Verse. 2913 (AR)

٢٥ - ٱلْفُرْقَان

25 - Al-Furqan (AR)

وَتَوَكَّلْ عَلَي الْـحَيِّ الَّذِيْ لَا يَمُوْتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِہٖ۝۰ۭ وَكَفٰى بِہٖ بِذُنُوْبِ عِبَادِہٖ خَبِيْرَۨا۝۵۸ۚۙۛ
Watawakkal AAala alhayyi allathee la yamootu wasabbih bihamdihi wakafa bihi bithunoobi AAibadihi khabeeran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وتوكل على الحي الذي لا يموت وسَبِّح» متلبسا «بحمده» أي قل: سبحان الله والحمد لله «وكفى به بذنوب عباده خبيرا» عالما تعلق به بذنوب.

58

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي لاَ يَمُوتُ} تقدم معنى التوكل في «آل عمران» وهذه السورة وأنه اعتماد القلب على الله تعالى في كل الأمور، وأن الأسباب وسائط أمر بها من غير اعتماد عليها. {وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ} أي نزّه الله تعالى عما يصفه هؤلاء الكفار به من الشركاء. والتسبيح التنزيه، وقد تقدم. وقيل: {وَسَبِّحْ} أي صلّ له؛ وتسمى الصلاة تسبيحاً. {وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً} أي عليماً فيجازيهم بها.

البيضاوي

تفسير : {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي لاَ يَمُوتُ} في استكفاء شرورهم والإِغناء عن أجورهم، فإنه الحقيق بأن يتوكل عليه دون الأحياء الذين يموتون فإنهم إذا ماتوا ضاع من توكل عليهم. {وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ} ونزهه عن صفات النقصان مثنياً عليه بأوصاف الكمال طالباً لمزيد الأنعام بالشكر على سوابغه. {وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ } ما ظهر منها وما بطن. {خَبِيراً} مطلعاً فلا عليك أن آمنوا أو كفروا. {ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱلرَّحْمَـٰنُ} قد سبق الكلام فيه، ولعل ذكره زيادة تقرير لكونه حقيقاً بأن يتوكل عليه من حيث إنه الخالق للكل والمتصرف فيه، وتحريض على الثبات والتأني في الأمر فإنه تعالى مع كمال قدرته وسرعة نفاذ أمره في كل مراد خلق الأشياء على تؤدة وتدرج، و {ٱلرَّحْمَـٰنُ} خبر للذي إن جعلته مبتدأ ولمحذوف إن جعلته صفة للحي، أو بدل من المستكن في {ٱسْتَوَىٰ} وقرىء بالجر صفة للحي. {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً} فاسأل عما ذكر من الخلق والاستواء عالماً يخبرك بحقيقته وهو الله تعالى، أو جبريل أو من وجده في الكتب المتقدمة ليصدقك فيه، وقيل الضمير {لِلرَّحْمَـٰنِ} والمعنى إن أنكروا إطلاقه على الله تعالى فاسأل عنه من يخبرك من أهل الكتاب ليعرفوا مجيء ما يرادفه في كتبهم، وعلى هذا يجوز أن يكون {ٱلرَّحْمَـٰنُ} مبتدأ والخبر ما بعده والسؤال كما يعدى بعن لتضمنه معنى التفتيش يعدى بالياء لتضمنه معنى الاعتناء. وقيل إنه صلة {خَبِيراً}. {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ } لأنهم ما كانوا يطلقونه على الله، أو لأنهم ظنوا أنه أراد به غيره ولذلك قالوا: {أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا } أي للذي تأمرناه يعني تأمرنا بسجوده أو لأمرك لنا من غير عرفان. وقيل لأنه كان معرباً لم يسمعوه. وقرأ حمزة والكسائي «يأمرنا» بالياء على أنه قول بعضهم لبعض. {وَزَادَهُمْ } أي الأمر بالسجود {لِلرَّحْمَـٰنِ }. {نُفُورًا } عن الإِيمان. {تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَاء بُرُوجاً} يعني البروج الاثني عشر سميت به وهي القصور العالية لأنها للكواكب السيارة كالمنازل لسكانها واشتقاقه من التبرج لظهوره. {وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً} يعني الشمس لقوله {أية : وَجَعَلَ ٱلشَّمْسَ سِرَاجاً }تفسير : [نوح: 16] وقرأ حمزة والكسائي «سرجاً» وهي الشمس والكواكب الكبار. {وَقَمَراً مُّنِيراً} مضيئاً بالليل، وقرىء {وَقَمَراً} أي ذا قمر وهو جمع قمراء ويحتمل أن يكون بمعنى القمر كالرشد والرشد والعرب والعرب. {وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً} أي ذوي خلفة يخلف كل منهما الآخر بأن يقوم مقامه فيما ينبغي أن يعمل فيه، أو بأن يعتقبا لقوله تعالى: {أية : وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ }تفسير : [البقرة: 164] وهي للحالة من خلف كالركبة والجلسة. {لّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ } بأن يتذكر آلاء الله ويتفكر في صنعه فيعلم أن لا بد له من صانع حكيم واجب الذات رحيم على العباد. {أَوْ أَرَادَ شُكُوراً} أن يشكر الله تعالى على ما فيه من النعم، أو ليكونا وقتين للمتذكرين الشاكرين من فاته ورده في أحدهما تداركه في الآخرة، وقرأ حمزة {أَن يَذَّكَّرَ } من ذكر بمعنى تذكر وكذلك ليذكروا ووافقه الكسائي فيه. {وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ} مبتدأ خبره {أُوْلَٰـئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ} أو: {ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ} وإضافتهم إلى {ٱلرَّحْمَـٰنُ } للتخصيص والتفضيل، أو لأنهم الراسخون في عبادته على أن عباد جمع عابد كتاجر وتجار. {هَوْناً } هينين أو مشياً هيناً مصدر وصف به والمعنى أنهم يمشون بسكينة وتواضع {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَـٰهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً} تسلماً منكم ومتاركة لكم لا خير بيننا ولا شر، أو سداداً من القول يسلمون فيه من الإِيذاء والإِثم، ولا ينافيه آية القتال لتنسخه فإن المراد به الإِغضاء عن السفهاء وترك مقابلتهم في الكلام. {وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَـٰماً} في الصلاة، وتخصيص البيتوتة لأن العبادة بالليل أحمز وأبعد عن الرياء وتأخير القيام للروي وهو جمع قائم أو مصدر أجري مجراه. {وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً} لازماً ومنه الغريم لملازمته، وهو إيذان بأنهم مع حسن مخالطتهم مع الخلق واجتهادهم في عبادة الحق وجلون من العذاب مبتهلون إلى الله تعالى في صرفه عنهم لعدم اعتدادهم بأعمالهم ووثوقهم على استمرار أحوالهم. {إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً} أي بئست مستقراً، وفيها ضمير مبهم يفسره المميز والمخصوص بالذم ضمير محذوف به ترتبط الجملة باسم إن، أو أحزنت وفيها ضمير اسم أن ومستقراً حال أو تمييز والجملة تعليل للعلة الأولى أو تعليل ثان وكلاهما يحتملان الحكاية والإِبتداء من الله. {وَٱلَّذِينَ إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ} لم يجاوزوا حد الكرم. {وَلَمْ يَقْتُرُواْ } ولم يضيقوا تضييق الشحيح. وقيل الإِسراف هو الإِنفاق في المحارم والتقتير منع الواجب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء وكسر التاء ونافع وابن عامر والكوفيون بضم الياء وكسر التاء من أقتر، وقرىء بالتشديد والكل واحد. {وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} وسطاً عدلاً سمي به لاستقامة الطرفين كما سمي سواء لاستوائهما، وقرىء بالكسر وهو ما يقام به الحاجة لا يفضل عنها ولا ينقص وهو خبر ثان أو حال مؤكدة، ويجوز أن يكون الخبر بين ذلك لغواً، وقيل إنه اسم {كَانَ } لكنه مبني لإِضافته إلى غير متمكن وهو ضعيف لأنه بمعنى القوام فيكون كالإِخبار بالشيء عن نفسه. {وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا ءَاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ } أي حرمها بمعنى حرم قتلها. {إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} متعلق بالقتل المحذوف، أو بلا يقتلون {وَلاَ يَزْنُونَ } نفى عنهم أمهات المعاصي بعدما أثبت لهم أصول الطاعات إظهاراً لكمال إيمانهم وإشعاراً بأن الأجر المذكور موعود للجامع بين ذلك، وتعريضاً للكفرة بأضداده ولذلك عقبه بالوعيد تهديداً لهم فقال: {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً } جزاء إثم أو إثماً بإضمار الجزاء، وقرىء «أياماً» أي شدائد يقال يوم ذو أيام أي صعب. {يُضَـٰعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ يَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ} بدل من {يَلْقَ} لأنه في معناه كقوله:شعر : مَتَى تَأَتِنَا تُلمِمْ بِنَا فِي دِيَارِنَا تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً وَنَاراً تَأَجَّجَا تفسير : وقرأ أبو بكر بالرفع على الاستئناف أو الحال وكذلك: {وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً} وابن كثير ويعقوب يضعف بالجزم وابن عامر بالرفع فيهما مع التشديد وحذف الأَلف في «يضعف»، وقرىء {وَيَخْلُدْ } على بناء المفعول مخففاً، وقرىء مثقلاً وتضعيف العذاب مضاعفته لانضمام المعصية إلى الكفر ويدل عليه قوله: {إِلاَّ مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَـٰلِحاً فَأُوْلَٰـئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍ} بأن يمحو سوابق معاصيهم بالتوبة ويثبت مكانها لواحق طاعتهم، أو يبدل ملكة المعصية في النفس بملكة الطاعة. وقيل بأن يوفقه لأضداد ما سلف منه، أو بأن يثبت له بدل كل عقاب ثواباً. {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً } فلذلك يعفو عن السيئات ويثيب على الحسنات. {وَمَن تَابَ } عن المعاصي بتركها والندم عليها. {وَعَمِلَ صَـٰلِحَاً } يتلافى به ما فرط، أو خرج عن المعاصي ودخل في الطاعة. {فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ } يرجع إلى الله بذلك. {مَتاباً } مرضياً عند الله ماحياً للعقاب محصلاً للثواب، أو يتوب متاباً إلى الله الذي يحب التائبين ويصطنع بهم؛ أو فإنه يرجع إلى الله وإلى ثوابه مرجعاً حسناً وهو تعميم بعد تخصيص. {وَٱلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ} لا يقيمون الشهادة الباطلة، أو لا يحضرون محاضر الكذب فإن مشاهدة الباطل شركة فيه. {أية : وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ }تفسير : [الفرقان: 72] ما يجب أن يلقى ويطرح. {مَرُّواْ كِراماً } معرضين عنه مكرمين أنفسهم عن الوقوف عليه والخوض فيه، ومن ذلك الإِغضاء عن الفواحش والصفح عن الذنوب والكناية عما يستهجن التصريح به. {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِـئَايَـٰتِ رَبّهِمْ } بالوعظ أو القراءة. {لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً } لم يقيموا عليها غير واعين لها ولا متبصرين بما فيها كمن لاَ يسمع ولا يبصر، بل أكبوا عليها سامعين بآذان واعية مبصرين بعيون راعية، فالمراد من النفي نفي الحال دون الفعل كقولك: لا يلقاني زيد مسلماً. وقيل الهاء للمعاصي المدلول عليها {بِٱلَّلغْوِ }. {وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} بتوفيقهم للطاعة وحيازة الفضائل، فإن المؤمن إذا شاركه أهله في طاعة الله سر بهم قلبه وقرت بهم عينه لما يرى من مساعدتهم له في الدين وتوقع لحوقهم به في الجنة، و {مِنْ} إبتدائية أو بيانية كقولك: رأيت منك أسداً، وقرأ حمزة وأبو عمرو والكسائي وأبو بكر «وذريتنا» وقرأ ابن عامر والحرميان وحفص ويعقوب {وَذُرّيَّـٰتِنَا } بالألف، وتنكير الـ {أَعْيُنٍ} لإِرادة تنكير الـ {قُرَّةَ} تعظيماً وتقليلها لأن المراد أعين المتقين وهي قليلة بالإِضافة إلى عيون غيرهم. {وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً } يقتدون بنا في أمر الدين بإضافة العلم والتوفيق للعمل، وتوحيده إما للدلالة على الجنس وعدم اللبس كقوله {أية : ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً }تفسير : [غافر: 67] أو لأنه مصدر في أصله، أو لأن المراد واجعل كل واحد منا، أو لأنهم كنفس واحدة لاتحاد طريقتهم واتفاق كلمتهم. وقيل جمع آم كصائم وصيام ومعناه قاصدين لهم مقتدين بهم. {أُوْلَـئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ } أعلى مواضع الجنة وهي اسم جنس أريد به الجمع كقوله تعالى: {أية : وَهُمْ فِي ٱلْغُرُفَـٰتِ ءَامِنُونَ } تفسير : [سبأ: 37] وللقراءة بها، وقيل هي من أسماء الجنة. {بِمَا صَبَرُواْ } بصبرهم على المشاق من مضض الطاعات ورفض الشهوات وتحمل المجاهدات. {وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَـٰماً } دعاء بالتعمير والسلامة أي يحييهم الملائكة ويسلمون عليهم، أو يحيـي بعضهم بعضاً ويسلم عليه، أو تبقية دائمة وسلامة من كل آفة، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر {يُلقون} من لقي. {خَـٰلِدِينَ فِيهَا} لا يموتون فيها ولا يخرجون. {حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً} مقابل {سَاءتْ مُسْتَقَرّاً} معنى ومثله إعراباً. {قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبّي} ما يصنع بكم من عبأت الجيش إذا هيأته أو لا يعتد بكم. {لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ} لولا عبادتكم فإن شرف الإِنسان وكرامته بالمعرفة والطاعة وإلا فهو وسائر الحيوانات سواء. وقيل معناه ما يصنع بعذابكم لولا دعاؤكم معه آلهة إن جعلت استفهامية فمحلها النصب على المصدر كأنه قيل: أي عبء يعبأ بكم. {فَقَدْ كَذَّبْتُمْ} بما أخبرتكم به حيث خالفتموه. وقيل فقد قصرتم في العبادة من قولهم: كذب القتال إذا لم يبالغ فيه. وقرىء {فقد كذب الكافرون} أي الكافرون منكم لأن توجه الخطاب إلى الناس عامة بما وجد في جنسهم من العبادة والتكذيب. {فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً} يكون جزاء التكذيب لازماً يحيق بكم لا محالة، أو أثره لازماً بكم حتى يكبكم في النار، وإنما أضمر من غير ذكر للتهويل والتنبيه على أنه لا يكتنهه الوصف، وقيل المراد قتل يوم بدر وأنه لوزم بين القتلى لزاماً، وقرىء »لِزَاماً« بالفتح بمعنى اللزوم كالثبات والثبوت. عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : من قرأ سورة الفرقان لقى الله وهو مؤمن بأن الساعة آتية لا ريب فيها وأدخل الجنة بغير نصب".

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَىِّ ٱلَّذِى لاَ يَمُوتُ وَسَبِّحْ } متلبساً {بِحَمْدِهِ } أي قل سبحان الله والحمد لله {وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً } عالماً تعلق به بذنوب.

ابن عطية

تفسير : المعنى قل لهم يا محمد هذه المقالة التي لا ظن يتطرق إليك معها ولا تهتم بهم وبشّر وأنذر {وتوكل علىٍ} المتكفل بنصرك وعضدك في كل أمرك، ثم وصف تعالى نفسه الصفة التي تقتضي التوكل في قوله {الحي الذي لا يموت} إذ هذا المعنى يختص بالله تعالى دون كل ما لدينا مما يقع عليه اسم حي، وقوله {وسبح بحمده} قل سبحان الله وبحمده أي تنزيهه واجب وبحمده أقول. قال القاضي أبو محمد: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : من قال في كل يوم سبحان الله وبحمده مائة مرة غفرت ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر تفسير : ، فهذا معنى {وسبح بحمده} وهي إحدى الكلمتين الخفيفتين على اللسان، الحديث، وقوله {وكفى به} توعد وإزالة كل عن محمد صلى الله عليه وسلم في همه بهم، وقوله {وما بينهما} مع جمعه {السماوات} قبل سائغ من حيث عادل لفظ {الأرض} لفظ {السماوات} ونحوه قول عمرو بن شييم: [الوافر] شعر : ألم يحزنك أن جبال قيس وتغلب قد تباينتا انقطاعا تفسير : من حيث عادلت جبالاً جبالاً، ومنه قول الآخر: [الكامل] شعر : إن المنية والحتوف كلاهما يوفي المخارم يرقبان سواد تفسير : وقوله {في ستة أيام} اختلفت الرواية في اليوم الذي ابتدأ الله فيه الخلق، فأكثر الروايات على يوم الأحد، وفي مسلم وفي كتاب الدلائل يوم السبت، وبين بكون ذلك {في ستة أيام} وضع الإناءة والتمهل في الأمور لأن قدرته تقضي أنه يخلقها في طرفة عين لو شاء لا إله إلا هو، وقد تقدّم القول في الاستواء، وقوله {الرحمن} يحتمل أن يكون رفعه بإضمار مبتدأ أي هو {الرحمن} ويحتمل أن يكون بدلاً من الضمير في قوله {استوى} وقرأ زيد بن علي بن الحسين "الرحمنِ" بالخفض، وقوله {فاسأل به خبيراً} فيه تأويلان: أحدهما {فاسأل} عنه و {خبيراً} على هذا منصوب إما بوقوع السؤال عليه والمعنى، اسأل جبريل والعلماء وأهل الكتب المنزلة، والثاني أن يكون المعنى كما تقول لو لقيت فلاناً لقيت به البحر كرماً أي لقيت منه والمعنى فاسأل الله عن كل أمر، و {خبيراً} على هذا منصوب إما بوقوع السؤال وإما على الحال المؤكدة كما قال {أية : وهو الحق مصدقاً} تفسير : [البقرة: 91]، وليست هذه بحال منتقلة إذ الصفة العلية لا تتغير، ولما ذكر في هذه الآية {الرحمن} كانت قريش لا تعرف هذا في أسماء الله، وكان مسيلمة كذاب اليمامة تسمى بـ"الرحمن" فغالطت قريش بذلك وقالت إن محمداً يأمر بعبادة "الرحمن" اليمامة فنزل قوله تعالى: {وإذا قيل لهم} الآية، وقولهم {وما الرحمن} استفهام عن مجهول عندهم فـ {ما} على بابها المشهور، وقرأ جمهور القراء "تأمرنا" بالتاء أي أنت يا محمد، وقرأ حمزة والكسائي والأسود بن يزيد وابن مسعود" يأمرنا" بالياء من تحت إما على إرادة محمد والكناية عنه بالغيبة، وإما على إرادة رحمان اليمامة، وقوله: {وزادهم نفوراً} أي أضلهم هذا اللفظ ضلالاً لا يختص به حاشى ما تقدم منهم.

النسفي

تفسير : {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَىّ ٱلَّذِى لاَ يَمُوتُ } اتخذ من لا يموت وكيلاً لا يكلك إلى من يموت ذليلاً يعني ثق به وأسند أمرك إليه في استكفاء شرورهم ولا تتكل على حي يموت. وقرأها بعض الصالحين فقال: لا يصح لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق والتوكل الاعتماد عليه في كل أمر {وَسَبّحْ } من لا يكل إلى غيره من توكل عليه {بِحَمْدِهِ } بتوفيقه الذي يوجب الحمد أو قل سبحان الله وبحمده أو نزهه عن كل العيوب بالثناء عليه {وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً } أي كفى الله خبيراً بذنوب عباده يعني أنه خبير بأحوالهم كافً في جزاء أعمالهم {ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ } أي في مدة مقدار هذه المدة لأنه لم يكن حينئذ ليل ونهار. روي عن مجاهد: أو لها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة، وإنما خلقها في ستة أيام وهو يقدر على أن يخلقها في لحظة تعليماً لخلقه الرفق والتثبت {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱلرَّحْمَـٰنُ } أي هو الرحمن فـــــ {الرحمن} خبر مبتدأ محذوف أو بدل من الضمير في {استوى} أو {الذي خلق} مبتدأ و{الرحمن} خبره {فسئل} بلا همزة مكي وعلي {بِهِ} صلة «سل» كقوله {أية : سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ }تفسير : [المعارج:1] كما تكون «عن» صلته في قوله تعالى {أية : ثُمَّ لَتُسْـئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ }تفسير : [التكاثر: 8] فسأل به كقولك اهتم به واشتغل به وسأل عنه كقولك بحث عنه وفتش عنه أو صلة {خَبِيراً} ويكون {خبيراً} مفعول {سل} أي فاسأل عنه رجلاً عارفاً يخبرك برحمته، أو فاسأل رجلاً خبيراً به وبرحمته، أو الرحمن اسم من أسماء الله تعالى مذكور في الكتب المتقدمة ولم يكونوا يعرفونه فقيل: فاسأل بهذا الاسم من يخبرك من أهل الكتب حتى تعرف من ينكره، ومن ثم كانوا يقولون ما نعرف الرحمن إلا الذي باليمامة ــ يعنون مسيلمة ــ وكان يقال له رحمان اليمامة.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {وتوكل على الحي الذي لا يموت} معناه أنه سبحانه وتعالى لما أمر نبيه صلّى الله عليه وسلّم بأن لا يطلب منهم أجراً ألبتة أمره أن يتوكل عليه في جميع أموره، وإنما قال على الحي الذي لا يموت لأن من توكل على حي يموت انقطع توكله عليه بموته، وأما الله سبحانه وتعالى فإنه حي لا يموت فلا ينقطع توكل من توكل عليه، ولا يضيع ألبتة {وسبح بحمده} أي صل له شكراً على نعمه وقيل: معناه قل سبحان الله والحمد لله {وكفى به بذنوب عباده خبيراً} يعني أنه تعالى علام بجميع ذنوب عباده فيجازيهم بها. وقيل: معناه أنه لا يحتاج معه إلى غيره لأنه خبير عالم قادر على مكافأتهم وفيه وعيد شديد, كأنه إذا قدمتم على مخالفة أمره كفاكم علمه في مجازاتكم بما تستحقون من العقوبة. قوله تعالى الذي {خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيراً} أي فاسأل الخبير بذلك، يعني بما ذكر من خلق السموات والأرض والاستواء على العرش. وقيل: أيها الإنسان لا ترجع في طلب العلم، بهذا إلى غيري وقيل معناه فاسأل عنه خبيراً وهو الله تعالى وقيل: هو جبريل عليه السلام {وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن} أي ما نعرف الرحمن إلا رحمان اليمامة يعنون مسليمة الكذاب كانوا يسمونه رحمان اليمامة {أنسجد لما تأمرنا} أنت يا محمد {وزادهم} يعني قول القائل اسجدوا للرحمن {نفوراً} يعني عن الإيمان والسجود. فصل وهذه السجدة من عزائم السجدات فيسن للقارىء، والمستمع أن يسجدا عند سماعها وقراءتها. قوله تعالى {تبارك الذي جعل في السماء بروجاً} قيل: البروج هي النجوم الكبار سميت بروجاً لظهورها، وقيل: البروج قصور فيها الحرس. وقال ابن عباس: هي البروج الاثنا عشر التي هي منازل الكواكب السبعة السيارة، وهي الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت سميت بالبروج، التي هي القصور العالية لأنها للكواكب كالمنازل لسكانها {وجعل فيها سراجاً} يعني الشمس {وقمراً منيراً وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة} قال ابن عباس معناه خلفاً، وعوضاً يقوم أحدهما مقام صاحبه فمن فاته عمله في أحدهما قضاه في الآخر. قال شقيق: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب. قال فاتتني الصلاة الليلة قال أدرك ما فاتك من ليلتك في نهارك، فإنّ الله جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر. وقيل جعل كل واحد منهما مخالفاً لصاحبه فجعل هذا أسود وهذا أبيض وقيل يخلف أحدهما صاحبه إذا ذهب هذا جاء هذا فهماً يتعقبان في الضياء، والظلمة والزيادة والنقصان {لمن أراد أن يذكر} أي يتذكر ويتعظ {أو أراد شكوراً} يعني شكر نعمة ربه عليه فيهما. قوله عز وجل {وعباد الرحمن} قيل هذه الإضافة للتخصيص، والتفضيل وإلا فالخلق كلهم عباد الله {الذين يمشون على الأرض هوناً} يعني بالسكينة والوقار متواضعين غير أشرين، ولا مرحين ولا متكبرين بل علماء حكماء، أصحاب وقار وعفة {وإذا خاطبهم الجاهلون} يعني السفهاء بما يكرهونه {قالوا سلاماً} يعني سداداً من القول يسلمون فيه لا يسفهون وإن سفه عليهم حلموا ولم يجهلوا وليس المراد منه السلام المعروف وقيل هذا قبل أن يؤمروا بالقتال ثم نسختها آية القتال ويروى عن الحسن البصري أنه كان إذا قرأ هذه الآية قال: هذا وصف نهارهم ثم إذا قرأ {والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً} قال هذا وصف ليلهم، والمعنى يبيتون لربهم في الليل بالصلاة سجداً على وجوههم وقياماً على أقدامهم. قال ابن عباس، من صلّى بعد العشاء الأخيرة ركعتين أو أكثر فقد بات لله ساجداً وقائماً (م) عن عثمان بن عفان رضي الله عنه: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف الليل ومن صلى الفجر في جماعة كان كقيام ليلة ".

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي لاَ يَمُوتُ}. قال القشيريُّ في «التحبير»: وإذا عَلِمَ العبدُ أَنَّ مولاه حَيٌّ لا يموت، صَحَّ تَوَكُّلُهُ عليه؛ قال تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ} قيل: إنَّ رجلاً كتب إلى آخر أَنَّ صديقي فلاناً قد مات، فَمِنْ كَثَرَةِ ما بكيت عليه ذَهَبَ بَصَرِي، فكتب إليه: الذَّنْبُ لك حين أحببتَ الحيَّ الذي يموت، فهلا أحببت الحيَّ الذي لا يموت حتى لا تحتاج إلى البكاء عليه، انتهى. وعن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما كَرَبَنِي أَمْرٌ إلاَّ تَمَثَّلَ لِي جِبْرِيلُ عليه السلام فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ، قُلْ: تَوَكَّلْتُ عَلَى الحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ، وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً»تفسير : رواه الحاكم في «المستدرك» وقال: صحيح الإسناد، انتهى من «السلاح». وقوله تعالى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ} أي: قل: سبحان اللّه وبحمده أي: تنزيهه واجب وبحمده أقول، وصَحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أَنَّه قال: «حديث : مَنْ قَالَ فِي كُلِّ يَوْمٍ سُبْحَانَ اللّهِ وَبِحَمْدِهِ مائَةَ مَرَّةٍ غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ»تفسير : فهذا معنى قوله: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ} وهي إحدى الكلمتين الخفيفتين على اللسان الثقيلتين في الميزان، الحديث في البخاري وغيره. * ت *: وعن جُوَيْرِيَّةَ - رضي اللّه عنها - أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ، وَهِيَ فِي مَسْجِدِهَا، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى وَهِيَ جَالِسَةٌ فَقَالَ: «حديث : مَا زِلْتِ عَلَى الحَالِ الَّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا؟ قَالَتْ: نعم، قَال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتُ مُنْذُ الْيَوْمَ لَوَزَنْتُهِنَّ: سُبْحَانَ اللّهِ وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ»تفسير : رواه الجماعة إلاَّ البخاريَّ، زاد النسائي في آخره: «وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَذَلِكَ» وفي رواية له: «سُبْحَانَ اللّهِ وَبِحَمْدِهِ، وَلاَ إلَهَ إلاَّ اللّهُ، وَاللَّهُ إكْبَرُ عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ» انتهى من «السلاح». وقوله سبحانه: {وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً}: وعيدٌ بَيِّنٌ. وقوله تعالى: «الرحمن»: يحتمل أنْ يكون: رفعه بإضمار مبتدإٍ، أي: هو الرحمن، ويحتمل أنْ يكونَ: بَدَلاً من الضمير في قوله: {ٱسْتَوَىٰ}. وقوله: {فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً} فيه تأويلان: أحدهما: فاسأل عنه خبيراً والمعنى: اسأل جبريلَ والعلماء وأهل الكتاب، والثاني: أنْ يكون المعنى كما تقول: لو لقيت فلاناً لقيتَ له البحرَ كرماً، أي: لقيتَ منه، والمعنى: فاسأل اللّهَ عن كل أمر، وقال عِيَاضٌ في «الشِّفَا» قال القاضي أبو بكر بن العلاء: المأمور بالسؤال غيرُ النبي صلى الله عليه وسلم والمسؤول الخبير هو النبي صلى الله عليه وسلم انتهى. قال أبو حيان: والظاهر تعلق به {فاسأل} وبقاء الباء على بابها، و {خبيراً} من صفاته تعالى، نحو: لَقِيتُ بِزَيْدٍ أَسَداً، أي: أَنَّهُ الأَسَدُ شجاعةً، والمعنى: فاسألِ اللّهَ الخبيرَ بالأَشياءِ، انتهى.

السيوطي

تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في التوكل والبيهقي في شعب الإِيمان عن عتبة بن أبي ثبيت قال‏:‏ مكتوب في التوراة لا تتوكل على ابن آدم فإن ابن آدم ليس له قوام، ولكن توكل على الحي الذي لا يموت‏.‏

التستري

تفسير : قوله: {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي لاَ يَمُوتُ}[58] سئل ابن سالم عن التوكل والكسب بأيهما تعبد الخلق؟ قال: التوكل حال الرسول صلى الله عليه وسلم، والكسب سنته. وإنما استنّ الكسب لهم لضعفهم حين أسقطوا عن درجة التوكل الذي هو حاله، فلم يسقطهم عن درجة طلب المعاش بالكسب الذي هو سنته، ولولا ذلك لهلكوا. قال سهل: من طعن في الكسب فقد طعن في السنة، ومن طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان.

السلمي

تفسير : قوله جل جلاله: {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي لاَ يَمُوتُ} [الآية: 58]. قال بعضهم: التوكل استيلاء الوجد على الإشارة، وحذف التشرف إلى الإرفاق حتى تبتدأ. قال بعضهم: الدنيا فانية والآخرة باقية، والأرزاق مفروغ منها فعلى ماذا أتوكل إنما توكلى عليه بأن لا يعذبنى ولا يبعدنى من قربه. قال أبو موسى الديبلى: التوكل هو أن يستوى عندك البادية، وباب الطاق. قال بعضهم: التوكل أن تكون مثل الطفل لا يعرف شيئًا يأوى إليه، ولا يرى إلا أمه كذلك المتوكل يجب ألا يرى لنفسه مأوى إلا الله. قال بعضهم: الاعتماد على الغنى غايته الفقر والاعتماد على القوة آخره الضعف، والاعتماد على الخلق هو طريق الخذلان، ومن اعتمد سوى ربه وتوكله على غيره، فقد ضيَّع وقته، وخاب سعيه لأنه الحى الذى لا يجرى عليه فتور العوارض دعاك إليه باللطف دعوة فقال: {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي لاَ يَمُوتُ}. قال الواسطى رحمه الله: من توكل على الله لعلة غير الله فلم يتوكل على الله. سمعت أبا الطيب الشيرازى يقول: سمعت أبا الطيب الطمانى يقول: اختلف الناس فى التوكل فوقع لى أنه الكف عن الأعيان فى السر والعلانية والسكون الى الحرة بلا واسطة. وسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت جعفر بن محمد الخلدى يقول: سمعت أبا محمد الجويدى يقول: سمعت سهل بن عبد الله يقول: من طعن على الاكتساب فقد طعن على السنة ومن طعن على التوكل فقد طعن على الإيمان. سمعت الحسين بن يحيى يقول: سأل رجل ابن سالم أنحن مستعبدون بالكسب سنته وإنما سنَّ لهم الكسب لضعفهم حين أسقطوا عن درجه التوكل الذى هو حاله فلما سقطوا عنه لم يسقطهم عن درجة طلب المعاش بالمكاسب التى هو سنته، ولولا ذلك لهلكوا. سمعت محمد بن عبد الله الرازى يقول: سمعت أبا على المروزبارى يقول: التوكل على ثلاث درجات الأول: منها إذا أعطى شكر، وإذا منع صبر، والثانى المنع والعطاء عندهم واحدٌ، والثالث: المنع مع الشكر أحب إليهم من اختيارهم. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا عثمان الآدمى يقول: سمعت إبراهيم الخواص يقول: لا ينبغى للصوفى أن يتعرض للقعود عن الكسب إلا أن يكون رجلاً مغلوبًا قد أغبنه الحال عن المكاسب، وأما ما كانت الحاجات فيه قائمة، ولم يقع له عروق يحول بينه وبين التكلف فالعمل أولى به والكسب أحل له، وأبلغ لأن القعود لا يصلح لمن لم يستغن عن التكلف. سمعت عبد الله بن على يقول: سمعت أحمد بن عطاء يقول: قال خالى: ليس التوكل لزوم الكسب ولا تركه، إنما التوكل طمأنينة فى القلب. سمعت أبا الحسين الفارس يقول: سمعت إبراهيم القائد يقول: سئل رويم: عن التوكل؟ فقال: الثقة بالله فى كل ما ضمن. سمعت محمد بن عبد الله يقول: سمعت أبا عبد الله القرشى يقول: المتوكل من رضى بالله كفيلاً فاطمأن إليه سرًا وجهرًا. سمعت عبد الله بن على يقول: سمعت محمد بن عبد الله الفرغانى يقول سمعت أبا جعفر الحداد يقول: مكثت تسع عشرة سنة أعتقد التوكل، وأنا أعمل فى السوق وآخذ كل يوم أجرتى ولا أستريح منها الى شربة ماء، ولا إلى دخلة حمام أتنظف بها وكنت أجنى أجرتى إلى الفقراء فأواسيهم بها فى الشويزيه، وغيرها وأكون أنا على حالى.

القشيري

تفسير : قوله جل ذكره: {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي لاَ يَمُوتُ}. التوكل تفويضُ الأمور إلى الله. وحقُّه وأصْلُهُ عِلْمُ العبدِ بأنَّ الحادثاتِ كلّها حاصِلةٌ من الله تعالى، وأنه لا يقدر أحدٌ على الإيجاد غيرُه. فإذا عَرَفَ هذا فهو فيما يحتاج إليه - إذا عَلِمَ أن مرادَهُ لا يرتفع إلا مِنْ قِبَلِ الله - حصل له أصل التوكل. وهذا القَدْرُ فَرْضٌ، وهو من شرائط الإيمان، فإن الله تعالى يقول: {أية : وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}تفسير : [المائدة: 23] وما زاد على هذا القَدْرِ - وهو سكون القلب وزوال الانزعاج والاضطرار - فهي أحوال تلحق بالتوكل على وجه كماله. فإن تقرَّرَ هذا فالناس في الاكتفاء والسكون على أقسام، ولكلِّ درجةٍ من هذه الأقسام اسم: إمَّا من حيث الاشتقاق، أو من حيث الاصطلاح. فأول رتبة فيه أن يكتفي بما في يده، ولا يطلب زيادة عليه، ويستريح قلبه من طلب الزيادة.. وتسمى هذه الحالة القناعة، وفيها يقف صاحبها حيث وقف، ويقنع بالحاصل له فلا يستزيد ثم اكتفاءُ كلِّ أحدٍ يختلف في القلة والكثرة، وراحة قلوب هؤلاء في التخلص من الْحِرصِ وإرادة الزيادة. ثم بعد هذا سكونُ القلب في حالة عَدَمِ وجود الأسباب، فيكون مجرداً عن الشيء، ويكون في إرادته متوكلاً على الله. وهؤلاء متباينون في الرتبة، فواحد يكتفي بوعده لأنه صَدَقَه في ضمانه، فيسكن - عند فقد الأسباب - بقلبه ثقةً منه بوعد ربه.. ويسمى هذا توكلاً، ويقال على هذا: إن التوكل سكون القلب بضمان الربِّ، أو سكون الجاش في طلب المعاش، أو الاكتفاء بوعده عند عدم نَقْدِه، أو الاكتفاء بالوعد عند فقد النقد. وألطف من هذا أن يكتفي بِعِلْمِ أنه يعلم حاله فيشتغل بما أمره الله؛ ويعمل على طاعته؛ ولا يراعي إنجاز ما وَعَدَهَ؛ بَل يِكِلُ أمرَه إلى الله.. وهذا هو التسليم. وفوق هذا التفويض، وهو أنْ يَكِلَ أمرَه إلى الله. ولا يقترح على مولاه بحالٍ، ولا يختار؛ ويستوي عند وجودُ الأسباب وعَدَمُها؛ فيشتغل بأداء ما ألزمه الله؛ ولا يفكر في حال نَفْسِه؛ ويعلم أنه مملوكٌ لمولاه؛ والسيِّدُ أوْلَى بِعَبْدِهِ من العبد بنفسه. فإذا ارتقى عن هذه الحالة وَجَدَ راحةً في المَنْع؛ واستعذب ما يستقبله من الرَّدِّ.. وتلك هي مرتبة الرضا؛ ويصلح له في هذه الحالة من فوائد الرضا ولطائفه ما لا يحصل لِمَنْ دونَه من الحلاوة في وجود المقصود. وبعد هذا الموافقة؛ وهي ألا يجد الراحة في المَنْعِ، بل يجد بَدَلَ هذا عند نسيم القربِ زوائد الأُنْس بنسيان كلِّ أرَبٍ، ونسيان وجود سبب أو عدو وجود سبب؛ فكما أنَ حلاوة الطاعة تتصاغر عند بَرْدِ الرضا - وأصحاب الرضا يعدون ذلك حجاباً - فكذلك أهل الأُنْسِ بالله. بنسيانِ كلِّ فَقْدٍ ووَجْدٍ، وبالتغافل عن أحوالهم في الوجود والعدم يعدون النزول إلى استلذاذ المنع، والاستقلال بلطائف الرضا نقصاناً في الحال. ثم بعد هذا استيلاءُ سلطان الحقيقة فيؤخذ العبد عن جملته بالكلية، والعبارة عن هذه الحالة أنه يحدث الخمود والاستهلاك والوجود والاصطلام والفناء.. وأمثال هذا، وذلك هو عين التوحيد، فعند ذلك لا أُنْسَ ولا هيبة، ولا لذة ولا راحة، ولا وحشة ولا آفة. هذا بيان ترتيبهم فأمّا دون ذلك فالخبر عن أحوال المتوكلين - على تباين شِرْبِهم. - يختلف على حسب اختلاف على حسب اختلاف محالِّهم. فيقال شرط التوكل أن يكون كالطفل في المهد؛ لا شيء مِنْ قِبَلِه إلا أن يرضعه مَنْ هو في حضانته. ويقال التوكل زوال الاستشراف، وسقوط الطمع، وفراغ القلب من تعب الانتظار. ويقال التوكل السكون عند مجاري الأقدار على اختلافها. ويقال إذا وثق القلب بجريان القسمة لا يضره الكسب، ولا يقدح في توكله. ويقال عوام المتوكلين إذا أُعْطُوا شكروا، وإذا مُنعُوا صبروا. وخواصُّهم إذا أَعْطُوا آثروا، وإذا مٌنِعُوا شكروا. ويقال الحقُّ يجود على الأولياء - إذا توكلوا - بتيسير السبب من حيث يُحْتَسَبُ ولا يُحْتَسَبُ، ويجود على الأصفياء بسقوط الأرب.. وإذا لم يكن الأرَبُ فمتى يكون الطلب؟ ويقال التوكل في الأسباب الدنيوية إلى حدٍّ، فأمَّا التوكل على الله في إصلاحه - سبحانه - أمورَ آخرِة العبد فهذا أشدُّ غموضاً، وأكثرُ خفاءً. فالواجبُ في الأسباب الدنيوية أن يكون السكونُ عن طلبها غالباً، والحركةُ تكون ضرورةً. فأمَّا في أمور الآخرة وما يتعلَّقُ بالطاعةِ فالواجبُ البِدارُ والجِدُّ والانكماشُ، والخروجُ عن أوطان الكسل والجنوح إلى الفشل. والذي يتَّصِفُ بالتواني في العبادات، ويتباطؤ في تلافي ما ضيَّعَه من أرضاء الخصوم والقيام بحقِّ الواجبات، ثم يعتقد في نفسه أنه متوكِّلٌ على الله وأنه - سبحانه - يعفو عنه فهو مُتَّهَمٌ معلولُ الحالِ، ممكورٌ مُسْتَدْرَجٌ، بل يجب أن يبذل جهده، ويستفرغ وسعه. ثم بعد ذلك لا يعتمد على طاعته، ولا يستنِدُ إلى سكونه وحركته، ويتبرأُ بِسِرِّه من حَوْلِهِ وقوَّتِه. ثم يكون حَسَنَ الظنِّ بربِّه، ومع حُسْنِ ظنه بربه لا ينبغي أن يخلوَ من مخافته، اللهم إلا أن يَغْلِبَ على قلبه ما يشغله في الحال من كشوفات الحقائق عن الفكرة في العواقب؛ فإن ذلك - إذا حَصَلَ - فالوقتُ غالِبٌ، وهو أحد ما قيل في معاني قولهم: الوقت سيف.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي لاَ يَمُوتُ} اخبر سبحانه عن حقيقة التوكل بهذه الأية والاشارة فيها ان من له ذخيرة عظيمة غير منقطعة فانه ساكن القلب بها والحدثان باسرها ليست بذخيرة غير منقطعة فانها ليست بقائمة بنفسها انما قيامها بالله وهو تعالى بذاته وصفاته مستند العارفين اخرته وجلاله قديم باق لا يزول فاذا التوكل عليه حقيقة لمن عرفه بهذه الصفة فقطع سر حبيبه عن الخلق جميعا فى امر العبودية الربوبية والبلاء والعافية والعيش فى الدنيا والأخرة ثم امره بتنزييه وتقديسه حمد الكفايته ورعايته بقوله {وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ} ولا ينقطع وجود ابدا الابدين وبين ان اكثر خلقه محجوبون عن هذه الحقيقة وللمحجوبون عنها وقعوا فى الاسباب وهو فى حقيقة التوكل ذنب الطريقة فخوفهم بها وقال {وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً} قال بعضهم التوكل استيلاء الوجد على الاشارة وجذب التشرف الى ارفاق حتى يتبدى قال الواسطى من توكل على الله لعلة غير الله فلم يتوكل على الله ولما امر سبحانه حبيبه بالتوكل على نعت الحقيقة واخبر فيه عن صفته الخاصة فى نفسه من الحياة الازلية الابدية وعن ذاته السرمدية زاد الخير فى اعلامنا قدرته وبقاءه واشتمال قوته على جميع الحوادث وانشائها بقوله {ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱلرَّحْمَـٰنُ} بين ان الكون قائم به وذكر رحمانيته من حيث انه رحم الخلق بايجادهم ثم امر حبيبه ان يسال في حقيقة هذا الامر عن جلال عزته وبقاء ديموميته والمعرفة بذاته وصفاته عن خيراء عرفانه وبصراء العلم بجبروته وملكوته بقوله {فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً} وهم الذين عرف الله نفسه لارواحهم فى الاول بالاولية والاخرية والقدرة المشية وكمال الرحمة وهم باقون فى الاشباح بنعت الارواح فى عبوديته وعرفان ربوبيته وفى كل لمحة يزيد معرفته بجلاله وقدره وقال الحسين هم الذين قامهم الله فى البلاد ازلة للعباد منهم من يدل على سبيل الحق ومنهم من يدل على أداب سبيل الحق ومنهم من يدل على شرائع الايمان ومنهم من يدل على الحق فهو الدليل على الحق لان الكل محتاجون اليه وهو مستغن عنهم يرجعون اليه فى السؤال ولا يسال هو احد كالخضر ونظرائه لانهم اتوا العالم الدنى.

اسماعيل حقي

تفسير : {وتوكل على الحى الذى لايموت} فى الاستكفاء عن شرورهم والاغناء عن اجورهم فانه الحقيق بان يتوكل عليه دون الاحياء الذين من شأنهم الموت فانهم اذا ماتوا ضاع من توكل عليهم واصل التوكل ان يعلم العبد بان الحادثات كلها صادرة من الله ولا يقدر احد على الايجاد غيره فيفوض امره الى الله فيما يحتاج اليه وهذا القدر فرض وهو من شرط الايمان قال تعالى {أية : وعلى لله فتوكلوا ان كنتم مؤمنين}تفسير : ومازاد على هذا القدر من سكون القلب وزوال الانزعاج والاضطراب فهى احوال تلحق بالتوكل على وجه الكمال كذا فى التأويلات النجمية، قال الواسطى من توكل على الله لعلة غير الله فلم يتوكل على الله بل توكل على غير الله، وسئل ابن سالم أنحن مستنون بالكسب او التوكل فقال ابن سالم التوكل حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وانما استن الكسب لضعف حالهم حين اسقطوا عن درجة التوكل الذى هوحاله فلما سقطوا عنه لم يسقطهم عن درجة طلب المعاش بالمكاسب الى هى سنة ولولا ذلك لهلكوا، يقال عوام المتوكلين اذا اعطوا شكروا واذا منعوا صبروا. وخواصهم اذا اعطوا آثروا واذا منعوا شكروا، ويقال الحق يجود على الاولياء اذا توكلوا بتيسير السبب من حيث يحتسبون ولا يحتسبون. ويجود على الاصفياء بسقوط الارب واذا لم يكن ارب فمتى يكون طلب، ويقال التوكيل ان يكون مثل الطفل لا يعرف شيئا يأوى اليه الاثدى امه كذلك المتوكل يجب ان لايرى لنفسه مأوى الا الله تعالى: وفى المثنوى شعر : نيست كسبى از توكل خوبتر جيست از تسليم خود محبوبتر طفل تاكيرا وتابوديانبود مر كبش جز كردن بابا نبود جون فضولى كشت ودست وبانمود درعنا افتاد ودر كور وكبود ماعيال حضرتيم وشير خواه كفت "الخلق عيال للآله" آنكه او از آسمان باران دهد هم تواند كو زرحمت نان دهد تفسير : {وسبح بحمده} اى نزه تعالى عن صفات النقصان وعن كل مايرد على الوهم والخيال حال كونك مثنيا عليه بنعوت الكمال طالبا لمزيد الانعام بالشكر على سوابقه وفى الحديث "حديث : من قال كل يوم سبحان الله وبحمده مائة مرة غفرت ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر"تفسير : كما فى فتح الرحمن {وكفى به} الباء زائدة للتأكيد اى حسبك الحى الذى لايموت وقوله {بذنوب عباده} ماظهر منها وما بطن متعلق بقوله {خبيرا} مطلقا فيجزيهم جزاء وافيا فلا يحتاج معه الى غيره.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {وتوكَّلْ على الحيّ الذي لا يموتُ} في الاستكفاء عن شرورهم، والاغتناء عن أجورهم، أي: ثق به؛ فإنه يكفيك عن الطمع فيمن يموت، فلا تطلب على تبليغك من مخلوق أجراً، فإن الله كافيك. قرأها بعض الصالحين فقال: لا يصح لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق. {وسَبَّحْ} أي: ونزهه أن يكل إلى غيره مَنْ تَوَكَّلَ عليه، {بحمده} أي: بتوفيقه الذي يوجب الحمد، أو: قل سبحان الله وبحمده، أو: نزهه عن صفات النقصان، مثنياً عليه بنعوت الكمال، طالباً لمزيد الإنعام، {وكفى به بذنوب عباده خبيراً} أي: كفى الله خبيراً بذنوب عباده، ما ظهر منها وما بطن، يعني: أنه خبير بأحوالهم، كافٍ في جزاء أعمالهم. {الذي خلق السموات والأرضَ وما بينهما في ستة أيام} أي: في مدة مقدارها ستة أيام؛ إذْ لم يكن ليل ولا نهار. وعن مجاهد: أولها يوم الأحد، وآخرها يوم الجمعة، وإنما خلقها في هذه المدة، وهو قادر على خلقها في لحظة، تعليماً لخلقه الرفق والتثبت. {ثم استوى على العرش} استواء يليق به، {الرحمنُ} أي: هو الرحمن، أو: فاعل استوى، أي: استوى الرحمن، برحمانيته على العرش وما احتوى عليه. وراجع ما تقدم في الأعراف {فاسألْ به خبيراً} أي: سل عنه رجلاً عارفاً خبيراً به، يُخبرك برحمانيته. وكانوا ينكرون اسم الرحمن، ويقولون: لا نعرف الرحمن إلا الذي باليمامة، يعنون: مسيلمة الكذاب، وكان يقال له: رحمن اليمامة؛ غُلُوًّا فيه، فأمر نبيه أن يسأل من له خبرة وعلم بالكتب المتقدمة عن اسم الرحمن، فإنه مذكور في الكتب المتقدمة. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن العارف: والظاهر: أن الخبير هو الله، أي: أسأل الله الخبير بالأشياء، الأعلم بخفاياها، والتقدير: فسل بسؤالك إياه خبيراً. وإنما استظهرنا هذا القول؛ لأن المأمور بالسؤال الرسول صلى الله عليه وسلم، وَتَجِلُّ رتبته عن سؤال غير ربه. والمراد: فسل الله الخبير بالرحمن ووصفه. انظر تمام كلامه. {وإِذا قيل لهم} أي: إذا قال محمد للمشركين: {اسجدوا للرحمن}؛ صَلّوا له، أو: اخضعوا، {قالوا وما الرحمنُ} أي: لا نعرف الرحمن فنسجد له، قالوا ذلك: إما لأنهم ما كانوا يطلقونه على الله تعالى، أو لأنهم ظنوا أن المراد به غيره تعالى. {أنسجُدُ لما تأمرنا} أي: للذي تأمرنا بالسجود له، أو لأمرك بالسجود له من غير علم منا به. وهو منهم عناد؛ لأن معناه في اللغة: ذو الرحمة التي لا غاية لها؛ لأن فَعْلاَنَ يدل على المبالغة، وهم من أهل اللغة. {وزادهم نُفُوراً} أي: زادهم الأمر بالسجود للرحمن تباعداً عن الإيمان ونفوراً عنه. وبالله التوفيق. الإشارة: قد تقدم الكلام على التوكل في مواضع. وللقشيري هنا كلام، وملخصه باختصار: أن التوكل: تفويضُ الأمر إلى الله سبحانه، وأصله: عِلْمُ العبدِ بأنَّ الحادثاتِ كلّها حاصِلةٌ من الله، ولا يقدر أحدٌ على إيجاد شيء أو دفعه، فإذا عَرَفَ العبدُ هذا، وعلم أن مراد الله لا يرتفع ولا يدفع، حصل له التوكل. وهذا القدر فرض، وهو من شرائط الإيمان، قال الله تعالى: {أية : وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} تفسير : [المائدة: 23]، وما زاد على هذا القَدْرِ؛ من سكون القلب، وطمأنينته، وزوال الانزعاج والاضطراب، فهو من أحوال التوكل ومقاماته, فالناس في الاكتفاء والسكون على أقسام ودرجات، فأول رتبة فيه: أن يكتفي بما في يده، ولا يطلب الزيادة عليه، ويستريح قلبه من طلب الزيادة. وتسمى هذه الحالة: القناعة، فيقنع بالحاصل، ولا يستزيد ما ليس بحاصل - يعني: مع وجود الأسباب - ثم بعد هذا سكون القلب في حال عَدَمِ الأسباب، وهو مقام التجريد، وهم متباينون في الرتبة: واحد يكتفي بوعده، لأنه صَدَّقَهَ في ضمانه، فسكن قلبه عند فقد الأسباب؛ ثقةً منه بوعد ربه، وقد قيل: إن التوكل: سكون القلب بضمان الربِّ، ويقال: سكون الجأش في طلب المعاش، ويقال: الاكتفاء بوعده عند عدم نَقْدِه. وألطف من هذا أن يكتفي بِعلْمِ الله، فيشتغل بمولاه، ولا يلتفت إلى إنجاز وعد ولا ضمان، فيكِلُ أمره إلى الله، وهذه حالة التسليم. وفوق هذه: التفويض، وهو أن يَكِلَ أمرَه إليه، ولا يختار حالاً على حال، فيشتغل بمولاه ويغيب عن نفسه وعن كل ما سواه، يعلم أنه مملوكٌ لسيِّده، والسيَّدُ أولى من العبد بنفسه. فإذا ارتقى عن هذه الحالة وَجَدَ الراحة في المنْع، ويستعذب ما يستقبله من الرَّدِّ، فهي رتبة الرضا، ويحصل له في هذه الحالة، من فوائد الرضا ومطالعته، ما لا يحصل لمن دونه من الحلاوة في وجود المقصود. وبعد هذا: الموافقة؛ وهو ألا يجد الراحة في المنع ولا في العطاء، وإنما يجد حلاوة نسيم القُرب، وزوائد الأنس بنسيان كل أرَبٍ. فكما أن حلاوة الطاعات تتصاغر عند بَرْدٍ الرضا - ويعدُّون ذلك حجاباً - كذلك أهل الأُنْسِ بالله يَعدُّون الوقوف مع حلاوة الرضا والاشتغال بلطائفه نقصاناً وحجاباً. ثم بعد هذا استيلاءُ سلطان الحقيقة، بما يأخذ العبد عن جملته بالكلية، فيُعبر عن هذه الحالة بالخمود، والاستهلاك، والوجود، والاصطلام، والفناء - وهذا هو عين التوحيد الخاص - فعند ذلك لا أنس، ولا هيبة، ولا لذة، ولا راحة، ولا وحشة، ولا آفة. يعني: غيب المقامات بلذاتها وراحتها، عند تحقق الفناء، ثم قال: هذا بيان ترتيبهم، فأمّا ما دون ذلك؛ فالإخبار عن أحوال المتوكلين، على تباين شرفهم، يختلف على حسب اختلاف حالهم. انتهى بالمعنى. وقال أيضاً: ويقال: التوكل في الأسباب الدنيوية ينتهي إلى حدّ، وأما التوكل على الله في إصلاح آخرته: فهو أشدُّ غموضاً وأكثرُ خفاء، فالواجب، في الأسباب الدنيوية، أن يكون السكونُ عند طلبها غالباً، والحركةُ تكون ضرورةً، وأما في أمر الآخرةِ وما يتعلق بالطاعةِ، فالواجبُ البِدار والجدُّ والانكماشُ، والخروجُ عن أوطان الكسل، وترك الجنوح إلى الفشل. والذي يوصف بالتواني في العبادات والتباطؤِ في تلافي ما ضيَّعَه من إرضاء الخصوم، والقيام بحقِّ الواجبات، ثم يعتقد في نفسه أنه متوكِّلٌ على الله، فهو متمن معلول الحال، ممكورٌ مُسْتَدْرَج، بل يجب أن يبذل جهدَه، ويستفرغ وسعَه، ثم بعد ذلك لا يعتمد على طاعته، ولا يستند إلى سكونه وحركته، ويتبرأ من حَوْلِه وقوَّتِه، ثم يُحسن الظنّ بربِّه. ومع حُسْنِ ظنه بِرَبِّه لا ينبغي أن يخلوَ من مخافته، اللهم إلا أن يَغْلِبَ على قلبه ما يشغله في الحال؛ من كشوفات الحقائق عن الفكرة في العواقب؛ فإن ذلك - إذا حَصَلَ - فالوقت غالبٌ، وهو أحد ما قيل في قولهم: الوقت سيف. هـ. ثم ذكر أوصاف الرحمن الذي نفر المشركون عن الخضوع له ما يبيّن عظمته وكبريائه ونفوذ قدرته المستوجبة للخضوع والانقياد له رداً على امتناع الكفرة منه فقال: {تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ...}

الجنابذي

تفسير : {وَتَوَكَّلْ} واعتمد {عَلَى ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي لاَ يَمُوتُ} اى على الحىّ بالذّات فانّ من يموت يكون حيوته عرضيّة يعنى لا تر الافعال من غير الله بل كن فانياً من نسبة الافعال الى غيره وانظر الى علمه تعالى وقدرته وارادته بالذّات فانّ الحيٰوة يستلزمها واذا كانت ذاتيّة كانت تلك ايضاً ذاتيّة واعلم، انّها فى غير الله بتوسّطه حتّى تعتمد عليه وتكل امورك اليه ولا تنظر الى فعل وارادة وقدرة من غيره فانّ مقام التّوكّل لا يحصل للسّالك الاّ بالفناء من فعله والنّظر الى سريان قدرته وارادته وفعله فى الجميع {وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ} اى نزّهه عن جميع ما لا يليق به بسبب حمده الّذى هو سعة وجوده فانّ تسبيحه لا يكون الاّ تحميده كما مضى فى اوّل الفاتحة انّ تسبيحه عبارة عن سلب النّقائص والحدود عنه، وسلب الحدود ليس الاّ سلب السّلب الرّاجع الى سعة الوجود، والمراد بالتّسبيح منه (ص) ليس الاّ التّسبيح الفعلىّ الّذى هو خروجه عن جميع الحدود وفناؤه عن افعاله وصفاته وذاته يعنى لا تنظر الى حدودك وحدود غيرك وذنوبهم فانّ الله يقلّبهم فى الحدود والذّنوب ويجازيهم على ما يستحقّونه {وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً} لا حاجة له الى نظرك اليهم.

الأعقم

تفسير : {وتوكل على الحي الذي لا يموت} أمره بأن يتّق الله ويسند أمره إليه في استكفاء شرورهم مع التمسك بقاعدة التوكل وأساس المنجا وهو طاعة الله وعبادته وتنزيهه وتحميده، وعرّفه بأن الحي الذي لا يموت حقيق بأن يتوكل عليه ولا يتوكل على غيره من الأحياء الذي يموتون، وعن بعض السلف أنه قرأها فقال: لا يصح لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق {وكفى به بذنوب عباده خبيراً} أي عليماً فيجازيه {الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام} يعني في مدة مقدارها هذه المدة لأنه لم يكن حينئذ ليل ولا نهار، وفي ستة أيام من أيام الآخرة وكل يوم ألف سنة والظاهر أنها من أيام الدنيا، وعن مجاهد: أولها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة {ثم استوى على العرش الرحمان} أي قدر على خلقه، وقيل: العرش الملك، أي هو القادر على ملكه يتصرف كيف يشاء {فاسأل به خبيراً} أي عليماً، قيل: الخبير هو الله، وقيل: جبريل (عليه السلام)، وقيل: لا تطلب شيئاً إلاَّ منه ولا تتوكل إلا عليه، واختلفوا في السؤال قيل: اسأل على صفته، وقيل: اسأل عن الإِسلام يخبرك أنه الحق، وقيل: سل العقلاء يخبروك أن المستحق بأن تتوكل عليه هو الحي الذي لا يموت، وقيل: سل هل أحد أعلم من الله بالأشياء {وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمان}، قيل: الرحمان اسم من أسماء الله قد كّرر في الكتب المتقدمة ولم يكونوا يعرفونه، فقيل: فاسأل بهذا الأمم من يخبرك من أهل الكتاب حتى تعرف من ينكره، ومن ثمَّ كانوا يقولون ما نعرف الرحمان إلا الذي باليمامة يعنون مسيلمة، وقيل: أنهم عرفوا الله وتركوا السجود لأن فيه اتباع أمره، لذلك قالوا: {انسجد لما تأمرنا وزادهم نفوراً} في الدين {تبارك الذي جعل في السماء بروجاً} أي جلّ ثناؤه ولم يزل ولا يزال، يعني: خلق في السماء بروجاً منازل البروج الظاهرة والبروج اثني عشر: الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والدلو والحوت والميزان والعقرب والقوس والجدي، قوله تعالى: {وجعل فيها سراجاً} وهي الشمس والقمر والكواكب الكبار معها {وهو الذي جعل الليل والنهار خلفةً} يعني أحدهما يجيء خلف الآخر معتقبان في السير وفي الضياء وفي الظلام والزيادة والنقصان {لمن أراد أن يذّكر أو أراد شكوراً} لمن أراد أن يستدل على توحيد الله وأراد شكور نعمته، وقيل: أراد أن يذكر أنهما محدثان {وعباد الرحمان الذين يمشون على الأرض هوناً} أي يمشون بالسكينة والوقار لا أشر ولا تكبر، وقيل: أصحاب عفة ووقار، وقيل: متواضعين لا يستكبرون {وإذا خاطبهم الجاهلون} بمقالات سيه صانوا أنفسهم و{قالوا سلاماً}، قيل: سداد من القول يسلم معه دينهم، وقيل: سلام توديع لا سلام تحيَّة، وقيل: يقولون للسفهاء نسالمكم ولا نخالطكم، وعن أبي العالية: نسختها آية القتال، ولا حاجة إلى ذلك لأن الإِغضاء عن السفيه وترك المقابلة مستحسن في الأدب والمروءة والشريعة وأسلم للعرض {والذين يبيتون لربهم سجّداً وقياماً} يعني يصلون، قال ابن عباس: من صلَّى بالليل ركعتين أو أكثر بات لله ساجداً، وقيل: هما الركعتان بعد المغرب والركعتان بعد العشاء، والظاهر أنه وصفهم بإحياء الليل أو أكثره.

اطفيش

تفسير : {وَتَوَكَّلْ عَلَى الحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ} هو الله عز وجل ثق به واسند امرك كله إليه فان يكفيك شرهم ويغنيك عنهم لانه الحقيق بالتوكل عليه لدوام حياته ومن توكل على حي يموت ضاع عند موته وقيل موته ان ترك الله. وكتب رجل إلى آخر أن صديقي فلانا مات فمن كثرت بكائي عليه ذهب بصري فاجابه الذنب عليك حيث احببت الحي الذي يموت هلا احببت الحي الذي لا يموت فلا تحتاج إلى البكاء عليه. قال بعض السلف لا يصح لذي عقل ان يثق بعد هذه الآية بمخلوق. وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : ماكربني أَمر إِلا تمثل لي جبريل فقال: يا محمد قل توكلت على الحي الذي لا يموت والحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا"تفسير : أوصي الله إلى داود عليه السلام (يا داود من دعاني اجبته ومن استغاثني اغثته ومن استنصرني نصرته ومن توكل عليّ كفيته فانا كافي المتوكلين وناصر المستنصرين وغياث المستغيثين ومجيب الداعين). {وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ} تسبيحا كائنا مع حمده او سبح وانت حامد فالظرف نعت لمصدر محذوف او حال من ضمير (سبح) اي قل: (سبحان الله والحمد الله) أو صلِّ له شاكرا لانعمه أو نزهه عن صفات النقص مثنيا عليه بأوصاف الكمال طالب لمزيد النعم بالشكر عليها أو سبحه بقولك: الحمدلله أو بنحوه فانه يتضمن تنزيها وتعظيما. وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : من قال كل يوم سبحان الله وبحمده مائة مرة غفرت ذنوبه ولو كان مثل زبد البحر"تفسير : اي ان لم يصر حديث : وخرج صلى الله عليه وسلم عن جويرية رضي الله عنها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة فقال: ما زلت على الحال التي فارقتك عليها قالت: نعم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لقد قلت بعدك اربع كلمات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنته سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته والحمد لله كذلك " تفسير : وفي رواية "حديث : سبحان الله وبحمده ولا اله الا الله والله اكبر عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته"تفسير : {وَكَفَى بِهِ} الباء صلة لتأكيد الكفاية والهاء في محل جر بها وفي محل رفع على الفاعلية لكفى {بِذُنُوبِ عَبَادِهِ} متعلق بقوله * {خَبِيراً} حال أو تمييز والحالية أولى باشتقاقه أي هو عالم بما ظهر من ذنوبها وما بطن فيجازيهم فليس لك من امرهم شيء آمنوا أو كفروا لست احتاج إلى غيري في علم أو قدرة وذلك وعيد شديد.

اطفيش

تفسير : {وتوكَّلْ} فى الاستغناء عن أجورهم: ودفع ضررهم {على الحىّ الذى لا يمُوتُ} فهو الذى هو أحق بالتوكل عليه، لدوامه مع الغنى والقدرة، وفى التوراة: لا توكل على ابن آدم فان ابن آدم ليس له قوام، ولكن توكل على الحى الذى لا يموت، قال بعض السلف: لا يصح لذى عقل أن يثق بعد هذه الآية بمخلوق {وسَبِّحْ} نزه الله عز وجل بصفاته عن صفات الخلق، والنقص لجلاله، وليزيدك النعم على الشكر {بحَمْده} ثابتا مع حمده، والتسبيح تخلية، والحمد تحلية، ولذا أَخره ولم يقل أَحمده بتسبيحه، ولم يقل وبحمده سبحه، وأحاديث ثواب التسبيح كثيرة، ومنها: "حديث : من قال سبحان الله وبحمده غفرت ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر" تفسير : {وكَفَى به} الهاء فاعل كفى، والباء صلة، أى كفى هو أى الله {بذُنوب عِبادِه} متعلق بقوله: {خبيراً} ظاهرها وباطنها، كما دلت عليه إضافة الذنوب للجمع المؤذنة بالعموم على ما قيل، وفيه أنها كالاضافة الى المفرد إلا أن فيها ذنب هذا وذنب هذا. فإذا قلت: بذنوب فلان، فهى أيضاً ذنوبه كلها، فكلتاهما للعموم، ولا دليل على خروج الذنب الباطن، فهو داخل كما دلت عليه الآيات، والدليل وقوله: {خبيراً} لأن الخبرة متبادرة فى البواطن، فالظواهر أولى، ولكنها عند الله سواء فهو يجازيهم على الباطن والظاهر، وخبيراً حال، والآية تسلية له صلى الله عليه وسلم، وتهديد للكفار.

الالوسي

تفسير : {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَىّ ٱلَّذِى لاَ يَمُوتُ } في الإغناء عن أجورهم والاستكفاء عن شرورهم، وكأن العدول عن وتوكل على الله إلى ما في النظم الجليل ليفيد بفحواه أو بترتب الحكم فيه على وصف مناسب عدم صحة التوكل على غير المتصف بما ذكر من الحياة والبقاء، أما عدم صحة التوكل على من لم يتصف بالحياة كالأصنام فظاهر وأما عدم صحته على من لم يتصف بالبقاء بأن كان ممن يموت فلأنه عاجز ضعيف فالمتوكل عليه أشبه شيء بضعيف عاد بقرملة، وقيل: لأنه إذا مات ضاع من توكل عليه. وأخرج ابن أبـي الدنيا في «التوكل» والبيهقي في «شعب الإيمان» عن عقبة بن أبـي ثبيت قال: مكتوب في التوراة لا توكل على ابن آدم فإن ابن آدم ليس له قوام، ولكن توكل على الحي الذي لا يموت. وقرأ بعض السلف هذه الآية فقال: لا يصح لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق. {وَسَبّحْ بِحَمْدِهِ } أي ونزهه سبحانه ملتبساً بالثناء عليه تعالى بصفات الكمال طالباً لمزيد الإنعام بالشكر على سوابغه عز وجل فالباء للملابسة، والجار والمجرور في موضع الحال، وقدم التنزيه لأنه تخلية وهي أهم من التحلية، وفي الحديث: «حديث : من قال سبحان الله وبحمده غفرت ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر»تفسير : {وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ } ما ظهر منها وما بطن كما يؤذن به الجمع / المضاف فإنه من صيغ العموم أو قوله تعالى: {خَبِيراً } لأن الخبرة معرفة بواطن الأمور كما ذكره الراغب ومن علم البواطن علم الظواهر بالطريق الأولى فيدل على ذلك مطابقة والتزاماً. والظاهر أن {بِذُنُوبِ } متعلق بخبيراً وهو حال أو تمييز. وباء {بِهِ } زائدة في فاعل {كَفَىٰ }، وجوز أن يكون {بِذُنُوبِ } صلة كفى، والجملة مسوقة لتسليته صلى الله عليه وسلم ووعيد الكفار أي أنه عز وجل مطلع على ذنوب عباده بحيث لا يخفى عليه شيء منها فيجازيهم عليها ولا عليك إن آمنوا أو كفروا.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {أية : قل ما أسألكم عليه من أجر}تفسير : [الفرقان: 57] أي قل لهم ذلك وتوكل على الله في دعوتك إلى الدين فهو الذي يجازيك على ذلك ويجازيهم. والتوكل: الاعتماد وإسلام الأمور إلى المتوكل عليه وهو الوكيل، أي المتولّي مهمّات غيره، وقد تقدم في قوله تعالى: {أية : فإذا عزمتَ فتوكَّل على الله} تفسير : في آل عمران (159). و{الحي الذي لا يموت} هو الله تعالى. وعدل عن اسم الجلالة إلى هذين الوصفين لما يؤذن به من تعليل الأمر بالتوكل عليه لأنه الدائم فيفيد ذلك معنى حصْر التوكل في الكون عليه، فالتعريف في {الحي} للكامل، أي الكامل حياته لأنها واجبة باقية مستمرة وحياة غيره معرضة للزوال بالموت ومعرضة لاختلال أثرها بالذهول كالنوم ونحوه فإنه من جنس الموت، فالتوكل على غيره معرض للاختلال وللانخرام. وفي ذكر الوصفين تعريض بالمشركين إذ ناطوا آمالهم بالأصنام وهي أموات غير أحياء. وفي الآية إشارة إلى أن المرء الكامل لا يثق إلا بالله لأن التوكل على الأحياء المعرضين للموت وإن كان قد يفيد أحياناً لكنه لا يدوم. وأما أمره بالتسبيح فهو تنزيه الله عما لا يليق به وأول ذلك الشركة في الإلهية، أي إذا أهمّك أمر إعراض المشركين عن دعوة الإسلام فعليك نفسك فنزه الله. والباء في {بحمده} للمصاحبة، أي سبحه تسبيحاً مصاحباً للثناء عليه بما هو أهله. فقد جمع له في هذا الأمر التخلية والتحلية مقدِّماً التخلية لأن شأن الإصلاح أن يبدأ بإزالة النقص. وأمْر النبي صلى الله عليه وسلم يشمل الأمة ما لم يكن دليل على الخصوصية. وجملة {وكفى به بذنوب عباده خبيراً} اعتراض في آخر الكلام، فيفيد معنى التذييل لما فيه من الدلالة على عموم علمه تعالى بذنوب الخلق، ومن ذلك أحوال المشركين الذين هم غرض الكلام. ففي (ذنوب عباده) عُمومان: عمومُ ذنوبهم كلّها لإفادة الجمع المضاف عمومَ إفراد المضاف، وعمومُ الناس لإضافة (عباد) إلى ضمير الجلالة، أي جميِع عباده، مع ما في صيغة (خبير) من شدة العلم وهو يستلزم العموم فكان كعموم ثالث. والكفاية: الإجزاء، وفي فعل {كفى} إفادة أنه لا يحتاج إلى غيره وهو مستعمل في الأمر بالاكتفاء بتفويض الأمر إليه. والباء لتأكيد إسناد الفعل إلى الفاعل. وقد كثر دخول باء التأكيد بعدَ فعل الكفاية على فاعله أو مفعوله، وتقدم في قوله تعالى: {أية : كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً} تفسير : في سورة الإسراء (14). و{خبيراً} حال من ضمير {به} أي كفى به من حيث الخبرة. والعلمُ بالذنوب كناية عن لازمه وهو أنه يجازيهم على ذنوبهم، والشرك جامع الذنوب. وفي الكلام أيضاً تعريض بتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم على ما يلاقيه من أذاهم.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي لاَ يَمُوتُ}. قد قدمنا الآيات الموضحة لمثله في سورة الفاتحة، في الكلام على قوله تعالى: {أية : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} تفسير : [الفاتحة: 5]. قوله تعالى: {وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً}. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَاً بَصِيراً} تفسير : [الإسراء: 17].

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 58- وتوكل فى أمورك على الله الحى الذى لا يمكن أن يموت، ونزّهه وقدسه حامداً أنعمه، ودع من خرج عن الجادة، فالله خبير بهم مكافئ لهم على ذنوبهم. 59- والله هو الذى خلق السموات والأرض وما بينهما فى ستة أيام، وقد استولى على العرش والملكوت وعم سلطانه كل شئ، وهو الرحمن، وإن ابتغيت أن تعرف شيئاً من صفاته فاسأل الخبير عنه يجبك وهو الله العليم الحكيم. 60- وإذا قيل لهؤلاء الكفار: اخضعوا للرحمن واعبدوه. كان جوابهم بالإنكار وتجاهل الرحمن وقالوا: من هو الرحمن؟! نحن لا نعلمه حتى نسجد له، فهل نخضع لأمرك وحسب؟، وازدادوا عن الإيمان بُعْداً ونفوراً.

د. أسعد حومد

تفسير : (58) - وَتَوَكَّلْ عَلى ربِّكَ الدائِمِ البَاقي، رَبِّ كلِّ شيءٍ ومَلِيكِهِ واجعَلْهُ مَلْجَأَكَ وذُخْرَكَ، وفَوِّضْ إليهِ أَمْرَكَ، واسْتَسْلِمْ إليهِ، واصْبِرْ على ما أصابَكَ، فإنَّهُ كافِيكَ وناصِرُكَ ومُبَلِّغُكَ ما تُريد، وَنَزِّهْهُ عَمَّا يَقُولُ المشركونَ من الصَّاحِبَةِ والوَلَدِ، وحَسْبُكَ نَاصِراً وسَنَداً باللهِ الحَيِّ البَاقِي، الذيْ لا يَمُوتُ، وحَسْبُكَ بِهِ خَبيراً بذنُوبِ خَلْقِه، فهوَ مُحْصِيْها عَلَيْهِم، ولا يَخْفَى عليهِ من أفْعَالِهِمْ شَيءٌ، وسَيُحاسِبُهم عليها جميعاً يومَ القيامةِ، ويَجْزِيهِمْ بما يَستَحِقُّونَ. سبِّحْ - نَزِّهِ اللهَ تَعَالى عنْ جَميعِ النَّقائِصِ. بِحَمْدِهِ - مُثْنِياً عليهِ بأَوصَافِ الكَمَالِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الحق - تبارك وتعالى - يُطمئن رسوله صلى الله عليه وسلم يا محمد لا تهتم بكثرة الكفار ومكرهم بك وتعاونهم مع شياطين الإنس والجن؛ لأن هؤلاء سيتساقطون ويموتون، إما بأيديكم، أو بعذاب من عند الله، وعلى فَرْض أنهم عاشوا فلن تغلب قوتُهم وحِيلُهم قوة الله تعالى ومكره، وإنْ توكلوا على أصنام لا تضر ولا تنفعَ، فتوكل أنت على الله: {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي لاَ يَمُوتُ ..} [الفرقان: 58]. والعاقل لا يتوكل إلا على مَنْ يثق به ويضمن معاونته، وأنه سيوافقك في كل ما تريد، لكن ما جدوى أنْ تتوكل على أحد ليقضي لك مصلحة، وفي الصباح تسمع خبر موته؟ وكأن الحق - تبارك وتعالى - يريد أن ينصِّح خَلْقه: إنْ أردتَ أنْ تتوكل فتوكل على مَنْ ينفعك ولا يتركك، على مَنْ يظل على العهد معك لا يتخلى عنك، على مَنْ لا يُعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. هذه هي الفِطْنة. لكن ما جدوى أن تتوكل على مَنْ ليس فيه حياة؟ وعلى فرض أن فيه حياةً دائمة فلا تضمن ألاَّ يتغير قلبه عليك. {وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ..} [الفرقان: 58] سبِّح يعني: نزِّه، والتنزيه تضعه في إطار {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ..}تفسير : [الشورى: 11] فلله وجود، ولك وجود، لكن وجوده تعالى ليس كوجودك، ولله صفة ولك نفس الصفة، لكن صفته تعالى ليست كصفتك، ولله تعالى فعل، ولك فعل، لكن فعله تعالى ليس كفعلك. إذن: نزِّه الله في ذاته، وفي صفاته، وفي أفعاله عن مشابهة الخَلْق، وما دام الحق سبحانه مُنزَّهاً في ذاته، وفي صفاته، وفي أفعاله، فأنت تتوكّل على إله لا تطرأ عليه عوامل التغيير أبداً. وهذا التنزيه لله تعالى، وهذه العظمة والكبرياء له سبحانه في صالحك أنت أيها الإنسان، من صالحك ألاَّ يوجد لله شبيه، لا في وجوده، ولا في بقائه، ولا في تصرُّفه، من صالحك أن يعرف كل إنسان أن هناك مَنْ هو أعلى منه، وأن الخَلْق جميعاً محكومون بقانون الله، فهذا يضمن لك أن تعيش معهم آمناً، إذن: من الخير لنا أن يكون الإله ليس كمثله شيء، وأن يكون سبحانه عالياً فوق كل شيء. ويجب عليك حين تُنزه الله تعالى ألاَّ تُنزِّهه تنزيهاً مُجرّداً، إنما تنزيهاً مقرونا بالحمد {وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ..} [الفرقان: 58] فتحمده على أنه واحد لا شريك له، ولا مثيلَ له، وليس كمثله شيء، ففي ظل هذه العقيدة لا يستطيع القويُّ أن يطغى على الضعيف، ولا الغني على الفقير .. إلخ. ثم يقول سبحانه: {وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً} [الفرقان: 58] نقول: كفاك فلان. يعني: لا تحتاج لغيره. كقولنا: حَسْبُك الله يعني: كافيك عن الاحتياج لغيره؛ لأنه يعطيك كُلَّ ما تحتاج إليه، ويمنع عنك الشر، وإنْ كنت تظنه خيراً لك. وكأن الحق - تبارك وتعالى - يقيم لك (كنترولاً) يضبط حياتك ويضمن لك السلامة، لذلك حين تدعو الله فلا يستجيب لك، لا تظن أن الله تعالى موظفٌ عندك، لا بُدَّ أن يُجيبك لما تريد، إنما هو ربك ومتولٍّ أمرَك، فيختار لك ما يصلح لك، ويُقدِّم لك الجميل وإن كنت تراه غير ذلك. وقد ضربنا لهذه المسألة مثلاً بالأم التي تكثِر الدعاء على ولدها، فكيف بها إذا استجابَ الله لها؟ إذن: من رحمة الله بها أنْ يردَّ دعاءها، ويمنع إجابتها، فمنع الإجابة هنا إجابة. {وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً} [الفرقان: 58] المعنى: إذا توكلتَ على الحيِّ الذي لا يموت، فآثار هذا التوكل أنْ يحميك من ذنوب العباد، فهو وحده الذي يعلم ذنوبهم، ويعلم حتى ما يدور في أنفسهم. ألم يقُل الحق لرسوله صلى الله عليه وسلم: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ وَيَقُولُونَ فِيۤ أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ}تفسير : [المجادلة: 8]. فما زال القَوْلُ في أنفسهم لم يخرج، ومع ذلك أخبره الله به، وكأن الحق سبحانه يُطمئِن رسوله: مهما تآمروا عليك، ومهما دبّروا لك، ومهما تكاتف ضدك جنودُ الإنس والجن، فاطمئِنْ لأن ربك عليم بالذنوب التي قد لا تدركها أنت، ولا حيلة عندك لردِّها، فيكفيك أن يعلم اللهُ ذنوبَ أعدائك. {أية : وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ}تفسير : [الأنفال: 30]. والخبير: الذي يعلم خبايا الأمور، حتى في مسائل الدنيا الهامة نقول: نستدعي لها الخبير؛ لأن المختص العادي لا يقدر عليها. وفي موضع آخر يقول تعالى: {أية : أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ}تفسير : [الملك: 14]. ثم ينقلنا الحق - تبارك وتعالى - إلى آية كونية، تنضاف إلى الآيات السابقة، والهدف من ذكر المزيد من الآيات الكونية أنه لعلَّها تصادف رِقَّة قلبٍ واستمالة مواجيد، فتعطف الخَلْق إلى الخالق، وتُلفِت الأنظار إليه سبحانه.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي لاَ يَمُوتُ} معناه على الحَيّ البَاقِي الذي لا يَفنى. تفسير : وقوله تعالى: {وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً} معناه عَليمٌ.

الجيلاني

تفسير : {وَ} إن انصرفوا عنك وأعرضوا عن هدايتك وإرشادك، وقصدوا تعنتك وقتلك عداوناً وظلماً، فلا تبالِ يا أكمل الرسل بهم وبشأنهم ولا تحزن عن أمرهم، بل {تَوَكَّلْ} في مقابلتهم ومقاوتهم {عَلَى ٱلْحَيِّ} القيوم {ٱلَّذِي لاَ يَمُوتُ} أي: لا يعرضه الموت والفناء {وَسَبِّحْ} ربك ونزهه عما لا يليق بشأنه مقارناً تسبيحك {بِحَمْدِهِ} على آلائه ونعمائه الفائضة عليك على التعاقب والتوالي، سيما على ما اصطفاك من بيت البرايا، وأعطاك الرئاسة والسيادة على كافة الأنام، والرسالة على قاطبة الأمم، بلغ ما أنزل إليك ولا تفرح من إيمانهم، ولا تحزن على كفرهم وطغيانهم {وَ} اعلموا أنه {كَفَىٰ بِهِ} أي: كفى الله سبحانه عالماً {بِذُنُوبِ عِبَادِهِ} ما ظهر منهم وما سيظهر، وما بطن في استعداداتهم، وكن في قابلياتهم {خَبِيراً} [الفرقان: 58] مطلعاً بصيراً على وجه الحضور والشهود لا يعزب عن حيطة حضرة علمه شيء منها، مجازياً قديراً، ومنتقماً عزيزاً يجازيهم بقدرته على مقتضى اطلاعه وخبرته. وكيف لا يعلم ويطلع سبحانه بجميع ما ظهر وبطن، وهو {ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} أبدعهما وأظهرما {وَمَا بَيْنَهُمَا} من كتم العدم بلا سبق الهيولي والزمان {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} أي: على عدد الجهات والأقطار المحفوفة بجميع الكوائن والفواسد {ثُمَّ} بعدما كمل ترتيبها على أبلغ نظام {ٱسْتَوَىٰ} وتمكن وانبسط {عَلَى ٱلْعَرْشِ} أي: على عروش جميع المظاهر بالاستيلاء التام والبسطة العامة {ٱلرَّحْمَـٰنُ} الذي وسعت رحمته كل ما ظهر وبطن، غيباً وشهادة. {فَسْئَلْ بِهِ} أي: بما ذكر من خبرة الله وإحاطة علمه وقدرته وإظهاره ما ظهر وبطن عيناً وشهادةً، وإحاطته واستيلائه على عروش الرحمن بالرحمة العامة {خَبِيراً} [الفرقان: 59] ذا خبرة يخبرك بصدقها من أرباب القلوب الواصلين إلى مرتبة الكشف وعموم الشهود ممن سبقت لهم العناية الأزلية، والجذبة الجالية الغالبة من قبل الحق، المفنية لهم عن أنانياتهم، المبقية لهم ببقاء الحق. {وَ} مع ظهور استيلاء الحق وانبساطه على عروش ذرائر الأكوان {إِذَا قِيلَ لَهُمُ} على سبيل الإيقاظ عن نعاس النسيان، والتنبيه عن نومة الحرمان: {ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰنِ} المظهر لكم من كتم العدم بسعة رحمته وجوده {قَالُواْ} منكرين له مع كمال ظهوره مستفهمين على سبيل الاستغراب والاستعباد: {وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ} الذي تدعوننا إلى سجوده؟ أتوا بالسؤال بلفظة (ما) من كمال نكارته عندهم وشدة إنكارهم عليه، قائلين: {أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا} أي: لكل شيء تأمرنا بسجوده أنت من تلقاء نفسك {وَزَادَهُمْ نُفُوراً} [الفرقان: 60] أي: ما زاد دعوتك إياهم وإرشادك لهم إلا نفوراً عن الحق و طريق توحيده؛ لخبث طينتهم وشدة شكيمتهم، وكمال غيهم وقسوتهم. وكيف تنفرون وتنصرفون هؤلاء الجاهلون الغافلون عن سجوده سبحانه، مع أنه {تَبَارَكَ} وتعالى عن شأنه، عن أن ينصرف عنه وينفر منه أحد من عباده، مع كثرة خيراته وبركاته عليهم؛ لأنه {ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ} أي: العلويات {بُرُوجاً} لتكون منازل للكواكب المدبرة للأمور الأرضية {وَ} بعدما هيأها سبحانه على أبلغ النظام {جَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً} أي: شمساً دائرة من برج إلى برج {وَقَمَراً مُّنِيراً} [الفرقان: 61] منقلباً من منزل إلى منزل من المنازل المذكورة؛ ليحصل من دورها وانقلابها الفصول الأربعة المصلِحة لأحوال ما في السفليات من المواليد الثلاثة. {وَ} كيف تغفلون عن الصانع الحكيم إيها الضالون {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً} متعاقبة متجددة، فخلف أحدهما الآخر؛ ليكون مرصداً وميقاتاً {لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ} ويتذكر آلاء الله المتوالية المتتالية عليه، الفائضة من عنده على تعاقب الأوقات والساعات {أَوْ أَرَادَ شُكُوراً} [الفرقان: 62] أي: أراد يشكر على نعمائه الواصلة إليه في خلالهما.