Verse. 2917 (AR)

٢٥ - ٱلْفُرْقَان

25 - Al-Furqan (AR)

وَہُوَ الَّذِيْ جَعَلَ الَّيْلَ وَالنَّہَارَ خِلْفَۃً لِّمَنْ اَرَادَ اَنْ يَّذَّكَّرَ اَوْ اَرَادَ شُكُوْرًا۝۶۲
Wahuwa allathee jaAAala allayla waalnnahara khilfatan liman arada an yaththakkara aw arada shukooran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة» أي يخلف كل منهما الآخر «لمن أراد أن يذَّكَّر» بالتشديد والتخفيف كما تقدم: ما فاته في أحدهما من خير فيفعله في الآخر «أو أراد شُكور» أي شكرا لنعمة ربه عليه فيهما.

62

Tafseer

القرطبي

تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {خِلْفَةً} قال أبو عبيدة: الخِلفة كل شيء بعد شيء. وكل واحد من الليل والنهار يخلف صاحبه. ويقال للمبطون: أصابته خِلفة؛ أي قيام وقعود يخلف هذا ذاك. ومنه خلفة النبات، وهو ورق يخرج بعد الورق الأوّل في الصيف. ومن هذا المعنى قول زهير بن أبي سُلْمى:شعر : بها العِينُ والآرامُ يَمْشِينَ خِلْفةً وأَطْلاَؤهَا يَنْهضنَ من كُلِّ مَجثَمِ تفسير : الرئم ولد الظبي وجمعه آرام؛ يقول: إذا ذهب فوج جاء فوج. ومنه قول الآخر يصف امرأة تنتقل من منزل في الشتاء إلى منزل في الصيف دأباً:شعر : ولها بالماطرونِ إذا أَكلَ النملُ الذي جَمعَا خِلْفةً حتى إذا ارتبعتْ سَكَنتْ مِنْ جلّقٍ بِيَعَا في بيوت وَسْطَ دَسْكَرةٍ حولَها الزيتونُ قد يَنَعَا تفسير : قال مجاهد: {خِلْفَةً} من الخلاف؛ هذا أبيض وهذا أسود؛ والأوّل أقوى. وقيل: يتعاقبان في الضياء والظلام والزيادة والنقصان. وقيل: هو من باب حذف المضاف؛ أي جعل الليل والنهار ذوي خِلفة، أي اختلاف. {لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ} أي يتذكر، فيعلم أن الله لم يجعله كذلك عبثاً فيعتبر في مصنوعات الله، ويشكر الله تعالى على نعمه عليه في العقل والفكر والفهم. وقال عمر بن الخطاب وابن عباس والحسن: معناه من فاته شيء من الخير بالليل أدركه بالنهار، ومن فاته بالنهار أدركه بالليل. وفي الصحيح: «حديث : ما من امرىء تكون له صلاة بالليل فغلبه عليها نوم فيصلّي ما بين طلوع الشمس إلى صلاة الظهر إلا كتب الله له أجر صلاته وكان نومه عليه صدقة»تفسير : . وروى مسلم عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل".تفسير : الثانية: قال ابن العربيّ: سمعت ذا الشهيد الأكبر يقول: إن الله تعالى خلق العبد حياً عالماً، وبذلك كماله، وسلّط عليه آفة النوم وضرورة الحدث ونقصان الخِلقة؛ إذ الكمال للأوّل الخالق؛ فما أمكن الرجل من دفع النوم بقلة الأكل والسهر في طاعة الله فليفعل. ومن الغبن العظيم أن يعيش الرجل ستين سنة ينام ليلها فيذهب النصف من عمره لغواً، وينام سدس النهار راحة فيذهب ثلثاه ويبقى له من العمر عشرون سنة، ومن الجهالة والسفاهة أن يتلف الرجل ثلثي عمرِه في لذة فانية، ولا يتلف عمره بسهر في لذة باقية عند الغنيّ الوفيّ الذي ليس بعديم ولا ظلوم. الثالثة: الأشياء لا تتفاضل بأنفسها؛ فإن الجواهر والأعراض من حيث الوجود متماثلة، وإنما يقع التفاضل بالصفات. وقد اختلف أيّ الوقتين أفضل، الليل أو النهار. وفي الصوم غنية في الدلالة، والله أعلم؛ قاله ابن العربي. قلت: والليل عظيم قدره؛ أمر نبيّه عليه الصلاة والسلام بقيامه فقال: {أية : وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ}تفسير : [الإسراء: 79]، وقال: {أية : قُمِ ٱلْلَّيْلَ}تفسير : [المزمل: 2] على ما يأتي بيانه. ومدح المؤمنين على قيامه فقال: {أية : تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ} تفسير : [السجدة: 16]. وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : والصدقة تطفىء الخطيئة كما يطفىء الماء النار وصلاة الرجل في جوف الليل وفيه ساعة يستجاب فيها الدعاء وفيه ينزل الرب تبارك وتعالى»تفسير : حسبما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. الرابعة: قرأ حمزة وحده: {يَذْكُرَ} بسكون الذال وضم الكاف. وهي قراءة ابن وثّاب وطلحة والنَّخَعيّ. وفي مصحف أبيّ {يَتذَكَّر} بزيادة تاء. وقرأ الباقون: {يَذَّكَّر} بتشديد الكاف. ويَذْكُرَ ويَذَّكَّر بمعنى واحد. وقيل: معنى {يَذْكُرَ} بالتخفيف أي يذكر ما نسيه في أحد الوقتين في الوقت الثاني، أو ليذكر تنزيه الله وتسبيحه فيها. {أَوْ أَرَادَ شُكُوراً} يقال: شكر يشكر شكراً وشكوراً، مثل كفر يكفر كفراً وكفوراً. وهذا الشكور على أنهما جعلهما قواماً لمعاشهم. وكأنهم لما قالوا: {وَمَا الرَّحْمَنُ} قالوا: هو الذي يقدر على هذه الأشياء.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً } أي يخلف كل منهما الآخر {لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ } بالتشديد والتخفيف كما تقدم: ما فاته في أحدهما من خير فيفعله في الآخر {أَوْ أَرَادَ شُكُوراً } أي شكراً لنعمة ربه عليه فيهما.

ابن عبد السلام

تفسير : {خِلْفَةً} ما فات في أحدهما قضي في الآخر، أو يختلفان ببياض أحدهما وسواد الآخر، أو يخلف كل واحد منهما الآخر بالتعاقب. {يَذَّكَّرَ} يصلي بالليل صلاة النهار، وبالنهار صلاة الليل. {شُكُوراً} النافلة بعد الفرض قيل نزلت في عمر رضي الله تعالى عنه.

الثعالبي

تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفِةً} أي: هذا يَخْلُفُ هذا، وهذا يخلف هذا، قال مجاهد وغيره: {لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ} أي: يعتبر بالمصنوعات ويشكرَ اللّه تعالى على آلائه، وقال عمر وابن عباس والحسن: معناه: لمن أراد أَنْ يَذْكُرَ ما فاته من الخير والصلاة ونحوه في أحدهما فيستدركه في الذي يليه، وقرأ حمزة وحده: «يذْكُرُ» بسكون الذال وضم الكاف، ثم لما قال تعالى: {لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً} جاء بصفات عباده الذين هم أهل التذكرة والشكور. وقوله: {ٱلَّذِين يَمْشُونَ}. خبر مبتدإ، والمعنى: وعباده حَقُّ عباده هم الذين يمشون. وقوله: {يَمْشُونَ عَلَى ٱلأَرْضِ} عبارة عن عيشهم ومُدَّةِ حياتهم وَتَصَرُّفَاتِهم، و {هَوناً} بمعنى أَنَّ أمرهم كله هَيِّنُ، أي: ليِّنٌ حسن؛ قال مجاهد: بالحلم والوقار. وقال ابن عباس بالطاعة والعَفَاف والتواضع، وقال الحسن: حُلَمَاءُ، إنْ جُهلَ عليهم لم يجهلوا. قال الثعلبيُّ: قال الحسن: يمشون حلماء علماء مثلَ الأنبياء، لا يؤذون الذَّرَّ في سكونٍ وتواضع وخشوع، وهو ضدُّ المُخْتَالُ الفخور الذي يختال في مشيه، اهــ. قال عياض في صفة نَبِيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم: يخطو تكفُّؤاً، ويمشي هوناً، كأنَّما ينحطُّ من صبب، انتهى من «الشفا». قال أبو حيان: {هَوناً}: نعت لمصدر محذوف، أي: مشياً هوناً، أول حال، أي: هَيِّنِينَ، انتهى، وروى الترمذيُّ عن ابن مسعود أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ أَوْ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّارُ؟ عَلَىٰ كُلِّ قَرِيبٍ، هَيِّنٍ، سَهْلٍ»تفسير : ، قال أَبو عيسَىٰ: هذا حديث حسن، انتهى. {وَإِذا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا سَلَـٰماً} العامل في {سلاماً} {قالوا}، والمعنى: قالوا هذا اللفظ، وقال مجاهد: معنى {سلاماً}: قولاً سداداً، أي: يقول للجاهل كلاماً يدفعه به برفقٍ ولينٍ، وهذه الآية كانت قبل آية السيف فَنُسِخَ منها ما يَخُصُّ الكَفَرَةَ، وَبَقِيَ أَدبها في المسلمين إلى يوم القيامة، قال صاحب «الحكم الفارقية»: إذا نازعك إنسان فلا تجبه؛ فإنَّ الكلمة الأولى أُنْثَى واجباتُها فحلها، فإنْ أمسكت عنها بترتها وقطعت نسلها، وإنْ أجبتها ألقحتها، فكم من نسل مذمومٍ يتولد بينهما في ساعة واحدة، انتهى.

البقاعي

تفسير : ولما ذكر الآيتين، ذكر ما هما آيتاه فقال: {وهو الذي جعل الليل} أي الذي آيته القمر {والنهار} الذي آيته الشمس {خلفة} أي ذوي حالة معروفة في الاختلاف، فيأتي هذا خلف ذاك، بضد ما له من الأوصاف، ويقوم مقامه في كثير من المرادات، والأشياء المقدرات، ويعلم قد التسامح فيها، ومن فاته شيء من هذا قضاه في ذاك؛ قال ابن جرير: والعرب تقول: خلف هذا من كذا خلفة، وذلك إذا جاء شيء مكان شيء ذهب قبله. وفي القاموس أن الخلف والخلفة - بالكسر: المختلف. فعلى هذا يكون التقدير: جعلهما مختلفين في النور والظلام، والحر والبرد، غير ذلك من الأحكام. وقال الرازي في اللوامع: يقال: الأمر بينهم خلفة، أي نوبة، كل واحد يخلف صاحبه، والقوم خلفة، أي مختلفون. ولما كان الذي لا ينتفع بالشيء كالعادم لذلك الشيء، خص الجعل بالمجتني للثمرة فقال: {لمن أراد أن يذكر} أي يحصل له تذكر ولو على أدنى الوجوه - بما دل عليه الإدغام في قراءة الجماهة بفتح الذال والكاف مشددتين، لما يدله عليه عقله من أن التغير على هذه الهيئة العظيمة لا يكون بدون مغير قادر عظيم القدرة مختار، فيؤديه تذكره إلى الإيمان إن كان كفوراً، وقراءة حمزة بالتخفيف من الذكر تشير إلى أن ما يدلان عليه من تمام القدرة وشمول العلم الدال قطعاً على الوحدانية على غاية من الظهور، لا يحتاج إلى فكر، بل تحصل بأدنى التفات {أو أراد شكوراً*} أي شكراً بليغاً عظيماً لنعم الله لتحمله إرادته تلك على الشكر إن كان مؤمناً، بسبب ما أنعم به ربه من الإتيان بكل منهما بعد هجوم الآخر لاجتناء ثمراته، ولو جعل أحدهما دائماً لفاتت مصالح الآخرة، ولحصلت السآمة به، والملل منه، والتواني في الأمور المقدرة بالأوقات، الكسل وفتر العزم الذي إنما يثيره لتداركها دخول وقت آخر، وغير ذلك من الأمور التي أحكمها العلي الكبير. ولما ذكر عباده الذين خذلهم بتسليط الشيطان عليهم فصاروا حزب الشيطان، ولم يصفهم إلى اسم من أسمائه، إيذاناً بإهانتهم لهوائهم عنده، وهم الذين صرح بهم قوله أول السورة {نذيراً} وختم بالتذكر والشكر إشارة إلى عباده الذين أخلصهم لنفسه، وأشار إليهم سابقاً بتخصيص الوصف بالفرقان، فأتبع ذلك ذكرهم، فقال عاطفاً على جملة الكلام في قوله {وإذا قيل لهم} لكنه رفعهم بالابتداء تشريفاً لهم: {وعباد} ويجوز أن يقال ولعله أحسن: أنه سبحانه لما وصف الكفار في هذه السورة بما وصفهم به من الفظاظة والغلظة على النبي صلى الله عليه وسلم، وعداوتهم له، ومظاهرتهم على خالقهم، ونحو ذلك من جلافتهم، وختم بالتذكر والشكر، وكان التقدير: فعباد الشيطان لا يتذكرون ولا يشكرون، لما لهم من القسوة، عطف على هذا المقدر أضدادهم، واصفاً لهم بأضداد أوصافهم، مبشراً لهم بضد جزائهم، فقال: وعباد {الرحمن} فأضافهم إليه رفعة لهم وإن كان كل الخلق عباده، وأضافهم إلى صفة وصف الرحمة الأبلغ الذي أنكره أولئك تبشيراً لهم؛ ثم وصفهم بضد ما وصف به المتكبرين عن السجود، إشارة إلى أنهم تخلقوا من هذه الصفة التي أضيفوا إليها بأمر كبير، فقال: {الذين يمشون} وقال: {على الأرض} تذكيراً بما هم منه وما يصيرون إليه، وحثاً على السعي في معالي الأخلاق للترقي عنه، وعبر عن حالهم بالمصدر مبالغة في اتصافهم بمدلوله حتى كانوا إياه، فقال: {هوناً} أي ذوي هون، أي لين ورفق وسكينة ووقار وإخبات وتواضع، لا يؤذون أحداً ولا يفخرون، رحمة لأنفسهم وغيرهم، غير متابعين ما هم فيه من الحرارة الشيطانية، فبرؤوا من حظوظ الشيطان، لأن من كان من الأرض وإليها يعود لا يليق به إلا ذلك، والأحسن أن يجعل هذا خبر "العباد"، ويكون {أية : أولئك يجزون الغرفة} تفسير : [الفرقان: 75] استئنافاً متشوفاً إليه تشوف المستنتج إلى النتيجة. ولما ذكر ما أثمره العلم من الفعل في أنفسهم، أتبعه ما أنتجه الحلم من القول لغيرهم فقال: {وإذا} دون "إن" لقضاء العادة بتحقق مدخولها، ولم يقل: والذين كبقية المعطوفات، لأن الخصلتين كشيء واحد من حيث رجوعهما إلى التواضع {خاطبهم} خطاباً ما، بجهل أو غيره وفي وقت ما {الجاهلون} أي الذين يفعلون ما يخالف العلم والحكمة {قالوا سلاماً*} أي ما فيه سلامة من كل سوء، وليس المراد التحية - نقل ذلك سيبويه عن أبي الخطاب، قال: لأن الآية فيما زعم مكية، ولم يؤمر المسلمون يومئذ أن يسلموا على المشركين، ولكنه على قولك: تسليماً لا خير بيننا وبينكم ولا شراً - انتهى. فلا حاجة إلى ادعاء نسخها بآية القتال ولا غيرها، لأن الإغضاء عن السفهاء وترك المقابلة مستحسن في الأدب والمروءة والشريعة، وأسلم للعرض والورع، وكأنه أطلق الخطاب إعلاماً بأن أكثر قول الجاهل الجهل. ولما ذكر ما بينهم وبين الخلق من القول والفعل، وكان الغالب على ذلك أن يكون جلوة نهاراً، ذكر ما بينهم وبين خالقهم من ذلك خلوة ليلاً، وذكر هذه المعطوفات التي هي صفات بالواو، تنبيهاً على أن كل واحدة منها تستقل بالقصد لعظم خطرها، وكبر أثرها، فقال: {والذين يبيتون} من البيتوتة: أن يدركك الليل نمت أو لم تنم، وهي خلاف الظلول؛ وأفاد الاختصاص بتقديم {لربهم} أي المحسن إليهم برحمانيته، يحيون الليل رحمة لأنفسهم، وشكراً لفضله. ولما كان السجود أشد أركان الصلاة تقريباً إلى الله، لكونه أنهى الخضوع مع أنه الذي أباه الجاهلون، قدمه لذلك ويعلم بادىء بدء أن القيام في الصلاة فقال: {سجداً} وأتبعه ما هو تلوه في المشقة تحقيقاً لأن السجود على حقيقته فيتمحص الفعلان للصلاة، فقال: {وقياماً*} أي ولم يفعلوا فعل الجاهلين من التكبر عن السجود، بل كانوا - كما قال الحسن رحمه الله: نهارهم في خشوع، وليلهم في خضوع. ولما ذكر تهذيبهم لأنفسهم للخلق والخالق، أشار إلى أنه لا إعجاب عندهم، بل هم وجلون، وأن الحامل لهم على ذلك الإيمان بالآخرة التي كذب بها الجاهلون {أية : يؤتون ما ءَاتَواْ وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون}تفسير : [المؤمنون:60] وقدموا الدعاء بالنجاة اهتماماً بدرء المفسدة، وإشعاراً بأنهم مستحقون لذلك وإن اجتهدوا، لتقصيرهم عن أن يقدروه سبحانه حق قدره فقال: {والذين يقولون ربنا} أي أيها المحسن إلينا {اصرف عنا عذاب جهنم} الذي أحاط بنا لا ستحقاقنا إياه إلا أن يتداركنا عفوك ورحمتك، بما توفقنا له من لقاء من يؤذينا بطلاقة الوجه، لا بالتجهم، ثم علل سؤالهم يقولهم: {إن عذابها كان} أي كوناً جبلت عليه {غراماً*} أي هلاكاً وخسراناً ملحاً محيط بمن تعلق به مذلاً له، دائماً بمن غرى به، لازماً له لا ينفك عنه ونحن كنا نسير على من آذانا. ولما ثبت لها هذا الوصف، أنتج قوله: {إنها ساءت} أي تناهت هي في كل ما يحصل منه سوء، وهي في معنى بئست في جميع المذام {مستقراً} أي من جهة موضع استقرار {ومقاماً*} أي موضع إقامة.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏{‏وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة‏} ‏ قال‏:‏ أبيض وأسود‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏ {‏جعل الليل والنهار خلفة‏} ‏ قال‏:‏ هذا يخلف هذا، وهذا يخلف هذا ‏{‏لمن أراد أن يذكر‏} ‏ قال‏:‏ يذكر نعمة ربه عليه فيهما ‏ {‏أو أراد شكوراً‏} ‏ قال‏:‏ شكور نعمة ربه عليه فيهما‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ‏{‏جعل الليل والنهار خلفة‏} ‏ قال‏:‏ يختلفان‏.‏ هذا أسود وهذا أبيض، وإن المؤمن قد ينسى بالليل ويذكر بالنهار، وينسى بالنهار ويذكر بالليل‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ‏{‏جعل الليل والنهار خلفة‏} ‏ يقول‏:‏ من فاته شيء من الليل أن يعمله أدركه بالنهار، ومن فاته شيء من النهار أن يعمله أدركه بالليل‏. وأخرج الطيالسي وابن أبي حاتم عن الحسن‏:‏ أن عمر أطال صلاة الضحى فقيل‏‏ له‏:‏ صنعت اليوم شيئاً لم تكن تصنعه فقال‏:‏ إنه بقي عليَّ من وردي شيء وأحببت أن أتمه‏.‏ أو قال اقضيه‏.‏ وتلا هذه الآية ‏ {‏وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة‏}‏ الآية‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ‏ {‏جعل الليل والنهار خلفة‏}‏ يقول‏:‏ جعل الليل خلفاً من النهار، والنهار خلفاً من الليل، لمن فرط في عمل أن يقضيه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ‏{‏جعل الليل والنهار خلفة‏}‏ قال‏:‏ إن لم يستطع عمل الليل عمله بالنهار، وإن لم يستطع عمل النهار عمله بالليل‏.‏ فهذا خلفة لهذا‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في قوله ‏ {‏جعل الليل والنهار خلفة‏} قال‏:‏ من عجز بالليل كان له في أول النهار مستعتب، ومن عجز بالنهار كان له في الليل مستعتب‏. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة‏؛‏ أن سلمان جاءه رجل فقال‏:‏ لا أستطيع قيام الليل قال‏:‏ إن كنت لا تستطيع قيام الليل فلا تعجز بالنهار قال قتادة‏:‏ ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏والذي نفس محمد بيده أن في كل ليلة ساعة؛‏ لا يوافقها رجل مسلم يصلي فيها، يسأل الله فيها خيراً إلا أعطاه إياه‏‏"‏ تفسير : قال قتادة‏:‏ فأروا الله من أعمالكم خيراً في هذا الليل والنهار، فإنهما مطيتان تحملان الناس إلى آجالهم، تقربان كل بعيد، وتبليان كل جديد، وتجيئان بكل موعود، إلى يوم القيامة.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ‏"‏لمن أراد أن يذكر"‏ مشددة‏. وأخرج سعيد بن منصور عن إبراهيم النخعي أنه كان يقرأ "‏لمن أراد أن يذكر"‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً} أي ذَوَي خلفةٍ يخلفُ كلٌّ منهما الآخرَ بأنْ يقومَ مقامَه فيما ينبغي أنْ يَعملَ فيه أو بأنْ يَعتِقبا كقولِه تعالى: {أية : وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } تفسير : [سورة البقرة: الآية 164, وسورة آل عمران: الآية 190] وهي اسمٌ للحالةِ من خلفَ كالرِّكبةِ والجِلسةِ من رَكِبَ وجَلَس. {لّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ} أي يتذكَّر آلاءَ الله عزَّ وجلَّ ويتفكَّر في بدائعِ صُنَعهِ فيعلم أنَّه لا بُدَّ لها من صانعٍ حكيمٍ واجبِ الذَّاتِ رحيمٍ للعبادِ {أَوْ أَرَادَ شُكُوراً} أي أنْ يشكَر الله تعالى على ما فيهما من النِّعمِ أو ليكونا وقتينٍ للذَّاكرينَ مَن فاتَهُ وِرْدُه في أحدِهما تدارَكه في الآخرةِ. وقُرىء أنْ يذكُرَ من ذَكَر بمعنى تذكَّر. {وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ} كلامٌ مستأنف مسوقٌ لبـيانِ أوصافِ خلَّصِ عبادِ الرَّحمنِ وأحوالِهم الدَّنيويةِ والأخُروَّيةِ بعد بـيان حال النَّافرين عن عبادتِه والسُّجودِ له. والإضافةُ للتَّشريفِ وهو مبتدأٌ خبرُه ما بعدَهُ من الموصولِ وما عُطف عليه، وقيلَ: هو ما في آخرِ السُّورةِ الكريمةِ من الجُملةِ المصدَّرةِ باسمِ الإشارةِ. وقُرىء عبادُ الرَّحمنِ أي عبادُه المقبُولونَ {ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً} أي بسكينةٍ وتواضعٍ. وهَوْناً مصدرٌ وُصف به. ونصبُه إمَّا على أنَّه حال من فاعلِ يمشُون أو على أنَّه نعتٌ لمصدرِه أي يمشُون هيِّنين ليِّنيِ الجانبِ من غيرِ فظاظةٍ أو مشياً هيِّنا. وقولُه تعالى: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَـٰهِلُونَ} أي السُّفهاءُ كما في قولِ من قال: [الوافر] شعر : أَلاَ لاَ يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَينا فَنَجْهَل فوقَ جهلِ الجَاهِلِيْنا تفسير : {قَالُواْ سَلاَماً} بـيانٌ لحالِهم في المُعاملة مع غيرِهم إثرَ بـيانِ حالِهم في أنفسِهم أي إذا خاطبُوهم بالسُّوءِ قالوا تسليماً منكمُ ومتاركةً لا خيرَ بـيننا وبـينَكمُ ولا شرَّ. وقيل: سَداداً من القولِ يسلمُون به من الأذيَّةِ والإثمِ، وليسَ فيه تعرُّضٌ لمعاملتِهم مع الكَفَرةِ حتَّى يُقالَ نسختها آيةُ القتالِ كما نُقل عن أبـي العاليةِ. وقولُه تعالى {وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبّهِمْ سُجَّداً وَقِيَـٰماً} بـيانٌ لحالِهم في معاملتِهم مع ربِّهم أي يكونون ساجدين لربِّهم وقائمين أي يُحيون اللَّيلَ كُلاًّ أو بعضاً بالصَّلاةِ. وقيل: من قرأ شيئاً من القُرآنِ في صلاةٍ وإنْ قلَّ فقد باتَ ساجداً وقائماً. وقيل هُما الرَّكعتانِ بعد المغربِ والرَّكعتانِ بعد العشاءِ. وتقديمُ السُّجودِ على القيامِ لرعايةِ الفواصلِ. {وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ} أي في أعقابِ صلواتِهم أو في عامَّةِ أوقاتِهم {رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً} أي شراً دائماً وهلاكاً لازماً وفيه مزيدُ مدحٍ لهم ببـيان أنَّهم مع حُسن معاملتِهم مع الخلقِ واجتهادِهم في عبادةِ الحقِّ يخافُون العذابَ ويبتهلون إلى الله تعالى في صرفِه عنهم غيرَ محتفلين بأعمالِهم كقوله تعالى: { أية : وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبّهِمْ رٰجِعُونَ}تفسير : [سورة المؤمنون: الآية 60].

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱللَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً} [الآية: 62]. قال بعضهم: خليفة يخلف أحدهما صاحبه لمن أراد خدمة ربه وعبادته.

القشيري

تفسير : الأوقاتُ متجانِسةٌ، وتفضيلُها بعضها على بعضٍ على معنى أنَّ الطاعة في البعض أفضل والثوابُ عليها أكثر. والليلُ خلفَ النهار والنهارُ خلفَ الليلِ، فَمَنْ وقع له في طاعة الليل خَلَلٌ فإذا حضر بالنهار فذلك وجود جُبْرانه، وإن حصل في طاعة النهار خللٌ فإذا حضر بالليل ففي ذلك إتمامٌ لنقصانه.

اسماعيل حقي

تفسير : {وهو الذى جعل} بحكمته التامة {الليل والنهار خلفة} الخلفة مصدر للنوع فلا يصلح ان يكون مفعولا ثانيا لجعل ولا حالا من مفعوله فلابد من تقدير المضاف ويستعمل بمعنى كان خليفته او بمعنى جاء بعده فالمعنى على الاول جعلهما ذوى خلفة يخلف كل واحد منهما الآخر بان يقوم مقامه فيما ينبغى ان يعمل فيه فمن فرط فى عمل احدهما قضاه فى الآخر فيكون توسعة على العباد فى نوافل العبادات والطاعات ويؤيده ما حديث : قال عليه السلام لعمر بن الخطاب رضى الله عنه وقد فاتته قراءة القرآن بالليل "يا ابن الخطاب لقد انزل الله تعالى فيك آية وهو الذى الخ مافاتك من النوافل بالليل فاقضه فى نهارك ومافاتك فى النهار فاقضه فى الليل"تفسير : وعلى الثانى جعلهما ذوى اعتقاب يجىء الليل ويذهب النهار ويجىء النهار ويذهب الليل ولم يجعل نهارا لا ليل له وليلا لا نهار له ليعلم الناس عدد السنين والحساب وليكون للانتشار فى المعاش وقت معلوم وللاستقرار والاستراحة وقت معلوم. ففى الآية تذكير لنعمته وتنبيه على كمال حكمته وقدرته {لمن اراد ان يذكر} ان يتذكر آلاء الله ويتفكر فى صنعه فيعلم ان لا بد له من صانع حكيم واجب بالذات رحيم على العباد فالمراد بمن هو الكافر ثم اشار الى المؤمن بقوله {او اراد شكورا} بضم الشين مصدر بمعنى الشكر اى ان يشكر الله بطاعته على ما فيها من النعم فتكون او على حالها ويجوز ان تكون بمعنى الواو فالمعنى جعلناهما خلفة ليكونا وقتين للذاكرين والشاكرين من فاته ورده فى احدهما تداركه فى الآخر ووجه التعبير باو التنبيه على استقلال كل واحد منهما بكونه مطلوبا من الجعل المذكور ولو عطف بالواو لتوهم ان المطلوب مجموع الامرين، قال الامام الراغب الشكر تصور النعمة واظهارها قيل هو مقلوب على الكشر اى الكشف ويضاده الكفر وهو نسيان النعمة وسترها وقيل اصله من عين شكرى اى ممتلئة والشكر على هذا هو الامتلاء من ذكر المنعم عليه والشكر على ثلاثة اضرب شكر بالقلب وهو تصور النعمة وشكر باللسان وهو الثناء على النعمة وشكر بسائر الجوارح وهو مكافأة النعمة بقدر استحقاقها شعر : عطايست هرموى ازو برتنم جه كونه بهر موى شكرى كنم تفسير : اعلم ان الآية الكريمة اشارة الى ان ورد النفل لا يقضى اذا فات لكن على طريق الاستحباب لا على طريق الوجوب وذلك ان دوام الورد سبب لدوام الوارد ودوام الوارد سبب للوصلة ألا ترى ان النهر انما يصل الى البحر بسبب امداد الامطار والثلوج التى فى الجبال فلو انقطع المدد فقد المرام كما قال الصائب شعر : از زاهدان خشك رسايى طمع مدار سيل ضعيف واصل دريا نميشود تفسير : ولذا أكب العباد والسلاك على الاوراد فى الليل والنهار وجعلوها على انفسهم بمنزلة الواجبات ولذا لو فات عنهم ورد الليل قضوه فى النهار ولو فات عنهم ورد النهار قضوه فى الليل يعنى اتوا ببدله مما كان مثلا له حتى لاينقطعوا دون السبيل فمن عرف الطريق الى الله لا يرجع ابدا ولو رجع عذب فى الدارين بما لم يعذب به احد من العالمين فعليك بالورد صباحا ومساء فانه من ديدن السلف الصالحين واياك والغفلة عنه فانها من دأب من بال على اذنه الشيطان من الفاسقين، وعن الشيخ ابى بكر الضرير رضى الله عنه قال كان فى جوارى شاب حسن الوجه يصوم بالنهار ولايفطر ويقوم الليل ولاينام فجاءنى يوما وقال يا استاذ انى نمت عن وردى الليلة فرأيت كأن محرابى قد انشق وكأنى بجوار قد خرجن من المحراب لم ار احسن وجها منهن واذا واحدة فيهن شوهاء اى قبيحة لم ار اقبح منها منظرا فقلت لمن انتن ولمن هذه فقلن نحن لياليك التى مضين وهذه ليلة نومك فلومت فى ليلتك هذه لكانت هذه حظك ثم انشأت الشوهاء تقول شعر : اسأل لمولاك وارددنى الى حالى فانت قبحتنى من بين اشكالى لاترقدّن الليالى ما حييت فان نمت الليالى فهن الدهر امثالى تفسير : فاجابتها جارية من الحسان شعر : نحن الليالى اللواتى كنت تسهرها تتلو القران بترجيع ورنات نحن الحسان اللواتى كنت تخطبنا جوف الظلام بانات وزفرات تفسير : قال ثم شهق شهقة خر ميتا ذكره الامام اليافعى فى روض الرياحين ـ روى ـ ان ابليس ظهر ليحيى ابن زكريا عليهما السلام فرأى عليه معاليق من كل شىء فقال يحيى يا ابليس ما هذه المعاليق التى ارى عليك قال هذه الشهوات التى اصيب بهن ابن آدم قال فهل لى فيها من شىء قال ربما شبعت فثقلناك عن الصلاة والذكر قال يحيى هل غير ذلك قال لا والله قال لله علىّ ان لا املأ بطنى من طعام ابدا قال ابليس ولله على ان لا انصح مسلما ابدا كذا فى آكام المرجان، واحتضر عابد فقال ما تأسفى علىّ دار احزان والخطايا والذنوب وانما تأسفى على ليلة نمتها ويوم افطرته وساعة غفلت فيها عن ذكر الله فمن وجد الفرصة فليسارع وبقية العمر ليس لها ثمن شعر : اى كه بنجاه رفت ودر خوابى مكر اين بنج روز دريابى خواب نوشين بامداد رحيل باز دراد بياده را زسبيل تفسير : [كفته اند ايزد تعالى فلك را آفريد ومدت دوروى دوقسم كردانيد يك قسم ازان شب ديجور نهادكه اندران وقت روى زمين بسان قيرشود وقسم ديكر روز بانور نهادكه روى زمين بسان كافور شود ازروى اشارت ميكويد اى كسانى كه اندر روشنايى روز دولت آرام داريد ايمن مباشيد كه شب محنت بر انرست واى كسانى كه اندر تاريكىء شب محنت بى آرام بوده آيد نوميد مباشيدكه روشنايى روز دولت براثرست] شعر : اى دل صبور باش ومخور غم كه عاقبت اين شام صبح كرددواين شب سحر شود تفسير : نسأل الله سبحانه ان يجعلنا من اهل اليقظة والشهود الواصلين الى مطالعة الجمال فى كل مشهود ونعوذ به من البقاء فى ظلمة الوجود والحرمان من فيض الجود انه رحيم ودود.

الجنابذي

تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱللَّيْلَ} لم يقل وتبارك الّذى جعل اللّيل ولا الّذى جعل اللّيل حتّى يكون تبارك مقدّراً لما ذكرنا من انّ جملة خيرات العوالم منوطة بالبروج بخلاف تعاقب اللّيل والنّهار فانّهما وان كانا موجبين لخيرات العالم لكنّهما آلتان لبروز خيرات البروج فى العالم فكأنّه قال: وهو الّذى جعل اللّيل {وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً} لبروز بركات البروج يعنى جعل كلاًّ منهما بدلاً من الآخر حتّى انّ من فاته امر فى احدهما قضاه فى الآخر، او جعل كلاًّ منهما عقيب الآخر او مخالفاً للآخر فى كيفيّة الضّوء والظّلمة والبرد والحرّ {لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً} يعتى انّهما نعمتان عظيمتان للانسان لانّ جميع مصالح معاشه بل جميع مصالح معاده ومعاشه منوطة بتعاقبهما اذا عمّم اللّيل والنّهار لجميع معانيهما التّنزيليّة والتّأويليّة، لكنّهما نعمتان عظيمتان لمن اراد الآخرة مبتدياً كان ومقلّداً وهو الّذى اراد ان يذّكّر او محقّقاً ومنتهياً وهو الّذى اراد الشّكور فانّ الشّكور عبارة عن رؤية الانعام فى النّعمة والمنعم فى الانعام ويلزمها صرف النّعمة لما خلقت له وليس الاّ فى مقام التّحقيق والخروج عن التّقليد وهذا بمنزلة قوله تعالى: {لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ} اشارةً الى مقام التّحقيق {أية : أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} تفسير : [ق:37] اشارةً الى مقام التّقليد.

اطفيش

تفسير : {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلفَةً} اما اسم بمعنى العوض قال ابن عباس: خلفة خلفا وعوضا يقوم احدهما مقام صاحبه فما فاتك عمله من خير وصلاح في احدهما عملته في الآخر. وجاء رجل إلى عمر رضي الله عنه فقال فاتتني الصلاة الليلة فقال ادرك ما فاتك من ليلتك في نهارك فان الله جعل الليل والنهار خلفة وذلك قول الحسن. واما مصدر للهيئة كالركبة والجلسة على معنى انه يخلف ما فاته في احدهما في الآخر كما مر فيقدر مضاف اي (ذو خلفة) أو على معنى ان كلا منهما يعقب الآخر يأتي خلفه فيقدر مضاف ايضا ويحتمله كلام عمر فكأنه قال: ادرك ما فاتك من ليلك في نهارك فان الله قد جعل لك نهارا يتبع ليلا. وقيل: المراد تخالفهما بياضا وسوادا وهو قول مجاهد. {لِّمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ} يتذكر الله ويتفكر في صنعه ليستدل بذلك على وجود صانع حكيم واجب الوجود لذاته رحيم بالعباد قاله مجاهد. وعن عمر والحسن وابن عباس: لمن اراد ان يتذكر ما فاته من خير وصلاح ونحوه في احدهما فيستدركه في الذي يليه. وقرأ حمزة وحده يذكر بسكون الذال وضم الكاف من ذكر بمعنى تذكر. وقرأ ابي بن كعب {يتذكر}. {أَوْ أَرَادَ شُكُوراً} لنعم ربه التي منها سكونه ليلا وابتغاؤه من فضله نهارا. والمراد اراد العبادة شكرا للنعمة حيث جعلهما يتعاقبان توضيحا لعبادة عباده له عز وجل فمن فاته عمل في الليل استدركه في النهار ومن فاته عمل في النهار استدركه في الليل.

اطفيش

تفسير : {وهُو الَّذى جعلَ الليل والنهار خِلْفةً} ذوى خلفة أو مبالغة، أو هو وصف وهو مصدر للهيئة كجلسة بكسر الجيم بمعنى كل يخلف الآخر بمجيئه بعده، وتبدل الظلمة بالضوء والعكس والزيادة والنقصان، وعمل فى واحد ما فات فى الآخر {لمن أراد أنْ يذكَّر} يعتبر فى الدلائل فيؤمن، فان الليل والنهار من دلائل الله العظام سبحانه وتعالى وعز وجل، وذكر جماعة ان المراد أنهما وقتان لمن تذكَّر ما فاته فى احدهما من العبادة، فيفعله فى الآخر كما روى أن عمر رضى الله عنه أطال صلاة الضحا فيقل له، فقال: تداركت ما فات من وردى وتلا الآية، والظاهر ان ذلك تفسير لها منه رضى الله عنه فيفسر التذكر بالتعبد {أو أراد شُكُوراً} أن يشكر ما فيهما من النعم، وقيل التذكر تدارك ما فات فى أحدهما، والشكر النفل مطلقاً.

الالوسي

تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً } أي ذوي خلفة يخلف كل منهما الآخر بأن يقوم مقامه فيما ينبغي أن يعمل فيه. وروي هذا عن ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير. وقيل: بأن يعقبه ويجيء بعده وهو اسم للحالة من خلف كالركبة والجلسة من ركب وجلس ونصبه على أنه مفعول ثان لجعل أو حال إن كان بمعنى خلق. وجعله بعضهم بمعنى اختلافاً والمراد الاختلاف في الزيادة والنقصان كما قيل أو في السواد والبياض كما روي عن مجاهد أو فيما يعم ذلك وغيره كما هو محتمل؛ وفي «البحر» يقال: بفلان خلفة واختلاف إذا اختلف كثيراً إلى متبرزه. ومن هذا المعنى قول زهير:شعر : بها العِين والآرام يمشين خلفة وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم تفسير : وقول الآخر يصف امرأة تنتقل من منزل في الشتاء إلى منزل في الصيف دأباً:شعر : ولها بالماطرون إذا أكل النمل الذي جمعا خلفة حتى إذا ارتبعت سكنت من جلق بيعا في بيوت وسط دسكرة حولها الزيتون قد ينعا تفسير : انتهى. وجوز عليه أن يكون المراد يذهب كل منهما ويجيء كثيراً. واعتبار المضاف المقدر على حاله وكذا فيما قبله. وفي «القاموس» الخلف والخلفة بالكسر المختلف، وعليه لا حاجة إلى تقدير المضاف، والمعنى جعلهما مختلفين والإفراد لكونه مصدراً في الأصل. {لّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ} أي ليكونا وقتين للمتذكر من فاته ورده من العبادة في أحدهما تداركة في الآخر، وروي هذا عن جماعة من السلف، وروى الطيالسي وابن أبـي حاتم أن عمر رضي الله تعالى عنه أطال صلاة الضحى فقيل له صنعت شيئاً لم تكن تصنعه قال: إنه بقي عليَّ من وردى شيء فأحببت أن أتمه أو قال: أقضيه وتلا هذه الآية. وكأن التذكر مجاز عن أداء ما فات وهو مما يتوقف الأداء عليه، وفي الكلام تقدير كما أشير إليه. ويجوز أن يكون تقدير معنى لا إعراب. {أَوْ أَرَادَ شُكُوراً } أن يشكر الله تعالى بأداء نوع من العبادة لم يكن ورداً له. وفي «مجمع البيان» المعنى لمن أراد النافلة بعد أداء الفريضة، ويجوز أن يكون المعنى لمن أراد أن يتذكر ويتفكر في بدائع صنع الله تعالى فيعلم أنه لا بد لما ذكر من صانع حكيم واجب الذات ذي رحمة على العباد أو أراد أن يشكر الله سبحانه على ما فيهما من النعم وهو وجه حسن يكاد لا يلتفت لغيره لو لم يكن مأثوراً، والظاهر أن اللام على هذا صلة {جَعَلَ } ولما كان ظهور فائدة ذلك لمن أراد التذكر أو أراد الشكر اقتصر عليه، وجوز أن تكون للتعليل و {أَوْ } للتنويع على معنى الاشتمال على / هذين المعنيين أو للتخيير على معنى الاستقلال بكل ولا منع من الاجتماع. وفائدة هذا الأسلوب إفادة الاستقلال ولو ذكر الواو بدلها لتوهم المعية، ولعل في التعبير أولاً بأن والفعل دون المصدر الصريح كما في الشق الثاني مع أنه أخصر إيماء إلى الاعتناء بأمر التذكر فتذكر. وقرأ أبـي بن كعب {أن يَتَذَكَّرُ } وهو أصل ليذكر فابدل التاء ذالا وأدغم. وقرأ النخعي وابن وثاب وزيد بن علي وطلحة وحمزة {أَن يَذَّكَّرَ } مضارع ذكر الثلاثي بمعنى تذكر.

ابن عاشور

تفسير : الاستدلال هذا بما في الليل والنّهار من اختلاف الحال بين ظلمة ونور، وبرد وحر، مما يكون بعضه أليق ببعض الناس من بعض ببعض آخر، وهذا مخالف للاستدلال الذي في قوله {أية : وهو الذي جعل لكم الليل لباساً والنوم سباتاً وجعل النهار نشوراً}تفسير : [الفرقان: 47]، فهذه دلالة أخرى ونعمة أخرى والحِكَم في المخلوقات كثيرة. والقصر هنا قصر حقيقي وليس إضافياً فلذلك لا يراد به الرد على المشركين بخلاف صيغ القصر السابقة من قوله {أية : وهو الذي جعل لكم الليل لباساً} تفسير : [الفرقان: 47] إلى قوله {أية : وكان ربك قديراً}تفسير : [الفرقان: 54]. والخِلفة بكسر الخاء وسكون اللام: اسم لما يَخلف غيره في بعض ما يصلح له. صيغ هذا الاسم على زنة فِعْلة لأنه في الأصل ذو خلفة، أي صاحب حالة خلف فيها غيره ثم شاع استعماله فصار اسماً، قال زهير:شعر : بها العين والآرام يَمشِينَ خِلفَةً وأطلاؤها ينهَضْن من كل مُجْثَم تفسير : أي يمشي سرب ويخلفه سرب آخر ثم يتعاقب هكذا. فالمعنى: جعل الليل خلفة والنهارَ خلفة: أي كلَّ واحد منهما خِلفة عن الآخر، أي فيما يعمل فيها من التدبر في أدلة العقيدة والتعبد والتذكر. واللام في {لمن أراد أن يذكر} لام التعليل وهي متعلقة بــــ{جعل}، فأفاد ذلك أن هذا الجعل نافع من أراد أن يذّكر أو أراد شُكوراً. والتذكر: تفعّل من الذِكر، أي تكلف الذكر. والذكر جاء في القرآن بمعنى التأمل في أدلة الدين، وجاء بمعنى: تذكر فائت أو منسي، ويجمع المعنيين استظهار ما احتجب عن الفكر. والشكور: بضم الشين مصدر مرادف الشكر، والشكر: عرفانُ إحسان المحسن. والمراد به هنا العبادة لأنها شكر لله تعالى. فتفيد الآية معنى: لينظرَ في اختلافهما المتفكر فيعلم أن لا بدّ لانتقالهما من حال إلى حال مؤثر حكيم فيستدل بذلك على توحيد الخالق ويعلم أنه عظيم القدرة فيوقن بأنه لا يستحق غيره الإلهية، وليشكر الشاكر على ما في اختلاف الليل والنهار من نعم عظيمة منها ما ذكر في قوله تعالى: {أية : وهو الذي جعل لكم الليل لباساً والنوم سباتاً وجعل النهار نشوراً}تفسير : [الفرقان: 47] فيكثر الشاكرون على اختلاف أحوالهم ومناسباتهم، وتفيد معنى: ليتداركَ الناسِي ما فاته في الليل بسبب غلبة النوم أو التعب فيقضيَه في النهار أو ما شغله عنه شواغل العمل في النهار فيقضيه بالليل عند التفرغ فلا يرزؤه ذلك ثواب أعماله. روي أن عمر بن الخطاب أطال صلاة الضحى يوماً فقيل له: صنعت شيئاً لم تكن تصنعه؟ فقال: إنه بَقي عليَّ من وردي شيء فأحببت أن أقضيه وتلا قوله تعالى: {وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة} الآية. ولمن أراد أن يتقرب إلى الله شكراً له بصلاة أو صيام فيكون الليل أسعد ببعض ذلك والنهار أسعد ببعض، فهذا مفاد عظيم في إيجاز بديع. وجيء في جانب المتذكرين بقوله {أن يذكر} لدلالة المضارع على التجدد. واقتصر في جانب الشاكرين على المصدر بقوله {أو أراد شكوراً} لأن الشكر يحصل دفعة. ولأجل الاختلاف بين النظمين أعيد فعل {أراد} إذ لا يلتئم عطف {شكوراً} على {أن يذكر}. وقرأ الجمهور {أن يذَّكر} بتشديد الذال مفتوحة، وأصله: يتذكر فأدغمت التاء في الذال لتقاربهما. وقرأ حمزة وخلف {أن يَذْكُر} بسكون الذال وضم الكاف وهو بمعنى المشدّد إلاّ أن المشدّد أشدّ عملاً، وكِلا العملين يستدركان في الليل والنهار.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱللَّيْلَ} (62) - والرَّحمنُ جعلَ الليلَ والنَّهارَ مُتعاقِبَيْنِ يَخْلُفُ أَحدُهُما الآخرَ، وقد دَبَّرَ ذلك لِيتَذَكَّرَ مَنْ شاءَ هذا التَّدبيرَ المُحْكمَ فيتَّعِظَ، ويَعرفَ حِكْمَةَ اللهِ وقُدْرَتَه، فيَشكُرَهُ عَلَى هذه النِّعَمِ الجليلةِ. خِلْفَةً - يَخْلُفُ أحدُهُما الآخرَ ويتعاقَبانِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : عرفنا أن الليل: غياب الشمس عن نصف الكرة الأرضية، والنهار مواجهة الشمس للنصف الآخر، والليل والنهار متعاقبان {خِلْفَةً} الفرقان: 62] يأتي الليل ثم يعقبه النهار، كل منهما خَلْف الآخر، وهذه المسألة واضحة لنا الآن، لكن كيف كانت البداية عندما خلق الله تعالى الخَلْق الأول، فساعتها، هل كانت الشمس مواجهة للأرض أم غائبة عنها؟ إنْ كان الحق سبحانه خلق الشمس مواجهةً للأرض، فالنهار هو الأول، ثم تغيب الشمس، ويأتي الليل ليخلف النهار، أما النهار فلم يُسبق بليْل. وكذلك إنْ كانت الشمس عند الخَلْق غير مواجهة للأرض، فالليل هو الأول، ولا يسبقه نهار، وفي كلتا الحالتين يكون أحدهما ليس خِلْفة للآخر، ونحن نريد أن تصدُقَ الآية على كليْهما. إذن: لا بد أنهما خِلْفة منذ الخَلْق الأول؛ ذلك لأن الأرض - كما عرفنا ولم يَعُدْ لدينا شك في هذه المسألة - كروية، والحق - تبارك وتعالى - حينما خلق الشمس والقمر الخَلق الأول كان المواجه منها للشمس نهاراً، والمواجه منها للقمر ليلاً، ثم تدور حركة الكون، فيخلف أحدهما الآخر منذ البداية. وهذه النظرية لا تستقيم إلا إذا قُلْنا بكروية الأرض، وهذه يؤيدها قوله تعالى: {أية : وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ ..}تفسير : [يس: 40]. والمعنى أيضاً: ولا النهار سابق الليل، لكن ذكر الليلَ؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن الليل خُلِق أولاً، لماذا؟ لأن الزمن عندهم يثبت بليله، كما يحدث مثلاً في الصوم، فهل تصوم أولاً في النهار ثم ترى الهلال بالليل؟ إنما ترى الهلال بالليل أولاً، فكأن رمضان يبدأ يومه بليله. وما دام الأمر كذلك فالليل سابقُ النهار عندهم، وهذه قضية يعتقدونها ومُسلَّمة عندهم، وجاء القرآن وخاطبهم على أساس هذا الاعتقاد: أنتم تعتقدون أن الليلَ سابقُ النهار يعني: النهار لا يسبق الليل، نعم لكن: اعلموا أيضاً أن الليل لا يسبق النهار. إذن: المحصلة: لا الليلُ سابقُ النهار، ولا النهار سابق الليل. ولو قلنا بأن الأرض مسطوحة لَمَا استقام لنا هذا القول. لكن أيّ ليل؟ وأيّ نهار؟ نهاري أنا، أم نهار المقابل لي؟ وكل واحد على مليون من الثانية يولد نهار ويبدأ ليل؛ لأن الشمس حين تغيب عني تشرق على آخرين، والظهر عندي يوافقه عصر أو مغرب أو عشاء عند آخرين. إذن: كل الزمن فيه الزمن، وهذا الاختلاف في المواقيت يعني أن نغمة الأذان (الله أكبر) شائعة في كل الزمن، فالله تعالى معبود بكل وقت وفي كل زمن، فأنت تقول: الله أكبر وغيرك يقول: أشهد أن لا إله إلا الله .. وهكذا. وإنْ كان الحق - تبارك وتعالى - خلق الليل للسُّبات وللراحة، والنهار للسعي والعمل، فهذه الجمهرة العامة لكنها قضية غير ثابتة، حيث يوجد من مصالح الناس ما يتعارض وهذه المسألة، فمن الناس مَنْ تقتضي طبيعة عمله أن يعمل بالليل كالخبازين والحراس والممرضين .. إلخ. فهؤلاء يُسمح لهم بالعمل بالليل والراحة بالنهار، ولو لم يكُنْ لهؤلاء منفذ لقلنا: إن هذا الكلام متناقض مع كونيات الخَلْق؛ لذلك يقول - سبحانه وتعالى - في آية أخرى: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ ..}تفسير : [الروم: 23] فتراعي هذه الآية ظروف هؤلاء الذين يضطرون للعمل ليلاً، وللراحة نهاراً. وقوله تعالى: {لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً} [الفرقان: 62] يعني: يا مَنْ شغله نهار عمله عن ذكر ربه انتهِزْ فرصة الليل، ويا مَنْ شغله نوم الليل عن ذِكْر ربه انتهز فرصة النهار، وذلك كقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل ". تفسير : فمَن فاته شيء في ليله فليتداركه في نهاره، ومَنْ فاته شيء في نهاره فليتداركه في ليله، وإذا كان الله تعالى يبسط يده بالليل ويبسط يده بالنهار، وهما مستمران، فمعنى ذلك أن يده تعالى مبسوطة دائماً. ومعنى {يَذَّكَّرَ ..} [الفرقان: 62] يتمعّن ويتأمل في آيات الله، في الليل وفي النهار، كأنه يريد أن يصطاد لله نعماً يشكره عليها، على خلاف الغافل الذي لا يلتفت إلى شيء من هذا، فمن فضل الله علينا أن يُنبِّهنا إلى هذه النعم، ويلفت نظرنا إليها؛ لأننا أهل غفلة. وقوله: {أَوْ أَرَادَ شُكُوراً} [الفرقان: 62] أي: شكراً، فهي صيغة مبالغة في الشكر.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً} معناه يَجيءُ اللّيلُ بعدَ النَّهارِ، ويجيُ النَّهارُ بعدَ اللّيلِ، يَخلفُ هَذا هذا، ويَخلف هذا هذا. معناه إن فاتكَ عَملُ النَّهارِ فَفَكرتَهُ بالليلِ فَعملتَهُ أجزاكَ. وقال: الخِلفةُ: هي الأبيضُ والأسودُ.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً} [62] 388 - أنا هنادُ بن السَّريِّ في حديثهِ، عن أبي مُعاوية، عن الأعمش، عن شقيقٍ، عن عبد الله قال: حديث : سُئل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: أيُّ الذَّنب أكبرُ؟ قال: "أن تجعل لله نِدّاً وهو خلقك" قُلتُ: ثُم أيٌّ؟ قال: "أن تقتل ولدك أن يطعم معك" قُلتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قال: "أن تُزاني حليلة جارك"تفسير : قال عبد اللهِ: فأنزل اللهُ تصديق ذلك {أية : وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً}تفسير : [الفرقان: 68]. 389 - أنا عمرو بن عليٍّ، نا يحيى، حدثنا سفيانُ، قال: حدثني منصور وسليمان عن أبي وائلٍ، عن أبي ميسرة، عن عبد الله قال:حديث : قلتُ يا رسول اللهِ: أيُّ الذنب أعظمُ؟ قال: "أن تجعل للهِ نِدّاً وهو خلقك" قال: ثم أيٌّ؟ قال: "ثُمَّ أن تقتل ولدك من أجل أن يطعم معك" قلتُ: ثُمَّ ماذا؟ قال: "ثُمَّ أن تُزاني حليلة جارك ". تفسير : 390 - أنا الحسنُ بن محمدٍ، عن حجاجٍ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخبرني القاسم بن أبي بزَّةَ، أنهُ سأل سعيد بن جُبيرٍ: هل لِمن قتل مُؤمناً/ مُتعمداً من توبةٍ؟ قال: لا، فقرأ هذه الآية: {أية : [وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ وَ]لاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ}تفسير : [الفرقان: 68] قال سعيدٌ: قرأتُها على ابن عباسٍ قال: هذه مكِّيَّةٌ، نسختها آيةٌ مدنيةٌ في سورة النساء. 391 - أنا محمد بن المُثنَّى، نا محمدٌ، نا شُعبةُ، عن منصورٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: أمرني عبد الرحمنِ أن أسأل ابن عباسٍ عن هاتين الآيتين {أية : وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ}تفسير : [النساء: 93] فقال: لم ينسخها شيءٌ. وعن هذه الآيةِ {أية : وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ}تفسير : [الفرقان: 68] قال: نزلت في أهل الشِّركِ. 392 - أنا أحمدُ بن سليمان، نا يزيدُ بن هارون، أنا داوُدُ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ قال: أُنزل القرآنُ جُملةً إلى السماء الدُّنيا في ليلة القدر، ثم أُنزل بعد ذلك في عشرين سنةً، قال: {أية : وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِٱلْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً} تفسير : [الفرقان: 33] وقرأ {أية : وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً}تفسير : [الإسراء: 106].

همام الصنعاني

تفسير : 2097- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الحسن، في قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً}: [الآية: 62]، قال: جعل أحدَهما خلفاً للآخر، إن فات رجلاً من النهار شيءٌ أدركه من الليل، وإن فاته من الليل شيءٌ أدركه من النَّهَار. 2098- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالِم، عن أبيهِ، أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا حَسَدَ إلاَّ عَلَى اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فهو ينفق منه آنتاء الليل وآناء النهار، ورجُلٌ آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النَّهَارِ ".