Verse. 2908 (AR)

٢٥ - ٱلْفُرْقَان

25 - Al-Furqan (AR)

وَہُوَالَّذِيْ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ ھٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَّھٰذَا مِلْحٌ اُجَاجٌ۝۰ۚ وَجَعَلَ بَيْنَہُمَا بَرْزَخًا وَّحِجْرًا مَّحْجُوْرًا۝۵۳
Wahuwa allathee maraja albahrayni hatha AAathbun furatun wahatha milhun ojajun wajaAAala baynahuma barzakhan wahijran mahjooran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وهو الذي مرج البحرين» أرسلهما متجاورين «هذا عذبٌ فرات» شديد العذوبة «وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ» شديد الملوحةِ «وجعل بينهما برزخا» حاجزا لا يختلط أحدهما بالآخر «وحجرا محجورا» سترا ممنوعا به اختلاطهما.

53

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا هو النوع الرابع من دلائل التوحيد وقوله: {مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ } أي خلاهما وأرسلهما يقال: مرجت الدابة إذا خليتها ترعى، وأصل المرج الإرسال والخلط، ومنه قوله تعالى: { أية : فَهُمْ فِى أَمْرٍ مَّرِيجٍ } تفسير : [ق: 5] سمى الماءين الكبيرين الواسعين بحرين. قال ابن عباس: مرج البحرين، أي أرسلهما في مجاريهما كما ترسل الخيل في المرج وهما يلتقيان، وقوله: {هَـٰذَا عَذَبٌ فُرَاتٌ } والمقصود من الفرات البليغ في العذوبة حتى (يصير) إلى الحلاوة، والأجاج نقيضه، وأنه سبحانه بقدرته يفصل بينهما ويمنعهما التمازج، وجعل من عظيم اقتداره برزخاً حائلاً من قدرته، وههنا سؤالات: السؤال الأول: ما معنى قوله: {وَحِجْراً مَّحْجُوراً }؟ الجواب: هي الكلمة التي يقولها المتعوذ وقد فسرناها، وهي ههنا واقعة على سبيل المجاز، كأن كل واحد من البحرين يتعوذ من صاحبه ويقول له حجراً محجوراً، كما قال: { أية : لاَّ يَبْغِيَانِ } تفسير : [الرحمٰن: 20] أي لا يبغي أحدهما على صاحبه بالممازجة فانتفاء البغي (ثمة) كالتعوذ، وههنا جعل كل واحد منهما في صورة الباغي على صاحبه، فهو يتعوذ منه وهي من أحسن الاستعارات. السؤال الثاني: لا وجود للبحر العذب، فكيف ذكره الله تعالى ههنا؟ لا يقال: هذا مدفوع من وجهين: الأول: أن المراد منه الأودية العظام كالنيل وجيحون الثاني: لعله جعل في البحار موضعاً يكون أحد جانبيه عذباً والآخر ملحاً، لأنا نقول: أما الأول فضعيف لأن هذه الأودية ليس فيها ملح، والبحار ليس فيها ماء عذب، فلم يحصل ألبتة موضع التعجب وأما الثاني فضعيف، لأن موضع الاستدلال لا بد وأن يكون معلوماً، فأما بمحض التجويز فلا يحسن الاستدلال، لأنا نقول المراد من البحر العذب هذه الأودية، ومن الأجاج البحار الكبار، وجعل بينهما برزخاً، أي حائلاً من الأرض، ووجه الاستدلال ههنا بين، لأن العذوبة والملوحة إن كانت بسبب طبيعة الأرض أو الماء، فلا بد من الاستواء، وإن لم يكن كذلك فلا بد من قادر حكيم يخص كل واحد من الأجسام بصفة خاصة معينة.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ} عاد الكلام إلى ذكر النعم. و{مَرَجَ} خَلَّى وخلط وأرسل. قال مجاهد: أرسلهما وأفاض أحدهما في الآخر. قال ابن عرفة: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ} أي خلطهما فهما يلتقيان؛ يقال: مرجته إذا خلطته. ومَرِج الدينُ والأمر اختلط واضطرب؛ ومنه قوله تعالى: {أية : فِيۤ أَمْرٍ مَّرِيجٍ}تفسير : [قۤ: 5]. ومنه حديث : قوله عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عمرو بن العاصي: «إذا رأيتَ الناس مَرِجت عهودهم وخفّت أماناتهم وكانوا هكذا وهكذا» وشبك بين أصابعه فقلت له: كيف أصنع عند ذلك، جعلني الله فداك! قال: «الزم بيتك واملِك عليك لسانك وخذ بما تعرِف ودع ما تنكر وعليك بخاصة أمر نفسك ودع عنك أمر العامة»تفسير : خرجه النسائي وأبو داود وغيرهما. وقال الأزهريّ: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ} خلّى بينهما؛ يقال: مَرَجتُ الدابة إذا خليتها ترعى. وقال ثعلب: المرج الإجراء؛ فقوله: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ} أي أجراهما. وقال الأخفش: يقول قوم أمرج البحرين مثل مرج فعل وأفعل بمعنًى. {هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ} أي حلو شديد العذوبة. {وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} أي فيه ملوحة ومرارة. وروي (عن) طلحة أنه قرأ: «وَهَذَا مَلِحٌ» بفتح الميم وكسر اللام. {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً} أي حاجزاً من قدرته لا يغلب أحدهما على صاحبه؛ كما قال في سورة الرحمن {أية : مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ } تفسير : [الرحمن: 19 ـ 20]. {وَحِجْراً مَّحْجُوراً} أي ستراً مستوراً يمنع أحدهما من الاختلاط بالآخر. فالبرزخ الحاجز، والحجر المانع. وقال الحسن: يعني بحر فارس وبحر الروم. وقال ابن عباس وابن جبير: يعني بحر السماء وبحر الأرض. قال ابن عباس: يلتقيان في كل عام وبينهما برزخ قضاء من قضائه. {وَحِجْراً مَّحْجُوراً} حراماً محرّماً أن يعذب هذا الملح بالعذب، أو يملح هذا العذب بالملح.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ } أرسلهما متجاورين {هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ } شديد العذوبة {وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ } شديد الملوحة {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً } حاجزاً لا يختلط أحدهما بالآخر {وَحِجْراً مَّحْجُوراً } أي ستراً ممنوعاً به اختلاطهما.

ابن عطية

تفسير : اضطرب الناس في تفسير هذه الآية فقال ابن عباس أراد بحر السحاب والبحر الذي في الأرض، ورتبت ألفاظ الآية على ذلك، وقال مجاهد البحر العذب هو مياه الأنهار الواقعة في البحر "الأجاج" وقوعها فيه هو مرجها. قال و"البرزخ" و "الحجر" هو حاجز في علم الله لا يراه البشر، وقاله الزجاج، وقالت فرقة معنى {مرج} أدام أحدهما في الآخر، وقال ابن عباس خلى أحدهما على الآخر ونحو هذا من الأقوال التي تتداعى مع بعض ألفاظ الآية، والذي أقول به في الآية إن المقصد بها التنبيه على قدرة الله تعالى وإتقان خلقه للأشياء في أن بث في الأرض مياهاً عذبة كثيرة من أنهار وعيون وآبار، وجعلها خلال الأجاج وجعل الأجاج خلالها، فتلقى البحر قد اكتنفته المياه العذبة في ضفتيه، وتلقى الماء العذب في الجزائر ونحوها قد اكتنفه الماء الأجاج فبثها هكذا في الأرض هو خلطها، وهو قوله {مرج} ومنه مريج أي مختلط مشتبك، ومنه مرجت عهودهم في الحديث المشهور، و"البحران" يريد بهما جميع الماء العذب وجميع الماء الأجاج، كأنه قال مرج نوعي الماء والبرزخ والحجر هو ما بين {البحرين} من الأرض واليبس، قاله الحسن، ومنه القدرة التي تمسكها مع قرب ما بينهما في بعض المواضع. وبكسر الحاء قرأ الناس كلهم هنا والحسن بضم الحاء في سائر القرآن، و"الفرات" الصافي اللذيذ المطعم، و"البرزخ" الحاجز بين الشيئين، وقرأ الجمهور "هذا ملح" وقرأ طلحة بن مصرف "هذا مَلِح" بكسر اللام وفتح الميم، قال أبو حاتم هذا منكر في القراءة، قال ابن جني أراد مالحاً وحذف الألف كبرد وبرد، و"الأجاج" أبلغ ما يكون من الملوحة، وقوله تعالى: {وهو الذي خلق من الماء} الآية، هو تعديد النعمة على الناس في إيجادهم بعد العدم، والتنبيه على العبرة في ذلك وتعديد النعمة في التواشج الذي جعل بينهم من النسب والصهر، وقوله {من الماء} إما أن يريد أصل الخلقة في أن كل حي مخلوق من الماء، وإما أن يريد نطف الرجال وكل ذلك قالته فرقة، والأول أفصح وأبين، و"النسب والصهر" معنيان يعمان كل قربى تكون بين كل آدميين، فــ" النسب" هو أن يجتمع إنسان مع آخر في أب أو في أم قرب ذلك أو بعد، و"الصهر" تواشج المناكحة، فقرابة الزوجة هم الأختان، وقرابة الزوج ثم الأحماء والأصهار يقع عاماً لذلك كله، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه "النسب" ما لا يحل نكاحه "والصهر" ما يحل نكاحه وقال الضحاك "الصهر" قرابة الرضاع. قال القاضي أبو محمد : وذلك عندي وهم أوجبه أن ابن عباس قال حرم من النسب سبع ومن الصهر خمس، وفي رواية أخرى من الصهر سبع يريد قول الله تعالى: {أية : حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت} تفسير : [النساء: 23]، فهذا هو من النسب. ثم يريد بـ"الصهر" قوله تعالى: {أية : وأمهاتكم التي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم التي في حجوركم من نسائكم التي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين} تفسير : [النساء: 23]، ثم ذكر المحصنات، ومجمل هذا أن ابن عباس أراد حرم من الصهر مع ما ذكر معه فقصد مما ذكر إلى عظمه وهو الصهر لأن الرضاع صهر وإنما الرضاع عديل النسب يحرم منه ما يحرم من النسب بحكم الحديث المأثور فيه، ومن روى وحرم من الصهر خمس أسقط من الآية الجمع بين الأختين والمحصنات وهن ذواتي الأزواج، وحكى الزهراوي قولاً أن "النسب" من جهة البنين "والصهر" من جهة البنات. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا حسن وهو في درج ما قدمته، وقال ابن سيرين نزلت هذه الآية في النبي صلى الله عليه وسلم وعلي لأنه جمعه معه نسب وصهر فاجتماعهما وكادة حرمة إلى يوم القيامة. وقوله {وكان ربك قديراً} هي {كان} التي للدوام قبل وبعد لا أنها تعطي مضياً فقط، ثم ذكر تعالى خطأهم في عبادتهم أصناماً لا تملك لهم ضراً ولا نفعاً وقوله {وكان الكافر على ربه ظهيراً} فيه تأويلان: أحدهما أن "الظهير" المعين فتكون الآية بمعنى توبيخهم على ذلك من أن الكفار يعينون على ربهم غيرهم من الكفرة والشيطان بأن يطيعوه ويظاهروه، وهذا هو تأويل مجاهد والحسن وابن زيد، والثاني ذكره الطبري أن يكون "الظهير" فعيلاً، من قولك ظهرت الشيء إذا طرحته وراء ظهرك واتخذته ظهرياً، فيكون معنى الآية على هذا التأويل احتقار الكفرة، و {الكافر} في هذه الآية اسم الجنس وقال ابن عباس بل هو معين أراد به أبا جهل بن هشام. قال الفقيه الإمام القاضي: ويشبه أن أبا جهل سبب الآية ولكن اللفظ عام للجنس كله. وقوله تعالى {وما أرسلناك} الآية تسلية لمحمد صلى الله عليه وسلم أي لا تهتم بهم ولا تذهب نفسك حسرات حرصاً عليهم فإنما أنت رسول تبشر المؤمنين بالجنة وتنذر الكفرة النار ولست بمطلوب بإيمانهم أجمعين، ثم أمره تعالى بأن يحتج عليهم مزيلاً لوجوه التهم بقوله {ما أسألكم عليه من أجر} أي لا أطلب مالاً ولا نفعاً يختص بي، وقوله {إلا من شاء} الظاهر فيه أنه استثناء منقطع، والمعنى مسؤولي ومطلوبي من شاء أن يهتدي ويؤمن ويتخذ إلى رحمة ربه طريق نجاة، قال الطبري المعنى لا أسألكم أجراً إلا إنفاق المال في سبيل الله فهو المسؤول وهو السبيل إلى الرب. قال الفقيه الإمام القاضي: فالاستثناء على هذا كالمتصل، وكأنه قال إلا أجر من شاء والتأويل الأول أظهر.

ابن عبد السلام

تفسير : {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ} أرسل أحدهما في الآخر، أو خلاهما مرجت الشيء خليته، ومرج الوالي الناس تركهم، ومرجت الدابة تركتها ترعى، فهما بحر السماء وبحر الأرض، أو بحر فارس والروم، أو بحر العذب وبحر الملح. {فُرَاتٌ} عذب أو أعذب العذب {أُجَاجٌ} ملح، أو أملح الملح، أو مر، أو حار متوهج من تأجج النار {بَرْزَخاً} حاجزاً من اليبس "ح" أو التخوم، أو الأجل ما بين الدنيا والآخرة. {وَحِجْراً} مانعاً أن يختلط العذب بالمالح.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} مَرَجَ معناه: خَلَطَ. قال * ع *: والذي أقول به في معنى هذه الآية: أَنَّ المقصود بها التنبيهُ على قدرة اللّه تعالى في أنَّ بَثَّ في الأرض مياهاً عذبة كثيرة، جعلها خلال الأُجَاجِ، وجعل الأُجَاجَ خلالها، كما هو مَرْئِيٌّ تجدُ البحر قد اكتنفته المياه العذبة في ضَفَّتِهِ، وتجد الماء العذب في الجزائر ونحوها قد اكتنفه الماء الأُجاج، وكُلٌّ باقٍ على حاله ومطعمه؛ فالبحران: يراد بهما جميعُ الماء العذب، وجميع الماء الأجاجُ، والبرزخ والحجر هو ما بين البحرين من الأرض واليبس؛ قاله الحسن،، والفرات: الصافي اللذيذُ المطعم، والأُجَاجُ أبلغ ما يكون من الملوحة. وقوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلْمَاءِ بَشَراً...} الآية تعديدُ نِعَمٍ على الناس، والنسب: هو أنْ يجتمع إنسان مع آخر في أب أوأمٍّ، والصِّهْرُ هوَ تَوَاشُجِ المناكحة، فقرابة الزوجة هم الأختان، وقرابة الزوج هم الأحماء، والأصهار يقع عاماً لذلك كله. وقوله تعالى: {وَكَانَ ٱلْكَـٰفِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيراً} أي: مُعِيناً؛ يعينون على رَبِّهم غيرهم من الكفرة بطاعتهم للشيطان، وهذا تأويل مجاهد وغيره، والكافر هنا اسم جنس، وقال ابن عباس: هو أبو جهل. قال * ع *: فيُشْبِهُ أَنَّ أبا جهل هو سبب الآية، ولكنَّ اللفظ عام للجنس كله. قلت: والمعنى: على دِينِ رَبِّه ظهيراً. وقوله تعالى: {إِلاَّ مَن شَاءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً} الظاهر فيه: أنَّه استثناءٌ مُنْقَطِعٌ، والمعنى: لكن مسؤولي ومطلوبي مَنْ شاء أَنْ يهتدي ويؤمن، ويتخذ إلى رحمة ربه طريقَ نجاة.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ} الآية. هذا النوع الرابع. في "مَرَجَ" قولان: أحدهما: بمعنى خلط ومرج، ومنه مرج الأمر أي: اختلط قاله ابن عرفة. وقيل: "مرج" أجرى، وأمرج لغة فيه. (و) قيل: مرج لغة الحجاز، وأمْرَجَ لغة نجد، وفي كلام بعض الفصحاء: بحران أحدهما بالآخر مَمْرُوج، وماء العذب منهما بالأجاج ممزوج. وقيل: أرسلهما في مجاريهما وخلاَّهما كما ترسل الخيل في المرج قاله ابن عباس. وأصل المرج الخلط والإرسال يقال: مرجت الدابة وأمرجتها إذا أرسلتها في المرعى وخليتها تذهب حيث تشاء. قوله {هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} هذه الجملة لا محل لها، لأنها مستأنفة جواب لسؤال مقدر كأن قائلاً قال: كيف مرجهما؟ قيل: هذا عذب وهذا ملح. ويجوز على ضعف أن تكون حالية. والفرات: المبالغ في الحلاوة، والتاء فيه أصلية لام الكلمة، ووزنه فعال. وبعض العرب يقف عليها هاء، وهذا كما تقدم في التابوت. ويقال: سمي الماء الحلو فراتاً، لأنه يفرت العطش أي: يشقه ويقطعه والأُجاج: المبالغ في الملوحة، وقيل: في الحرارة، وقيل في المرارة. وهذا من أحسن المقابلة، حيث قال تعالى: {عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} وأنشد بعضهم: شعر : 3877- فَلاَ واللَّهِ لاَ أَنْفَكُّ أَبكي (إلى أَنْ نَلْتَقِي شُعْثاً عُراتَا) أَأُلْحَى إنْ نَزَحْتُ أُجَاجَ عَيْنِي عَلَى جَدَثٍ حَوَى العَذْبَ الفُرَاتَا تفسير : ما أحسن ما كنى عن دمعه بالأجاج، وعن المبكي عليه بالعذب الفرات وكان سبب إنشاد هذين البيتين أن بعضهم لحن قائلهما في قوله: عراتا. كيف يقف على تاء التأنيث المنونة بالألف؟ فقيل له: إنها لغة مستفيضة يجعلون التاء كغيرها فيبدلون تنوينها بعد الفتح ألفاً، حكي عن العرب أكلت تمرتاً نحو أكلت زيتاً. وقرأ طلحة وقتيبة عن الكسائي "مَلِح" بفتح الميم وكسر اللام، وكذا في سورة فاطر، وهو مقصور من (مالح) كقولهم: برد في بارد، قال: شعر : 3878- وَصِلْيانا بَرِدا تفسير : وماء مالح لغة شاذة. وقال أبو حاتم: هذه قراءة منكرة. قوله: "بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً" يجوز أن يكون الظرف متعلقاً بالجعل، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من "بَرْزَخاً". والأول أظهر. ومعنى "بَرْزَخاً" أي: حاجزاً بقدرته لئلا يختلط أحدهما بالآخر. قوله: "وَحِجْراً مَحْجُوراً" الظاهر عطفه على "برزخاً". وقال الزمخشري: (فإن قلت: "حِجْراً مَحْجُوراً") ما معناه؟ قلت هي الكلمة التي يقولها المتعوّذ، وقد فسرناها، وهي هنا واقعة على سبيل المجاز، كأن واحداً من البحرين يقول لصاحبه: حجراً محجوراً كأنه يتعوذ من صاحبه ويقول له: حجراً محجوراً. كما قال: "لا يبغيان". وهي من أحسن الاستعارات. فعلى ما قاله يكون منصوباً بقول مضمر. فإن قيل: لا وجود للبحر العذب، فكيف ذكره الله تعالى هنا؟ لا يقال: هذا مدفوع من وجهين: أحدهما: أن المراد منه الأودية العظام كالنيل وجيحون. الثاني: لعله حصل في البحار موضع يكون أحد جانبيه عذباً والآخر ملحاً، لأنا نقول: أما الأول فضعيف، لأن هذه الأودية ليس فيها ماء ملح، والبحار ليس فيها ماء عذب، فلم يحصل البتة موضع التعجب وأما الثاني فضعيف؛ لأن موضع الاستدلال لا بد وأن يكون معلوماً، وأما بمحض التجويز فلا يحسن الاستدلال. فالجواب: أنا نقول: المراد من البحر العذب هذه الأودية ومن البحر الأجاج البحار الكبار. {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً} أي: حائلاً من الأرض، ووجه الاستدلال هاهنا أن العذوبة والملوحة إن كانت بسبب طبيعة الأرض والماء، فلا بد من الاستواء، وإن لم يكن كذلك فلا بد من قادر حكيم يخص كل واحد من الأجسام بصفة خاصة. ويمكن الجواب بطريق آخر، وهو أنا رأينا نيل مصر داخلاً في بحر ملح أبيض لونه مغاير للون بحر الملح، ولا يختلط به ويؤخذ منه ويشرب.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير عن ابن عباس ‏ {‏وهو الذي مرج البحرين‏}‏ الآية‏.‏ يعني خلع أحدهما على الآخر فليس يفسد العذب المالح، وليس يفسد المالح العذب‏. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏ {‏وهو الذي مرج البحرين‏} ‏ قال‏:‏ أفاض أحدهما في الآخر‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله ‏{‏مرج البحرين‏} ‏ قال‏:‏ بحر في السماء وبحر في الأرض‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء في قوله ‏ {‏فرات‏} ‏ قال‏:‏ العذب‏.‏ وفي قوله ‏ {‏أجاج‏} ‏ قال‏:‏ الاجاج‏:‏ المالح‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏ {‏وهذا ملح أجاج‏} ‏ قال‏:‏ المر‏. وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن ابن عباس قال‏:‏ هما بحران، فتوضأ بأيهما شئت‏.‏ ثم تلا هذه الآية ‏{‏هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج‏}‏‏ .‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله ‏ {‏وجعل بينهما برزخا‏ً} ‏ قال‏:‏ هو اليبس‏.‏ وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏{‏برزخاً‏}‏ قال‏:‏ هو اليبس‏.‏ وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏{‏وجعل بينهما برزخاً‏}‏ قال‏:‏ محبساً لا يختلط البحر العذب بالبحر الملح‏. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏{‏وجعل بينهما برزخا‏ً}‏ قال‏:‏ التخوم‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن مجاهد في قوله ‏ {‏وجعل بينهما برزخاً‏} ‏ قال‏:‏ حاجزاً لا يختلط العذب بالملح، ولا يختلط بحر الروم وفارس‏.‏ وبحر الروم ملح قال ابن جريج‏:‏ فلم أجد بحراً عذباً إلا الأنهار العذاب‏.‏ فإن دجلة تقع في البحر فلا تمور فيه، يجعل فيه بينهما مثل الخيط الأبيض، فإذا رجعت لم يرجع في طريقها من البحر شيء‏.‏ والنيل زعموا ينصب في البحر‏. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الكلبي في قوله ‏ {‏وجعل بينهما برزخاً‏}‏ قال‏:‏ حاجزاً‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏وحجراً محجورا‏ً} ‏ يقول‏:‏ حجر أحدهما عن الآخر بأمره وقضائه‏. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏{‏وحجراً محجورا‏ً} ‏ قال‏:‏ إن الله حجر الملح عن العذب والعذب عن الملح أن يختلط بلطفه وقدرته‏.

السلمي

تفسير : قوله جل جلاله: {وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} [الآية: 53]. قال ابن عطاء رحمه الله: تلاطمت الصفتان فتلاقيا فى قلوب الخلق، وقلوب أهل المعرفة منورة بأنوار الهداية وضيئة بضياء الإقبال، وقلوب أهل النكرة مظلمة بظلمات المخالفات ومعرضة عن سنن التوفيق وبينهما قلوب وهى قلوب العامة ليس لها علم بما يرد عليها، ما يصدر منها ليس معها خطاب، ولا لها جواب. وقال بعض السلف: قلوب الأبرار تغلى بالبر وقلوب الفجار تغلى بالفجور.

القشيري

تفسير : البحر المِلْح لا عذوبة فيه، والعَذْبُ لا ملوحة فيه، وهما في الجوهرية واحد، ولكنه سبحانه - بقدرته - غَايَر بينهما في الصفة، كذلك خَلَقَ القلوبَ؛ بعضُها مَعْدِنُ اليقينِ والعرفانِ، وبعضُها مَحَلُّ الشكِّ والكفران. ويقال أثبت في قلوب المؤمنين الخوف والرجاء، فلا الخوف يغلب الرجاء، ولا الرجاء يغلب الخوف. ويقال خَلَقَ القلوبَ على وصفين: قلبَ المؤمن مضيئاً مشرقاً وقلبَ الكافر أسود مظلماً، هذا بنور الإيمان مُزَيَّن، وهذا بظلمة الجحود مُعَلَّم. ويقال قلوبُ العوام في أسْرِ المطالب ورغائب الحظوظ، وقلوبُ الخواصِّ مُعْتَقَةٌ عن المطالب، مُجَرَّدَةٌ عن رِقِّ الحظوظ.

اسماعيل حقي

تفسير : {وهو الذى مرج البحرين} من مرج الدابة خلاها وارسلها ترعى ومرج امرهم اختلط والبحر الماء الكثير عذبا كان او ملحا عند الاكثر واصله المكان الواسع الجامع للماء الكثير كما فى المفردات. والمعنى خلاهما وارسلهما فى مجاريهما كما يرسل الخيل فى المرج متلاصقين بحيث لا يتماز جان ولا يلتبس احدهما بالآخر ويدل على بعد كل منهما عن الآخر مع شدة التقارب بينهما الاشارة الى كل منهما باداة القرب كما يجيىء ويجوز ان يكون محمولا على المقيد وهو قوله تعالى {أية : مرج البحرين يلتقيان}تفسير : {هذا عذب} حال بتقدير القول اى مقولا فى حقهما هذا عذب اي طيب: وبالفارسية [اين يك اب شيرين] {فرات} قاطع للعطش لغاية عذوبته صفة عذب والتاء اصلية، قال الطيبى سمى بالفرات لأنه يرفت العطش اى يكسره على القلب يعنى يكفى فى اعتبار معنى الكسر اشتقاق الفرات منه بالاشتقاق الكبير كجبذ من الجذب ومنه سمى الفرات نهر الكوفة وهو ونهر عظيم عذب طيب مخرجه من ارمينية وفى الملكوت اصله فى قرية من قرى جابلقا ينحدر الى الكوفة وآخر مصبه بعضا فى دجله وبعضا فى بحر فارس {وهذا ملح} [وان ديكر شور]، قال الراغب الملح الماء الذى تغير طعمه التغير المعروف وتجمد ويقال له ملح اذا تغير طعمه وان لم يتجمد فيقال ماء ملح وقلما تقول العرب ماء مالح {اجاج} بليغ الملوحة صفة الملح قالوا ان الله تعالى خلق ماء البحر مرّا زعاقا اى مرّا غليظا بحيث لا يطاق شربه انزل من السماء ماء عذبا فكل ماء عذب من بئر او نهر او عين فمن ذلك المنزل من السماء واذا اقتربت الساعة بعث الله ملكا معه طست لايعلم عظمه الا الله فجمع تلك المياه فردها الى الجنة. واختلفوا فى ملوحة ماء البحر فزعم قول انه لما طال مكثه واحرقته الشمس صار مرا ملحا واجتذب الهواء مالطف من اجزائه فهو بقية صفته الارض من الرطوبة فغلظ لذلك. وزعم آخرون ان فى البحر عروقا تغير ماء البحر ولذلك صار مرا زعاقا {وجعل بينهما} اى بين البحرين: وبالفارسية [وبساخت ميان اين دودريا] {برزخا} حدا وحاجزا من قدرته غير مرئى {وحجرا محجورا} الحجر بمعنى المنع والمحجور الممنوع وهو صفة الحجر على التأكيد كليل اليل ويوم ايوم وهذه كلمة استعاذة كما سبق فى هذه السورة. والمعنى ههنا على التشبيه اى تنافرا بليغا كأن كلا منهما يتعوذ من الآخر بتلك المقالة ويقول حراما محرما عليك ان تغلب علىّ وتزيل صفتى وكيفيتى، اعلم ان اكثر اهل التفسير حمل البحرين على بحرى فارس والروم فانهما يلتقيان فى البحر المحيط وموضع التقائهما هو مجمع البحرين المذكور فى الكهف ولكن يلزم على هذا ان يكون البحر الاول عذبا والثانى ملحا مع انهم قالوا لا وجود للبحر العذب وذلك لانهما فى الاصل خليجان من المحيط وهو مرّ وان كان اصله عذبا كما قال فى فتح القريب عند قوله تعالى {أية : وكان عرشه على الماء}تفسير : اى العذب فحين خلق الله الارض من زبده جزر المحيط عن الارض فاحاط بالعالم احاطة العين لسوادها فالوجه ان يحمل العذب على واحد من الانهار فان كل نهر عظيم بحر كما فى مختار الصحاح كدجلة نهر بغداد تنصب الى بحر فارس وتدخل فيه وتشقه وتجرى فى خلاله فراسخ لايتغير طعمها كما ان الماء الذى يجرى فى نهر طبرية نصفه بارد ونصفه حار فلا يختلط احدهما بالآخر والاوجه ان يمثل بالنيل المبارك والبحر الاخضر وهو بحر فارس الذى هو شعبة من البحر الهندى الذى يتصل بالبحر المحيط وبحر فارس مرّ فانه صرح فى خريدة العجائب انه يتكون فيه اللؤلؤ وانما يتكون فى الملح وذلك ان بحر النيل يدخل فى البحر الاخضر قبل ان يصل الى بحيرة الزنج ويختلظ به وهو معنى المرج ولولا اختلاطه بملوحته لما قدر احد على شربه لشدة حلاوته كما فى انسان العيون، وذكر بعضهم ان سيحون وجيحون والنيل والفرات تخرج من قبة من زبرجدة خضراء من جبل عال وتسلك على البحر المظلم وهى احلى من العسل واذكى رائحة من المسك ولكنها تتغير المجارى فالبحر الملح على هذا هو بحر الظملة وهو البحر المحيط الغربى ويسمى المظلم لكثرة اهواله وارتفاع امواجه وصعوبته ولا يعلم ما خلفه الا الله تعالى وماقيل ان الماء العذب والماء الملح يجتمعان فى البحر فيكون العذب اسفل والملح اعلى لا يغلب احدهما على الآخر وهو معنى قوله وحجرا محجورا يخالف ما قال بعضهم ان كل الانهار تبتدىء من الجبال وتنصب فى البحار وفى ضمن ممرها بطائح وبحيرات فاذا صبت فى البحر المالح واشرقت الشمس على البحر تصعد الى الجو بخارا وتنعقد غيوما اى ولذا لايزيد ماء البحار بانصباب الانهار فيها فهو يقتضى ان يكون الماء العذب اعلى لا اسفل اذ العذب خفيف والملح ثقيل وميل الخفيف الى الاعلى، وقال وهب ان الحوت والثور يبتلعان ما ينصب من مياه الارض فى البحار فلذا لايزيد ماء البحار فاذا امتلأت اجوافهما من المياه قامت القيامة ولانهاية لقدرة الله تعالى فقد ذكروا ان بحيرة تنيس تصير عذبة ستة اشهر وتصير ملحا اجاجا ستة اشهر كذا دأبها ابدا، قال الكاشفى [محققان برآنندكه بحرين خوف ورجاست كه دردل مؤمن هيج يك برديكرى غلبه نكندكه "لووزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا" وبرزخ حمايت الهى وعنايت نا متناهى] وفى كشف الاسرار البحر الملح لاعذوبة فيه والعذب لا ملوحة فيه وهما فى الجوهرية واحد ولكنه سبحانه بقدرته غاير بينهما فى الصفة كذلك خلق القلوب بعضها معدن اليقين والعرفان وبعضها محل الشك والكفران، وقال بعضهم البحران بحر المعرفة وبحر النكرة فالاول بحر الصفات يفيض لطائفه على الارواح والقلوب والعقول ويستعد به والعارفون والثانى بحر الذات فانه ملح اجاج لا تتناوله العقول والقلوب والارواح اذ لا تسير السيارات فى بحار القدم فهى نكرة وبينهما برزخ المشيئة لا يدخل اهل بحر الصفات بحر الذات ولا يرجع اهل بحر الذات الى بحر الصفات. وايضا قلوب اهل المعرفة منورة بانوار الموافقات وقلوب اهل النكرة مظلمة بظلمة المخالفات وبينهما قلوب العامة ليس لها علم ما يرد عليها وما يصدر منها فليس معها خطاب ولا لها جواب: وفى المثنوى شعر : ماهيانرا بحر نكذارد برون خاكيانرا بحر نكذارد درون اصل ماهى زاب وحيوان ازكلست حيله وتدبير اينجا باطلست قفل زفتست وكشاينده خدا دست درتسليم زن اندر رضا قطره باقلزم جه استيزه كند ابلهست اوريش خود برمى كند تفسير : نسأل الله الفياض الوهاب ان يدخلنا فى بحر فيضه الكثير وعطائه الوفير وهو على ذلك قدير.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: أصل المرج: الخلط والإرسال، ومنه قوله تعالى: {أية : فَهُمْ فِى أَمْرٍ مَّرِيجٍ} تفسير : [ق: 5]، وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كيف بك يا عبدَ اللهِ إذا كنت في حُثَالةٍ من الناس، قد مرجتْ عهودهُمْ وأماناتهمْ، وصاروا هكذا، وشَبَّكَ بين أصابعه".تفسير : يقال: مرج دابته وأمرجتها: إذا أرسلتها في المرعى. ومنه قيل للروضة: مرج. يقول الحق جل جلاله: {وهو الذي مَرَجَ البحرين} أي: أرسلهما، وخَلاَّهُمَا متجاورَيْن متلاصقَيْن غير متمازجَيْن. {هذا عذبٌ فُرَاتٌ} أي شديد العذوبة، قامع للعطش؛ لعذوبته، أي: برودته، {وهذا مِلْحٌ أُجاجٌ}: بليغ الملوحة، أو هذا عذب لا ملوحة فيه، وهذا ملح لا عذوبة فيه، مع اتحاد جنسهما، {وجعل بينهما برزخاً}؛ حائلاً بقدرته، يفصل بينهما ويمنعهما التمازج؛ لئلا يختلطا، {وحِجْراً محجوراً} أي: وستراً ممنوعاً عن الأعين، كقوله: {أية : حِجَاباً مَّسْتُوراً} تفسير : [الإسراء: 45]، أي: جعل بينهما حاجزاً خفياً؛ لئلا يغلب أحدهما الآخر، أو: سداً ممنوعاً يمنعهما فلا يبغيان، ولا يفسد الملحُ العذبَ، ولو خَلاَّ الله تعالى البحر الملح، ولم يلجمه بقدرته، لفاض على الدنيا، واختلط مع العذب وأفسده. ثم ذكر دليلاً آخر، فقال: {وهو الذي خلقَ من الماءِ} أي: النطفة {بَشَراً}؛ إنساناً {فجعله نسباً وصِهْراً}. قسم البشر قسمين: ذوي نسب، أي ذكوراً، ينسب إليهم، فيقال: فلان ابن فلان. وذوات صهر، أي: إناثاً يصاهر بهن، فهو كقوله: {أية : فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ }تفسير : [القيامة: 39]. قال ابن جزي: والنسب: أن يجتمع إنسان مع آخر في أب أو أمّ، قَرُبَ ذلك أو بَعُدَ. والصهر: هو الاختلاط بالتناكح. هـ. وعن علي رضي الله عنه: النسب ما لا يحل نكاحه، والصهر: ما يحل نكاحه. وعن الضحاك ومقاتل: النسب سبعة، والصهر خمسة، ثم قرأ هذه الآية: {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ}تفسير : [النساء: 23]. فالسبعة الأولى: نسب، والباقي: صهر. هـ. والأصح أن التسعة نسب، والباقي صهر. {وكان ربك قديراً}؛ حيث خلق من النطفة الواحدة بشراً ذا نوعين، ذكراً وأنثى، أو: حيث خلق من مادة واحدة بشراً ذا أعضاء مختلفةٍ وطباعٍ متباعدة، وجعله قسمين متقابلين؛ ذكراً وأنثى. {ويعبدون من دون الله}؛ بعد هذا البرهان الواضح على توحيده، {ما لا ينفعُهم} إن عبدوه، {ولا يضرُّهم} إن تركوه، وهم الأصنام، أو كل من عبد من دون الله؛ إذ المخلوق كله عاجز، {وكان الكافر على ربه}، الذي ذكر آثار قدرته ودلائل ربوبيته، {ظَهِيراً}؛ مُعِيناً، يظاهر الشيطان ويعينه على الكفر والعصيان. والمعنى: أن الكافر؛ بعبادة الصنم، يتابع الشيطان ويُعاونه على معصية الرحمن. وقال ابن عرفة: أي: مظاهراً لأعداء الله على أولياء الله، فتلك إعانته. هـ. الإشارة: مَرج البحرين؛ بحر الشريعة وبحر الحقيقة، فبحر الشريعة عذب فرات؛ لأنه سهل المدارك، يناله الخاص والعام، وبحر الحقيقة ملح أجاج؛ لأنه لا يناله إلا من ذاق مرارة فطام النفس من هواها، ومجاهدتها في ترك مُنَاها، حتى تموت ثم تحيا، فحينئذٍ تتلذذ بمشاهدة مولاها، وتطيب حياتها في أخراها ودنياها. فبحر الحقيقة صعب المرام، لا يركبه إلا الشجعان، وفي ذلك يقول صاحب العينية رضي الله عنه: شعر : وَإِيَّاك جَزْعاً لا يَهُولُكَ أَمْرُهَا فَمَا نَالَهَا إلاَّ الشُّجَاعُ المُقَارعُ تفسير : والبرزخ الذي جعل بينهما: نور العقل، يميز بين محل الشرائع ومحل الحقائق، فيعطي كل ذي حق حقه، ويوفي كل ذي قسط قسطه. ثمّ ذكر شأن الواسطة التي هي سبب لركوب البحرين، فقال: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً...}

اطفيش

تفسير : {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ} ارسلهما متجاورين بحيث لا يختلطان يقال مرج الدابة إذا خلاها. وقيل: افاض احدهما على الاخر واخلطهما * {هَذَا عَذْبٌ} ضد المالح * {فُرَاتٌ} قامع للعطش من فرط عذوبته حتى يضرب لحلاوة * {وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} شديد الملوحة حتى يضرب للمرارة وقرئ بفتح الميم. قال جارالله: ولعل اصله (مالح) فخفف بحذف الالف كما يقال في بارد برد. {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً} حاجزا لا يختلط احدهما بالاخر فيكونا بحرا واحدا وذلك حجز قدرة. {وَحَجْراً مَّحْجُوراً} منعا ممنوعا ومحجورا نعت توكيد كأنه قيل منعا منعا قويا من الاختلاط والكون بحرا واحدا والاصل حجرا محجورا لفظ يقوله من وقع عليه مكروه كبغي كان كل واحد من البحرين يتعوذ من صاحبه ويقول له حجرا محجورا ان نكون بحرا واحدا وجعل كلا منها في صورة الباغي فهو يتعوذ منه وذلك مجاز بالاستعاذة من حسن الاستعارات واشدها على البلاغة كما قال (لا يبغيان) اي لا يبغي احدهما على الآخر بالممازجة. وعن بعضهم (حَجْراً مَّحْجُوراً) حدا محدودا. قال عياض: المراد التنبيه على قدرة الله في ان بث في الارض مياها عذبة كثيرة في وسط اللجاح تحت البحر المالح وترى مياها عذبة في جزائر البحر المالح فالبحران يراد بهما جمع الماء العذب الفرات والماء المالح الاجاج. وقد ذكر بعضهم ان المياه العذبة المنصبة في البحر تنزل إلى اسفل البحر وتشربه حيوان البحر وعن بعضهم سمى الماءين الكثيرين الواميعن بحرين. وعن بعضهم: ان المراد مثل دجلة والبحر المالح تدخله فتشقه فتجري في خلاله فراسخ لا يتغير طعمه. وقيل: المراد بالبحر العذب النهر العظيم كالنيل وبالمالح البحر الكبير ويحتمل ان يكون مراد من قال سمى الماءين الكثيرين الواسعين بحرين. وعن الحسن البرزخ والحجر هو ما بين البحرين من الارض. قال القاضي: فتكون القدرة في الفعل واختلاف الصفة.

اطفيش

تفسير : {وهُو الَّذى مَرَجَ} خلط {البَحْريْن} جنس البحرين المالح والعذب، لا بحرين مخصوصين، وخلطهما صب العذب فى المالح، كما أن النيل والفرات ودجلة وسائر العيون العظام المستحقة لاسم البحرين صببن فى البحر المالح المحيط وغير المحيط {هَذا عذْبٌ} لائق بالفم والحلق والبطن، نافع مزيل للعطش {فُراتٌ} شديد العذوبة، أو بارد بالطبع، ولو أصابته بعض حرارة بحادثة الشمس، ويطلق على العذب أنه حلو، وعلى كل حال هو للملح كما قال: {وهذا مِلْحٌ أُجاجٌ} شديد الملوحة أو المرارة او الحرارة، لكن حرارته بالطبع إذ يشتد، ولا يليق ولا ينفع، بل يزيد عطشاً وضراً. {وجَعَل بَيْنهما برزَخاً} أمراً من الله مانعاً من أن يختلط الماء الملح بالعذب فيفسده لعظمه، أو يغيره تغييراً ما، بأن خلق الله البحر الملح منسفلا فلا يعلو البحر العذب، أو البرزخ الأرض التى بين الملح والأرض التى يجرى فيها البحر العذب، ولو بعد ما بينهما فالله عز وجل أخبرنا أن البحرين فصلت الأرض بينهما قبل الانصباب، وأنه إذا اختلط بالصب لم يغير المالح العذب، وإن شئت فقل ولا العذب الملح مع طول الصب فيه {وحِجْراً} منعا {مَحْجوراً} ممنوعا عن أن يبطل، فهما دائمان متنافران ومر كلام فى حجرا محجورا وعن الحسن، المراد الأرض فهو تأكيد إذا فسر الحاجز بالأرض بين البحرين، وتأسيس إن فسر بعد اختلاطهما اختلاطا مغلبا لأحدهما على الآخر.

الالوسي

تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ } أي أرسلهما في مجاريهما كما يرسل الخيل في المرج كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ويقال في هذا أمرج أيضاً على ما قيل إلا أن مرج لغة الحجاز وأمرج لغة نجد. وأصل المرج كما قال الراغب: الخلط، ويقال: مرج أمرهم أي اختلط، وسمي المرعى مرجاً لاختلاط النبات فيه، والمراد بالبحرين الماء الكثير العذب والماء الكثير الملح من غير تخصيص ببحرين معينين، وهذا رجوع إلى ما تقدم من ذكر الأدلة. وقوله تعالى: {هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ } الخ أي شديد العذوبة ووزنه فعال من فرته وهو مقلوب من رفته إذا كسره لأنه يكسر سورة العطش ويقمعها، وقيل؛ هو البارد كما في «مجمع البيان» إما استئناف أو حال بتقدير القول أي يقال فيهما هذا عذب فرات {وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ } وقيل: هي حال من / غير تقدير قول على معنى مرج البحرين مختلفين عذوبة شديدة وملوحة كذلك، واسم الإشارة غني غناء الضمير، والأجاج شديد الملوحة كما أشرنا إليه أطلق عليه لأن شربه يزيد أجيج العطش، وقال الراغب: هو شديد الملوحة والحرارة من أجيج النار انتهى، وقيل: هو المر وحكاه الطبرسي عن قتادة، وقيل الحار فهو يقابل الفرات عند من فسره بالبارد. وقرأ طلحة بن مصرف وقتيبة عن الكسائي {ملح } بفتح الميم وكسر اللام هنا وكذا في فاطر [12]، قال أبو حاتم: وهذا منكر في القراءة، وقال أبو الفتح: أراد مالحاً فخفف بحذف الألف كما قيل برد في بارد في قوله:شعر : أصبح قلبـي صردا لا يشتهي أن يردا إلا عرادا عردا وصلينا بردا وعكنا ملتبدا تفسير : وقيل: مخفف مليح لأنه ورد بمعنى مالح، وقال أبو الفضل الرازي في كتاب «اللوامح»: هي لغة شاذة قليلة فليس مخففاً من شيء، نعم هو كملح في قراءة الجمهور بمعنى مالح، والأفصح أن يقال في وصف الماء: ماء ملح دون ماء مالح وإن كان صحيحاً كما نقل الأزهري ذلك عن الكسائي، وقد اعترف أيضا بصحته ثعلب، وقال الخفاجي: الصحيح أنه مسموع من العرب كما أثبته أهل اللغة وأنشدوا لإثباته شواهد كثيرة وعليه فمن خطأ الإمام أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه بقوله: ماء مالح فقد أخطأ جاهلاً بقدر هذا الإمام. {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً } أي حاجزاً وهو لفظ عربـي، وقيل: أصله برزه فعرب، والمراد بهذا الحاجز كما أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبـي حاتم عن الحسن ما يحول بينهما من الأرض كالأرض الحائلة بين دجلة ويقال لها بحر لعظمها ولشيوع إطلاق البحر على النهر العظيم صار حقيقة فيه أيضاً فلا إشكال في التثنية، وإن أبيت صيرورته حقيقة فاعتبار التغليب يرفع الإشكال وبين البحر الكبير، والمراد حيلولتها في مجاريها وإلا فهي تنتهي إلى البحر وكذا سائر الأنهار العظام، ودلالة هذا الجعل على كمال قدرته عز وجل كونه على خلاف مقتضى الطبيعة فإن مقتضى طبيعة الماء أن يكون متضام الأجزاء مجتمعاً غامراً للأرض محيطاً بها من جميع جهاتها إحاطة الهواء به ومقتضى طبيعة الأرض أن تكون متضامة الأجزاء أيضاً لا غور فيها ولا نجد مغمورة بالماء واقعة في جوفه كمركز الدائرة كما قرر ذلك الفلاسفة وذكروا في سبب انكشاف ما انكشف من الأرض ووقوع الأغوار والأنجاد فيها ما لا يخلو عن قيل وقال، و {بَيْنَهُمَا } ظرف الجعل، ويجوز أن يكون حالاً من {بَرْزَخاً }، والظاهر أن تنوين {بَرْزَخاً } للتعظيم أي وجعل بينهما برزخاً عظيماً حيث إنه على كثرة مرور الدهور لا يتخلله ماء أحد البحرين حتى يصل إلى الآخر فيغير طعمه. {وَحِجْراً مَّحْجُوراً } أي وتنافراً مفرطاً كأن كلاً منهما يتعوذ من الآخر بتلك المقالة، والمراد لزوم كل منهما لصفته من العذوبة والملوحة فلا ينقلب البحر العذب ملحاً في مكانه ولا البحر الملح عذباً في مكانه وذلك من كمال قدرته تعالى وبالغ حكمته عز وجل فإن العذوبة والملوحة ليستا بسبب طبيعة الأرض ولا بسبب طبيعة الماء وإلا لكان الكل عذباً أو الكل ملحاً، وذكر في حكمة جعل البحر الكبير ملحاً أن لا ينتن بطول المكث وتقادم الدهور؛ قيل: وهو السر في جعل دمع العين ملحاً، وفيه حِكَم أخرى الله تعالى أعلم بها. والظاهر إن {حِجْراً } عطف على {بَرْزَخاً } أي وجعل بينهما هذه الكلمة، والمراد بذلك ما سمعت آنفاً وهو من أبلغ الكلام وأعذبه، وقيل: هو منصوب بقول مقدر أي ويقولان حجراً محجوراً، وعن الحسن أن / المراد من الحجر ما حجر بينهما من الأرض وتقدم تفسير البرزخ بنحو ذلك، وكان الجمع بينهما حينئذ لزيادة المبالغة في أمر الحاجز وما قدمنا أولى وأبعد مغزى. وقيل: المراد بالبرزخ حاجز من قدرته عز وجل غير مرئي وبقوله سبحانه: {حِجْراً مَّحْجُوراً } التميز التام وعدم الاختلاط، وأصله كلام يقوله المستعيد لما يخافه كما تقدم تفصيله، وحاصل معنى الآية أنه تعالى هو الذي جعل البحرين مختلطين في مرأى العين ومنفصلين في التحقيق بقدرته عز وجل أكمل انفصال بحيث لا يختلط العذب بالملح ولا الملح بالعذب ولا يتغير طعم كل منهما بالآخر أصلاً. وحكي هذا عن الأكثرين وفيه أنه خلاف المحسوس فإن الأنهار العظيمة كدجلة وما ينضم إليها والنيل وغيرهما مما يشاهده الناس إذا اتصلت في البحر تغير طعم غير قليل منها في جهة المتصل وكذا يتغير طعم غير قليل من البحر في جهة المتصل أيضاً ويختلف التغير قلة وكثرة باختلاف الورود لاختلاف أسبابه من الهواء وغيره قوة وضعفاً كما أخبر به مبلغ التواتر ولم يخبر أحد أنه شاهد في الأرض بحرين أحدهما عذب والآخر ملح، وقد اتصل أحدهما بالآخر من غير تغير لطعم شيء منهما أصلاً، ولا مساغ عند من له أدنى ذوق لجعل الآية في بحرين في الأرض كذلك لكنهما لم يشاهدهما أحد كما لا يخفى، ولا أرى وجهاً لتفسير الآية بما ذكر والتزام هذا ونحوه من التكلفات الباردة مع ظهور الوجه الذي لا كدورة فيه عند المنصف إلا تسبب طعن الكفرة في القرآن العظيم وسوء الظن بالمسلمين. وقيل: المراد بالبرزخ الواسطة أي وجعل بين البحر العذب الشديد العذوبة والبحر الملح الشديد الملوحة ماء متوسطاً ليس بالشديد العذوبة ولا بالشديد الملوحة وهو قطعة من العذب الفرات عند موضع التلاقي مازجها شيء من الملح الأجاج فكسر سَوْرة عذوبتها وقطعة من الملح الأجاج عند موضع التلاقي أيضاً مازجها شيء من العذب الفرات فكسر سورة ملوحتها ويكون التنافر البليغ بينهما المفهوم من قوله سبحانه: {وَحِجْراً مَّحْجُوراً } فيما عدا ذلك وهو ما لم يتأثر بصاحبه منهما، بل بقي على صفته من العذوبة الشديدة والملوحة الشديدة وهو كما ترى. وحكى في «البحر» أن المبارد بالبحرين بحران معينان هما بحر الروم وبحر فارس. وذكره في «الدر المنثور» عن الحسن برواية ابن أبـي حاتم وهو من العجب العجاب لأن كلا هذين البحرين ملح أجاج فكيف يصح إرادتهما هنا مع قوله تعالى: {هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ } نعم قد يصح فيما سيأتي إن شاء الله تعالى من آية سورة الرحمن [19-20] أعني قوله سبحانه: {أية : مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ } تفسير : لعدم ذكر ما يمنعه هناك، وما روي عن الحسن إن صح فلعله في تلك الآية، ووهم السيوطي في روايته في الكلام على هذه الآية، وأخرج ابن أبـي حاتم عن سعيد بن جبير أن البحرين هما بحر السماء وبحر الأرض وذكر مثله في «البحر» عن ابن عباس وأنهما يلتقيان كل عام، وهذا شيء أنا لا أقول به في الآية ولا أعتقد صحة روايته عمن سمعت وإن كان مناسبة الآية عليه لما تقدم من قوله تعالى: {أية : وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء طَهُوراً }تفسير : [الفرقان: 48] على القول بأن المطر من بحر في السماء أتم ودلالتها على كمال قدرته تعالى أظهر؛ وأما أنت فبالخيار والله تعالى ولي التوفيق.

ابن عاشور

تفسير : عود إلى الاستدلال على تفرده تعالى بالخلق. جمعت هذه الآية استدلالاً وتمثيلاً وتثبيتاً ووعداً؛ فصريحُها استدلال على شيء عظيم من آثار القدرة الإلهية وهو التقاء الأنهار والأبحر كما سيأتي، وفي ضمنها تمثيل لحال دعوة الإسلام في مكة يومئذ واختلاط المؤمنين مع المشركين بحال تجاوز البحرين: أحدهما عذب فرات والآخر ملح أُجاج. وتمثيلُ الإيمان بالعذْب الفرات والشرك بالملْح الأُجاج، وأن الله تعالى كما جعل بين البحرين برزخاً يحفظ العَذْب من أن يكدره الأُجاج، كذلك حجز بين المسلمين والمشركين فلا يستطيع المشركون أن يدسّوا كفرهم بين المسلمين. وفي هذا تثبيت للمسلمين بأن الله يحجز عنهم ضر المشركين لقوله: {أية : لن يضروكم إلا أذى}تفسير : [آل عمران: 111]. وفي ذلك تعريض كنائي بأن الله ناصر لهذا الدين من أن يكدره الشرك. ولأجل ما فيها من التمثيل والتثبيت والوعد كان لموقعها عَقِب جملة {أية : فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيراً}تفسير : [الفرقان: 52] أكملُ حسن. وهي معطوفة على جملة {أية : وهو الذي أرسل الرياح نشراً بين يدي رحمته}تفسير : [الفرقان: 48]. ومناسبة وقوعها عقب التي قبلها أن كلتيهما استدلال بآثار القدرة في تكوين المياه المختلفة. ومفاد القصر هنا نظير ما تقدم في الآيتين السابقتين. والمزج: الخلط. واستعير هنا لشدة المجاورة، والقرينة قوله: {وجعل بينهما برزخاً وحجراً محجوراً}. والبحر: الماء المستبحر، أي الكثير العظيم. والعذب: الحلو. والفرات: شديد الحلاوة. والمِلح بكسر الميم وصف به بمعنى المالح، ولا يقال في الفصيح إلا مِلح وأما مَالح فقليل. وأريد هنا ملتقى ماء نهرَي الفرات والدجلة مع ماء بَحر خليج العجم. والبرزخ: الحائل بين شيئين. والمراد بالبرزخ تشبيه ما في تركيب الماء الملح مما يدفع تخلل الماء العذْب فيه بحيث لا يختلط أحدهما بالآخر ويبقى كلاهما حافظاً لطعمه عند المصبّ. و{حِجْرا} مصدر منصوب على المفعولية به لأنه معطوف على مفعول {جعل}. وليس هنا مستعملاً في التعوذ كالذي تقدم آنفاً في قوله تعالى {أية : ويقولون حِجْراً محجوراً}تفسير : [الفرقان: 22]. و{محجوراً} وصف لــــ{حجراً} مشتق من مادته للدلالة على تمكن المعنى المشتق منه كما قالوا: ليل ألْيَل. وقد تقدم في هذه السورة. ووقع في «الكشاف» تكلف بجعل {حجراً محجوراً} هنا بمعنى التعوّذ كالذي في قوله {أية : ويقولون حجراً محجوراً}تفسير : [الفرقان: 22] ولا داعي إلى ذلك لأن ما ذكروه من استعمال {حجراً محجوراً} في التعوذ لا يقتضي أنه لا يستعمل إلا كذلك.

الشنقيطي

تفسير : اعلم أن لفظة: مرج تطلق في اللغة إطلاقين. الأول: مرج بمعنى أرسل وخلى. من قولهم: مرج دابته إذا أرسلها إلى المرج، وهو الموضع الذي ترعى فيه الدواب، كما قال حسان بن ثابت رضي الله عنه: شعر : وكانت لا يزال بها أنيس خلال مروجها نعم وشاء تفسير : وعلى هذا فالمعنى: أرسل البحرين وخلاهما لا يختلط أحدهما بالآخر. والإطلاق الثاني مرج بمعنى: خلط، ومنه قوله تعالى: {أية : فِيۤ أَمْرٍ مَّرِيجٍ} تفسير : [ق: 5] أي مختلط، فعلى القول الأول: فالمراد بالبحرين الماء العذب في جميع الدنيا، والماء الملح في جميعها. وقوله: {هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ} يعني به ماء الآبار، والأنهار والعيون في أقطار الدنيا. وقوله: {وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} أي البحر الملح، كالبحر المحيط، وغيره من البحار التي هي ملح أجاج، وعلى هذا التفسير فلا إشكال. وأما على القول الثاني بأن مرج بمعنى خلط، فالمعنى: أنه يوجد في بعض المواضع اختلاط الماء الملح والماء العذب في مجرى واحد، ولا يختلط أحدهما بالآخر، بل يكون بينهما حاجز من قدرة الله تعالى، وهذا محقق الوجود في بعض البلاد، ومن المواضع التي هو واقع فيها المحل الذي يختلط فيه نهر السنغال بالمحيط الأطلسي بجنب مدينة سانلويس، وقد زرت مدينة سانلويس عام ست وستين وثلاثمائة وألف هجرية، واغتسلت مرة في نهر السنغال، ومرة في المحيط، ولم آت محل اختلاطهما، ولكن أخبرني بعض المرافقين الثقاة أنه جاء إلى محل اختلاطهما، وأنه جالس يغرف بإحدى يديه عذباً فراتاً، وبالأخرى ملحاً أجاجاً، والجميع في مجرى واحد، لا يختلط أحدهما بالآخر. فسبحانه جل وعلا ما أعظمه، وما أكمل قدرته. وهذا الذي ذكره جل وعلا في هذه الآية جاء موضحاً في غير هذا الموضع كقوله تعالى في سورة فاطر: {أية : وَمَا يَسْتَوِي ٱلْبَحْرَانِ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} تفسير : [فاطر: 12] وقوله تعالى: {أية : مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ} تفسير : [الرحمن: 19ـ20] أي لا يبغي أحدهما على الآخر فيمتزج به، وهذا البرزخ الفاصل بين البحرين المذكور في سورة الفرقان، وسورة الرحمن قد بين الله تعالى في سورة النمل أنه حاجز حجز به بينهما، وذلك في قوله جل وعلا: {أية : أَمَّن جَعَلَ ٱلأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱلله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [النمل: 16] وهذا الحاجز هو اليبس من الأرض، الفاصل بين الماء العذب، والماء الملح على التفسير الأول. وأما على التفسير الثاني فهو حاجز من قدرة الله غير مرئي للبشر، وأكد شدة حجزه بينهما بقوله هنا: {وَحِجْراً مَّحْجُوراً}، والظاهر أن قوله هنا: حجراً أي منعاً، وحراماً قدرياً وأن محجوراً توكيد له أي منعاً شديداً للاختلاط بينهما، وقوله: {هَـٰذَا عَذْبٌ} صفة مشبهة من قولهم: عذب الماء بالضم فهو عذب. وقوله فرات صفة مشبهة أيضاً، من فرت الماء بالضم، فهو فرات، إذا كان شديد العذوبة. وقوله: وهذا ملح، صفة مشبهة أيضاً من قولهم: ملح الماء بالضم والفتح فهو ملح. قال الجوهري في صحاحه: ولا يقال مالح إلا في لغة ردية ا هـ. وقد أجاز ذلك بعضهم واستدل له بقول القائل: شعر : ولو تفلت في البحر والبحر مالح لأصبح ماء البحر من ريقها عذبا تفسير : وقوله: أجاج: صفة مشبهة أيضاً من قولهم: أج الماء يؤج أجوجاً فهو أجاج: أي ملح مر، فالوصف بكونه أجاجاً يدل على زيادة المرارة على كونه ملحاً، والعلم عند الله تعالى.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 53- والله هو الذى أجرى البحرين: البحر العذب والبحر الملح، وجعل المجرى لكل واحد يجاور المجرى الآخر، ومع ذلك لا يختلطان، نعمة ورحمة بالناس. 54- والله هو الذى خلق من النطفة هؤلاء الناس، وجعلهم ذكوراً وإناثاً ذوى قرابات بالنسب أو المصاهرة، وكان الله قديراً على ما يريد إذ خلق من النطفة الواحدة نوعين متمايزين. 55- وبعد هذه الآيات الدالة على استحقاق الله - وحده - العبادة، وأن لا إله سواه، يعبد فريق من الناس ما لا ينفع ولا يضر من الأوثان، وهؤلاء بعملهم هذا يعاونون الشيطان وهو يضلهم، فهم متظاهرون على الحق الذى دعاهم إليه الله. 56- وليس عليك - أيها النبى - إلا تبليغ ما أرسلت به، وتبشير المؤمنين بالجنة، وتخويف الكافرين ما سيلقونه، وليس عليك بعد ذلك شئ تطالب به. 57- وقل لهم: إنى لا أبتغى على دعوتكم إلى الإسلام أجراً وجزاء، إلا أن يهتدى أحدكم ويسلك سبيل الحق ويرجع إلى ربه.

د. أسعد حومد

تفسير : (53) - واللهُ تَعالى هَو الذي خَلَقَ المِياهَ في الأَنْهَارِ، والينَابِيعِ، والعُيونِ، والآبارِ، لِيَشْرَبَ منها الإِنسانُ والحَيوانُ والنَّباتُ، وَتَنتفِعَ بها المَخلُوقَاتُ، وهوَ الذي خَلَق المِياهَ المَلِحةَ في البِحَارِ، ومَنَعَهَا منْ أَنْ يَخْتَلِطَ بعضُها ببعضٍ، وجَعَلَ بينها حَواجِزَ من الأَرضِ الياَبِسَةِ، ومَانعاً أنْ يَصِلَ ماءُ أحدِهِما إلى الآخَرِ. مَرَجَ البحرين - مَنَعَهُما من الاخْتِلاطِ - أو أرْسَلَهُما في مَجَارِيهِما. عَذْبٌ فُرَاتٌ - عَذْبٌ شَديدٌ العُذُوبَةِ. مِلْحٌ أُجَاجٌ - شَديدُ المُلُوحَةِ. حِجْراً مَحْجُوراً - حَرامٌ ومُحَرَّمٌ تَغييرُ صِفَاتِهِما أو اخْتِلاَطُهُما.

الثعلبي

تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ}أي خلطهما وحلّى وأفاض أحدهما في الآخر، وأصل المرج: الخلط والإرسال، ومنه قوله سبحانه {أية : فَهُمْ فِيۤ أَمْرٍ مَّرِيجٍ}تفسير : [ق: 5] وقول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله ابن عمر: "حديث : كيف بك يا عبد الله إذا كنت في حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وأماناتهم وصاروا هكذا" تفسير : وشبّك بين أصابعه، ويقال: مرجتُ دابّتي مرجها إذا أرسلتُها في المرعى وخلّيتها تذهب حيث شاءت، ومنه قيل للروضة مرج، قال العجاج: شعر : رعى بها مرج ربيع ممّرجاً تفسير : قال ابن عباس والضحاك ومقاتل: مرج البحرين أي خلع أحدهما على الآخر {هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ} شديد العذوبة {وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} شديد الملوحة {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً} حاجزاً بقدرته وحكمته لئلاّ يختلطا {وَحِجْراً مَّحْجُوراً} ستراً ممنوعاً يمنعهما فلا يبغيان ولا يفسد الملح العذب. {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلْمَآءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً} قال علىّ بن أبي طالب: النسب ما لا يحلّ نكاحه، والصهر ما يحلّ نكاحه، وقال الضحّاك وقتادة ومقاتل: النسب سبعة والصهر خمسة، وقرأوا هذه الآية {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ}تفسير : [النساء: 23] الى آخرها. أخبرني أبو عبد الله (القسايني) قال: أخبرنا أبو الحسن النصيبي القاضي قال: أخبرنا أبو بكر السبيعي الحلبي قال: حدّثنا علي بن العباس المقانعي قال: حدّثنا جعفر بن محمد بن الحسين قال: حدّثنا محمد بن عمرو قال: حدّثنا حسين الأشقر قال: حدّثنا أبو قتيبة التيمي قال: سمعت ابن سيرين يقول في قول الله سبحانه وتعالى {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلْمَآءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً} قال: نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب، زوج فاطمة عليّاً وهو ابن عمّه وزوج ابنته فكان نسباً وصهراً. {وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً * وَيَعْبُدُونَ} يعني هؤلاء المشركين {مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُهُمْ} إن عبدوه {وَلاَ يَضُرُّهُمْ} إن تركوه {وَكَانَ ٱلْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيراً} أي معيناً للشيطان على ربّه، وقيل: معناه وكان الكافر على ربّه هيّناً ذليلاً من قول العرب: ظهرت به إذا جعلته خلف ظهرك فلم تتلفّت إليه. {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً * قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ} على تبليغ الوحي {مِنْ أَجْرٍ} فيقولون: إنّما يطلب محمد أموالنا بما يدعونا إليه فلا نتّبعه كيلا نعطيه من أموالنا شيئاً {إِلاَّ مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً}. قال أهل المعاني: هذا أمر الاستثناء المنقطع، مجازه لكن من شاء أن يتّخذ إلى ربّه سبيلا بإنفاقه ماله في سبيله، {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي لاَ يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ} أي اعبده وصلّ له شكراً منك له على نعمه، وقيل: احمده منزّهاً له عمّا لا يجوز في وصفه، وقيل: قل: سبحان الله والحمد لله {وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً} فيجازيهم بها {ٱلَّذِي} في محل الخفض على نعت الحي {خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} فقال بينهما وقد جمع السموات لأنه أراد الصنفين والشيئين كقول القطامي: شعر : ألم يحزنك أن حبال قيس وتغلب قد تباينتا انقطاعا تفسير : أراد وحبال تغلب فثنّى والحبال جمع لأنّه أراد الشيئين والنوعين، وقال آخر: شعر : إنَّ المنيّة والحتوف كلاهما توفي المخارم يرقبان سوادي تفسير : {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱلرَّحْمَـٰنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً} أي فسل خبيراً بالرحمن، وقيل: فسل عنه خبيراً وهو الله عز وجل، وقيل: جبرئيل (عليه السلام)، الباء بمعنى عن لقول الشاعر: شعر : فإن تسألوني بالنساء فإنني بصير بأدواء النساء طبيب تفسير : أي عن النساء. {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ} ما نعرف الرحمن إلاّ رحمن اليمامة {أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا} قرأ حمزة والكسائي بالياء يعنيان الرحمن، وقرأ غيرهما تأمرنا بالتاء يعنون لما تأمرنا أنت يا محمد {وَزَادَهُمْ} قول القائل لهم: اسجدوا للرحمن {نُفُوراً} عن الدين والإيمان، وكان سفيان الثوري إذا قرأ هذه الآية رفع رأسه الى السماء وقال: إلهي زادني خضوعاً ما زاد أعداءك نفوراً. {تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً} يعني منازل الكواكب السبعة السيارة وهي اثنا عشر برجاً: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأَسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت، فالحمل والعقرب بيتا المريخ، والثور والميزان بيتا الزهرة، والجوزاء والسنبلة بيتا عطارد،والسرطان بيت القمر، والأسد بيت الشمس، والقوس والحوت بيتا المشتري، والجدي والدلو بيتا زحل، وهذه البروج مقسومة على الطبائع الاربع فيكون نصيب كل واحد منهما ثلاثة بروج تسمى المثلثات، فالحمل والأسد والقوس مثلثة نارية، والثور والسنبلة والجدي مثلثة أرضية، والجوزاء والميزان والدلو مثلثة هوائية، والسرطان والعقرب والحوت مثلثة مائية. واختلفت أقاويل أهل التأويل في تفسير البروج. فاخبرني الحسين بن محمد بن الحسين الدينوري قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن إسحاق السني قال: حدّثني محمد بن الحسين بن أبي الشيخ قال: حدّثنا هارون بن إسحاق الهمداني قال: حدّثنا عبد الله بن إدريس قال: حدّثني أبي عن عطية العوفي في قوله سبحانه {تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً} قال: قصوراً فيها الحرس، دليله قوله {أية : وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ}تفسير : [النساء: 78]. وقال الأخطل: شعر : كأنها برج رومي يشيِّده بان بجصّ وآجرَ أحجار تفسير : وقال مجاهد وقتادة: هي النجوم. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبة قال: حدّثنا علي بن محمد بن ماهان قال: حدّثنا علي بن محمد الطنافسي قال: حدّثنا خالي يعلى عن إسماعيل عن أبي صالح {تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً} قال: النجوم الكبائر. قال عطاء: هي الشرج وهي أبواب السماء التي تسمّى المجرّة. {وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً} يعني الشمس، نظيره قوله سبحانه {أية : وَجَعَلَ ٱلشَّمْسَ سِرَاجاً}تفسير : [نوح: 16] وقرأ حمزة والكسائي (وَجَعَلَ فِيهَا سُرُجاً) بالجمع يعنون النجوم وهي قراءة أصحاب عبد الله {وَقَمَراً مُّنِيراً * وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱللَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً}. قال ابن عباس والحسن وقتادة: يعني عوضاً وخلفاً يقوم أحدهما مقام صاحبه فمن فاته عمله في أحدهما قضاه في الآخر. قال قتادة: فأروا الله من أعمالكم خيراً في هذا الليل والنهار؛ فإنهما مطيّتان تقحمان الناس الى آجالهم، وتقّربان كلّ بعيد، وتبليان كلّ جديد، وتجيئان بكل موعود الى يوم القيامة. روى شمر بن عطية عن شقيق قال: جاء رجل الى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: فاتتني الصلاة الليلة فقال: أدرك ما فاتك من ليلتك في نهارك، فإنّ الله سبحانه وتعالى جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكّر. وقال مجاهد: يعني جعل كلّ واحد منهما مخالفاً لصاحبه فجعل هذا أسود وهذا أبيض. وقال ابن زيد وغيره: يعني يخلف أحدهما صاحبه، إذا ذهب أحدهما جاء الآخر، فهما يتعاقبان في الضياء والظلام والزيادة والنقصان، يدلّ على صحّة هذا التأويل، قول زهير: شعر : بها العين والآدام يمشين خلفة وأطلاؤها ينهضن من كلّ مجشم تفسير : وقال مقاتل: يعني جعل النهار خلفاً من الليل لمن نام بالليل، وجعل الليل خلفاً بالنهار لمن كانت له حاجة أو كان مشغولاً {لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ} قرأه العامة بتشديد الذال يعني يتذكر ويتعظ، وقرأ حمزة وخلف بتخفيف الذال من الذكر {أَوْ أَرَادَ شُكُوراً} شكر نعمة الله سبحانه وتعالى عليه. {وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ} يعني أفاضل العباد، وقيل هذه الإضافة على التخصيص والتفضيل، وقرأ الحسن: وعبيد الرَّحْمن. {ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً} أي بالسكينة والوقار والطاعة والتواضع غير أشرين ولا مرحين ولا متكبّرين ولا مفسدين. أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا العباس بن محمد بن قوهبار قال: حدّثنا علي بن الحسن بن أبي عيسى قال: حدّثنا يحيى بن يحيى قال: حدّثنا هشيم بن عباد بن راشد عن الحسن في قوله سبحانه {يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً} قال: حلماً وعلماً، وقال محمد بن الحنفية: أصحاب وقار وعفّة لا يسفهون، وإنْ سفه عليهم حلموا. الضحّاك: أتقياء أعفّاء لا يجهلون قال: وهو بالسريانية. الثمالي: بالنبطيّة، والهون في اللغة: الرفق واللين ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وابغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما ". تفسير : {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ} بما يكرهونه {قَالُواْ سَلاَماً} سداداً من القول عن مجاهد. ابن حيان: قولاً يسلمون فيه من الإثم. الحسن: سلّموا عليهم، دليله قوله سبحانه {أية : وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ}تفسير : [القصص: 55]. قال أبو العالية والكلبي: هذا قبل أن يؤمروا بالقتال، ثم نسختها آية القتال. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حنش المقري قال: حدّثنا محمد بن صالح (الكيلسي)بمكة قال: حدّثنا سلمة بن شبيب قال: حدّثنا الوليد بن إسماعيل قال: حدّثنا شيبان بن مهران عن خالد أبن المغيرة بن قيس عن أبي محلز لاحق بن حميد عن أبي برزة الأسلمي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : رأيت قوماً من أمتي ما خلقوا بعد، وسيكونون فيما بعد اليوم أحبّهم ويحبّونني، ويتناصحون ويتبادلون، يمشون بنور الله في الناس رويداً في خفية وتقية، يسلمون من الناس، ويسلم الناس منهم بصبرهم وحلمهم، قلوبهم بذكر الله يرجعون، ومساجدهم بصلاتهم يعمرون، يرحمون صغيرهم ويجلّون كبيرهم ويتواسون بينهم، يعود غنيّهم على فقيرهم وقويّهم على ضعيفهم، يعودون مرضاهم ويتبعون جنائزهم". فقال رجل من القوم: في ذلك يرفقون برفيقهم؟ فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "كلاّ، إنّهم لا رفيق لهم، هم خدّام أنفسهم، هم أكرم على الله من أن يوسّع عليهم لهوان الدنيا عند ربهم" ثمَّ تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية {وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً} ". تفسير : وروي أنّ الحسن كان إذا قرأ هاتين الآيتين قال: هذا وصف نهارهم. ثمَّ قال {وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً} هذا وصف ليلهم. قال ابن عباس: مَن صلّى بالليل ركعتين أو أكثر من ذلك فقد بات لله سبحانه وتعالى ساجداً وقائماً. قال الكلبي: يقال: الركعتان بعد المغرب وأربع بعد العشاء الآخرة. {وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً} أي ملحّاً دائماً لازماً غير مفارق من عذّب به من الكفار، ومنه سمّي الغريم لطلبه حقّه وإلحاحه على صاحبه وملازمته إيّاه، وفلانا مغرم بفلان إذا كان مولعاً به لا يصبر عنه ولا يفارقه، قال الأعشى: شعر : إن يعاقب يكن غراماً وإن يعط جزيلاً فإنّه لا يبالي تفسير : قال الحسن: قد علموا أنّ كلّ غريم يفارق غريمه إلاّ غريم جهنم. ابن زيد: الغرام الشرّ، أبو عبيد: الهلاك، قال بشر بن أبي حازم: شعر : ويوم النسار ويوم الجفا ركانا عذاباً وكانا غراما تفسير : أي هلاكاً. {إِنَّهَا} يعني جهنم {سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً} أي إقامة، من أقام يقيم. وقال سلامة بن جندل: شعر : يومان يوم مقامات وأندية ويوم سير إلى الاعداء تأويب تفسير : فإذا فتحت الميم فهو المجلس من قام يقوم، ومنه قول عباس بن مرداس: شعر : فأتي ما وأيك كان شرّاً فقيد إلى المقامة لا يراها تفسير : {وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ} واختلف القرّاء فيه فقرأ أهل المدينة والشام: يُقتروا بضم الياء وكسر التاء، وقرأ أهل الكوفة بفتح الياء وضم التاء، غيرهم بفتح الياء وكسر التاء وكلّها لغات صحيحة، يقال: أقتَر وقَتَر يَقتِرُ ويَقتُر مثل يعرشون ويعكفون، واختلف المفسرون في معنى الإسراف والإقتار، فقال بعضهم: الإسراف: النفقة في معصية الله وإن قلّت، والاقتار: منع حق الله سبحانه وتعالى، وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن جريج وابن زيد. أخبرني الحسين بن محمد بن الحسين الدينوري قال: حدّثنا محمد بن عمر بن إسحاق الكلوادي قال: حدّثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث قال: حدّثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء الرملي قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا سهيل بن أبي حزم عن كثير بن زياد أبي سهل عن الحسن في هذه الآية قال: لم يُنفقوا في معاصي الله ولم يمسكوا عن فرائض الله. وقال بعضهم: الإسراف أن تأكل مال غيرك بغير حق. قال عون بن عبد الله بن عتبة: ليس المسرف من أكل ماله، إنما المسرف من يأكل مال غيره. وقال قوم: السرف: مجاوزة الحد في النفقة، والإقتار: التقصير عما ينبغي مما لابد منه، وهذا الاختيار لقوله {وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ} أي وكان إنفاقهم بين ذلك {قَوَاماً} عدلاً وقصداً وسطاً بين الإسراف والإقتار. قال إبراهيم: لا يجيعهم ولا يعريهم، ولا ينفق نفقة تقول الناس: قد أسرف. مقاتل: كسبوا طيّباً، وانفقوا قصداً، وقدموا فضلاً، فربحوا فأنجحوا. وقال يزيد بن أبي حبيب في هذه الآية: أُولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا لا يأكلون طعاماً للتنعم واللذة، ولا يلبسون ثوباً للجمال ولكن كانوا يريدون من الطعام ما يسدُّ عنهم الجوع ويقويهم على عبادة ربّهم، ومن الثياب ما يَسترُ عوراتهم ويكنّهم من الحرّ والقرّ. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حنش قال: حدّثنا ابن زنجويه قال: حدّثنا سلمة قال: حدّثنا عبد الرزاق عن أبي عيينة عن رجل عن الحسن في قوله سبحانه {يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ} إنّ عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: كفى سرفاً ان لا يشتهي رجل شيئاً إلا اشتراه فأكله. {وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ} الآية. أخبرنا أبو محمد الحسن بن أحمد المخلدي قال: أخبرنا المؤمّل بن الحسن بن عيسى قال: حدّثنا الحسن بن محمد قال: حدّثنا حجاج عن أبي جريح قال: أخبرني يعلى يعني ابن مسلم عن سعيد بن جبير سمعه يحدّث عن ابن عباس أنّ ناساً من أهل الشرك كانوا قد قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا ثم أتوا محمداً صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملناه كفارة فنزل {وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ} ونزل {أية : يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ}تفسير : [الزمر: 53] وقيل: نزلت في وحشي غلام ابن مطعم. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمد بن الحسين قال: حدّثنا أحمد بن يوسف السلمي قال: حدّثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر والثوري عن منصور والأعمش عن أبي وائل. وأخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن الحسن قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان وعبد الله بن عبد الرحمن قالا: حدّثنا يوسف بن عبد الله بن ماهان قال: حدّثنا محمد بن كثير قال: حدّثنا سفيان بن الأعمش ومنصور وواصل الأحدب عن أبي وائل. وأخبرنا عبد الله بن حامد الوزان قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدّثنا عبد الله بن هاشم قال: حدّثنا عبد الله بن نمير قال: أخبرنا الأعمش عن شقيق عن عمرو بن شرحبيل عن عبد الله بن مسعود قال: حديث : قلت يا رسول الله أيّ الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندّاً وهو خلقك"، قلتُ: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك، قلت: ثم أيّ؟ قال: إن ترى حليلة جارك، فأنزل الله سبحانه تصديق ذلك {وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ} ". تفسير : قال مسافع: {وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ} الآية. أخبرنا ابن فنجويه قال: حدثنا ابن حنش، قال: أخبرنا ابن زنجويه قال: أخبرنا سلمة بن عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: ذُكر لنا أنّ لقمان كان يقول: يا بُني إياك والزنا فإن أوله مخافة وآخره ندامة {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ} الذي ذكرت {يَلْقَ أَثَاماً} قال ابن عباس: إثماً، ومجازه: تلق جزاء الآثام. وأخبرني ابن فنجويه، قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن حفصويه، قال: حدّثنا محمد بن موسى قال: حدّثنا زهير بن محمد، قال: حدّثنا محمد بن زياد قال: حدّثنا الكلبي، قال: حدّثنا شرقي القطامي، قال: حدّثني لقمان بن عامر، قال: حدّثني أبو أُمامة الباهلي صدي بن عجلان، فقلت: حدّثني حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فدعا لي بطلاء ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لو أن صخرة زنة عشر عشروات قذف بها في شفير جهنم ما بلغت قعرها سبعين خريفاً، ثم ينتهي إلى غيّ وأثام، قال: قلت: وما غيّ وأثام"؟ قال: نيران يسيل فيها صديد أهل النار، وهما اللتان قال اللّه سبحانه في كتابه {فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً} [مريم: 59] و {يَلْقَ أَثَاماً} . تفسير : وأخبرنا بو عمرو سعيد بن عبد اللّه بن إسماعيل الحيري قال: أخبرنا العباس بن محمد بن قوهباد قال: حدّثنا إسحاق بن عبد الله بن محمد بن زرين السلمي. قال: أخبرنا حفص بن عبد الرحمن، قال: حدّثنا سعيد عن قتادة، عن أبي أيوب عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص أن أثاماً واد فى جهنم، وهو قول مجاهد، وقال أبو عبيد: الأثام: العقوبة. قال الليثي: شعر : جزى الله ابن عروة حيث أمسى عقوقاً والعقوق له اثاماً تفسير : أي عقوبة. {يُضَاعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً} قرأهُ العامة بجزم الفاء والدال، ورفعهما ابن عامر وابن عباس على الابتداء. ثمَّ قال {إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً} الآية. أخبرني الحسين بن محمد بن عبد الله قال: حدّثنا موسى بن محمد قال: حدّثنا موسى بن هارون الجّمال قال: حدّثنا إبراهيم بن محمد الشافعي قال: حدّثنا عبد الله بن رجاء عن عبيد الله ابن عمر بن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال: قرأناها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سنين {وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ} الآية. ثمَّ نزلت {إِلاَّ مَن تَابَ} فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فرح بشيء قط فرحه بها وفرحه بـ {أية : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً * لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ}تفسير : [الفتح: 1-2]. وأخبرني الحسين بن محمد الفنجوي قال: حدّثنا محمد بن الحسين بن علي اليقطيني قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يزيد العقيلي قال: حدَّثنا صفوان بن صالح قال: حدّثنا الوليد بن مسلم قال: حدّثنا عبد العزيز بن الحصين عن ابن أبي نجيح قال: حدّثني القاسم بن أبي برة قال: قلت لسعيد بن جبير: أبا عبد الله أرأيت قول الله سبحانه وتعالى {وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} إلى قوله {إِلاَّ مَن تَابَ} قال: سمعت ابن عباس يقول: هذه مكيّة نسختها الآية المدنية التي في سورة النساء {أية : وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا}تفسير : [النساء: 93] ولا توبة له. وروى أبو الزناد عن خارجة بن زيد بن ثابت أنّه دخل على أبيه وعنده رجل من أهل العراق وهو يسأله عن هذه الآية التي في الفرقان والتي في سورة النساء {أية : وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً}تفسير : [النساء: 93] ،فقال زيد بن ثابت: قد عرفت الناسخة من المنسوخة نسختها التي في النساء بعدها ستّة أشهر. وروى حجاج عن أبي جريج قال: قال الضحّاك بن مزاحم: هذه السورة بينها وبين النساء {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً} ثماني حجج، والصحيح أنّها محكمة. روى جعفر بن سليمان عن عمرو بن مالك البكري عن أبي الجوزاء قال: اختلفتُ إلى ابن عباس ثلاث عشرة سنة فما شيء من القرآن إلاّ سألته عنه ورسولي يختلف إلى عائشة، فما سمعته ولا أحد من العلماء يقول: إنّ الله سبحانه يقول لذنب: لا أغفره. {فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}. قال ابن عباس وابن جبير والضحّاك وابن زيد: يعني فأُولئك يبدّلهم الله بقبائح أعمالهم في الشرك محاسن الأعمال في الإسلام، فيبدّلهم بالشرك إيماناً، وبقتل المؤمنين قتل المشركين، وبالزنا عفة وإحصاناً، وقال الآخرون: يعني يبدّل الله سيّئاتهم التي عملوها في حال إسلامهم حسنات يوم القيامة، يدلّ على صحّة هذا التأويل ما أخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد بن الحسين الحافظ في داري قال: حدّثنا أبو جعفر محمد بن عبد الله بن برزة قال: حدّثنا أبو حفص المستملي قال: حدّثنا محمد بن عبد العزيز أبي رزمة قال: حدّثنا الفضل بن موسى القطيعي عن أبي العنبس عن ابنه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليتمنّينّ أقوام أنّهم أكثروا من السيئات». قيل: مَن هم؟ قال: الذين بدّل الله سيئاتهم حسنات ". تفسير : وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو بكر بن مالك القطيعي قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد ابن حنبل قال: حدّثني أبي قال: حدّثنا وكيع قال: حدّثنا الأعمش عن المعرور بن سويد عن أبي ذر رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال: أعرضوا عليه صغار ذنوبه قال: فيعرض عليه ويخفى عنه كبارُها فيقال: عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا، وهو مقرّ لا ينكر وهو مشفق من الكبائر فيقال: أعطوه مكان كلّ سيئة عملها حسنة. قال: فيقول إنّ لي ذنوباً ما أراها، فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتّى بدت نواجذه ". تفسير : وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا عبيد الله عن عبد الله بن أبي سمرة البغوي ببغداد قال: حدّثنا محمد بن أحمد الطالقاني قال: حدّثنا محمد بن هارون أبو نشيط قال: حدّثنا أبو المغيرة قال: حدّثنا صفوان قال: حدّثني عبد الرحمن بن جبير حديث : عن أبي الطويل شطب الممدود أنّه أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت رجلاً عمل الذنوب كلّها ولم يترك منها شيئاً، وهو في ذلك لم يترك حاجة ولا داجة إلاّ اقتطعها بيمينه، فهل لذلك مِن توبة ؟ قال: "هل أسلمت؟ قال: أنا أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأنّك رسوله، قال: نعم تفعل الخيرات وتترك الشهوات يجعلهنّ الله خيرات كلهن. قال: وغدراتي وفجراتي قال: نعم قال: الله أكبر، فما زال يكبّر حتى توارى ". تفسير : وأخبرني ابن فنجويه في عصبة قال: حدّثنا محمد بن علي بن الحسن قال: حدّثنا عبد الرَّحْمن بن أبي حاتم قال: حدّثنا أبو نشيط قال: حدّثنا أبو المغيرة قال: سمعت مبشر بن عبيد وكان عارفاً بالنحو والعربية يقول: الحاجة الذي يقطع على الحُجّاج إذا توجهوا، والداجة الذي يقطع عليهم إذا قفلوا {وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتاباً} رجوعاً حسناً. {وَٱلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ} قال الضحاك: يعني الشرك وتعظيم الأنداد، علي بن أبي طلحة: يعني شهادة الزور، وكان عمر بن الخّطاب يجلد شاهد الزور أربعين جلدة، ويسخم وجهه، ويطوف به في السوق، يحيى بن اليمان عن مجاهد: أعياد المشركين ليث عنه: الغناء وهو قول محمد بن الحنفية بإسناد الصالحي عن إبراهيم بن محمد بن المنكدر قال: بلغني انَّ اللّه تعالى يقول يوم القيامة: أين الذين كانوا ينزّهون أنفسهم وأسماعهم عن اللهو ومزامير الشيطان أدخلوهم رياض المسك، أسمعوا عبادي تحميدي وثنائي وتمجيدي، وأخبروهم أن لا خوف عليهم ولاهم يحزنون. أخبرنا أبو بكر الجوزقي قال: حدّثنا عبد الواحد بن محمد الارعياني قال: حدّثنا الأحمسي قال: حدّثنا عمرو العبقري قال: حدّثنا مسلمة بن جعفر عن عمرو بن قيس في قوله سبحانه {وَٱلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ} قال: مجالس الخنا، ابن جريج: الكذب، قتادة: مجالس الباطل، وأصل الزور تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته حتى يخيّل إلى مَن سمعه أو يراه أنّه بخلاف ما هو به، فهو تمويه الباطل لما توهّم أنّه حقّ. {وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً} قال مقاتل: إذا سمعوا من الكفّار الشتم والأذى أعرضوا وصفحوا، وهي رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد، نظيره {أية : وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ}تفسير : [القصص: 55] الآية، وقال السدّي: وهي منسوخة بآية القتال، العوّام بن حوشب عن مجاهد: إذا أتوا على ذكر النكاح كنّوا عنه، ابن زيد: إذا مرّوا بما كان المشركون فيه من الباطل مرّوا منكرين له معرضين عنه، وقال الحسن والكلبي: اللغو: المعاصي كلّها، يعني إذا مرّوا بمجالس اللهو والباطل مرّوا كراماً مسرعين معرضين، يدل عليه ما روى إبراهيم بن ميسرة أنَّ حديث : ابن مسعود مرَّ بلهو مسرعاً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أصبح ابن مسعود لكريماً" . تفسير : وقال أهل اللغة: أصله من قول العرب ناقة كريمة، وبقرة كريمة، وشاة كريمة إذا كانت تعرض عن الحليب تكرّماً كأنّها لا تبالي بما يحلب منها. {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّواْ} لم يقعوا ولم يسقطوا {عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً} كأنّهم صمّ عمي، بل يسمعون ما يذكرون به فيفهمونه ويرون الحق فيه فيتبعونه. قال الفرّاء: ومعنى قوله {لَمْ يَخِرُّواْ} أي لم يقيموا ولم يصيروا، تقول العرب: شتمتُ فلاناً فقام يبكي يعني فظلّ وأقبل يبكي ولا قيام هنالك ولعلّه بكى قاعداً، وقعد فلان يشتمني أي أقبل وجعل وصار يشتمني، وذلك جائز على ألسن العرب. {وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا} بغير ألف أبو عمرو وأهل الكوفة، الباقون: ذّرياتنا بالألف {قُرَّةَ أَعْيُنٍ} بأن يراهم مؤمنين صالحين مطيعين لك، ووحّد قرّة لأنها مصدر، وأصلها من البرد لأنّ العرب تتأذّى بالحر وتستروح إلى البرد. {وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً} أي أئمة يقتدى بها. قال ابن عباس: اجعلنا أئمة هداية كما قال {أية : وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا}تفسير : [الأنبياء: 73] ولا تجعلنا أئمة ضلالة كقوله {أية : وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ}تفسير : [القصص: 41]. قتادة: هُداة دعاة خير. أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن يوسف الفقيه قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن حمدون ابن خالد قال: حدّثني أبو جعفر أحمد بن عبد الله العازي الطبري المعروف بابن فيروز قال: حدّثنا الحكم بن موسى قال: حدّثنا يحيى بن حمزة عن عبد الرَّحْمن بن زيد بن جابر عن مكحول في قول الله عزَّ وجل {وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً} قال: أئمّة في التّقوى يقتدي بها المتّقون، وقال بعضهم: هذا من المقلوب واجعل المتّقين لنا إماماً واجعلنا مؤتمّين مقتدين بهم، وهو قول مجاهد، ولم يقل أئمة لأنّ الإمام مصدر، يقال: أمّ فلان فلاناً مثل الصيام والقيام، ومَن جعله أئمة فلأنّه قد كثر حتى صار بمعنى الصفة. وقال بعضهم: أراد أئمة كما يقول القائل: أميرنا هؤلاء يعني أمراؤنا، وقال الله سبحانه عزّ وجلّ {أية : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي}تفسير : [الشعراء: 77]، وقال الشاعر: شعر : يا عاذلاتي لا تزدن ملامتي إنّ العواذل لسن لي بأمين تفسير : أي أمناء. {أُوْلَـٰئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ} يثابون الدرجة الرفيعة في الجنة {بِمَا صَبَرُواْ} على أمر ربهم وطاعة نبيّهم، وقال الباقر: على الفقر. {وَيُلَقَّوْنَ} قرأ أهل الكوفة بفتح الياء وتخفيف القاف، واختاره أبو عبيد لقوله {أية : وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً}تفسير : [الإنسان: 11]. {خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً * قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي} أي ما يصنع وما يفعل، عن مجاهد وابن زيد. وقال أبو عبيد: يقال: ما عبأت به شيئاً أي لم أعدّه، فوجوده وعدمه سواء، مجازه: أي مقدار لكم، وأصل هذه الكلمة تهيئة الشيء يقال: عبّأت الجيش وعبأت الطيب أُعبّئه عبؤاً وعبواً إذا هيّأته وعملته، قال الشاعر: شعر : كأن بنحره وبمنكبيه عبيراًبات يعبؤه عروس تفسير : {لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ} إيّاه، وقيل: لولا عبادتكم، وقيل: لولا إيمانكم. واختلف العلماء في معنى هذه الآية قال قوم: معناها قل ما يعبأ بخلقكم ربّي لولا عبادتكم وطاعتكم إيّاه، يعني أنّه خلقكم لعبادته نظيرها قوله سبحانه {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}تفسير : [الذاريات: 56] وهذا معنى قول ابن عباس ومجاهد، قال ابن عباس في رواية الوالبي: أخبر الله سبحانه الكفّار أنّه لا حاجة لربهم بهم إذ لم يخلقهم مؤمنين، ولو كان له بهم حاجة لحبّب إليهم الإيمان كما حبّب إلى المؤمنين. وقال آخرون: قل ما يعبأ بعذابكم ربّي لولا دعاؤكم إيّاه في الشدائد، بيانه {أية : فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ}تفسير : [العنكبوت: 65] ونحوها من الآيات. وقال بعضهم: قل مايعبأ بمغفرتكم ربّي لولا دعاؤكم معه آلهة وشركاء، بيانه قوله سبحانه وتعالى {أية : مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ}تفسير : [النساء: 147] وهذا المعنى قول الضحّاك. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حبيش قال: حدّثنا أبو القاسم بن الفضل قال: حدّثنا أبو حاتم قال: حدّثنا أبو طاهر بن السرج قال: حدّثنا موسى بن ربيعة الجمحي قال: سمعت الوليد بن الوليد يقول: بلغني أنّ تفسير هذه الآية {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ} يقول: ما خلقتكم وبي إليكم حاجة إلاّ أن تسألوني فأغفر لكم، وتسألوني فأعطيكم. {فَقَدْ كَذَّبْتُمْ} يا أهل مكة. وأخبرنا شعيب بن محمد قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدّثنا أحمد بن الأزهر قال: حدّثنا روح بن عبادة قال: حدّثنا شعبة بن عبد الحميد بن واصل قال: سمعت مسلم بن عمّار قال: سمعت ابن عباس يقرأ: فقد كذّب الكافرون {فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً}. وبه شعبة عن أدهم يعني السدوسي عن أنّه كان خلف بن الزبير يقرأ {تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ} [الفرقان: 1] فلمّا أتى على هذه الآية قرأها: فقد كذّب الكافر فسوف يكون لزاماً، ومعنى الآية فسوف يكون تكذيبهم لزاماً. قال ابن عباس: موتاً. ابن زيد: قتالاً، أبو عبيدة: هلاكاً. وأنشد: شعر : فاماينجوا من حتف أرضي فقد لقيا حتوفهما لزاما تفسير : وقال بعض أهل المعاني: يعني فسوف يكون جزاء يلزم كل عامل ما عمل من خير أو شر، وقال ابن جرير: يعني عذاباً دائماً لازماً وهلاكاً مفنياً يلحق بعضكم بعضاً كقول أبي ذؤيب. شعر : ففاجأه بعادية لزام كما يتفجّر الحوض اللقيف تفسير : يعني باللزام الكثير الذي يتبع بعضه بعضاً وباللفيف الحجار المنهد، واختلفوا في اللزام ههنا فقال قوم: هو يوم بدر قُتل منهم سبعون وأُسر سبعون، وهو قول عبد الله بن مسعود وأُبي ابن كعب وأبي مالك ومجاهد ومقاتل. روى الأعمش عن مسلم عن مسروق قال: قال عبد الله: خمس قد مضين: الدخان واللزام والبطشة والقمر والروم. وقال آخرون: هو عذاب الآخرة.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : تأتي هذه الآية استمراراً لذكْر بعض آيات الله في الكون التي تلفت نظر المكابرين المعاندين لرسول الله، وسبق أنْ ذكر سبحانه: الظل والليل والرياح .. الخ إذن: كلما ذكر عنادهم يأتي بآية كونية ليلفتهم إلى أنهم غفلوا عن آيات الله، وجدالهم مع رسول الله يدل على أنهم لم يلتفتوا إلى شيء من هذا؛ لذلك ذكر آية كونية من آيات الله المرئية للجميع ومكررة، وعليها الدليل القائم إلى يوم القيامة، فقال تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ ..} [الفرقان: 53]. المَرْج: المرعى المباح، أو الكلأ العام الذي يسوم فيه الراعي ماشيته تمرح كيف تشاء. فمعنى {مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ ..} [الفرقان: 53] أي: جعل العَذْب والمالح يسيران، كُلٌّ كما يشاء، لذلك تجد البحار والمحيطات المالحة التي تمثل ثلاثة أرباع اليابسة ليس لها شكل هندسي منتظم، بل تجده تعاريج والتواءات، وانظر مثلاً إلى خليج المكسيك أو خليج العقبة، وكأن الماء يسير على (هواه) ودون نظام، فلا يشكل مستطيلاً أو مربعاً أو دائرة. وكذلك الأنهار التي تولدتْ من الأمطار على أعلى الجبال، فتراها حين تتجمع وتسير تسير كما تشاء، ملتوية ومُتعرِّجة؛ لأن الماء يشقُّ مجراه في الأماكن السهلة، فإنْ صادفته عقبة بسيطة ينحرف هنا أو هناك، ليكمل مساره، وانظر إلى التواء النيل مثلاً عند (قنا). إذن: الماء عَذْبٌ أو مالح يسير على هواه، وليست المسألة (ميكانيكا)، وليست منتظمة كالتي يشقُّها الإنسان، فتأتي مستقيمة. ونلحظ هذه الظاهرة مثلاً حينما يقضي الإنسان حاجته في الخلاء، فينزل البول يشقّ له مجرىً في المكان الذي لا يعوقه، فإنْ صادفته حصاة مثلاً انحرف عنها كأنه يختار مساره على هواه. والبحر يقال عادة للمالح وللعذب على سبيل التغليب، كما نقول الشمسان للشمس والقمر. ومرْج البحرين آية كونية تدل على قدرة الله، فالماء مع ما عُرف عنه من خاصية الاستطراق - يعني: يسير إلى المناطق المنخفضة، يسير المالح والعذب معاً دون أن يختلط أحدهما بالآخر، ولو اختلطا لَفَسدا جميعاً؛ لأن العَذْب إنْ خالطه المالح أصبح غيْرَ صالح للشرب، وإنْ خالط المالح العذب فسد المالح، وقد خلقه الله على درجة معينة من الملوحة بحيث تُصلحه فلا يفسد، وتحفظه أن يكون آسناً. فالماء العذب حين تحصره في مكان يأسن ويتغير، أمّا البحر فقد أعدَّه الله ليكون مخزن الماء في الكون ومصدر البَخْر الذي تتكون منه الأنهار؛ لذلك حفظه، وجعل بينه وبين الماء العذب تعايشاً سِلْمياً، لا يبغي أحدهما على الآخر رغم تجاورهما. وقوله تعالى: {هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ ..} [الفرقان: 53] أي: مُفرِط في العذوبة مستساغ، ومن هذه الكلمة سَمَّوْا نهر الفرات لعذوبة مائه، فلَيس المراد بالفرات أن الماء كماء نهر الفرات؛ لأن الكلمة وُضِعت أولاً، ثم سُمِّيَ بها النهر، ذلك لأن القرآن هو كلام الله الأزلي. {وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ ..} [الفرقان: 53] أي: شديد الملوحة، ومع ذلك تعيش فيه الأسماك والحيوانات المائية، وتتغذى عليه كما تتغذى على الماء العَذْب، كما قال سبحانه: {أية : وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ..}تفسير : [فاطر: 12]. ثم يقول سبحانه: {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً} [الفرقان: 53] البرزخ: شيء بين شيئين، وأصل كلمة برزخ: اليابسة التي تفصل بين ماءين، فإن كان الماء بين يابستين فهو خليج. {وَحِجْراً مَّحْجُوراً} [الفرقان: 53] الحِجْر: هو المانع الذي ينمع العَذْب والمالح أنْ يختلطا، والحِجْر نفسه محجور، مبالغة في المنع من اختلاط الماءيْن، كما جاء في قوله تعالى: {أية : وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً}تفسير : [الإسراء: 45]. ومثل قوله تعالى: {أية : ظِـلاًّ ظَلِيلاً}تفسير : [النساء: 57]. ثم يقول الحق سبحانه: {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلْمَآءِ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ} معناه خَلاَّهُما فاختلطَا والمَريجُ: المُختلطُ. تفسير : وقوله تعالى: {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً} والبَرزخُ: المَجلسُ. وقال: الأجلُ. وقال البَرزخُ: عَرضُ الأَرضِ. والحِجرُ المَحجورِ: الحاجِزُ لئلا يَختلطَ المِلحُ بالعَذبِ.

الجيلاني

تفسير : {وَ} قله لهم تنبيهاً عليهم: كيف تغفلون عن ربكم وعن دينه الموضوع فيكم إصلاحاً لحالكم؟! {هُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ} أي: التوحيد والشرك كلاهما متجاورين متلاصقين، مع أنه {هَـٰذَا} أي: التوحيد {عَذْبٌ فُرَاتٌ} سائغ شرابه للمتعطشين بزلاله {وَهَـٰذَا} أي: الشرك والكفر {مِلْحٌ أُجَاجٌ} أي: مالح في كمال الملوحة إلى حيث يقطع أمعاء شاربيه {وَ} من كمال لطف الله على عباده {جَعَلَ} سبحانه دين الإسلام والشريعة الموضوعة؛ للضبط {بَيْنَهُمَا} أي: بين التوحيد والشرك {بَرْزَخاً} مانعاً عن التصاقهما واتصالهما {وَ} جعله {حِجْراً مَّحْجُوراً} [الفرقان: 53] أي: حداً محدوداً، مانعاً عن امتزاجهما واختلاطهما. {وَ} كيف تنكرون أيها المنكرون سريان وحدته الذاتية على صفائح مظاهره {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ} أي: أظهر وأوجد تنبيهاً لعباده على سر توحيده {مِنَ ٱلْمَآءِ} أي: من نقطة النطفة {بَشَراً} سوياً ذا أجزاء مختلفة طبعاً وشكلاً، صلابةً وليناً، قوةً وضعفاً، رقةً وغلظاً، إلى غير ذلك من الصفات المتقابلة والأجزاء المتفاوتة التي عجزت عن تشريح جزءٍ من أجزاء شخص من أشخاص نوع الإنسان فحول الحكماء، مع وفور دواعيهم لكشفها إلى حيث تاهوا وتحيروا عن ضبط ما فيه من الامتزاجات والارتباطات، فكيف عن جميع أجزائه؟! وبعدما قدَّره سبحانه، وسوَّاه بكمال قدرته وقوته، ووفور حكمته قسَّمه قسمين {فَجَعَلَهُ نَسَباً} أي: جعل قسماً منه ذكراً ذا نسب ونسل ينسب إليه من يخلفه من أولاده الحاصلة من نطفة. {وَ} جعل قسماً آخر منه {صِهْراً} أي: أنثى يصاهر بها؛ أي: يختلط ويمتزج الذكر معها؛ إبقاءً للنوع وتتميماً لبقائه على سبيل التناسل والتوالد إلى ما شاء الله {وَ} بالجملة: {كَانَ رَبُّكَ} الذي رباك يا أكمل الرسل على كمال الذكاء والفطنة في فهم سرائر توحيده، ورقائق تجلياته الجلالية والجمالية {قَدِيراً} [الفرقان: 54] على ما شاء وأراد بلا فتور وقصور. {وَ} مع كمال قدرته سبحانه، وعلو شأنه وسطوع برهانه {يَعْبُدُونَ} من خبث طينتهم وشدة قسوتهم {مِن دُونِ ٱللَّهِ} الحقيق بالعبودية ذاتاً ووصفاً واسماً {مَا لاَ يَنفَعُهُمْ وَلاَ يَضُرُّهُمْ} يعني: أصناماً وأوثاناً لا يُرجى نفعهم ولا ضرهم لا لأنفسهم ولا لغيرهم وبالجملة: لا يملكون شيئاً من لوازم الألوهية والربوبية مطلقاً {وَكَانَ ٱلْكَافِرُ} الجاحد الجاهل بذات الله وكمال أسمائه وصفاته {عَلَىٰ رَبِّهِ} الذي رباه بمقتضيات أوصافه وأسمائه {ظَهِيراً} [الفرقان: 55] يظهر عليه بالباطل ويظاهره، وينبذ الحق وراء ظهره ويخالفه، ولا يلتفت إليه عتواً واستكباراً. {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ} يا أكمل الرسل {إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً} [الفرقان: 56] إلى كافة البرايا وعامة العباد؛ لتبشرهم على ما ينفعهم، وتنذرهم عما يضرهم؛ يعني: تهديهم إلى المعرفة والتوحيد الذي هم جُبلوا لأجله، وتمنعهم عن المفاسد المنافية له ولطريقه. وإن نسبوك يا أكمل الرسل إلى أخذ الجُعل والرشا؛ لإرشادك وإهدائك إيام {قُلْ} لهم تبكيتاً وإلزاماً: {مَآ أَسْأَلُكُمْ} وأطلب منكم {عَلَيْهِ} أي: على تبليغي إياكم ما أُوحي إلي من ربي، وإرشادي لكم بمقتضى الوحي الإلهي {مِنْ أَجْرٍ} جُعل ومال آخذه منكم، وأجعله سبباً للجاه والثروة وأنواع المفاخرة والمباهاة بها، كما هو عادة الجهلة المشيخين في هذا الزمان الذين هم من أعوان الشيطان، نسبوا أنفسهم إلى الصوفية والمتشرعين تلبيساً وتغريراً، وأخذوا من ضعفاء العوام من حطام الدنيا بعدما أفسدوا عقائدهم بأنواع التلبيسات والتدليسات، وتحليل المحرمات وإباحة المحظورات واختزنوها. ثمَّ ادعو بسببها الرئاسة والسيادة حتى مضوا عليها زماناً، وكثر الأتباع والأحشام، وهيأوا الأعوان والأنصار بتلبيسهم هذ، ثمَّ بعد ذلك بغوا على السلطان وقصدوا الخروج على أولي الأمر والطاعة، واشتغلوا بتخريب البلدان وإضرار أهل الإيمان، وقصدوا أموال الأنام وأعراضهم وسبي ذراريهم، ومع ذلك سموا أنفسهم أهل الحق والعدل، وأرباب المعرفة والإيمان، وأصحاب التحقيق واليقين، ألا ذلك هو الخسران المبين والطغيان العظيم - عصمنا الله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا - بل ما أطلب بتبليغي هذا{إِلاَّ} هداية {مَن شَآءَ} وأراد بتوفيق الله إياه ممن سبقت لهم العناية الأزلية {أَن يَتَّخِذَ} ويطلب {إِلَىٰ رَبِّهِ} الذي رباه بأنواع الكرامات {سَبِيلاً} الفرقان: 57] يوصله إلى معرفته وتوحيده.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: وهو وحده الذي مرج البحرين يلتقيان البحر العذب وهي الأنهار السارحة على وجه الأرض والبحر الملح وجعل منفعة كل واحد منهما مصلحة للعباد، { وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا } أي: حاجزا يحجز من اختلاط أحدهما بالآخر فتذهب المنفعة المقصودة منها { وَحِجْرًا مَحْجُورًا } أي: حاجزا حصينا.

همام الصنعاني

تفسير : 2092- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً}: [الآية: 53]، قال: جَعَلَ هذا ملحاً أجاجاً، والأجاج المر. 2093- قال عبد الرزاق، قال معمر، وقال الكلبي: {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً} يقول حَاجِزاً.