Verse. 2912 (AR)

٢٥ - ٱلْفُرْقَان

25 - Al-Furqan (AR)

قُلْ مَاۗ اَسْـَٔــلُكُمْ عَلَيْہِ مِنْ اَجْرٍ اِلَّا مَنْ شَاۗءَ اَنْ يَّتَّخِذَ اِلٰى رَبِّہٖ سَبِيْلًا۝۵۷
Qul ma asalukum AAalayhi min ajrin illa man shaa an yattakhitha ila rabbihi sabeelan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل ما أسألكم عليه» أي على تبليغ ما أرسلت به «من أجر إلا» لكن «من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا» طريقا بإنفاق ماله في مرضاته تعالى فلا أمنعه من ذلك.

57

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ مَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ } أي على تبليغ ما أرسلت به {مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ } لكن {مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً } طريقاً بإنفاق ماله في مرضاته تعالى فلا أمنعه من ذلك.

البقاعي

تفسير : ولما وقع جوابهم عن قولهم {أية : لولا أنزل إليه ملك}تفسير : [الفرقان: 7] وكان قد بقي قولهم {أية : أو يلقى إليه كنز} تفسير : [الفرقان: 8] أشير إلى مزيد الاهتمام بجوابه بإبرازه في صورة الجواب لمن كأنه قال: ماذا يقال لهم إذا تظاهروا وطعنوا في الرسالة بما تقدم وغيره؟ فقال: {قل} أي لهم يا أكرم الخلق حقيقة، وأعدلهم طريقة محتجاً عليهم بإزالة ما يكون موضعاً للتهمة: {ما أسألكم عليه} أي على الإبلاغ بالبشارة والنذارة {من أجر} لتتهموني أني أدعوكم لأجله، أو تقولوا: لولا ألقي إليه كنز ليغتني به عن ذلك، فكأنه يقول: الاقتصار عن التوسع في المال إنما يكره لمن يسأل الناس، وليس هذا من شيمي قبل النبوة فكيف بما بعدها؟ فلا غرض لي حينئذ إلا نفعكم. ثم أكد هذا المعنى بقوله، مستثنياً لأن الاستثناء معيار العموم: {إلا من} أي إلا أجر من {شاء أن يتخذ} أي يكلف نفسه ويخالف هواه ويجعل له {إلى ربه سبيلاً*} فإنه إذا اهتدى بهداية ربه كان لي مثل أجره، لا نفع لي من جهتكم إلا هذا، فإن سيتم هذا أجراً فهو مطلوبي، ولا مرية في أنه لا ينقص أحداً شيئاً من دنياه، فلا ضرر على أحد في طي الدنيا عني، فأفاد هذا فائدتين: إحداهما أنه لا طمع له أصلاً في شيء ينقصهم، والثانية إظهار الشفقة البالغة بأنه يعتد بمنفعتهم الموصلة لهم إلى ربهم ثواباً لنفسه. ولما كان المقصود ردهم عن عنادهم، وكان ذلك في غاية الصعوبة، وكان هذا الكلام لا يرد متعنتيهم - وهم الأغلب - الذين تخشى غائلتهم، عطف على "قل" قوله: {وتوكل} أي أظهر العجز والضعف واستسلم واعتمد في أمرك كله، ولا سيما في مواجهتهم بالإنذار، وفي ردهم عن عنادهم. ولما كان الوكيل يحمل عن الموكل ثقل ما أظهر له عجزه فيه ويقوم بأعبائه حتى يصير كمن يحمل عن آخر عيناً محسوسة لا يصير له عليه شيء منها أصلاً، عبر بحرف الاستعلاء تمثيلاً لذلك فقال: {على الحي} ولا يصح التوكل عليه إلا بلزوم طاعته والإعراض عما سواها. ولما كان الأحياء من الخلق يموتون، بين أن حياته ليست كحياة غيره فقال: {الذي لا يموت} أي فلا ضياع لمن توكل عليه أصلاً، بل هو المتولي لمصالحه في حياته وبعد مماته، ولا تلتفت إلى ما سواه بوجه فإنه هالك {وسبح بحمده} أي نزهه عن كل نقص مثبتاً له كل كمال. ولما كان المسلى ربما وقع في فكره أن من سلاه إما غير قادر على نصره، أو غير عالم بذنوب خصمه، وكان السياق للشكاية من إعراض المبلغين عن القرآن، وما يتبع ذلك من الأذى، أشار بالعطف على غير مذكور إلى أن التقدير: فكفى به لك نصيراً، وعطف عليه: {وكفى} وعين الفاعل وحققه بإدخال الجار عليه فقال: {به بذنوب عباده} أي وكل ما سواهم عباده {خبيراً*} لا يخفى عليه شيء منها وإن دق، ثم وصفه بما يقتضي أنه مع ما له من عظيم القدرة بالملك والاختراع - متصف بالأناة وشمول العلم وحسن التدبير ليتأسى به المتوكل عليه فقال: {الذي خلق السماوات والأرض} أي على عظمهما {وما بينهما} من الفضاء والعناصر والعباد وأعمالهم من الذنوب وغيرها {أية : ألا يعلم من خلق}تفسير : [الملك: 14] وقوله: {في ستة أيام} تعجيب للغبي الجاهل، تدريب للفطن العالم في الحلم والأناة والصبر على عباد الله في دعوتهم إلى الله، وتذكير بما له من عظيم القدرة وما يلزمها من شمول العلم، والمراد مقدار ستة من أيامنا، فإن الأيام ما حدثت إلا بعد خلق الشمس، والإقرار بأن تخصيص هذا العدد لداعي حكمة عظيمة، وكذا جميع أفعاله وإن كنا لا ندرك ذلك، هو الإيمان، وجعل الله الجمعة عيداً للمسلمين لأن الخلق اجتمع فيه بخلق آدم عليه السلام فيه في آخر ساعة. ولما كان تدبير هذا الملك أمراً باهراً، أشار إليه بأداة التراخي فقال: {ثم استوى على العرش} أي شرع في تدبير لهذا الملك الذي اخترعه وأوجده، وهم وذنوبهم من جملته كما يفعل الملوك في ممالكهم، لا غفلة عنده عن شيء أصلاً، ولا تحدث فيه ذرة من ذات أو معنى إلا بخلق جديد منه سبحانه، رداً على من يقول من اليهود وغيرهم: إن ذلك إنما هو بما دبر في الأزل من الأسباب، وأنه الآن لا فعل له. ولما كان المعصى إذا علم بعصيان من يعصيه وهو قادر عليه لم يمهله، أشار إلى أنه على غير ذلك، حاضاً على الرفق، بقوله: {الرحمن} أي الذي سبقت رحمته غضبه، وهو يحسن إلى من يكفره، فضلاً عن غيره، فأجدر عباده بالتخلق بهذا الخلق رسله، و الحاصل أنه أبدع هذا الكون وأخذ في تدبيره بعموم الرحمة في إحسانه لمن يسمعه يسبّه بالنسبة له إلى الولد، ويكذبه في أنه يعيده كما بدأه، وهو سبحانه قادر على الانتقام منه بخلاف ملوك الدنيا فإنهم لا يرحمون من يعصيهم مع عجزهم. ولما كان العلم لازماً للملك، سبب عن ذلك قوله على طريق التجريد: {فاسأل به} أي بسبب سؤالك إياه {خبيراً} عن هذه الأمور وكل أمر تريده ليخبرك بحقيقة أمره ابتداء وحالاً ومآلاً، فلا يضيق صدرك بسبب هؤلاء المدعوين، فإنه ما أرسلك إليهم إلا وهو عالبم بهم، فسيعلي كعبك عليهم، ويحسن لك العاقبة. ولما ذكر إحسانه إليهم، وإنعامه عليهم، ذكر ما أبدوه من كفرهم في موضع شكرهم فقال: {وإذا قيل لهم} أي هؤلاء الذين يتقلبون في نعمه، ويغذوهم بفضله وكرمه، من أيّ قائل كان: {اسجدوا} أي اخضعوا بالصلاة وغيرها {للرحمن} الذي لا نعمة لكم إلا منه {قالوا} قول عال متكبر كما تقدم في معنى {ظهيراً}: {وما الرحمن} متجاهلين عن معرفته فضلاً عن كفر نعمته معبرين بأداة ما لا يعقل، وقال ابن العربي: إنهم إما عبروا بذلك إشارة إلى جهلهم الصفة، دون الموصوف. ثم عجبوا من أمره بذلك منكرين عليه، بقولهم: {أنسجد لما تأمرنا} فعبروا عنه بعد التجاهل في أمره والإنكار على الداعي إليه أيضاً بأداة ما لا يعقل {وزادهم} هذا الأمر الواضح المقتضي للإقبال والسكون شكراً للنعم وطمعاً في الزيادة {نفوراً*} لما عندهم من الحرارة الشيطانية التي تؤزهم أزاً، فلا نفرة توازي هذه النفرة، ولا ذم أبلغ منه. ولما ذكر حال النذير الذي ابتدأ به السورة في دعائه إلى الرحمن الذي لو لم يدع إلى عبادته إلا رحمانيته لكفى، فكيف بكل جمال وجلال، فأنكروه، اقتضى الحال أن يوصل به إثباته بإثبات ما هم عالمون به من آثار رحمانيته، ففصل ما أجمل بعد ذكر حال النذير، ثم من الملك، مصدراً له بوصف الحق الذي جعله مطلع السورة راداً لما تضمن إنكارهم من نفيه فقال: {تبارك} أي ثبت ثباتاً لا نظير له {الذي جعل في السماء} التي قدم أنه اخترعها {بروجاً} وهي اثنا عشر برجاً، هي للكواكب السيارة كالمنازل لأهلها، سميت بذلك لظهورها، وبنى عليها أمر الأرض، دبر بها فصولها، وأحكم بها معايش أهلها. ولما كانت البروج على ما تعهد لا تصلح إلا بالنور، ذكره معبراً بلفظ السراج فقال: {وجعل فيها} أي البروج {سراجاً} أي شمساً، وقرأ حمزة والكسائي بصيغة الجمع للتنبيه على عظمته في ذلك بحيث إنه أعظم من ألوف ألوف من السرج، فهو قائم مقام الوصف كما قال في الذي بعده: {وقمراً منيراً*} أتم - بتنقلهما فيها وبغير ذلك من أحوالهما - التدبير، أي أن العلم بوجوبه لا شك فيه، فكيف يشك عاقل في وجوده أو في رحمانيته بهذا العالم العظيم المتقن الصنع الظاهر فيه أمر الرحمانية.

القشيري

تفسير : {إِلاَّ} أداة استثناء منقطع؛ إذ ابتغاؤهم السبيل إلى ربِّهم ليس بأجرٍ يأخذه منهم، فهو لِمَنْ أقْبَلَ بشيرٌ، ولِمَنْ أعرض نذير.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل} لهم {ماأسألكم عليه} اى على تبليغ الرسالة التى ينبىء عنها الارسال {من اجر} من جهتكم فتقولوا انه يطلب اموالنا بما يدعونا اليه فلا نتبعه. والاجر ما يعود من ثواب العمل دنيويا كان او اخرويا {الا من شاء} الا من فعل من يريد {ان يتخذ الى ربه سبيلا} ان يتقرب اليه ويطلب الزلفى عنده بالايمان والطاعة حسبما ادعوكم اليه. يعنى ان اعطيتم اياى اجرا فاعطونى ذلك الفعل فانى لا اسأل غيره: وبالفارسية [مزد من ايمان وطاعت مؤمنانست زيراكه مرا من عند الله اجرى مقرراست وثابت شده كه هر بيغمبرى را برا برعباد وصلحاى امت او ثواب خواهد بود] والظاهر ان الاستثناء منقطع. والمعنى لا اطلب من اموالكم جعلا لنفسى لكن من شاء انفاقه لوجه الله فليفعل فانى لا امنعه عنه. وفى التأويلات النجمية {الا من شاء ان يتخذ} بما يتوسل به الى من خدمه او انفاق او تعظيم {الى ربه} فربة ومنزلة ولهذا قال المشايخ يصل المريد بالطاعة الى الجنة وبالتعظيم واجلال الشيوخ الى الله تعالى، وفى الفتوحات المكية مذهبنا ان للواعظ اخذ الاجرة على وعظ الناس وهو من احل ما يأكل وان كان ترك ذلك افضل وايضاح ذلك ان مقام الدعوة الى الله يقتضى الاجارة فان ما من نبى دعا الى الله الا قال ان اجرى الا على الله فاثبت الاجر على الدعاء ولكن اختار ان يأخذه من الله لا من المخلوق انتهى، وافتى المتأخرون بصحة الاجرة للاذان والاقامة والتذكير والتدريس والحج والغزو وتعليم القرآن والفقه وقراءتهما لفتور الرغبات اليوم ولو كانت الاجرة على امر واجب كما اذا كان المعلم والامام والمفتى واحدا فانها لم تصح اجماعا كما فى الكرمانى وغيره وكذا اذا كان الغسال فى القرية واحدا فانه يتعين له غسل الميت ولا يجوز له طلب الاجرة.

الجنابذي

تفسير : {قُلْ} يا محمّد (ص) تسلية لقلبك ومتاركة معهم واتماماً للحجّة عليهم {مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ} اى على الارسال او على التّبشير والانذار {مِنْ أَجْرٍ} اى شيئاً من الاجر حقيراً حتّى تتّهمونى بانّ ادّعائى لذلك ليس من الله {إِلاَّ مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ} فى الولاية او ربّه المطلق {سَبِيلاً} اىّ سبيلٍ كان. اعلم، انّ شأن الرّسالة ليس الاّ الانذار من التّوقّف فى مسبع النّفس والتّخويف من مخاوف الوقوف على المشتهيات النّفسيّة الّتى توجب دخول النّار مع الكفّار كما قال: انّما انت منذرٌ بطريق الحصر وانّ المقصود من قبول الرّسالة والبيعة الاسلاميّة ليس الاّ الاهتداء الى الايمان الّذى هو طريق الى الله، وقد علمت انّه لا يحصل الاّ بقبول الولاية والبيعة الايمانيّة فالاسلام فى الحقيقة مقدّمة للايمان ودلالة على الطّريق الى الله فلم يكن مقصود الرّسول (ص) من تبليغه الاّ ايمان المؤمن لا اسلام المسلم الاّ من باب المقدّمة ولانّه يصير المؤمن بشأن ايمانه من اظلال الرّسول (ص) من حيث ولايته واجزائه صحّ ان يقول الرّسول لا اطلب منكم على متاعب رسالتى الاّ ذات من شاء ان يتّخذ الى ربّه سبيلاً، اى من شاء ان يصير مؤمناً وقابلاً للولاية واترك الكفّار الّذين هم اموات ولا تنظر اليهم والى ما فعلوا من عبادة غير الله ومن ايذائك فانّهم لا حراك لهم الاّ بالله وكل امورك الى الله.

اطفيش

تفسير : {قل} لَهُم دافعا عن نفسك، مبلغا رسالة ربِّك {ما أسألكم عَليه} على التبليغ المعلوم من الارسال، أو من القرآن أو من المذكور من التبشير والانذار {من أجر} من جهتكم وأريده من الله فى الآخرة {إلا} لكن {مَنْ شاء أن يتخِذَ الى ربِّه} الى رحمة ربه ورضاه {سَبيلاً} بانفاق المال فى وجوهه، ويجوز أن يكون الاستئناء متصلا من أجر على تقدير إلا أجر من شاء الخ، أى إلا أجراً يصيبنى ممن اتخذ، لأنى السبب فى اتخاذه.

الالوسي

تفسير : {قُلْ } لهم دافعاً عن نفسك تهمة الانتفاع بإيمانهم {مَا أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ } أي على تبليغ الرسالة الذي ينبىء عنه الإرسال أو على المذكور من التبشير والإنذار، وقيل: على القرآن {مِنْ أَجْرٍ } أي أجر ما من جهتكم {إِلاَّ مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبّهِ } أي إلى رحمته ورضوانه {سَبِيلاً } أي طريقاً، والاستثناء عند الجمهور منقطع أي لكن ما شاء أن يتخذ إلى ربه سبحانه سبيلاً أي بالإنفاق القائم مقام الأجر كالصدقة والنفقة في سبيل الله تعالى ليناسب الاستدراك فليفعل، وذهب البعض إلى أنه متصل، وفي الكلام مضاف مقدر أي إلا فعل من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً بالإيمان والطاعة حسبما أدعو إليهما، وهو مبني على الادعاء وتصوير ذلك بصورة الأجر من حيث أنه مقصود الإتيان به، وهذا كالاستثناء في قوله:شعر : ولا عيب فيهم غير أن نزيلهم يعاب بنسيان الأحبة والوطن تفسير : وفي ذلك قلع كلي لشائبة الطمع وإظهار لغاية الشفقة عليهم حيث جعل ذلك مع كون نفعه عائداً إليهم عائداً إليه صلى الله عليه وسلم، وقيل: المعنى ما أسألكم عليه أجراً إلا أجر من آمن أي إلا الأجر الحاصل لي من إيمانه فإن الدال على الخير كفاعله وحينئذ لا يحتاج إلى الادعاء والتصوير السابق، والأولى ما فيه قلع شائبة الطمع بالكلية.

الشنقيطي

تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة هود في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَيٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ} تفسير : [هود: 29] الآية.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: عليه من أجر: أي على البلاغ من أجر اتقاضاه منكم. سبيلا: أي طريقاً يصل به إلى مرضاته والفوز بجواره، وذلك بإنفاق ماله في سبيل الله. وسبح بحمده: أي قل سبحان الله وبحمده. في ستة أيام: أي من أيام الدنيا التي قدرها وهي الأحد... والجمعة. ثم استوى على العرش: العرش سرير الملك والاستواء معلوم والكيف مجهول والإِيمان به واجب. فاسأل به خبيراً: أي أيها الإِنسان إسأل خبيراً بعرش الرحمن ينبئك فإنه عظيم. وزادهم نفوراً: أي القول لهم اسجدوا للرحمن زادهم نفوراً من الإِيمان. جعل في السماء بروجاً: هي إثنا عشر برجاً انظر تفصيلها في معنى الآيات. سراجاً: أي شمساً. خلفة: أي يخلف كل منهما الآخر كما هو مشاهد. أن يذكر: أي ما فاته في أحدهما فيفعله في الآخر. أو أراد شكوراً: أي شكراً لنعم ربه عليه فيهما بالصيام والصلاة. معنى الآيات: بعد هذا العرض العظيم لمظاهر الربوبية الموجبة للألوهية أمر الله تعالى رسوله أن يقول للمشركين ما أسألكم على هذا البيان الذي بينت لكم ما تعرفون به إلهكم الحق فتعبدونه وتكملون على عبادته وتسعدون أجراً أي مالاً، لكن من شاء أن ينفق من ماله في وجوه البر والخير يتقرب به إلى ربه فله ذلك ليتخذ بنفقته في سبيل الله طريقاً إلى رضا ربه عنه ورحمته له. وقوله {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي لاَ يَمُوتُ} يأمر تعالى رسوله أن يمضي في طريق دعوته مبلغاً عن ربه داعياً إليه متوكلاً عليه أي مفوضاً أمره إليه إذ هو الحي الذي لا يموت وغيره يموت، وأمره أن يستعين على دعوته وصبره عليها بالتسبيح فقال {وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ} أي قل سبحان الله وبحمده، وسبحانك اللهم وبحمدك وهو أمر بالذكر والصلاة وسائر العبادات فإنها العون الكبير للعبد على الثبات والصَّبْر. وقوله تعالى {وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً} أي فلا تكرب لهم ولا تحزن عليهم من أجل كفرهم وتكذيبهم وشركهم فإن ربك عالم بذنوبهم محص عليهم أعمالهم وسيجزيهم بها في عاجل أمرهم أو آجله، ثم أثنى تبارك وتعالى على نفسه بقوله {ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} مقدرة بأيام الدنيا أولها الأحد وآخرها الجمعة، ثم استوى على العرش العظيم استواء يليق بجلاله وكماله. {ٱلرَّحْمَـٰنُ} الذي عمَّت رحمته العالمين {فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً} أي فاسأل يا محمد بالرحمن خبيراً بخلقه فإنه خالق كل شيء والعليم بكل شيء فهو وحده العليم بعظمة عرشه وسعة ملكه وجلال وكمال نفسه لا إله إلا هو ولا رب سواه وقوله {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰنِ} أي وإذا قال لهم الرسول أيها المشركون اسجدوا للرحمن ولا تسجدوا لسواه من المخلوقات. قالوا منكرين متجاهلين {وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ}؟ أنسجد لما تأمرنا أي أتريد أن تفرض علينا طاعتك {وَزَادَهُمْ} هذا القول {نُفُوراً}، أي بعداً واستنكاراً للحق والعياذ بالله تعالى. وقوله تعالى {تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً} أي تقدس وتنزه أن يكون له شريك في خلقه أو في عبادته الذي بعظمته جعل في السماء بروجاً وهي منازل الكواكب السبعة السيارة فلذا سميت بروجاً جمع برج وهو القصر الكبير وتعرف هذه البروج الاثنا عشر بالحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت. والكواكب السبعة السيارة هي: المريخ، والزهرة وعطارد، والقمر، والشمس، والمشتري، وزحل. فهذه الكواكب تنزل في البروج كالقصور لها. وقوله تعالى {وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً} هو الشمس {وَقَمَراً مُّنِيراً} هو القمر أي تعاظم وتقدس الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً وقوله {وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً} أي يخلف بعضهما بعضاً فلا يجتمعان أبداًَ وفي ذلك من المصالح والفوائد ما لا يقادر قدره ومن ذلك أن من نسي عملاً بالنهار يذكره في الليل فيعمله، ومن نسي عملاً بالليل يذكره بالنهار فيعمله، وهو معنى قوله {لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ} وقوله {أَوْ أَرَادَ شُكُوراً} فإن الليل والنهار ظرفان للعبادة الصيام بالنهار والقيام بالليل فمن أراد أن يشكر الله تعالى على نعمه فقد وهبنا له فرصة لذلك وهو الليل للتهجد والقيام والنهار للجهاد والصيام. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- دعوة الله ينبغي أن لا يأخذ الداعي عليها أجراً ممن يدعوهم إلى الله تعالى ومن أراد أن يتطوع من نفسه فينفق في سبيل الله فذلك له. 2- وجوب التوكل على الله فإنه الحي الذى لا يموت وغيره يموت. 3- وجوب التسبيح والذكر والعبادة وهذه هي زاد العبد وعدته وعونه. 4- مشروعية السجود عند قوله تعالى وزادهم نفوراً للقارىء والمستمع. 5- صفة استواء الرحمن على عرشه فيجب الإِيمان بها على ما يليق بجلال الله وكماله ويحرم تأويلها بالاستيلاء والقهر ونحوهما. 6- الترغيب في الذكر والشكر، واغتنام الفرص للعبادة والطاعة.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَسْأَلُكُمْ} (57) - وقُلْ يا مُحمدُ لِمَنْ أُرْسِلْتَ إليهِم: أنَا لا أسْأَلُكُم أجْراً على مَا جِئْتُكُمْ بِهِ مِنْ عندِ رَبِّي، لتقُولوا إنَّما يَدْعُونا لأَِخْذِ أموالِنا، ومِنْ ثَمَّ لا نَتَّبِعُهُ حَتَّى لا يكونَ لَهُ في أمْوالِنا مَطْمَعٌ. ولكنْ مَنْ شاءَ أنْ يَتقربَ إلى اللهِ تَعالى بالإِنْفاقِ في وُجوهِ الخيرِ والبِرِّ، ويَتَّخِذَ ذلكَ سَبيلاً إلى رحمةِ اللهِ، ونَيْلِ ثَوَابهِ فَلْيَفْعَلْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : في آية أخرى: يقول تعالى: {أية : أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ}تفسير : [الطور: 40]. يعني: غير قادرين على دَفْع الثمن؛ لأنهم بخلاء وعندهم كزازة؟ أو لا يريدون أنْ يُخرِجوا من جيوبهم شيئاً تنتفع أنت به؟ مع أنك لم تسألهم أجراً، فهل يعني ذلك أن النبي كان من المفروض أن يسألهم أجراً؟ قالوا: نعم؛ لأنه إذا قدَّم إنسانٌ لإنسان شيئاً نافعاً، فعليه أن يدفع له أجراً بمقتضى التبادل والمعاوضة، وكأنه صلى الله عليه وسلم يقول لهم: لقد قدَّمتُ إليكم جميلاً يفترض أن لي عليه أجراً، لكني لا أريد منكم أجراً، والمسألة من عندي تفضُّل. وما هو الأجر؟ الأجر: جُعْلٌ يقابل عملاً، والثمن: جعل يقابل تملُّكاً، وقيمة هذا الجُعْل تختلف باختلاف مشقة العمل، وطُول زمنه، ومهارة العامل فيما يقتضيه العمل ومخاطر ما يقتضيه العمل. فكل مسألة من هذه ترفع من قيمة الأجر، فحين تسافر مثلاً تحتاج إلى (شيَّال) يحمل لك الحقائب، فتعطيه الأجر الذي يتناسب ومجهوده، فإن استأجرت سيارة وسِرْتَ بها مسافة فلا بُدَّ أن الأجر سيزيد؛ لأنه أخَذ مجهوداً ووقتاً أكثر، فإن احتجتَ مثلاً سباكاً ليصلح لك شيئاً فسوف ترى ما في هذا العمل من المشقة، ولا تبخل عليه بأكثر من سابقيه. وربما كان العمل في نظرك بسيطاً لا يستغرق وقتاً، لكنه يحتاج إلى مهارة. هذه المهارة ليست وليدة اللحظة، ولكنها مجهود ونتيجة عوامل من التعلُّم والخبرة حتى وصل صاحبها إلى هذه المهارة. فالمهندس مثلاً الذي يُصمِّم لك منزلك في ساعة أو ساعتين، ومع ذلك يطلب مبلغاً كبيراً، لماذا؟ لأنه لا يتقاضى أجراً على هذا الوقت، إنما على سنواتٍ طويلة من الدراسة والمجهود والتحصيل، حتى وصل إلى هذه المهارة. إذن: كل أجر يُقدَّر بما يقابله من عمل، ويتناسب مع ما يقتضيه العمل من وقت ومجهود ومشقة ومخاطرة ومهارة .. ألخ. وإذا كان الأمر كذلك فانظروا إلى عمل الرسول وإلى مدى إفادتكم من رسالته، انظروا إلى المنهج الذي جاءكم به، وكيف أنه يريحكم مع أنفسكم، ويريحكم مع المجتمع، ويريحكم مع ربكم عز وجل، ويريحكم من شرور أنفسكم، ومن شرور الناس جميعاً. إذن: للرسول عمل كبير ومجهود عظيم، لو قدَّرْتَ له أجراً لكان كذلك عظيماً. إن الإنسان إذا أَجَّر مثلاً حارساً يحرسه بالليل، كم يدفع له؟ فالنبي يأتيك بمنهج يحرسك ويحميك في نفسك وفي مالك وفي عِرْضك وفي كل ما تملك، ولا يحميك من فئة معينة إنما يحميك من الناس أجمعين. بل إن حماية منهج الله لك لا تقتصر على الدنيا، إنما تتعدَّى إلى الآخرة، فتحميك فيها حماية ممتدة لا نهايةَ لها، فإنْ قدَّرْت لهذه الحماية أجراً، فكم يكون؟ إنما أنا أقول لك: لا أريد أجراً، لا كراهيةً في الأجر، بل لأنك أنت أيها الإنسان لا تستطيع تقدير هذا العمل أو تقييم الأجر عليه، أمَّا الذي يُقدِّر ذلك فهو ربِّي الذي بعثني، وأنت أيها العبد مهما قدَّمْتَ لي من أجر على ذلك فهو قليل. وحكينا قصة الرجل الطيب الذي قابلناه في الجزائر، يقف على الطريق يُلوِّح لسيارة تحمله، فوقفنا وفتحنا له الباب ليركب معنا، وقبل أن يركب قال: بكَمْ؟ يعني: الأجرة. فقال له صاحبي: لله، فقال الرجل: إذن فهي غالية جداً. هذا هو المعنى في قوله تعالى: {أية : إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ ..}تفسير : [هود: 29]. وفي موضع آخر يقول سبحانه: {أية : إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ}تفسير : [يونس: 72] فما العلاقة بين الأجر وبين {أية : وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ}تفسير : [يونس: 72]؟ كأن المسلم ينبغي عليه أن يعمل العمل، لا لمن يعمل له، ولكن يعمله لله ليأخذ عليه الأجر الذي يناسب هذا العمل من يده تعالى، إنما إنْ أخذه من صاحبه فهو كالذي "فعل ليقال وقد قيل" وانتهتْ المسألة، وربما حتى لا يُشكر على عمله. لذلك وردتْ هذه العبارة على ألسنة كل الرسل: {أية : وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ..}تفسير : [الشعراء: 109] وليس هناك آية طلب فيها الأجر الظاهر إلا هذه الآية التي نحن بصددها: {قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً} [الفرقان: 57]. وقوله تعالى: {أية : إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ ..}تفسير : [الشورى: 23]. ومعنى: {إِلاَّ مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً} [الفرقان: 57] أي: سبيلاً للمثوبة، وسبيلاً للأجر من جهاد في سبيل الله، أو صدقة على الفقراء .. إلخ. وقوله: {إِلاَّ مَن شَآءَ ..} [الفرقان: 57] تدل على التخيير في دَفْع الأجر، فالرسول لا يأخذ إلا طواعية، والأجر: {أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً} [الفرقان: 57] من الجهاد والعمل الصالح، فكأن أجر الرسول العمل للغير، لتأخذ أنت الأجر من الله، فالرسول لا يأخذ شيئاً لنفسه. ونلحظ في آيات الأَجْر أنها جاءت مرة {أية : أَجْراً ..}تفسير : [الأنعام: 90] ومرة {مِنْ أَجْرٍ ..} [الفرقان: 57] و البعض يرى أن (من) هنا زائدة، وهذا لا يُقال في كلام الله، عَيْب أن نتهم كلام الله بأن فيه زيادة، فكلُّ حرف فيه له معناه. وسبق أن ضربنا لمِنْ هذه مثلاً بقولنا: ما عندي مال، وما عندي من مال. فالأولى نفَتْ أنْ يكون عندك مالٌ يُعتدُّ به، لكن قد يكون عندك القليل منه، أما القول الثاني فيعني نَفْي المال مطلقاً بدايةً مِمَّا يقال له مال، إذن: فأيّهما أبلغ في النفي؟ فمِنْ هنا تفيد العموم. لذلك يقول تعالى: {أية : أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ ..}تفسير : [المؤمنون: 72] لماذا؟ لأنه سيعطيك ويُكافئك على قَدْره هو، وبما يناسب جُودَه تعالى وكرمه الذي لا ينفد، أما الإنسان فسيعطيك على قَدْره وفي حدود إمكاناته المحدودة. مَلْحظ آخر في هذه المسألة في سورة الشعراء، وهي أحفَلُ السُّور بذِكْر مسألة الأجر، حيث تعرَّضَتْ لموكب الرسل، فذكرت ثمانية هم: موسى وهارون وإبراهيم ونوح وهود وصالح ولوط وشعيب. تلحظ أن كل هؤلاء الرسل قالوا: {أية : إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الشعراء: 109] عدا إبراهيم وموسى عليهما السلام لم يقولا هذه الكلمة، لماذا؟ قالوا: لأنك حين تطلب أجراً على عمل قمتَ به لا يكون هناك ما يُوجب عليك أنْ تعمل له مجاناً، فأنت لا تتقاضى أجراً إنْ عملتَ مثلاً مجاملةً لصديق، وكذلك إبراهيم - عليه السلام - أول ما دعا إلى الإيمان دعا عمه آزر، ومثل هذا لا يطلب منه أجراً، وموسى عليه السلام أول ما دعا دعا فرعون الذي احتضنه وربَّاه في بيته، ولو طلب منه أجراً لقال له: أيّ أجر وقد ربَّيتك وو .. إلخ. الآية الأخرى في الاستثناء هي قوله تعالى: {أية : قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ ..}تفسير : [الشورى: 23] فكأن المودة في القربى أجر لرسول الله صلى الله عليه وسلم على رسالته، لكن أيُّ قُرْبى: قُرْبى النبي أم قُرْباكم؟ لا شكَّ أن النبي الذي يجعل حُبَّ القريب للقريب ورعايته له هو أجره، يعني بالقُرْبى قُرْبى المسلمين جميعاً، كما قال عنه ربُّه عَزَّ وجَلَّ: {أية : ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ..}تفسير : [الأحزاب: 6].