Verse. 2910 (AR)

٢٥ - ٱلْفُرْقَان

25 - Al-Furqan (AR)

وَيَعْبُدُوْنَ مِنْ دُوْنِ اللہِ مَا لَا يَنْفَعُہُمْ وَلَا يَضُرُّہُمْ۝۰ۭ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلٰي رَبِّہٖ ظَہِيْرًا۝۵۵
WayaAAbudoona min dooni Allahi ma la yanfaAAuhum wala yadurruhum wakana alkafiru AAala rabbihi thaheeran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ويعبدون» أي الكفار «من دون الله ما لا ينفعهم» بعبادته «ولا يضرهم» بتركها وهو الأصنام «وكان الكافر على ربه ظهيرا» معينا للشيطان بطاعته.

55

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أنه تعالى لما شرح دلائل التوحيد عاد إلى تهجين سيرتهم في عبادة الأوثان، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قيل المراد بالكافر أبو جهل لأن الآية نزلت فيه، والأولى حمله على العموم، لأن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ، ولأنه أوفق بظاهر قوله: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ }. المسألة الثانية: ذكروا في الظهير وجوهاً: أحدها: أن الظهير بمعنى المظاهر، كالعوين بمعنى المعاون، وفعيل بمعنى مفاعل غير (غريب)، والمعنى أن الكافر يظاهر الشيطان على ربه بالعداوة. فإن قيل كيف يصح في الكافر أن يكون معاوناً للشيطان على ربه بالعداوة؟ قلنا إنه تعالى ذكر نفسه وأراد رسوله كقوله: { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ } تفسير : [الأحزاب: 57] وثانيها: يجوز أن يريد بالظهير الجماعة، كقوله: { أية : وَالْمَلَـئِكَةُ بَعْدَ ذٰلِكَ ظَهِيرٌ } تفسير : [التحريم: 4] كما جاء الصديق والخليط، وعلى هذا التفسير يكون المراد بالكافر الجنس، وأن بعضهم مظاهر لبعض على إطفاء نور (دين) الله تعالى، قال تعالى: { أية : وَإِخْوٰنُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِى ٱلْغَىِّ } تفسير : [الأعراف: 202]، وثالثها: قال أبو مسلم الأصفهاني: الظهير من قولهم: ظهر فلان بحاجتي إذا نبذها وراء ظهره، وهو من قوله تعالى: { أية : وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءكُمْ ظِهْرِيّاً } تفسير : [هود: 92] ويقال فيمن يستهين بالشيء: نبذه وراء ظهره، وقياس العربية أن يقال مظهور، أي مستخف به متروك وراء الظهر، فقيل فيه ظهير في معنى مظهور، ومعناه هين على الله أن يكفر الكافر وهو تعالى مستهين بكفره. أما قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشّرًا وَنَذِيرًا } فتعلق ذلك بما تقدم، هو أن الكفار يطلبون العون على الله تعالى وعلى رسوله، والله تعالى بعث رسوله لنفعهم، لأنه بعثه ليبشرهم على الطاعة، وينذرهم على المعصية، فيستحقوا الثواب ويحترزوا عن العقاب، فلا جهل أعظم من جهل من استفرغ جهده في إيذاء شخص استفرغ جهده في إصلاح مهماته ديناً ودنيا، ولا يسألهم على ذلك ألبتة أجراً. أما قوله: {إِلاَّ مَن شَاء } فذكروا فيه وجوهاً متقاربة أحدها: لا يسألهم على الأداء والدعاء أجراً إلا أن يشاءوا أن يتقربوا بالإنفاق في الجهاد وغيره، فيتخذوا به سبيلاً إلى رحمة ربهم ونيل ثوابه وثانيها: قال القاضي: معناه لا أسألكم عليه أجراً لنفسي وأسألكم أن تطلبوا الأجر لأنفسكم باتخاذ السبيل إلى ربكم وثالثها: قال صاحب «الكشاف»: مثال قوله: {إِلاَّ مَن شَاء } والمراد إلا فعل من شاء، واستثناؤه عن الأجر قول ذي شفقة عليك قد سعى لك في تحصيل مال ما أطلب منك ثواباً على ما سعيت، إلا أن تحفظ هذا المال ولا تضيعه، فليس حفظك المال لنفسك من جنس الثواب، ولكن صوره هو بصورة الثواب وسماه باسمه فأفاد فائدتين إحداهما قلع شبهة الطمع في الثواب من أصله كأنه يقول لك إن كان حفظك لمالك ثواباً، فإني أطلب الثواب، والثانية إظهار الشفقة البالغة، وأن حفظك لمالك يجري مجرى الثواب العظيم الذي توصله إلي، ومعنى اتخاذهم إلى الله سبيلاً، تقربهم إليه وطلبهم عنده الزلفى بالإيمان والطاعة، وقيل المراد التقرب بالصدقة والنفقة في سبيل الله. أما قوله: {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَىّ ٱلَّذِى لاَ يَمُوتُ } فالمعنى أنه سبحانه لما بين أن الكفار متظاهرون على إيذائه، فأمره بأن لا يطلب منهم أجراً ألبتة، أمره بأن يتوكل عليه في دفع جميع المضار، وفي جلب جميع المنافع، وإنما قال: {عَلَى ٱلْحَىّ ٱلَّذِى لاَ يَمُوتُ } لأن من توكل على الحي الذي يموت، فإذا مات المتوكل عليه صار المتوكل ضائعاً، أما هو سبحانه وتعالى فإنه حي لا يموت فلا يضيع المتوكل عليه ألبتة. أما قوله: {وَسَبّحْ بِحَمْدِهِ } فمنهم من حمله على نفس التسبيح بالقول، ومنهم من حمله على الصلاة، ومنهم من حمله على التنزيه لله تعالى عما لا يليق به في توحيده وعدله وهذا هو الظاهر ثم قال: {وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً } وهذه كلمة يراد بها المبالغة يقال: كفى بالعلم جمالاً، وكفى بالأدب مالاً وهو بمعنى حسبك، أي لا تحتاج معه إلى غيره لأنه خبير بأحوالهم قادر على مكافأتهم وذلك وعيد شديد، كأنه قال إن أقدمتم على مخالفة أمره كفاكم علمه في مجازاتكم بما تستحقون من العقوبة.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُهُمْ وَلاَ يَضُرُّهُمْ} لما عدد النعم وبيّن كمال قدرته عجب من المشركين في إشراكهم به من لا يقدر على نفع ولا ضر؛ أي إن الله هو الذي خلق ما ذكره، ثم هؤلاء لجهلهم يعبدون من دونه أمواتاً جمادات لا تنفع ولا تضر. {وَكَانَ ٱلْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيراً} روي عن ابن عباس {الْكَافِرُ} هنا أبو جهل؛ وشرحه أنه يستظهر بعبادة الأوثان على أوليائه. وقال عكرمة: {الْكَافِرُ} إبليس، ظهر على عداوة ربه. وقال مُطَرِّف: {الْكَافِرُ} هنا الشيطان. وقال الحسن: {ظَهِيراً} أي معيناً للشيطان على المعاصي. وقيل: المعنى؛ وكان الكافر على ربه هيناً ذليلاً لا قدر له ولا وزن عنده؛ من قول العرب: ظهرت به أي جعلته خلف ظهرك ولم تلتفت إليه. ومنه قوله تعالى: {أية : وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً}تفسير : [هود: 92] أي هيناً. ومنه قول الفرزدق:شعر : تميمَ بنَ قيسٍ لا تكوننّ حاجتي بِظَهْرٍ فلا يعيا عليّ جوابُها تفسير : هذا معنى قول أبي عبيدة. وظهير بمعنى مظهور. أي كفر الكافرين هين على الله تعالى، والله مستهين به لأن كفره لا يضره. وقيل: وكان الكافر على ربه الذي يعبده وهو الصنم قوياً غالباً يعمل به ما يشاء؛ لأن الجماد لا قدرة له على دفع ضر ونفع.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن جهل المشركين في عبادتهم غير الله من الأصنام التي لا تملك لهم ضراً ولا نفعاً، بلا دليل قادهم إلى ذلك، ولا حجة أدتهم إليه، بل بمجرد الآراء والتشهي والأهواء، فهم يوالونهم ويقاتلون في سبيلهم، ويعادون الله ورسوله والمؤمنين فيهم، ولهذا قال تعالى: {وَكَانَ ٱلْكَـٰفِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيراً} أي: عوناً في سبيل الشيطان على حزب الله وحزب الله، هم الغالبون، كما قال تعالى: {أية : وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ} تفسير : [يس: 74 ــــ 75] أي: آلهتهم التي اتخذوها من دون الله لا تملك لهم نصراً، وهؤلاء الجهلة للأصنام جند محضرون يقاتلون عنهم، ويذبون عن حوزتهم، ولكن العاقبة والنصرة لله ولرسوله وللمؤمنين في الدنيا والآخرة. قال مجاهد: {وَكَانَ ٱلْكَـٰفِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيراً} قال: يظاهر الشيطان على معصية الله، ويعينه. وقال سعيد بن جبير: {وَكَانَ ٱلْكَـٰفِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيراً} يقول: عوناً للشيطان على ربه بالعداوة والشرك. وقال زيد بن أسلم: {وَكَانَ ٱلْكَـٰفِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيراً} قال: موالياً. ثم قال تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} أي: بشيراً للمؤمنين، ونذيراً للكافرين، مبشراً بالجنة لمن أطاع الله، ونذيراً بين يدي عذاب شديد لمن خالف أمر الله {قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} أي: على هذا البلاغ وهذا الإنذار من أجرة أطلبها من أموالكم، وإنما أفعل ذلك ابتغاء وجه الله تعالى {أية : لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ} تفسير : [التكوير: 28] {إِلاَّ مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً} أي: طريقاً ومسلكاً ومنهجاً يقتدي فيها بما جئت به. ثم قال تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَىِّ ٱلَّذِى لاَ يَمُوتُ} أي: في أمورك كلها كن متوكلاً على الله الحي الذي لا يموت أبداً، الذي هو {أية : هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلأَخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَـٰطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ} تفسير : [الحديد: 3] الدائم الباقي السرمدي الأبدي الحي القيوم، ورب كل شيء ومليكه، اجعله ذخرك وملجأك، وهو الذي يتوكل عليه ويفزع إليه، فإنه كافيك وناصرك، ومؤيدك ومظفرك؛ كما قال تعالى: {أية : يَـٰۤأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [المائدة: 67]. وروى ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل قال: قرأت على معقل، يعني: ابن عبيد الله، عن عبد الله بن أبي حسين عن شهر بن حوشب قال: لقي سلمان النبي صلى الله عليه وسلم في بعض فجاج المدينة، فسجد له، فقال: «حديث : لا تسجد لي يا سلمان، واسجد للحي الذي لا يموت» تفسير : وهذا مرسل حسن. وقوله تعالى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ} أي: اقرن بين حمده وتسبيحه، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : سبحانك اللهم ربنا وبحمدك» تفسير : أي: أخلص له العبادة والتوكل؛ كما قال تعالى: {أية : رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلاً} تفسير : [المزمل: 9] وقال تعالى: {أية : فَٱعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} تفسير : [هود: 123] وقال تعالى: {أية : قُلْ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ءَامَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا} تفسير : [الملك: 29]. وقوله تعالى: {وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً} أي: بعلمه التام الذي لا يخفى عليه خافية، ولا يعزب عنه مثقال ذرة. وقوله تعالى: {ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} الآية، أي: هو الحي الذي لا يموت، وهو خالق كل شيء وربه ومليكه، الذي خلق بقدرته السموات السبع في ارتفاعها واتساعها، والأرضين السبع في سفولها وكثافتها {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} أي: يدبر الأمر، ويقضي الحق، وهو خير الفاصلين. وقوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱلرَّحْمَـٰنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً} أي: استعلم عنه من هو خبير به، عالم به، فاتبعه واقتد به، وقد علم أنه لا أحد أعلم بالله ولا أخبر به من عبده ورسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه، سيد ولد آدم على الإطلاق في الدنيا والآخرة، الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، فما قاله فهو الحق، وما أخبر به فهو الصدق، وهو الإمام المحكم الذي إذا تنازع الناس في شيء، وجب رد نزاعهم إليه، فما وافق أقواله وأفعاله، فهو الحق، وما خالفها، فهو مردود على قائله وفاعله، كائناً من كان، قال الله تعالى: {أية : فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْءٍ} تفسير : [النساء: 59] الآية، وقال تعالى: {أية : وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَىْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ} تفسير : [الشورى: 10] وقال تعالى: {أية : وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً} تفسير : [الأنعام: 115] أي: صدقاً في الإخبار، وعدلاً في الأوامر والنواهي، ولهذا قال تعالى: {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً}. قال مجاهد: في قوله: {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً} قال: ما أخبرتك من شيء، فهو كما أخبرتك. وكذا قال ابن جريج. وقال شمر بن عطية في قوله: {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً} هذا القرآن خبير به. ثم قال تعالى منكراً على المشركين الذين يسجدون لغير الله من الأصنام والأنداد: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ} أي: لا نعرف الرحمن، وكانوا ينكرون أن يسمى الله باسمه الرحمن، كما أنكروا ذلك يوم الحديبية حين قال النبي صلى الله عليه وسلم للكاتب: «حديث : اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم» تفسير : فقالوا: لا نعرف الرحمن ولا الرحيم، ولكن اكتب كما كنت تكتب: باسمك اللهم، ولهذا أنزل الله تعالى: {أية : قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ ٱلاَْسْمَآءَ ٱلْحُسْنَىٰ} تفسير : [الإسراء: 110] أي: هو الله، وهو الرحمن. وقال في هذه الآية: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ} أي: لا نعرفه، ولا نقر به، {أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا}؟ أي: لمجرد قولك، {وَزَادَهُمْ نُفُوراً} فأما المؤمنون فإنهم يعبدون الله الذي هو الرحمن الرحيم، ويفردونه بالإلهية، ويسجدون له، وقد اتفق العلماء رحمهم الله على أن هذه السجدة التي في الفرقان مشروع السجود عندها لقارئها ومستمعها؛ كما هو مقرر في موضعه، والله سبحانه وتعالى أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَيَعْبُدُونَ } أي الكفار {مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُهُمْ } بعبادته {وَلاَ يَضُرُّهُمْ } بتركها وهو الأصنام {وَكَانَ ٱلْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيراً } معيناً للشيطان بطاعته.

الشوكاني

تفسير : لما ذكر سبحانه دلائل التوحيد عاد إلى ذكر قبائح الكفار، وفضائح سيرتهم، فقال {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُهُمْ } إن عبدوه {وَلاَ يَضُرُّهُمْ } إن تركوه {وَكَانَ ٱلْكَـٰفِرُ عَلَىٰ رَبّهِ ظَهِيراً } الظهير المظاهر أي: المعاون على ربه بالشرك والعداوة، والمظاهرة على الربّ هي المظاهرة على رسوله، أو على دينه. قال الزجاج: لأنه يتابع الشيطان، ويعاونه على معصية الله، لأن عبادتهم للأصنام معاونة للشيطان. وقال أبو عبيدة: المعنى: وكان الكافر على ربه هيناً ذليلاً، من قول العرب ظهرت به أي: جعلته خلف ظهرك لم تلتفت إليه، ومنه قوله: {أية : وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيّاً } تفسير : [هود: 92] أي: هيناً، ومنه أيضاً قول الفرزدق:شعر : تميم بن بدر لا تكوننّ حاجتي بظهر فلا يعيا عليّ جوابها تفسير : وقيل: إن المعنى: وكان الكافر على ربه الذي يعبده، وهو الصنم قوياً غالباً يعمل به ما يشاء، لأن الجماد لا قدرة له على دفع ونفع، ويجوز أن يكون الظهير جمعاً كقوله: {أية : وَالْمَلاَئِكَة بَعْدَ ذٰلِكَ ظَهِيرٌ } تفسير : [التحريم: 4]، والمعنى: أن بعض الكفرة مظاهر لبعض على رسول الله، أو على دين، والمراد بالكافر هنا الجنس، ولا ينافيه كون سبب النزول هو كافر معين كما قيل: إنه أبو جهل. {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشّرًا وَنَذِيرًا } أي: مبشراً للمؤمنين بالجنة، ومنذراً للكافرين بالنار. {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ } أي: قل لهم يا محمد: ما أسألكم على القرآن من أجر، أو على تبليغ الرسالة المدلول عليه بالإرسال، والاستثناء في قوله: {إِلاَّ مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبّهِ سَبِيلاً } منقطع أي: لكن من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً فليفعل، وقيل: هو متصل. والمعنى: إلاّ من شاء أن يتقرّب إليه سبحانه بالطاعة، وصور ذلك بصورة الأجر من حيث أنه مقصود الحصول. ولما بين سبحانه أن الكفار متظاهرون على رسول الله، وأمره أن لا يطلب منهم أجراً ألبتة، أمره أن يتوكل عليه في دفع المضارّ، وجلب المنافع، فقال: {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَيّ ٱلَّذِي لاَ يَمُوتُ } وخصّ صفة الحياة إشارة إلى أن الحيّ هو الذي يوثق به في المصالح، ولا حياة على الدوام إلاّ لله سبحانه دون الأحياء المنقطعة حياتهم، فإنهم إذا ماتوا ضاع من يتوكل عليهم، والتوكل: اعتماد العبد على الله في كلّ الأمور {وَسَبّحْ بِحَمْدِهِ } أي: نزّهه عن صفات النقصان، وقيل: معنى {سبح}: صلّ، والصلاة تسمى تسبيحاً {وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً } أي: حسبك، وهذه كلمة يراد بها المبالغة كقولك: كفى بالله رباً، والخبير: المطلع على الأمور بحيث لا يخفى عليه منها شيء، ثم زاد في المبالغة، فقال: {ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } قد تقدّم تفسير هذا في الأعراف، والموصول في محل جرّ على أنه صفة للحيّ، وقال: {بينهما}، ولم يقل: بينهنّ؛ لأنه أراد النوعين، كما قال القطامي:شعر : ألم يحزنك أن جبال قيس وتغلب قد تباتتا انقطاعاً تفسير : فإن قيل: يلزم أن يكون خلق العرش بعد خلق السماوات، والأرض كما تفيده ثم، فيقال: إن كلمة ثم لم تدخل على خلق العرش بل على رفعه على السمٰوات، والأرض، والرحمٰن مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وهو صفة أخرى للحيّ، وقد قرأه الجمهور بالرفع، وقيل: يجوز أن يكون بدلاً من الضمير في {استوى}، أو يكون مبتدأ وخبره الجملة أي: فاسأل على رأي الأخفش، كما في قول الشاعر:شعر : وقائلة خولان فانكح فتاتهم تفسير : وقرأ زيد بن علي: "الرحمن" بالجرّ على أنه نعت للحيّ، أو للموصول {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً } الضمير في به يعود إلى ما ذكر من خلق السماوات والأرض، والاستواء على العرش. والمعنى: فاسأل بتفاصيل ما ذكر إجمالاً من هذه الأمور. وقال الزجاج والأخفش: الباء بمعنى عن أي: فاسأل عنه، كقوله {أية : سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ } تفسير : [المعارج: 1] وقول عنترة بن شداد:شعر : هلا سألت الخيل يا ابنة مالك إن كنت جاهلة بما لم تعلم تفسير : وقال علقمة بن عبده:شعر : فإن تسألوني بالنساء فإنني خبير بأدواء النساء طبيب تفسير : والمراد بالخبير: الله سبحانه؛ لأنه لا يعلم تفاصيل تلك المخلوقات إلاّ هو، ومن هذا قول العرب: لو لقيت فلاناً للقيك به الأسد أي: للقيك بلقائك إياه الأسد، فخبيراً منتصب على المفعولية، أو على الحال المؤكدة، واستضعف الحالية أبو البقاء، فقال: يضعف أن يكون {خبيراً} حالاً من فاعل اسأل، لأن الخبير لا يسأل إلاّ على جهة التوكيد، كقوله: {أية : وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدّقًا } تفسير : [البقرة: 91] قال: ويجوز أن يكون حالاً من الرحمٰن إذا رفعته باستوى. وقال ابن جرير: يجوز أن تكون الباء في به زائدة. والمعنى: فاسأله حال كونه خبيراً. وقيل: قوله: "به" يجري مجرى القسم كقوله: {أية : وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ } تفسير : [النساء: 1]، والوجه الأوّل أقرب هذه الوجوه. ثم أخبر سبحانه عنهم بأنهم جهلوا معنى الرحمن فقال: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ } قال المفسرون: إنهم قالوا ما نعرف الرحمٰن إلاّ رحمٰن اليمامة، يعنون مسيلمة. قال الزجاج: الرحمٰن: اسم من أسماء الله، فلما سمعوه أنكروا، فقالوا: وما الرحمٰن {أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا }، والاستفهام للإنكار أي: لا نسجد للرحمٰن الذي تأمرنا بالسجود له، ومن قرأ بالتحتية، فالمعنى: أنسجد لما يأمرنا محمد بالسجود له. وقد قرأ المدنيون، والبصريون: {لِمَا تَأْمُرُنَا } بالفوقية، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم، وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي بالتحتية. قال أبو عبيد: يعنون الرحمٰن. قال النحاس: وليس يجب أن يتأوّل على الكوفيين في قراءتهم هذا التأويل البعيد، ولكن الأولى: أن يكون التأويل لهم اسجدوا لما يأمرنا النبيّ صلى الله عليه وسلم، فتصح القراءة على هذا، وإن كانت الأولى أبين. {وَزَادَهُمْ نُفُوراً } أي: زادهم الأمر بالسجود نفوراً عن الدين، وبعداً عنه، وقيل: زادهم ذكر الرحمٰن تباعداً من الإيمان، كذا قال مقاتل، والأوّل أولى. ثم ذكر سبحانه ما لو تفكروا فيه لعرفوا وجوب السجود للرحمٰن، فقال: {تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَاء بُرُوجاً } المراد بالبروج بروج النجوم أي: منازلها الإثنا عشر، وقيل: هي النجوم الكبار، والأوّل أولى. وسميت بروجاً، وهي القصور العالية؛ لأنها للكواكب كالمنازل الرفيعة لمن يسكنها، واشتقاق البرج من التبرج، وهو الظهور. {وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً } أي: شمساً، ومثله قوله تعالى: {أية : وَجَعَلَ ٱلشَّمْسَ سِرَاجاً } تفسير : [نوح: 16] قرأ الجمهور: {سراجاً} بالإفراد. وقرأ حمزة، والكسائي {سرجاً} بالجمع أي: النجوم العظام الوقادة، ورجح القراءة الأولى أبو عبيد. قال الزجاج: في تأويل قراءة حمزة والكسائي أراد الشمس والكواكب {وَقَمَراً مُّنِيراً } أي: ينير الأرض إذا طلع، وقرأ الأعمش "قمراً" بضم القاف، وإسكان الميم، وهي قراءة ضعيفة شاذة. {وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً } قال أبو عبيدة: الخلفة: كلّ شيء بعد شيء: الليل خلفة للنهار، والنهار خلفة لليل، لأن أحدهما يخلف الآخر، ويأتي بعده؛ ومنه خلفة النبات، وهو: ورق يخرج بعد الورق الأول في الصيف، ومنه قول زهير بن أبي سلمى:شعر : بها العين والآرام يمشين خلفة وأطلاؤها ينهضن من كلّ مجثم تفسير : قال الفراء في تفسير الآية: يقول: يذهب هذا، ويجيء هذا، وقال مجاهد: خلفة من الخلاف، هذا أبيض، وهذا أسود. وقيل: يتعاقبان في الضياء والظلام، والزيادة والنقصان. وقيل: هو من باب حذف المضاف أي: جعل الليل، والنهار ذوي خلفة أي: اختلاف {لّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ } قرأ حمزة مخففاً، وقرأ الجمهور بالتشديد، فالقراءة الأولى من الذكر لله، والقراءة الثانية من التذكر له. وقرأ أبيّ بن كعب: "يتذكر"، ومعنى الآية: أن المتذكر المعتبر إذا نظر في اختلاف الليل والنهار علم أنه لا بدّ في انتقالهما من حال إلى حال من ناقل {أَوْ أَرَادَ شُكُوراً } أي: أراد أن يشكر الله على ما أودعه في الليل والنهار من النعم العظيمة، والألطاف الكثيرة. قال الفراء: ويذكر ويتذكر يأتيان بمعنى واحد. قال الله تعالى: {أية : وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ } تفسير : [الأعراف:171]، وفي حرف عبد الله "ويذكروا ما فيه". {وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً } هذا كلام مستأنف مسوق لبيان صالحي عباد الله سبحانه، و{عباد الرحمٰن} مبتدأ وخبره الموصول مع صلته، والهون مصدر، وهو السكينة والوقار. وقد ذهب جماعة من المفسرين إلى أن الهون متعلق بـ {يمشون} أي: يمشون على الأرض مشياً هوناً. قال ابن عطية: ويشبه أن يتأوّل هذا على أن تكون أخلاق ذلك الماشي هوناً مناسبة لمشيه، وأما أن يكون المراد صفة المشيء وحده، فباطل، لأنه ربّ ماش هوناً رويداً، وهو ذئب أطلس، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكفأ في مشيه كأنما يمشي في صيب. {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَـٰهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً } ذكر سبحانه أنهم يتحملون ما يرد عليهم من أذى أهل الجهل والسفه، فلا يجهلون مع من يجهل، ولا يسافهون أهل السفه. قال النحاس: ليس هذا السلام من التسليم إنما هو من التسلم، تقول العرب: سلاماً أي: تسلماً منك أي: براءة منك، منصوب على أحد أمرين: إما على أنه مصدر لفعل محذوف أي: قالوا: سلمنا سلاماً، وهذا على قول سيبويه، أو على أنه مفعول به أي: قالوا: هذا اللفظ، ورجحه ابن عطية. وقال مجاهد: معنى {سلاماً}: سداداً، أي: يقول للجاهل كلاماً يدفعه به برفق ولين. قال سيبويه: لم يؤمر المسلمون يومئذٍ أن يسلموا على المشركين لكنه على قوله تسليماً منكم، ولا خير، ولا شرّ بيننا وبينكم. قال المبرد: كان ينبغي أن يقال: لم يؤمر المسلمون يومئذٍ بحربهم، ثم أمروا بحربهم. وقال محمد بن يزيد: أخطأ سيبويه في هذا وأساء العبارة. قال النحاس: ولا نعلم لسيبويه كلاماً في معنى الناسخ، والمنسوخ إلاّ في هذه الآية، لأنه قال في آخر كلامه: فنسختها آية السيف. وأقول: هكذا يكون كلام الرجل إذا تكلم في غير علمه، ومشى في غير طريقته، ولم يؤمر المسلمون بالسلام على المشركين، ولا نهوا عنه. بل أمروا بالصفح، والهجر الجميل، فلا حاجة إلى دعوى النسخ. قال النضر بن شميل: حدّثني الخليل قال: أتيت أبا ربيعة الأعرابي، وكان من أعلم من رأيت. فإذا هو على سطح، فسلمنا، فردّ علينا السلام، وقال لنا: استووا، فبقينا متحيرين، ولم ندر ما قال، فقال لنا أعرابيّ إلى جنبه: أمركم أن ترتفعوا. قال الخليل: هو من قول الله: {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَى إِلَى ٱلسَّمَاء } تفسير : [البقرة: 29] قال: فصعدنا إليه، فقال: هل لكم في خبز فطير، ولبن هجير؟ فقلنا: الساعة فارقناه، فقال: سلاماً، فلم ندر ما قال، فقال الأعرابيّ: إنه سالمكم متاركة لا خير فيها ولا شرّ. قال الخليل: هو من قول الله {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَـٰهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً}. {وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبّهِمْ سُجَّداً وَقِيَـٰماً } البيتوتة: هي أن يدركك الليل نمت أو لم تنم. قال الزجاج: من أدركه الليل، فقد بات، نام أو لم ينم، كما يقال: بات فلان قلقاً، والمعنى يبيتون لربهم سجداً على وجوههم، وقياماً على أقدامهم، ومنه قول امرىء القيس:شعر : فبتنا قياماً عند رأس جوادنا يزاولنا عن نفسه ونزاوله تفسير : {وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً } أي: هم مع طاعتهم مشفقون وجلون خائفون من عذابه، والغرام: اللازم الدائم، ومنه سمي الغريم لملازمته، ويقال: فلان مغرم بكذا أي: ملازم له مولع به، هذا معناه في كلام العرب، كما ذكره ابن الأعرابي وابن عرفة وغيرهما، ومنه قول الأعشى:شعر : إن يعاقب يكن غراما وإن يعط جزيلاً فإنه لا يبالي تفسير : وقال الزجاج: الغرام أشدّ العذاب. وقال أبو عبيدة: هو الهلاك. وقال ابن زيد: الشرّ، وجملة: {إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً } تعليل لما قبلها، والمخصوص محذوف: أي: هي، وانتصاب {مستقرًّا} على الحال، أو التمييز، وكذا {مقاماً}، قيل: هما مترادفان، وإنما عطف أحدهما على الآخر لاختلاف لفظيهما، وقيل: بل هما مختلفان معنى: فالمستقرّ للعصاة، فإنهم يخرجون، والمقام للكفار، فإنهم يخلدون، وساءت من أفعال الذم كبئست، ويجوز أن يكون هذا من كلام الله سبحانه، ويجوز أن يكون حكاية لكلامهم. ثم وصفهم سبحانه بالتوسط في الإنفاق، فقال: {وَٱلَّذِينَ إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ } قرأ حمزة والكسائي والأعمش وعاصم ويحيى بن وثاب: {يقتروا} بفتح التحتية، وضم الفوقية، من قتر يقتر، كقعد يقعد، وقرأ أبو عمرو وابن كثير بفتح التحتية، وكسر التاء الفوقية، وهي لغة معروفة حسنة، وقرأ أهل المدينة وابن عامر وأبو بكر عن عاصم بضم التحتية وكسر الفوقية. قال أبو عبيدة: يقال: قتر الرجل على عياله يقتر، ويقتر قتراً، وأقتر يقتر إقتاراً، ومعنى الجميع: التضييق في الإنفاق. قال النحاس: ومن أحسن ما قيل في معنى الآية: أن من أنفق في غير طاعة الله، فهو الإسراف، ومن أمسك عن طاعة الله، فهو الإقتار، ومن أنفق في طاعة الله، فهو القوام. وقال إبراهيم النخعي: هو الذي لا يجيع ولا يعرى، ولا ينفق نفقة، يقول الناس قد أسرف. وقال يزيد بن أبي حبيب: أولئك أصحاب محمد كانوا لا يأكلون طعاماً للتنعم واللذة ولا يلبسون ثوباً للجمال، ولكن كانوا يريدون من الطعام ما يسدّ عنهم الجوع، ويقوّيهم على عبادة الله، ومن اللباس ما يستر عوراتهم، ويقيهم الحرّ والبرد. وقال أبو عبيدة: لم يزيدوا على المعروف، ولم يبخلوا كقوله: {أية : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ } تفسير : [الإسراء: 29] قرأ حسان بن عبد الرحمن: "وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً" بكسر القاف، وقرأ الباقون بفتحها، فقيل: هما بمعنى، وقيل: القوام بالكسر: ما يدوم عليه الشيء ويستقرّ، وبالفتح: العدل، والإستقامة، قاله ثعلب. وقيل: بالفتح: العدل بين الشيئين، وبالكسر: ما يقام به الشيء لا يفضل عنه ولا ينقص. وقيل: بالكسر: السداد والمبلغ، واسم كان مقدّر فيها أي: كان إنفاقهم بين ذلك قواماً، وخبرها {قواماً}، قاله الفراء. وروي عن الفراء قول آخر، وهو أن اسم كان {بين ذلك}، وتبنى بين على الفتح؛ لأنها من الظروف المفتوحة. وقال النحاس: ما أدري ما وجه هذا، لأن بين إذا كانت في موضع رفع رفعت. وقد أخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {وَكَانَ ٱلْكَـٰفِرُ عَلَىٰ رَبّهِ ظَهِيراً } يعني: أبا الحكم الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا جهل بن هشام. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ } قال: قل لهم يا محمد: لا أسألكم على ما أدعوكم إليه من أجر، يقول: عرض من عرض الدنيا. وأخرج الخطيب في كتاب النجوم عنه أيضاً في قوله: {تَبَارَكَ ٱلَّذِى جَعَلَ فِى ٱلسَّمَاء بُرُوجاً } قال: هي هذه الإثنا عشر برجاً أولها: الحمل، ثم الثور، ثم الجوزاء، ثم السرطان، ثم الأسد، ثم السنبلة، ثم الميزان، ثم العقرب، ثم القوس، ثم الجدي، ثم الدلو، ثم الحوت. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً: {وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً } قال: أبيض وأسود. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً يقول: من فاته شيء من الليل أن يعمله أدركه بالنهار، ومن النهار أدركه بالليل. وأخرج الطيالسي وابن أبي حاتم عن الحسن: أن عمر أطال صلاة الضحى، فقيل له: صنعت اليوم شيئاً لم تكن تصنعه، فقال: إنه بقي عليّ من وردى شيء، فأحببت أن أتمه، أو قال: أقضيه، وتلا هذه الآية: {وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً } الآية. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ } قال: هم: المؤمنون {ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً } قال: بالطاعة والعفاف والتواضع. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال: {هَوْناً }: علماً وحلماً. وأخرج عبد بن حميد عن أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: {إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً } قال: "الدائم". وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَٱلَّذِينَ إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ } قال: هم المؤمنون لا يسرفون فينفقوا في معصية الله، ولا يقترون فيمنعوا حقوق الله.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {... وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبّهِ ظَهِيراً} فيه وجهان: أحدهما: عوناً، مأخوذ من المظاهر وهي المعونة، ومعنى قوله {عَلَى رَبِّهِ} أي على أولياء ربه. الثاني: هيناً، مأخوذ من قولهم ظهر فلان بحاجتي إذا تركها واستهان بها قال تعالى: {أية : وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُم ظِهْريّاً} تفسير : [هود: 92] أي هيناً، ومنه قول الفرزدق: شعر : تميم بن زيد لا تكونن حاجتي بظهرٍ فلا يعيا عَلَيّ جوابها تفسير : قيل إنها نزلت في أبي جهل. قوله عز وجل: {وَإِذَا قِيل لَهُمُ اسْجُدُواْ لِلرَّحْمَن قَالُواْ وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأَمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن العرب لم تكن تعرف الرحمن في أسماء الله تعالى: وكان مأخوذاً من الكتاب فلما دعوا إلى السجود لله تعالى بهذا الاسم سألواْ عنه مسألة الجاهل به فقالواْ {وَمَا الرَّحْمَن أَنَسْجُدُ لِمَا تَأَمْرُنَا}. الثاني: أن مسيلمة الكذاب كان يسمى الرحمن، فلما سمعوا هذا الاسم في القرآن حسبوه مسيلمة، فأنكروا ما دعوا إليه من السجود له. والثالث: أن هذا قول قوم كانواْ يجحدون التوحيد ولا يقرون بالله تعالى، فلما أمروا أن يسجدوا للرحمن ازدادوا نفوراً مع هواهم بما دعوا إليه من الإيمان، وإلا فالعرب المعترفون بالله الذين يعبدون الأصنام لتقربهم إلى الله زلفى كانوا يعرفون الرحمن في أسمائه وأنه اسم مسمى من الرحمة يدل على المبالغة في الوصف، وهذا قول ابن بحر.

ابن عبد السلام

تفسير : {عَلَى رَبِّهِ} أولياء ربه. {ظَهِيراً} عوناً، أو الكافر هين على الله، ظهر فلان بحاجتي استهان بها، منه {أية : وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً} تفسير : [هود: 92] قيل نزلت: في أبي جهل.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} الآية. لما ذكر دلائل التوحيد عاد إلى تهجين سيرتهم فقال "وَيَعْبُدُونَ" أي: هؤلاء المشركون {مَا لاَ يَنفَعُهُمْ} إن عبدوه "وَلاَ يَضرُّهُمْ" إن تركوه، {وَكَانَ ٱلْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيراً} أي: معيناً للشيطان على ربه بالمعاصي. قال الزجاج: يعاون الشيطان على معصية الله، لأن عبادتهم الأصنام معاونة للشيطان. فإن قيل كيف يصح في الكافر أن يكون معاوناً للشيطان على ربه بالعداوة. فالجواب أنه تعالى ذكر نفسه وأراد رسوله فقال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ} تفسير : [الأحزاب: 57]. وقيل: معناه: وكان الكافر على ربه هيناً ذليلاً، كما يقول الرجل لمن يستهين به: جعلني بظهر، أي: جعلني هيناً، ويقال: ظهرت به: إذا جعلته خلف ظهرك، كقوله: {أية : وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً} تفسير : [هود: 92]. قال أبو مسلم: وقياس العربية أن يقال: مظهوراً، أي: مستخف به متروك وراء الظهر، فقيل فيه: ظهير بمعنى مظهور، ومعناه: هين على الله أن يكفر الكافر، وهو تعالى مستهين بكفره. والمراد بالكافر قيل: أبو جهل، لأن الآية نزلت فيه. والأولى حمله على العموم لأن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ. قيل: ويجوز أن يريد بالظهير الجماعة كقوله: {أية : وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} تفسير : [التحريم: 4] كالصديق والخليط، فعلى هذا يكون المراد بالكافر الجنس، وأن بعضهم مظاهر لبعض على إطفاء نور الله قال تعالى: {أية : وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي ٱلْغَيِّ} تفسير : [الأعراف: 202]. قوله: "عَلَى رَبِّهِ" يجوز أن يتعلق بـ "ظَهِيراً"، وهو الظاهر، وأن يتعلق بمحذوف على أنه خبر "كان" و"ظهيراً" حال، والظهير المعاون. قوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً} أي: منذراً، ووجه تعلقه بما تقدم أن الكفار يطلبون العون على الله ورسوله والله تعالى بعث رسوله لنفعهم، لأنه بعثه ليبشرهم على الطاعة وينذرهم على المعصية، فيستحقوا الثواب، ويحترزوا عن العقاب فلا جهل أعظم من جهل من استفرغ جهده في إيذاء شخص استفرع جهده في إصلاح مهماته ديناً ودنياً، ولا يسألهم على ذلك ألبتة أجراً. قوله: {إِلاَّ مَن شَآءَ} فيه وجهان: أحدهما: وهو منقطع، أي: لكن من يشاء {أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً} فليفعل. والثاني: أنه متصل على حذف مضاف، يعني: إلا أجر من، أي: الأجر الحاصل على دعائه إلى الإيمان وقبوله، لأنه تعالى يأجرني على ذلك. حكاه أبو حيان وفيه نظر، لأنه لم يسند السؤال المنفي في الظاهر إلى الله تعالى إنما أسنده إلى المخاطبين فكيف يصح هذا التقدير. فصل المعنى: ما أسألكم على تبليغ الوحي من أجر، فتقولوا إنما يطلب محمد أموالنا بما يدعونا إليه فلا نتبعه. وقوله: {إِلاَّ مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً} استثناء منقطع معناه: لكن من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً بإنفاق ماله في سبيله فعل ذلك. والمعنى: لا أسألكم لنفسي أجراً، ولكن لا أمنع من إنفاق المال في طلب مرضاة الله واتخاذ السبيل إلى جنته. قوله: {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي لاَ يَمُوتُ} الآية. لما تبين أن الكفار يتظاهرون على إيذائه، وأمره أن لا يطلب منهم أجراً، أمره بأن يتوكل عليه في دفع جميع المضار، وفي جلب جميع المنافع، وإنما قال: {عَلَى ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي لاَ يَمُوتُ}، لأن من توكل على الحي الذي يموت فإذا مات المتوكَّل عليه صار المتوكِّل ضائعاً، وأما الله تعالى فهو حي لا يموت فلا يضيع المتوكِّل عليه. "وَسَبِّحْ بَحَمْدِهِ" قيل: المراد بالتسبيح الصلاة. وقيل: قل سبحان الله والحمد لله. {وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً} عالماً، وهذه كلها يراد بها المبالغة، يقال كفى بالعلم جمالاً، وكفى بالأدب مالاً وهو بمعنى حسبك، أي لا يحتاج معه إلى غيره، لأنه خبير بأحوالهم قادرٌ على مكافأتهم وهذا وعيد شديد.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ‏ {‏وكان الكافر على ربه ظهيرا‏ً}‏ يعني أبا الحكم‏:‏ الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا جهل بن هشام‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي في قوله ‏{‏وكان الكافر على ربه‏} ‏ قال‏:‏ أبو جهل‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن عطية في قوله ‏ {‏وكان الكافر على ربه ظهيرا‏ً}‏ قال‏:‏ هو أبو جهل‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ‏{‏وكان الكافر على ربه ظهيرا‏ً} ‏ قال‏:‏ معيناً للشيطان على معاصي الله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الحسن والضحاك‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ‏ {‏وكان الكافر على ربه ظهيرا‏ً}‏ قال‏:‏ عوناً للشيطان على ربه بالعداوة والشرك‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ‏ {‏وكان الكافر على ربه ظهيراً‏}‏ قال‏:‏ معيناً للشيطان على عداوة ربه‏.

اسماعيل حقي

تفسير : {ويعبدون} اى المشركون حال كونهم {من دون الله} متجاوزين عبادة الله تعالى {مالا ينفعهم} ان عبدوه مفعول يعبدون. والنفع ما يستعان به فى الوصول الى الخيرات وما يتوصل به الى الخير فهو خير والنفع الخير وضده الضر {ولا يضرهم} ان لم يعبدوه وما ليس من شأنه النفع والضر اصلا وهو الاصنام وما فى حكمها من المخلوقات اذما من مخلوق يستقل بالنفع والضر فلا فائدة فى عبادته والاعتماد عليه واتباعه {وكان الكافر} بشركه وعداوته للحق {على ربه} الذى رباه بنعمته متعلق بقوله {ظهيرا} عونا للشيطان فالظهير بمعنى المظاهر اى المعين والمراد بالكافر الجنس او ابو جهل فانه اعان الشيطان على الرحمن فى اظهار المعاصى والاصرار على عداوة الرسول وتشجيع الناس على محاربته ونحوها.

الجنابذي

تفسير : {وَيَعْبُدُونَ} اى المشركون او الكافرون او المحجوبون فى حجب الاجسام او الغافلون او المنكرون للولاية وهو المنظور {مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُهُمْ} من الاشجار والاحجار والكواكب والاصنام والجنّ والشّياطين والاهوية والمهويّات ورؤساء الضّلالة {وَلاَ يَضُرُّهُمْ وَكَانَ ٱلْكَافِرُ} عطف فى معنى الاضراب كأنّه قال: بل كانوا لكنّه وضع الظّاهر موضع المضمر ليكون تصريحاً بذمّهم بالكفر وتعليلاً للحكم، والمراد بالكافر احد الاصناف المذكورة فانّ كلاًّ كان {عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيراً} اى مُظاهراً على ربّه لانّ ربّ الكافر لا يظهر الاّ بالفطرة الانسانيّة الّتى هى الولاية التّكوينيّة او اللّطيفة العقلانيّة وتلك الفطرة مظهر للرّبّ فى الولاية وللرّبّ المطلق والكافر باىّ معنىً كان ساتر لتلك اللّطيفة والسّاتر لتلك اللّطيفة نابذ لها خلف ظهره ومُظاهر للشّيطان على تضعيفه تلك الفطرة فى جملة افعاله سواء كانت بصورة العبادات ام لا، لانّ السّاتر لتلك اللّطيفة يكون توجّهه فى فعله الى غيره وكلّ فعل منه خروج من القوّة الى الفعليّة والخروج من القوّة الى الفعليّة اذا لم يكن بالتّوجّه الى تلك اللّطيفة صار صاحبه بتلك الفعليّة بعيداً من تلك اللّطيفة حتّى تنقطع منه وصار مرتدّاً فطريّاً غير مرجوّ منه الخير وغير مقبول التّوبة، واشير فى الاخبار الى انّ المراد بالكافر مخالف الولاية وبربّه علىّ (ع)، وقيل: المراد بالكافر ابو جهلٍ وبربّه محمّد (ص)، ولا ينافى ذلك التّعميم كما عرفت وجهه.

الهواري

تفسير : قوله: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنْفَعُهُمْ وَلاَ يَضُرُّهُمْ} يعني الأوثان {وَكَانَ الكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيراً} أي: عويناً. ظاهر الشيطان على ترك ما أمر به في تفسير الحسن. وقال بعضهم: هو أبو جهل بن هشام أعان الشيطان على النبي عليه السلام. قوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً} مبشّراً بالجنة ونذيراً من النار ومن عذاب الله في الدنيا إن لم يؤمنوا. قوله: {قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ} أي: على القرآن {مِنَ أَجْرٍ إِلاَّ مَنْ شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً} أي: إنما جئتكم بالقرآن ليتخذ به من آمن إلى ربه سبيلاً بطاعته. أي: يتقرّب به إلى الله. قوله: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الحَيِّ الذِي لاَ يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ} قال الحسن: بمعرفته وقال بعضهم: تأويل الحي: الفعّال. {وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ} [أي: ملك الرحمن العرش. وقال بعضهم: الاستواء هو الملك، والقدرة قدر الله، قدر على التمكن]. هو الحي الذي لا يموت، هو الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش. قال: {الرَّحْمنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً} أي: خبيراً بالعباد. قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ} يعني المشركين {اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأمُرُنَا} على الاستفهام، أي: لا نفعل. وهي تقرأ بالتاء والياء. فمن قرأها بالتاء: تأمرنا، فهم يقولونه للنبي، ومن قرأها بالياء فيقول: يقوله بعضهم لبعض: أنسجد لما يأمرنا محمد. {وَزَادَهُمْ} أي: قولهم لهم اسجدوا للرحمن {نُفُوراً} أي: عن القرآن.

اطفيش

تفسير : {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُهُمْ وَلاَ يَضُرُّهُمْ} يعبدون (الكفار) ما يستطيع نفعا لنفسه أو غيره ولا ضرا لاحد وهو الاصنام أو كل معبود كالملائكة وعيسى وعيزر اذ لا مخلوق يستقل بنفع أو ضر الا ما قدر الله له واجراه على يده * {وَكَانَ الْكَافِرُ} جنس المشركين. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: المراد ابو جهل. قال عياض: هو سبب النزول واللفظ عام * {عَلَى رَبِّهِ} على دين ربه متعلق بقوله * {ظَهِيراً} اي كان معينا للشيطان واتباعه على دين ربه بالمعاصي وعبادة الاصنام وغيرها والعداوة والمراد على نبي ربه. وقيل: معنى الظهير؛ هين ذليل يقال ظهرت بفلان وظهرته اي جعلته وراء ظهري لا التفت إليه فيكون كقوله {أية : أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم}تفسير : الخ. وإذا اريد بالكافر الجنس فقد اعتبر اللفظ في قوله على ربه واما ظهيرا فيطلق على الفرد وعلى غيره وكقوله والملائكة بعد ذلك ظهير لانه فعيل بمعنى فاعل الا إذا جعل ظهير بمعنى (ذليل) فيحتمل ان يكون بمعنى فاعل كذلك كما يدل عليه التفسير بذليل وهين ويحتمل ان يكون بمعنى مفعول اي مجعولا ذليلا هينا. وأصله مظهور به فكان الحذف والايصال والاستغناء بفعيل عن مفعول فعلي هذا الاحتمال الثاني فلم يراع الا اللفظ لان فعيل بمعنى مفعول لا يطلق على غير الواحد الا بالتثنية والجمع وارادة الجنس.

اطفيش

تفسير : {ويعْبدُون} أى المشركون المعهودون {من دُون اللهِ ما لا ينفعهم} ولو عبدوه {ولا يَضرُّهم} ولو لم يعبدوه، أو جعلوه فى الكنيف وهو الأصنام، أو كل ما عبد من دون الله ولو عاقلا {وكان الكافرُ} جنس الكفار، فالأصل وكانوا لذكرهم فى يعبدون وأظهر ليذكرهم باسم الكفر، وقيل أبو جهل، لأن الآية نزلت بسببه، وقيل إبليس {على ربِّه ظَهيراً} مظاهراً أى معينا على الاشراك به ومعصيته، كجليس بمعنى مجالس، وذلك بصورة إعانة المشركين أو الناس على الله حاشاه عن أن يتضرر بشىء، أو ينتفع به، أو يرد على أولياء ربه، ويبعد أن يكون ظهيراً من الظهر، بمعنى مهينا كقولك: ظهرته بمعنى ألقيته وراء ظهرى لهوانه، لا خلاق له عند الله عز وجل لكفره.

الالوسي

تفسير : {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } الذي شأنه تعالى شأنه ما ذكر {مَا لاَ يَنفَعُهُمْ } إن عبدوه {وَلاَ يَضُرُّهُمْ } إن لم يعبدوه، والمراد بذلك الأصنام أو كل ما عبد من دون الله عز وجل وما من مخلوق يستقل بالنفع والضر {وَكَانَ ٱلْكَـٰفِرُ عَلَىٰ رَبّهِ } الذي ذكرت آثار ربوبيته جل وعلا {ظَهِيرًا } أي مظاهراً كما قال الحسن ومجاهد وابن زيد، وفعيل بمعنى مفاعل كثير ومنه نديم وجليس، والمظاهرة المعاونة أي يعاون الشيطان على ربه سبحانه بالعداوة والشرك، والمراد بالكافر الجنس فهو إظهار في مقام الإضمار لنعي كفرهم عليهم. وقيل: هو أبو جهل والآية نزلت فيه، وقال عكرمة: هو إبليس عليه اللعنة، والمراد يعاون المشركين على ربه عز وجل بأن يغريهم على معصيته والشرك به عز وجل، وقيل: المراد يعاون على أولياء الله تعالى. وجوز أن يكون هذا مراداً على سائر الاحتمالات في الكافر. وقيل: المراد بظهيراً مهيناً من قولهم: ظهرت به إذا نبذته خلف ظهرك أي كان من يعبد من دون الله تعالى ما لا ينفعه ولا يضره مهيناً على ربه / عز وجل لا خلاق له عنده سبحانه قاله الطبري، ففعيل بمعنى مفعول، والمعروف أن {ظَهِيرًا } بمعنى معين لا بمعنى مظهور به.

ابن عاشور

تفسير : الواو للحال، وهذا مستعمل في التعجيب من استمرارهم في الشرك، أُعقب ذكر ما نفع الله به الناس من إلطافه بهم في تصاريف الكائنات إذ جعل لهم الليل والنهار، وخلق لهم الماء فأنبت به الزرع وسقى به الناس والأنعام، مع ما قارنه من دلائل القدرة بذكر عبادتهم ما لا ينفع الناس عَوْداً إلى حكاية شيء من أحوال مشركي مكة. ونفي الضرّ بعد نفي النفع للتنبيه على انتفاء شبهة عَبَدة الأصنام في شركهم لأن موجب العبادة إما رجاء النفع وإما اتقاء ضر المعبود وكلاهما منتف عن الأصنام بالمشاهَدة. والتعبير بالفعل المضارع للدلالة على تجدد عبادتهم الأصنام وعدم إجداء الدلائل المقلعة عنها في جانبهم. وجملة {وكان الكافر على ربه ظهيراً} تذييل لما قبله، فاللام في تعريف {الكافر} للاستغراق، أي كل كافر على ربّه ظهير. وجعل الخبر عن الكافر خبراً لــــ{كان} للدلالة على أن اتصافه بالخبر أمر متقرر معتاد من كل كافر. والظهير: المظاهر، أي المعين، وتقدم في قوله تعالى: {أية : ولو كان بعضُهم لبعض ظهيراً}تفسير : في سورة الإسراء (88) وهو فعيل بمعنى مُفاعل، أي مظاهر مثل حكيم بمعنى مُحكم، وعَوين بمعنى معاون. وقول عمر بن معد يكرب:شعر : أمن ريحانة الداعي السّميع تفسير : أي المُسمع. قال في «الكشاف»: «ومجيء فعيل بمعنى مُفاعل غير عزيز». وهو مشتق من: ظاهر عليه، إذا أعان من يُغالبه على غلَبه، وأصله الأصيل مشتق من اسم جامد وهو اسم الظهر من الإنسان أو الدابة لأن المُعاون أحداً على غلب غيره كأنه يحمل الغالب على المغلوب كما يَحمل على ظهر الحامل، جعل المشرك في إشراكه مع وضوح دلالة عدم استئهال الأصنام للإلهية كأنه ينصر الأصنام على ربه الحق. وفي ذكر الربّ تعريض بأن الكافر عاقّ لمولاه. وعن أبي عبيدة: ظَهير بمعنى مَظهور، أي كُفر الكافر هَيّن على الله، يعني أي فعيلاً فيه بمعنى مفعول، أي مظهور عليه وعلى هذا يكون {على} متعلقاً بفعل {كان} أي كان على الله هيّناً.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُهُمْ وَلاَ يَضُرُّهُمْ} تقدم إيضاحه في سورة الحج وغيرها. قوله تعالى: {وَكَانَ ٱلْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيراً}. الظهير في اللغة: المعين، ومنه قوله تعالى: {أية : وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} تفسير : [التحريم: 4] وقوله تعالى: {أية : قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ} تفسير : [القصص: 17]. ومعنى قوله في هذه الآية الكريمة: {وَكَانَ ٱلْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيراً} على أظهر الأقوال، وكان الكافر معيناً للشيطان، وحزبه من الكفرة على عداوة الله ورسله، فالكافر من حزب الشيطان يقاتل في سبيله أولياء الله الذين يقاتلون في سبيل الله، فالكافر يعين الشيطان وحزبه في سعيهم، لأن تكون كلمة الله ليست في العليا، وهذا المعنى دلت عليه آيات من كتاب الله كقوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱلطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوۤاْ أَوْلِيَاءَ ٱلشَّيْطَانِ} تفسير : [النساء: 76] الآية، ومعلوم أن الذي يقاتل في سبيل الطاغوت، المقاتلين في سبيل الله، أنه على ربه ظهير. وقوله تعالى: {أية : وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مٌّحْضَرُونَ} تفسير : [يس: 74ـ75] على قول من قال: إن الجند المحضرون هم الكفار، يقاتلون عن آلهتهم ويدافعون عنها، ومن قاتل عن الأصنام مدافعاً عن عبادتها، فهو على ربه ظهير، وكونه ظهيراً على ربه أي معيناً للشيطان، وحزبه على عداوة الله ورسله، ككونه عدواً له المذكور في قوله تعالى: {أية : مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ} تفسير : [البقرة: 98] وقوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} تفسير : [فصلت: 19] ومعلوم بالضرورة أن جميع الخلق لو تعاونوا على عداوة الله لا يمكن أن يضروه بشيء وإنما يضرون بذلك أنفسهم: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ} تفسير : [فاطر: 15].

القطان

تفسير : ظهيرا: مظاهرا، يعاون الشيطان على ربه. البروج: منازل الشمس الاثنا عشر: الحمَل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت. {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُهُمْ.... } تقدم في الآية 18 من سورة يونس. {وَكَانَ ٱلْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيراً} يُعين أهلَ الباطل على أهلِ الحق. {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً}. تقدمت نفس الآية في سورة الاسراء 105. {قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً} قل لهم أيها الرسول: لا مطمعَ لي في أموالكم، ولا أريد منكم أجراً، إلا من شاء منكم ان يتقرّب إلى الله ويهتدي ويسلُكَ سبيل الحق.... فأجرُه على الله. وتوكلْ في كل أمورك على الله الحيّ الباقي الذي لا يموت، وسبِّحْ بحمده، واللهُ يعلم كل ما يعمله العباد وهو خبير بها، ومجازيهم عليها يوم القيامة. {ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ.... ٱلرَّحْمَـٰنُ} تقدمت الآية في سورة الاعراف 54 وسورة يونس 3. {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً} في هذه الآية الكريمة توجيه علميّ من الله الى ضرورة البحث والتنقيب فيما يمكن بحثه من مظاهر الكون ونظُمه المختلفة للوقوف على أسرار قدرة الله في إبداع الكون. {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً} اذا قيل لهؤلاء الذين يعبدون غير الله: اعبدوا الرحمن، قالوا: لا نعرف من هو الرحمن حتى نسجد له. أتريدنا ان نطيعَك ونعصي آباءنا فيما كانوا يعبُدون؟ وازدادوا عن الإيمان بُعدا. {تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً} تعالى الله وتزايد فضله، إذ جعل في السماء نظاماً من النجوم تمر أمامها الشمس، وهي كأنها منازل لها في دورانها اثناء السنة. وكل ثلاثة منها تؤلف فصلاً من فصول السنة، فبرجُ الحمَل والثور والجوزاء لفصل الربيع، والسرطان والأسد والسنبلة للصيف، والميزان والعقرب والقوس لفصل الخريف، والجدي والدلو والحوت لفصل الشتاء. والشمس هي النجم الوحيد في عالمنا الذي نعيش فيه، أما بقية الكواكب التي تدور حولها مثل الارض وعطارد والزهرة والمريخ وزحل والمشتري واورانوس ونبتون وبلوتو - فكلّها كواكب غير مضيئة تستمد نورها من الشمس. وكذلك القمر. فالشمس سِراج، والقمر منير يتلألأ بالنور من ضياء ذلك السراج. ونحن نوجد في النظام الشمسي: الشمس وما يدور حولها من الكواكب المذكورة، من اتباع المجرّة التي يسمّيها العوام "دَرْبَ التبّانة". وهي سَديم لولبي عدسي الشكل قُطره اكثر من مئتي الف سنة ضوئية، وسماكته نحو عشرين الف سنة ضوئية. وهذا كلام كالخيال. وتشتمل هذه المجرّةُ على ملايين النجوم المختلفة الحجم والحرارة والسرعة والضوء. والواقع ان شمسنا بحجمها وعظمتها - لهي متوسطة الحجم والسرعة والنور بالنسبة الى النجوم التي في هذه المجرة. فهناك نجوم اكبر بكثير من شمسنا، ولكنها تظهر صغيرة لبعدها. شعر : والنجمُ تستصغر الأبصارُ صورته والذنْب للطَّرفِ لا للنّجم في الصِغَر تفسير : واقرب نجم الينا نجم اسمه: "حَضارِ" بفتح الحاء والضاد وكسر الراء، يبعد عن شمسنا اربع سنوات وربع سنة ضوئية. ولا اريد الاطالة فالموضوع واسع كُتبت فيه مجلداتٌ وتجري فيه ابحاث يوميا. {وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱللَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً} الله وحده هو الذي جعل الليلَ والنهار متعاقبَين يَخْلُف أحدُهما الآخر، وفي ذلك عظةٌ وذكرى لمن أراد ان يتعظ باختلافهما ويتذكر نعم الله، ثم يتفكر في بديع صنعه، ويشكره على هذه النعم الجليلة. قراءات: قرأ حمزة والكسائي: سُرُجا بالجمع. والباقون سراجا. وقرأ حمزة: ان يذْكُر، باسكان الذال وضم الكاف. والباقون: ان يذّكّر بفتح الذال المشددة والكاف المفتوحة المشددة.

د. أسعد حومد

تفسير : (55) - لقَدْ قَدَّمَ اللهُ تعالى الأَدِلَّة علَى وُجودِه، ووحْدَانِيِّتِه، وقُدْرَتِهِ على خَلْقِ العبادِ، واستحْقَاقِه وَحدَهُ العِبادةَ منَ الخَلْقِ ومعَ ذلكَ فإنَّ هؤلاءِ المُشْرِكينَ يعبُدُونَ أصْناماً لا تَضُرُّ ولا تَنفَعُ، ولَيسَ لَهُمْ على عِبادَتِها دليلٌ ولا حُجَّةٌ، وإنَّما عَبَدُوها بِمُجَرَّدِ الرَّأيِ والهَوَى، فَهُمْ يُوالُون الأصنامَ ويقاتِلونَ في سبيلِها، ويُعَادُونَ اللهَ ورسولَهُ والمُؤمنينَ فيها، وكَانَ الكافرُ عَوْناً للشَّيطانِ، ومُظَاهِراً له في مَعْصِيَةِ الخَالِقِ تَعالى وتَباركَ. عَلى رَبِّهِ ظَهيراً - مُعِيناً للشيطانِ على رَبِّه بالشِّرْكِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : يعني: أيليق بهم بعد أنْ أوضحنا لهم كلَّ هذه الآيات أنْ يلتفتوا إلى غير الله، ويقصدوه بالعبادة؟ وقوله تعالى: {مَا لاَ يَنفَعُهُمْ وَلاَ يَضُرُّهُمْ ..} [الفرقان: 55] البعض يرى أن هذه الآلهة نعم لا تنفع لكنها تضر، نقول لهم: هي لا تنفع، ولا تضر، أمَّا الذي يضر فهو الإله الحق الذي انصرفوا عنه إلى عبادة غيره، والمعنى هنا: {مَا لاَ يَنفَعُهُمْ ..} [الفرقان: 55] إنْ عبدوه {وَلاَ يَضُرُّهُمْ} [الفرقان: 55] إنْ كفروا به وتركوه. والقرآن يُسمِّي فعلهم من هذه الآلهة عبادة، وهم أنفسهم يقولون: {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ..}تفسير : [الزمر: 3]. إذن: أثبتوا لهم عبادة، والعبادة طاعة العابد للمعبود فيما يأمر به، وفيما ينهي عنه، فما الذي أمرتْهم به الأصنام؟ وما الذي نهتْهم عنه؟ فكلمة عبادة هنا خطأ، وهم ما عبدوا هذه الآلهة إلا لأنها لا أوامر لها ولا التزام معها، فتديّنهم تديّن (فنطزية). وما أسهلَ أن تعبد إلهاً لا يأمرك ولا ينهاك، والذي يكرهونه في التديُّن الحقيقي أنه التزام وتكليف: افعل كذا، ولا تفعل كذا. لذلك ترى المسرفين على أنفسهم من خَلْق الله يتمنى كلٌّ منهم أن يكون هذا الدين كذباً، لماذا؟ ليسيروا على هواهم، ويعملوا ما يحلو لهم. كذلك رأينا الدجالين الذين ادَّعَوْا النبوة بداية من مسيلمة وسجاح، كيف كانوا يجذبون الناسَ إليهم؟ كانوا يجذبونهم بتخفيف الأوامر وتبسيط الدين، ولما شقَّتْ الزكاة على البعض أسقطوها من حسابهم، وأعفَوْ الناس منها .. إلخ. ولكل زمان دجالون يناسبون العصر الذي يعيشون فيه، وفي عصرنا الحاضر دجالون يُخفِّفون عنك الدين ويُطوِّعونه لأهواء الناس ورغباتهم، فلا مانع عندهم من الاختلاط، ولا بأس في أن ترتدي المرأة من اللباس ما تشاء .. إلى آخر هذه المسائل. ثم يقول سبحانه: {وَكَانَ ٱلْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيراً} [الفرقان: 55]. الظهير: هو المعين: كما ورد في قوله سبحانه وتعالى: {أية : .. وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ}تفسير : [التحريم: 4]. وكانوا في الماضي يحملون الأحمال على الظّهْر قبل اختراع آلات الحمل، وحتى الآن نرى (الشيالين) يحملون الأثقال على ظهورهم، ويخيطون لهم (ظهرية) يرتدونها على ظهورهم؛ لتحميهم ساعة حَمْل الأثقال، وإذا أراد أحدهم معاونة الآخر يقول له: أعطني ظهرك، فكان الظهر إذن بهذا المعنى. والظهر أيضاً يقتضي العلو، ومنه قوله تعالى عن السد الذي بناه ذو القرنين: {أية : فَمَا ٱسْطَاعُوۤاْ أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا ٱسْتَطَاعُواْ لَهُ نَقْباً}تفسير : [الكهف: 97] يعني: ما استطاعوا اعتلاءه. لكن، كيف يكون الكافر ظهرياً على الله؟ قالوا: لأنه يفعل المعصية، ويتخذ أُسْوة فيها يُقلده الناس، ولو كان طائعاً لكان أُسْوة خير ونموذجَ صلاحٍ، فالكافر أسوة شر، وأسوة فساد، وهو شيطان الإنس الذي يوازي شيطان الجن الذي عصى ربه، ورفض السجود لآدم. وتوعَّد ذريته حين قال: {أية : قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}تفسير : [الحجر: 39]. وكلٌّ من شياطين الجن وشياطين الإنس يستعين بالنفس فيُسلِّطها على صاحبها حتى تُوقعه، فالإنسان حينما يستمع لنداء الشيطان، سواء شيطان الإنس أو شيطان الجن ويطيعه بعمل المخالفة، فإنه يُعينه على الله، والمعنى الصحيح: على معصية الله. كما أن الظهير يُطلق على مَنْ جعلْتَه وراء ظهرك، لا تأبه به، ولا تلتفت إليه، ومنه قول العرب: (لا تجعلنَّ حاجتي منك بظهر) يعني: اجعلها أمام عينيك لا تطوِها وراء ظهرك. إذن: فكِلاَ المعنيين جائز: ظهيراً أي: مُعِيناً، كأن الحق - تبارك وتعالى - يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: اعلم يا محمد أن الكافر ظهير على الله، فقِفْ له بالمرصاد، وجاهده ما استعطتَ، فكأنه تعالى يُحمِّس رسوله ليقف هذا الموقف، ويُشجِّعه ليكون من عدوه على حَذَر وعلى يقظة. أو: ظهيراً لا يُؤبه له، وهذا طمأنه لرسول الله، فالكافر هَيِّن على الله، فلا يهمك كيدهم. ثم يقول الحق سبحانه: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَكَانَ ٱلْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيراً} معناه مُعينٌ وقال: هَينٌ. وقال: إنها نَزلتْ في أبي جَهل بن هُشام.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: يعبدون أصناما وأمواتا لا تضر ولا تنفع ويجعلونها أندادا لمالك النفع والضرر والعطاء والمنع مع أن الواجب عليهم أن يكونوا مقتدين بإرشادات ربهم ذابين عن دينه، ولكنهم عكسوا القضية. { وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا } فالباطل الذي هو الأوثان والأنداد أعداء لله، فالكافر عاونها وظاهرها على ربها وصار عدوا لربه مبارزا له في العداوة والحرب، هذا وهو الذي خلقه ورزقه وأنعم عليه بالنعم الظاهرة والباطنة، وليس يخرج عن ملكه وسلطانه وقبضته والله لم يقطع عنه إحسانه وبره وهو -بجهله- مستمر على هذه المعاداة والمبارزة.

همام الصنعاني

تفسير : 2094- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن، في قوله تعالى: {وَكَانَ ٱلْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيراً}: [الآية: 55]، قال: عوناً للشيطان على ربه على المعاصي.