٢٥ - ٱلْفُرْقَان
25 - Al-Furqan (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
63
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن قوله: {وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ } مبتدأ خبره في آخر السورة كأنه قيل وعباد الرحمن الذين هذه صفاتهم أولئك يجزون الغرفة، ويجوز أن يكون خبره {ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ }، واعلم أنه سبحانه خص اسم العبودية بالمشتغلين بالعبودية، فدل ذلك على أن هذه الصفة من أشرف صفات المخلوقات، وقرىء {وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ } واعلم أنه سبحانه وصفهم بتسعة أنواع من الصفات: الصفة الأولى: قوله: {ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً } وهذا وصف سيرتهم بالنهار وقرىء {يَمْشُونَ } {هَوْناً } حال أو صفة للمشي بمعنى هينين أو بمعنى مشياً هيناً، إلا أن في وضع المصدر موضع الصفة مبالغة، والهون الرفق واللين ومنه الحديث « حديث : أحبب حبيبك هوناً ما » تفسير : وقوله: « حديث : المؤمنون هينون لينون » تفسير : والمعنى أن مشيهم يكون في لين وسكينة ووقار وتواضع، ولا يضربون بأقدامهم (ولا يخفقون بنعالهم) أشراً وبطراً، ولا يتبخترون لأجل الخيلاء كما قال: { أية : وَلاَ تَمْشِ فِى ٱلأَرْضِ مَرَحًا } تفسير : [الإسراء: 37] وعن زيد بن أسلم التمست تفسير {هَوْناً } فلم أجد، فرأيت في النوم فقيل لي هم الذين لا يريدون الفساد في الأرض، وعن ابن زيد لا يتكبرون ولا يتجبرون ولا يريدون علواً في الأرض. الصفة الثانية: قوله تعالى: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَـٰهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً } معناه لا نجاهلكم ولا خير بيننا ولا شر أي نسلم منكم تسليماً، فأقيم السلام مقام التسليم، ثم يحتمل أن يكون مرادهم طلب السلامة والسكوت، ويحتمل أن يكون المراد التنبيه على سوء طريقتهم لكي يمتنعوا، ويحتمل أن يكون مرادهم العدول عن طريق المعاملة، ويحتمل أن يكون المراد إظهار الحلم في مقابلة الجهل، قال الأصم: {قَالُواْ سَلاَماً } أي سلام توديع لا تحية، كقول إبراهيم لأبيه: { أية : سَلَـٰمٌ عَلَيْكَ } تفسير : [مريم: 47] ثم قال الكلبي وأبو العالية نسختها آية القتال ولا حاجة إلى ذلك لأن الإغضاء عن السفهاء وترك المقابلة مستحسن في العقل والشرع وسبب لسلامة العرض والورع. الصفة الثالثة: قوله: {وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبّهِمْ سُجَّداً وَقِيَـٰماً } واعلم أنه تعالى لما ذكر سيرتهم في النهار من وجهين: أحدهما: ترك الإيذاء، وهو المراد من قوله: {يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً } والآخر تحمل التأذي، وهو المراد من قوله: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَـٰهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً } فكأنه شرح سيرتهم مع الخلق في النهار، فبين في هذه الآيات سيرتهم في الليالي عند الاشتغال بخدمة الخالق وهو كقوله: { أية : تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ } تفسير : [السجدة: 16] ثم قال الزجاج: كل من أدركه الليل قيل بات وإن لم ينم كما يقال بات فلان قلقاً، ومعنى {يِبِيتُونَ لِرَبّهِمْ } أن يكونوا في لياليهم مصلين، ثم اختلفوا فقال بعضهم: من قرأ شيئاً من القرآن في صلاة وإن قل، فقد بات ساجداً وقائماً، وقيل ركعتين بعد المغرب وأربعاً بعد العشاء الأخيرة، والأولى أنه وصف لهم بإحياء الليل أو أكثره يقال فلان يظل صائماً ويبيت قائماً، قال الحسن يبيتون لله على أقدامهم ويفرشون له وجوههم تجري دموعهم على خدودهم خوفاً من ربهم. الصفة الرابعة: قوله: {وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً } قال ابن عباس رضي الله عنهما يقولون في سجودهم وقيامهم هذا القول، وقال الحسن خشعوا بالنهار وتعبوا بالليل فرقاً من عذاب جهنم، وقوله: {غَرَاماً } أي هلاكاً وخسراناً ملحاً لازماً، ومنه الغريم لإلحاحه وإلزامه، ويقال فلان مغرم بالنساء إذا كان مولعاً بهن، وسأل نافع بن الأزرق ابن عباس عن الغرام فقال هو الموجع، وعن محمد بن كعب في {غَرَاماً } أنه سأل الكفار ثمن نعمه فما أدوها إليه فأغرمهم فأدخلهم النار، واعلم أنه تعالى وصفهم بإحياء الليل ساجدين وقائمين، ثم عقبه بذكر دعوتهم هذه إيذاناً بأنهم مع اجتهادهم خائفون مبتهلون إلى الله في صرف العذاب عنهم كقوله: { أية : وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } تفسير : [المؤمنون: 60]. أما قوله تعالى: {إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً } فقوله: {سَاءتْ } في حكم بئست وفيها ضمير مبهم تفسيره (مستقراً)، والمخصوص بالذم محذوف معناه ساءت مستقراً ومقاماً هي (وهذا الضمير هو الذي ربط الجملة باسم إن وجعلها خبراً، لها، ويجوز أن يكون ساءت بمعنى أحزنت، وفيها ضمير اسم إن) ومستقراً حال أو تمييز، فإن قيل دلت الآية على أنهم سألوا الله تعالى أن يصرف عنهم عذاب جهنم لعلتين: إحداهما أن عذابها كان غراماً، وثانيهما: أنها ساءت مستقراً ومقاماً، فما الفرق بين الوجهين؟ وأيضاً فما الفرق بين المستقر والمقام؟ قلنا المتكلمون ذكروا أن عقاب الكافر يجب أن يكون مضرة خالصة عن شوائب النفع دائمة، فقوله: {إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً } إشارة إلى كونه مضرة خالصة عن شوائب النفع، وقوله: {إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً } إشارة إلى كونها دائمة، ولا شك في المغايرة، أما الفرق بين المستقر والمقام فيحتمل أن يكون المستقر للعصاة من أهل الإيمان فإنهم يستقرون في النار ولا يقيمون فيها، وأما الإقامة فللكفار، واعلم أن قوله: {إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً } يمكن أن يكون من كلام الله تعالى ويمكن أن يكون حكاية لقولهم. الصفة الخامسة: قوله: {وَٱلَّذِينَ إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً } قرىء {يَقْتُرُواْ } بكسر التاء وضمها ويقتروا بضم الياء وتخفيف القاف وكسر التاء وأيضاً بضم الباء وفتح القاف وكسر التاء وتشديدها وكلها لغات. والقتر والإقتار والتقتير التضييق الذي هو نقيض الإسراف، والإسراف مجاوزة الحد في النفقة. وذكر المفسرون في الإسراف والتقتير وجوهاً: أحدها: وهو الأقوى أنه تعالى وصفهم بالقصد الذي هو بين الغلو والتقصير وبمثله أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله: { أية : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ } تفسير : [الإسراء: 29] وعن وهيب بن الورد قال لعالم: ما البناء الذي لا سرف فيه؟ قال: ما سترك عن الشمس وأكنك من المطر، فقال له فما الطعام الذي لا سرف فيه؟ قال ما سد الجوعة، فقال له في اللباس، قال ما ستر عورتك ووقاك من البرد، وروي أن رجلاً صنع طعاماً في إملاك فأرسل إلى الرسول عليه السلام فقال: « حديث : حق فأجيبوا » تفسير : ثم صنع الثانية فأرسل إليه فقال: « حديث : حق فمن شاء فليجب وإلا فليقعد » تفسير : ثم صنع الثالثة فأرسل إليه فقال: « حديث : رياء ولا خير فيه » تفسير : وثانيها: وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك أن الإسراف الإنفاق في معصية الله تعالى، والإقتار منع حق الله تعالى، قال مجاهد: لو أنفق رجل مثل أبي قبيس ذهباً في طاعة الله تعالى لم يكن سرفاً ولو أنفق صاعاً في معصية الله تعالى كان سرفاً، وقال الحسن لم ينفقوا في معاصي الله ولم يمسكوا عما ينبغي، وذلك قد يكون في الإمساك عن حق الله، وهو أقبح التقتير، وقد يكون عما لا يجب، ولكن يكون مندوباً مثل الرجل الغني الكثير المال إذا منع الفقراء من أقاربه وثالثها: المراد بالسرف مجاوزة الحد في التنعم والتوسع في الدنيا، وإن كان من حلال، فإن ذلك مكروه لأنه يؤدي إلى الخيلاء، والإقتار هو التضييق فالأكل فوق الشبع بحيث يمنع النفس عن العبادة سرف وإن أكل بقدر الحاجة فذاك إقتار، وهذه الصفة صفة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا لا يأكلون طعاماً للتنعم واللذة، ولا يلبسون ثوباً للجمال والزينة، ولكن كانوا يأكلون ما يسد جوعهم ويعينهم على عبادة ربهم، ويلبسون ما يستر عوراتهم ويصونهم من الحر والبرد، وههنا مسألتان: المسألة الأولى: القوام قال ثعلب: القوام بالفتح العدل والاستقامة، وبالكسر ما يدوم عليه الأمر ويستقر، قال صاحب «الكشاف»: القوام العدل بين الشيئين لاستقامة الطرفين واعتدالهما، ونظير القوام من الاستقامة السواء من الاستواء، وقرىء {قَوَاماً } بالكسر وهو ما يقام به الشيء، يقال أنت قوامنا، يعني ما يقام به الحاجة لا يفضل عنه ولا ينقص. المسألة الثانية: المنصوبان أعني {بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً } جائز أن يكونا خبرين معاً، وأن يجعل بين ذلك لغواً وقواماً مستقراً، وأن يكون الظرف خبراً وقواماً حالاً مؤكدة، قال الفراء: وإن شئت جعلت {بَيْنَ ذٰلِكَ } اسم كان، كما تقول كان دون هذا كافياً، تريد أقل من ذلك، فيكون معنى {بَيْنَ ذٰلِكَ }، أي كان الوسط من ذلك قواماً، أي عدلاً، وهذا التأويل ضعيف، لأن القوام هو الوسط فيصير التأويل، وكان الوسط وسطاً وهذا لغو.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً} لما ذكر جهالات المشركين وطعنهم في القرآن والنبوة ذكر عباده المؤمنين أيضاً وذكر صفاتهم، وأضافهم إلى عبوديته تشريفاً لهم، كما قال: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ}تفسير : [الإسراء: 1] وقد تقدّم. فمن أطاع الله وعبده وشغل سمعه وبصره ولسانه وقلبه بما أمره فهو الذي يستحق اسم العبودية، ومن كان بعكس هذا شمله قوله تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} تفسير : [الأعراف: 179] يعني في عدم الاعتبار؛ كما تقدّم في «الأعراف». وكأنه قال: وعباد الرحمن هم الذين يمشون على الأرض، فحذف هم؛ كقولك: زيد الأمير، أي زيد هو الأمير. فـ{ـالَّذِينَ} خبر مبتدأ محذوف؛ قاله الأخفش. وقيل: الخبر قوله في آخر السورة: {أُوْلَـٰئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ} وما بين المبتدأ والخبر أوصاف لهم وما تعلق بها؛ قاله الزجاج. قال: ويجوز أن يكون الخبر {ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ}. و{يَمْشُونَ} عبارة عن عيشهم ومدة حياتهم وتصرفاتهم، فذكر من ذلك العظم، لا سيما وفي ذلك الانتقال في الأرض؛ وهو معاشرة الناس وخلطتهم. قوله تعالى: {هَوْناً} الهون مصدر الهيِّن وهو من السكينة والوقار. وفي «التفسير»: يمشون على الأرض حلماء متواضعين، يمشون في اقتصاد. والقصد والتؤدة وحسن السَّمْت من أخلاق النبوة. وقال صلى الله عليه وسلم:«حديث : أيها الناس عليكم بالسكينة فإن البر ليس في الإيضاع»تفسير : وروي في صفته صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا زال زال تقلعاً، ويخطو تكفؤاً، ويمشي هوناً، ذرِيع المِشية إذا مشى كأنما ينحط من صَبَب. التقلع، رفع الرجل بقوّة والتكفؤ: الميل إلى سنن المشي وقصده. والهون الرفق والوقار. والذريع الواسع الخطا؛ أي أن مشيه كان يرفع فيه رجله بسرعة ويمد خطوه؛ خلاف مِشية المختال، ويقصد سمته؛ وكل ذلك برفق وتثبت بدون عجلة. كما قال: كأنما ينحط من صَبَب؛ قاله القاضي عِياض. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسرع جِبلة لا تكلفاً. قال الزهريّ: سرعة المشي تذهب بهاء الوجه. قال ابن عطية: يريد الإسراع الحثيث لأنه يخل بالوقار؛ والخير في التوسط. وقال زيد بن أسلم: كنت أسأل عن تفسير قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً} فما وجدت من ذلك شفاء، فرأيت في المنام من جاءني فقال لي: هم الذين لا يريدون أن يفسدوا في الأرض. قال القُشَيريّ: وقيل لا يمشون لإفساد ومعصية، بل في طاعة الله والأمورِ المباحة من غير هوك. وقد قال الله تعالى: {أية : وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}تفسير : [لقمان: 18]. وقال ابن عباس: بالطاعة والمعروف والتواضع. الحسن؛ حلماء إن جهل عليهم لم يجهلوا. وقيل: لا يتكبرون على الناس. قلت: وهذه كلها معانٍ متقاربة، ويجمعها العلم بالله والخوف منه، والمعرفة بأحكامه والخشية من عذابه وعقابه؛ جعلنا الله منهم بفضله ومنّه. وذهبت فرقة إلى أن {هَوْناً} مرتبط بقوله: {يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ} أن المشي هو هون. قال ابن عطية: ويشبه أن يتأول هذا على أن تكون أخلاق ذلك الماشي هوناً مناسبة لمشيه، فيرجع القول إلى نحو ما بيناه. وأما أن يكون المراد صفة المشي وحده فباطل؛ لأنه رب ماش هوناً رويداً وهو ذئب أطلس. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكفأ في مشيه كأنما ينحط في صبب. وهو عليه الصلاة والسلام الصدر في هذه الأمة. وقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : من مشى منكم في طمع فليمش رويداً»تفسير : إنما أراد في عقد نفسه، ولم يرد المشي وحده. ألا ترى أن المبطلين المتحلين بالدّين تمسكوا بصورة المشي فقط؛ حتى قال فيهم الشاعر ذمًّا لهم:شعر : كلُّهم يمشِي رُوَيْد كلُّهم يَطْلُبُ صَيْد تفسير : قلت: وفي عكسه أنشد ابن العربيّ لنفسه:شعر : تواضعتُ في العلياء والأصل كابر وحزتُ قصابَ السبق بالهَوْن في الأمر سكونٌ فلا خبث السريرة أصله وجلّ سكون الناس من عظم الكبر تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً} قال النحاس: ليس {سَلاَماً} من التسليم إنما هو من التسلُّم؛ تقول العرب: سلاماً، أي تَسلُّما منك، أي براءة منك. منصوب على أحد أمرين: يجوز أن يكون منصوباً بـ{ـقَالُوا}، ويجوز أن يكون مصدراً؛ وهذا قول سيبويه. قال ابن عطية: والذي أقوله: أن {قَالُوا} هو العامل في {سَلاَماً} لأن المعنى قالوا هذا اللفظ. وقال مجاهد: معنى {سَلاَماً} سَدَاداً. أي يقول للجاهل كلاماً يدفعه به برفق ولين. فـ{ـقَالُوا} على هذا التأويل عامل في قوله: {سَلاَماً} على طريقة النحويين؛ وذلك أنه بمعنى قولاً. وقالت فرقة: ينبغي للمخاطب أن يقول للجاهل سلاماً؛ بهذا اللفظ. أي سلمنا سلاماً أو تسليماً، ونحو هذا؛ فيكون العامل فيه فعلاً من لفظه على طريقة النحويين. مسألة: هذه الآية كانت قبل آية السيف، نسخ منها ما يخص الكفرة وبقي أدبها في المسلمين إلى يوم القيامة. وذكر سيبويه النسخ في هذه الآية في كتابه، وما تكلم فيه على نسخ سواه؛ رجح به أن المراد السلامة لا التسليم؛ لأن المؤمنين لم يؤمروا قط بالسلام على الكفرة. والآية مكية فنسختها آية السيف. قال النحاس: ولا نعلم لسيبويه كلاماً في معنى الناسخ والمنسوخ إلا في هذه الآية. قال سيبويه: لم يؤمر المسلمون يومئذٍ أن يسلّموا على المشركين لكنه على معنى قوله: تَسلُّماً منكم، ولا خير ولا شر بيننا وبينكم. المبرد: كان ينبغي أن يقال: لم يؤمر المسلمون يومئذٍ بحربهم ثم أمِروا بحربهم. محمد بن يزيد: أخطأ سيبويه في هذا وأساء العبارة. ابن العربيّ: لم يؤمر المسلمون يومئذٍ أن يسلّموا على المشركين ولا نُهوا عن ذلك، بل أمروا بالصفح والهجر الجميل، وقد كان عليه الصلاة والسلام يقف على أنديتهم ويحييهم ويدانيهم، ولا يداهنهم. وقد اتفق الناس على أن السفيه من المؤمنين إذا جفاك يجوز أن تقول له سلام عليك. قلت: هذا القول أشبه بدلائل السنة. وقد بيّنا في سورة «مريم» اختلاف العلماء في جواز التسليم على الكفار، فلا حاجة إلى دعوى النسخ؛ والله أعلم. وقد ذكر النضر بن شميل قال حدثني الخليل قال: أتيت أبا ربيعة الأعرابيّ وكان من أعلم من رأيت، فإذا هو على سطح، فلما سلمنا ردّ علينا السلام وقال لنا: استووا. وبقينا متحيرين ولم ندر ما قال. فقال لنا أعرابيّ إلى جنبه: أمركم أن ترتفعوا. قال الخليل: هو من قول الله عز وجل: {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ} تفسير : [فصلت: 11] فصعدنا إليه فقال: هل لكم في خبز فطير، ولبن هجير، وماء نمير؟ فقلنا: الساعة فارقناه. فقال سلاماً. فلم ندر ما قال. قال فقال الأعرابيّ: إنه سألكم متاركة لا خير فيها ولا شر. فقال الخليل: هو من قول الله عز وجل: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً}.قال ابن عطية: ورأيت في بعض التواريخ أن إبراهيم بن المهديّ ـ وكان من المائلين على عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه ـ قال يوماً بحضرة المأمون وعنده جماعة: كنت أرى عليّ بن أبي طالب في النوم فكنت أقول له من أنت؟ فكان يقول: عليّ بن أبي طالب. فكنت أجيء معه إلى قنطرة فيذهب فيتقدمني في عبورها. فكنت أقول: إنما تدعي هذا الأمر بامرأة ونحن أحق به منك. فما رأيت له في الجواب بلاغة كما يذكر عنه. قال المأمون: وبماذا جاوبك؟ قال: فكان يقول لي سلاماً. قال الراوي: فكأن إبراهيم بن المهديّ لا يحفظ الآية أو ذهبت عنه في ذلك الوقت. فنبه المأمون على الآية من حضره وقال: هو والله يا عم عليّ بن أبي طالب، وقد جاوبك بأبلغ جواب، فخزي إبراهيم واستحيا. وكانت رؤيا لا محالة صحيحة.
ابن كثير
تفسير : هذه صفات عباد الله المؤمنين {ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً} أي: بسكينة ووقار، من غير جبرية ولا استكبار؛ كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَمْشِ فِى ٱلأَرْضِ مَرَحًا} تفسير : [الإسراء: 37] الآية، فأما هؤلاء، فإنهم يمشون من غير استكبار ولا مرح، ولا أشر ولا بطر، وليس المراد أنهم يمشون كالمرضى تصنعاً ورياء، فقد كان سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وكأنما الأرض تطوى له، وقد كره بعض السلف المشي بتضعف وتصنع، حتى روي عن عمر: أنه رأى شاباً يمشي رويداً، فقال: ما بالك، أأنت مريض؟ قال: لا يا أمير المؤمنين فعلاه بالدرة وأمره أن يمشي بقوة، وإنما المراد بالهون هنا السكينة والوقار، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إذا أتيتم الصلاة، فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم منها فصلوا، وما فاتكم فأتموا».تفسير : وقال عبد الله بن المبارك عن معمر عن يحيى بن المختار عن الحسن البصري في قوله: {وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ} الآية، قال: إن المؤمنين قوم ذلل، ذلت منهم ــــ والله ــــ الأسماع والأبصار والجوارح، حتى تحسبهم مرضى، وما بالقوم من مرض، وإنهم والله أصحاء، ولكنهم دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم، ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة، فقالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، أما والله ما أحزنهم ما أحزن الناس، ولا تعاظم في نفوسهم شيء طلبوا به الجنة، ولكن أبكاهم الخوف من النار، إنه من لم يتعز بعزاء الله، تَقَطَّع نفسه على الدنيا حسرات، ومن لم ير لله نعمةً إلا في مطعم أو مشرب، فقد قل علمه، وحضر عذابه. وقوله تعالى: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَـٰهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً} أي: إذا سفه عليهم الجهال بالقول السيــــىء لم يقابلوهم عليه بمثله، بل يعفون ويصفحون، ولا يقولون إلا خيراً؛ كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تزيده شدة الجاهل عليه إلا حلماً، وكما قال تعالى: {أية : وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ} تفسير : [القصص: 55] الآية. وروى الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا أبو بكر عن الأعمش عن أبي خالد الوالبي، عن النعمان بن مقرن المزني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وسب رجل رجلاً عنده، فجعل، قال: المسبوب يقول: عليك السلام، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أما إن ملكاً بينكما يذب عنك، كلما شتمك هذا، قال له: بل أنت، وأنت أحق به، وإذا قلت له: وعليك السلام، قال: لا، بل عليك، وأنت أحق به»تفسير : . إسناده حسن، ولم يخرجوه. وقال مجاهد: {قَالُواْ سَلَـٰماً} يعني: قالوا سداداً. وقال سعيد بن جبير: ردوا معروفاً من القول. وقال الحسن البصري: {قَالُواْ سَلَـٰماً}: حلماء لا يجهلون، إن جهل عليهم، حلموا، يصاحبون عباد الله نهارهم بما يسمعون، ثم ذكر أن ليلهم خير ليل، فقال تعالى: {وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَـٰماً} أي: في طاعته وعبادته؛ كما قال تعالى: {أية : كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱلَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِٱلأَسْحَـٰرِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } تفسير : [الذاريات: 18] وقوله: {أية : تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ} تفسير : [السجدة: 16] الآية، وقال تعالى: {أية : أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ سَـٰجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ ٱلأَخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ} تفسير : [الزمر: 9] الآية، ولهذا قال تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً} أي: ملازماً دائماً، كما قال الشاعر:شعر : إِنْ يُعَذِّبْ يَكُنْ غَراماً، وإِنْ يُعْ طِ جَزيلاً، فإنَّهُ لا يُبالي تفسير : ولهذا قال الحسن في قوله: {إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً} كل شيء يصيب ابن آدم، ويزول عنه، فليس بغرام، وإنما الغرام الملازم ما دامت السموات والأرض، وكذا قال سليمان التيمي. وقال محمد بن كعب: {إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً} يعني: ما نعموا في الدنيا، إن الله تعالى سأل الكفار عن النعمة، فلم يردوها إليه، فأغرمهم، فأدخلهم النار، {إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً} أي: بئس المنزل منظراً، وبئس المقيل مقاماً، وقال ابن أبي حاتم عند قوله {إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً}: حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا أبو الأحوص عن الأعمش عن مالك بن الحارث قال: إذا طرح الرجل في النار، هوى فيها، فإذا انتهى إلى بعض أبوابها، قيل له: مكانك حتى تتحف، قال: فيسقى كأساً من سم الأساود والعقارب، قال: فيميز الجلد على حدة، والشعر على حدة، والعصب على حدة، والعروق على حدة. وقال أيضاً: حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا أبو الأحوص عن الأعمش عن مجاهد، عن عبيد بن عمير قال: إن في النار لجباباً فيها حيات أمثال البخت، وعقارب أمثال البغال الدهم، فإذا قذف بهم في النار، خرجت إليهم من أوطانها، فأخذت بشفاههم وأبشارهم وأشعارهم، فكشطت لحومهم إلى أقدامهم، فإذا وجدت حر النار، رجعت. وقال الإمام أحمد: حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا سلام، يعني: ابن مسكين، عن أبي ظلال عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن عبداً في جهنم لينادي ألف سنة: يا حنان يا منان، فيقول الله عز وجل لجبريل: اذهب فأتني بعبدي هذا، فينطلق جبريل، فيجد أهل النار مكبين يبكون، فيرجع إلى ربه عز وجل فيخبره، فيقول الله عز وجل: ائتني به، فإنه في مكان كذا وكذا، فيجيء به، فيوقفه على ربه عز وجل، فيقول له: يا عبدي كيف وجدت مكانك ومقيلك؟ فيقول: يا رب شر مكان، وشر مقيل، فيقول الله عز وجل: ردوا عبدي، فيقول: يا رب ما كنت أرجو إذ أخرجتني منها أن تردني فيها، فيقول الله عز وجل، دعوا عبدي».تفسير : وقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ} الآية، أي: ليسوا بمبذرين في إنفاقهم، فيصرفون فوق الحاجة، ولا بخلاء على أهليهم، فيقصرون في حقهم، فلا يكفونهم، بل عدلاً خياراً، وخير الأمور أوسطها، لا هذا ولا هذا، {وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} كما قال تعالى: {أية : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ} تفسير : [الإسراء: 29] الآية، وقال الإمام أحمد: حدثنا عصام بن خالد، حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني، عن ضمرة عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من فقه الرجل رفقه في معيشته»تفسير : . ولم يخرجوه. وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا أبو عبيدة الحداد، حدثنا سكين بن عبد العزيز العبدي، حدثنا إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ما عال من اقتصد».تفسير : لم يخرجوه وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أحمد بن يحيى، حدثنا إبراهيم بن محمد بن ميمون، حدثنا سعيد بن حكيم عن مسلم بن حبيب عن بلال ــــ يعني: العبسي ــــ عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ما أحسن القصد في الغنى وأحسن القصد في الفقر وأحسن القصد في العبادة» تفسير : ثم قال: لا نعرفه يروى إلا من حديث حذيفة رضي الله عنه. وقال الحسن البصري: ليس في النفقة في سبيل الله سرف. وقال إياس بن معاوية: ما جاوزت به أمر الله تعالى، فهو سرف. وقال غيره: السرف: النفقة في معصية الله عز وجل.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَٰنِ } مبتدأ، وما بعده صفات له إلى «أولئك يجزون» غير المعترض فيه {ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً } أي بسكينة وتواضع {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَٰهِلُونَ } بما يكرهونه {قَالُواْ سَلَـٱماً } أي قولاً يسلمون فيه من الإثم.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً} فيه أربعة أقاويل: أحدها: علماء وكلماء، قاله ابن عباس. الثاني: أعفاء أتقياء، قاله الضحاك. الثالث: بالسكينة والوقار، قاله مجاهد. الرابع: متواضعين لا يتكبرون، قاله ابن زيد. {وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً} الجاهلون فيهم قولان: أحدهما: أنهم الكفار. الثاني: السفهاء. {قَالُواْ سَلاَماً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: قالوا سداداً، قاله مجاهد لأنه قول سليم. الثاني: قالوا وعليك السلام، قاله الضحاك. الثالث: أنه طلب المسالمة، قاله ابن بحر. قوله تعالى: {إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً} فيه أربعة أوجه: أحدها: لازماً، قاله ابن عيسى، ومنه الغريم لملازمته وأنشد الأعشى: شعر : إن يعاقب يكن غَراماً وإن يعـــــ ـــطر جزيلاً فإنه لا يبالي تفسير : الثاني: شديداً، قاله ابن شجرة، ومنه سميت شدة المحنة غراماً قال بشر بن أبي خازم: شعر : ويوم الجفار ويوم النسا ر، كانا عذاباً، وكان غراما تفسير : الثالث: ثقيلاً، قاله قطرب، ومنه قوله تعالى: {أية : فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ} تفسير : [القلم: 46]. الرابع: أنهم أغرموا بالنعيم في الدنيا عذاب النار، قال محمد بن كعب: إن الله سأل الكفار عن فأغرمهم فأدخلهم جهنم. قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ} فيه أربعة أوجه: أحدها: لم ينفقواْ في معصية الله، والإِسراف النفقة في المعاصي، قاله ابن عباس. الثاني: لم ينفقوا كثيراً فيقول الناس قد أسرفوا، قاله إبراهيم. الثالث: لا يأكلون طعاماً يريدون به نعيماً ولا يلبسون ثوباً يريدون به جمالاً، قاله يزيد بن أبي حبيب، قال: هؤلاء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانت قلوبهم على قلب رجل واحد. الرابع: لم ينفقوا نفقة في غير حقها فإن النفقة في غير حقها إسراف، قاله ابن سيرين. {وَلَمْ يَقْتُرُواْ} فيه أربعة أوجه: أحدها: لم يمنعوا حقوق الله فإن منع حقوق الله إقتار، قاله ابن عباس. الثاني: لا يعريهم ولا يجيعهم،قاله إبراهيم. الثالث: لم يمسكوا عن طاعة الله، قاله ابن زيد. الرابع: لم يقصروا في الحق، قاله الأعمش. روى معاذ بن جبل قال: لما نزلت هذه الآية سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النفقة في الإسراف والإقتار ما هو، فقال: من منع من حق فقد قتر، ومن أعطى في غير حق فقد أسرف. {وَكَانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوَامَاً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يعني عدلاً، قاله الأعمش. الثاني: أن القوام: أن يخرجوا في الله شطر أموالهم، قاله وهب. الثالث: أن القوام: أن ينفق في طاعة الله ويكف عن محارم الله. ويحتمل رابعاً: أن القوام ما لم يمسك فيه عزيز ولم يقدم فيه على خطر، والفرق بين القَوام بالفتح والقِوام بالكسر، ما قاله ثعلب: أنه بالفتح الاستقامة والعدل، وبالكسر ما يدوم عليه الأمر ويستقر.
ابن عبد السلام
تفسير : {هَوْناً} علماء حلماء "ع"، أو أعفاء أتقياء، أو بالسكينة والوقار، أو متواضعين غير متكبرين {الْجَاهِلُونَ} الكفار، أو السفهاء، {سَلاماً} سداداً، أو طلباً للمسالمة، أو وعليك السلام.
النسفي
تفسير : {وعباد الرّحمن} مبتدأ خبره {الذين يمشون} أو أولئك يجزون {والذين يمشون} وما بعدهما صفة والإضافة إلى الرحمن للتخصيص والتفضيل. وصف أولياءه بعدما وصف أعداءه {على الأرض هوناً} حال أو صفة للمشي أي هينين أو مشياً هيناً. والهون الرفق واللين أي يمشون بسكينة ووقار وتواضع دون مرح واختيال وتكبر فلا يضربون بأقدامهم ولا يخفقون بنعالهم أشراً وبطراً ولذا كره بعض العلماء الركوب في الأسواق ولقوله: {أية : ويمشون في الأسواق}تفسير : {وإذا خاطبهم الجاهلون} أي السفهاء بما يكرهون {قالوا سلاماً} سداداً من القول يسلمون فيه من الإيذاء والإفك أو تسلماً منكم نتارككم ولا نجاهلكم فأقيم السلام مقام التسلم. وقيل: نسختها آية القتال. ولا حاجة إلى ذلك فالإغضاء عن السفهاء مستحسن شرعاً ومروءة. هذا وصف نهارهم ثم وصف ليلهم بقوله {والذين يبيتون لربّهم سجّداً} جمع ساجد {وقياماً} جمع قائم والبيتوتة خلاف الظلول وهي أن يدركك الليل نمت أو لم تنم. وقالوا: من قرأ شيئاً من القرآن في صلاة وإن قل فقد بات ساجداً وقائماً. وقيل: هما الركعتان بعد المغرب والركعتان بعد العشاء. والظاهر أنه وصف لهم بإحياء الليل أو أكثره {والذين يقولون ربّنا اصرف عنّا عذاب جهنّمّ إنّ عذابها كان غراماً} هلاكاً لازماً ومنه الغريم لملازمته. وصفهم بإحياء الليل ساجدين قائمين ثم عقبه بذكر دعوتهم هذه إيذاناً بأنهم مع اجتهادهم خائفون مبتهلون متضرعون إلى الله في صرف العذاب عنهم
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ} {عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ} رفع بالابتداء، وفي خبره وجهان: أحدهما: الجملة الأخيرة في آخر السورة {أية : أُولَئِكَ يُجْزَونَ} تفسير : [الفرقان: 75]، وبه بدأ الزمخشري و"الَّذِينَ يَمْشُونَ" وما بعده صفات للمبتدأ. والثاني: أن الخبر "يَمْشُونَ". والعامة على "عِبَادِ"، [واليمانيّ بضم العين وتشديد الباء جمع عابد، والحسن "عُبُد" بضمتين. والعامة "يَمْشُون" بالتخفيف مبنياً للفاعل]، واليماني والسلمي بالتشديد مبنياً للمفعول. فصل هذه الإضافة للتخصيص والتفضيل وإلا فالخلق كلهم عباد الله. قوله: "هَوْناً" إما نعت مصدر، أي: مشياً هوناً، وأما حال أي: هَيِّنينَ، والهون: اللين والرفق، أي يمشون بالسكينة والوقار متواضعين، ولا يضربون بأقدامهم أشراً وبطراً ولا يتبخترون خيلاء. وقال الحسن: علماء حكماء. وقال محمد ابن الحنفية: أصحاب وقار وعفّة لا يسفهون وإن سفه عليهم حلموا {وإذا خاطبهم الجاهلون} يعني السفهاء بما يكرهونه "قَالُوا سَلاَماً". قال مقاتل: قولاً يسلمون فيه من الإثم. وقيل: المعنى: لا نجاهلكم. وقيل: المراد حلمهم في مقابلة الجهل. وقال الأصم: "قَالُوا سَلاَماً" أي: سلام توديع لا محبة، كقول إبراهيم - عليه السلام - لأبيه: {أية : سَلاَمٌ عَلَيْكَ} تفسير : [مريم: 47]. قال الكلبي وأبو العالية: نسختها آية القتال. قوله: "سَلاَماً" يجوز أن ينتصب على المصدر بفعل مقدر أي: نسلم سلاماً أو نسلم تسليماً منكم لا نجاهلكم فأقيم السلام مقام التسليم، ويجوز أن ينتصب على المفعول به، أي: قالوا هذا اللفظ، قال الزمخشري: أي قالوا سداداً من القول يسلمون فيه من الأذى، والمراد سلامتهم من السفه، كقوله: شعر : 3885- أَلاَ لاَ يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِينَا تفسير : ورجح سيبويه أن المراد بالسلام السلامة لا التسليم، لأن المؤمنين لم يؤمروا قط بالتسليم على الكفرة، وإنما أمروا بالمسالمة، ثم نسخ ذلك، ولم يذكر سيبويه نسخاً إلا في هذه الآية. قوله: {وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً}. لما ذكر وصفهم بالنهار من وجهين: أحدهما: ترك الإيذاء بقوله: {يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً}. والثاني: تحمل الإيذاء بقوله: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً} شرح صفتهم في الليل. قال الزجاج: كل من أدركه الليل قيل: بات وإن لم ينم كما يقال: بات فلان قلقاً. والمعنى يبيتون لربهم سجداً على وجوههم، وقياماً على أقدامهم قال ابن عباس: من صلى بعد العشاء ركعتين فقد بات ساجداً وقائماً. وروى عثمان بن عفان قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليلة، ومن صلى الفجر في جماعة كان كقيام ليلة ". تفسير : قوله: "سُجَّداً" خبر "يَبِيتُون"، ويضعف أن تكون تامة. أي: دخلوا في البيات، و"سُجَّداً" حال و"لِرَبِّهِمْ" متعلق بـ "سُجَّداً". وقدم السجود على القيام وإن كان بعده في الفعل، لاتفاق الفواصل. و"سُجَّداً" جمع ساجد كضُرَّاب في ضارب. وقرأ أبو البرهسيم "سُجُوداً" بزنة قعود، ويبيت هي اللغة الفاشية، وأزد السَّراة وبجيلة يقولون: يبات، وهي لغة العوام اليوم. قوله: {وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ}. قال ابن عباس: يقولون في سجودهم وقيامهم هذا القول. قوله: "غَرَاماً" أي: لازماً دائماً، وعن الحسن: كل غريم يفارق غريمه إلاّ غريم جهنم. وأنشد بشر بن أبي خازم: شعر : 3886- وَيَومَ النِّسَار وَيَوْمَ الجِفَا رِ كَانَا عَذَاباً وَكَانَ غرَاما تفسير : وقول الأعشى: شعر : 3887- إن يُعَاقِبْ يَكُنْ غَرَاماً وإن يُعْـ ـطِ جَزِيلاً فإنَّهُ لاَ يُبَالِي تفسير : فـ (غَرَاماً) بمعنى شر لازم، وقيل: خسراناً ملحّاً لازماً، ومنه الغريم لإلحاحه وإلزامه، ويقال: فلان مغرم بالنساء، إذا كان مولعاً بهن، وسأل ابن عباس نافع بن الأزرق عن الغرام فقال: هو الوجع. قوله: {إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً}. يجوز أن تكون "ساءت" بمعنى أحزنت، فتكون متصرفة ناصبة المفعول، وهو هنا محذوف، أي: أنها يعني جهنم أحزنت صحابها و"مُسْتَقرًّا" يجوز أن تكون تمييزاً وأن تكون حالاً. ويجوز أن تكون "سَاءَتْ" بمعنى بئست، فتعطي حكمها، ويكون المخصوص بالذم محذوفاً، وفي "ساءت" ضمير مبهم يفسره مستقر و"مستقراً" يتعين أن يكون تمييزاً، أي: سَاءَتْ هي، فهي مخصوص وهو الرابط بين هذه الجملة وبين مَا وَقَعَتْ خبراً عنه، وهو "إنَّها كذا قدَّره أبو حيان، وقال أبو البقاء: "مُسْتَقَرًّا" تمييز، و"سَاءَتْ" بمعنى بئْسَ. فإن قيل: يلزم من هذا إشكال، وذلك أنه يلزم تأنيث فعل الفاعل المذكَّر من غير مسوِّغ لذلك، فإنَّ الفاعل في "سَاءَتْ" على هذا يكون ضميراً عائداً على ما بعده، وهو "مُسْتَقَرًّا وَمُقَاماً"، وهما مذكران، فن أين جاء التأنيث؟ والجواب: أن المستقرَّ عبارة عن جهنَّم فلذلك جاز تأنيث فعله، ومثله قوله: شعر : 3888- أَوْ حُرَّةٌ عَيْطَلٌ ثَيْجَاءَ مُجْفَرَةٍ دَعَائِمَ الزَّوْرِ نِعْمَتْ زَوْرَقُ البَلَدِ تفسير : و"مُسْتَقرًّا وَمُقَاماً" قيل: مترادفان، وعطف أحدهما على الآخر لاختلاف لفظيهما. وقيل: بل هما مختلفا المعنى، فالمستقرُّ للعصاة، فإنهم يخرجون، والمقام للكُفَّار فإنهم مخلدون. فإن قيل: إنهم سألوا الله أن يصرف عنهم عذاب جهنم لعلتين: إحداهما: أن عذابها كان غراماً. والثانية: أنها ساءت مستقراً ومقاماً فما الفرق بين الوجهين؟ فالجواب: قال المتكلمون: عقاب الكافر يجب أن يكون مضرّة خالصة عن شوائب النفع (دائمة، فقوله: {إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً} إشارة إلى كونه مضرّة خالصة عن شوائب النفع) وقوله: {إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً} إشارة إلى كونه دائماً، فحصلت المغايرة. وقرأت فرقة "مَقَاماً" بفتح الميم، أي: مكان قيام. وقراءة العامة هي المطابقة للمعنى، أي: مكان إقامة وثُوِيٍّ. وقوله: {إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً} يحتمل أن يكون من كلامهم، فتكون منصوبة المحل بالقول، وأن يكون من كلام الله تعالى. قوله: {وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ}. قرأ الكوفيون بفتح الياء وضم التاء من يَقْتُرُوا، وابن كثير وأبو عمرو بالفتح والكسر، ونافع وابن عامر بالضم والكسر من أقتر، وعليه {أية : وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} تفسير : [البقرة: 236] وأنكر أبو حاتم أقْتَرَ، وقال: لا يناسب هنا، فإن أَقْتَرَ بمعنى افتقر، ومنه {أية : وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} تفسير : [البقرة: 236] وردَّ عليه بأن الأصمعي وغيره حكوا أَقْتَرَ بمعنى ضَيَّقَ. وقرأ العلاء بن سيابة واليزيدي بضم الياء وفتح القاف وكسر التاء مشددة من قَتَّر بمعنى ضيَّق، وكلها لغات، والقَتْر والإقْتَار والتَّقْتير (التضييق الذي هو نقيض) الإسراف، والإسراف مجاوزة الحد في النفقة. فصل المراد من الآية القصد بين الغلو والتقصير، كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ} تفسير : [الإسراء: 29]. وسأل ابن الورد بعض العلماء ما البناء الذي لا سَرَف فيه؟ قال: ما سترك عن الشمس، وأكنَّك من المطر. وقال له ما الطعام الذي لا سرف فيه؟ فقال: ما سد الجوعة، وقال له في اللباس: ما ستر عورتك وأدفأك من البرد. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: الإسراف في النفقة في معصية الله تعالى، والإقتار: منع حق الله تعالى. قال مجاهد: لو أنفق الرجل مثل (أبي) قبيس ذهباً في طاعة الله لم يكن مسرفاً. وأنشدوا: شعر : 3889- ذِهَابَ المَالِ في حَمْدٍ وَأَجْرٍ ذِهَابٌ لاَ يُقَالُ لَهُ ذِهَابُ تفسير : وقيل: السرف مجاوزة الحد في التنعم والتوسع وإن كان من حلال، لأنه يؤدي إلى الخيلاء وكسر قلوب الفقراء. قوله: {وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} في اسم "كان" وجهان: أشهرهما: أنه ضمير يعود على الإنفاق المفهوم من قوله "أَنْفَقُوا". أي: وكان إِنْفَاقهم مستوياً قصداً لا إسرافاً ولا تقتيراً، وفي خبرها وجهان: أحدهما: هو "قَوَاماً" و"بَيْنَ ذَلِكَ" إما معمول له، وإما لـ "كان" عند من يرى إعمالها في الظرف، وإما المحذوف على أنه حال من "قَوَاماً"، ويجوز أن يكون {بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً}، خبرين لـ "كان" عند من يرى ذلك، وهم الجمهور خلافاً لابن درستويه. والثاني: أن الخبر "بَيْنَ ذَلِكَ" و"قَوَاماً" حال مؤكدة. والثاني من الوجهين الأولين: أن يكون اسمها "بَيْنَ ذَلِكَ" وبُنِيَ لإضافته إلى غير متمكنٍ، و"قَوَاماً" خبرها قاله الفراء. قال الزمخشري: وهو من جهة الإعراب لا بأس به (ولكنه من جهة المعنى) ليس بقوي؛ لأن ما بين الإسراف والتقتير قَوامٌ لا محالة فليس في الخبر الذي هو مُعْتَمَدُ الفائدة فائدةٌ. قال شهاب الدين: وهو يشبه قولك: كان سيِّد الجارية مالكها. قال ثعلب: القوام - بالفتح - (العدل والاستقامة، وبالكسر ما يدوم عليه الأمر ويستقر. وقال الزمخشري: القوام) العدل بين الشيئين لاستقامة الطرفين واعتدالهما، وبالكسر ما يقام به الشيء لا يفضل عنه ولا ينقص. وقرأ حسان بن عبد الرحمن "قِوَاماً" يكسر القاف، فقيل: هما بمعنى، وقيل: بالكسر اسم ما يقام به الشيء وقيل: بمعنى سداداً وملاكاً.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وعباد الرحمن} قال: هم المؤمنون {الذين يمشون على الأرض هوناً} قال: بالطاعة والعفاف والتواضع. وأخرج ابن ابي حاتم عن ابن عباس في قوله {يمشون على الأرض هوناً} قال: علماء حكماء. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله {هوناً} قال: بالسريانية. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي عمران الجوني في قوله {هوناً} قال: حلماء بالسريانية. وأخرج ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران في قوله {هوناً} قال: حلماء بالسريانية. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد في قوله {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً} قال: بالوقار والسكينة {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً} قال: سداداً من القول. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة. مثله. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله {يمشون على الأرض هوناً} قال: لا يشتدون. وأخرج أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة وابن النجار عن ابن عباس قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن ". تفسير : وأخرج الخرائطي في مكارم الأخلاق عن الفضيل بن عياض في قوله {الذين يمشون على الأرض هوناً} قال: بالسكينة والوقار {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً} قال: إن جهل عليه حلم، وإن أسيء إليه أحسن، وإن حرم أعطى، وإن قطع وصل. وأخرج الآمدي في شرح ديوان الأعشى بسنده عن عمر بن الخطاب: أنه رأى غلاماً يتبختر في مشيته فقال: إن البخترة مشية تكره إلا في سبيل الله، وقد مدح الله أقواماً فقال {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً} فاقصد في مشيتك. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {الذين يمشون على الأرض هوناً} قال: تواضعاً لله لعظمته {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً} قال: كانوا لا يجهلون على أهل الجهل. وأخرج أبو نعيم في الحلية عن محمد بن علي الباقر قال: سلاح اللئام قبيح الكلام. وأخرج أحمد عن النعمان بن مقرن المزني: أن رجلاً سب رجلاً عند النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل الرجل المسبوب يقول: عليك السلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : اما أن ملكاً بينكما يذب عنك كلما شتمك هذا قال له: بل أنت. وأنت أحق به، وإذا قلت له: عليك السلام قال: لا. بل لك أنت أحق به ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير {وإذا خاطبهم الجاهلون} قال: السفهاء {قالوا سلاماً} يعني ردوا معروفاً {والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً} يعني يصلون بالليل. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن الحسن {يمشون على الأرض هوناً} قال: يمشون حلماء متواضعين لا يجهلون على أحد، وإن جهل عليهم جاهل لم يجهلوا. هذا نهارهم إذا انتشروا في الناس {والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً} قال: هذا ليلهم إذا خلوا بينهم وبين ربهم. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: كان يقال: ابن آدم عف عن محارم الله تكن عابداً، وارض بما قسم الله لك تكن غنياً، وأحسن مجاورة من جاورك من الناس تكن مسلماً، وصاحب الناس بالذي تحب أن يصاحبوك به تكن عدلاً، وإياك وكثرة الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب. إنه قد كان بين أقوام يجمعون كثيراً، ويبنون شديداً، ويأملون بعيداً، فأين هم؟ أصبح جمعهم بوراً، وأصبح عملهم غروراً، وأصبحت مساكنهم قبوراً. ابن آدم إنك مرتهن بعملك، وأنت على أجلك معروض على ربك، فخذ مما في يديك لما بين يديك عند الموت يأتيك من الخير. يا ابن آدم طأ الأرض بقدمك فإنها عن قليل قبرك، إنك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك. يا ابن آدم خالط الناس وزايلهم: خالطهم ببدنك، وزايلهم بقلبك وعملك. يا ابن آدم أتحب أن تذكر بحسناتك وتكره أن تذكر بسيئاتك، وتبغض على الظن وتقيم على اليقين. وكان يقال: أن المؤمنين لما جاءتهم هذه الدعوة من الله صدقوا بها, وافضاء بعينها خشعت لذلك قلوبهم، وأبدانهم، وأبصارهم، كنت والله إذا رأيتهم رأيت قوماً كأنهم رأي عين. والله ما كانوا بأهل جدل وباطل، ولكن جاءهم من الله أمر فصدقوا به، فنعتهم الله في القرآن أحسن نعت فقال {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً} قال: الحسن (والهون) في كلام العرب: اللين والسكينة والوقار {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً} قال: حلماء لا يجهلون، وإن جهل عليهم حلموا. يصاحبون عباد الله نهارهم مما تسمعون. ثم ذكر ليلهم خير ليل قال {والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً} ينتصبون لله على أقدامهم، ويفترشون وجوههم سجداً لربهم، تجري دموعهم على خدودهم خوفاً من ربهم. قال الحسن: لأمر مّا سهر ليلهم، ولأمر ما خشع نهارهم {والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراماً} قال: كل شيء يصيب ابن آدم لم يدم عليه فليس بغرام، إنما الغرام اللازم له ما دامت السموات والأرض، قال: صدق القوم. والله الذي لا إله إلا هو فعلوا ولم يتمنوا. فاياكم وهذه الأماني يرحمكم الله! فإن الله لم يعط عبد بالمنية خيراً في الدنيا والآخرة قط. وكان يقول: يا لها من موعظة لو وافقت من القلوب حياة! وأخرج عبد بن حميد عن أبي سعيد الخدريحديث : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله {إن عذابها كان غراماً} قال: الدائم . تفسير : وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله {إن عذابها كان غراماً} قال: ملازماً شديداً كلزوم الغريم الغريم قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت قول بشر بن أبي حازم؟ شعر : ويوم النسار ويوم الجفار كانا عذاباً وكانا غراماً تفسير : وأخرج ابن الأنباري عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله {كان غراماً} ما الغرام؟ قال: المولع. قال فيه الشاعر: شعر : وما أكلة إن نلتها بغنيمة ولا جوعة إن جعتها بغرام تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله {إن عذابها كان غراماً} قال: قد علموا أن كل غريم يفارق غريمه إلا غريم جهنم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا} قال: هم المؤمنون. لا يسرفون فيقعوا في معصية الله، ولا يقترون فيمنعون حقوق الله. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ (ولم يقتروا) بنصب الياء ورفع التاء. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا} قال: الاسراف النفقة في معصية الله، والاقتار الامساك عن حق الله قال: وإن الله قد فاء لكم فيئة فانتهوا إلى فيئة الله. قال في المنفق {أية : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً} تفسير : [الأحزاب: 70] قال: قولوا صدقاً عدلاً. وقال للمؤمنين {أية : قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم}تفسير : [النور: 30] عما لا يحل لهم. وقال في الاستماع {أية : الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} تفسير : [الزمر: 18] وأحسنه طاعة الله. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب في قوله {لم يسرفوا ولم يقتروا} قال لا ينفقه في باطل ولا يمنعه من حق. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن يزيد بن أبي حبيب {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا} قال: أولئك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا لا يأكلون طعاماً يريدون به نعيماً، ولا يلبسون ثوباً يريدون به جمالاً، كانت قلوبهم على قلب واحد. وأخرج ابن أبي حاتم عن الأعمش في قوله {بين ذلك قواماً} قال: عدلاً. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عمر مولى غفرة قال {القوام} أن لا تنفق من غير حق، ولا تمسك من حق هو عليك. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن وهب بن منبه {وكان بين ذلك قواماً} قال: الشطر من أموالهم. وأخرج ابن جرير عن يزيد بن مرة الجعفي قال: العلم خير من العمل، والحسنة بين السيئتين. يعني إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وخير الأمور أوساطها. وأخرج عبد الرزاق عن الحسن في قوله {لم يسرفوا ولم يقتروا} أن عمر بن الخطاب قال: كفى سرفاً أن الرجل لا يشتهي شيئاً إلا اشتراه فأكله. وأخرج أحمد عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من فقه الرجل رفقه في معيشته ".
التستري
تفسير : قوله: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً}[63] أي صواباً من القول وسداداً. وقال الحسن البصري رحمه الله: هذا دأبهم في النهار، فإذا دخل الليل كانوا كما وصف الله في آخر الآية: {وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً}[64].
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً} [الآية: 63]. قال الجنيد رحمة الله عليه: عباد صفة مهملة وعبادى صفة الحقيقة، وعباد الرحمن صفة حقيقة الحقيقة. قال ابن عطاء رحمه الله: هم الخواص من العباد لإضافة الحق إياهم إلى اسمه الخاص، وهو الرحمن أعلمك بهذا أنه خصهم من بين عباده بخصائص الولاية من عبده وهو أن رزقهم الشفقة على عامة عباده وزينهم بالأخلاق الشريفة التى هى نتائج أخلاق المصطفى صلى الله عليه وسلم بقوله: {أية : وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} تفسير : [القلم: 4]. سئل عند ذلك فقال: أن تصل من قطعك، وتعطى من حرمك وتعفو عن من ظلمك، وتحسن إلى من أساء إليك هكذا وصف الله عز وجل هؤلاء الخواص من عباده بقوله: {يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً} الى آخر القصة. قال جعفر: الذى يمشون على الأرض هونًا بغير فخر ولا خيلاء، ولا تبختر بل بتواضع، وسكينة، ووقار وطمأنينة، وحسن خلق، وبشر وجه كما وصف النبى صلى الله عليه وسلم المؤمنين فقال: "حديث : هينون لينون كالجمل، الأنف، إن قيد انقاد وأن انتُخ على صخرة استناخ" تفسير : وذلك لما طالعوا من تعظيم الحق وهيبته وشاهدوا من كبريائه وجلاله خشعت لذلك أرواحهم، وخضعت نفوسهم وألزمهم ذلك التواضع والتخشع. قال سهل فى قوله: {قَالُواْ سَلاَماً} قال: صوابًا من القول والسداد. قال أبو حفص النيسابورى فى قوله: {قَالُواْ سَلاَماً} قال: لم ينتقموا لأنفسهم فسلموا من غلبة الشيطان. قال الحسن البصرى: هذا دأبهم فى النهار فإذا جاء الليل يكون دأبهم ما وصف الله عز وجل فى عقب هذه الآية. قال الجنيد رحمه الله فى قوله: {وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً} قال: هم العباد ليس للعدو عليهم سلطان فالعبد إذا صح اسمه فهو لمولاه والله لا يُتم إلا بتمام الصورة فيه ولباس الملك عليه. قال بعضهم: صفة هؤلاء العباد وحليتهم ومولاه الفقر والعقل، وأمتهم وطاعة الله حلاوتهم، حبُّ الله لذتهم، وإلى الله حاجتهم، والتقوى زادهم، ومع الله تجارتهم، وعليه اعتمادهم وبه أنسهم وعليه توكلهم، والجوع طعامهم، والزهد ثمارهم، وحسن الخلق لباسهم، وطلاقة الوجه حليتهم، وسخاوة النفس حرفتهم وحسن المعاشرة صحبتهم، والعلم قائدهم، والصبر سائقهم، والهدى مركبهم، والقرآن حديثهم والشكر زينتهم والذكر مهمتهم، والرضا راحتهم، والقناعة مالهم، والعبادة كسبهم، والشيطان عدوهم والدنيا مزابلهم، والحياء قميصهم، والخوف سجينهم، والنهار عزتهم، والليل فكرتهم، والحكمة سبقهم، والحق حارسهم، والحياة مرحلتهم، والموت منزلهم، والقبر حصنهم، والفردوس مسكنهم، والنظر الى رب العالمين منيتهم، وهم خواص عباده الذين قال الله عز من قائل: {وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً}. قال بعضهم: قرن اسم العبودية باسمه، وقرن بسمت العبودية ضوء الخليقة وأزكاها فكان حسن الخلق درجات وصدق المكابدة عبادات، والأخلاق للعبيد، والاجتهاد للعباد قرينه، والعبودية أشرف وأقرب وأروح وجلية العباد أكدوا (......) محل البدن، ومحل العبودية محل الروح، والعبادة إقامة الأمر، والعبودية الرضا بالحكم وعبادة الأحوال عبوديتة، وعبادة الأوقات عبادة، فالعبادة أصل، والعبودية فرع ومرتبة العبودية أقوم من مرتبة النبوة، ألا ترى النبى صلى الله عليه وسلم قال فى التشهد عبده ثم قال: ورسوله والشريعة مشتملة عليهما معًا، والعبادة بدنها، والعبودية روحها، والعبادة مجاهدة، والعبودية هداية.
القشيري
تفسير : الذين استوجبوا رحمة الرحمن هم الذين وفِّقُوا للطاعات، فبرحمتِه وصلوا إلى التوفيق للطاعة. وعِبادُ الرحمن الذين يستحقون غداً رحمته هم القائمون برحمته؛ فبرحمته وصلوا إلى طاعته...هكذا بيان الحقيقة، وبطاعتهم وصلوا إلى جَنَّتِه...هكذا لسان الشريعة. ومعنى {هَوْناً} متواضعين متخاشعين. ويقال شرْطُ التواضع وحَدُّه ألا يستَحْسِنَ شيئاً من أحواله، حتى قالوا: إذا نَظَرَ إلى رِجْلِه لا يستحسن شِسْعَ نَعْلِهِ، وعلى هذا القياس لا يُساكِنُ أعماله، ولا يلاحظ أحواله. قوله: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً}: قيل سداد المنطق؛ ويقال مَنْ خاطَبَهم بالقَدْح فهم يجاوبونه بالمدح له. ويقال إذا خاطبهم الجاهلون بأحوالهم، الطاعنون فيهم، العائبون لهم قابلوا ذلك بالرِّفق، وحُسْنِ الخُلقِ، والقولِ الحَسَنِ والكلام الطيب. ويقال يخبرون مَنْ جفاهم أنهم في أمانٍ من المجافاة.
اسماعيل حقي
تفسير : {وعباد الرحمن} دون عباد الدنيا والشيطان والنفس والهوى فانهم وان كانوا عبادا بالايجاد لكنهم ليسوا باهل لاضافة التشريف والتفضيل من حيث عدم اتصافهم بالصفات الآتية التى هي آثار رحمته تعالى الخاصة المفاضة على خواص العباد. والمعنى عباده المقبولون وهو مبتدأ خبره قوله {الذين يمشون} المشى الانتقال من مكان الى مكان بارادة {على الارض} التى هى غاية فى الطمأنينة والسكون والتحمل حال كونهم {هونا} هو السكينة والوقار كما فى القاموس وتذلل الانسان فى نفسه بما لايلحق به غضاضة كا فى المفردات وهين لين وقد يخففان ساكن متئد ملائم رقيق اى هينين لينى الجانب من غير فظاظة او يمشون مشيا هينا مصدر وصف به. والمعنى انهم يمشون بسكينة وتواضع لا بفخر وفرح ورياء وتجبر وذلك لما طالعوا من عظمة الحق وهيبته وشاهدوا من كبريائه وجلاله فخشعت لذلك ارواحهم وخضعت نفوسهم وابدانهم وفى الحديث "حديث : المؤمنون هينون لينون كالجمل الانف ان قيد انقاد وان انيخ على صخرة استناخ"تفسير : وفى الصحاح انف البعير اشتكى انفه من البرة فهو انف ككتف وفى الحديث "حديث : المؤمن كالجمل ان قيد انقاد وان استنيخ على صخرة استناخ"تفسير : وذلك للوجع الذى به فهو ذلول منقاد. قوله قيد مجهول قاد والقود نقيض السوق فهو من امام وذلك من خلف: والانقياد [كشيده شدن وكردن نهادن] يقال انخت الجمل فاستناخ اى ابركته فبرك، قال الشيخ سعدى شعر : فروتن بود هو شمند كزين نهد شاخ برميوه سر بر زمين جوسيل اندر آمد بهول ونهيب فتاد ازبلندى بسر در نشيب جوشبنم بيفتاد مسكين وخرد بمهر آسمانش بعيوق بر تفسير : {واذا خاطبهم الجاهلون} الجهل خلو النفس من العلم واعتقاد الشىء بخلاف ما هو عليه وفعل الشىء بخلاف ما حقه ان يفعل سواء اعتقد فيه اعتقادا صحيحا او فاسادا كما يترك الصلاة عمدا وعلى ذلك قوله {أية : أتتخذنا هزؤا قال اعوذ بالله ان اكون من الجاهلين}تفسير : فجعل فعل الهزؤ جهلا. والمعنى واذا كلمهم السفهاء مواجهة بالكلام القبيح {قالوا سلاما} اى نطلب منكم السلام فيكون منصوبا باضمار فعل كما فى المفردات او انا سلمنا من اثمكم وانتم سلمتم من شرنا كما فى احياء العلوم، وقال بعضهم سلاما مصدر فعل محذوف اقيم مقام التسلم اى قالوا نتسلم منكم تسلما اى لانجاهلكم: والمجاهلة [باكسى سفاهت كردن] ولاتخالط بشىء من اموركم وهو الجهل وما يبتنى على خفة العقل فلا خير بيننا وبينكم ولا شر بل متاركة: بالفارسية [جفاى يكديكر بكذاشتن] واكثر المفسرين على ان السلام ليس عين عبارتهم بل صفة لمصدر محذوف. والمعنى قالوا قولا سلاما اى سدادا يسلمون فيه من الاذى والاثم [مراد ترك تعرض سفهاست واعراض از مكالمه ومجادله ايشان] كما قال المحقق الرومى شعر : اكر كويند زراقى وسالوس بكوهستم دوصد جندان وميرو وكر ازخشم دشنامى دهندت دعاكن خوش دل وخندان وميرو تفسير : قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : يكى بربطى دربغل داشت مست بشب درسر بارسايى شكست جو روز آمد آن نيك مرد سليم بر سنك دل برد يك مشت سيم كه دوشينه معذور بودى ومست ترا ومرا بربط وسر شكست مرا به شد آن زخم ويرخاست بيم ترا به نخواهد شد الابسيم اذان دوستان خدا بر سرند كه از خلق بسيار بر خر خورند تفسير : ثم ان قوله واذا بيان لحالهم فى المعاملة مع غيرهم اثر بيان حالهم فى انفسهم، وهذه الآية محكمة عند اكثرهم لان الحلم عن السفيه مندوب اليه والاغضاء عن الجاهل امر مستحسن فى الادب والمروءة والشريعة واسلم للعرض واوفق للورع وفى الحديث "حديث : اذا جمع الله الخلائق يوم القيامة نادى مناد اين اهل الفضل فيقوم ناس وهم يسير فينطلقون سراعا الى الجنة فتتلقاهم الملائكة فيقولون انا نراكم سراعا الى الجنة فيقولون نحن أهل الفضل فيقولون ما كان فضلكم ما كان فضلكم فيقولون كنا اذا ظلمنا صبرنا واذا اسيىء الينا غفرنا واذا جهل علينا حلمنا فيقال لهم ادخلوا الجنة فنعم اجر العاملين"تفسير : وفى الحديث "حديث : رأيت قوما من امتى ما خلقوا بعد وسيكونون فيما بعد اليوم احبهم ويحبوننى يتناصحون ويتباذلون ويمشون بنور الله فى الناس رويدا فى خفية وتقية يسلمون من الناس ويسلم الناس منهم بصبرهم وحلمهم قلوبهم بذكر الله تطمئن ومساجدهم بصلاتهم يعمرون يرحمون صغيرهم ويجلون كبيرهم ويتواسون بينهم يعود غنيهم على فقيرهم يعودون مرضاهم ويتبعون جنائزهم" فقال رجل من القوم فى ذلك يرفقون فالتفت اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "كلا انه لا رفيق لهم هم خدام انفسهم هم اكرم على الله من ان يوسع عليهم لهوان الدنيا عند ربهم ثم تلا عليه السلام وعباد الرحمن"تفسير : الآية، وقال بعضهم فى صفة عباد الرحمن العبادة حليتهم والفقر كرامتهم وطاعة الله حلاوتهم وحب الله لذتهم والى الله حاجتهم والتقوى زادهم والهدى مركبهم والقرآن حديثهم والذكر زينتهم والقناعة مالهم والعبادة كسبهم والشيطان عدوهم والحق حارسهم والنهار عبرتهم والليل فكرتهم والحياة مرحلتهم والموت منزلهم والقبر حصنهم والفردوس مسكنهم والنظر الى رب العالمين منيتهم، اعلم ان عباد الله كثير فمنهم عبدالرحمن ومنهم عبدالرزاق ومنهم عبدالوهاب الى غير ذلك ولكن لايكون المرء بمجرد الاسم عبدا حقيقة لا عبد الله ولا نحوه وذلك لان عبد الله هو الذى تجلى بجميع اسمائه تعالى فلا يكون فى عباده ارفع مقاما واعلى شانا منه لتحققه بالاسم الاعظم واتصافه بجميع صفاته ولذا خص نبينا عليه السلام بهذه الاسم فى قوله {أية : وانه لما قام عبدالله يدعوه}تفسير : فلم يكن هذا الاسم بالحقيقة الا له وللاقطاب من ورثته بتبعيته. وعبدالرحمن هو مظهر الاسم الرحمن فهو رحمه للعالمين جميعها بحيث لا يخرج احد من رحمته بحسب قابليته واستعداده. وعبدالرحيم هو مظهر الاسم الرحيم وهو يختص رحمته بمن اتقى واصلح ورضى الله عنه وينتقم ممن غضب الله عليه. وعبدالرزاق هو الذى وسع الله له رزقه فيؤثر به على العباد. وعبدالوهاب هو الذى تجلى له الحق باسم الجود فيهب ما يبنغى لمن ينبغى على الوجه الذى ينبغى بلا عوض ولاغرض ويمد اهل عنايته تعالى بالامداد جعلنا الله واياكم من المتحققين باسمائه الحسنى انه المطلب الاعلى والمقصد الاسنى.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: و(عباد): مبتدأ، و(الذين) وما بعده: خبر. وقيل: (أولئك يُجزون). و(هوناً): حال، أو: صفة، أي: يمشون هينين، أو مشياً هونا. يقول الحق جل جلاله: {وعبادُ الرحمن} أي: خواصه الذين يسجدون ويخضعون للرحمن، {الذين يمشون على الأرض هوناً} أي: بسكينة وتواضع ووقار، قال الحسن: يمشون حُلَمَاء علماء مثل الأنبياء، لا يؤذون الذر، في سكون وتواضع وخشوع، وهو ضد المختال الفخور المَرِح، الذي يختال في مشيه. وقال ابن الحنفية: أصحاب وقار وعفة، لا يسفهون، وإن سفهم عليهم حلَموا. و"الهَوْن" في اللغة: الرفق واللين. ومن قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْناً مَا، عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْماً مَا. وأبْغِض بَغِيضَكَ هَوْناً مَا، عسى أنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْماً مَا ". تفسير : {وإذا خاطبهم الجاهلون} أي: السفهاء بما يكرهون، {قالوا سلاماً}؛ سداداً من القول، يَسلمون فيه من الإيذاء والإثم والخَنا. أو: سلمنا منكم سلاماً، أو: سلموا عليهم سلاماً، دليله قوله تعالى: {أية : وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ} تفسير : [القصص: 55]، ثم قالوا: {سلام عليكم}. قيل: نسختها آية القتال، وفيه نظر؛ فإن الإغضاء عن السفهاء مستحسن شرعاً ومروءة، فلا ينسخ. وكان الحسن إذا تلا الآيتين قال: هذا وصف نهارهم، ثم قال تعالى: {والذين يبيتون لربهم سُجّداً وقياماً}: هذا وصف ليلهم. قال ابن عباس: من صلى لله تعالى ركعتين، أو أكثر، بعد العشاء، فقد بات لله تعالى ساجداً وقائماً. وقيل: ما الركعتان بعد المغرب والركعتان بعد العشاء، والظاهر أنه وصف لهم بإحياء الليل أو أكثره. {والذين يقولون ربنا اصرفْ عنا عذابَ جهنم إن عذابها كان غَرَاماً}؛ هلاكاً لازماً. ومنه: الغريم؛ لملازمته غريمه، وصفهم بإحياء الليل ساجدين وقائمين، وعقّبه بذكر دعوتهم هُنا؛ إيذاناً بأنهم، مع اجتهادهم، خائفين مبتهلين إلى الله في صرف العذاب عنهم {إنها ساءت مستقراً ومُقاماً}، أي: إن جهنم قَبُحَت مستقراً ومقاماً لهم. و"ساءت": في حكم "بئست"، وفيها ضمير مبهم يفسره {مستقراً}. والمخصوص بالذم: محذوف، أي: ساءت مستقراً ومقاماً هي. وهذا الضمير هو الذي ربط الجملة باسم "إن". {والذين إذا أنفقوا لم يُسْرفُوا}؛ لم يجاوزوا الحد في النفقة. وعن ابن عباس: لم ينفقوا في المعاصي. فالإسراف: مجاوزة حد الأمر، لا مجاوزة القدر. وسمع رجلٌ رجلاً يقول: لا خير في الإسراف، فقال: لا إسراف في الخير. وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من منع حقاً فقد قتر، ومن أعطى في غير حق فقد أسرف" تفسير : . {ولم يَقْتُرُوا}، القتر والإقتار والتقتير: التضييق. وقرئ بالجميع، {وكان بين ذلك قواماً} أي: وكان إنفاقهم بين الإسراف والإقتار قواماً؛ عدلاً بينهما. فالقوام: العدل بين الشيئين. قال أبو عبيدة: لم يزيدوا على المعروف، ولم يخلو به، لقوله: {أية : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ} تفسير : [الإسراء: 29] الآية. وقال يزيد بن أبي حبيب في هذه الآية: أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، كانوا لا يأكلون الطعاماً للتنعم واللذة، ولا يلبسون ثوباً للجمال والزينة. ولكن كانوا يريدون من الطعام ما يسدُّ عنهم الجوع، ويقويهم على عبادة ربهم، ومن الثياب ما يستر عوراتهم، ويُكِنُّهم من الحرّ والبرد. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: كفى بالمرء سَرَفاً إلا يشتهي شيئاً إلا اشتراه فأكله. ومثله في سنن ابن ماجه؛ مرفوعاً. قال القشيري: الإسراف: أن ينفق في الهوى ونصيب النفْس، ولو فلساً، وأما ما كان لله فليس فيه إسراف، ولو ألفاً. والإقتارُ: ما كان ادخاراً عن الله، فأمَّا التضييقُ على النَّفْس؛ منعاً لها عن اتباع الشهوات، ولتتعود الاجتزاء باليسير، فليس بالإقتار المذموم. هـ. {والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر} أي: لا يشركون بالله شيئاً، {ولا يقتلون النفسَ التي حرَّم الله} قتلها {إلا بالحق} بقَوَدٍ، أو رَجْمٍ، أو شِرْكٍ، أو سعي في الأرض بالفساد، {ولا يزنون} أي: لا يفعلون من هذه العظائم القبيحة التي جمعهن الكفرة شيئاً، حيث كانوا مع إشراكهم به - سبحانه - مداومين على قتل النفوس المحرمة، التي من جملتها المؤودة، مُنْكَبِّينَ على الزنا، لا يرعوون عنه أصلاً، فنفَى هذه الكبائر عن عباده الصالحين؛ تعريضاً بما كان عليه أعداؤهم من قريش وغيره، كأنه قيل: والذين طهرهم الله مما أنتم عليه. وعن ابن مسعود رضي الله عنه: "حديث : قُلْتُ: يا رَسُولَ الله، أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ؟ قال: أنْ تَجْعَلَ لله نداً وَهُوَ خَلَقَكَ، قلت: ثُمَّ أيُّ؟ قال: أنْ تَقْتلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أنْ يُطْعَمَ مَعَكَ، قُلْتُ: ثمَّ أيُّ؟ قال: أنْ تُزَانِي بحَلِيلَة جَارِكَ" تفسير : . فنزلت الآية تصديقاً لذلك. الإشارة: قد تضمنت الآية أربعة أصناف من الناس على سبيل التدلي؛ الأول: الأولياء العارفون بالله، أهل التربية النبوية، ومن تعلق بهم من أهل التهذيب والتأديب، وإليهم أشار بقوله: {وعباد الرحمن..} إلخ، وفيهم قال النبي صلى الله عليه وسلم:"حديث : رأيت أقواماً من أمتي، ما خُلقوا بعد، وسيكونون فيما بعد اليوم، أُحبهم ويحبونني، ويتناصحون ويتباذلون، ويمشون بنور الله في الناس رويداً، في خفية وتقى، يَسلمون من الناس، ويسلم الناسُ منهم بصبرهم وحلمهم، قلوبهم بذلك إليه يَرْجِعُون، ومساجدهم بصلاتهم يعمرون، يرحمون ضعيفهم، ويجلون كبيرهم، ويتواسَوْن بينهم، يعود غنيهُم على فقيرهم، وقويُهم على ضعيفهم، يعودون مرضاهم، ويشهدون جنائزهم"تفسير : فقال رجل من القوم: يرفقون برقيقهم؟ فالتفت إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: حديث : كلا؛ لا رقيق لهم، وهم خدام أنفسهم، هم أكرم على الله تعالى من أن يوسع عليهم؛ لهوان الدنيا عند ربهم. تفسير : ثم تلى النبي صلى الله عليه وسلم: {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً...} الآية. رواه أبو برزة الأسلمي، عنه صلى الله عليه وسلم. الثاني: العباد والزهاد أهل الجد والاجتهاد، أهل الصيام والقيام، الذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً، أقامهم الحق تعالى لخدمته، كما أقام الأولين لمحبته ومعرفته. الثالث: الصالحون والأبرار، الذين يعبدون الله طمعاً في الجنة وخوفاً من النار، ومن كان منهم له مال أنفقه في سبيل الله، من غير سرف ولا إقتار. الرابع: عامة الموحدّين من أهل اليمين، المجتنبون لكبائر الذنوب، المسارعون بالتوبة إلى علام الغيوب. والله تعالى أعلم. ثم أشار إلى وبال من فعل شيئاً من ذلك ولم يتب، فقال: {... وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتاباً}. قلت: (يُضاعفْ) و(يخلُدْ): بدل من (يَلْقَ)؛ بدل كل من كل، عند الأزهري؛ لأن لُقِيّ الآثام هي مضاعفة العذاب، وبدل اشتمال، عند المرادي. ومن رفعهما: فعلى الاستئناف. يقول الحق جل جلاله: {ومن يَفْعَلْ ذلك} أي: ما ذكر، كما هو دأب الكفرة المذكورين، {يَلْقَ} في الآخرة {أثاماً}؛ وهو جزاء الآثام، كالوبال والنكال؛ وزْناً ومعنى، {يُضاعَفْ له العذابُ يومَ القيامة} أضعافاً كثيرة، كما يضاعف للمؤمنين جزاء أعمالهم كذلك، {ويخْلُدْ فيه} أي: في ذلك العذاب المضاعف، {مهاناً}؛ ذليلاً حقيراً، جامعاً للعذاب الجسماني والروحاني. {إلا من تابَ} من الشرك، {وآمن} بمحمد صلى الله عليه وسلم، {وعَمِلَ عملاً صالحاً} بعد توبته {فأولئك يُبَدِّلُ الله سيئاتهم حسناتٍ} أي: يوفقهم للمحاسن بعد القبائح، فيوفقهم للإيمان بعد الشرك، ولقتل الكافر بعد قتل المؤمن، وللعفة بعد الزنا، أو: يمحوها بالتوبة، ويثبت مكانها الحسنات. ولم يُرد أن السيئة بعينها تصير حسنة، ولكن يمحوها ويعوض منها حسنة. وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : لَيَتَمَنَّيَنَّ أقوامٌ أنهم أكثروا من السيئات، قيل: من؟ قال: الذين يُبدل الله سيئاتهم حسنات"تفسير : . {وكان الله غفوراً} للسيئات، {رحيماً} يُبَدِّلُها حسنات. {ومن تاب وعمل صالحاً فإِنه يتوب إلى الله مَتَابَا} أي: ومن تاب، وحقق التوبة بالعمل الصالح، فإنه بذلك تائب إلى الله متاباً مُرْضِياً مكفراً للخطايا. وسبب نزول الآية: أن ناساً من المشركين قَتَلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، ثم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تدعو إليه لَحَسنٌ لو تخبرنا أنَّ لِمَا عَمِلْنَاهُ كَفَّارَةً. فنزلت: {والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر...} إلى قوله: {إلا من تاب...} إلخ. والظاهر أن توبة قاتل النفس بغير حق مقبولة؛ لعموم قوله: {إلا من تاب}، وهو قول الجمهور. وقيل: إن هذه منسوخة بآية النساء، وهو ضعيف والله تعالى أعلم. الإشارة: من قنع من نفسه بمجرد الإسلام والإيمان، ولم تنهضه نفسه إلى التشوف لمقام الإحسان، لا بد أن يلحقه الندم وضرب من الهوان، ولو دخل فسيح الجنان؛ لتخلفه عن أهل القرب والوصال، وفي ذلك يقول الشاعر: شعر : مَنْ فَاتَهُ مِنْكَ وَصْلٌ حَظُّهُ النَّدَمُ ومَنْ تَكُنْ هَمَّهُ تَسْمُو به الهِمَمُ تفسير : ثم ذكر نوعاً من الأبرار، فقال: {وَٱلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ...}.
الجنابذي
تفسير : {وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ} جملة مع ما بعدها معطوفة على قوله وهو الّذى مرج البحرين او هو الّذى خلق من الماء بشراً او على قوله {يَعْبُدُونَ} او قوله {وَكَانَ ٱلْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيراً} او على قوله {ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا ... ٱلرَّحْمَـٰنُ} او على {تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً} او على {وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً} {ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً} صفة لعباد الرّحمن وخبره قوله {أُوْلَـٰئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ} او خبر له اراد تعالى ان يبيّن علائم مقام العبديّة حتّى لا يغترّ السّالكون الى الله بما يلوح من التّجليّات الغيبيّة ولا يظنّوا انّهم وصلوا، ومن الانانيّة واسر النّفس خرجوا، ومقام العبديّة والحضور حصّلوا؛ فانّ مقام العبديّة لا يحصل للسّاكت الاّ اذا خرج من انانيّته ولم ير فعلا وصفة الاّ من الله تعالى، وادنى مراتب هذا المقام بحسب الظّهور فى المظاهر ان ينزّل السّكينة الالهيّة على السّالك ويشاهدها لا بنحو شهود المباين ولا بنحو شهود المحلّ للحالّ المنبئ عن الحلول ولا بنحو شهود المتّحد للمتّحد المنبئ عن الاتّحاد، فانّ شيئاً منها ليس من مقام العبديّة بل مقام العبديّة ان يصير السّكينة مالكة ومحيطةً بحيث لا يبقى للعبد فعل وصفة وذات وارادة وشعور، لكن مقام الحلول والاتّحاد انموذج عن مقام العبديّة ومخبر عنه وفى هذا المقام يكون العبد مثل من وقع على رأسه طير عزيز بل اعزّ من ذاته لا يريد ان يطير عنه بل يرى فناء ذاته فى طيرانه فانّه يبالغ ويجتهد فى ان لا يطير عن رأسه فيجتهد فى خفض صوته وسكون أعضائه فلا يحرّك يده ولا رجله ولا سائر اعضائه اذا اضطرّ الى تحريكها الا بتأنٍّ ورفقٍ، وان اراد غيره ان يرفع صوته او يتحرّك اعضاؤه يلتمس عنده ويسأله ان لا يرفع ولا يحرّك اعضاءه عنده فلا يمشى صاحبوا السّكينة الاّ كما يمشى صاحب الطّير {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ} يعنى بجهلهم لا يعارضونهم بمثل جهلهم فانّ الجاهل لا يخاطب من حيث الجهل الاّ بما ليس فيه رضى الله و {قَالُواْ} ليناً بهم {سَلاَماً} لئلاّ يظهر منهم ما ينافى حضورهم وما يكرهه الحاضر عليهم.
فرات الكوفي
تفسير : {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً... والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً* يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً* إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً... والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً* أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاماً* خالدين فيها حسنت مستقراً ومقاماً 63-76} قال: حدثنا محمد بن القاسم بن عبيد معنعناً: عن أبي عبد الله [عليه السلام. ب. في. أ، ب] قوله [تبارك و. أ] تعالى: {الذين يمشون على الأرض هوناً} إلى قوله {حسنت مستقراً ومقاماً} [ثلاث عشر آية. أ، ر] قال: هم الأوصياء يمشون على الأرض هوناً فإذا قام القائم عرفوا كل ناصب [أ: نصب] عليه فإن أقر بالإسلام وهو [ر، أ: وهي] الولاية وإلا ضربت عنقه أوأقر بالجزية فأديها كما يؤدي [ر: يؤدون] أهل الذمة. قال: حدثني أحمد بن علي بن عيسى الزهري معنعناً: عن الأصبغ بن نباتة قال: توجهت نحو [ر: إلى] أمير المؤمنين [علي. ر] عليه السلام لأسلم عليه فلم ألبث أن خرج فقمت قائماً على رجلي فاستقبلته فضرب بكفه إلى كفي فشبك أصابعه في أصابعي فقال لي: يا أصبغ [بن نباتة. ر، ب] فقلت [أ: قلت]: لبيك وسعديك يا أمير المؤمنين. فقال: إن ولينا ولي الله فإذا مات كان في الرفيق الأعلى وسقاه [الله. أ، ر] من نهر أبرد من الثلج وأحلى من الشهد. فقلت: جعلت فداك يا أمير المؤمنين وإن كان مذنباً؟ قال: نعم ألم تقرأ كتاب الله: {أولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً}. قال: حدّثني جعفر بن أحمد معنعناً: عن سلمان الفارسي رضي الله عنه [ر: رحمة الله عليه] عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كلام ذكره في علي فذكر سلمان لعلي فقال: والله يا سلمان لقد حدثني بما أخبرك به ثم قال: يا علي لقد خصك الله بالحلم والعلم والغرفة التي قال الله [تعالى. ر]: {أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاماً} والله إنها لغرفة ما دخلها أحد قط ولا يدخلها أحد أبداً حتى تقوم على ربك وإنه ليحف بها في كل يوم سبعون ألف ملك ما يحفون [بها. خ] إلى يومهم ذلك [إلا. أ، ب] في إصلاحها والمرمة لها حتى تدخلها ثم يدخل الله عليك فيها أهل بيتك، والله يا علي إن فيها لسرير من نور ما يستطيع أحد من الملائكة أن ينظر إليه مجلس لك يوم تدخلها [ر: تدخله] فإذا دخلته [أ: ادخلته] يا علي أقام الله جميع أهل السماء على أرجلهم حتى يستقر بك مجلسك ثم لا يبقى في السماء ولا في أطرافها ملك واحد إلا أتاك بتحية من الرحمان. قال: حدثنا فرات بن إبراهيم الكوفي [قال: حدثني الحسين بن سعيد قال: حدثنا الحسن (بن محمد) بن سماعة قال: حدثنا حنان. ش]: عن أبان بن تغلب قال: سألت جعفر بن محمد [عليهما السلام. ن] عن قول الله تعالى [أ: عز وجل]: {الذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً} قال: نحن هم أهل البيت. [فرات. ش] قال: حدثني علي بن حمدون [قال: حدثنا علي بن محمد بن مروان قال: حدثنا علي بن يزيد عن جرير! عن عبد الله بن وهب عن أبي هارون. ش]: عن أبي سعيد في قوله [تعالى. ش]: {هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً} قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: حديث : قلت [لجبرئيل. ن. عليه السلام. ب: يا جبرئيل. ش، أ، ب]: من أزواجنا؟ قال: خديجة قال قلت: ومن ذرياتنا؟ قال: فاطمة. قلت: ومن قرة أعين؟ قال: الحسن والحسين. قلت: واجعلنا للمتقين إماماً [ن: ومن للمتقين إماماً] قال: علي بن أبي طالب عليه [ر: عليهم] السلام .
اطفيش
تفسير : {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً} اي مشي هون بمعنى سكون وتواضع لا يلتفتون ولا يجدون النظر ولا يمرحون (فهونا) مصدر النائب عن المصدر الذي هو مفعول مطلق والاصل مشي هون كما مر أو هو مصدر بمعنى الوصف مفعول مطلق اي مشيا هينا أو حال اي (هينين). واضاف العباد للتخصيص فان من لم تكن صفته ما ذكره الله فهم عباد لابليس اي تابعوه والكل خلق لله وملك له وايضا اضافهم للتفضيل وبعض يطلق التخصيص والتفضيل لمعنى او أضافهم إليه لانهم الراسخون في عبادته دون غيرهم وحملا لعباد بالكسر والتخفيف جمع عبد على عباد بالضم والتشديد جمع عابد وعباد مبتدأ خبره جملة {أية : اولئك يجزون الغرفة}تفسير : وما بينهما بعضه اعتراض وبعضه اوصاف أو خبره {الذين} من قوله {الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ}. وفي الحديث "حديث : المؤمنون هينون لينون " تفسير : قال بعضهم: المؤمن لا يضرب بقدمه الارض ولا يخفق بنعله اشرا ولا يركب في السوق. وقيل: معنى (هونا) ان امرهم كله يقومون به على حسن ولين. وقال مجاهد: معناه حلم ووقار. وقال ابن عباس: الطاعة والعفاف والتواضع. وقال الحسن: حلما ان جهل عليهم لم يجهلوا. وقيل عنه: يمشون حلماء علماء مثل الانبياء لا يؤذون الذر لسكون وتواضع وخشوع. وفي الحديث "حديث : الا اخبركم بمن يحرم على النار"تفسير : أو قال "حديث : بمن تحرم عليه النار؟ كل مؤمن هين سهل " تفسير : فائدة لا يقتل النمل الصغار ولا الكبار. وقيل: يقتل لانه يؤذي. وقيل: يقتل الصغار لا الكبار. وفي الاثر من قتل نملة اي ولو خطأ فعليه درهمِ اي للفقير. وفي لفظ ابي عزيز ان بعضهم رخص ان لا يلزم قاتلها درهم {وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الجَاهِلُونَ} بما يكرهون * {قَالُوا سَلاماً} مفعول لقالوا اي قالوا هذا اللفظ وهذا اللفظ في كلامهم إذا قالوه منصوب على انه مفعول مطلق لمحذوف اي (سلمتم منا سلاما) اي سلامة لا نجازيكم على قولكم أو نسلم منكم تسلما فأناب (سلاما) عن (تسلما) فهو على هذا اسم مصدر والمعنى عليه انا نفعل معكم ما نخرج به عن السلامة منكم. وقيل: المراد قالوا قولا شديدا يسلمون فيه من الاثم ويدفعون برفق والمراد بالجهل السفه. وقلت: الادب قيل: ذلك منسوخ بآية القتال. قلت: لا نسخ هنا لان الاغضاء عن السفهاء وترك المقابلة في الكلام مطلوب في كل زمان مع كل احد مشركا كان أو موحدا وكان الحسن البصري إذا قرأ هذه الآية قال: هذا وصف نهارهم ثم إذا قرأ {وَالَّذِينَ يُبِتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيامَاً} قال هذا وصف ليلهم وفيه تحريض على قيام الليل والمراد السجود والقيام في الصلاة (وَسُجَّد) جمع (ساجد) والقيام جمع (قائم). قيل: أو مصدر اجري مجراهم وخص سجود الليل وقيامه لانه العبادة بالليل امتن واقوى وابعد من الرياء وذلك للخلوة وجمع العقل واراحة النفس عما تشتهي من نوم. قال ابن عباس: من صلى بعد العشاء الاخيرة ركعتين أو اكثر فقد بات لله ساجدا وقائما. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليلة ومن صلى الفجر في جماعة كان كقيام ليلة " تفسير : وقيل: المراد الركعتان بعد المغرب والركعتان بعد العشاء وأخر (قياما) للمفاضلة ولو كان القيام سابقا على السجود والواو لا ترتب.
اطفيش
تفسير : {وعِبادُ الرَّحْمن} الذين أخلصوا العبودية والعبادة لله، الذين هم أحق بهذا الاسم وإن يشرفوا به، وأضافهم للرحمن تفضيلا لهم، وهو مبتدأ خبره هو قوله: {الَّذين} أو قوله: "أية : أولئك يجْزَون الغُرْفة "تفسير : [الفرقان: 75] فيكون الذين نعتا {يمْشون على الأرْض هوناً} مشى هون، أو ذوى هون لين، لا يضربون الأرض بأرجلهم، أو نعلاً بنعل كما يفعل التبختر، ولا يسرعون وذلك سجيتهم، أو زادوا فيها للتواضع لله لا رياء ولا تبختراً ولا خداعاً، وذلك مستتبع للرفق فى أفعالهم وأقوالهم، والعدل فيها وهو المراد لا خصوص ذلك المشى، وذلك اولى من أن يفسر بأنه كناية عن الرفق والعدل المذكورين. رأى عمر رضى الله عنه غلاماً يتبختر فقال: هذه المشية تكره إلا فى سبيل الله سبحانه وتعالى، وقد مدح الله تعالى أقواماً بقوله سبحانه: {وعباد الرحمن الَّذين يمشون على الأرض هوناً} فاقصد فى مشيتك، يعنى مدحهم بتلك المشية المبنية على القوى، كما مر، وقد قيل: أن عباد هنا جمع عابد كصاحب وصحاب، وراجل ورجال، كما قرئ: وعباد بضم العين وشد الباء، قال أبو هريرة، وابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سرعة المشى تذهب بهاء المؤمن ". تفسير : {وإذا خاطَبَهم الجاهلون} السفهاء {قالُوا سلاماً} سلمنا سلاماً، أى تركنا ما تمسكتم به لإنعاملكم به، وذلك قول لسان حال إذ خاطبوهم بسوء، وسكتوا عن جوابهم، وهو أولى من أن يفسر بالنطق، لأنه قد يكون سبباً للجرأة، روى أن ابراهيم بن المهدى رأى علياً فى نومه، يريد أن يعبر قنطرة فقال له: إنما تدعى هذا الأمر بامرأة ونحن أحق به منك، وذكر ذلك للمأمون وقال: ما رأيت له بلاغة فى الجواب، فقال له المأمون: بم أجابك؟ فقال قال: سلاماً سلاماً، فقال: يا عم لقد أجابك بأبلغ جواب، إذ جعلك جاهلاً وأجابك بما أمر الله به، وقرأ المأمون الآية، فذل ابراهيم، وكان منحرفاً عن على، وكان الحسن اذا قرأ ما مر قال: هذا وصف نهارهم، وإذا قرأ قوله تعالى: {والذين يبيتون} الخ قال هذا وصف ليلهم، والبيتوتة أن يدركك الليل نمت أو لم تنم {لربهم سُجَّداً وقِياماً} جمع قائم وقدم لربهم وسجداً للفاصلة، والسجود لأنه أقرب ما يكون العبد من ربه، ولكن المتكبرين أبوا منه مدحهم الله بقيام الليل كله أو نصفه، أو دونه، وقيل من قرأ شيئاً من القرآن فى الصلاة فى الليل فقد بات ساجداً وقائماً، وقيل: المراد ركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وقيل: من شفع وأوتر بعد العشاء فقد دخل فى الآية.
الالوسي
تفسير : {وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ } كلام مستأنف لبيان أوصاف خلص عباد الله تعالى وأحوالهم الدنيوية والأخروية بعد بيان حال النافرين عن عبادته سبحانه والسجود له عز وجل، وإضافتهم إلى الرحمن دون غيره من أسمائه تعالى وضمائره عز وجل لتخصيصهم برحمته أو لتفضيلهم على من عداهم لكونهم مرحومين منعماً عليهم كما يفهم من فحوى الإضافة إلى مشتق. وفي ذلك أيضاً تعريض بمن قالوا: {أية : وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ} تفسير : [الفرقان: 60] والأكثرون أن عباداً هنا جمع عبد، وقال ابن بحر: جمع عابد كصاحب وصحاب وراجل ورجال ويوافقه قراءة اليماني {وعباد } بضم العين وتشديد الباء فإنه جمع عابد بالإجماع وهو على هذا من العبادة وهي أن يفعل ما يرضاه الرب وعلى الأول من العبودية وهي أن يرضي ما يفعله الرب، وقال الراغب: العبودية إظهار التذلل والعبادة أبلغ منها لأنها غاية التذلل. وفرق بعضهم بينهما بأن العبادة فعل المأمورات وترك المنهيات رجاء الثواب والنجاة من العقاب بذلك والعبودية فعل المأمورات وترك المنهيات لا لما ذكر بل لمجرد إِحسان الله تعالى عليه. قيل: وفوق ذلك العبودة وهو فعل وترك ما ذكر لمجرد أمره سبحانه ونهيه عز وجل واستحقاقه سبحانه الذاتي لأن يعظم ويطاع، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {أية : فَصَلّ لِرَبّكَ } تفسير : [الكوثر: 2] وقرأ الحسن {وعبد} بضم العين والباء وهو كما قال الأخفش جمع عبد كسقف وسقف وأنشد:شعر : أنسب العبد إلى آبائه أسود الجلدة من قوم عبد تفسير : وهو على كل حال مبتدأ وفي خبره قولان: الأول أنه ما في آخر السورة الكريمة من الجملة المصدرة باسم الإشارة، والثاني وهو الأقرب أنه قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً } والهون مصدر بمعنى اللين والرفق. ونصبه إما على أنه نعت لمصدر محذوف أي مشياً هوناً أو على أنه حال من ضمير {يَمْشُونَ } والمراد يمشون هينين في تؤدة وسكينة ووقار وحسن سمت لا يضربون بأقدامهم ولا يخفقون بنعالهم أشراً وبطراً، وروي نحو هذا عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة والفصيل بن عياض وغيرهم، وعن الإمام أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه أن الهون مشي الرجل بسجيته التي جبل عليها لا يتكلف ولا يتبختر. وأخرج الآمدي في «شرح ديوان الأعشى» بسنده عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه رأى غلاماً يتبختر في مشيته فقال له: إن البخترة مشية تكره إلا في سبيل الله تعالى وقد مدح الله تعالى أقواماً بقوله سبحانه: {وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً } فاقصد في مشيتك. وقيل: المشي الهون مقابل السريع وهو مذموم. فقد أخرج أبو نعيم في «الحلية» عن أبـي هريرة وابن النجار عن ابن عباس قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن»تفسير : . وأخرج ابن أبـي حاتم عن ميمون بن مهران إن {هَوْناً } بمعنى حلماء بالسريانية فيكون حالاً لا غير. والظاهر / أنه عربـي بمعنى اللين والرفق. وفسره الراغب بتذلل الإنسان في نفسه لما لا يلحق به غضاضة وهو الممدوح ومنه الحديث «حديث : المؤمن هين لين» تفسير : والظاهر بقاء المشي على حقيقته وأن المراد مدحهم بالسكينة والوقار فيه من غير تعميم. نعم يلزم من كونهم يمشون كذلك أنهم هينون لينون في سائر أمورهم بحكم العادة على ما قيل. واختار ابن عطية أن المراد مدحهم بعدم الخشونة والفظاظة في سائر أمورهم وتصرفاتهم. والمراد أنهم يعيشون بين الناس هينين في كل أمورهم. وذكر المشي لما أنه انتقال في الأرض وهو يستدعي معاشرة الناس ومخالطتهم واللين مطلوب فيها غاية الطلب. ثم قال: وإما أن يكون المراد مدحهم بالمشي وحده هوناً فباطل فكم ماش هوناً رويداً وهو ذئب أطلس. وقد كان صلى الله عليه وسلم يتكفأ في مشيه كأنما يمشي في صبب وهو عليه الصلاة والسلام الصدر في هذه الآية. وفيه بحث من وجهين فلا تغفل. وقرأ اليماني والسلمي {يَمْشُونَ } مبنياً للمفعول مشدداً. {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَـٰهِلُونَ } أي السفهاء وقليلو الأدب كما في قوله:شعر : ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا تفسير : {قَالُواْ سَلاَماً } بيان لحالهم في المعاملة مع غيرهم إثر بيان حالهم في أنفسهم أو بيان لحسن معاملتهم وتحقيق للينهم عند تحقق ما يقتضي خلاف ذلك إذا خلي الإنسان وطبعه أي إذا خاطبوهم بالسوء قالوا تسلماً منكم ومتاركة لا خير بيننا وبينكم ولا شر، فسلاماً مصدر أقيم مقام التسليم وهو مصدر مؤكد لفعله المضمر، والتقدير نتسلم تسلماً منكم، والجملة مقول القول. وإلى هذا ذهب سيبويه في «الكتاب» ومنع أن يراد السلام المعروف بأن الآية مكية والسلام في النساء وهي مدنية ولم يؤمر المسلمون بمكة أن يسلموا على المشركين. وقال الأصم: هو سلام توديع لا تحية كقول إبراهيم عليه السلام لأبيه {أية : سَلَـٰمٌ عَلَيْكَ }تفسير : [مريم: 47] ولا يخفى أنه راجع إلى المتاركة وهو كثير في كلام العرب. وقال مجاهد: المراد قالوا قولاً سديداً. وتعقب بأن هذا تفسير غير سديد لأن المراد هٰهنا يقولون هذه اللفظة لا أنهم يقولون قولاً ذا سداد بدليل قوله تعالى: {أية : سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي ٱلْجَاهِلِينَ}تفسير : [القصص: 55]. ورده صاحب «الكشف» بأن تلك الآية لا تخالف هذا التفسير فإن قولهم {سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} من سداد القول أيضاً كيف والظاهر أن خصوص اللفظ غير مقصود بل هو أو ما يؤدي مؤداه أيضاً من كل قول يدل على المتاركة مع الخلو عن الإثم واللغو وهو حسن لا غبار عليه. وفي بعض التواريخ كما في «البحر» أن إبراهيم بن المهدي كان منحرفاً عن علي كرم الله تعالى وجهه فرآه في النوم قد تقدم إلى عبور قنطرة فقال له: إنما تدعي هذا الأمر بامرأة ونحن أحق به منك فحكى ذلك على المأمون ثم قال: ما رأيت له بلاغة في الجواب كما يذكر عنه فقال له المأمون: فما أجابك به قال: كان يقول لي: سلاماً سلاماً فقال المأمون: يا عم قد أجابك بأبلغ جواب ونبهه على هذه الآية فخزي إبراهيم واستحي عليه من الله تعالى ما يستحق، والظاهر أن المراد مدحهم بالإغضاء عن السفهاء وترك مقابلتهم في الكلام ولا تعرض في الآية لمعاملتهم مع الكفرة فلا تنافي آية القتال ليدعي نسخها بها لأنها مكية وتلك مدنية. ونقل عن أبـي العالية واختاره ابن عطية أنها نسخت بالنظر إلى الكفرة بآية القتال.
سيد قطب
تفسير : هذا الشوط الأخير في السورة يبرز فيه {عباد الرحمن} بصفاتهم المميزة، ومقوماتهم الخاصة؛ وكأنما هم خلاصة البشرية في نهاية المعركة الطويلة بين الهدى والضلال. بين البشرية الجاحدة المشاقة والرسل الذين يحملون الهدى لهذه البشرية. وكأنما هم الثمرة الجنية لذلك الجهاد الشاق الطويل، والعزاء المريح لحملة الهدى فيها لاقوه من جحود وصلادة وإعراض!. وقد سبق في الدرس الماضي تجاهل المشركين واستنكارهم لاسم {الرحمن} فهاهم أولاء عباد الرحمن، الذين يعرفون الرحمن، ويستحقون أن ينسبوا إليه، وأن يكونوا عباده. ها هم أولاء بصفاتهم المميزة ومقومات نفوسهم وسلوكهم وحياتهم. ها هم أولاء مثلاً حية واقعية للجماعة التي يريدها الإسلام، وللنفوس التي ينشئها بمنهجه التربوي القويم. وهؤلاء هم الذين يستحقون أن يعبأ بهم الله في الأرض، ويوجه إليهم عنايته؛ فالبشر كلهم أهون على الله من أن يعبأ بهم، لولا أن هؤلاء فيهم، ولولا أن هؤلاء يتوجهون إليه بالتضرع والدعاء. {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا: سلاماً}.. ها هي ذي السمة الأولى من سمات عباد الرحمن: أنهم يمشون على الأرض مشية سهلة هينة، ليس فيها تكلف ولا تصنع، وليس فيها خيلاء ولا تنفج، ولا تصعير خد ولا تخلع أو ترهل. فالمشية ككل حركة تعبير عن الشخصية، وعما يستكن فيها من مشاعر. والنفس السوية المطمئنة الجادة القاصدة، تخلع صفاتها هذه على مشية صاحبها، فيمشي مشية سوية مطمئنة جادة قاصدة. فيها وقار وسكينة، وفيها جد وقوة. وليس معنى: {يمشون على الأرض هوناً} أنهم يمشون متماوتين منكسي الرؤوس، متداعي الأركان، متهاوي البنيان؛ كما يفهم بعض الناس ممن يريدون إظهار التقوى والصلاح! وهذا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان إذا مشى تكفأ تكفياً، وكان أسرع الناس مشية، وأحسنها وأسكنها، قال أبو هريرة: ما رأيت شيئاً أحسن من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كأن الشمس تجري في وجهه، وما رأيت أحداً أسرع في مشيته من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كأنما الأرض تطوى له ـ وإنا لنجهد أنفسنا وإنه لغير مكترث. وقال على بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا مشى تكفأ تكفياً كأنما ينحط من صبب. وقال مرة إذا تقلع ـ قلت والتقلع الارتفاع من الأرض بجملته كحال المنحط من الصبب، وهي مشية أولي العزم والهمة والشجاعة. وهم في جدهم ووقارهم وقصدهم إلى ما يشغل نفوسهم من اهتمامات كبيرة، لا يتلفتون إلى حماقة الحمقى وسفه السفهاء، ولا يشغلون بالهم ووقتهم وجهدهم بالاشتباك مع السفهاء والحمقى في جدل أو عراك، ويترفعون عن المهاترة مع المهاترين الطائشين: {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا: سلاماً} لا عن ضعف ولكن عن ترفع؛ ولا عن عجز إنما عن استعلاء، وعن صيانة للوقت والجهد أن ينفقا فيما لا يليق بالرجل الكريم المشغول عن المهاترة بما هو أهم وأكرم وأرفع. هذا نهارهم مع الناس فأما ليلهم فهو التقوى ومراقبة الله، والشعور بجلاله، والخوف من عذابه. {والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً. والذين يقولون: ربنا اصرف عنا عذاب جهنم. إن عذابها كان غراماً. إنها ساءت مستقراً ومقاماً}.. والتعبير يبرز من الصلاة السجود والقيام لتصوير حركة عباد الرحمن، في جنح الليل والناس نيام. فهؤلاء قوم يبيتون لربهم سجداً وقياماً، يتوجهون لربهم وحده، ويقومون له وحده، ويسجدون له وحده. هؤلاء قوم مشغولون عن النوم المريح اللذيذ، بما هو أروح منه وأمتع، مشغولون بالتوجه إلى ربهم، وتعليق أرواحهم وجوارحهم به، ينام الناس وهم قائمون ساجدون؛ ويخلد الناس إلى الأرض وهم يتطلعون إلى عرش الرحمن، ذي الجلال والإكرام. وهم في قيامهم وسجودهم وتطلعهم وتعلقهم تمتلىء قلوبهم بالتقوى، والخوف من عذاب جهنم. يقولون: {ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراماً. إنها ساءت مستقراً ومقاماً".. وما رأوا جهنم، ولكنهم آمنوا بوجودها، وتمثلوا صورتها مما جاءهم في القرآن الكريم وعلى لسان رسول الله الكريم. فهذا الخوف النبيل إنما هو ثمرة الإيمان العميق، وثمرة التصديق. وهم يتوجهون إلى ربهم في ضراعة وخشوع ليصرف عنهم عذاب جهنم. لا يطمئنهم أنهم يبيتون لربهم سجداً وقياماً؛ فهم لما يخالج قلوبهم من التقوى يستقلون عملهم وعبادتهم، ولا يرون فيها ضماناً ولا أماناً من النار، إن لم يتداركهم فضل الله وسماحته وعفوه ورحمته، فيصرف عنهم عذاب جهنم. والتعبير يوحي كأنما جهنم متعرضة لكل أحد، متصدية لكل بشر، فاتحة فاها، تهم أن تلتهم، باسطة أيديها تهم أن تقبض على القريب والبعيد! وعباد الرحمن الذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً، يخافونها ويخشونها، ويتضرعون إلى ربهم أن يصرف عنهم عذابها، وأن ينجيهم من تعرضها وتصديها! ويرتعش تعبيرهم وهم يتضرعون إلى ربهم خوفاً وفزعاً: {إِن عذابها كان غراماً}: أي ملازماً لا يتحول عن صاحبه ولا يفارقه ولا يقيله؛ فهذا ما يجعله مروعاً مخيفاً شنيعاً.. {إِنها ساءت مستقراً ومقاماً} وهل أسوأ من جهنم مكاناً يستقر فيه الإنسان ويقيم. وأين الاستقرار وهي النار؟ وأين المقام وهو التقلب على اللظى ليل نهار! وهم في حياتهم نموذج القصد والاعتدال والتوازن: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا، وكان بين ذلك قواماً}.. وهذه سمة الإسلام التي يحققها في حياة الأفراد والجماعات؛ ويتجه إليها في التربية والتشريع، يقيم بناءه كله على التوازن والاعتدال. والمسلم ـ مع اعتراف الإسلام بالملكية الفردية المقيدة ـ ليس حراً في إنفاق أمواله الخاصة كما يشاء ـ كما هو الحال في النظام الرأسمالي، وعند الأمم التي لا يحكم التشريع الإلهي حياتها في كل ميدان. إنما هو مقيد بالتوسط في الأمرين الإسراف والتقتير. فالإسراف مفسدة للنفس والمال والمجتمع؛ والتقتير مثله حبس للمال عن انتفاع صاحبه به وانتفاع الجماعة من حوله فالمال أداة اجتماعية لتحقيق خدمات اجتماعية. والإسراف والتقتير يحدثان اختلالاً في المحيط الاجتماعي والمجال الاقتصادي، وحبس الأموال يحدث أزمات ومثله إطلاقها بغير حساب. ذلك فوق فساد القلوب والأخلاق. والإسلام وهو ينظم هذا الجانب من الحياة يبدأ به من نفس الفرد، فيجعل الاعتدال سمة من سمات الإيمان: {وكان بين ذلك قواماً}.. وسمة عباد الرحمن بعد ذلك أنهم لا يشركون بالله، ويتحرجون من قتل النفس، ومن الزنا. تلك الكبائر المنكرات التي تستحق أليم العذاب: {والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا يزنون. ومن يفعل ذلك يلق أثاماً. يضاعف له العذاب يوم القيامة، ويخلد فيه مهاناً. إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً، فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات، وكان الله غفوراً رحيماً. ومن تاب وعمل صالحاً فإنه يتوب إلى الله متاباً}. وتوحيد الله أساس هذه العقيدة، ومفرق الطريق بين الوضوح والاستقامة والبساطة في الاعتقاد؛ والغموض والالتواء والتعقيد، الذي لا يقوم على أساسه نظام صالح للحياة. والتحرج من قتل النفس ـ إلا بالحق ـ مفرق الطريق بين الحياة الاجتماعية الآمنة المطمئنة التي تحترم فيها الحياة الإنسانية ويقام لها وزن؛ وحياة الغابات والكهوف التي لا يأمن فيها على نفسه أحد ولا يطمئن إلى عمل أو بناء. والتحرج من الزنا هو مفرق الطريق بين الحياة النظيفة التي يشعر فيها الإنسان بارتفاعه عن الحس الحيواني الغليظ، ويحس بأن لالتقائه بالجنس الآخر هدفاً أسمى من إرواء سعار اللحم والدم، والحياة الهابطة الغليظة التي لا هم للذكران والإناث فيها إلا إرضاء ذلك السعار. ومن أجل أن هذه الصفات الثلاثة مفرق الطريق بين الحياة اللائقة بالإنسان الكريم على الله؛ والحياة الرخيصة الغليظة الهابطة إلى درك الحيوان.. من أجل ذلك ذكرها الله في سمات عباد الرحمن. أرفع الخلق عند الله وأكرمهم على الله. وعقب عليها بالتهديد الشديد: {ومن يفعل ذلك يلق أثاماً} أي عذاباً. وفسر هذا العذاب بما بعده {يضاعف له العذاب يوم القيامة. ويخلد فيه مهاناً}.. فليس هو العذاب المضاعف وحده، وإنما هي المهانة كذلك، وهي أشد وأنكى. ثم يفتح باب التوبة لمن أراد أن ينجو من هذا المصير المسيء بالتوبة والإيمان الصحيح والعمل الصالح: {إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً} ويعد التائبين المؤمنين العاملين أن يبدل ما عملوه من سيئات قبل التوبة حسنات بعدها تضاف إلى حسناتهم الجديدة: {فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات}. وهو فيض من عطاء الله لا مقابل له من عمل العبد إلا أنه اهتدى ورجع عن الضلال، وثاب إلى حمى الله، ولاذ به بعد الشرود والمتاهة. {وكان الله غفوراً رحيماً}.. وباب التوبة دائماً مفتوح، يدخل منه كل من استيقظ ضميره، وأراد العودة والمآب. لا يصد عنه قاصد، ولا يغلق في وجه لاجئ، أياً كان، وأياً ما ارتكب من الآثام. روى الطبراني من حديث أبي المغيرة عن صفوان بن عمر عن عبد الرحمن بن جبير "حديث : عن أبي فروة، أنه أتى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: أرأيت رجلاً عمل الذنوب كلها ولم يترك حاجة ولا داجة، فهل له من توبة؟ فقال: "أسلمت؟" فقال: نعم. قال: "فافعل الخيرات واترك السيئات، فيجعلها الله لك خيرات كلها" قال: وغدراتي وفجراتي؟ قال:"نعم". فما زال يكبر حتى توارى ". تفسير : ويضع قاعدة التوبة وشرطها: {ومن تاب وعمل صالحاً فإنه يتوب إلى الله متاباً}.. فالتوبة تبدأ بالندم والإقلاع عن المعصية، وتنتهي بالعمل الصالح الذي يثبت أن التوبة صحيحة وأنها جدية. وهو في الوقت ذاته ينشئ التعويض الإيجابي في النفس للإقلاع عن المعصية. فالمعصية عمل وحركة، يجب ملء فراغه بعمل مضاد وحركة، وإلا حنت النفس إلى الخطيئة بتأثير الفراغ الذي تحسه بعد الإقلاع. وهذه لمحة في منهج التربية القرآني عجيبة، تقوم على خبرة بالنفس الإنسانية عميقة. ومن أخبر من الخالق بما خلق؟ سبحانه وتعالى! وبعد هذا البيان المعترض يعود إلى سمات {عباد الرحمن}: {والذين لا يشهدون الزور، وإذا مروا باللغو مروا كراماً}.. وعدم شهادة الزور قد تكون على ظاهر اللفظ ومعناه القريب، أنهم لا يؤدون شهادة زور، لما في ذلك من تضييع الحقوق، والإعانة على الظلم. وقد يكون معناها الفرار من مجرد الوجود في مجلس أو مجال يقع فيه الزور بكل صنوفه وألوانه، ترفعاً منهم عن شهود مثل هذه المجالس والمجالات. وهو أبلغ وأوقع. وهم كذلك يصونون أنفسهم واهتماماتهم عن اللغو والهذر: {وإذا مروا باللغو مروا كراماً} لا يشغلون أنفسهم به، ولا يلوثونها بسماعه؛ إنما يكرمونها عن ملابسته ورؤيته بله المشاركة فيه! فللمؤمن ما يشغله عن اللغو والهذر، وليس لديه من الفراغ والبطالة ما يدفعه إلى الشغل باللغو الفارغ، وهو من عقيدته ومن دعوته ومن تكاليفها في نفسه وفي الحياة كلها في شغل شاغل. ومن سماتهم أنهم سريعو التذكر إذا ذكروا، قريبو الاعتبار إذا وعظوا، مفتوحو القلوب لآيات الله، يتلقونها بالفهم والاعتبار: {والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صماً وعمياناً}. وفي التعبير تعريض بالمشركين الذين ينكبون على آلهتهم وعقائدهم وأباطيلهم كالصم والعميان؛ لا يسمعون ولا يبصرون، ولا يتطلعون إلى هدى أو نور. وحركة الانكباب على الوجوه بلا سمع ولا بصر ولا تدبر حركة تصور الغفلة والانطماس والتعصب الأعمى. فأما عباد الرحمن، فهم يدركون إدراكاً واعياً بصيراً ما في عقيدتهم من حق، وما في آيات الله من صدق، فيؤمنوا إيماناً واعياً بصيراً، لا تعصباً أعمى ولا انكباباً على الوجوه! فإذا تحمسوا لعقيدتهم فإنما هي حماسة العارف المدرك البصير. وأخيراً فإن عباد الرحمن لا يكفيهم أنهم يبيتون لربهم سجداً وقياماً؛ وأنهم يتسمون بتلك السمات العظيمة كلها، بل يرجون أن تعقبهم ذرية تسير على نهجهم، وأن تكون لهم أزواج من نوعهم؛ فتقر بهم عيونهم، وتطمئن بهم قلوبهم، ويتضاعف بهم عدد {عباد الرحمن} ويرجون أن يجعل الله منهم قدوة طيبة للذين يتقون الله ويخافونه: {والذين يقولون: ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين، واجعلنا للمتقين إماماً}.. وهذا هو الشعور الفطري الإيماني العميق: شعور الرغبة في مضاعفة السالكين في الدرب إلى الله. وفي أولهم الذرية والأزواج، فهم أقرب الناس تبعة وهم أول أمانة يسأل عنها الرجال. والرغبة كذلك في أن يحس المؤمن أنه قدوة للخير، يأتم به الراغبون في الله. وليس في هذا من أثرة ولا استعلاء فالركب كله في الطريق إلى الله. فأما جزاء عباد الرحمن فيختم به هذا البيان: {أولئك يجزون الغرفة بما صبروا، ويلقون فيها تحية وسلاماً، خالدين فيها حسنت مستقراً ومقاماً}.. والغرفة ربما كان المقصود بها الجنة، أو المكان الخاص في الجنة، كما أن الغرفة أكرم من البهو فيما اعتاد الناس في البيوت في هذه الأرض، عندما يستقبلون الأضياف. وأولئك الكرام الذين سبقت صفاتهم وسماتهم، يستقبلون في الغرفة بالتحية والسلام، جزاء ما صبروا على تلك الصفات والسمات. وهو تعبير ذو دلالة. فهذه العزائم تحتاج إلى الصبر على شهوات النفس، ومغريات الحياة، ودوافع السقوط. والاستقامة جهد لا يقدر عليه إلا بالصبر. الصبر الذي يستحق أن يذكره الله في هذا الفرقان. وفي مقابل جهنم التي يتضرعون إلى ربهم أن يصرفها عنهم لأنها ساءت مستقراً ومقاماً، يجزيهم الله الجنة {خالدين فيها. حسنت مستقراً ومقاماً} فلا مخرج لهم إلا أن يشاء الله. وهم فيها على خير حال من الاستقرار والمقام. والآن وقد صور عباد الرحمن. تلك الخلاصة الصافية للبشرية. يختم السورة بهوان البشرية على الله لولا هؤلاء الذين يتطلعون إلى السماء. فأما المكذبون فالعذاب حتم عليهم لزام. {قل: ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاماً}.. وهو ختام يناسب موضوع السورة كلها؛ ومساقها للتسرية عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتعزيته عما يلاقي من عناد قومه وجحودهم، وتطاولهم عليه، وهم يعرفون مقامه؛ ولكنهم في سبيل الإبقاء على باطلهم يعاندون ويصرون.. فما قومه؟ وما هذه البشرية كلها، لولا القلة المؤمنة التي تدعو الله. وتتضرع إليه. كما يدعو عباد الرحمن ويتضرعون؟ من هم والأرض التي تضم البشر جميعاً إن هي إلا ذرة صغيرة في فضاء الكون الهائل. والبشرية كلها إن هي إلا نوع من أنواع الأحياء الكثيرة على وجه هذه الأرض. والأمة واحدة من أمم هذه الأرض. والجيل الواحد من أمة إن هو إلا صفحة من كتاب ضخم لا يعلم عدد صفحاته إلا الله؟ وإن الإنسان مع ذلك لينتفخ وينتفخ ويحسب نفسه شيئاً؛ ويتطاول ويتطاول حتى ليتطاول على خالقه سبحانه! وهو هين هين، ضعيف ضعيف، قاصر قاصر. إلا أن يتصل بالله فيستمد منه القوة والرشاد، وعندئذ فقط يكون شيئاً في ميزان الله؛ وقد يرجح ملائكة الرحمن في هذا الميزان. فضلاً من الله الذي كرم هذا الإنسان وأسجد له الملائكة، ليعرفه ويتصل به ويتعبد له، فيحفظ بذلك خصائصه التي سجدت له معها الملائكة؛ وإلا فهو لقي ضائع، لو وضع نوعه كله في الميزان ما رجحت به كفة الميزان! {قل: ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم}.. وفي التعبير سند للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإعزاز: {قل: ما يعبأ بكم ربي}. فأنا في جواره وحماه. هو ربي وأنا عبده. فما أنتم بغير الإيمان به، والانضمام إلى عباده؟ إنكم حصب جهنم {فقد كذبتم فسوف يكون لزاماً}..
ابن عاشور
تفسير : عطف جملة على جملة، فالجملة المعطوفة هي {عباد الرحمٰن} إلخ، فهو مبتدأ وخبره {الذين يمشون على الأرض هوناً} إلخ. وقيل: الخبر {أية : أولئك يجزون الغرفة بما صبروا}تفسير : [الفرقان: 75]. والجملةُ المعطوف عليها جملة {أية : وهو الذي جعل الليل والنهار خِلفة}تفسير : [الفرقان: 62] إلخ. فبمناسبة ذكر من أراد أن يذَّكَّر تُخلّص إلى خصال المؤمنين أتباع النبي صلى الله عليه وسلم حتى تستكمل السورة أغراض التنويه بالقرآن ومن جاء به ومن اتبعوه كما أشرنا إليه في الإلمام بأهم أغراضها في طالعة تفسيرها. وهذا من أبدع التخلص إذْ كان مفاجئاً للسامع مطمِعاً أنه استطراد عارض كسوابقه حتى يُفاجئه ما يؤذن بالختام وهو {أية : قل ما يَعْؤا بكم ربّي}تفسير : [الفرقان: 77] الآية. والمراد بــــ{عباد الرحمٰن} بادىء ذي بدء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فالصلات الثمان التي وصفوا بها في هذه الآية حكاية لأوصافهم التي اختصوا بها. وإذ قد أُجريت عليهم تلك الصفات في مقام الثناء والوعد بجزاء الجنة عُلم أن من اتصف بتلك الصفات موعود بمثل ذلك الجزاءِ وقد شرفهم الله بأن جعل عنوانهم عبادَه، واختار لهم من الإضافة إلى اسمه اسمَ الرحمٰن لوقوع ذكرهم بعد ذكر الفريق الذين قيل لهم: {أية : اسجُدوا للرحمان. قالوا: وما الرحمٰن}تفسير : [الفرقان: 60]. فإذا جعل المراد من {عباد الرحمٰن} أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان الخبرُ في قوله {الذين يمشون على الأرض هوناً} إلى آخر المعطوفات وكان قوله الآتي {أية : أولئك يُجْزَوْن الغرفة بما صبروا}تفسير : [الفرقان: 75] استئنافاً لبيان كونهم أحرياء بما بعد اسم الإشارة. وإذا كان المراد من {عباد الرحمٰن} جميع المؤمنين المتصفين بمضمون تلك الصلات كانت تلك الموصولات وصلاتها نعوتاً لــــ{عباد الرحمٰن} وكان الخبر اسمَ الإشارة في قوله {أية : أولئك يُجْزَوْنَ الغرفة}تفسير : [الفرقان: 75] إلخ. وفي الإطناب بصفاتهم الطيبة تعريض بأن الذين أبوا السجود للرحمان وزادهم نفوراً هم على الضد من تلك المحامد، تعريضاً تشعر به إضافةُ {عباد} إلى {الرحمٰن}. واعلم أن هذه الصلات التي أجريت على {عباد الرحمٰن} جاءت على أربعة أقسام: قسم هو من التحلّي بالكمالات الدينية وهي التي ابتدىء بها من قوله تعالى {أية : الذين يمشون على الأرض هوناً} تفسير : إلى قوله {سلاماً} [الفرقان: 75]. وقسم هو من التخلّي عن ضلالات أهل الشرك وهو الذي من قوله: {أية : والذين لا يَدْعُون مع الله إلهاً آخر}تفسير : [الفرقان: 68]. وقسم هو من الاستقامة على شرائع الإسلام وهو قوله: {أية : والذين يَبِيتُون لربهم سُجَّداً وقياماً}تفسير : [الفرقان: 64]، وقولُه {أية : والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا}تفسير : [الفرقان: 67] الآية، وقوله: {ولا يقتلون النفس} إلى قوله {أية : لا يشهدون الزور}تفسير : [الفرقان: 68 ـــ 72] إلخ. وقسم من تطلب الزيادة من صلاح الحال في هذه الحياة وهو قوله: {أية : والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا} تفسير : [الفرقان: 74] إلى قوله: {أية : للمتقين إماماً}تفسير : [الفرقان: 74]. وظاهر قوله {يمشون على الأرض هوناً} أنه مدح لمِشيةٍ بالأرْجُل وهو الذي حمل عليه جمهورُ المفسرين. وجوز الزجاج أن يكون قوله {يمشون} عبارة عن تصرفاتهم في معاشرة الناس فعُبّر عن ذلك بالانتقال في الأرض وتبعه ابن عطية وهذا الذي ذكره مأخوذ مما روي عن زيد ابن أسلم كما سيأتي. فعلى الوجه الأول يكون تقييدُ المشي بأنه على الأرض ليكون في وصفه بالهَوْن ما يقتضي أنهم يمشون كذلك اختياراً وليس ذلك عند المشي في الصعدات أو على الجنادل. والهَوْن: اللين والرفق. ووقع هنا صفة لمصدر المشي محذوف تقديره (مَشْياً) فهو منصوب على النيابة عن المفعول المطلق. والمشي الهَوْن: هو الذي ليس فيه ضرب بالأقدام وخفقُ النعال فهو مخالف لمشْي المتجبرين المعجَبين بنفوسهم وقوتهم. وهذا الهَوْن ناشىء عن التواضع لله تعالى والتخلُّق بآداب النفس العالية وزوال بطر أهل الجاهلية فكانت هذه المشية من خلال الذين آمنوا على الضد من مشي أهل الجاهلية. وعن عمر بن الخطاب أنه رأى غلاماً يتبختر في مِشيته فقال له «إن البخترة مِشية تُكْره إلا في سبيل الله». وقد مدح الله تعالى أقواماً بقوله سبحانه {وعباد الرحمٰن الذين يمشون على الأرض هوناً} فاقْصِدْ في مِشيتِك، وحكى الله تعالى عن لقمان قولَه لابنه {أية : ولا تَمْششِ في الأرض مرَحاً}تفسير : [الإسراء: 37]. والتخلّق بهذا الخلق مظهر من مظاهر التخلق بالرحمة المناسب لعباد الرحمان لأن الرحمة ضد الشدة، فالهوْن يناسب ماهيتَها وفيه سلامة من صدم المارين. وعن زيد بن أسلم قال: كنت أسأل عن تفسير قوله تعالى: {الذين يمشون على الأرض هوناً} فما وجدت في ذلك شفاء فرأيت في المنام من جاءني فقال لي: «هُم الذين لا يريدون أن يفسدوا في الأرض». فهذا رأي لزيد بن أسلم أُلهمه يجعل معنى {يمشون على الأرض} أنه استعارة للعمل في الأرض كقوله تعالى {أية : وإذا تولّى سعى في الأرض لِيُفْسِد فيها}تفسير : [البقرة: 205] وأن الهوْن مستعار لفعل الخير لأنه هون على الناس كما يسمى بالمعروف. وقُرن وصفهم بالتواضع في سمتهم وهو المشي على الأرض هوْناً بوصف آخر يناسب التواضع وكراهيةَ التطاول وهو متاركة الذين يجهلون عليهم في الخطاب بالأذى والشتم وهؤلاء الجاهلون يومئذ هم المشركون إذ كانوا يتعرضون للمسلمين بالأذى والشتم فعلمهم الله متاركة السفهاء، فالجهل هنا ضد الحلم، وذلك أشهر إطلاقاته عند العرب قبل الإسلام وذلك معلوم في كثير من الشعر والنثر. وانتصب {سلاماً} على المفعولية المطلقة. وذكرهم بصفة الجاهلين دون غيرها مما هو أشد مذمّةً مثل الكافرين لأن هذا الوصف يُشعر بأن الخطاب الصادر منهم خطاب الجهالة والجفوة. و(السلام) يجوز أن يكون مصدراً بمعنى السلامة، أي لا خير بيننا ولا شرّ فنحن مُسلمون منكم. ويجوز أن يكون مراداً به لفظ التحية فيكون مستعملاً في لازمه وهو المتارَكة لأن أصل استعمال لفظ السلام في التحيةِ أنه يؤذن بالتأمين، أي عدم الإهاجة، والتأمين: أول ما يلقى به المرء من يريد إكرامَه، فتكون الآية في معنى قوله {أية : وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلامٌ عليكم لا نبتغي الجاهلين}تفسير : [القصص: 55]. قال ابن عطية: وأريت في بعض التواريخ أن إبراهيم بن المهدي وكان من المائلين على علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال يوماً بحضرة المأمون وعنده جماعة: كنت أرى علي بن أبي طالب في النوم فكنت أقول له: من أنت؟ فكان يقول: عليٌّ بن أبي طالب، فكنت أجيء معه إلى قنطرة فيذهب فيتقدمني في عُبورها فكنت أقول: إنما تَدَّعي هذا الأمر بامرأةٍ ونحن أحق به منك، فما رأيت له في الجواب بلاغةً كما يُذكر عنه، قال المأمون: وبماذا جاوبك؟ قال: فكان يقول لي: سَلاماً. قال الراوي: فكأنَّ إبراهيم بن المهدي لا يحفظ الآية أو ذهبتْ عنه في ذلك الوقت، فنبه المأمونُ على الآية من حضره وقال: هو والله يا عمّ عليّ بن أبي طالب وقد جاوبك بأبلغ جواب، فخُزي إبراهيم واستحيا. ولأجل المناسبة بين الصيغتين عطفت هذه على الصلة الأولى. ولم يكرر اسم الموصول كما كرر في الصفات بعدها.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولاً} تفسير : [الإسراء: 37]. قوله تعالى: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً}. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: {أية : قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً} تفسير : [مريم: 47] الآية.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: يمشون على الأرض هوناً: في سكينة ووقار. وإذا خاطبهم الجاهلون: أي بما يكرهون من الأقوال. قالوا سلاماً: أي قولاً يسلمون به من الإِثم، ويسمى هذا سلام المتاركة. سجداً وقياماً: أي يصلون بالليل سجداً جمع ساجد. إن عذابها كان غراماً: أي عذاب جهنم كان لازماً لا يفارق صاحبه. إنها ساءت متسقراً ومقاماً: أي بئست مستقراً وموضع إقامة واستقرار. لم يسرفوا ولم يقتروا: أي لم يبذروا ولم يضيقوا. وكان بين ذلك قواماً: أي بين الإِسراف والتقتير وسطاً. التي حرم الله: وهي كل نفس آدمية إلا نفس الكافر المحارب. إلا بالحق: وهو واحد من ثلاث: كفر بعد إيمان أو زنى بعد إحصان أو قتل ظلم وعدوان. يلق أثاماً: أي عقوبة شديدة. يبدل الله سيئاتهم حسنات: بأن يمحو بالتوبة سوابق معاصيهم، ويثبت مكانها لواحق طاعاتهم. معنى الآيات: لما أنكر المشركون الرحمن {أية : قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ}تفسير : [الفرقان: 60] وأبوا أن يسجدوا للرحمن، وقالوا أن محمداً ينهانا عن الشرك وهو يدعو مع الله الرحمن فيقول يا الله يا رحمن، ناسب لتجاهلهم هذا الاسم الرحمن أن يذكر لهم صفات عباد الرحمن ليعرفوا الرحمن بعباده على حد (خيركم من إذا رُؤي ذُكر الله) فقال تعالى {وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ} ووصفهم بثمان صفات وأخبر عنهم بما أعده لهم من كرامة يوم القيامة. الأولى في قوله {ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً} أي ليسوا جبابرة متكبرين، ولا عصاة مفسدين ولكن يمشون متواضعين عليهم السكينة والوقار، {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ} أي السفهاء بما يكرهون من القول قالوا قولاً يسلمون به من الإِثم فلم يردوا السيئة بالسيئة ولكن بالحسنة. الثانية: في قوله {وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً} أي يقضون ليلهم بين السجود والقيام يصفون أقدامهم ويذرفون دموعهم على خدودهم خوفاً من عذاب ربهم. والثالثة: في قوله {وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ} إنهم لقوة يقينهم كأنهم شاعرون بلهب جهنم يدنو من وجوههم فقالوا {رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً} أي مُلحّاً لازماً لا يفارق صاحبه، {إِنَّهَا سَآءَتْ} أي جهنم {مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً} أي بئست موضع إقامة واستقرار. والرابعة: في قوله {وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ} في إنفاقهم فيتجاوزوا الحد المطلوب منهم، ولم يقتروا فيقصروا في الواجب عليهم وكان إنفاقهم بين الإِسراف والتقتير قواماً أي عدلاً وسطاً. والخامسة: {وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ} أي لا يسألون غير ربهم قضاء حوائجهم كما لا يشركون بعبادة ربهم أحداً {وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ} قتلها وهي كل نفس آدمية ما عدا نفس الكافر المحارب فإنها مباحة القتل غير محرمة. {إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} وهو واحدة من ثلاث خصال بينها الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث الصحيحين "حديث : لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة" تفسير : {وَلاَ يَزْنُونَ} أي لا يرتكبون فاحشة الزنا والزنا نكاح على غير شرط النكاح المباح وقوله تعالى {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ} هذا كلام معترض بين صفات عباد الرحمن. أي ومن يفعل ذلك المذكور من الشرك بدعاء غير الرب أو قتل النفس بغير حق، أو زنا {يَلْقَ أَثَاماً} أي عقاباً {يُضَاعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ} أي في العذاب {مُهَاناً} مخزياً ذليلاً، وقوله تعالى {إِلاَّ مَن تَابَ} من الشرك وآمن بالله وبلقائه وبرسوله وما جاء به من الدين الحق {وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً} من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وحج بيت الله الحرام {فَأُوْلَـٰئِكَ} المذكورون أي التائبون {يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} أي يمحو سيآتهم بتوبتهم ويكتب لهم مكانها صالحات أعمالهم وطاعاتهم بعد توبتهم {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} ذا مغفرة للتائبين من عباده ذا رحمة بهم فلا يعذبهم بعد توبته عليهم، وقوله {وَمَن تَابَ} من غير هؤلاء المذكورين أي رجع إلى الله تعالى بعد غشيانه الذنوب {وَعَمِلَ صَالِحاً} بعد توبته {فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتاباً} أي يرجع إليه تعالى مرجعاً مرضياً حسناً فيكرمه وينعمه في دار كرامته. هدايته الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان صفات عباد الرحمن الذين بهم يعرف الرحمن عز وجل. 2- فضيلة التواضع والسكينة في المشي والوقار. 3- فضيلة رد السيئة بالحسنة والقول السليم من الإِثم. 4- فضيلة قيام الليل والخوف من عذاب النار. 5- فضيلة الاعتدال والقصد في النفقة وهي الحسنة بين السيئتين. 6- حرمة الشرك وقتل النفس والزنى وأنها أمهات الكبائر. 7- التوبة تجب ما قبلها. والندب إلى التوبة وأنها مقبولة ما لم يغرغر.
القطان
تفسير : هونا: برفق ولين، يمشون بسكينة ووقار. الجاهلون: السفهاء. سلاما: مسالمة ومسامحة. غراما: هلاكا. لم يسرفوا: لم يجاوزوا الحدود في النفقة. ولم يقتُروا: لم يضيّقوا على عيالهم بالبخل والشح. قَواما: وسطاً. مَتاباً: مرجعا حسنا. مرّوا كراما: لم يخوضوا باللغو مع الخائضين. لم يخرّوا عليها صمّا وعميانا: انهم يتفهمون ما يلقى عليهم، ولا يأخذونها بدون فهم. قرة أعين: ما يسر الأعين ويفرحها. واجعلْنا للمتقين إماما: المام يُستعمل للمفرد والجمع. الغرفة: كل بناء مرتفع، والمراد بها هنا الدرجات الرفيعة. ما يَعبأ بكم: لا يعتدّ بكم. دعاؤكم: عبادتكم. لزاما: لازما. {وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً.... }. ختم الله تعالى هذه السورةَ الكريمة بصفاتِ عباده المؤمنين، وبيّن فيها ما لهم من فاضِل الصفات وكامل الاخلاق التي تميّزوا بها، وكانوا قدوة للعالم حين أعطوا المَثَلَ الأعلى في العدل والمساواة والتسامح. وقد عدّد في هذه الآيات إحدى عشرة صفة مما تَشْرئبّ اليها اعناق العاملين، وتتطلع اليها نفوس الصالحين، الذين يبتغون المثوبة. وهي: 1 - فعباد الرحمن هم المتواضعون لله، يمشُون في سَكينة ووقار غيرَ متكبرين. وليس معنى هذا أنهم يمشون متماوتين منكّسي الرؤوس كما يفهم بعضُ الناس ممن يريدون إظهار التقوى والصلاح، كلا فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أسرعَ الناس مِشيةً وأحسَنَها وأسكنها. 2 - واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما: اذا اعترضهم السفهاءُ وسبّوهم وآذوهم بالقول السّيء لم يقابلوهم بمثله، بل يعفون ويصفحون، فهم حُلماء لا يجهلون، واذا جُهِلَ عليهم حَلِموا ولم يسفهوا. 3 - والذين يبيتون لربهم سجَّداً وقياما. والذين يصلّون في الليل، لان العبادة في الليل أبعد عن الرياء. قال ابن عباس: من صلى ركعتين او اكثر بعد العشاء فقد بات لله ساجدا. وليست العبادة بالكثرة، ولكنها بالاخلاص والخشوع والنية الصافية. 4 - والذين يقولون ربَّنا اصرفْ عنا عذابَ جهنم.... وهم يغلِّبون الخوف على الرجاء فيسألون الله تعالى ان يبعد عنهم عذاب جهنم وشديد آلامها. فانها بئس المنزل مستقرا ومقاما. 5 - والذين إذا أنفقوا لم يُسرِفوا ولم يَقْتُروا.... ومن صفاتهم العالية الاعتدال في انفاقهم المال، فهم ليسوا بالمبذرين في انفاقهم، ولا ببخلاء على انفسهم وأهليهم، وهم اجواد في مصالح الناس والوطن وعمل الخير. 6 - والذين لا يدْعون مع الله إلهاً آخر.... والذين لا يعبدون غير الله ولا يشركون به احدا، بل يخلصون له العبادة والطاعة. 7 - ولا يقتلون النفسَ التي حرَّم الله لا بالحقّ. لا يُقْدِمون على هذه الجريمة الكبرى بغير حق، {أية : مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً}تفسير : [المائدة:32]. 8 - ولا يزْنُونَ، ومن يفعلْ ذلك يَلْقَ أثاما. ولا يقدمون على هذه الجريمة القبيحة التي كانت متفشية في الجاهلية. فقد كرمهم الله تعالى بنفي هذه الصفات السيئة عنهم وبذلك كانوا عباد الرحمن حقا. 9 - والذين لا يشهدون الزورَ، وإذا مرّوا باللغو مَرُّوا كراما. وهذه الصفات من اخلاق عباد الرحمن، فانهم لا يشهدون الشهدات الكاذبة، ويكرمون أنفسهم عن سماع اللغو من القول الباطل، ولا يخوضون مع الخائضين. 10 - والذين اذا ذُكِّروا بآيات ربّهم لم يَخِرَّوا عليها صُمّاً وعُميانا. والذين اذا ذكّروا بآيات الله واحكامه تلقَّوها بالفهم والوعي الصحيح، ثم نفّذوها وعملوا بها. 11 - والذين يقولون: ربَّنا هبْ لنا من أزواجنِا وذريّاتنا قُرَّةَ أعينٍ واجعلْنا للمتقين إماما. ويسألون الله تعالى ان يرزقهم الزوجات الصالحات والذرية الطاهرة التي تسر نفوسهم وتقر بها أعينهم، وان يجعلهم ائمة في الخير يقتدي بهم الصالحون، وقد كانوا كذلك. {أُوْلَـٰئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاَماً} فعباد الرحمن الذين اتصفوا بهذه الصفات الكريمة الفاضلة لهم الجناتُ وأرفعُ الدرجات لقاءَ صبرهم وجهادهم. وستتلقاهم الملائكة في الجنّة بالتحيّات الزاكيات والتسليم. خالدين فيها ابدا في احسن مكان، وأنعم بال، وأطيب عيش. {أية : وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ}تفسير : [الرعد:23، 24]. {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً} ان الله تعالى غنيّ عن العالمين، ولولا هذه الصفوةُ من الناس الذين يعبدونه حقَّ عبادته، وهم أهلُ هذه الصفات السامية - لما كان اللهُ يَعْبَأ بالبشريَّة جميعها. ان الله لا يُبالي بكم إذا لم تؤمنوا، فقد كذَّبتم بدينه، فسوف يعذّبكم عذاباً لازماً لا ينفكُّ عنكم ولا يزول.
د. أسعد حومد
تفسير : {الجَاهِلُونَ} {سَلاَماً} (63) - ويَصِفُ اللهُ تَعَالى عِبَادَهُ المؤمنينَ المُتَقَّينَ بأَنهُمْ مُتوَاضِعُون، يَسيروُن على الأرضِ بسَكِينةٍ ووَقَارٍ ورِفْقٍ (هَوْناً) مِنْ غير تَجَبُّرٍ ولا اسْتِكْبارٍ، وإذا سَفِهَ عليهِمُ الجَاهلونَ بالقَولِ لم يُقابِلُوهم عليهِ إلا حِلْماً وقَوْلاً مَعْروفاً، ويَرُدُّونَ عليهِمْ قائلينَ: سَلامٌ عليكمٌ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلينَ. هَوْناً - بِسَكِينةٍ وَوَقَارٍ وتَواضُعٍ. قالُوا سَلاماً - قَوْلاً سَدِيداً يَسْلَمُون بِهِ من الأَذَى.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : يعطينا الحق - تبارك وتعالى - صورة للعبودية الحقة، ونموذجاً للذين اتبعوا المنهج، كأنه - سبحانه وتعالى - يقول لنا: دَعْكُم من الذين أعرضوا عن منهج الله وكذَّبوا رسوله، وانظروا إلى أوصاف عبادي الذين أمنوا بي، ونفَّذوا أحكامي، وصدَّقوا رسولي. نقول: عباد وعبيد. والتحقيق أن (عبيد) جمع لعبد، وأن (عباد) جمع لعابد مثل: رجال جمع راجل: {أية : وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً ..}تفسير : [الحج: 27] إذن: عبيد غير عِبَاد. وسبق أن تحدثنا عن الفَرْق بين العبيد والعباد، فكلنا عبيد لله تعالى: المؤمن والكافر، والطائع والعاصي، فما دام يطرأ عليه في حياته ما لا يستطيع أنْ يدفعه مع أنه يكرهه فهو مقهور، فالعبد الكافر الذي تمرَّد على الإيمان بالله، وتمرَّد على تصديق الرسول، وتمرد على أحكام الله فلم يعمل بها. فهل بعد أن أَلِفَ التمرد يستطيع أن يتمرد على المرض إنْ أصابه؟ أو يستطيع التمرد على الموت إنْ حلّ بساحته؟ إذن: فأنت عبد رغماً عنك، وكلنا عبيد فيما نحن مقهورون عليه، ثم لنا بعد ذلك مساحة من الاختيار. أما المؤمن فقد خرج عن اختياره الذي منحه الله في أن يؤمن أو يكفر، وتنازل عنه لمراد ربه، فاستحق أن يكون من عباد الله {وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ..} [الفرقان: 63] فنحن وإنْ كنا عبيداً فنحن سادة؛ لأننا عبيد الرحمن؛ لذلك كانت حيثية تكريم الله لرسوله صلى الله عليه وسلم في الإسراء هي عبوديته لله تعالى، حيث قال: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ ..}تفسير : [الإسراء: 1]، فالعبودية هي علة الارتقاء. فلما أخلص رسول الله العبودية لله نال هذا القُرْب الذي لم يسبقه إليه بشر. لذلك وصف الملائكة بأنهم {أية : عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ}تفسير : [الأنبياء: 26] وباستقراء الآيات لم نجد سوى آية واحدة تخالف في ظاهر الأمر هذا المعنى الذي قُلْناه في معنى العباد، وهي قوله تعالى في الكلام عن الآخرة: {أية : أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ ..}تفسير : [الفرقان: 17]. فقال للضالين (عبادي) وهي لا تُقال إلا للطائعين، لماذا؟ قالوا: لأن في القيامة لا اختيارَ لأحد، فالجميع في القيامة عباد، حيث انتفى الاختيار الذي يُميِّزهم. والعلماء يقولون: إن العباد تُؤخَذ منها العبادية، وأن العبيد تُؤخَذ منها العبودية: العبادية في العباد أن يطيع العابد أمر الله، وينتهي عن نواهيه طمعاً في ثوابه في الآخرة، وخوفاً من عقابه فيها، إذن: جاءت العبادية لأخذ ثواب الآخرة وتجنّب عقابها. أما العبودية فلا تنظر إلى الآخرة، إنما إلى أن الله تعالى تقدّم بإحسانه على عبيده إيجاداً من عدم، وإمداداً من عُدْمٍ، وتربية وتسخيراً للكون، فالله يستحق بما قدّم من إحسان أن يُطاع بصرف النظر عن الجزاء في الآخرة ثواباً أو عقاباً. أما العبودة فهي: ألاَّ ينظر العبد إلى ما قدَّم من إحسان، ولا ما أخّر من ثواب وعقاب، وإنما ينظر إلى أن جلال الله يستحق أنْ يطُاع، وإنْ لم يسبق له الإحسان، وإنْ لم يأتِ بعد ذلك ثواب وعقاب. وإن كانت العبودية مكروهة في البشر كما قال أحد الساسة: متى استعبدتم الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟ ذلك لأن العبودية للبشر يأخذ السيد خيْر عبده، أما العبودية لله تعالى فِعزٌّ وشرف، حيث يأخذ العبد خَيْر سيده، فهي عبودية سيادة، لا عبودية قهر. فحين تؤمن بالله يعطيك الله الزمام: يقول لك: إنْ أردت أنْ أذكرك فاذكرني، وفي الحديث القدسي: "حديث : مَنْ ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي، ومَنْ ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ". تفسير : وإنْ كان - سبحانه وتعالى - يستدعيك إلى خَمْس صلوات في اليوم والليلة، فما ذلك إلا لتأنسَ بربك، لكن أنت حر تأتيه في أيِّ وقت تشاء من غير موعد، وأنت تستطيع أن تحدد بَدْءَ المقابلة ونهايتها وموضوعها .. إلخ، فزمام الأمر في يدك. وقد تعلم سيدنا رسول الله خُلق الله، فكان إذا وضع يده في يد أحد الصحابة يُسلِّم عليه لا ينزع يده منه حتى يكون هو الذي ينزع يده من يد رسول الله، وهذا أدب من أدب الحق - تبارك وتعالى - إذن: فالعبودية لله تعالى عبودية لرحمن، لا عبودية لجبار. وأول ما نلحظ في هذه الآية أنه تعالى أضاف العباد إلى الرحمن، حتى لا نظن أن العبودية لله ذِلَّة، وأن القرآن كلام رب وُضِع بميزان، ثم يذكر - سبحانه وتعالى - صفات هؤلاء العباد، صفاتهم في ذواتهم، وصفاتهم مع مجتمعهم، وصفاتهم مع ربهم، وصفاتهم في الارتقاء بالمجتمع إلى الطُّهر والنقاء. أما في ذواتهم، فالإنسان له حالتان هما محلُّ الاهتمام: إما قاعد، وإما سائر، ونُخرِج حالة النوم لأنه وقت سكون، أما حال القعود فالحركة محدودة في ذاته، والمهم حال الحركة والمشي، وهذا هو الحال الذي ينبغي الالتفات إليه. لذلك يوضح لنا ربنا - عز وجل - كيف نمشي فيقول: {وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً ..} [الفرقان: 63]. يعني: برفق وفي سكينة، وبلين دون اختيال، أو تكبُّر، أو غطرسة، لماذا؟ لأن المشي هو الذي سيُعرِّضك لمقابلة مجتمعات متعددة، وهذا الأدب الرباني في المشي يُحدِث في المجتمع استطراقاً إنسانياً يُسوِّي بين الجميع. وفي موضع آخر يقول تعالى في هذه المسألة: {أية : وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً ..}تفسير : [لقمان: 18] {أية : إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولاً}تفسير : [الإسراء: 37]. وتصعير الخدِّ أنْ تُميله كِبْراً وبَطَراً وأصله (الصعر) مرض في البعير يصيب عنقه فيسير مائلاً، ومَنْ أراد أن يسير مُتكبِّراً مختالاً فليتكبر بشيء ذاتي فيه، وهل لديك شيء ذاتي تستطيع أن تضمنه لنفسك أو تحتفظ به؟ إنْ كنتَ غنياً فقد تفتقر، وإنْ كنتَ قوياً صحيحاً قد يصيبك المرض فيُقعِدك، وإنْ كنتَ عزيزاً اليوم فقد تذلّ غداً. إذن: فكل دواعي التكبُّر ليست ذاتية عندك، إنما هي موهوبة من الله، فعلامَ التكبُّر إذن؟! لذلك يقولون في المثل (اللي يخرز يخرز على وركه) إنما يخرز على ورك غيره؟! وأصل هذا المثل أن صانع السروج كان يأتي بالصبي الذي يعمل تحت يده، ويجعله يمدّ رِجله، ويضع السرج على وركه، ثم يأخذ في خياطته، فرآه أحدهم فرَقَّ قلبه للصبي فقال للرجل: إنه ضعيف لا يتحمل هذا، فإنْ أردتَ فاجعله على وركك أنت. كذلك الحال هنا، مَنْ أراد أن يتكبّر فليتكبّر بشيء ذاتي فيه، لا بشيء موهوب له. والمتكبِّر شخص ضُرِب الحجاب على قلبه، فلم يلتفت إلى ربه الأعلى، ويرى أنه أفضل من خَلْق الله جميعاً، ولو استحضر كبرياء ربه لاستحى أن يتكبر على خَلْق الله، فتكبُّره دليل على غفلته عن هذه المسألة. لذلك يقول الناظم: شعر : فَدَع كُلَّ طاغِيةٍ للزمَان فَإِنَّ الزمَانَ يُقيم الصَّعَرْ تفسير : يعني: سيرَى من الزمان ما يُقوِّم اعوجاجه، ويُرغِم أنفه. ومعنى {أية : مَرَحاً ..}تفسير : [لقمان: 18] المرح: الفرح ببطر. والبطر: أنْ تأخذ النعمة وتنسى المنعم، وتتنعّم بها، وتعصي مَنْ وهبك إياها، إذن: المنهيّ عنه الفرح المصاحب للبطر، وإنكار فضل المنعم، أما الفرح المصاحب للشكر فمحمود، كما قال تعالى: {أية : قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ ..}تفسير : [يونس: 58]. وفي موضع آخر يُعلِّمنا أدب المشي، فيقول: {أية : وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ..}تفسير : [لقمان: 19]. وقالوا: إن المراد بالمشي الهَوْن، هو الذي يسير فيه الإنسان على سجيته دون افتعال للعظمة أو الكِبْر، لكن دون انكسار وذِلّة، وسيدنا عمر - رضي الله عنه - حينما رأى رجلاً يسير متماوتاً ضربه، ونهاه عن الانكسار والتماوت في المشية، وهكذا فمِشْية المؤمن وَسَط، لا متكبر ولا متماوت متهالك. ثم تتحدث الآية بعد ذلك عن صفات عباد الرحمن وعلاقتهم. بالناس: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً ..} [الفرقان: 63] والجاهل: هو السَّفيه الذي لا يزن الكلام، ولا يضع الكلمة في موضعها، ولا يدرك مقاييس الأمور، لا في الخَلْق ولا في الأدب. وسبق أن فرَّقْنا بين الجاهل والأميّ: الأميّ هو خالي الذهن، ليس عنده معلومة يؤمن بها، وهذا من السهل إقناعه بالصواب. أما الجاهل فعنده معلومة مخالفة للواقع؛ لذلك يأخذ منك مجهوداً في إقناعه؛ لأنه يحتاج أولاً لأن تُخرِج من ذهنه الخطأ، ثم تُدخِل في قلبه الصواب. والمعنى: إذا خاطبك الجاهل، فحذار أن تكون مثله في الردِّ عليه فتَسْفَه عليه كما سَفِهَ عليك، بل قرِّعه بأدب وقُلْ {سَلاَماً} [الفرقان: 63] لتُشعِره بالفرق بينكما. والحق - تبارك وتعالى - يُوِضِّح في آية أخرى ثمرة هذا الأدب، فيقول: {أية : ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}تفسير : [فصلت: 34]. وما أجملَ ما قاله الإمام الشافعي في هذا المعنى: شعر : إذَا نَطَقَ السَّفِيهُ فَلا تُجِبْهُ فَخَيْر مِنْ إجَابتهِ السُّكُوتُ فإنْ كلَّمتَه فرجتَ عَنْه وَإنْ خلَّيْته كَمَداً يمُوتُ تفسير : فإنِ اشتد السفيه سفاهة، وطغى عليك وتجبر، فلا بُدَّ لك من رَدِّ العدوان بمثله؛ لأنك حَلُمتَ عليه، فلم يتواضع لك، وظنَّ حلْمك ضعفاً، وهنا عليك أن تُريه الفرق بين الضعف وكرم الخُلق، كالشاعر الذي قال: شعر : صَفَحْنَا عَنْ بني ذُهْل وَقُلْنَا القَوْمُ إخوَانُ عَسَى الأيامُ أنْ يُرْ جِعْنَ قَوْماً كالذي كَانُوا فَلما صرَّح الشَّر فَأمْـ سَى وَهْو عُريَانُ ولم يَبقَ سوَى العُدْوا ن دِنَّاهُمْ كما دَانُوا مشَيْنا مَشْية الليْثِ غَدا والليثُ غَضْبانُ بضَرْب فيه توهينٌ وتخضيعٌ وإقرانُ وطَعْن كفم الزِّق غَدا والزِّق ملآنُ وفي الشرِّ نجاةٌ حيـ ـنَ لاَ يُنجيك إحْسَانُ وبعْضُ الحِلْم عِنْد الجهْـ ـل لِلْذِلّةِ إِذْعَانُ تفسير : وللإمام علي كرَّم الله وجهه: شعر : إذَا كُنْتَ مُحتاجاً إلى الحِلْم إنّني إلى الجْهلِ في بَعْضِ الأحَايين أَحْوجُ ولِي فَرسٌ للحِلْم بالحِلْم مُلجَمٌ وَلِي فَرَسٌ للجَهْلِ بالجهْلِ مُسْرَجُ فَمَنْ رَامَ تَقْوِيمي فَإنِّي مُقوِّمٌ ومَنْ رَامَ تَعْويجي فَإنِّي مُعوِّجُ تفسير : ومعنى: {قَالُواْ سَلاَماً} [الفرقان: 63] قالوا: المراد هنا سلام المتاركة، لا سلام الأمان الذي نقوله في التحية (السلام عليكم) فحين تتعرَّض لمن يؤذيك بالقول، ويتعدى عليك باللسان تقول له سلام يعني: سلام المتاركة. وبعض العلماء يرى أن كلمة {قَالُواْ سَلاَماً} [الفرقان: 63] هنا تعني المعنيين: سلام المتاركة، وسلام التحية والأمان، فحين تحلُم على السَّفيه فلا تُجَاريهِ تقول له: لو تماديتُ معك سأوذيك، وأفعل بك كذا وكذا، فأنت بذلك خرجتَ من سلام المتاركة إلى سلام التحية والأمان. ومن ذلك قوله تعالى: {أية : وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي ٱلْجَاهِلِينَ}تفسير : [القصص: 55]. ألم يقُلْ إبراهيم - عليه السلام - لعمه آزر لما أصرَّ على كُفْره: {أية : سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ ..}تفسير : [مريم: 47]. والمعنى: لو وقفتُ أمامك لربما اعتديتُ عليك، وتفاقمتْ بيننا المشكلة. وبعد أن تناولتْ الآيات حال عباد الرحمن في ذواتهم، وحالهم مع الناس، تتحدث الآن عن حالهم مع ربهم.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، حدثنا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً} [الآية: 63]. قال: يعني بالسكينة والوقار. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، ثنا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {يَلْقَ أَثَاماً} [الآية: 68]. قال: يعني به وادياً في جهنم يدعى أَثاماً. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا مبارك بن فضالة عن الحسن في قوله: {إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً} [الآية: 65]. قال: الغرام اللازم الذي لا يفارق صاحبه أَبداً، وكل عذاب يفارق صاحبه فليس بغرام. أَخبرنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً} [الآية: 72]. يقول: إِذا أُوذوا مروا كراما. يقول: صفحوا.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً} معناه بالسّكينةِ والوَقارِ. وقال: عَلماءٌ لا يَجهلونَ. وإنْ جُهِل عَلَيهم حَلَمُوا. وقال: أَعفَّاءُ أَتْقِياءٌ. وقال: هَوناً هو بالسريانيةِ. تفسير : وقوله تعالى: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً} معناه سَدادٌ.
الجيلاني
تفسير : {وَ} المتذكرون لآلاء الله، المواظبون لأداء حقوقها حسب طاقتهم، هم {عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ} الواصلون إلى مرتبة الرضوان، الفائزون بلقاء الرحمن، وهم {ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ} وجه {ٱلأَرْضِ} التي هي محل أنواع الفسادات {هَوْناً} هينين لينين بلا منازعة وجدال مع أحد من بني نوعهم، وسوء خصالهم معهم من كبر وخيلاء {وَ} هم من كمال سكينتهم ووقارهم، وتلطفهم مع عباد الله {إِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ} بعلو شأنهم ورفعة مكانهم بما يكرهون من الشتم والوقاحة والاستهزاء. {قَالُواْ} من سلامة نفوسهم وطيب قلوبهم: {سَلاَماً} [الفرقان: 63] أي: تلسيماً عليهم بلا تغير وتأثر من قولهم، وتركاً لانتقامهم ومخاصمتهم، توطيناً لنفوسهم على التسليم والرضا بجريان القضاء والحلم وكظم الغيظ، هذا حالهم وشغلهم بين الناس في النهار. {وَ} شغلهم في الليل، هم {الَّذِينَ يِبِيتُونَ} ويدخلون في الليل بائتين، صاروا في خلاله {لِرَبِّهِمْ سُجَّداً} ساجدين، واضعين جباههم على تراب المذلة؛ طلباً لمرضاة الله بلا شوب السمعة والرياء، والعجب والهوى؛ لكونهم خالين في خلاله مع الله بلا وقوف أحد عليهم {وَقِيَاماً} [الفرقان: 64] قائمين بين يدي الله تواضعاً وخدمةً {وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ} في مناجاتهم مع الله في خلواتهم: {رَبَّنَا} يا من ربانا بأنواع الكرامات {ٱصْرِفْ عَنَّا} بفظلك وجودك {عَذَابَ جَهَنَّمَ} المعد لعصاة عبادك {إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً} [الفرقان: 65] حتماً لازماً لنا، لولا فضلك بنا وإحسانك علينا، فإ،هم مع كمال توجههم وتحننهم نحو الحق على وجه الإخلاص ورسوخهم في الأعمال الصالحة الخالصة بلا فوت شيء من لوازمها خائفون، وجلون عن بطشه سبحانه وانتقامه؛ لأنهم لا يتكئون ولا يتكلمون إلى أعمالهم وطاعاتهم، ولا يثقون بها. بل ما يعتمدون ويتكلمون إلا بفضل الله وسعة رحمته وجوده قائلين، مستعيذين من النار: {إِنَّهَا} أي: جهنم البعد والحرمان {سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً} يستقر أحد فيها ساعةً وآناً {وَ} كيف أن تجعل لنا يا مولانا {مُقَاماً} [الفرقان: 66] نقيم فيها زماناً. {وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ} مما رزقهم الله من الأطايب على الفقراء والمساكين {لَمْ يُسْرِفُواْ} في الإنفاق إلى أن وصل حد التبذير المذموم عقلاً وشرعاً {وَلَمْ يَقْتُرُواْ} في الإمساك والمنع إلى أن وصل حد التقتير المحرَّم، المكروه شرعاً ومرءة، بل {وَكَانَ} إنفاقهم {بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} [الفرقان: 67] وسطاً عدلاً بين طرفي الإفراط والتفريط المذمومين، الساقطين عن درجة الاعتبار عند الله وعند الناس، المسقطين للنفس عن الاعتدال الحقيقي المقبول عند الله وعند عموم عباده.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : { وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا } إلى آخر السورة الكريمة. العبودية لله نوعان: عبودية لربوبيته فهذه يشترك فيها سائر الخلق مسلمهم وكافرهم، برهم وفاجرهم، فكلهم عبيد لله مربوبون مدبرون {أية : إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا } تفسير : وعبودية لألوهيته وعبادته ورحمته وهي عبودية أنبيائه وأوليائه وهي المراد هنا ولهذا أضافها إلى اسمه " الرحمن " إشارة إلى أنهم إنما وصلوا إلى هذه الحال بسبب رحمته، فذكر أن صفاتهم أكمل الصفات ونعوتهم أفضل النعوت، فوصفهم بأنهم { يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا } أي: ساكنين متواضعين لله والخلق فهذا وصف لهم بالوقار والسكينة والتواضع لله ولعباده. { وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ } أي: خطاب جهل بدليل إضافة الفعل وإسناده لهذا الوصف، { قَالُوا سَلامًا } أي: خاطبوهم خطابا يسلمون فيه من الإثم ويسلمون من مقابلة الجاهل بجهله. وهذا مدح لهم، بالحلم الكثير ومقابلة المسيء بالإحسان والعفو عن الجاهل ورزانة العقل الذي أوصلهم إلى هذه الحال. { وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا } أي: يكثرون من صلاة الليل مخلصين فيها لربهم متذللين له كما قال تعالى: {أية : تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }. تفسير : { وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ } أي: ادفعه عنا بالعصمة من أسبابه ومغفرة ما وقع منا مما هو مقتض للعذاب. { إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا } أي: ملازما لأهلها بمنزلة ملازمة الغريم لغريمه. { إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا } وهذا منهم على وجه التضرع لربهم، وبيان شدة حاجتهم إليه وأنهم ليس في طاقتهم احتمال هذا العذاب، وليتذكروا منة الله عليهم، فإن صرف الشدة بحسب شدتها وفظاعتها يعظم وقعها ويشتد الفرح بصرفها. { وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا } النفقات الواجبة والمستحبة { لَمْ يُسْرِفُوا } بأن يزيدوا على الحد فيدخلوا في قسم التبذير وإهمال الحقوق الواجبة، { وَلَمْ يَقْتُرُوا } فيدخلوا في باب البخل والشح { وَكَانَ } إنفاقهم { بَيْنَ ذَلِكَ } بين الإسراف والتقتير { قَوَامًا } يبذلون في الواجبات من الزكوات والكفارات والنفقات الواجبة، وفيما ينبغي على الوجه الذي ينبغي من غير ضرر ولا ضرار وهذا من عدلهم واقتصادهم. { وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ } بل يعبدونه وحده مخلصين له الدين حنفاء مقبلين عليه معرضين عما سواه. { وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ } وهي نفس المسلم والكافر المعاهد، { إِلا بِالْحَقِّ } كقتل النفس بالنفس وقتل الزاني المحصن والكافر الذي يحل قتله. { وَلا يَزْنُونَ } بل يحفظون فروجهم {أية : إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ }. تفسير : { وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ } أي: الشرك بالله أو قتل النفس التي حرم الله بغير حق أو الزنا فسوف { يَلْقَ أَثَامًا } ثم فسره بقوله: { يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ } أي: في العذاب { مُهَانًا } فالوعيد بالخلود لمن فعلها كلها ثابت لا شك فيه وكذا لمن أشرك بالله، وكذلك الوعيد بالعذاب الشديد على كل واحد من هذه الثلاثة لكونها إما شرك وإما من أكبر الكبائر. وأما خلود القاتل والزاني في العذاب فإنه لا يتناوله الخلود لأنه قد دلت النصوص القرآنية والسنة النبوية أن جميع المؤمنين سيخرجون من النار ولا يخلد فيها مؤمن ولو فعل من المعاصي ما فعل، ونص تعالى على هذه الثلاثة لأنها من أكبر الكبائر: فالشرك فيه فساد الأديان، والقتل فيه فساد الأبدان والزنا فيه فساد الأعراض. { إِلا مَنْ تَابَ } عن هذه المعاصي وغيرها بأن أقلع عنها في الحال وندم على ما مضى له من فعلها وعزم عزما جازما أن لا يعود، { وَآمَنَ } بالله إيمانا صحيحا يقتضي ترك المعاصي وفعل الطاعات { وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا } مما أمر به الشارع إذا قصد به وجه الله. { فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ } أي: تتبدل أفعالهم وأقوالهم التي كانت مستعدة لعمل السيئات تتبدل حسنات، فيتبدل شركهم إيمانا ومعصيتهم طاعة وتتبدل نفس السيئات التي عملوها ثم أحدثوا عن كل ذنب منها توبة وإنابة وطاعة تبدل حسنات كما هو ظاهر الآية. وورد في ذلك حديث الرجل الذي حاسبه الله ببعض ذنوبه فعددها عليه ثم أبدل مكان كل سيئة حسنة فقال: : يا رب إن لي سيئات لا أراها هاهنا " والله أعلم. { وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا } لمن تاب يغفر الذنوب العظيمة { رَحِيمًا } بعباده حيث دعاهم إلى التوبة بعد مبارزته بالعظائم ثم وفقهم لها ثم قبلها منهم. { وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا } أي: فليعلم أن توبته في غاية الكمال لأنها رجوع إلى الطريق الموصل إلى الله الذي هو عين سعادة العبد وفلاحه فليخلص فيها وليخلصها من شوائب الأغراض الفاسدة، فالمقصود من هذا الحث على تكميل التوبة وإيقاعها على أفضل الوجوه وأجلها ليقدم على من تاب إليه فيوفيه أجره بحسب كمالها. { وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ } أي: لا يحضرون الزور أي: القول والفعل المحرم، فيجتنبون جميع المجالس المشتملة على الأقوال المحرمة أو الأفعال المحرمة، كالخوض في آيات الله والجدال الباطل والغيبة والنميمة والسب والقذف والاستهزاء والغناء المحرم وشرب الخمر وفرش الحرير، والصور ونحو ذلك، وإذا كانوا لا يشهدون الزور فمن باب أولى وأحرى أن لا يقولوه ويفعلوه. وشهادة الزور داخلة في قول الزور تدخل في هذه الآية بالأولوية، { وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ } وهو الكلام الذي لا خير فيه ولا فيه فائدة دينية ولا دنيوية ككلام السفهاء ونحوهم { مَرُّوا كِرَامًا } أي: نزهوا أنفسهم وأكرموها عن الخوض فيه ورأوا أن الخوض فيه وإن كان لا إثم فيه فإنه سفه ونقص للإنسانية والمروءة فربأوا بأنفسهم عنه. وفي قوله: { وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ } إشارة إلى أنهم لا يقصدون حضوره ولا سماعه، ولكن عند المصادفة التي من غير قصد يكرمون أنفسهم عنه. { وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ } التي أمرهم باستماعها والاهتداء بها، { لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا } أي لم يقابلوها بالإعراض عنها والصمم عن سماعها وصرف النظر والقلوب عنها كما يفعله من لم يؤمن بها ولم يصدق، وإنما حالهم فيها وعند سماعها كما قال تعالى: {أية : إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ } تفسير : يقابلونها بالقبول والافتقار إليها والانقياد والتسليم لها، وتجد عندهم آذانا سامعة وقلوبا واعية فيزداد بها إيمانهم ويتم بها إيقانهم وتحدث لهم نشاطا ويفرحون بها سرورا واغتباطا. { وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا } أي: قرنائنا من أصحاب وأقران وزوجات، { وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ } أي: تقر بهم أعيننا. وإذا استقرأنا حالهم وصفاتهم عرفنا من هممهم وعلو مرتبتهم أنهم لا تقر أعينهم حتى يروهم مطيعين لربهم عالمين عاملين وهذا كما أنه دعاء لأزواجهم وذرياتهم في صلاحهم فإنه دعاء لأنفسهم لأن نفعه يعود عليهم ولهذا جعلوا ذلك هبة لهم فقالوا: { هَبْ لَنَا } بل دعاؤهم يعود إلى نفع عموم المسلمين لأن بصلاح من ذكر يكون سببا لصلاح كثير ممن يتعلق بهم وينتفع بهم. { وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا } أي: أوصلنا يا ربنا إلى هذه الدرجة العالية، درجة الصديقين والكمل من عباد الله الصالحين وهي درجة الإمامة في الدين وأن يكونوا قدوة للمتقين في أقوالهم وأفعالهم يقتدى بأفعالهم، ويطمئن لأقوالهم ويسير أهل الخير خلفهم فيهدون ويهتدون. ومن المعلوم أن الدعاء ببلوغ شيء دعاء بما لا يتم إلا به، وهذه الدرجة -درجة الإمامة في الدين- لا تتم إلا بالصبر واليقين كما قال تعالى: {أية : وَجَعَلْنَاهم أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ } تفسير : فهذا الدعاء يستلزم من الأعمال والصبر على طاعة الله وعن معصيته وأقداره المؤلمة ومن العلم التام الذي يوصل صاحبه إلى درجة اليقين، خيرا كثيرا وعطاء جزيلا وأن يكونوا في أعلى ما يمكن من درجات الخلق بعد الرسل. ولهذا، لما كانت هممهم ومطالبهم عالية كان الجزاء من جنس العمل فجازاهم بالمنازل العاليات فقال: { أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا } أي: المنازل الرفيعة والمساكن الأنيقة الجامعة لكل ما يشتهى وتلذه الأعين وذلك بسبب صبرهم نالوا ما نالوا كما قال تعالى: {أية : وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ } تفسير : ولهذا قال هنا { وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا } من ربهم ومن ملائكته الكرام ومن بعض على بعض ويسلمون من جميع المنغصات والمكدرات. والحاصل: أن الله وصفهم بالوقار والسكينة والتواضع له ولعباده وحسن الأدب والحلم وسعة الخلق والعفو عن الجاهلين والإعراض عنهم ومقابلة إساءتهم بالإحسان وقيام الليل والإخلاص فيه، والخوف من النار والتضرع لربهم أن ينجيهم منها وإخراج الواجب والمستحب في النفقات والاقتصاد في ذلك - وإذا كانوا مقتصدين في الإنفاق الذي جرت العادة بالتفريط فيه أو الإفراط، فاقتصادهم وتوسطهم في غيره من باب أولى- والسلامة من كبائر الذنوب والاتصاف بالإخلاص لله في عبادته والعفة عن الدماء والأعراض والتوبة عند صدور شيء من ذلك، وأنهم لا يحضرون مجالس المنكر والفسوق القولية والفعلية ولا يفعلونها بأنفسهم وأنهم يتنزهون من اللغو والأفعال الردية التي لا خير فيها، وذلك يستلزم مروءتهم وإنسانيتهم وكمالهم ورفعة أنفسهم عن كل خسيس قولي وفعلي، وأنهم يقابلون آيات الله بالقبول لها والتفهم لمعانيها والعمل بها، والاجتهاد في تنفيذ أحكامها، وأنهم يدعون الله تعالى بأكمل الدعاء، في الدعاء الذي ينتفعون به، وينتفع به من يتعلق بهم وينتفع به المسلمون من صلاح أزواجهم وذريتهم، ومن لوازم ذلك سعيهم في تعليمهم ووعظهم ونصحهم لأن من حرص على شيء ودعا الله فيه لا بد أن يكون متسببا فيه، وأنهم دعوا الله ببلوغ أعلى الدرجات الممكنة لهم وهي درجة الإمامة والصديقية. فلله ما أعلى هذه الصفات وأرفع هذه الهمم وأجل هذه المطالب، وأزكى تلك النفوس وأطهر تلك القلوب وأصفى هؤلاء الصفوة وأتقى هؤلاء السادة" ولله، فضل الله عليهم ونعمته ورحمته التي جللتهم، ولطفه الذي أوصلهم إلى هذه المنازل. ولله، منة الله على عباده أن بين لهم أوصافهم، ونعت لهم هيئاتهم وبين لهم هممهم، وأوضح لهم أجورهم، ليشتاقوا إلى الاتصاف بأوصافهم، ويبذلوا جهدهم في ذلك، ويسألوا الذي من عليهم وأكرمهم الذي فضله في كل زمان ومكان، وفي كل وقت وأوان، أن يهديهم كما هداهم ويتولاهم بتربيته الخاصة كما تولاهم. فاللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان وبك المستغاث، ولا حول ولا قوة إلا بك، لا نملك لأنفسنا نفعا ولا ضرا ولا نقدر على مثقال ذرة من الخير إن لم تيسر ذلك لنا، فإنا ضعفاء عاجزون من كل وجه. نشهد أنك إن وكلتنا إلى أنفسنا طرفة عين وكلتنا إلى ضعف وعجز وخطيئة، فلا نثق يا ربنا إلا برحمتك التي بها خلقتنا ورزقتنا وأنعمت علينا بما أنعمت من النعم الظاهرة والباطنة وصرفت عنا من النقم، فارحمنا رحمة تغنينا بها عن رحمة من سواك فلا خاب من سألك ورجاك. ولما كان الله تعالى قد أضاف هؤلاء العباد إلى رحمته واختصهم بعبوديته لشرفهم وفضلهم ربما توهم متوهم أنه وأيضا غيرهم فلم لا يدخل في العبودية؟ فأخبر تعالى أنه لا يبالي ولا يعبأ بغير هؤلاء وأنه لولا دعاؤكم إياه دعاء العبادة ودعاء المسألة ما عبأ بكم ولا أحبكم فقال: { قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا } أي: عذابا يلزمكم لزوم الغريم لغريمه وسوف يحكم الله بينكم وبين عباده المؤمنين. تم تفسير سورة الفرقان، فلله الحمد والثناء والشكر أبدا.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 736 : 6 : 7 - سفين عن بن أبي نجيح عن مجاهد في قول الله {ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً} قال، بالوقار والسكينة. [الآية 63]. 737 : 7 : 8 - سفين {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً} قال، سداداً. [الآية 63].
همام الصنعاني
تفسير : 2100- عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن، في قوله: {يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً}: [الآية: 63]، قال: حلماء غُلَماء، لا يَجهَلُون. 2102- حدّثنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله تعالى: {يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً}: [الآية: 63]، قَالَ: بالوقار والسكينة، {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً}: [الآية: 63]، قال: سَدَاداً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):