Verse. 2922 (AR)

٢٥ - ٱلْفُرْقَان

25 - Al-Furqan (AR)

وَالَّذِيْنَ اِذَاۗ اَنْفَقُوْا لَمْ يُسْرِفُوْا وَلَمْ يَـقْتُرُوْا وَكَانَ بَيْنَ ذٰلِكَ قَوَامًا۝۶۷
Waallatheena itha anfaqoo lam yusrifoo walam yaqturoo wakana bayna thalika qawaman

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«والذين إذا أنفقوا» على عيالهم «لم يسرفوا ولم يقتروا» بفتح أوله وضمه: أي يضيقوا «وكان» إنفاقهم «بين ذلك» الإسراف والإقتار «قواما» وسطا.

67

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ} اختلف المفسرون في تأويل هذه الآية. فقال النحاس: ومن أحسن ما قيل في معناه أن من أنفق في غير طاعة الله فهو الإسراف، ومن أمسك عن طاعة الله عز وجل فهو الإقتار، ومن أنفق في طاعة الله تعالى فهو القَوام. وقال ابن عباس: من أنفق مائة ألف في حق فليس بسرف، ومن أنفق درهماً في غير حقه فهو سرف، ومن منع من حق عليه فقد قتر. وقاله مجاهد وابن زيد وغيرهما. وقال عون بن عبد الله: الإسراف أن تنفق مال غيرك. قال ابن عطية: وهذا ونحوه غير مرتبط بالآية، والوجه أن يقال. إن النفقة في معصيةٍ أمر قد حظرت الشريعة قليله وكثيره وكذلك التعدي على مال الغير، وهؤلاء الموصوفون منزهون عن ذلك، وإنما التأديب في هذه الآية هو في نفقة الطاعات في المباحات، فأدب الشرع فيها ألا يفرط الإنسان حتى يضيع حقاً آخر أو عيالاً ونحو هذا، وألا يضيق أيضاً ويقتر حتى يجيع العيال ويفرِط في الشح، والحسن في ذلك هو القوام، أي العدل، والقوام في كل واحد بحسب عياله وحاله، وخفة ظهره وصبره وجلده على الكسب، أو ضد هذه الخصال، وخير الأمور أوساطها؛ ولهذا ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق أن يتصدق بجميع ماله، لأن ذلك وسط بنسبة جلده وصبره في الدِّين، ومنع غيره من ذلك. ونعم ما قال إبراهيم النَّخَعيّ: هو الذي لا يجيع ولا يعرى ولا ينفق نفقة يقول الناس قد أسرف. وقال يزيد بن أبي حبيب: هم الذين لا يلبسون الثياب لجمال، ولا يأكلون طعاماً للذة. وقال يزيد أيضاً في هذه الآية: أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا لا يأكلون طعاماً للتنعم واللذة، ولا يلبسون ثياباً للجمال، ولكن كانوا يريدون من الطعام ما يسدّ عنهم الجوع ويقوّيهم على عبادة ربهم، ومن اللباس ما يستر عوراتهم ويكنهم من الحرّ والبرد. وقال عبد الملك بن مروان لعمر بن عبد العزيز حين زوّجه ابنته فاطمة: ما نفقتك؟ فقال له عمر: الحسنة بين سيئتين، ثم تلا هذه الآية. وقال عمر بن الخطاب: كفى بالمرء سرفاً ألا يشتهي شيئاً إلا اشتراه فأكله. وفي سنن ابن ماجه عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن من السرف أن تأكل كل ما اشتهيت» تفسير : وقال أبو عبيدة: لم يزيدوا على المعروف ولم يبخلوا. كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ}تفسير : [الإسراء: 29] وقال الشاعر:شعر : ولا تغلُ في شيٍء من الأمر واقتَصَد كلاَ طَرَفَيْ قصدِ الأمورِ ذميمُ تفسير : وقال آخر:شعر : إذا المرءُ أعطى نفسَه كلَّ ما اشتَهتْ ولم يَنْهها تاقت إلى كل باطل وساقت إليه الإثم والعار بالذي دعته إليه من حلاوةِ عاجلِ تفسير : وقال عمر لابنه عاصم: يا بنيّ، كل في نصف بطنك؛ ولا تطرح ثوباً حتى تستخلقه، ولا تكن من قوم يجعلون ما رزقهم الله في بطونهم وعلى ظهورهم. ولحاتم طيّ:شعر : إذا أنت قد أعطيت بطنك سؤله وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا تفسير : {وَلَمْ يَقْتُرُواْ} قرأ حمزة والكسائيّ والأعمش وعاصم ويحيـى بن وثاب على اختلاف عنهما {يَقْتُرُوا} بفتح الياء وضم التاء، وهي قراءة حسنة؛ من قتر يقترو. وهذا القياس في اللازم، مثل قعد يقعد. وقرأ أبو عمرو بن العلاء وابن كثير بفتح الياء وكسر التاء، وهي لغة معروفة حسنة. وقرأ أهل المدينة وابن عامر وأبو بكر عن عاصم بضم الياء وكسر التاء. قال الثعلبي: كلها لغات صحيحة. النحاس: وتعجب أبو حاتم من قراءة أهل المدينة هذه؛ لأن أهل المدينة عنده لا يقع في قراءتهم الشاذ، وإنما يقال: أقتر يقتر إذا افتقر، كما قال عز وجل: {أية : وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدْرُهُ} تفسير : [البقرة: 236] وتأوّل أبو حاتم لهم أن المسرف يفتقر سريعاً. وهذا تأويل بعيد، ولكن التأويل لهم أن أبا عمر الجَرْميّ حكى عن الأصمعيّ أنه يقال للإنسان إذا ضيّق: قتر يقتر ويقتر، وأقتر يُقتِر. فعلى هذا تصح القراءة، وإن كان فتح الياء أصح وأقرب تناولا، وأشهر وأعرف. وقرأ أبو عمرو والناس {قَوَاماً} بفتح القاف؛ يعني عدلاً. وقرأ حسّان بن عبد الرحمن: {قِوَاماً} بكسر القاف؛ أي مبلغاً وسداداً ومِلاك حال. والقِوام بكسر القاف: ما يدوم عليه الأمر ويستقر. وهما لغتان بمعنًى. و{قَوَاماً} خبر كان، واسمها مقدر فيها؛ أي كان الإنفاق بين الإسراف والقتر قواماً؛ قاله الفراء. وله قول آخر يجعل {بَيْن} اسم كان وينصبها؛ لأن هذه الألفاظ كثير استعمالها فتركت على حالها في موضع الرفع. قال النحاس: ما أدري ما وجه هذا؛ لأن «بينا» إذا كانت في موضع رفع رفعت؛ كما يقال: بَينُ عينيه أحمرُ.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ إِذآ أَنفَقُواْ } على عيالهم {لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ } بفتح أوله وضمه: أي يضيقوا {وَكَانَ } إنفاقهم {بَيْنَ ذٰلِكَ } الإِسراف والإِقتار {قَوَاماً } وسطاً.

ابن عطية

تفسير : اختلف المفسرون في هذه الآية التي في الإنفاق، فعبارة أكثرهم أن الذي لا يسرف هو المنفق في الطاعة، وإن أسرف، والمسرف هو المنفق في المعصية وإن قل إنفاقه، وأن المقتر هو الذي يمنع حقاً عليه، وهذا قول ابن عباس ومجاهد وابن زيد، وقال عون بن عبد الله بن عتبة "الإسراف" أن تنفق مال غيرك. ونحو هذه الأقوال التي هي غير مرتبطة بلفظ الآية، وخلط الطاعة والمعصية بالإسراف والتقتير فيه نظر، والوجه أن يقال إن النفقة في المعصية أمر قد حظرت الشريعة قليله وكثيره، وكذلك التعدي على مال الغير، وهؤلاء الموصوفون منزهون عن ذلك، وإنما التأديب بهذه الآية هو في نفقة الطاعات وفي المباحات، فأدب الشرع فيها أن لا يفرط الإنسان حتى يضيع حقاً آخر أو عيالاً ونحو هذا وأن لا يضيق أيضاً ويقتر حتى يجيع العيال ويفرط في الشح، والحسن في ذلك هو القوام، أي المعتدل، والقوام في كل واحد بحسب عياله وحاله وخفة ظهره وصبره وجلده على الكسب أو ضد هذه الخصال، وخير الأمور أوسطها، ولهذا ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر يتصدق بجميع ماله لأن ذلك وسط بنسبة جلده وصبره في الدين ومنع غيره من ذلك، ونعم ما قال إبراهيم النخعي وهو الذي لا يجيع ولا يعري ولا ينفق نفقة يقول الناس قد أسرف، وقال يزيد بن حبيب هم الذين لا يلبسون الثياب للجمال ولا يأكلون طعاماً للذة، وقال عبد الملك بن مروان لعمر بن عبد العزيز حين زوجه ابنته فاطمة: ما نفقتك؟ فقال له عمر الحسنة بين السيئتين، ثم تلا الآية، وقال عمر بن الخطاب كفى بالمرء سرفاً ألا يشتهي شيئاً إلا اشتراه فأكله، وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم "يُقتِروا" بضم الياء وكسر التاء، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ومجاهد وحفص عن عاصم "يَقتِروا" بفتح الياء وكسر التاء، وقرأ حمزة والكسائي بفتح الياء وضم الياء، وهي قراءة الحسن والأعمش وطلحة وعاصم بخلاف، وقرأ أبو عبد الرحمن بضم الياء وفتح التاء، وقرأ أبو عمرو "والناس قَواماً" بفتح القاف، أي معتدلاً، وقرأ حسان بن عبد الرحمن بكسر القاف أي مبلغاً وسداداً وملاك حال، و {قواماً} خبر {كان} واسمها مقدر أي الإنفاق، وجوز الفراء أن يكون اسمها قوله {بين ذلك}. وقوله تعالى: {والذين لا يدعون} الآية إخراج لعباده المؤمنين من صفات الكفرة في عبادتهم الأوثان وقتلهم النفس بوأد البنات وغير ذلك من الظلم والاغتيال والغارات وبالزنا الذي كان عندهم مباحاً، وفي نحو هذه الآية قال عبد الله بن مسعود: قلت يوماً يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: حديث : أن تجعل لله نداً وهو خلقك، قلت ثم أي؟ قال أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قلت ثم أي؟ قال أن تزاني حليلة جارك تفسير : ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية. قال الفقيه الإمام القاضي: والقتل والزنا يدخل في هذه الآية العصاة من المؤمنين ولهم من الوعيد بقدر ذلك، "والحق" الذي تقتل به النفس هو قتل النفس والكفر بعد الإيمان، و"الزنا" بعد الإحصان والكفر الذي لم يتقدمه إيمان في الحربيين، و"الأثام" في كلام العرب العقاب وبه فسر ابن زيد وقتادة هذه الآية ومنه قول الشاعر: [الوافر] شعر : جزى الله ابن عروة حيث أمسى عقوقاً والعقوق له أثام تفسير : أي جزاء وعقوبة، وقال عكرمة وعبد الله بن عمرو ومجاهد إن {أثاماً} واد في جهنم هذا اسمه وقد جعله الله عقاباً للكفرة، وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي "يضاعفْ ويخلدْ" جزماً، وقرأ ابن كثير وأبو جعفر والحسن "يضعّفْ" بشد العين وطرح الألف وبالجزم في "يضعَفْ ويخلدْ"، وقرأ طلحة بن سليمان "نضعِّف" بضم النون وكسر العين المشددة "العذابَ" نصب "ويخلد" جزم وهي قراءة أبي جعفر وشيبة، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر "يضاعفُ ويخلدُ" بالرفع فيهما، وقرأ طلحة ابن سلمان "وتخلد" بالتاء على معنى مخاطبة الكافر بذلك، وروي عن أبي عمرو "ويُخلَّد" بضم الياء من تحت وفتح اللام قال أبو علي وهي غلط من جهة الرواية "ويضاعفْ" بالجزم بدل من {يلق} قال سيبويه مضاعفة العذاب هي الأثام قال الشاعر: شعر : "متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا" تفسير : البيت وقوله {إلا من تاب} الآية لا خلاف بين العلماء أن الاستثناء عامل في الكافر والزاني واختلفوا في القاتل من المسلمين، فقال جمهور العلماء له التوبة وجعلت هذه الفرقة قاعدتها قوله تعالى: {أية : ويغفر ما دون ذلك} تفسير : [النساء: 48] فجعل القاتل في المشيئة كسائر التائبين من الذنوب، ويتأولون الخلود الذي في آية القتل في سورة النساء بمعنى الدوام إلى مدة كخلد الدول ونحوه، وروى أبو هريرة في أن التوبة لمن قتل حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل إن هذه الآية نزلت في وحشي قاتل حمزة، وقاله سعيد بن جبير، وقال ابن عباس وغيره لا توبة للقاتل، قال ابن عباس وهذه الآية إنما أريد بالتوبة فيها المشركون وذلك أنها لما نزلت {إلا من تاب} الآية، ونزلت {أية : قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} تفسير : [الزمر: 53]، فما رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرح فرحه بها وبسورة الفتح، وقال غير ابن عباس ممن قال بأن لا توبة للقاتل إن هذه الآية منسوخة بآية سورة النساء قاله زيد بن ثابت، ورواه أيضاً سعيد بن جبير عن ابن عباس، وقال أبو الجوزاء صحبت ابن عباس ثلاث عشرة سنة فما شيء من القرآن إلا سألته عنه فما سمعته يقول إن الله تعالى يقول لذنب لا أغفره وقوله تعالى: {يبدل الله سيئاتهم حسنات}. معناه يجعل أعمالهم بدل معاصيهم الأول طاعة فيكون ذلك سبباً لرحمة الله إياهم قاله ابن عباس وابن جبير وابن زيد والحسن، ورد على من قال هو في يوم القيامة، وقد ورد حديث في كتاب مسلم من طريق أبي يقتضي أن الله تعالى يبدل يوم القيامة لمن يريد المغفرة من الموحدين بدل سيئات حسنات، وذكره الترمذي والطبري وهذا تأويل ابن المسيب في هذه الآية. قال القاضي أبو محمد: وهو معنى كرم العفو، وقرأ ابن أبي عبلة "يبْدِل" بسكون الباء وتخفيف الدال.

ابن عبد السلام

تفسير : {يُسْرِفُواْ} النفقة في المعاصي "ع"، أو لم يكثروا حتى يقول الناس قد أسرفوا، أو لا يأكلون الطعام لإرادة النعيم ولا يلبسون الثياب للجمال وهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. كانت قلوبهم كقلب رجل واحد، أو لم ينفقوا نفقة في غير حقها. {يَقْتُرُواْ} يمنعوا حق الله "ع"، أو لا يجيعهم ولا يعريهم، أو لم يمسكوا عن طاعة الله تعالى، أو لم يقتصروا في الحق. قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : من منع في حق فقد أقتر ومن أعطى في غير حق فقد أسرف " تفسير : {قَوَاماً} عدلاً، أو إخراج شطر الأموال في الطاعة، أو ينفق في الطاعة ويكف عن محارم الله تعالى. والقوام بالفتح الاستقامة والعدل، وبالكسر ما يدوم عليه الأمر ويستقر.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَٱلَّذِينَ إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ...} الآية: عبارة أكثر المفسرين أَنَّ الذي لا يُسْرِفُ هو المُنْفِقُ في الطاعة وإنْ أفرط، والمُسْرِفَ هو المُنْفِقُ في المعصية وإنْ قَلَّ إنفاقهُ، وإنَّ الْمُقتِرَ هو الذي يمنع حَقّاً عليه؛ وهذا قول ابن عباس وغيره، والوجه أَنْ يقال: إنَّ النفقة في المعصية أمر قد حَظَرَتِ الشريعةُ قليلَه وكثيره، وهؤلاءِ الموصوفون مُنَزَّهُونَ عن ذلك، وإنَّما التأديب بهذه الآية هو في نفقة الطاعات والمُبَاحَاتِ، فأدب الشريعة فيها إلاَّ يفرط الإنسانِ حتى يُضَيِّعَ حَقّاً آخر أو عيالاً ونحوَ هذا، أَلاَّ يُضَيِّقَ أَيضاً ويقتر حتى يجيع العيالَ ويفرط في الشُّحِّ، والحَسَنُ في ذلك هو القوام، أي: المعتدل، والقوام في كل واحد بحسب عياله وحاله، وخير الأمور أوساطها؛ ولهذا ترك النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أبا بكْرٍ الصِّدِّيقَ يَتَصَدَّقُ بِجَمِيعِ مَالِهِ؛ لأَنَّ ذلك وَسَطٌ بنسبة جَلَدِهِ وَصَبْرِهِ في الدِّينِ، ومنع غيره من ذلك. وقال عبد الملك بن مروان لعمرَ بن عبد العزيز حين زَوَّجَه ابنته فاطمة: مَا نَفَقَتُكَ؟ فقال له عمر: الحَسَنَةُ بَيْنَ السَّيِّئَتَيْنِ، ثم تلا الآية، وقال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه كفى بالمرء سَرَفاً أَلاَّ يشتهيَ شيئاً إلاَّ ٱشْتَرَاهُ فَأَكَلَهُ. و {قَوَاماً}: خبر {كَانَ} واسمها مُقَدَّرٌ، أي: الإنفاق.

البقاعي

تفسير : ولما ذكر أفعالهم وأقوالهم فيما بينهم وبين الخلق وقدمه، والخالق وأخره، لأن وجوبه يكون بعد ذلك، ذكر أحوالهم في أموالهم، نظراً إلى قول الكفرة {أية : أو يلقى إليه كنز}تفسير : [الفرقان: 8] وهداية إلى طريق الغنى لأنه ما عال من اقتصد، فقال: {والذين إذا أنفقوا} أي للخلق أو الخالق في واجب أو مستحب {لم يسرفوا} أي يجاوزوا الحد في النفقة بالتبذير، فيضيعوا الأموال في غير حقها فيكونوا إخوان الشياطين الذين هم من النار ففعلهم فعلها {ولم يقتروا} أي يضيقوا فيضيعو الحقوق؛ ثم بين العدل بقوله: {وكان} أي إنفاقهم {بين ذلك} أي الفعل الذي يجب إبعاده. ولما علم أن ما بين الطرفين المذمومين يكون عدلاً، صرح به في قوله: {قواماً*} أي عدلاً سواء بين الخلقين المذمومين: الإفراط والتفريط، تخلقاً بصفة قوله تعالى {أية : ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن نزل بقدر ما يشاء} تفسير : [الشورى: 27] وهذه صفة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم و رضي عنهم - كانوا لا يأكلون طعاماً للتنعم واللذة ولا يلبسون ثوباً للجمال والزينة، بل كانوا يأكلون ما يسد الجوعة، ويعين على العبادة، ويلبسون ما يستر العورة، ويكنّ من الحر والقر، قال عمر رضي الله عنه: كفى سرفاً أن لا يشتهي الرجل شيئاً إلا اشتراه فأكله. ولما ذكر ما تحلوا به من أصول الطاعات، بما لهم من العدل والإحسان بالأفعال والأقوال، في الأبدان والأموال، أتبعه ما تخلوا عنه من أمهات المعاصي التي هي الفحشاء والمنكر، فقال: {والذين لا يدعون} رحمة لأنفسهم واستعمالاً للعدل {مع الله} أي الذي اختص بصفات الكمال {إلهاً} وكلمة "مع" وإن أفهمت أنه غير، لكن لما كانوا يتعنتون حتى أنهم يتعرضون بتعديد الأسماء كما مر في آخر سبحان والحجر، قال تعالى قطعاً لتعنتهم: {آخر} أي دعاء جلياً بالعبادة له، ولا خفياً بالرياء، فيكونوا كمن أرسلت عليهم الشياطين فأزتهم أزاً. ولا نفى عنهم ما يوجب قتل أنفسهم بخسارتهم إياها، أتبعه قتل غيرهم فقال: {ولا يقتلون} أي بما تدعو إليه الحدة {النفس} أي رحمة للخلق وطاعة للخالق. ولما كان من الأنفس ما لا حرمة له، بين المراد بقوله: {التي حرم الله} أي قتلها، أي منع منعاً عظيماً الملك الأعلى - الذي لا كفوء له - من قتلها {إلا بالحق} أي بأن تعمل ما يبيح قتلها. ولما ذكر القتل الجلي، أتبعه الخفي بتضييع نسب الولد، فقال: {ولا يزنون} أي رحمة لما قد يحدث من ولد، إبقاء على نسبه، ورحمة للمزني بها ولأقاربها أن تنهتك حرماتهم، مع رحمته لنفسه، على أن الزنى جارّ أيضاً إلى القتل والفتن، وفيه التسبب لإيجاد نفس بالباطل كما أن القتل تسبب إلى إعدامها بذلك، وقد روي في الصحيح "حديث : عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الذنب أعظم - وفي رواية: أكبر - عند الله؟ قال: أن تدعو لله نداً هون خلقك، قال: ثم أيّ؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك، قال: ثم أيّ؟ قال: أن تزني بحليلة جارك، فأنزل الله تصديق ذلك {والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر} [الفرقان: 68] الآيةتفسير : وقد استشكل تصديق الآية للخبر من حيث إن الذي فيه قتل خاص وزنى خاص، والتقييد بكونه أكبر، والذي فيها مطلق القتل والزنى من غير تعرض لعظم، ولا إشكال لأنها نطقت بتعظيم ذلك من سبعة أوجه: الأول: الاعتراض بين المبتدأ الذي هو "وعباد" وما عطف عليه، والخبر الذي هو {أية : أولئك يجزون}تفسير : [الفرقان: 75] على أحد الرأيين بذكر جزاء هذه الأشياء الثلاثة خاصة، وذلك دال على مزيد الاهتمام الدال على الإعظام. الثاني: الإشارة بأداة البعد - في قوله: {ومن يفعل ذلك} أي الفعل العظيم القبح - مع قرب المذكورات، فدل على أن البعد في رتبها. الثالث: التعبير باللقى مع المصدر المزيد الدال على زيادة المعنى في قوله: {يلق أثاماً*} دون يأثم أو يلق إثماً أو جزاء إثمه. الرابع: التقييد بالمضاعفة في قوله مستأنفاً: {يضاعف} أي بأسهل أمر {له العذاب} جزاء ما أتبع نفسه هواها بما فيه من الحرارة الشيطانية - هذا في قراءة ابن عامر وأبي بكر عن عاصم بالرفع وهو بدل "يلق" في قراءة الجماعة، لأنهما تؤولان إلى معنى واحد، ومضاعفة العذاب - والله أعلم - إتيان بعضه في أثر بعض بلا انقطاع كما كان يضاعف سيئته كذلك، وقراءة ابن كثير وأبي جعفر وابن عامر ويعقوب بالتشديد تفيد مطلق التعظيم للتضعيف، وقراءة الباقين بالمفاعلة تقتضيه بالنسبة إلى من يباري آخر فيه فهو أبلغ. الخامس: التهويل بقوله: {يوم القيامة} الذي هو أهول من غيره بما لا يقايس. السادس: الإخبار بالخلود الذي هو أول درجاته أن يكون مكثاً طويلاً، فقال عاطفاً في القراءتين على يضاعف: {ويخلد فيه}. السابع: التصريح بقوله: {مهاناً*} ولعله للاحتراز عما يجوز من أن بعض عصاة هذه الأمة - الذين يريد الله تعذيبهم - يعلمون أنهم ينجون ويدخلون الجنة، فتكون إقامتهم - مع العلم بالمآل - ليست على وجه الإهانة، فلما عظم الأمر من هذه الأوجه، علم أن كلاًّ من هذه الذنوب كبير، وإذا كان الأعم كبيراً، كان الأخص المذكور أعظم من مطلق الأعم، لأنه زاد عليه بما صار به خاصاً، فثبت بهذا أنها كبائر، وأن قتل الولد والزنى بحليلة الجار أكبر لما ذكر، فوضح وجه تصديق الآية للخبر، ولا يقال: إن الإشارة ترجع إلى المجموع، فالتهويل خاص بمن ارتكب مجموع هذه الذنوب لأنا نقول: السياق يأباه، لأن تكرار "لا" أفاد - كما حققه الرضي - ورود النفي على وقوع الخصال الثلاث حال الاجتماع والانفراد، فالمعنى: لا يوقعون شيئاً منها، فكان معنى {ومن يفعل ذلك}: ومن يفعل شيئاً من ذلك - ليرد الإثبات على ما ورد عليه النفي، فيحصل التناسب، وأما عدم منافاة الآية للترتيب فمن وجهين: الأول أن الأصل في التقديم الاهتمام بما سبقت له الآية، وهو التنفير المفيد للتغليظ، فيكون كل واحد منها أعلى مما بعده. الثاني أن الواو لا تنافيه، وقد وقعت الأفعال مرتبة في الذكر كما رتبت في الحديث بـ "ثم" فيكون مراداً بها الترتيب - والله الهادي. ولما أتم سبحانه تهديد الفجار، على هذه الأوزار، أتبعه ترغيب الأبرار، في الإقبال على الله العزيز الغفار، فقال: {إلا من تاب} أي رجع إلى الله عن شيء مما كان فيه من هذه النقائص {وآمن} أي أوجد الأساس الذي لا يثبت عمل بدون وهو الإيمان، أو أكد وجوده {وعمل}. ولما كان الرجوع عنه أغلظ، أكد فقال: {عملاً صالحاً} أي مؤسساً على أساس الإيمان؛ ثم زاد في الترغيب بالإتيان بالفاء ربطاً للجزاء بالشرط دليلاً على أنه سببه فقال: {فأولئك} أي العالو المنزلة {يبدل الله} وذكر الاسم الأعظم تعظيماً للأمر وإشارة إلى أنه سبحانه لا منازع له {سيئاتهم حسنات} أي بندمهم على تلك السيئات، لكونها ما كانت حسنات فيكتب لهم ثوابها بعزمهم الصادق على فعلها لو استقبلوا من أمرهم ما استدبروا، بحيث إذا رأى أحدهم تبديل سيئاته بالحسنات تمنى لو كانت سيئاته أكثر! وورد أن بعضهم يقول: رب! إن لي سيئات ما رأيتها - رواه مسلم في أواخر الإيمان من صحيحه عن أبي ذر رضي الله عنه رفعه. ولما كان هذا أمراً لم تجر العادة بمثله، أخبر أنه صفته تعالى أزلاً وأبداً، فقال مكرراً للاسم الأعظم لئلا يقيد غفرانه شيء مما مضى: {وكان الله} أي الذي له الجلال والإكرام على الإطلاع {غفوراً} أي ستوراً لذنوب كل من تاب بهذا الشرط {رحيماً*} له بأن يعامله بالإكرام كما يعامل المرحوم فيعطيه مكان كل سيئة حسنة؛ روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن هذه الآية نزلت في أهل الشرك، لما نزل صدرها قال أهل مكة: فقد عدلنا بالله، وقتلنا النفس التي حرم الله، وأتينا الفواحش، فأنزل الله {أية : إلا من تاب}تفسير : [الفرقان: 7] - إلى - {أية : رحيماً}تفسير : [الفرقان: 7]؛ وروي عنه أيضاً أنه قال: هذه مكية نسختها آية مدنية التي في سورة النساء. أي على تقدير كونها عامة في المشرك وغيره؛ وروي عنه أنه قال في آية النساء: نزلت في آخر ما نزل، ولم ينسخها شيء. وقد تقدم في سورة النساء الجواب عن هذا، وكذا ما رواه البخاري عنه في التفسير: إن ناساً من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا وزنوا وأكثروا، فأتوا محمداً صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزل {أية : والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون}تفسير : [الفرقان: 68] ونزل {أية : يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} تفسير : [الزمر: 53]. ولما أشعرت الفاء بالتسبيب، ودل تأكيد الفعل بالمصدر على الاحتياج إلى عمل كثير ربما جل عن طوق البشر، وأشار إلى التطريق له بالوصفين العظيمين، أتبع ذلك بيان الطريق إليه بما أجرى من العادة فقال: {ومن تاب} أي عن المعصية كفراً كانت أو ما دونه {وعمل} تصديقاً لادعائه التوبة. ولما كان في سياق الترغيب، أعراه من التأكيد فقال: {صالحاً} ولو كان كل من نيته وعمله ضعيفاً؛ ورغب سبحانه في ذلك بقوله معلماً أنه يصل إلى الله: {فإنه يتوب} أي يرجع واصلاً {إلى الله} أي الذي له صفات الكمال، فهو يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات {متاباً*} أي رجوعاً عظيماً جداً بأن يرغبه الله في الأعمال الصالحة، فلا يزال كل يوم في زيادة في نيته وعمله، فيخف ما كان عليه ثقيلاً، ويتيسر له ما كان عسيراً، ويسهل عليه ما كان صعباً، كما تقدم في {أية : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم} تفسير : [يونس: 9] ولا يزال كذلك حتى يحبه فيكون سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، بأن يوفقه للخير، فلا يسمع إلا ما يرضيه، وهكذا، ومن أجراه على ظاهره فعليه لعنة الله، لمخالفته إجماع المسلمين. ولما وصف عباده سبحانه بأنهم تحلوا بأصول الفضائل، وتخلوا عن أمهات الرذائل، ورغب التوبة، لأن الإنسان لعجزه لا ينفك عن النقص، وكان قد مدحهم بعد الأولى من صفاتهم بالحلم عن الجهل مدحهم قبل الأخرى من أمداحهم وعقب تركهم الزنى بالإعراض أصلاً عن اللغو الذي هو أعظم مقدمات الزنى فقال: {والذين لا يشهدون} أي يحضرون انحرافاً مع الهوى كما تفعل النار التي الشيطان منها {الزور} أي القول المنحرف عن الصدق كذباً كان أو مقارباً له فضلاً عن أن يتفوهوا به ويقروا عليه؛ قال ابن جرير: وأصل الزور تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته حتى يخيل إلى من يسمعه أو يراه أنه بخلاف ما هو به فهو تمويه الباطل بما يوهم أنه حق، والشرك قد يدخل في ذلك لأنه محسن لأهله حتى ظنوا أنه حق وهو باطل، ويدخل فيه الغنا لأنه أيضاً مما يحسن بترجيع الصوت حتى يستحلي سامعه سماعه، والكذب أيضاً يدخل فيه بتحسين صاحبه إياه حتى يظن أنه حق. وعطف عليه ما هو أعم منه فقال: {وإذا مروا باللغو} أي الذي ينبغي أن يطرح ويبطل سواء كان من وادي الكذب أو العبث الذي لا يجدي؛ قال ابن جرير: وهو في كلام العرب كل كلام أو فعل باطل لا حقيقة له ولا أصل، أو ما يستقبح. {مروا كراماً*} أي آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر، إن تعلق بهم أمر أو نهي، بإشارة أو عبارة، على حسب ما يرونه نافعاً، أو معرضين إن كان لا يصلح شيء من ذلك لإثارة مفسدة أعظم من ذلك أو نحوه، رحمة لأنفسهم وغيرهم، وأما حضورهم لذلك وسكوتهم فلا، لأن النظارة إلى كل ما لم تسوغه الشريعة هم شركاء فاعليه في الإثم لأن حضورهم ونظرهم دليل الرضا به، وسبب لوجوده والزيادة فيه.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ} [الآية: 67]. قال الترمذى: الإسراف فى النفقة البذل فى وجوه المعاصى والإقتار هو منعها عن وجوه الطاعات. قال بعضهم: الإسراف فى النفقة تعظيم المنفق نفقته والإقتار فيه الامتنان به على من ينفق عليه. قال ابن عطاء رحمه الله: الإسراف فى النفقة إنفاق فى غير مرضاة الله والإقتار الإمساك عن واجب حق الله.

القشيري

تفسير : الإسرافُ أن تنفق في الهوى وفي نصيب النّفْس، فأمّا ما كان لله فليس فيه إسراف، والإقتارُ ما كان ادخاراً عن الله. فأمَّا التضييقُ على النَّفْس منعاً لها عن اتباع الشهوات ولتتعودَ الاجتراء باليسير فليس بالاقتار المذموم.

اسماعيل حقي

تفسير : {والذين اذا انفقوا} نفق الشىء اذا مضى ونفد اما بالبيع نحو نفق المبيع نفاقا واما بالموت نحو نفقت الدابة نفوقا واما بالفناء نحو نفقت الدراهم وانفقتها {لم يسرفوا} لم يجاوزوا حد الكرم {ولم يقتروا} ولم يضييقوا تضييق الشحيح فان القتر والاقتار والتقتير هو التضييق الذى هو ضد الاسراف والاسراف مجاوزة الحد فى النفقة {وكان} الانفاق المدلول عليه بقوله انفقوا {بين ذلك} اى بين ماذكر من الاسراف والتقتير وهو خبر كان وقوله {قواما} خبر بعد خبر او هو الخبر وبين ذلك ظرف لغو لكان على رأى من يرى اعمالها فى الظرف. والمعنى وسطا عدلا سمى به لاستقامة الطرفين واعتدالهما بحيث لا ترجح لاحدهما على الآخر بالنسبة اليه لكونه وسطا بينهما كمركز الدائرة فانه يكون نسبة جميع الدائرة اليه على السواء ونظير القوام السواء فانه سمى به لاستواء الطرفين فالآية نظير قوله تعالى فى سورة الاسراء {أية : ولا تجعل يدك مغلولة الى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا} شعر : وسط را مكن هركز از كف رها كه خير الامورست اوساطها تفسير : وتحقيق المقام الانفاق ضربان محمود ومذموم، فالمحمود منه ما يكسب صاحبه العدالة وهو بذل مااوجبت الشريعة بذله كالصدقة المفروضة والانفاق على العيال ولذا قال الحسن ماانفق الرجل على اهله فى غير اسراف ولافساد والا اقتار فهو فى سبيل الله ومنه مايكسب صاحبه اجرا وهو الانفاق على من الزمت الشريعة انفاقه عليه ومنه مايكسب له الحرية وهو بذل ماندبت الشريعة الى بذله فهذا يكتسب من الناس شكرا ومن ولى النعمة اجرا، والمذموم ضربان افراط وهو التبذير والاسراف وتفريط وهو الامساك والتقتير وكلاهما يراعى فيه الكمية والكيفية فالتبذير من جهة الكمية ان يعطى اكثر ما يحتمله حاله ومن حيث الكيفية ان يضعه فى غير موضعه والاعتبار فيه بالكيفية اكثر من الكمية فرب منفق درهما من الوف وهو فىانفاقه مسرف وببذله ظالم مفسد كمن اعطى فاجره درهما او اشترى خمرا ورب منفق الوفا لايملك غيرها هو فيه مقتصد وبذله محمود كما روى فى شأن ابى بكر الصديق رضى الله عنه حيث انفق جميع ماله فى غزوة تبوك ولما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ماذا ابقيت لاهلك يا ابا بكر"تفسير : قال الله ورسوله، وقد قيل لحكيم متى يكون بذل القليل اسرافا والكثير اقتصاد اقال اذا كان بذل القليل فى باطل وبذل الكثير فى حق ومن هذا الباب ما قال مجاهد فى الآية لو كان لرجل مثل ابى قبيس ذهبا فانفقه فى طاعة الله لم يكن مسرفا ولو انفق درهما فى معصية الله كان مسرفا والتقتير من جهة الكمية ان ينفق دون مايحتمله حاله ومن جهة الكيفية ان يمنع من حيث يجب وينفق حيث لايجب والتبذير عند الناس احمد لانه جود لكنه اكثر مما يجب والتقتير بخل والجود على كل حال احمد من البخل لان رجوع المبذر الى السخاء سهل وارتقاء البخيل اليه صعب وان المبذر قد ينفع غيره وان اضر بنفسه والمقتر لا ينفع نفسه ولا غيره على ان التبذير فى الحقيقة هو من وجه اقبح اذلا اسراف الا وفى جنبه حق يضيع ولان التبذير يؤدى صاحبه الى ان يظلم غيره ولذا قيل الشحيح اعذر من الظالم ولانه جهل بقدر المال الذى هو سبب استبقاء النفس والجهل رأس كل شر والمتلاف ظالم من وجهين لاخذه من غير موضعه ووضعه فى غير موضعه، قال يزيد بن حبيب فى هذه الآية اولئك اصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا لايأكلون طعاما للتنعم واللذة ولا يلبسون ثيابا للجمال ولكن كانوا يريدون من الطعام ما يسد عنهم الجوع ويقويهم على عبادة ربهم ومن الثياب ما يستر عوراتهم ويكنهم عن الحر والقرّ وفى الحديث "حديث : ليس لابن آدم حق فيما سوى هذه الخصال بيت يسكنه وثوب يوارى عورته وجرف الخبز والماء"تفسير : يعنى كسر الخبز واحدتها جرفة بالكسر، وقال عمر رضى الله عنه كفى سرفا ان لايشتهى الرجل شيئا الا اشتراه فاكله شعر : اكرجه باشد مرادت خورى زدوران بسى نامرادى برى دريغ آدمى زاده بر محل كه باشد جو انعام بل هم اضل تفسير : قال الحافظ شعر : خواب وخورت زمرتبه خويش دور كرد آنكه رسى بخويش كه بىخواب وخورشوى تفسير : ثم ان الاسراف ليس متعلقا بالمال بل بكل شىء وضع فى غير موضعه اللائق به ألا ترى ان الله تعالى وصف قوم لوط بالاسراف لوضعهم البذر فى غير المحرث فقال {أية : أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل انتم قوم مسرفون}تفسير : ووصف فرعون بقوله {أية : انه كان عاليا من المسرفين}تفسير : فالتكبر لغير المتكبر اسراف مذموم وللمتكبر اقتصاد محمود وعلى هذا فقس، وفى الآية اشارة الى اهل الله الباذلين عليه الوجود {اذا انفقوا} وجودهم فى ذات الله وصفاته {لم يسرفوا} اى لم يبالغوا فى المجاهدة والرياضة حتى يهلكوا انفسهم بالكلية كما قال {أية : ولاتلقوا بايديكم الى التهلكة}تفسير : {ولم يقتروا} فى بذل الوجود بان لايجاهدوا انفسهم فى ترك هواها وشهواتها كما اوحى الله تعالى الى داود عليه السلام فقال "حديث : انذر قومك من اكل الشهوات فان القلوب المتعلقة بالشهوات محجوبة عنى"تفسير : {وكان بين ذلك قواما} بحيث لا يهلك نفسه بفرط المجاهدة ولا يفسد قلبه بتركها وتتبع الشهوات كما فى التأويلات النجمية.

اطفيش

تفسير : {والَّذينَ إِذَآ أَنفَقُوا} على عيالهم وانفسهم * {لَمْ يُسْرِفُوا} لم يجاوزا حد الكرم {وَلَمْ يَقْتُرُوا} لم يضيقوا تضييق الشحيح. وقرئ بتشديد التاء ويقتروا بفتح الياء التحتية وضم التاء وبفتح التحتية وكسر التاء. وقراءتنا بضم التاء وكسر التاء وهي قراءة نافع وابن عامر. وقال القاضي والكوفيون قال أبو عمرو الداني: قرأ ابن كثير وابو عمرو بفتح الياء التحتية وضم التاء. وقال شيخ الاسلام: قرأ المدنيان وابن عامر بضم الياء وكسر التاء وابن كثير والبصريان بفتح الياء وكسر التاء والباقون بفتح الياء وضم التاء. وقيل: الاسراف الانفاق في المحرمات والاقتار منع الواجب وعلى كل حال فالمراد إذا انفقوا لم تجدهم مسرفين ولا مقترين على حد قوله:> شعر : إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة تفسير : والصحيح ان المراد (الانفاق على العيال والانفس) لانه الظاهر واكثر المفسرين ان الذي لا يسرف هو المنفق في الطاعة وان افرط والمسرف المنفق في المعصية وان قل ما انفق. وعن ابن عباس (المقتر) هو الذي يمنع حقا عليه وهذا قول لغيره ايضا. قال بعضهم: والوجه ان يقال ان النفقة في المعصية امر قد حظرته الشريعة قليله وكثيره وهؤلاء الموصوفون منزهون عن ذلك وانما التأديب بهذه الآية في نفقة الطاعة والمباح وذلك في الصحابة: قيل: كانوا لا يأكلون طعاما للتلذذ والتنعم ولا يلبسون ثوبا للجمال والزينة بل يأكلون ما يسدون به جوعتهم ويعينهم على العبادة ويلبسون ما يسترون به العورة ويكنهم من الحر والقر. قال عمر رضي الله عنه (كفى سرفا ان لا يشتهي رجل شيئا الا اشتراه فاكله) وسمع رجل رجلا يقول: لا خير في الاسراف فقال لا إسراف في الخير وشكر عمر بن عبد العزيز عبد الملك بن مروان حين زوجه بنته فاطمة واحسن اليه فقال: وصلت الرحم وفعلت وصنعت وجاء بكلام حسن. وكان ابن لعبد الملك حاضراً فقال لعبد الملك: أنما هو كلام أعده لهذا المقام فسكت عبد الملك ولما كان بعد ايام دخل عليه والابن حاضر فسأله عن نفقته واحواله فقال الحسنة بين السيئتين فعرف عبد الملك انه اراد ما في هذه الآية فقال لابنه: يا بني هذا ايضا مما اعده وعليّ ما فهم عبد الملك من كلام عمر بن عبد العزيز يكون عمر بن عبد العزيز ممن يفسر الانفاق بالانفاق على العيال والانفس. {وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} واسم كان ضمير الانفاق وخبرها (قواما) وبين متعلق بمكان أو متعلق بمحذوف خبر كان (وقواما) خبر ثان أو (حال) من ضمير الاستقرار في بين وهو حال مؤكدة لان القوام الوسط والعدل سميا بذلك لاستقامة الطرفين كما سميا بسواء لاستوائهما وما بين الاسراف والاقتار هو الوسط والعدل ايضا. فقد علمت ان معنى {بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} واحد فلا يصح قول بعضهم ان بين اسم كان مبني لاضافة لمبني (وقواما) خبرها للزوم الاخبار بالشيء عن نفسه فلا يكون الخبر مفيدا ما لم يفده الاسم. وقرئ بكسر القاف وهو ما تقام به الحاجة لا يفضل عنها ولا ينقص والقوام في كل احد بحسب حاله بالعيال والصبر وغير ذلك وخير الامور اوسطها وكان صلى الله عليه وسلم لا ينهى ابا بكر الصديق رضي الله عنه عن التصدق بجميع ماله لان ذلك وسط بنسبة جلده وصبره في الدين ومنع غيره عن ذلك.

اطفيش

تفسير : {والَّذين إذا أنْفقُوا} أرادوا الإنفاق {لم يُسْرفُوا ولم يقْتَروا} أو إذا أنفقوا لم يوجدوا مسرفين ولا مقترين، والإسراف أن ينفق ماله كله أو إلا قليلا لا يكفيه حاله، فيبقى يتكفف الناس، وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وقال عز وجل: " أية : ولا تبسطها كل البسط"تفسير : [الإسراء: 29] قال الحسين بن الفضل، وافق قول العرب خير الأمور أوسطها، قوله تعالى: "أية : لا فارض ولا بكر"تفسير : [البقرة: 68] الخ وقوله تعالى {والذين إذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا} وقوله تعالى: "أية : ولا تجعل يدل مغلولة"تفسير : [الإسراء: 29] إلخ وقوله: "أية : ولا تجهر بصلاتك"تفسير : [الإسراء: 110] الخ ووافق قولهم: من جهل شيئا عاداه قوله تعالى: {بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه} [يونس: 39] وقوله تعالى: "أية : وإذ لم يهتدوا به"تفسير : [الأحقاف: 11] الخ، ووافق قولهم: احذر شر من أحسنت اليه قوله تعالى: "أية : وما نقموا إلاَّ أنْ أغناهم الله ورسوله"تفسير : [التوبة: 74] الخ. ووافق لهم: ليس الخبر كالعيان قوله تعالى: "أية : أو لم تؤمن قال بلى "تفسير : [البقرة: 260] الخ، ووافق قولهم: البركات فى الحركات قوله: " أية : ومن يهاجر فى سبيل الله "تفسير : [4: 100] الخ ووافق قولهم: كما تدين تدان قوله تعالى: "أية : من يعمل سوءاً "تفسير : [النساء: 123] الخ، ووافق قولهم حين تغلى تدرى قوله تعالى "أية : فسوف يعلمون إذْ الأغلال"تفسير : [غافر: 70 - 71] الخ وقوله تعالى: " أية : وسوف يعلمون حين يرون "تفسير : [الفرقان: 42] الخ. ووافق قولهم: لا يلدغ الرجل من جحر أفعى مرتين قوله تعالى: "أية : هل آمنكم"تفسير : [يوسف: 64] الخ ووافق قولهم من أعان ظالماً سلط عليه قوله تعالى: "أية : كتب عليه أنه من تولاه "تفسير : [الحج: 4] الخ، ووافق قوله: لا تلد الحية إلا حية قوله تعالى: "أية : ولا يلدوا إلاَّ فاجراً كفاراً "تفسير : [نوح: 27] ووافق قولهم للحيطان آذان قوله تعالى: "أية : وفيكم سماعون لهم " تفسير : [التوبة: 47] ووافق قولهم: الجاهل مرزوق، والعالم محروم، قوله تعالى: "أية : من كان فى الضلالة "تفسير : [مريم: 75] الخ ووافق قولهم الحلال يأتيك قوتاً والحرام جزافاً قوله تعالى: " أية : إذ تأتيهم حيتانهم" تفسير : [الأعراف: 163] الخ، وبعض ذلك فى الحديث، أو أخذه صلى الله عليه وسلم من كلام العرب، وإذ وافق الحق والإقتار تضييق الشحيح، أو الإسراف الإنفاق فى المعاصى، والإقتار الإمساك عن إتمام طاعة، مثل أن يعطى بعض الزكاة دون بعض، وجارا دون جار، ولا يشبع ضيفه، ويبعد ما قيل الإسراف الإنفاق من مال غيرك، والأولى أولى، ويضعف غيره أو يبطله قوله تعالى: {وكان} الانفاق {بين ذلك قواما} إذ لا يحسن أن يقال كان بين الانفاق من ماله، والانفاق من مال غيره قواما، ولا بين الانفاق فى المعاصى وعدم الإتمام سواء، ولو أمكن قال عبد الملك بن مروان: إذ زوج بنته لعمر بن عبد العزيز ما نفقتك؟ قال الحسنة بين السيئين، ويقال أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا يأكلون طعاماً للتلذذ، ولا يلبسون ثياباً للجمال والزينة، ولكن سد الجوعة وستر العورة، قال عمر رضى الله عنه: كفى سرفاً أن لا يشتهى الرجل شيئاً إلا أكله، وروى إلا اشتراه فأكله، ومعنى قواما عدلا، كل واحد يقاوم الآخر.

الالوسي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ } أي لم يتجاوزوا حد الكرم {وَلَمْ يَقْتُرُواْ } أي ولم يضيقوا تضييق الشحيح، وقال أبو عبد الرحمن الجيلي: الإسراف هو الإنفاق في المعاصي والقتر الإمساك عن طاعة، وروي نحو ذلك عن ابن عباس ومجاهد وابن زيد، وقال عون بن عبد الله بن عتبة: الإسراف أن تنفق مال غيرك. وقرأ الحسن وطلحة والأعمش وحمزة والكسائي وعاصم {يقتروا} بفتح الياء وضم التاء ومجاهد وابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء وكسر التاء ونافع وابن عامر بضم الياء وكسر التاء (وقرأ العلاء ابن سبابة واليزيدي بضم الياء وفتح القاف وكسر التاء) مشددة وكلها لغات في التضييق. وأنكر أبو حاتم لغة أقتر رباعياً هنا وقال: إنما يقال أقتر إذا افتقر ومنه {أية : وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدْرُهُ }تفسير : [البقرة: 236] وغاب عنه ما حكاه الأصمعي وغيره من أقتر بمعنى ضيق. {وَكَانَ } إنفاقهم {بَيْنَ ذٰلِكَ } المذكور من الإسراف والقتر {قَوَاماً } وسطاً وعدلاً سمي به لاستقامة الطرفين وتعادلهما كأن كلاً منهما يقاوم الآخر كما سمي سواء لاستوائهما. وقرأ حسان {قَوَاماً } بكسر القاف، فقيل: هما لغتان بمعنى واحد وقيل: هو بالكسر ما يقام به الشيء، والمراد به هنا ما يقام به الحاجة لا يفضل عنها ولا ينقص. وهو خبر ثان لكان مؤكد للأول وهو {بَيْنَ ذٰلِكَ } أو هو الخبر و {بَيْنَ ذٰلِكَ } إما معمول لكان على مذهب من يرى أن كان الناقصة تعمل في الظرف وإما حال من {قَوَاماً } لأنه لو تأخر لكان صفة، وجوز أن يكون ظرفاً لغواً متعلقاً به أو {بَيْنَ ذٰلِكَ } هو الخبر و {قَوَاماً } حال مؤكدة، وأجاز الفراء أن يكون «بين ذلك» اسم كان وبني لإضافته إلى مبني كقوله تعالى: {أية : وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ }تفسير : [هود: 66] في قراءة من فتح الميم. ومنه قول الشاعر:شعر : لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت حمامة في غصون ذات أوقال تفسير : وتعقبه الزمخشري بأنه من جهة الإعراب لا بأس له ولكن المعنى ليس بقوي لأن ما بين الإسراف والتقتير قوام لا محالة فليس في الخبر الذي هو معتمد الفائدة فائدة. وحاصله أن الكلام عليه من باب كان الذاهب جاريته صاحبها وهو غير مفيد. ولا يخفى أنه غير وارد على قراءة «قواماً» بالكسر على القول الثاني فيه وعلى غير ذلك متجه. وما قيل من أنه من باب شعري شعري والمعنى كان قواماً معتبراً مقبولاً غير مقبول لأنه مع بعده إنما ورد فيما اتحد لفظه وما نحن فيه ليس كذلك. وكذا ما قيل: إن «بين ذلك» أعم من القوام بمعنى العدل الذي يكون نسبة كل واحد من طرفيه إليه على السواء فإن ما بين الاقتار والإسراف لا يلزم أن يكون قواماً بهذا المعنى إذ يجوز أن يكون دون الإسراف بقليل وفوق الإقتار بقليل فإنه تكلف أيضاً إذ ما بينهما شامل لحاق الوسط وما عداه كالوسط من غير فرق ومثله لا يستعمل في المخاطبات لإلغازه، وقيل: لأنه بعد تسليم جواز الإخبار عن الأعم بالأخص يبعد أن يكون مدحهم بمراعاة حاق الوسط مع ما فيه من الحرج الذي نفي عن الإسلام. وفيه أنه لا شك في جواز الاخبار عن الأعم بالأخص نحو الذي جاءني زيد والقائل لم يرد إلحاق الحقيقي بل التقريبـي كما يدل عليه قوله بقليل ولا حرج في مثله فتأمل. ولعل الإخبار عن إنفاقهم بما ذكر بعد قوله تعالى: {إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ} المستلزم لكون / إنفاقهم كذلك للتنصيص على أن فعلهم من خير الامور فقد شاع «خير الأمور أوساطها»، والظاهر أن المراد بالإنفاق ما يعم إنفاقهم على أنفسهم وإنفاقهم على غيرها والقوام في كل ذلك خير، وقد أخرج أحمد والطبراني عن أبـي الدرداء عن النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : من فقه الرجل رفقه في معيشته»تفسير : . وأخرج ابن ماجه في «سننه» عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن من السرف أن تأكل كل ما اشتهيت» تفسير : وحكي عن عبد الملك بن مروان أنه قال لعمر بن عبد العزيز عليه الرحمة حين زوجه ابنته فاطمة ما نفقتك فقال له عمر: الحسنة بين السيئتين ثم تلا الآية. وقد مدح الشعراء التوسط في الأمور والاقتصاد في المعيشة قديماً وحديثاً، ومن ذلك قوله:شعر : ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد كلا طرفي قصد الأمور ذميم تفسير : وقول حاتم:شعر : إذا أنت قد أعطيت بطنك سؤله وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا تفسير : وقول الآخر:شعر : إذا المرء أعطى نفسه كل ما اشتهت ولم ينهها تاقت إلى كل باطل وساقت إليه الإثم والعار بالذي دعته إليه من حلاوة عاجل تفسير : إلى غير ذلك.

ابن عاشور

تفسير : أفاد قوله {إذا أنفقوا} أن الإنفاق من خصالهم فكأنه قال: والذين ينفقون وإذا أنفقوا إلخ. وأريد بالإنفاق هنا الإنفاق غير الواجب وذلك إنفاق المرء على أهل بيته وأصحابه لأن الإنفاق الواجب لا يذمّ الإسراف فيه، والإنفاق الحرام لا يُحمد مطلقاً بَلْهَ أن يذم الإقتار فيه على أن في قوله {إذا أنفقوا} إشعاراً بأنهم اختاروا أن ينفقوا ولم يكن واجباً عليهم. والإسراف: تجاوز الحد الذي يقتضيه الإنفاق بحسب حال المنفق وحال المنفَق عليه. وتقدم معنى الإسراف في قوله تعالى: {أية : ولا تأكلوها إسرافاً}تفسير : في سورة النساء (6)، وقوله: {أية : ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين}تفسير : في سورة الأنعام (141). والإقتار عكسه، وكان أهل الجاهلية يسرفون في النفقة في اللذات ويُغْلُون السباء في الخمر ويتممون الأيسار في الميسر. وأقوالهم في ذلك كثيرة في أشعارهم وهي في معلّقة طرفة وفي معلقة لبيد وفي ميمية النابغة، ويفتخرون بإتلاف المال ليتحدث العظماء عنهم بذلك، قال الشاعر مادحاً:شعر : مفيد ومتلاف إذا ما أتيتُه تهلَّل واهتز اهتزاز المهند تفسير : وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر {ولا يُقتِروا} بضم التحتية وكسر الفوقية من الإقْتار وهو مرادف التقتير. وقرأه ابن كثير وأبو عَمرو ويعقوب بفتح التحتية وكسر الفوقية من قتر من باب ضَرَب وهو لغة. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف بفتح التحتية وضم الفوقية من فعل قتر من باب نصَر. والإقتار والقَتْر: الإجحاف والنقص مما تسعه الثروة ويقتضيه حال المنفَق عليه. وكان أهل الجاهلية يُقْتِرون على المساكين والضعفاء لأنهم لا يسمعون ثناء العظماء في ذلك. وقد تقدم ذلك عند قوله: {أية : كُتب عليكم إذا حضر أحدكم الموتُ إن ترك خيراً الوصية للوالدَيْن}تفسير : [البقرة: 180]. والإشارة في قوله: {بين ذلك} إلى ما تقدم بتأويل المذكور، أي الإسراف والإِقتار. والقَوام بفتح القاف: العدل والقصد بين الطرفين. والمعنى: أنهم يضعون النفقات مواضعها الصالحة كما أمرهم الله فيدوم إنفاقهم وقد رغب الإسلام في العمل الذي يدوم عليه صاحبه، وليسير نظام الجماعة على كفاية دون تعريضه للتعطيل فإن الإسراف من شأنه استنفاد المال فلا يدوم الإنفاق، وأما الإقتار فمن شأنه إمساكُ المال فيُحرم من يستأهله. وقوله: {بين ذلك} خبرُ {كَان} و{قَواماً} حال موكِّدة لمعنى {بين ذلك}. وفيها إشعار بمدح ما بين ذلك بأنه الصواب الذي لا عِوَج فيه. ويجوز أن يكون {قَواما} خبر {كان} و{بين ذلك} ظرفا متعلقاً به. وقد جرت الآية على مراعاة الأحوال الغالبة في إنفاق الناس. قال القرطبي: والقَوام في كل واحد بحسب عياله وحاله ولهذا ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق يتصدق بجميع ماله ومنع غيره من ذلك.

الشنقيطي

تفسير : قرأ هذا الحرف نافع وابن عامر: ولم يقتروا بضم الياء المثناة التحتية وكسر التاء مضارع أقتر الرباعي، وقرأه ابن كثير وأبو عمرو: ولم يقتروا بفتح المثناة التحتية، وكسر المثناة الفوقية مضارع قتر الثلاثي كضرب، وقرأه عاصم وحمزة، والكسائي، ولم يقتروا بفتح المثناة التحتية، وضم المثناة الفوقية مضارع قتر الثلاثي كنصر، والإقتار على قراءة نافع وابن عامر، والقتر على قراءة الباقين معناهما واحد، وهو التضييق المخل بسد الخلة اللازم، والإسراف في قوله تعالى: لم يسرفوا، مجاوزة الحد في النفقة. واعلم أن أظهر الأقوال في هذه الآية الكريمة، أن الله مدح عباده الصالحين بتوسطهم في إنفاقهم، فلا يجاوزون الحد بالإسراف في الإنفاق، ولا يقترون أي لا يضيقون فيبخلون بإنفاق القدر اللازم. وقال بعض أهل العلم: الإسراف في الآية: الإنفاق في الحرام والباطل، والاقتار منع الحق الواجب، وهذا المعنى وإن كان حقاً فالأظهر في الآية هو القول الأول. قال ابن كثير رحمه الله {وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ} الآية: أي ليسوا مبذرين في إنفاقهم، فيصرفوا فوق الحاجة، ولا بخلاء على أهليهم، فيقصروا في حقهم فلا يكفوهم بل عدلاً خياراً، وخير الأمور أوسطها، لا هذا، ولا هذا. انتهى محل الغرض منه. وقوله تعالى: {وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} أي بين ذلك المذكور من الإسراف والقتر. قواماً: أي عدلاً وسطاً سالماً من عيب الإسراف والقتر. وأظهر أوجه الإعراب عندي في الآية هو ما ذكره القرطبي، قال: وقواماً خبر كان واسمها مقدر فيها أي كان الإنفاق بين الإسراف والقتر قواماً، ثم قال قاله الفراء، وباقي أوجه الإعراب في الآية ليس بوجيه عندي كقول من قال: إن لفظة بين هي اسم كان، وأنها لم ترفع لبنائها بسبب إضافتها إلى مبني، وقول من قال: إن بين هي خبر كان، وقواماً حال مؤكدة له ومن قال إنهما خبران كل ذلك ليس بوجيه عندي، والأظهر الأول. والظاهر أن التوسط في الإنفاق الذي مدحهم به شامل لإنفاقهم على أهليهم، وإنفاقهم المال في أوجه الخير. وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء موضحاً في غير هذا الموضع، فمن ذلك أن الله أوصى نبيه صلى الله عليه وسلم بالعمل بمقتضاه في قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ} تفسير : [الإسراء: 29] الآية، فقوله: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ} أي ممسكة عن الإنفاق إمساكاً كلياً، يؤدي معنى قوله هنا ولم يقتروا. وقوله: ولا تبسطها كل البسط، يؤدي معنى قوله هنا: لم يسرفوا. وأشار تعالى إلى هذا المعنى في قوله: {أية : وَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً} تفسير : [الإسراء: 26] الآية، وقوله تعالى: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ} تفسير : [البقرة: 219] الآية. على أصح التفسيرين. وقد أوضحنا الآيات الدالة على هذا المعنى في أول سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} تفسير : [البقرة: 3]. مسألة هذه الآية الكريمة التي هي قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ} الآية والآيات التي ذكرناها معها، قد بينت أحد ركني ما يسمى الآن بالاقتصاد. وإيضاح ذلك أنه لا خلاف بين العقلاء أن جميع مسائل الاقتصاد على كثرتها واختلاف أنواعها راجعة بالتقسيم الأول إلى أصلين لا ثالث لهما. الأول منهما: اكتساب المال. والثاني منهما: صرفه من مصارفه، وبه تعلم أن الاقتصاد عمل مزدوج، ولا فائدة في واحد من الأصلين المذكورين إلا بوجود الآخر، فلو كان الإنسان أحسن الناس نظراً في أوجه اكتساب المال إلا أنه أخرق جاهل بأوجه صرفه، فإن جميع ما حصل من المال يضيع عليه بدون فائدة، وكذلك إذا كان الإنسان أحسن الناس نظراً في صرف المال في مصارفه المنتجة إلا أنه أخرق جاهل بأوجه اكتسابه. فإنه لا ينفعه حسن نظره في الصرف مع أنه لم يقدر على تحصيل شيء يصرفه. والآيات المذكورة أرشدت الناس ونبهتهم على الاقتصاد في الصرف. وإذا علمت أن مسائل الاقتصاد كلها راجعة إلى الأصلين المذكورين، وأن الآيات المذكورة دلت على أحدهما فاعلم أن الآخر منهما هو اكتساب المال أرشدت إليه آيات أخر دلت على فتح الله الأبواب إلى اكتساب المال بالأوجه اللائقة، كالتجارات، وغيرها كقوله تعالى: {أية : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} تفسير : [البقرة: 198]، وقوله تعالى: {أية : فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ} تفسير : [الجمعة: 10]، وقوله تعالى: {أية : عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ} تفسير : [المزمل: 20]، والمراد بفضل الله في الآيات المذكورة ربح التجارة، وكقوله تعالى: {أية : إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ} تفسير : [النساء: 29]، وقد قدمنا في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: {أية : فَٱبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَـٰذِهِ إِلَىٰ ٱلْمَدِينَةِ} تفسير : [الكهف: 19] الآية. أنواع الشركات، وأسماءها، وبينا ما يجوز منها، وما لا يجوز عند الأئمة الأربعة وأوضحنا ما اتفقوا على منعه، وما اتفقوا على جوازه، وما اختلفوا فيه، وبه تعلم كثرة الطرق التي فتحها الله لاكتساب المال بالأوجه الشرعية اللائقة. وإذا علمت مما ذكرنا أن جميع مسائل الاقتصاد راجعة إلى أصلين هما اكتساب المال وصرفه في مصارفه. فاعلم أن كل واحد من هذين الأصلين، لا بد له من أمرين ضروريين له: الأول منهما: معرفة حكم الله فيه، لأن الله جل وعلا لم يبح اكتساب المال بجميع الطرق التي يكتسب بها المال، بل أباح بعض الطرق، وحرم بعضها كما قال تعالى: {أية : وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَا} تفسير : [البقرة: 275]، ولم يبح الله جل وعلا، صرف المال في كل شيء بل أباح بعض الصرف وحرم بعضه، كما قال تعالى: {أية : مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ} تفسير : [البقرة: 261] الآية. وقال تعالى في الصرف الحرام: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً} تفسير : [الأنفال: 36] الآية، فمعرفة حكم الله في اكتساب المال وفي صرفه في مصارفه أمر ضروري لا بد منه، لأن من لم يعلم ذلك قد يكتسب المال من وجه حرام، والمال المكتسب من وجه حرام، لا خير فيه البتة، وقد يصرف المال في وجه حرام، وصرفه في ذلك حسرة على صاحبه. الأمر الثاني: هو معرفة الطريق الكفيلة باكتساب المال، فقد يعلم الإنسان مثلاً أن التجارة في النوع الفلاني مباحة شرعاً، ولكنه لا يعلم أوجه التصرف بالمصلحة الكفيلة بتحصيل المال، من ذلك الوجه الشرعي، وكم من متصرف يريد الربح، فيعود عليه تصرفه بالخسران، لعدم معرفته بالأوجه التي يحصل بها الربح. وكذلك قد يعلم الإنسان أن الصرف في الشيء الفلاني مباح، وفيه مصلحة، ولكنه لا يهتدي إلى معرفة الصرف المذكور، كما هو مشاهد في المشاريع الكثيرة النفع إن صرف فيها المال بالحكمة والمصلحة، فإن جواز الصرف فيها معلوم، وإيقاع الصرف على وجه المصلحة، لا يعلمه كل الناس. وبهذا تعلم أن أصول الاقتصاد الكبار أربعة: الأول: معرفة حكم الله في الوجه الذي يكتسب به المال، واجتناب الاكتساب به، إن كان محرماً شرعاً. الثاني: حسن النظر في اكتساب المال بعد معرفة ما يبيحه خالق السماوات والأرض، وما لا يبيحه. الثالث: معرفة حكم الله في الأوجه التي يصرف فيها المال، واجتناب المحرم منها. الرابع: حسن النظر في أوجه الصرف، واجتناب ما لا يفيد منها، فكل من بنى اقتصاده على هذه الأسس الأربعة كان اقتصاده كفيلاً بمصلحته، وكان مرضياً لله جل وعلا، ومن أخل بواحد من هذه الأسس الأربعة كان بخلاف ذلك، لأن من جمع المال بالطرق التي لا يبيحها الله جل وعلا فلا خير في ماله، ولا بركة كما قال تعالى: {أية : يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلْرِّبَا وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَاتِ} تفسير : [البقرة: 276] وقال تعالى: {أية : قُل لاَّ يَسْتَوِي ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ} تفسير : [المائدة: 100] الآية. وقد تكلمنا على مسائل الربا في آية الربا في سورة البقرة وتكلمنا على أنواع الشركات وأسمائها، وبينا ما يجوز منها وما لا يجوز في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: {أية : فَٱبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَـٰذِهِ إِلَىٰ ٱلْمَدِينَةِ} تفسير : [الكهف: 19] الآية. ولا شك أنه يلزم المسلمين في أقطار الدنيا التعاون على اقتصاد يجيزه خالق السماوات والأرض، على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، ويكون كفيلاً بمعرفة طرق تحصيل المال بالأوجه الشرعية، وصرفه في مصارفه المنتجة الجائزة شرعاً لأن الاقتصاد الموجود الآن في أقطار الدنيا لا يبيحه الشرع الكريم، لأن الذين نظموا طرقه ليسوا بمسلمين، فمعاملات البنوك والشركات لا تجد شيئاً منها يجوز شرعاً، لأنها إما مشتملة على زيادات ربوية، أو على غرر، لا تجوز معه المعاملة كأنواع التأمين المتعارفة عند الشركات اليوم في اقطار الدنيا، فإنك لا تكاد تجد شيئاً منها سالماً من الغرر، وتحريم بيع الغرر ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن المعلوم أن من يدعي إباحة أنواع التأمين المعروفة عند الشركات، من المعاصرين أنه مخطئ في ذلك، ولأنه لا دليل معه بل الأدلة الصحيحة على خلاف ما يقول، والعلم عند الله تعالى.

د. أسعد حومد

تفسير : (67) - ومِنْ صِفاتِ عِبادِ الرَّحمنِ أَيضاً الاعتدَالُ في الإِنفَاقِ على أَنْفُسِهِمْ، وأَهليهمْ، فهُمْ لَيْسُوا بِمُبَذِّرينَ في إنفاقِهِمْ فيَصْرِفُون فوقَ الحَاجَةِ، ولا بُخَلاءَ على أهليهِمْ فَيُقَصِّرُون في حقِّهِمْ، فلا يَكْفُونَهُمْ، بلْ همْ مُعْتَدِلُونَ في أمورِهِمْ. لَمْ يَقْتُرُوا - لم يُضيِّقُوا تَضْيِيقَ الأشِحَّاءِ. قوَاماً - عَدْلاً وَسَطَاً بينَ الطَّرَفَينِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الإسراف: تبديد ما تملك فيما عنه غَنَاء، فلا نقول (مسرف) مثلاً للذي يأكل ليحفظ حياته؛ لذلك يقول سيدنا عمر - رضي الله عنه - لولده عاصم: كُلْ نصف بطنك، ولا تطرح ثوباً إلا إذا استخلقْتَه، ولا تجعل كل رزقك في بطنك وعلى جسدك. والإسراف أن تنفق في غير حِلٍّ، فلا سرف في حِلٍّ، حتى إنْ أسرف الإنسان في شيء من الترف المباح، فإنه يؤدي لنفسه بعض الكماليات، في حين يؤدي للمجتمع أشياء ضرورية، فالذي لا يرتدي الثوب إلا (مكْوياً) كان بإمكانه أن يرتديه دون كَيًّ، فكَيُّ الثوب في حقه نوع من الترف، لكنه ضرورة بالنسبة (للمكوجي) حيث يسَّر له أكل العيش. والذي يستقل سيارة أجرة وهو قادر على السير، أو يجلس على (القهوة) كل يوم ليمسح حذاءه وهو قادر على أن يمسحه بنفسه، هذه كلها ألوان من الترف بالنسبة لك، لكنها ضرورة لغيرك، فلا يُسمَّى هذا إسرافاً. وقوله تعالى: {وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} [الفرقان: 67] أي: بين الإسراف والتقتير {قَوَاماً} [الفرقان: 67] يعني: وسطاً أي: أن الإنفاق وسط بين طرفين، وقوام الشيء: ما به يقوم، والحياة كلها تقوم على عملية التوسُّط بين الإسراف والتقتير. وأذكر ونحن تلاميذ كانوا يُعلِّموننا نظرية الروافع، وكيف نُوسِّط مركزاً على عصا من الخشب، بحيث يتساوى الذراعان، ويكونان سواء، لا تميل إحداهما بالأخرى، وإذا أرادتْ إحداهما أن تميل قاومتْها الأخرى، كأنها تقول لها: نحن هنا. فإذا ما علقتَ ثِقَلاً بأحد الذراعين لزمك أن تطيل الأخرى لتقاوم هذا الثقل. ويروى أن عبد الملك بن مروان لما أراد أن يُزوِّج ابنته فاطمة من عمر بن عبد العزيز اختبره بهذا السؤال ليعرف ميزانه في الحياة: يا عمر، ما نفقتك؟ قال: يا أمير المؤمنين، نفقتي حسنة بين سيئتين، ثم تلا هذه الآية: {وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} [الفرقان: 67]. فعلم الخليفة أن زوج ابنته يسير سَيْراً يضمن له ولزوجته مُقوّمات الحياة، ويضمن كذلك المقومات العليا للنفس وللمجتمع. وسبق أن ذكرنا أن الإنسان الذي ينفق كل دَخْله لا يستطيع أن يرتقي بحياته وحياة أولاده؛ لأنه أسرف في الإنفاق، ولم يدخر شيئاً ليبني مثلاً بيتاً، أو يشتري سيارة .. الخ. ومصيبة المجتمع أعظم في حال التقتير، فمصلحة المجتمع أنْ تُنفق، وأن تدخر، كما قال سبحانه: {أية : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ ..}تفسير : [الإسراء: 29]. وهكذا جعل الله لنا ميزاناً بين الإسراف والتقتير؛ ذلك لأن المال قِوَام الحياة، والذي يُقتِّر يُقتِّر على نفسه وعلى الناس، فليست له مطلوبات يشتريها، ويشارك بها في حركة الحياة، وينتفع بها غيره، فهذه السلع وهذه الصناعات وهؤلاء العمال، وأهل الحِرَف من أين يرتزقون إذن وليس هناك استهلاك ورواج لسلعهم؟ لا شَكَّ أن التقتير يُحدِث كساداً، ويُحدِث بطالة، وهما من أشد الأمراض فتكاً بالمجتمع. ولو نظرتَ إلى رغيف العيش، وهو أبسط ضروريات الحياة، كم وراءه من عمال وصُنَّاع وزُرَّاع ومهندسين ومطاحن ومخازن ومصانع وأفران، وهَبْ أنك أحجمت مثلاً عنه، ماذا يحدث؟ إذن: ربك يريدك أن تنفق شيئاً، وتدخر شيئاً يتيح لك تحقيق ارتقاءات حياتك وطموحاتها؛ لذلك خُتِمَتْ الآية السابقة بقوله تعالى: {أية : فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً}تفسير : [الإسراء: 29]. ملومَ النفس لما بددتَ من أموال لم ينتفع بها عيالك، ومحسوراً حينما ترى غيرك ارتقى في حياته وأنت لم تفعل شيئاً. إذن: فالإنسان ملومٌ إنْ أسرف، محسورٌ إنْ قتّر، والقوام في التوسُّط بين الأمرين، وبالحسنة بين السيئتين، كما قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، ولذلك قالوا: خير الأمور الوسط. ثم يقول الحق سبحانه: {وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} معناه عَدْلٌ.

همام الصنعاني

تفسير : 2101- حدّثنا عبد الرزاق، عن مَعْمر قال: أنبأنا انب عُيَيْنة، عن رجل، عن الحسن في قوله تعالى: {لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ}: [الآية: 67]، أن عمر بن الخطاب قال: كفى سَرَفاً، أن لا يشتهي رَجُلٌ شيئاً إلا اشتراه فأكله.