فيجعله مرير الأخلاق كثير الشقاق، أو ملتبس الأخلاق، عريقاً في النفاق، فارغب إلى هذا الرب الشامل القدرة، التام العلم. ولما أثبت له بهذه الأدلة القدرة على كل شيء، قال معجباً منهم في موضع الحال من "ربك" عوداً إلى تهجين سيرتهم في عبادة غيره، معبراً بالمضارع، إشارة إلى أنهم لو فعلوا ذلك مرة لكان في غاية العجب، فكيف وهو على سبيل التجديد والاستمرار؟ ومصوراً لحالهم زيادة في تبشيعها: {ويعبدون} أي الكفرة {من دون} أي ممن يعلمون أنه في الرتبة دون {الله} المستجمع لصفات العظمة، بحيث إنه لا ضر ولا نفع إلا وهو بيده. ولما كان هذا السياق لتعداد نعمه سبحانه، وكان الحامل للإنسان على الإذعان رجاء الإحسان، أو خوف الهوان، وكان رجاء الإحسان مقبلاً به إلى المحسن في السر والإعلان، قدم النفع فقال: {ما لا ينفعهم} أي بوجه. ولما كان الخوف إنما يوجب الإقبال ظاهراً فقط، أتبعه قوله: {ولا يضرهم} أي أصلاً في إزالة نعمة من نعم الله عنهم، فلا أسخف عقلاً ممن يترك من بيده كل نفع وضر وهو يتقلب في نعمه، في يقظته ونومه، وأمسه ويومه، ويقبل على من لا نفع بيده ولا ضر أصلاً؛ وأظهر في موضع الضمير بياناً للوصف الحامل على ما لا يفعله عاقل، وأفرد تحقيراً لهم فقال: {وكان الكافر} مع علمه بضعفه وعجزه. ولما كان الكافر لا يمكن أن يصافي مسلماً ما دام كافراً، وكانت مصافاته لغيره حاصلة إما بالفعل أو بالقوة، عدت مصارمته لغيره عدماً، فكانت مصارمته خاصة بأولياء الله، وكان ذلك أشد لذمه، دل عليه بتقديم الجار فقال: {على ربه} أي المحسن إليه لا غيره {ظهيراً*} معيناً لشياطين الإنس والجن على أولياء الله، والتعبير بـ "على" دال على أنه وإن كان مهيناً في نفسه حقيراً فاعل فعل العالي على الشيء القوي الغليظ الغالب له، المعين عليه، من قولهم: ظهر الأرض لما علا منها وغلظ، وأمر ظاهر لك، أي غالب، والظاهر: القوي والمعين، وذلك لأنه يجعل لما يعبده من الأوثان نصيباً مما تفرد الله بخلقه، ثم يجعل لها أيضاً بعض ما كان سماه لله، ويعاند أولياء الله من الأنبياء وغيرهم، وينصب لهم المكايد والحروب، ويؤذيهم بالقول والفعل، مع علمه بأن الله معهم لما يشاهدونه من خرقه لهم العوائد، فكان هذا فعل من لا يعبأ بالشيء {أية : لقد استكبروا في أنفسهم وعتو عتواً كبيراً}تفسير : [الفرقان: 21] {أية : أن لا تعلوا على الله} تفسير : [الدخان: 19] وهو في الحقيقة تهكم بالكفار، لأنهم يفعلون ما يلزم عليه هذا اللازم الذي لا يدور في خلد عاقل. ولما كان التقدير تسلية له صلى الله عليه وسلم: فالزم ما نأمرك به ولا يزد همُّك بردهم عما هم فيه، فإنا ما أرسلناك عليهم وكيلاً، عطف عليه قوله: {وما أرسلناك} أي بما لنا من العظمة. ولما كان سياق السورة للإنذار، لما ذكر فيها من سوء مقالهم، وقبح أفعالهم، حسن التعبير في البشارة بما يدل على كثرة الفعل، ويفهم كثرة المفعول، بشارة بكثرة المطيع، وفي النذارة بما يقتضي أن يكون صفة لازمة فقال: {إلا مبشراً} أي لكل من يؤمن {ونذيراً*} لكل من يعصي.

ابو السعود

تفسير : {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِى كُلّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً} نبـيَّاً يُنذرُ أهلَها فيخفف عليك أعباءَ النبوةِ لكن لم نشأْ ذلك فلم نفعلْه بل قصرنا الأمرَ عليك حسبما ينطقُ به قوله تعالى: { أية : لِيَكُونَ لِلْعَـٰلَمِينَ نَذِيراً} تفسير : [سورة الفرقان: الآية 1] إجلالاً لك وتعظيماً وتفضيلاً لك على سائر الرُّسلِ {فَلاَ تُطِعِ ٱلْكَـٰفِرِينَ} أي فقابل ذلك بالثَّباتِ والاجتهاد في الدَّعوةِ وإظهار الحقِّ والتَّشددِ معهم كأنَّه نهيٌ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم عن المُداراة معهم والتَّلطفِ في الدَّعوةِ لما أنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ كان يودُّ أنْ يدخلُوا في الإسلام ويجتهدُ في ذلك بتأليفِ قلوبهم أشدَّ الاجتهاد {وَجَـٰهِدْهُمْ بِهِ} أي بالقُرآن بتلاوةِ ما في تضاعيفِه من القوارع والزَّواجرِ والمَواعظِ وتذكير أحوال الأممِ المكذِّبةِ {جِهَاداً كَبيراً} فإنَّ دعوةَ كلِّ العالمينَ على الوجهِ المذكورِ جهادٌ كبـيرٌ لا يُقادرُ قدرُه كمًّا وكيفاً وقيل: الضَّميرُ المجرورُ لتِركِ الطَّاعةِ المفهوم من النَّهي عن الطَّاعةِ وأنتَ خبـيرٌ بأنَّ مجرَّد تركِ الطَّاعةِ يتحقَّقُ بلا دعوةٍ أصلاً وليس فيه شائبةُ الجهادِ فضلاً عن الجهاد الكبـيرِ اللهمَّ إلاَّ أنْ تجعلَ الباء للملابسةِ ليكون المعنى وجاهِدْهم بما ذُكر من أحكامِ القُرآن الكريم ملابَساً بتركِ طاعتِهم كأنَّه قيل: فجاهدْهم بالشِّدَّةِ والعُنفِ لا بالمُلاءمةِ والمُداراةِ كما في قوله تعالى: { أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّـٰرَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ} تفسير : [سورة التوبة: الآية 73] وقد جُعل الضَّميرُ لما دلَّ عليه قولُه تعالى: {أية : وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِى كُلّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً} تفسير : [سورة الفرقان: الآية 51] من كونه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ نذيرَ كافَّةِ القُرى لأنَّه لو بُعث في كلِّ قرية نذيراً لوجبَ على كلِّ نذير مجاهدةُ قريتِه فاجتمعتْ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم تلك المجاهداتُ كلُّها فكبُر من أجلِ ذلك جهادُه وعظُم فقيل له عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وجاهدْهم بسببِ كونِك نذيرَ كافَّةِ القُرى جهاداً كبـيراً جامعاً لكلِّ مُجاهدةٍ. وأنت خبـيرٌ بأنَّ بـيانَ سبب كِبَرِ المُجاهدةِ بحسب الكميَّةِ ليس فيه مزيدُ فائدةٍ فإنَّه بـيِّنٌ بنفسِه وإنَّما اللائقُ بالمقامِ بـيانُ سببِ كبرِها وعظمِها في الكيفيَّةِ. {وَهُوَ ٱلَّذِى مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ} أي خلاَّهما متجاورينِ مُتلاصقين بحيثُ لا يتمازجانِ، من مَرَجَ دابَّته إذا خلاَّها {هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ} قامعٌ للعطشِ لغايةِ عذوبتِه {وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} بليغُ المُلوحةِ. وقُرىء مَلْحٌ فلعلَّه تخفيفُ مالحٍ كبَرْدٍ في باردٍ {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً} حاجزاً غيرَ مرئيَ من قُدرتِه كما في قولِه تعالى: { أية : بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} تفسير : [سورة الرعد: الآية 2], [سورة لقمان: الآية 10] {وَحِجْراً مَّحْجُوراً} وتنافراً مُفرِطاً كأنَّ كلاًّ منهما يتعوَّذُ من الآخرِ بتلك المقالِة وقيل: حَدَّاً محدُوداً وذلك كدجلةَ تدخلُ البحرَ وتشقُّه وتجري في خلالِه فراسخَ لا يتغيَّرُ طعمُها، وقيل: المرادُ بالبحرِ العذبِ النَّهرُ العظيمُ وبالمالحِ البحرُ الكبـيرُ وبالبرزخ ما بـينهما من الأرضِ فيكون أثرُ القُدرة في الفصلِ واختلافِ الصِّفةِ، مع أنَّ مُقتضى طبـيعةِ كلِّ عُنصرٍ التَّضامُّ والتَّلاصقُ والتَّشابهُ في الكيفيَّةِ.

القشيري

تفسير : إنَّ الله - سبحانه - خصَّ نبينا صلى الله عليه وسلم بأن فضَّله على الكافة، وأرسله إلى الجملة، وبألا يُنْسَخَ شَرْعُه إلى الأبد. وبهذه الآية أدَّبه بأدقِّ إشارة، حيث قال: {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً} وهذا كما قال:{أية : وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ}تفسير : [الإسراء: 86]. وَقَصْدُ الحقِّ أن يكون خواصُّ عباده أبداً معصومين عن شواهدهم. وفي القصة أن موسى عليه السلام تَبَرَّمَ وقتاً بكثرة ما كان يُسْأل، فأوحى الله في ليلة واحدة إلى ألف نبي من بني إسرائيل فأصبحوا رُسلاً، وتفرَّقَ الناسُ عن موسى عليه السلام إليهم عليهم السلام، فضاق قلبُ موسى وقال: يا رب، إني لا أطيق ذلك! فقبض اللَهُ أرواحهم في ذلك اليوم.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولو شئنا} اردنا {لبعثنا} [برانكيختيم وفرستاديم]، قال الراغب البعث اثارة الشىء وتوجيهه {فى كل قرية} مصر ومدينة وبالفارسية: [درهرديهى ومجتمعى] فان القرية اسم للموضع الذى يجتمع فيه الناس {نذيرا} بمعنى المنذر والانذار اخبار فيه تخويف اى نبيا ينذر اهلها فيخفف عليك اعباء النبوة ولكن بعثناك الى القرى كلها رسولا وقصرنا الامر عليك اجلالا لشأنك واعظاما لاجرك وتفضيلا لك على سائر الرسل: وبالفارسية [اما بجهت تعظيم وعلو مكان تو نبوت را بر تو ختم كرديم وترا بر كافه مردمان تا بروز قيامت مبعوث ساختيم]. قال فى التأويلات النجمية يشير الى كمال القدرة والحكمة وعزة النبى عليه السلام وتأديب الخواص. اما القدرة فاظهر انه قادر على مايشاء وليس الامر كما زعم الفلاسفة والطبايعية ان ظهور ارباب النبوة يتعلق بالقرانات والاتصالات فحسب بل يتعلق بالقدرة كيف يشاء وما يشاء، والذى يدل على بطلان اقاويلهم وصحة ما قلنا ماروى ان موسى عليه السلام تبرّم وقتا بكثرة ما كان يسأل فاوحى الله فى ليلة واحدة الى الف نبى من بنى اسرائيل فاصبحوا رسلا وتفرق الناس عن موسى عليه السلام فضاق قلب موسى وقال يارب انى لم اطق ذلك فقبض الله ارواحهم فى ذلك اليوم. واما الحكمة فقد اقتضت قلة الانبياء فى زمان واحد اظهارا لعزتهم فان فى الكثرة نوعا من الازراء وايضا فها احتمال غيرة البعض على البعض كما غار موسى على تلك الانبياء فاماتهم الله تعالى عزة لموسى عليه السلام. واما عزة النبى عليه السلام فبانفراده فى النبوة فى زمانه واختصاصه بالفضيلة على الكافة وارساله الى الجملة ونسخ الشرائع بشريعته وختم النبوة به وحفظ كتابه عن النسخ والتغيير والتحريف واقامة ملته الى قيام الساعة. واما تأديب الخواص فبقوله {ولو شئنا لبعثنا فى كل قرية نذيرا} اذ نوع تأديب للنبى عليه السلام بادق اشارة كما قال {أية : ولئن شئنا لنذهبن بالذى اوحينا اليك}تفسير : فالقصد ان يتأدب به خواص عباده وان يكونوا معصومين من رؤية الاعمال والعجب بها انتهى: يعنى [مقصود آنست كه رب العزة ميخواهد تادوستان وخواص بند كان خود بيوسته معصوم دارد از آنكه ايشانرا باخود التفاتى بود ياباروش خويش نظرى كنند].

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {ولو شئنا لبَعَثْنَا في كل قريةٍ نذيراً} أي: رسولاً يُنذر أهلها، ولقسمنا النذر بينهم كما قسمنا المطر، فيخف عليك أعباء النبوة، ولكنا لم نشأ ذلك؛ فحملناك ثقل نذارة جميع القرى، حسبما نطق به قوله تعالى: {أية : لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} تفسير : [الفرقان: 1]؛ لتستوجب بذلك الدرجة القصوى، وتفضل على سائر الرسل والأنبياء، {فلا تُطع الكافرين} فيما يدعونك إليه من موافقتهم ومداهنتهم. وكما آثرْتُك على جميع الأنبياء فآثر رضاي على جميع الأهواء، وكأنه نهى للرسول صلى الله عليه وسلم عن المداراة معهم، والتقصير في الدعوة؛ لئلا تغلبه الشفقة عن مقابلتهم بصريح الحق. قال القشيري: {فلا تُطع الكافرين} أي: كُنْ قائماً بحقِّنا، من غير أن يكون منك جنوحٌ إلى غيرنا، أو مبالاةٌ بسوانا، فإنا نَعْصِمُكَ بكل وجهٍ، ولا نرفع عنكَ ظِلَّ عنايتنا بحالٍ. هـ. {وجاهِدْهُمْ به} أي: بالقرآن؛ بأن تقرأ عليهم ما فيه من الزواجر والقوارع والمواعظ، وذكر أحوال الأمم الهالكة، {جهاداً كبيراً}؛ عظيماً موقعه عند الله؛ لما يتحمل فيه من المشاق، فإن دعوة كُلِّ العالمين، على الوجه المذكور، جهاد كبير، أو: (جاهدهم به)؛ بالشدة والعنف؛ من غير مداراة ولا ملاينة، فَكِبَرُ الجهادِ هو ملابسته بالشدة والعنف، كقوله: {أية : جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ} تفسير : [التوبة: 73]. والله تعالى أعلم. الإشارة: الإنذار والوعظ بالمقال مع الهمة والحال عزيز الوجود، فقلَّ أن يجتمع منهم، في العصر الواحد، ثلاثة أو أربعة في الإقليم الكبير؛ لأن الله تعالى لم يشأ ذلك بحكمته، قال تعالى: {ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً}، وكلما قَلَّ عددهم، وعظُم الانتفاع بهم، عظُم قدرهم، فينبغي للمذكِّر أن يُذكِّر كلاًّ بما يليق به، فأهل العصيان ينبغي له أن يشدد في الإنذار، ولا يداريهم ولا يداهنهم. وأهل الطاعة ينبغي له أن يُبشِّرهم ويسهل الأمر عليهم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : يَسِّروا ولا تُعَسِّروا، وبَشِّروا ولا تُنَفِّرُوا"تفسير : ، فيحتاج المذكِّر إلى فطنة وفراسة، حتى يعطي كل واحد ما يليق به، ويخاطب كل واحد بما يطيقه. وبالله التوفيق. ثم ذكر دليلاً آخر على كمال قدرته، فقال: {وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ...}

الطوسي

تفسير : يقول الله تعالى {لو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً} يخوفهم بالله ويحذرهم من معاصيه. والمعنى: لو شئنا لقسمنا النذر بينهم، كما قسمنا الأمطار بينهم، ففي ذلك اخبار عن قدرته على ذلك، لكن دبرنا على ما اقتضته مصلحتهم، وما هو أعود عليهم في دينهم ودنياهم. وفيه امتنان على النبي (صلى الله عليه وسلم) بأنا {لو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً} فيخف عنك كثير من عبء ما حملته، لكنا حملناك ثقل أوزار جميع القرى لتستوجب بصبرك عليه إذا صبرت عظيم المنزلة وجزيل الكرامة. والنذير هو الداعي الى ما يؤمن معه الخوف من العقاب، والانذار الاعلام بموضع المخافة. والنذر عقد البر على انتفاء الخوف، يقال تناذر القوم تناذراً إذا انذر بعضهم بعضاً. ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وسلم) {فلا تطع الكافرين} يا محمد بالاجابة الى ما يريدون {وجاهدهم} في الله {جهاداً كبيراً} شديداً، والهاء في قوله {به} عائدة الى القرآن - في قول ابن عباس والحسن - وقال الحسن: معنى {فلا تطع الكافرين} لا تطعهم فيما يصرفك عن طاعة الله. وقيل: فلا تطعهم بمعاونتهم فيما يريدونه مما يبعد عن دين الله، وجاهدهم بترك طاعتهم. ثم عاد تعالى الى تعديد نعمه عليهم فقال {وهو الذي مرج البحرين} ومعناه أرسلهما في مجاريهما، كما ترسل الخيل فى المرج، فهما يلتقيان، فلا يبغي الملح على العذب ولا العذب على الملح، بقدرة الله. والعذب الفرات: وهو الشديد العذوبة، والملح الاجاج يعني المر. ثم قال {وجعل بينهما برزخاً} أي حاجزاً يمنع كل واحد منهما من تغيير الآخر {وحجراً محجوراً} معناه يمنع أن يفسد احدهما الآخر. وقال المبرد: شبه الخلط بحجر البيت الحرام. وأصل المرج الخلط ومنه قوله {أية : في أمر مريج} تفسير : أي مختلط. وفى الحديث: حديث : مرجت عهودهم تفسير : أي اختلطت، وسمي المرج بذلك، لانه يكون فيه اخلاط من الدواب. ومرجت دابتك إذا ذهبت بتخليتك حيث شاءت قال الراجز: شعر : رعى بها مرج ربيع ممرجاً تفسير : و {مرج البحرين} معناه خلا بينهما، تقول: مرجت الدابة وأمرجتها إذا خليتها ترعى. ثم قال تعالى {وهو الذي خلق من الماء بشراً} يعني من النطفة. وقيل الماء الذي خلق الله منه آدم بشراً أي انساناً، فجعل ذلك الانسان {نسباً وصهراً} فالنسب ما رجع الى ولادة قريبة، والصهر خلطة تشبه القرابة. وقيل الصهر المتزوج بنت الرجل او اخته. وقال الفراء: النسب الذي لا يحل نكاحه، والصهر النسب الذي يحل نكاحه، كبنات العم، وبنات الخال ونحوهما. وقيل: النسب سبعة أصناف ذكرهم الله فى {حرمت عليكم أمهاتكم...} الى قوله {وبنات الأخت}. والصهر خمسة أصناف ذكرهم في {أية : أمهاتكم اللاتي أرضعنكم...} تفسير : الى قوله {أية : وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم} تفسير : ذكره الضحاك. وقوله {وكان ربك قديراً} أي قادراً على جميع ما انعم به عليكم. ثم اخبر عن الكفار فقال {ويعبدون من دون الله} الاصنام والاوثان التي لا تنفعهم ولا تضرهم، لان العبادة ينبغي أن توجه الى من يملك النفع والضر مطلقاً. ثم قال {وكان الكافر على ربه ظهيراً} قال الحسن ومجاهد وابن زيد: يظاهر الشيطان على معصية الله. وقيل: {ظهيراً} معناه هيناً كالمطرح. والاول هو الوجه. وقيل: معنى {ظهيراً} معيناً. ووصف الاصنام بأنها لا تضرّ ولا تنفع، يدل على بطلان فعل الطباع، لانها موات مثلها. والفعل لا يصح إلا من حي قادر.

الجنابذي

تفسير : لكن لم نشأ لعدم اقتضاء الحكمة ذلك فانّ توحيد الرّسول (ص) تفخيم لشأنه وتوحيد لجهة توجّه الخلق وفى هذا التّوحيد اصلاحهم وتكميلهم.

الهواري

تفسير : قوله: {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً} أي: رسولاً {فَلاَ تُطِعِ الكَافِرِينَ} أي: فيما ينهونك عنه من طاعة الله. {وَجَاهِدْهُم بِهِ} أي: بالقرآن {جِهَاداً كَبِيراً} أي: شديداً. وهذا الجهاد إنما هو باللسان يومئذ بمكة قبل أن يؤمر بقتالهم. قوله: {وَهُوَ الذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ} أفاض أحدهما على الآخر في تفسير مجاهد، يعني العذب والمالح. {هذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ} أي: حلو {وَهذَا مِلْحُ أُجَاجٌ} أي: مر. {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً} أي: حاجزاً لا يغلب المالح على العذب ولا العذب على المالح في تفسير مجاهد. قوله: {وَحِجْراً مَّحْجُوراً} أي: حراماً محرماً أن يغلب أحدهما على الآخر. وقال الحسن: فصلاً مفصّلاً. قوله: {وَهُوَ الذِي خَلَقَ مِنَ المَآءِ بَشَراً} أي: خلق الله آدم من الطين، والطين كان من الماء {فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً} قال بعضهم ذكر الله الصهر مع النسب، وحرّم الله من النسب سبع نسوة وحرّم من الصهر سبع نسوة. قال:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} فلا يتزوّج الرجل أمّه ولا أمّ امرأته، ولا يجمع بينهما ولا يتزوّجها بعدها، ولا ابنته ولا ابنة امرأته، إلا أن يكون دخل بأمها، فإنه يتزوّجها بعدها، ولا يجمع بينهما. قال:{وَأَخَوَاتُكُمْ} فلا يتزوّج أخته ولا أخت امرأته، ولا يجمع بين الأختين. قال: {وَعَمَّاتُكُمْ} فلا يتزوّج عمّته ولا عمّة امرأته، لا يجمع بين امرأته وعمّتها. قال:{وَخَالاَتُكُمْ} فلا يتزوج خالته ولا خالة امرأته، لا يجمع بين امرأته وخالتها. قال: {وَبَنَاتُ الأَخِ} فلا يتزوّج الرجل ابنة أخيه ولا ابنة أخي امرأته، لا يجمع بين امرأته وابنة أخيها. قال: (أية : وَبَنَاتُ الأُخْتِ) تفسير : [النساء: 23] فلا يتزوّج الرجل ابنة أخته ولا ابنة أخت امرأته، لا يجمع بين امرأته وبين بنت أختها. فهذه أربع عشرة نسوة حرّمهن الله، سبع من النسب، وسبع من الصهر. قال: {وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً} أي: قادراً على كل شيء.

اطفيش

تفسير : {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً} نبيا ينذر اهلها فيخف عليك ثقل الرسالة لكن ارسلناك للناس كافة تعظيما لك وايثار بالاجر العظيم فقابل ذلك بالثبات والاجتهاد في الدعوة واظهار الحق.

اطفيش

تفسير : {ولو شئنا لبعَثْنا فى كلِّ قريةٍ} كما قسمنا الماء بين الناس {نذيراً} نبياً ينذرها، ولكن أفردناك إجلالا لك، كما أنه لا نبى بعدك إلا جار على دينك، فالياس والخضر معك وبعدك، وعيسى بعدك جارون على دينك، ومن دينك إسقاط قبول الجزية على أهل الكتاب إذا نزل عيسى.

الالوسي

تفسير : نبياً ينذر أهلها فتخف عليك أعباء النبوة لكن لم نشأ ذلك وقصرنا الأمر عليك إجلالاً لك وتعظيماً.

ابن عاشور

تفسير : جُملة اعتراض بين ذكر دلائل تفرد الله بالخَلق وذكر منّته على الخَلق. ومناسبة موقع هذه الجملة وتفريعِها بموقع الآية التي قبلها خفيَّة. وقال ابن عطية في قوله {ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً}: اقتضاب يدل عليه ما ذكر. تقديره: ولكنّا أفردناك بالنذارة وحمَّلْناك {فلا تطع الكافرين} اهــــ. فإن كان عنى بقوله: اقتضابٌ، معنى الاقتضاب الاصطلاحي بين علماء الأدب والبيان، وهو عدم مراعاة المناسبة بين الكلام المنتقَل منه والكلام المنتقَل إليه، كان عدولاً عن التزام تطلب المناسبة بين هذه الآية والآية التي قبلها، وليس الخلوّ عن المناسبة ببِدْع فقد قال صاحب «تلخيص المفتاح» «وقد يُنقل منه (أي مما شبِّب به الكلام) إلى ما لا يلائمه (أي لا يناسب المنتقل منه) ويسمى الاقتضابَ وهو مذهب العرب ومن يليهم من المُخَضْرمين» الخ. وإذا كان ابن عطية عنى بالاقتضاب معنى القطع (أي الحذف من الكلام) أي إيجاز الحذف كما يشعر به قوله «يدل عليه ما ذُكر تقديره إلخ»، كأن لم يعرج على اتصال هذه الآية بالتي قبلها. وفي «الكشاف»: «ولو شئنا لخففنا عنك أعباء نِذارة جميع القرى ولبعثنا في كل قرية نبيئاً يُنذرها، وإنما قصرْنا الأمر عليك وعظَّمناك على سائر الرسل (أي بعموم الدعوة) فقابِل ذلك بالتصبر» اهــــ. وقد قال الطِّيبي: «ومدار السورة على كونه صلى الله عليه وسلم مبعوثاً إلى الناس كافة ولذلك افتتحت بما يُثبت عموم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم إلى جميع الناس بقوله تعالى: {أية : لِيكونَ للعالمين نذيراً}تفسير : [الفرقان: 1]. وليس في كلام «الكشاف» والطيبي إلاّ بيانُ مناسبة الآية لِمهمّ أغراض السورة دون بيان مناسبتها للتي قبلها. والذي أختاره أن هذه الآية متصلة بقوله تعالى: {أية : وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملةً واحدة}تفسير : [الفرقان: 32] الآية، فبعد أن بيّن إبطال طعنهم فقال: {أية : كذلك لِنُثَبِّتَ به فؤادك}تفسير : [الفرقان: 32] انتقل إلى تنظير القرآن بالكتاب الذي أوتيه موسى عليه السلام وكيف استأصل الله من كذبوه، ثم استطرد بذكر أمم كذبوا رسلهم، ثم انتقل إلى استهزاء المشركين بالنبي صلى الله عليه وسلم وأشار إلى تحَرج النبي صلى الله عليه وسلم من إعراض قومه عن دعوته بقوله: {أية : أرأيت مَن اتخذ إلههُ هواه أفأنت تكون عليه وكيلاً}تفسير : [الفرقان: 43]. وتسلسل الكلام بضرب المَثَل بمَدّ الظل وقبضِه، وبحال اللّيل والنّهار، وبإرسال الرياح، أمارة على رحمة غيثه الذي تحيا به الموات حتى انتهى إلى قوله: {ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً} ويؤيد ما ذكرنا اشتمال التفريع على ضمير القرآن في قوله {وجاهدهم به}. ومما يزيد هذه الآية اتصالاً بقوله تعالى: {أية : وقال الذين كفروا لولا نزّل عليه القرآن جملة واحدة}تفسير : [الفرقان: 32] أن في بعث نذير إلى كل قرية ما هو أشدّ من تنزيل القرآن مُجَزَّأً؛ فلو بعَث الله في كل قرية نذيراً لقال الذين كفروا: لولا أرسل رسولٌ واحد إلى الناس جميعاً فإن مطاعنهم لا تقف عند حد كما قال تعالى: {أية : ولو جعلناه قرآنا أعجمياً لقالوا لولا فُصِّلت آياتُه أأعجمي وعَربي} تفسير : في سورة حم فصلت (44). وتفريع {فلا تطع الكافرين} على جملة {ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً} لأنها تتضمن أنه مرسل إلى المشركين من أهل مكة وهم يطلبون منه الكف عن دعوتهم وعن تنقُّص أصنامهم. والنهي مستعمل في التحذير والتذكير، وفعل {تطع} في سياق النهي يفيد عموم التحذير من أدنى طاعة. والطاعة: عمل المرء بما يُطلب منه، أي فلا تَهِن في الدعوة رعياً لرغبتهم أن تلين لهم. وبعد أن حذره من الوهن في الدعوة أمره بالحرص والمبالغة فيها. وعبر عن ذلك بالجهاد وهو الاسم الجامع لمنتهى الطاقة. وصيغة المفاعلة فيه ليفيد مقابلة مجهودهم بمجهوده فلا يهن ولا يضعف ولذلك وصف بالجهاد الكبير، أي الجامع لكل مجاهدة. وضمير {به} عائد إلى غير مذكور: فإما أن يعود إلى القرآن لأنه مفهوم من مقام النِّذارة، وإما أن يعود إلى المفهوم من «لا تطع» وهو الثبات على دعوَته بأن يعصيهم، فإن النهي عن الشيء أمرٌ بضده كما دل عليه قول أبي حيّة النميري:شعر : فقُلن لها سِرّاً فدينَاكِ لا يرحْ صحيحاً وإنْ لم تقتلِيه فألمم تفسير : فقابل قوله: «لا يرح صحيحاً» بقوله: «وإن لم تقتليه فألمم» كأنه قال: فديناك فاقتليه. والمعنى: قاومهم بصبرك. وكِبر الجهاد تكريره والعزم فيه وشدّة ما يلقاه في ذلك من المشقة. حديث : وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه عند قفوله من بعض غزواته «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر». قالوا: «وما الجهاد الأكبر»؟ ــــ قال: «مُجاهدة العبد هَواه»تفسير : . رواه البيهقي بسند ضعيف.

الشنقيطي

تفسير : المعنى: لو شئنا لخففنا عنك أعباء الرسالة، وبعثنا في كل قرية نذيراً يتولى مشقة إنذارها عنك: أي ولكننا اصطفيناك، وخصصناك بعموم الرسالة لجميع الناس، تعظيماً لشأنك، ورفعاً من منزلتك، فقابل ذلك بالاجتهاد والتشدد التام في إبلاغ الرسالة ولا تطع الكافرين الآية. وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من اصطفائه صلى الله عليه وسلم بالرسالة لجميع الناس، جاء موضحاً، في آيات كثيرة كقوله تعالى: {أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} تفسير : [الأعراف: 158] وقوله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ} تفسير : [سبأ: 28] وقوله: {أية : وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ} تفسير : [الأنعام: 19]. وقوله: {أية : وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ ٱلأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ} تفسير : [هود: 17] الآية. وقد قدمنا إيضاح هذا في أول هذه السورة الكريمة في الكلام على قوله تعالى: {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} تفسير : [الفرقان: 1] وقوله: {فَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ} ذكره أيضاً في غير هذا الموضع. كقوله تعالى: {أية : فَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ} تفسير : [الأحزاب: 48] الآية. قوله: {أية : وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً} تفسير : [الإنسان: 24] وقوله: {أية : وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ} تفسير : [الكهف: 28] الآية وقوله تعالى: {أية : وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ} تفسير : [القلم: 10]. وقوله في هذه الآية الكريمة: وجاهدهم به: أي بالقرآن كما روي عن ابن عباس. والجهاد الكبير المذكور في هذه الآية هو المصحوب بالغلظة عليهم، كما قال تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ ٱلْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً} تفسير : [التوبة: 123] الآية. وقال تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ} تفسير : [التوبة: 73] وقوله تعالى: {فَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ}، من المعلوم أنه صلى الله عليه وسلم، لا يطيع الكافرين ولكنه يأمر، وينهى ليشرع لأمته على لسانه كما أوضحناه في سورة بني إسرائيل.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: لبعثنا في كل قرية نذيراً: أي رسولاً ينذر أهلها عواقب الشرك والكفر. وجاهدهم به جهاداً كبيراً: أي بالقرآن جهاداً كبيراً تبلغ فيه أقصى غاية جهدك. مرج البحرين: أي خلط بينهما وفي نفس الوقت منع الماء الملح أن يفسد الماء العذب. وجعل بينهما برزخاً: أي حاجزاً بين الملح منهما والعذب. وحجراً محجوراً: أي وجعل بينهما سداً مانعاً فلا يحلو الملح، ولا يملح العذب. خلق من الماء بشراً: أي خلق من الماء الإِنسان والمراد من الماء النطفة. فجعله نسباً وصهراً: أي ذكراً وأنثى أي نسباً ينسب إليه، وصهراً يصهر إليه أي يتزوج منه. ما لا يضرهم ولا ينفعهم: أي أصناماً لا تضر ولا تنفع. وكان الكافر على ربه ظهيرا: أي معيناً للشيطان على معصية الرحمن. معنى الآيات: ما زال السياق في تعداد مظاهر الربوبية المستلزمة للتوحيد قال تعالى {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً} أي في كل مدينة نذيراً أي رسولاً ينذر الناس عواقب الشرك والكفر، ولكنا لم نشأ لحكمة اقتضتها ربوبيتنا وهي أن تكون أيها الرسول أفضل الرسل وأعظم منزلة وأكثرهم ثواباً فحبوناك بهذا الفضل فكنت رسول كل القرى أبيضها وأسودها فاصبر وتحمل، واذكر شرف منزلتك {فَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ} في أي أمر أرادوه منك {وَجَاهِدْهُمْ} به أي بالقرآن وكله حجج وبينات جهاداً كبيراً تبلغ فيه أقصى جهدك. بعد هذه الجملة الاعتراضية من الكلام الإِلهي قال تعالى مواصلاً ذكر مظاهر ربوبيته تعالى على خلقه. {وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ} الملح والعذب أي أرسلهما مع بعضهما بعضاً {هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ} أي حلو {أية : سَآئِغٌ شَرَابُهُ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} تفسير : [فاطر: 12] أي لا يشرب {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً} أي ساتراً مانعاً من اختلاط العذب بالملح مع وجودهما في مكان واحد، فلا يبغي هذا على هذا بأن يعذب الملح أو يملح العذب. وقوله تعالى {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلْمَآءِ بَشَراً} أي من المني ونطفته خلق الإِنسان وجعله ذكراً وأنثى وهو معنى قوله نسباً وصهراً أي ذوي نسب ينسب إليهم وهم الذكور، وذوات صهر يصاهر بهن وهن الإِناث. وقوله تعالى: {وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً} أي على فعل ما يريده من الخلق والإِيجاد أو التحويل والتبديل، والسلب والعطاء هذه مظاهر الربوبية المقتضية لعبادته وتوحيده والمشركون يعبدون من دونه أصناماً لا تنفعهم إن عبدوها، ولا تضرهم إن لم يعبدوها وذلك لجهلهم وظلمة نفوسهم فيعبدون الشيطان إذ هو الذي زين لهم عبادة الأصنام وبذلك كان الكافر على ربه ظهيرا إذ بعبادته للشيطان يعينه على معصية الرب تبارك وتعالى وهو معنى قوله تعالى، ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم وكان الكافر على ربه ظهيرا. أي معيناً للشيطان على الرحمن والعياذ بالله تعالى. وقوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً} يقول تعالى لرسوله إنا لم نرسلك لغير بشارة المؤمنين بالجنة ونذارة الكافرين بالنار أما هداية القلوب فهي إلينا من شئنا هدايته اهتدى ومن لم نشأها ضل. إلا أن الله يهدي ويضل حسب سنن له قد مر ذكرها مرات. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- الإشارة إلى الحكمة في عدم تعدد الرسل في زمن البعثة المحمدية والاكتفاء بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم. 2- حرمة طاعة الكافرين في أمور الدين والشرع. 3- من الجهاد جهاد الكفار والملاحدة بالحجج القرآنية والآيات التنزيلية. 4- مظاهر العلم والقدرة الإِلهية في عدم اختلاط البحرين مع وجودهما في مكان واحد. وفي خلق الله تعالى الإنسان من ماء وجعله ذكراً وأنثى للتناسل وحفظ النوع. 5- التنديد بالمشركين والكافرين المعينين للشيطان على الرحمن.

د. أسعد حومد

تفسير : (51) - ولو شاءَ اللهُ لَبَعَثَ في كلِّ قَرْيَةٍ رَسُولاً، يَدْعُوهُمْ إلى اللهِ تعالى، ولكنَّهُ خَصَّ رَسولَهُ مُحمداً بِالْبِعْثَةِ إلى جميعِ أَهْلِ الأرضِ، وأمَرَهُ بأنْ يُبْلِّغَهُمْ هذا القُرآنَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : يريد الحق - تبارك وتعالى - أن يمتنّ على رسوله صلى الله عليه وسلم مِنَّةَ، فيقول له: المسألة ليست قلةَ رسل عندنا حتى نرسل رسولاً للناس كافة وللزمن كله، ونحن نستطيع أن نُخفِّف عنك ونبعث في كل قرية رسولاً يُخفِّف عنك عبء الرسالة، لكنّا نريد لك أنْ تنال شرف الجهاد وشرف المكافحة، فجمعناها كلها لك إلى أنْ تقوم الساعة. ونستفيد من هذه المسألة أن الحق - سبحانه وتعالى - حين يَهَبُ الطاقات لا يعنى هذا أن الطاقة هي التي تحكم قدرته في الأمر أن يبعث في كل قرية رسولاً، إنما يقدر أن يرسل رسولاً ويعطيه طاقة تتحمل هذا كله. ثم يقول الحق سبحانه: {فَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى عن نفوذ مشيئته وأنه لو شاء لبعث في كل قرية نذيرا، أي: رسولا ينذرهم ويحذرهم فمشيئته غير قاصرة عن ذلك، ولكن اقتضت حكمته ورحمته بك وبالعباد -يا محمد- أن أرسلك إلى جميعهم أحمرهم وأسودهم عربيهم وعجميهم إنسهم وجنهم. { فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ } في ترك شيء مما أرسلت به بل ابذل جهدك في تبليغ ما أرسلت به. { وَجَاهِدْهُمْ } بالقرآن { جِهَادًا كَبِيرًا } أي: لا تبق من مجهودك في نصر الحق وقمع الباطل إلا بذلته ولو رأيت منهم من التكذيب والجراءة ما رأيت فابذل جهدك واستفرغ وسعك، ولا تيأس من هدايتهم ولا تترك إبلاغهم لأهوائهم.