Verse. 2914 (AR)

٢٥ - ٱلْفُرْقَان

25 - Al-Furqan (AR)

الَّذِيْ خَلَقَ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضَ وَمَا بَيْنَہُمَا فِيْ سِـتَّۃِ اَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوٰي عَلَي الْعَرْشِ۝۰ۚۛ اَلرَّحْمٰنُ فَسْـَٔــلْ بِہٖ خَبِيْرًا۝۵۹
Allathee khalaqa alssamawati waalarda wama baynahuma fee sittati ayyamin thumma istawa AAala alAAarshi alrrahmanu faisal bihi khabeeran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وهو الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام» من أيام الدنيا: أي في قدرها لأنه لم يكن ثم شمس ولو شاء لخلقهنّ في لمحة والعدول عنه لتعليم خلقه التثبيت «ثم استوى على العرش» هو في اللغة سرير الملك «الرحمن» بدل من ضمير استوى: أي استواءً يليق به «فاسأل» أيها الإنسان «به» بالرحمن «خبيرا» يخبرك بصفاته.

59

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه سبحانه لما أمر الرسول بأن يتوكل عليه وصف نفسه بأمور: أولها: بأنه حي لا يموت وهو قوله: { أية : وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَىّ ٱلَّذِى لاَ يَمُوتُ } تفسير : [الفرقان: 58] وثانيها: أنه عالم بجميع المعلومات وهو قوله: { أية : وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً } تفسير : [الفرقان: 58] وثالثها: أنه قادر على كل الممكنات وهو المراد من قوله: {ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } فقوله: {ٱلَّذِى خَلَقَ } متصل بقوله: {ٱلْحَىّ ٱلَّذِى لاَ يَمُوتُ } لأنه سبحانه لما كان هو الخالق للسموات والأرضين ولكل ما بينهما ثبت أنه هو القادر على جميع وجوه المنافع ودفع المضار، وأن النعم كلها من جهته فحينئذ لا يجوز التوكل إلا عليه. وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: الأيام عبارة عن حركات الشمس في السموات فقبل السموات لا أيام، فكيف قال الله خلقها في ستة أيام؟ الجواب: يعني في مدة مقدارها هذه المدة لا يقال الشيء الذي يتقدر بمقدار محدود ويقبل الزيادة والنقصان والتجزئة لا يكون عدماً محضاً، بل لا بد وأن يكون موجوداً فيلزم من وجوده وجود مدة قبل وجود العالم وذلك يقتضي قدم الزمان، لأنا نقول هذا معارض بنفس الزمان، لأن المدة المتوهمة المحتملة لعشرة أيام لا تحتمل خمسة أيام، والمدة المتوهمة التي تحتمل خمسة أيام لا تحتمل عشرة أيام، فيلزم أن يكون للمدة مدة أخرى، فلما لم يلزم هذا لم يلزم ما قلتموه وعلى هذا نقول لعل الله سبحانه خلق المدة أولاً ثم السموات والأرض فيها بمقدار ستة أيام، ومن الناس من قال في ستة أيام من أيام الآخرة وكل يوم ألف سنة وهو بعيد لأن التعريف لا بد وأن يكون بأمر معلوم لا بأمر مجهول. السؤال الثاني: لم قدر الخلق والإيجاد بهذا التقدير؟ الجواب: أما على قولنا فالمشيئة والقدرة كافية في التخصيص، قالت المعتزلة بل لا بد من داعي حكمة وهو أن تخصيص خلق العالم بهذا المقدار أصلح للمكلفين وهذا بعيد لوجهين: أحدهما: أن حصول تلك الحكمة، إما أن يكون واجباً لذاته أو جائزاً فإن كان واجباً وجب أن لا يتغير فيكون حاصلاً في كل الأزمنة، فلا يصلح أن يكون سبباً لتخصيص زمان معين وإن كان جائزاً افتقر حصول تلك الحكمة في ذلك الوقت إلى مخصص آخر ويلزم التسلسل والثاني: أن التفاوت بين كل واحد مما لا يصل إليه خاطر المكلف وعقله، فحصول ذلك التفاوت لما لم يكن مشعوراً به كيف يقدح في حصول المصالح. واعلم أنه يجب على المكلف سواء كان على قولنا أو على قول المعتزلة أن يقطع الطمع عن أمثال هذه الأسئلة، فإنه بحر لا ساحل له. من ذلك تقدير الملائكة الذين هم أصحاب النار بتسعة عشر وحملة العرش بالثمانية وشهور السنة باثني عشر والسموات السبع وكذا الأرض وكذا القول في عدد الصلوات ومقادير النصب في الزكوات وكذا مقادير الحدود والكفارات فالإقرار بأن كل ما قاله الله تعالى حق هو الدين، وترك البحث عن هذه الأشياء هو الواجب وقد نص عليه تعالى في قوله: {أية : وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيماناً ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلاً }تفسير : [المدثر: 31] ثم قال: { أية : وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّكَ إِلاَّ هُوَ } تفسير : [المدثر: 31] وهذا هو الجواب أيضاً في أنه لم يخلقها في لحظة وهو قادر على ذلك وعن سعيد بن جبير أنه إنما خلقها في ستة أيام وهو يقدر على أن يخلقها في لحظة تعليماً لخلقه الرفق والتثبت، قيل تم خلقها يوم الجمعة فجعلها الله تعالى عيداً للمسلمين. السؤال الثالث: ما معنى قوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ }؟ ولا يجوز حمله على الاستيلاء والقدرة، لأن الاستيلاء والقدرة في أوصاف الله لم تزل ولا يصح دخول (ثم) فيه والجواب: الاستقرار غير جائز، لأنه يقتضي التغير الذي هو دليل الحدوث، ويقتضي التركيب والبعضية وكل ذلك على الله محال بل المراد ثم خلق العرش ورفعه وهو مستول كقوله تعالى: { أية : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ } تفسير : [محمد: 31] فإن المراد حتى يجاهد المجاهدون ونحن بهم عالمون، فإن قيل فعلى هذا التفسير يلزم أن يكون خلق العرش بعد خلق السموات وليس كذلك لقوله تعالى: { أية : وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَاء } تفسير : [هود: 7] قلنا: كلمة (ثم) ما دخلت على خلق العرش، بل على رفعه على السموات. السؤال الرابع: كيف إعراب قوله: {ٱلرَّحْمَـٰنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً }؟ الجواب: {ٱلَّذِى خَلَقَ } مبتدأ و {ٱلرَّحْمَـٰنُ } خبره، أو هو صفة للحي، والرحمن خبر مبتدأ محذوف ولهذا أجاز الزجاج وغيره أن يكون الوقف على قوله {عَلَى ٱلْعَرْشِ } ثم يبتدىء بالرحمن أي هو الرحمن الذي لا ينبغي السجود والتعظيم إلا له، ويجوز أن يكون الرحمن مبتدأ وخبره قوله: {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً }. السؤال الخامس: ما معنى قوله: {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً }؟ الجواب: ذكروا فيه وجوهاً أحدها: قال الكلبي معناه فاسأل خبيراً به وقوله: {بِهِ } يعود إلى ما ذكرنا من خلق السماء والأرض والاستواء على العرش والباء من صلة الخبير وذلك الخبير هو الله عز وجل لأنه لا دليل في العقل على كيفية خلق الله السموات والأرض فلا يعلمها أحد إلا الله تعالى وعن ابن عباس أن ذلك الخبير هو جبريل عليه السلام وإنما قدم لرؤوس الآي وحسن النظم وثانيها: قال الزجاج قوله: {بِهِ } معناه عنه والمعنى فاسأل عنه خبيراً، وهو قول الأخفش، ونظيره قوله: { أية : سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ } تفسير : [المعارج: 1] وقال علقمة بن عبدة: شعر : فإن تسألوني بالنساء فإنني بصير بأدواء النساء طبيب تفسير : وثالثها: قال ابن جرير الباء في قوله: {بِهِ } صلة والمعنى فسله خبيراً، وخبيراً نصب على الحال ورابعها: أن قوله {بِهِ } يجري مجرى القسم كقوله: { أية : وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ } تفسير : [النساء: 1]. أما قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ } فهو خبر عن قوم قالوا هذا القول. ويحتمل أنهم جهلوا الله تعالى، ويحتمل أنهم إن عرفوه لكنهم جحدوه، ويحتمل أنهم وإن اعترفوا به لكنهم جهلوا أن هذا الاسم من أسماء الله تعالى وكثير من المفسرين على هذا القول الأخير قالوا الرحمن اسم من أسماء الله مذكور في الكتب المتقدمة، والعرب ما عرفوه قال مقاتل: إن أبا جهل قال إن الذي يقوله محمد شعر، فقال عليه السلام الشعر غير هذا إن هذا إلا كلام الرحمن فقال أبو جهل بخ بخ لعمري والله إنه لكلام الرحمن الذي باليمامة هو يعلمك فقال عليه السلام: « حديث : الرحمن الذي هو إله السماء ومن عنده يأتيني الوحي » تفسير : فقال يا آل غالب من يعذرني من محمد يزعم أن الله واحد، وهو يقول الله يعلمني والرحمن، ألستم تعلمون أنهما إلهان ثم قال ربكم الله الذي خلق هذه الأشياء، أما الرحمن فهو مسيلمة. قال القاضي والأقرب أن المراد إنكارهم لله لا للاسم، لأن هذه اللفظة عربية، وهم كانوا يعلمون أنها تفيد المبالغة في الإنعام، ثم إن قلنا بأنهم كانوا منكرين لله كان قولهم: {وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ } سؤال طالب عن الحقيقة، وهو يجري مجرى قول فرعون { أية : وَمَا رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الشعراء: 23] وإن قلنا بأنهم كانوا مقرين بالله لكنهم جهلوا كونه تعالى مسمى بهذا الاسم كان قولهم {وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ } سؤالاً عن الاسم. أما قوله: {أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا } فالمعنى للذي تأمرنا بسجوده على قوله أمرتك بالخير، أو لأمرك لنا، وقرىء {يأمرنا} بالياء كأن بعضهم قال لبعض أنسجد لما يأمرنا محمد أو يأمرنا المسمى بالرحمن ولا نعرف ما هو، وزادهم أمره نفوراً، ومن حقه أن يكون باعثاً على الفعل والقبول. قال الضحاك: فسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي عثمان بن مظعون وعمرو بن عنبسة، ولما رآهم المشركون يسجدون تباعدوا في ناحية المسجد مستهزئين. فهذا هو المراد من قوله: {وَزَادَهُمْ نُفُوراً } أي فزادهم سجودهم نفوراً.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} تقدم في الأعراف. و{الَّذِي} في موضع خفض نعتاً للحيّ. وقال: {بَيْنَهُمَا} ولم يقل بينهن؛ لأنه أراد الصنفين والنوعين والشيئين؛ كقول القُطَامِيّ:شعر : ألم يحزنك أن حبال قيس وتغلب قد تباينتا انقطاعاً تفسير : أراد وحبال تغلب فثنّى، والحبال جمع؛ لأنه أراد الشيئين والنوعين. {ٱلرَّحْمَـٰنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً} قال الزجاج: المعنى فاسأل عنه. وقد حكى هذا جماعة من أهل اللغة أن الباء تكون بمعنى عن؛ كما قال تعالى: {أية : سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ}تفسير : [المعارج: 1] وقال الشاعر:شعر : هَلاَّ سألتِ الخيل يابنة مالك إن كنت جاهلة بما لم تعلمي تفسير : وقال (عَلْقَمة بن عَبدة):شعر : فإن تسألوني بالنساء فإنني خبيرٌ بأدواء النساءِ طبيبُ تفسير : أي عن النساء وعما لم تعلمي. وأنكره عليّ بن سليمان وقال: أهل النظر ينكرون أن تكون الباء بمعنى عن؛ لأن في هذا إفساداً لمعاني قول العرب: لو لقيت فلاناً للقيك به الأسد؛ أي للقيك بلقائك إياه الأسد. المعنى فاسأل بسؤالك إياه خبيراً. وكذلك قال ابن جبير: الخبير هو الله تعالى. فـ{ـخَبِيراً} نصب على المفعول به بالسؤال. قلت: قول الزجاج يخرّج على وجه حسن، وهو أن يكون الخبير غير الله؛ أي فاسأل عنه خبيراً، أي عالماً به، أي بصفاته وأسمائه. وقيل: المعنى فاسأل له خبيراً، فهو نصب على الحال من الهاء المضمرة. قال المهدوِيّ: ولا يحسن حالاً إذ لا يخلو أن تكون الحال من السائل أو المسؤول، ولا يصح كونها حالاً من الفاعل؛ لأن الخبير لا يحتاج أن يسأل غيره. ولا يكون من المفعول؛ لأنّ المسؤول عنه وهو الرحمن خبير أبداً، والحال في أغلب الأمر يتغير وينتقل؛ إلا أن يحمل على أنها حال مؤكدة؛ مثل: {أية : وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقاً} تفسير : [البقرة: 91] فيجوز. وأما {الرَّحْمَنُ} ففي رفعه ثلاثة أوجه: يكون بدلاً من المضمر الذي في {اسْتَوَى}. ويجوز أن يكون مرفوعاً بمعنى هو الرحمن. ويجوز أن يكون مرفوعاً بالابتداء وخبره {فَاسْئَلْ بِهِ خَبِيراً}. ويجوز الخفض بمعنى وتوكل على الحيّ الذي لا يموت الرحمنِ؛ يكون نعتاً. ويجوز النصب على المدح.

المحلي و السيوطي

تفسير : هو {ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ } من أيام الدنيا: أي في قدرها لأنه لم يكن ثم شمس ولو شاء لخلقهن في لمحة، والعدول عنه لتعليم خلقه التثبت {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } هو في اللغة سرير الملك {ٱلرَّحْمَٰنُ } بدل من ضمير استوى: أي استواء يليق به {فَسْئَلْ } أيها الإِنسان {بِهِ } بالرحمن {خَبِيراً } يخبرك بصفاته.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} الآية. لما أمر الرسول بأن يتوكل عليه وصف نفسه بأمور منها: أنه حي لا يموت، وأنه عالم بجميع المعلومات بقوله {أية : وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً} تفسير : [الفرقان: 58] ومنها أنه قادر على كل الممكنات، وهو قوله: {ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} وهذا متصل بقوله: {أية : ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي لاَ يَمُوتُ} تفسير : [الفرقان: 58] لأنه سبحانه لما كان خالقاً للسموات والأرض ولكل ما بينهما ثبت أنه القادر على جميع المنافع ودفع المضار، وأن النعم كلها من جهته فحينئذ لا يجوز التوكل إلا عليه. و"الَّذِي خَلَقَ" يجوز أن يكون مبتدأ، و"الرَّحْمَنُ" خبره، وأن يكون خبر مبتدأ مقدر، أي: هو الذي خلق، وأن يكون منصوباً بفعل مضمر، وأن يكون صفة للحي الذي لا يموت، أو بدلاً، أو بياناً هذا على قراءة "الرَّحْمَنُ" بالرفع ومن قرأه بالجر فيتعين أن يكون "الَّذِي خَلَقَ" صفة للحي فقط. قوله: {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} فيه سؤال، وهو أن الأيام عبارة عن حركة الشمس في السموات فقيل السموات لا أيام، فكيف قال: خلقها في ستة أيام؟ والجواب: في مدة مقدارها (هذه المدة)، لا يقال: الشيء الذي يتقدر بمقدار محدود ويقبل الزيادة والنقصان والتجزئة لا يكون عدماً محضاً بل لا بد وأن يكون موجوداً فيلزم من وجوده وجود مدة قبل وجود العالم وذلك يقتضي قدم الزمان، لأنا نقول: هذا معارض بنفس الزمان، لأن المدة المتوهمة المحتملة لعشرة أيام لا تحتمل بخمسة أيام والمدة المتوهمة المحتملة لخمسة أيام لا تحتمل عشرة أيام فيلزم أن يكون للمدة مدة أخرى، فلما لم يلزم من هذا قدم الزمان لم يلزم ما قلتموه، وعلى هذا نقول لعل الله سبحانه خلق المدة أولاً ثم خلق السموات والأرض فيها بمقدار ستة أيام. وقيل: في ستة أيام من أيام الآخرة كل يوم مقداره ألف سنة. وهو بعيد، لأن التعريف لا بد وأن يكون بأمر معلوم لا بأمر مجهول. فإن قيل: لم قدر الخلق والإيجاد بهذا المقدار؟ فالجواب على قول أهل السنة المشيئة والقدرة كافية للتخصيص، وقالت المعتزلة: لا بد وأن يكون من حكمة وهو أن التخصيص بهذا المقدار أصلح، وهذا بعيد لوجهين: الأول: أن حصول تلك الحكمة إما أن يكون واجباً لذاته أو جائزاً، فإن كان واجباً وجب أن لا يتغير فيكون حاصلاً في كل الأزمنة فلا يصلح أن يكون سبباً لزمان معين، وإن كان جائزاً افتقر حصول تلك الحكمة في ذلك الوقت إلى مخصص آخر، ولزم التسلسل. والثاني: أن التفاوت بين كل واحد مما لا يصل إليه خاطر المكلف وعقله فحصول ذلك التفاوت لما لم يكن مشعوراً به كيف يقدح في حصول المصالح. واعلم أنه يجب على المكلف سواء كان على قولنا أو على قول المعتزلة أن يقطع الطمع عن أمثال هذه الأسئلة، فإنه بحر لا ساحل له، كتقدير ملائكة النار بتسعة عشر، وحملة العرش بثمانية، والسموات بالسبع، وعدد الصلوات، ومقادير النصب في الزكوات، وكذا في الحدود، والكفارات، فالإقرار بكل ما قال الله حق هو الدين، والواجب ترك البحث عن هذه الأشياء، وقد نص الله على ذلك في قوله تعالى: {أية : وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِيمَاناً وَلاَ يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْكَافِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً} تفسير : [المدثر: 31] ثم قال: {أية : وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [المدثر: 31]، وهو الجواب أيضاً في أنه لِمَ لَمْ يخلقها في لحظة وهو قادر على ذلك. وعن سعيد بن جبير: إنما خلقها في ستة أيام وهو يقدر أن يخلقها في لحظة تعليماً لخلقه الرفق والتثبت. وقيل: ثم خلقها في يوم الجمعة فجعله الله عيداً للمسلمين. قوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} لا يجوز حمله على الاستيلاء والقدرة؛ لأن أوصاف الله لم تزل، فلا يصح دخول "ثُمَّ" فيه. ولا على الاستقرار، لأنه يقتضي التغيير الذي هو دليل الحدوث، ويقتضي التركيب، وكل ذلك على الله محال، بل المراد أنه خلق العرش ورفعه. فإن قيل: يلزم أن يكون خلق العرش بعد خلق السموات وليس كذلك لقوله تعالى: {أية : وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ} تفسير : [هود: 7]. فالجواب: كلمة "ثُمَّ" ما دخلت على خلق العرش بل على رفعه على السموات. قوله: "الرَّحْمَنُ" قرأ العامة بالرفع، وفيه أوجه: أحدها: أنه خبر "الَّذِي"، أو خبر مبتدأ مضمر، أي: الرحمن، ولهذا أجاز الزجاج وغيره الوقف على العرش ثم يبدأ الرحمن، أي: هو الرحمن الذي لا ينبغي السجود والتعظيم إلا له، أو يكون بدلاً من الضمير في "استوى" أو يكون مبتدأ وخبره الجملة من قوله "فَاسْأَلْ" على رأي الأخفش كقوله: شعر : 3879- وَقَائِلَةٍ خُوْلاَنُ فَانْكِحْ فَتَاتَهُمْ تفسير : أو يكون صفة الذي خلق، إذا قلنا: إنه مرفوع. وقرأ زيد بن علي "الرَّحْمَنِ" بالجر فيتعين أن يكون نعتاً للذي خلق و"الَّذِي خَلَقَ" صفة للحي فقط، لئلا يفصل بين النعت ومنعوته بأجنبي. قوله: "فَاسْأَلْ بِهِ" في الباء قولان: أحدهما: هي على بابها، وهي متعلقة بالسؤال، والمراد بـ "الخَبِير" الله تعالى، ويكون من التجريد، كقولك: لقيت به أسداً والمعنى فاسأل الله الخبير بالأشياء. قال الزمخشري: أو فاسأل بسؤاله خبيراً كقولك: رأيت به أسداً، أي برؤيته انتهى. قال الكلبي: فاسأل خبيراً به، فقوله: "به" يعود إلى ما ذكر من خلق السموات والاستواء على العرش، والباء من صلة الخبير، وذلك الخبير هو الله تعالى؛ لأنه لا دليل في العقل على كيفية خلق السموات والأرض، ولا يعلمها أحد إلا الله تعالى، فـ "خَبِيراً" مفعول "اسْأَل" على هذا، أو منصوب على الحال المؤكدة، واستضعفه أبو البقاء. قال: ويضعف أن يكون "خَبِيراً" حالاً من فاعل "اسْأَلْ"؛ لأن "الخبير" لا يسأل إلا على جهة التوكيد كقوله: {أية : وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقاً} تفسير : [البقرة: 91]. ثم قال: ويجوز أن يكون حالاً من "الرَّحْمَنُ" إذا رفعته بـ "اسْتَوَى". والثاني: أن تكون الباء بمعنى "عن" إما مطلقاً وإما مع السؤال خاصة كهذه الآية الكريمة، وكقول علقمة بن عبدة: شعر : 3880- فإنْ تَسَْأَلُونِي بِالنِّسَاءِ فَإنَّنِي خَبِيرٌ بِأَدْوَاءِ النِّسَاءِ طَبِيبُ تفسير : والضمير في "بِهِ" لله تعالى، و"خَبِيراً" من صفات الملك وهو جبريل قال ابن عباس: إن ذلك الخبير هو جبريل - عليه السلام - وإنما قدم لرؤوس الآي وحسن النظم وهو قول الزجاج والأخفش. ويجوز على هذا أي: كون "خَبِيراً" من صفات جبريل، أن تكون الباء على بابها، وهي متعلقة بـ "خبير" كما تقدم، أي: فاسأل الخبراء به. وقال ابن جرير: الباء في "بِهِ" صلة، والمعنى: فاسأله خبيراً و"خَبِيراً" نصب على الحال. وقيل: قوله: "بِهِ" يجري مجرى القسم كقوله: {أية : وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ} تفسير : [النساء: 1]. قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰنِ} الآية. قال أكثر المفسرين: الرحمن اسم من أسماء الله مكتوب في الكتب المتقدمة والعرب ما عرفوه. قال مقاتل: "حديث : إن أبا جهل قال: إن الذي يقول محمد شعر، فقال عليه السلام: "الشعر غير هذا إن هذا إلا كلام الرحمن"، فقال أبو جهل: بخ بخ لعمري والله إنه لكلام الرحمن الذي باليمامة هو يعلمك، فقال عليه السلام: "الرحمن الذي في السماء ومن عنده يأتيني الوحي"، فقال: يا أبا غالب من يعذرني من محمد يزعم أن الله واحد وهو يقول: الله يعلمني والرحمن، ألستم تعلمون أنهما إلهان"تفسير : . قال القاضي: والأقرب أن مرادهم إنكار الله لا الاسم، لأن هذه اللفظة عربية وهم كانوا يعلمون أنها تفيد المبالغة في الإنعام، ثم إن قلنا: إنهم كانوا منكرين (لله كان قولهم): "وَمَا الرَّحْمَن" سؤال عن الحقيقة كقول فرعون: {أية : وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الشعراء: 23]، وإن قلنا: إنهم كانوا مقرين بالله لكنهم جهلوا كونه تعالى مسمى بهذا الاسم كان قولهم "وَمَا الرَّحْمَن" سؤال عن هذا الاسم. قوله: {أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا} قرأ الأخوان بياء الغيبة، يعنون محمداً كأن بعضهم قال لبعض: أنسجد لما يأمرنا محمدٌ أو يأمرنا المسمى بالرحمن ولا نعرف ما هو. والباقون بالخطاب، يعني لما تأمرنا أنت يا محمد. و"ما" يجوز أن يكون بمعنى (الذي)، والعائد محذوف لأنه متصل؛ لأن (أمر) يتعدى إلى الثاني بإسقاط الحرف، ولا حاجة إلى التدرج الذي ذكره أبو البقاء وهو أن الأصل: لما تأمرنا بالسجود له، ثم بسجوده، ثم تأمرناه، ثم تأمرنا، كذا قدره، ثم قال: هذا على مذهب أبي الحسن وأما على مذهب سيبويه فحذف ذلك من غير تدريج. قال شهاب الدين: وهذا ليس مذهب سيبويه. ويجوز أن تكون موصوفة، الكلام في عائدها موصوفة كهي موصولة ويجوز أن تكون مصدرية، وتكون اللام للعلة، أي: أنسجد من أجل أمرك وعلى هذا يكون المسجود له محذوفاً، أي: أنسجد للرحمن لما تأمرنا، وعلى هذا لا تكون "ما" واقعة على العالم، وفي الوجهين الأوليين يحتمل ذلك وهو المتبادر للفهم. قوله: "وَزَادَهُمْ نُفُوراً" قول القائل لهم اسجدوا للرحمن. نفوراً عن الدين والإيمان. ومن حقه أن يكون باعثاً على الفعل والقبول، قال الضحاك: سجد الرسول وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعثمان بن مظعون وعمرو بن عنبسة، ولما رآهم المشركون يسجدون تباعدوا في ناحية المسجد مستهزئين من هذا، وهو المراد من قوله "وَزَادَهُمْ نُفُوراً" أي: فزادهم سجودهم نفوراً.

السيوطي

تفسير : أخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏{‏فاسأل به خبيرا‏ً} ‏ قال‏:‏ ما أخبرتك من شيء فهو ما أخبرتك به‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن شمر بن عطية في قوله ‏ {‏الرحمن فاسأل به خبيرا‏ً}‏ قال‏:‏ هذا القرآن خبير به‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء في قوله ‏{‏وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن‏} ‏ قال‏:‏ قالوا ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة‏.‏ فأنزل الله ‏{أية : ‏وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم‏}‏تفسير : ‏[‏البقرة: 163‏].‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن حسين الجحفي في قوله ‏{‏قالوا وما الرحمن‏} ‏ قال‏:‏ جوابها ‏{أية : ‏الرحمن علم القرآن‏}‏ تفسير : ‏[‏الرحمن: 1 - 2‏]. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن إبراهيم قال‏:‏ قرأ الأسود ‏{‏أنسجد لما تأمرنا‏}‏ فسجد فيها قال‏:‏ وقرأها يحيى ‏ {‏أنسجد لما تأمرنا‏}‏‏ .‏ وأخرج عبد بن حميد عن سليمان قال‏:‏ قرأ إبراهيم في الفرقان ‏ {‏أنسجد لما يأمرنا‏} بالياء‏.‏ وقرأ سليمان كذلك‏.‏

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً} [الآية: 59]. قال الحسين: هم الذين أقامهم الله فى البلاد أدلة للعباد منهم من يدل على سبيل الحق، ومنهم من يدل على آداب سبيل الحق ومنهم من يدل على شربة الإيمان ومنهم من يدل على الحق، وهو الدليل على الحقيقة لأن الكل محتاجون إليه، وهو مستغنٍ عنهم يرجعون إليه فى السؤال، ولا يسئل هو أحد كالخضر ونظرًا به لأنه أوى العلم اللدنى.

القشيري

تفسير : قوله جل ذكره: {ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ}. انتظم به الكونُ - والعرشُ من جملة الكون - ولم يتجمَّل الحقُّ - سبحانه - بشيءٍ من إظهار بَرِيَّتهِ؛ فعلوُّه على العرش بقهره وقدرته، واستواؤه بفعلٍ خص به العرش بتسوية أجزائه وصورته.

اسماعيل حقي

تفسير : {الذى خلق السموات والارض} محل الموصول الجر على انه صفة اخرى للحى {وما بينهما} من الاركان والمواليد {فى ستة ايام} فى مدتها من ايام الدنيا لانه لم يكن ثمة شمس ولا قمر وذلك مع قدرته على خلقها فى اسرع لمحة ليعلم العباد ان التأنى مستحب فى الامور {ثم استوى على العرش} اصل الاستواء الاستقرار والتساوى واعتدال الشىء فى ذاته ومتى عدى بعلى اقتضى معنى الاستيلاء والغلبة كما فى المفردات وهو المراد هنا ومعنى الاستيلاء عليه كناية عن الملك والسلطان. والمراد بيان نفاذ تصرفه فيه وفيما دونه ولكنه خص العرش بالذكر لكونه اعظم الاجسام {الرحمن} خبر مبتدأ محذوف اى الذى خلق الاجرام العلوية والسفلية وما بينهما هو الرحمن وهو تمهيد لما يأتى من قوله {أية : واذا قيل لهم اسجدوا للرحمن}تفسير : وبيان ان المراد من الاستواء المذكور فى الحقيقة تعيين مرتبة الرحمانية {فاسأل به} متعلق بما بعده وهو {خبيرا} كما فى قوله {أية : انه رؤوف رحيم}تفسير : ونظائره اى فاسأل خبيرا بما ذكر من الخلق والاستواء يعنى الذى خلق واستوى لانه هو الخبير بافعاله وصفاته كما قال {أية : ولا ينبئك مثل خبير}تفسير : وقال {أية : وما يعلم تأويله الا الله}تفسير : ومن جعل قوله {أية : والراسخون فى العلم}تفسير : عطفا على الا الله يكون الخبير المسئول منه هو الراسخون فى العلم وقد مر تحقيق الآية فى سورة الاعراف وسورة يونس وسورة طه فارجع، وفى الفتوحات المكية لما كان الحق تعالى هو السلطان الاعظم ولابد للسلطان من مكان يكون فيه حتى يقصد بالحاجات مع انه تعالى لا يقبل المكان اقتضت المرتبة ان يخلق عرشا ثم ذكر انه استوى عليه حتى يقصد بالدعاء وطلب الحوائج منه كل ذلك رحمة للعباد وتنزلا لعقولهم ولولا ذلك لبقى العبد حائرا لا يدرى اين يتوجه بقلبه وقد خلق الله تعالى القلب ذا جهة فلا يقبل الا ما كان له جهة وقد نسب الحق تعالى لنفسه الفوقية من سماء وعرش واحاطة بالجهات كلها بقوله {أية : فأينما تولوا فثم وجه الله}تفسير : وبقوله "حديث : ينزل ربنا الى سماء الدنيا"تفسير : وبقوله عليه السلام "حديث : ان الله فى قبلة احدكم"تفسير : وحاصله ان الله تعالى خلق الامور كلها للمراتب لا للاعيان انتهى.

الجنابذي

تفسير : {ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} بدل او صفة للّذى لا يموت او خبر مبتدء محذوف، او مفعول فعل محذوف، او مبتدء خبره الرّحمن او قوله فاسئل {وَمَا بَيْنَهُمَا} من الملائكة والمواليد {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱلرَّحْمَـٰنُ} قد مضى الآية بتمام اجزائها فى سورة الاعراف وذَكرنا هناك كيفيّة خلق السّماوات والارض فى ستّة ايّام وسرّ تعقيب خلقهما باستوائه على العرش باداة التّراخى، ولمّا كان استواؤه تعالى على العرش الّذى هو جملة المخلوقات بمعنى استواء نسبته الى الجليل والحقير بصفته الرّحمانيّة جعل المسند اليه عنوان وصف الرّحمن {فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً} سألته كذا وعن كذا وبكذا بمعنىً فيجوز ان يكون الباء صلة اسئل وخبيراً مفعوله الاوّل، او خبيراً حالاً ومفعوله الاوّل محذوفاً اى اسئله عن حاله حال كونه خبيراً، او اسئله ذاته حال كونه خبيراً، ويجوز ان يكون الباء سببيّة وخبيراً مفعوله الاوّل ويكون الكلام على التّجريد مثل رأيت بزيدٍ اسداً.

اطفيش

تفسير : {الَّذِي} خبر لمحذوف اي هو الذي او نعت ثان للحي أو بدل منه أو مبتدأ خبره الرحمن. {خَلَقَ السَّمَٰوَاتِ والأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} اي ما بين النوعين اللذين احدهما السماوات والآخر الارض والمراد ما بين كل سماء فالاخرى وما بينهن وبين الارض. {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} بيان للقدرة ولكنه حقيقا ان يتوكل عليه لانه خالق الكل والمتصرف فيه وتحرض على عدم العجلة فانه قادر ان يخلقهن وما بينهن في اقل من لحظة والمراد ستة ايام من ايام الدنيا اي مقدار الستة لانه لا ليل ولا نهار. وقال مجاهد: أولها يوم الاحد واخرها يوم الجمعة فكان عيدا للمسلمين. ووجهه ان يسمي الله تعالى تلك الايام للملائكة مقدرة بهذه الاسماء فلما خلق الشمس وادارها جرت التسمية على ذلك. وقيل: ستة ايام من ايام الآخرة واليوم الف سنة وكانت ستة ولا اقل ولا اكثر لحكمة استأثر الله بها. وكذا كون الزبانية تسعة عشر ولكن قد فسر بعضهم حكمته كما يأتي وكون الشهور اثنى عشر والسماوات سبعا والارضين سبعا والصلوات خمسا وغير ذلك. {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ} استولى عليه والترتيب انما هو في الاخبار ولا مهلة أو (ثم) للترتيب والمهلة لكن في علو الشأن فان شأن العرش اعظم من شأن السماوات والارض وفي غير هذه الآية بعض بسط. {الرَّحْمَنُ} إذا لم يجعل خبرا للذي فهو بدل أو بيان من الحي أو الذي الاول. والثاني إذا ربما تقدم البدل على البيان وان لم نجعل الذي الثاني بدلا فلا تقديم هنا للبدل على البيان ويجوز كون الرحمن بدلا من ضمير استوي أو نعتا ثالثا أو ثانيا للحي. وربما تقدم البدل على النعت وان لم نجعل الذي الثاني بدلا فلا تقدم هنا للبدل على النعت. ويجوز كونه خبرا لمحذوف وكونه فاعل (استوى) اقامة للظاهر مقام المضمر فلا ضمير لاستوى. وقرئ بجره فيكون نعتا للحي أو بدلا منه أو بيانا وفي تعدد البدل قولان. {فَاسْأَل بِهِ} اسأل يا محمد او بالانسان بالرحمن والباء بمعنى عن * {خَبِيراً} مفعول سأل أي اسأل من يخبرك عنه من أهل الكتاب أو الهاء لما ذكر من الخلق والاستواء. وان قلت إذا كان الخطاب لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فما فائدة سؤاله هو عالم؟ قلت: فائدته التصديق له فيستريح لذلك ويصدقه الناس ايضا لتصديق الخبير له. وان كان الخطاب للانسان فالامر واضح. وقيل: الخطاب له صلى الله عليه وسلم والخبير الله سبحانه أو جبرائيل عليه السلام اسأله يخبرك عن صفاته ورحمته وكذا ان سأل عالما بالكتب المتقدمة أو سأل الانسان عالما بها يخبره عن ذلك. وقيل: المامور بالسؤال الانسان والخبير النبي صلى الله عليه وسلم ويجوز عندي ان يكون من التجريد البديعي اي اسأل بسؤاله خبيرا كقولك: (رأيت به اسدا) اي رأيت برؤيته والمعنى (ان سألته وجدته خبيرا) وانما قدرت المضاف هنا لصلاحيته والا فلا يقدر رفع من تجريدية في قولك: (لي من زيد صديق حميم) لفوات المبالغة في تقدير حصل لي من حصوله (صديق حميم). ويجوز ان يقدر مضاف في التجريد الذي في الآية فيكون على طريقة (اسأل بفلان البحر) تبالغ في اتصافه بالسماحة حتى نزعت منه بحرا في السماحة وكون الباء بمعنى (عن) مذهب ابن هشام وغيره على ما مر. قال وزعم البصريون انها سببية وانها لا تكون بمعنى (عن) اصلا وفيه بعد لانه لا يقتضي قولك: (سئلت بسببه) ان المجرور هو المسئول عنه. وقال ابو حيان: ان الباء متعلق باسأل باقية على بابها يعني على معنى قولك وقع السؤال بكذا. وقيل: هي على بها متعلقة بخبير. أو قيل: هي متعلقة بإسأل بمعنى (عن) و (خبيرا) حال من الهاء والمسئول لم يذكر. وقيل: الرحمن مبتدأ مراد به اللفظ خبره فاسأل به على زيادة الفاء في الخبر وكانوا ينكرون هذا الاسم فقال اسأل من علم الكتب المتقدمة بل بعضها يخبرك انه اسم لله عز وجل فانه مذكور في التوراة والانجيل او ذكر ما يرادفه فيهم. وقيل: الباء على اصلها تضمين للسؤال معنى الاعتناء. وقيل: زائدة في مفعول اسأل و(خبيرا) حال وعلى بعضهم لا يرجع في طلب العلم بهذا إلى غيره.

اطفيش

تفسير : {الَّذى خلق السَّماوات والأرض وما بيْنَهُما فى ستَّةِ أيامٍ} أى فى مقداره، لأنه لا ليل ولا نهار حينئذ، لأن الشمس خلقت بعد خلق السماوات والأرض، وهو قادر على خلقهما فى أقل من لحظة، ولكن علمنا التأنى فى الأمور {ثم اسْتَوى على العَرْش} الذى نعت للحى {الرحْمَن} أى هو الرحمن، أو الذى مبتدأ خبره الرحمن {فاسْأل به خبيراً} اعتن به، وهو خبير عظيم، أو اسأل عنه من هو خبير به لقراءته الكتب السابقة من أهل الكتاب وغيرهم، والهاء لله عز وجل، والخطاب له صلى الله عليه وسلم.

الالوسي

تفسير : {ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } قد سلف تفسيره. ومحل الموصول الجر على أنه صفة أخرى للحي، ووصف سبحانه بالصفة الفعلية بعد وصفه جل وعلا بالأبدية التي هي من الصفات الذاتية والإشارة إلى اتصافه تعالى بالعلم الشامل لتقرير وجوب التوكل عليه جل جلاله وتأكيده فإن من أنشأ هذه الأجرام العظام على هذا النمط الفائق والنسق الرائق بتدبير متين وترتيب رصين في أوقات معينة مع كمال قدرته سبحانه على إبداعها دفعة بحكم جليلة وغايات جميلة لا تقف على تفاصيلها العقول أحق من يتوكل عليه وأولى من يفوض الأمر إليه. وقوله تعالى: {ٱلرَّحْمَـٰنُ } مرفوع على المدح أي هو الرحمن وهو في الحقيقة وصف آخر للحي كما في قراءة زيد بن عبد الرحمن بالجر مفيد لزيادة تأكيد ما ذكر من وجوب التوكل عليه جل شأنه وإن لم يتبعه في الإعراب لما تقرر من أن المنصوب والمرفوع مدحاً وإن خرجا عن التبعية لما قبلهما صورة حيث لم يتبعاه في الإعراب وبذلك سميا قطعاً لكنهما تابعان له حقيقة، ألا ترى كيف التزموا حذف الفعل والمبتدأ روماً لتصوير كل منهما بصورة متعلق من متعلقات ما قبله وتنبيهاً على شدة الاتصال بينهما وإنما قطعوا للافتنان الموجب لإيقاظ السامع وتحريكه إلى الجد في الإصغاء. وجوز أن يكون الموصول في محل نصب على الاختصاص وأن يكون في محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف صفة له أو مبتدأ و {ٱلرَّحْمَـٰنُ } خبره، وجوز أن يكون {ٱلرَّحْمَـٰنُ } بدلاً من المستكن في {ٱسْتَوَىٰ } ويجوز على مذهب الأخفش أن يكون {ٱلرَّحْمَـٰنُ } مبتدأ، وقوله تعالى: {فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً } خبره على حد تخريجه قول الشاعر:شعر : وقائلة خولان فانكح فتاتهم تفسير : وهو بعيد، والظاهر أن هذه جملة منقطعة عما قبلها إعراباً، والفاء فصيحة والجار والمجرور صلة اسأل. والسؤال كما يعدى بعن لتضمنه معنى التفتيش يعدى بالباء لتضمنه معنى الاعتناء. وعليه قول علقمة بن عبيدة:شعر : فإن تسألوني بالنساء فإنني خبير بأدواء النساء طبيب تفسير : فلا حاجة إلى جعلها بمعنى عن كما فعل الأخفش والزجاج، والضمير راجع إلى ما ذكر إجمالاً من الخلق والاستواء. والمعنى إن شئت تحقيق ما ذكر أو تفصيل ما ذكر فاسأل معتنياً به خبيراً عظيم الشأن محيطاً بظواهر الأمور وبواطنها وهو الله عز وجل يطلعك على جلية الأمر. والمسؤول في الحقيقة تفاصيل ما ذكر لا نفسه إذ بعد بيانه لا يبقى إلى السؤال حاجة ولا في تعديته بالباء المبنية على تضمينه معنى الاعتناء المستدعي لكون المسؤول أمراً خطيراً مهتماً بشأنه غير حاصل للسائل فائدة فإن نفس الخلق والاستواء بعد الذكر ليس / كذلك كما لا يخفى. وكون التقدير إن شككت فيه فاسأل به خبيراً على أن الخطاب له صلى الله عليه وسلم والمراد غيره عليه الصلاة والسلام بمعزل عن السداد، وقيل: {بِهِ } صلة {خَبِيراً } قدم لرؤس الآي. وجوز أن يكون الكلام من باب التجريد نحو رأيت به أسداً أي رأيت برؤيته أسداً فكأنه قيل هنا فاسأل بسؤاله خبيراً، والمعنى إن سألته وجدته خبيراً، والباء عليه ليست صلة فإنها باء التجريد وهي على ما ذهب إليه الزمخشري سببية والخبير عليه هو الله تعالى أيضاً. وقد ذكر هذا الوجه السجاوندي. واختاره صاحب «الكشف» قال: وهو أوجه ليكون كالتتميم لقوله تعالى: {ٱلَّذِى خَلَقَ } الخ فإنه لإثبات القدرة مدمجاً فيه العلم، وكون ضمير (به) راجعاً إلى ما ذكر من الخلق والاستواء. والخبير في الآية هو الله تعالى مروي عن الكلبـي، وروي تفسير الخبير {بِهِ } تعالى عن ابن جريج أيضاً. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الخبير هو جبريل عليه السلام، وقيل: هو من وجد ذلك في الكتب القديمة المنزلة من عنده تعالى أي فاسأل بما ذكر من الخلق والاستواء من علم به من أهل الكتب ليصدقك، وقيل: إذا أريد بالخبير من ذكر فضمير {بِهِ } للرحمن، والمعنى إن أنكروا إطلاق الرحمن عليه تعالى فاسأل به من يخبرك من أهل الكتاب ليعرفوا مجيء ما يرادفه في كتبهم. وفيه أنه لا يناسب ما قبله ولأن فيه عود الضمير للفظ {ٱلرَّحْمَـٰنُ } دون معناه وهو خلاف الظاهر ولأنه كان الظاهر حينئذ أن يؤخر عن قوله تعالى: {أية : وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ} تفسير : [الفرقان: 60]. وقيل: الخبير محمد صلى الله عليه وسلم وضمير {بِهِ } للرحمن؛ والمراد فاسأل بصفاته والخطاب لغيره صلى الله عليه وسلم ممن لم يعلم ذلك وليس بشيء كما لا يخفى، وقيل: ضمير {بِهِ } للرحمن، والمراد فاسأل برحمته وتفاصيلها عارفاً يخبرك بها أو المراد فاسأل برحمته حال كونه عالماً بكل شيء على أن {خَبِيراً } حال من الهاء لا مفعول اسأل كما في الأوجه السابقة. وجوز أبو البقاء أن يكون {خَبِيراً } حالاً من {ٱلرَّحْمَـٰنُ } إذا رفع باستوى. وقال: يضعف أن يكون حالاً من فاعل اسأل لأن الخبير لا يسأل إلا على جهة التوكيد مثل {أية : وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدّقًا }تفسير : [البقرة: 91] والوجه الأقرب الأولى في الآية من بين الأوجه المذكورة لا يخفى، وقرىء {فسل}.

ابن عاشور

تفسير : أجريت هذه الصلة وصفاً ثانياً لـــ{أية : الحي الذي لا يموت}تفسير : [الفرقان: 58] لاقتضائها سعة العلم وسعة القدرة وعظيم المجد، فصاحبها حقيق بأن يُتوكل عليه ويفوض أمر الجزاء إليه. وهذا تخلّص إلى العود إلى الاستدلال على تصرف الله تعالى بالخلق. وتقدم الكلام على خلق السماوات والأرض في ستة أيّام في سورة البقرة، وعلى الاستواء في سورة الأعراف. و{الرحمان} خبر مبتدأ محذوف، أي هو الرحمان. وهذا من حذف المسند إليه الغالب في الاستعمال عندما تتقدم أخبار أو أوصاف لصاحبها، ثم يُراد الإخبار عنه بما هو إفصاح عن وصف جامع لما مضى أو أهم في الغرض مما تقدمه، فإن وصف الرحمٰن أهم في الغرض المسوق له الكلام وهو الأمر بالتوكل عليه فإنه وصف يقتضي أنه يدبر أمور من توكل عليه بقوي الإسعاف. وفرع على وصفه بــــ{الرحمان} قوله {فسئل به خبيراً} للدلالة على أن في رحمته من العظمة والشمول ما لا تفي فيه العبارة فيعدل عن زيادة التوصيف إلى الحوالة على عليم بتصاريف رحمته مُجرب لها مُتلقّ أحاديثها ممن عَلِمها وجرّبها. وتنكير {خبيراً} للدلالة على العُموم، فلا يظن خبيراً معيناً، لأن النكرة إذا تعلق بها فعل الأمر اقتضت عموماً بدليل أيّ خبير سألته أعلمك. وهذا يجري مجرى المثل ولعله من مبتكرات القرآن نظير قول العرب: «على الخبير سقطتَ» يقولها العارف بالشيء إذا سُئِل عنه. والمَثلان وإن تساويا في عدد الحروف المنطوق بها فالمثَل القرآني أفصحُ لسلامته من ثقل تلاقي القاف والطاء والتاء في (سقطت). وهو أيضاً أشرف لسلامته من معنى السقوط، وهو أبلغ معنى لما فيه من عموم كل خبير، بخلاف قولهم: على الخبير سقطتَ، لأنها إنما يقولها الواحد المعيَّن. وقريب من معنى {فسئل به خبيراً} قول النابغة:شعر : هلا سألت بني ذبيان ما حسبي إذا الدخان تغشى الأشمط البرما تفسير : إلى قوله:شعر : يخبرك ذو عرضهم عني وعالمهم وليس جاهلُ شيء مثلَ مَن علما تفسير : والباء في {به} بمعنى (عن) أي فاسأل عنه كقول علقمة:شعر : فإن تسأُلوني بالنساء فإنني خبير بأدواء النساء طبيب تفسير : ويجوز أن تكون الباء متعلقة بــــ{خبيراً} وتقديم المجرور للرعي على الفاصلة وللاهتمام، فله سببان.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} قد قدمنا الآية التي فيها تفصيل ذلك في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: {أية : إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} تفسير : [الأعراف: 54]. قوله تعالى: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱلرَّحْمَـٰنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً}. قد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية في سورة الأعراف، في الكلام على قوله تعالى: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} الآية.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {فَسْئَلْ} (59) - واللهُ تَعَالى خَالقُ كلِّ شيءٍ، ورَبُّهُ ومَلِيكُهُ، وقدْ خَلَقَ، بقُدْرَتِه وسُلطانِه، السَّماواتِ في ارتفاعِهَا واتّساعِها، والأرضَ، خلالَ ستةِ أيام ثم استوَى عَلَى العَرشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ، ويقْضِي بالحقِّ، وهوَ خيرُ الحَاكمين. وهوَ تَعالى عَظيمُ الرَّحمةِ بِكُمْ فلا تَعْبُدو إلا إيَّاه، فاسْتَعْلِمْ عنهُ سُبحانه وتعالى مِمَّنْ له خِبْرَةٌ وعِلْمٌ به، واقْتَدِ بهِ واتَّبِعْهُ. (ومحمدٌ صلى الله عليه وسلم، بمَا أعْطَاهُ اللهُ مِن عِلْمٍ، هوَ أكثرُ النَّاسِ عِلْماً ومَعرفةً باللهِ تَعالى).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : البعض يظن أن خَلْق السماوات والأرض شيء سهل، وأعظم منه خَلْق الإنسان، لكن الحق - تبارك وتعالى - يقول: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ ..}تفسير : [غافر: 57]. فالإنسان يخلقه الله، وقد يموت بعد يوم، أو بعد مائة عام، وقد تصيبه في حياته الأمراض، أمّا السماوات والأرض، فقد خلقها الله تعالى بهندسة دقيقة، وقوانين لا تختلف ولا تختل مع ما يمرُّ عليها من أزمنة، وكأن الحق سبحانه يقول للإنسان: إن السماوات والأرض هذه خلْقتي وصَنْعتي، لو تدبرتَ فيها وتأملتَها لوجدتَها أعظم من خَلْقك أنت. وقوله تعالى: {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ..} [الفرقان: 59] سبق أن تكلَّمنا في هذه المسألة وقلنا: إن جمهرة آيات القرآن تدل على أن الخَلْق تمَّ في مدة ستة أيام إلا سورة واحدة تُشعِر آياتها أن الخلق في ثمانية أيام، وهي سورة فصلت: حيث يقول فيها الحق سبحانه وتعالى: {أية : قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ * ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ}تفسير : [فصلت: 9-12]. وجملة هذه ثمانية أيام، وكل مُجْمل يخضع للتفصيل إلا تفصيل العدد فيرجع للمجمل، كيف؟ الحق سبحانه يتكلم هنا عن خَلْق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم تكلَّم عن خَلْق الأرض في يومين، وجعل فيها رواسي من فوقها، وبارك فيها وقدَّر فيها أقواتها في أربعة أيام، فالأربعة الأيام هذه تكملة لخلّق الأرض فهي تكملة لليومين، كأنه قال في تتمة أربعة أيام، فالأرض في يومين والباقي أكمل الأربعة. كما تقول: سِرْتُ إلى طنطا في ساعة، وإلى الأسكندرية في ساعتين أي يدخل فيهما الساعة الأولى إلى طنطا، فاليومان من الأربعة الأيام. لكن، كيف نُقدِّر هذا اليوم؟ الله يخاطبنا باليوم الذي نعرفه ونعرف مدلوله، فالمعنى: في ستة أيام من أيامكم التي تعرفونها. وإلاَّ لو كان المراد يوماً لا نعرفه نحن، فسيكون لا معنى له؛ لأننا لا نفهمه. ولقائل أن يقول: كيف يستغرق الخَلْق كل هذه المدة والحق - تبارك وتعالى - يخلق بكُنْ، وكن لا تحتاج وقتاً؟ قالوا: فَرْق بين عملية الخَلْق وما يحتاجه المخلوق في ذاته. فأنت مثلاً، إنْ أردتَ أنْ تصنع كوباً من الزبادي تحضر اللبن مثلاً وتضع عليه خميرة الزبادي المعروفة المأخوذة من زبادي دسم سبق صُنْعه، وتضعه في درجة حرارة معينة، بعد هذه العملية تكون قد صنعت الزبادي فعلاً، لكن هل يمكنك أن تأكل منه فَوْر الانتهاء من صناعته؟ لا، بل لا بُدَّ أن تتركه عدة ساعات لتتفاعل عناصره، فهل تقول: أنا صنعت الزبادي في عدة ساعات مثلاً؟ كذلك، حين تذهب إلى (الترزي) لتفصيل ثَوْب مثلاً يقول لك: موعدنا بعد شهر، فهل تستغرق خياطة الثوب شهراً؟ لا، إنما مدته عنده شهر. فالحق - تبارك وتعالى - يفعل ويخلق دون معالجة، وبالتالي دون زمن؛ لأنه سبحانه يقول للشيء: كُنْ فيكون. وقوله سبحانه: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ..} [الفرقان: 59] سبق أن تكلمنا في هذه المسألة، فاستوى تعني: صعد وارتفع وعلا وجلس، ونحن نُنزِّه الله تعالى عن استواءٍ يشابه استواء خَلْقه. والاستواء هنا رمزية لتمام الأمر بما نعرفه في عادة الملوك في الجلوس على كرسي العرش، حين يتم لهم الأمر ويستتبّ. و{ٱلرَّحْمَـٰنُ ..} [الفرقان: 59] دليل على أن مسألة الخَلْق كلها تدور في إطار الرحمانية {فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً} [الفرقان: 59] لأنه سبحانه خلق السماوات والأرض وخلقنا، ومع ذلك لا نعرف: كيف تم هذا الخَلْق؟ ولن نستطيع أن نقف على تفصيل هذا الخَلْق، إلا إذا أطلعنَا الخالق عليه، وإلاَّ فهذا أمر لم نشاهده، فكيف نخوض فيه، كمن يقول: إن الأرض كانت قطعةَ من الشمس، ثم انفصلتْ عنها مع دوران الشمس .. إلخ هذه الأقوال. لذلك الحق - تبارك وتعالى - يُحذِّرنا من سماع مثل هذه النظريات، لأن مسألة الخَلْق لا تخضع للعلم التجريبي أَبداً، فيقول سبحانه: {أية : مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً}تفسير : [الكهف: 51]. إذن: سيوجد في الكون مُضلون يقولون للناس مثل هذه الأقوال في الخَلْق ويدَّعُون بها أنهم علماء يعرفون ما لا يعرفه الناس، فاحذروهم فما شاهدوا عملية الخَلْق، وما كانوا مساعدين لله تعالى، فيطلعوا على تفاصيل الخَلْق. لذلك تقوم هذه الأقوال في خَلْق الإنسان وخَلْق السماء والأرض دليلاً على صِدْق هذه الآية، فما موقف هذه الآية - إذن - إذا لم تقل هذه الأقوال؟ ومثال ذلك الذين يحلو لهم التعصب للقرآن الكريم ضد الحديث النبوي يقول لك أحدهم: حدِّثني عن القرآن، سبحان الله، أتتعصّب للقرآن ضد الرسول الذي بلَّغك القرآن، وما عرفتَ القرآن إلا من طريقه؟ يعني (الواد ربَّانيّ) لا يعترف إلا بالقرآن. ونقول لمثل هذا الذي يهاجم الحديث النبوي: أنت صليتَ المغرب ثلاث ركعات، فأين هذا من القرآن؟ لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : يُوشك الرجل يتكىء على أريكته يُحدَّث بحديثي فيقول: بيني وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه، وما كان حراماً حرَّمْناه، وإن ما حرّم رسول الله كما حرّم الله ". تفسير : لماذا؟ لأنِّي أقول لكم من باطن قَوْل الله تعالى: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ ..}تفسير : [الحشر: 7]. بالله، لو لم يُوجَد الآن مَنْ يقول بهذا القول، فماذا سيكون موقف هذا الحديث؟ وكيف لنا أن نفهمه؟ لقد فضحهم هذا الحديث، وأبان ما عندهم من غباء، فقد كان بإمكانهم بعد أنْ عرفوا حديث رسول الله أنْ يُمسِكوا عن التعصب للقرآن ضد الحديث النبوي، فيكون الحديث ساعتها غير ذي معنى لكن هيهات. نعود إلى موضوعنا، ونحن بصدد الكلام عن خَلْق السماوات وخَلْق الأرض، واستواء الحق - تبارك وتعالى - على العرش، وهاتان المسألتان لا تسأل فيهما إلا الله {فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً} [الفرقان: 59] لأنه وحده الذي يعلم خبايا الأمور، وهذه أمور لم يطلّع عليها أحد فيخبرك بها. وكلمة: (سأل) الإنسان لا يسأل عن شيء إلا إذا كان يجهله، والسؤال له مراحل: فقد تجهل الشيء ولا تهتم به، ولا تريد أن تعرفه، فأنت واحد من ضمن الذين لا يعرفون، وقد تجهل الشيء لكن تهتم به، فتسأل عنه لاهتمامك به، فمرَّة نقول: اسأل به. ومرة نقول: اسأل عنه. والمعنى: اسأل اهتماماً به، أي: بسبب اهتمامك به اسأل عنه خبيراً ليعطيك ويخبرك بما تريد، فهو وحده الذي يعرف خبايا الأمور ودقائقها، وعنده خبر خَلْق السماوات وخَلْق الأرض، ويعلم مسألة الاستواء على العرش؛ لذلك إنْ سألتَ عن هاتين المسألتين، فلا تسأل إلا خبيراً. والذين قالوا في قوله تعالى: {فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً} [الفرقان: 59] أي: ممَّنْ يعلم الكلام عن الله من أهل الكتاب نقول: لا بأسَ؛ لأنه سيؤول إلى الله تعالى في النهاية.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً} معناه مَن ذَا الذي أَخبركَ بشيءٍ كما أَخبُرُكَ.