Verse. 2923 (AR)

٢٥ - ٱلْفُرْقَان

25 - Al-Furqan (AR)

وَالَّذِيْنَ لَا يَدْعُوْنَ مَعَ اللہِ اِلٰــہًا اٰخَرَ وَلَا يَقْتُلُوْنَ النَّفْسَ الَّتِيْ حَرَّمَ اللہُ اِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُوْنَ۝۰ۚ وَمَنْ يَّفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ اَثَامًا۝۶۸ۙ
Waallatheena la yadAAoona maAAa Allahi ilahan akhara wala yaqtuloona alnnafsa allatee harrama Allahu illa bialhaqqi wala yaznoona waman yafAAal thalika yalqa athaman

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله» قتلها «إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك» أي واحدا من الثلاثة «يلق أثاما» أي عقوبة.

68

Tafseer

الرازي

تفسير : الصفة السادسة اعلم أنه سبحانه وتعالى ذكر أن من صفة عباد الرحمن الاحتراز عن الشرك والقتل والزنا، ثم ذكر بعد ذلك حكم من يفعل هذه الأشياء من العقاب، ثم استثنى من جملتهم التائب، وههنا سؤالات: السؤال الأول: أنه تعالى قبل ذكر هذه الصفة نزه عباد الرحمن عن الأمور الخفيفة، فكيف يليق بعد ذلك أن يطهرهم عن الأمور العظيمة مثل الشرك والقتل والزنا، أليس أنه لو كان الترتيب بالعكس منه كان أولى؟ الجواب: أن الموصوف بتلك الصفات السالفة قد يكون متمسكاً بالشرك تديناً ومقدماً على قتل الموءودة تديناً وعلى الزنا تديناً، فبين تعالى أن المرء لا يصير بتلك الخصال وحدها من عباد الرحمن، حتى يضاف إلى ذلك كونه مجانباً لهذه الكبائر، وأجاب الحسن رحمه الله من وجه آخر فقال: المقصود من ذلك التنبيه على الفرق بين سيرة المسلمين وسيرة الكفار، كأنه قال: وعباد الرحمن هم الذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر وأنت تدعون {وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقّ } وأنتم تقتلون الموءودة، {وَلاَ يَزْنُونَ } وأنتم تزنون. السؤال الثاني: ما معنى قوله: {وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقّ } ومعلوم أنه من يحل قتله لا يدخل في النفس المحرمة فكيف يصح هذا الاستثناء؟ الجواب: المقتضى لحرمة القتل قائم أبداً، وجواز القتل إنما ثبت بالمعارض فقوله: {حَرَّمَ ٱللَّهُ } إشارة إلى المقتضى وقوله {إِلاَّ بِٱلْحَقّ } إشارة إلى المعارض. السؤال الثالث: بأي سبب يحل القتل؟ الجواب: بالردة وبالزنا بعد الإحصان، وبالقتل قوداً على ما في الحديث، وقيل وبالمحاربة وبالبينة، وإن لم يكن لما شهدت به حقيقة. السؤال الرابع: منهم من فسر قوله: {وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقّ } بالردة فهل يصح ذلك؟ الجواب: لفظ القتل عام فيتناول الكل. وعن ابن مسعود «حديث : قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال أن تجعل لله نداً وهو خلقك، قلت ثم أي؟ قال أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك، قلت ثم أي؟ قال أن تزني بحليلة جارك» تفسير : فأنزل الله تصديقه. السؤال الخامس: ما الأثام؟ الجواب: فيه وجوه: أحدها: أن الأثام جزاء الإثم، بوزن الوبال والنكال وثانيها: وهو قول أبي مسلم: أن الأثام والإثم واحد، والمراد ههنا جزاء الأثام فأطلق اسم الشيء على جزائه وثالثها: قال الحسن: الأثام اسم من أسماء جهنم وقال مجاهد: {أَثَاماً } واد في جهنم، (وقرأ ابن مسعود {أَثَاماً } أي شديداً، يقال يوم ذو أثام لليوم العصيب). أما قوله: {يُضَـٰعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ يَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً } ففيه مسائل: المسألة الأولى: {يُضَـٰعِفُ } بدل من {يَلْقَ } لأنهما في معنى واحد، وقرىء (يضعف) و (نضعف له العذاب) بالنون ونصب العذاب، وقرىء بالرفع على الاستئناف أو على الحال، وكذلك (يخلد) (وقرىء) (ويخلد) على البناء للمفعول مخففاً ومثقلاً من الإخلاد والتخليد، وقرىء (وتخلد) بالتاء على الالتفات. المسألة الثانية: سبب تضعيف العذاب أن المشرك إذا ارتكب المعاصي مع الشرك عذب على الشرك وعلى المعاصي جميعاً، فتضاعف العقوبة لمضاعفة المعاقب عليه، وهذا يدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع. المسألة الثالثة: قال القاضي: بين الله تعالى أن المضاعفة والزيادة يكون حالهما في الدوام كحال الأصل، فقوله: {وَيَخْلُدْ فِيهِ } أي ويخلد في ذلك التضعيف، ثم إن ذلك التضعيف إنما حصل بسبب العقاب على المعاصي، فوجب أن يكون عقاب هذه المعاصي في حق الكافر دائماً، وإذا كان كذلك وجب أن يكون في حق المؤمن كذلك، لأن حاله فيما يستحق به لا يتغير سواء فعل مع غيره أو منفرداً والجواب: لم لا يجوز أن يكون للإتيان بالشيء مع غيره أثر في مزيد القبح، ألا ترى أن الشيئين قد يكون كل واحد منهما في نفسه حسناً وإن كان الجمع بينهما قبيحاً، وقد يكون كل واحد منهما قبيحاً، ويكون الجمع بينهما أقبح، فكذا ههنا. المسألة الرابعة: قوله: {وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً } إشارة إلى ما ثبت أن العقاب هو المضرة الخالصة المقرونة بالإذلال والإهانة، كما أن الثواب هو المنفعة الخالصة المقرونة بالتعظيم. أما قوله تعالى: {إِلاَّ مَن تَابَ وَءامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَـٰلِحاً فَأُوْلَـئِكَ يُبَدّلُ ٱللَّهُ سَيّئَاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً } ففيه مسائل: المسألة الأولى: دلت الآية على أن التوبة مقبولة، والاستثناء لا يدل على ذلك لأنه أثبت أنه يضاعف له العذاب ضعفين، فيكفي لصحة هذا الاستثناء أن لا يضاعف للتائب العذاب ضعفين، وإنما الدال عليه قوله: {فَأُوْلَـئِكَ يُبَدّلُ ٱللَّهُ سَيّئَاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍ }. المسألة الثانية: نقل عن ابن عباس أنه قال: توبة القاتل غير مقبولة، وزعم أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: { أية : وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً } تفسير : [النساء: 93] وقالوا نزلت الغليظة بعد اللينة بمدة يسيرة، وعن الضحاك ومقاتل بثمان سنين، وقد تقدم الكلام في ذلك في سورة النساء. المسألة الثالثة: فإن قيل: العمل الصالح يدخل فيه التوبة والإيمان، فكان ذكرهما قبل ذكر العمل الصالح حشواً، قلنا: أفردهما بالذكر لعلو شأنهما، ولما كان لا بد معهما من سائر الأعمال لا جرم ذكر عقيبهما العمل الصالح. المسألة الرابعة: اختلفوا في المراد بقوله: {فَأُوْلَـئِكَ يُبَدّلُ ٱللَّهُ سَيّئَاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍ } على وجوه: أحدها: قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة: إن التبديل إنما يكون في الدنيا، فيبدل الله تعالى قبائح أعمالهم في الشرك بمحاسن الأعمال في الإسلام فيبدلهم بالشرك إيماناً، وبقتل المؤمنين قتل المشركين، وبالزنا عفة وإحصاناً، فكأنه تعالى يبشرهم بأنه يوفقهم لهذه الأعمال الصالحة فيستوجبوا بها الثواب وثانيها: قال الزجاج: السيئة بعينها لا تصير حسنة، ولكن التأويل أن السيئة تمحى بالتوبة وتكتب الحسنة مع التوبة والكافر يحبط الله عمله ويثبت عليه السيئات. وثالثها: قال قوم: إن الله تعالى يمحو السيئة عن العبد ويثبت له بدلها الحسنة بحكم هذه الآية، وهذا قول سعيد بن المسيب ومكحول، ويحتجون بما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : ليتمنين أقوام أنهم أكثروا من السيئات، قيل من هم يا رسول الله؟ قال الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات » تفسير : وعلى هذا التبديل في الآخرة ورابعها: قال القفال والقاضي: أنه تعالى يبدل العقاب بالثواب فذكرهما وأراد ما يستحق بهما، وإذا حمل على ذلك كانت الإضافة إلى الله حقيقة لأن الإثابة لا تكون إلا من الله تعالى. أما قوله تعالى: {وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَـٰلِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتاباً } ففيه سؤالان: السؤال الأول: ما فائدة هذا التكرير؟ الجواب: من وجهين: الأول: أن هذا ليس بتكرير لأن الأول لما كان في تلك الخصال بين تعالى أن جميع الذنوب بمنزلتها في صحة التوبة منها الثاني: أن التوبة الأولى رجوع عن الشرك والمعاصي، والتوبة الثانية رجوع إلى الله تعالى للجزاء والمكافأة كقوله تعالى: { أية : عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ } تفسير : [الرعد: 30] أي مرجعي. السؤال الثاني: هل تكون التوبة إلا إلى الله تعالى فما فائدة قوله: {فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتاباً }؟ الجواب: من وجوه: الأول: ما تقدم من أن التوبة الأولى الرجوع عن المعصية والثانية الرجوع إلى حكم الله تعالى وثوابه الثاني: معناه أن من تاب إلى الله فقد أتى بتوبة مرضية لله مكفرة للذنوب محصلة للثواب العظيم الثالث: قوله: {وَمَن تَابَ } يرجع إلى الماضي فإنه سبحانه ذكر أن من أتى بهذه التوبة في الماضي على سبيل الإخلاص فقد وعده بأنه سيوفقه للتوبة في المستقبل، وهذا من أعظم البشارات.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا آخَرَ} إخراج لعباده المؤمنين من صفات الكفرة في عبادتهم الأوثان، وقتلهم النفس بوَأْدِ البنات؛ وغير ذلك من الظلم والاغتيال، والغارات، ومن الزنى الذي كان عندهم مباحاً. وقال من صرف هذه الآية عن ظاهرها من أهل المعاني: لا يليق بمن أضافهم الرحمن إليه إضافة الاختصاص، وذكرهم ووصفهم من صفات المعرفة والتشريف وقوع هذه الأمور القبيحة منهم حتى يمدحوا بنفيها عنهم لأنهم أعلى وأشرف، فقال: معناها لا يدعون الهوى إلهاً، ولا يذلون أنفسهم بالمعاصي فيكون قتلاً لها. ومعنى {إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} أي إلا بسكين الصبر وسيف المجاهدة فلا ينظرون إلى نساء ليست لهم بمحرم بشهوة فيكون سفاحاً؛ بل بالضرورة فيكون كالنكاح. قال شيخنا أبو العباس: وهذا كلام رائق غير أنه عند السبر مائق. وهي نبعة باطنية ونزعة باطلية. وإنما صح تشريف عباد الله باختصاص الإضافة بعد أن تحلّوا بتلك الصفات الحميدة وتخلّوا عن نقائض ذلك من الأوصاف الذميمة، فبدأ في صدر هذه الآيات بصفات التحلي تشريفاً لهم، ثم أعقبها بصفات التخلي تبعيداً لها؛ والله أعلم. قلت: ومما يدلّ على بطلان ما ادعاه هذا القائل من أن تلك الأمور ليست على ظاهرها ما روى مسلم من حديث حديث : عبد الله بن مسعود قال: قلت: يا رسول الله، أيّ الذنب أكبر عند الله؟ قال: «أن تدعو لله نداً وهو خلقك» قال: ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك مخافة أن يطعمَ معك» قال: ثم أيّ؟ قال: «أن تزاني حليلة جارك» فأنزل الله تعالى تصديقها: {وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً }تفسير : . والأثام في كلام العرب العقاب، وبه قرأ ابن زيد وقتادة هذه الآية. ومنه قول الشاعر:شعر : جَزى الله ابن عُروة حيث أَمسى عُقوقاً والعُقوقُ له أثامُ تفسير : أي جزاء وعقوبة. وقال عبد الله بن عمرو وعكرمة ومجاهد: إن {أَثَاماً} وادٍ في جهنم جعله الله عقاباً للكفرة. قال الشاعر:شعر : لقيت المهالك في حربنا وبعد المهالك تلقى أثاما تفسير : وقال السدّي: جبل فيها. قال:شعر : وكان مُقامُنا ندعو عليهم بأبطَح ذي المجاز له أثامُ تفسير : وفي «صحيح مسلم» أيضاً عن ابن عباس: أن ناساً من أهل الشرك قتلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا؛ فأتوا محمداً صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، لو يخبرنا بأن لما عملنا كفارة، فنزلت: {وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً }. ونزل: {أية : يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ}تفسير : [الزمر: 53] الآية. وقد قيل: إن هذه الآية، {أية : يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ} تفسير : [الزمر: 53] نزلت في وحشِي قاتل حمزة؛ قاله سعيد بن جبير وابن عباس، وسيأتي في «الزمر» بيانه. قوله تعالى: {إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} أي بما يحق أن تقتل به النفوس من كفر بعد إيمان أو زنى بعد إحصان؛ على ما تقدم بيانه في «الأنعام». {وَلاَ يَزْنُونَ} فيستحلون الفروج بغير نكاح ولا مِلك يمين. ودلّت هذه الآية على أنه ليس بعد الكفر أعظم من قتل النفس بغير الحق ثم الزنى؛ ولهذا ثبت في حد الزنا القتل لمن كان محصناً أو أقصى الجلد لمن كان غير محصن. قوله تعالى: {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً. يُضَاعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ} قرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي «يُضَاعَفْ. وَيَخْلُدْ» جزماً. وقرأ ابن كثير: «يُضَعَّفْ» بشد العين وطرح الألف؛ وبالجزم في «يُضَعَّفْ. وَيَخْلُد». وقرأ طلحة بن سليمان «نُضَعِّفْ» بضم النون وكسر العين المشدّدة. «الْعَذَابَ» نصب «وَيَخْلُدْ» جزم، وهي قراءة أبي جعفر وشيبة. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: «يُضَاعَفُ. وَيُخْلَدُ» بالرفع فيهما على العطف والاستئناف. وقرأ طلحة بن سليمان: «وَتَخْلُدْ» بالتاء على معنى مخاطبة الكافر. وروي عن أبي عمرو «وَيُخْلَدْ» بضم الياء من تحت وفتح اللام. قال أبو علي: وهي غلط من جهة الرواية. و«يُضَاعَفْ» بالجزم بدل من «يَلْق» الذي هو جزاء الشرط. قال سيبويه: مضاعفة العذاب لُقيُّ الأثام. قال الشاعر:شعر : مَتَى تَأتنا تُلْمِمْ بنا في دِيارنا تَجدْ حَطَباً جَزْلاً وناراً تَأَجَّجَا تفسير : وقال آخر:شعر : إنّ عليّ اللَّه أَنْ تُبايِعَا تُوْخَذَ كَرْهاً أو تَجِيءَ طائعَا تفسير : وأما الرفع ففيه قولان: أحدهما أن تقطعه مما قبله. والآخر أن يكون محمولاً على المعنى؛ كأن قائلاً قال: ما لُقيّ الأثام؟ فقيل له: يضاعف له العذاب. و{مُهَاناً } معناه ذليلاً خاسئاً مُبعداً مطروداً.

ابن كثير

تفسير : قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن شقيق عن عبد الله، هو ابن مسعود، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الذنب أكبر؟ قال: «حديث : أن تجعل لله نداً وهو خلقك» تفسير : قال: ثم أي؟ قال: «حديث : أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك» تفسير : قال: ثم أي؟ قال: «حديث : أن تزاني حليلة جارك» تفسير : قال عبد الله: وأنزل الله تصديق ذلك: {وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا ءَاخَرَ} الآية، وهكذا رواه النسائي عن هناد بن السري عن أبي معاوية به، وقد أخرجه البخاري ومسلم من حديث الأعمش ومنصور، زاد البخاري وواصل، ثلاثتهم عن أبي وائل شقيق بن سلمة عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل عن ابن مسعود به، فالله أعلم، ولفظهما: عن ابن مسعود قال: قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ الحديث، طريق غريب. وقال ابن جرير: حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، حدثنا عامر بن مدرك، حدثنا السري، يعني ابن إسماعيل، حدثنا الشعبي عن مسروق قال: قال عبد الله: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فاتبعته، فجلس على نشز من الأرض، وقعدت أسفل منه، ووجهي حيال ركبتيه، واغتنمت خلوته، وقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله أي الذنب أكبر؟ قال: «حديث : أن تدعو لله نداً وهو خلقك» تفسير : قلت: ثم مه؟ قال: «حديث : أن تقتل ولدك كراهية أن يطعم معك» تفسير : قلت: ثم مه؟ قال: «حديث : أن تزاني حليلة جارك» تفسير : ثم قرأ {وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ} الآية، وقال النسائي: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جرير عن منصور عن هلال بن يساف عن سلمة بن قيس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: «حديث : ألا إنما هي أربع» تفسير : فما أنا بأشح عليهن مني منذ سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تزنوا، ولا تسرقوا».تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن المديني رحمه الله، حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان، حدثنا محمد بن سعد الأنصاري، سمعت أبا طيبة الكلاعي، سمعت المقداد بن الأسود رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «حديث : ما تقولون في الزنا؟» تفسير : قالوا: حرمه الله ورسوله، فهو حرام إلى يوم القيامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه «حديث : لأن يزني الرجل بعشر نسوة، أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره»تفسير : . قال: «حديث : فما تقولون في السرقة؟» تفسير : قالوا: حرمها الله ورسوله، فهي حرام، قال: «حديث : لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات، أيسر عليه من أن يسرق من جاره»تفسير : . وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا عمار بن نصر، حدثنا بقية عن أبي بكر بن أبي مريم عن الهيثم بن مالك الطائي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نطفة وضعها رجل في رحم لا يحل له».تفسير : وقال ابن جريج: أخبرني يعلى عن سعيد بن جبير أنه سمع ابن عباس يحدث: أن ناساً من أهل الشرك قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، ثم أتوا محمداً صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزلت: {وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا ءَاخَرَ} الآية، ونزلت: {أية : قُلْ يٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} تفسير : [الزمر: 53] الآية. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان عن عمرو عن أبي فاختة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل «حديث : إن الله ينهاك أن تعبد المخلوق وتدع الخالق، وينهاك أن تقتل ولدك وتغذو كلبك، وينهاك أن تزني بحليلة جارك»تفسير : . قال سفيان: وهو قوله: {وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا ءَاخَرَ} الآية. وقوله تعالى: {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً} روي عن عبد الله بن عمرو أنه قال: أثاماً: واد في جهنم. وقال عكرمة: {يَلْقَ أَثَاماً}: أودية في جهنم يعذب فيها الزناة. وكذا روي عن سعيد بن جبير ومجاهد. وقال قتادة: {يَلْقَ أَثَاماً}: نكالاً، كنا نحدث أنه واد في جهنم. وقد ذكر لنا أن لقمان كان يقول: يا بني إياك والزنا، فإن أوله مخافة، وآخره ندامة. وقد ورد في الحديث الذي رواه ابن جرير وغيره عن أبي أمامة الباهلي موقوفاً ومرفوعاً: أن غيّاً وأثاماً بئران في قعر جهنم، أجارنا الله منهما بمنه وكرمه. وقال السدي: {يَلْقَ أَثَاماً} جزاء، وهذا أشبه بظاهر الآية، وبهذا فسره بما بعده مبدلاً منه، وهو قوله تعالى: {يُضَـٰعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ يَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ} أي: يكرر عليه ويغلظ {وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً} أي: حقيراً ذليلاً. وقوله تعالى: {إِلاَّ مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَـٰلِحاً} أي: جزاؤه على ما فعل من هذه الصفات القبيحة ما ذكر، {إِلاَّ مَن تَابَ} أي: في الدنيا إلى الله عز وجل من جميع ذلك، فإن الله يتوب عليه، وفي ذلك دلالة على صحة توبة القاتل، ولا تعارض بين هذه وبين آية النساء: {أية : وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً} تفسير : [النساء: 93] الآية، فإن هذه، وإن كانت مدنية، إلا أنها مطلقة، فتحمل على من لم يتب؛ لأن هذه مقيدة بالتوبة، ثم قد قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ } تفسير : [النساء: 48] الآية. قد ثبتت السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بصحة توبة القاتل، كما ذكر مقرراً من قصة الذي قتل مائة رجل ثم تاب، فقبل الله توبته، وغير ذلك من الأحاديث. وقوله تعالى: {فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} في معنى قوله: {يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍ} قولان: (أحدهما) أنهم بدلوا مكان عمل السيئات بعمل الحسنات. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية قال: هم المؤمنون، كانوا من قبل إيمانهم على السيئات، فرغب الله بهم عن ذلك، فحولهم إلى الحسنات، فأبدلهم مكان السيئات الحسنات، وروي عن مجاهد عن ابن عباس أنه كان ينشد عند هذه الآية:شعر : بُدِّلْنَ بَعْدَ حَرِّهِ خَريفا وبَعْدَ طُولِ النَّفَسِ الوَجِيفا تفسير : يعني: تغيرت تلك الأحوال إلى غيرها، وقال عطاء بن أبي رباح: هذا في الدنيا، يكون الرجل على هيئة قبيحة، ثم يبدله الله بها خيراً. وقال سعيد بن جبير: أبدلهم الله بعبادة الأوثان عبادة الرحمن، وأبدلهم بقتال المسلمين قتال المشركين، وأبدلهم بنكاح المشركات نكاح المؤمنات. وقال الحسن البصري: أبدلهم الله بالعمل السيــــىء العمل الصالح، وأبدلهم بالشرك إخلاصاً، وأبدلهم بالفجور إحصاناً، وبالكفر إسلاماً، وهذا قول أبي العالية وقتادة وجماعة آخرين. (والقول الثاني) أن تلك السيئات الماضية تنقلب بنفس التوبة النصوح حسنات، وما ذلك إلا لأنه كلما تذكر ما مضى، ندم واسترجع واستغفر، فينقلب الذنب طاعة بهذا الاعتبار، فيوم القيامة، وإن وجده مكتوباً عليه، فإنه لا يضره، وينقلب حسنة في صحيفته، كما ثبتت السنة بذلك، وصحت به الآثار المروية عن السلف رضي الله عنهم، وهذا سياق الحديث. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن المعرور بن سويد عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إني لأعرف آخر أهل النار خروجاً من النار، وآخر أهل الجنة دخولاً إلى الجنة، يؤتى برجل فيقول: نحوا كبار ذنوبه، وسلوه عن صغارها، قال: فيقال له: عملت يوم كذا، كذا وكذا، وعملت يوم كذا، كذا وكذا، فيقول: نعم، لا يستطيع أن ينكر من ذلك شيئاً، فيقال: فإن لك بكل سيئة حسنة، فيقول: يا رب عملت أشياء لا أراها ههنا» تفسير : قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، انفرد بإخراجه مسلم. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثني هاشم بن يزيد، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إذا نام ابن آدم، قال الملك للشيطان: أعطني صحيفتك، فيعطيه إياها، فما وجد في صحيفته من حسنة، محا بها عشر سيئات من صحيفة الشيطان، وكتبهن حسنات، فإذا أراد أحدكم أن ينام، فليكبر ثلاثاً وثلاثين تكبيرة، ويحمد أربعاً وثلاثين تحميدة، ويسبح ثلاثاً وثلاثين تسبيحة، فتلك مائة».تفسير : وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة وعارم، قالا: حدثنا ثابت، يعني: ابن يزيد أبو زيد، حدثنا عاصم عن أبي عثمان عن سلمان قال: يعطى الرجل يوم القيامة صحيفته، فيقرأ أعلاها، فإذا سيئاته، فإذا كاد يسوء ظنه، نظر في أسفلها، فإذا حسناته، ثم ينظر في أعلاها، فإذا هي قد بدلت حسنات. وقال أيضاً: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا سليمان بن موسى الزهري أبو داود، حدثنا أبو العنبس عن أبيه عن أبي هريرة قال: ليأتين الله عز وجل بأناس يوم القيامة رأوا أنهم قد استكثروا من السيئات، قيل: من هم يا أبا هريرة؟ قال: الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات. وقال أيضاً: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي زياد، حدثنا سيار، حدثنا جعفر، حدثنا أبو حمزة عن أبي الضيف ــــ قلت: وكان من أصحاب معاذ بن جبل ــــ قال: يدخل أهل الجنة الجنة على أربعة أصناف: المتقين، ثم الشاكرين ثم الخائفين، ثم أصحاب اليمين قلت: لم سموا أصحاب اليمين؟ قال: لأنهم قد عملوا الحسنات والسيئات، فأعطوا كتبهم بأيمانهم، فقرؤوا سيئاتهم حرفاً حرفاً، وقالوا: يا ربنا هذه سيئاتنا، فأين حسناتنا؟ فعند ذلك محا الله السيئات، وجعلها حسنات، فعند ذلك قالوا: {أية : هَآؤُمُ ٱقْرَؤُاْ كِتَٰبِيَهْ} تفسير : [الحاقة: 19] فهم أكثر أهل الجنة. وقال علي بن الحسين زين العابدين: {يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍ} قال: في الآخرة، وقال مكحول: يغفرها لهم، فيجعلها حسنات، رواهما ابن أبي حاتم، وروى ابن جرير عن سعيد بن المسيب مثله. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن الوزير الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا أبو جابر: أنه سمع مكحولاً يحدث قال: جاء شيخ كبير هرم قد سقط حاجباه على عينيه، فقال: يا رسول الله رجل غدر وفجر، ولم يدع حاجة ولا داجة إلا اقتطفها بيمينه، لو قسمت خطيئته بين أهل الأرض لأوبقتهم، فهل له من توبة؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أأسلمت؟» تفسير : فقال: أما أنا، فأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، فقال النبي: «حديث : فإن الله غافر لك ما كنت كذلك، ومبدل سيئاتك حسنات» تفسير : فقال: يا رسول الله وغدراتي وفجراتي؟ فقال: «حديث : وغدراتك وفجراتك» تفسير : فولى الرجل يهلل ويكبر. وروى الطبراني من حديث أبي المغيرة عن صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير عن أبي فروة شطب: أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت رجلاً عمل الذنوب كلها، ولم يترك حاجة ولا داجة، فهل له من توبة؟ فقال: «حديث : أسلمت؟» تفسير : فقال: نعم، قال: «حديث : فافعل الخيرات، واترك السيئات، فيجعلها الله لك خيرات كلها» تفسير : قال: وغدراتي وفجراتي؟ قال: «حديث : نعم» تفسير : فما زال يكبر حتى توارى. ورواه الطبراني من طريق أبي فروة الرهاوي عن ياسين الزيات، عن أبي سلمة الحمصي عن يحيى بن جابر عن سلمة بن نفيل مرفوعاً. وقال أيضاً: حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا عيسى بن شعيب بن ثوبان عن فليح بن عبيد بن أبي عبيد الشماس عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاءتني امرأة، فقالت: هل لي من توبة؟ إني زنيت، وولدت وقتلته، فقلت: لا، ولا نعمت العين ولا كرامة، فقامت وهي تدعو بالحسرة، ثم صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم الصبح، فقصصت عليه ما قالت المرأة وما قلت لها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : بئسما قلت، أما تقرأ هذه الآية؟»تفسير : : {وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا ءَاخَرَ ــــ إلى قوله ــــ إلاَّ مَن تَابَ} الآية، فقرأتها عليها، فخرت ساجدة، وقالت: الحمد الله الذي جعل لي مخرجاً، هذا حديث غريب من هذا الوجه، وفي رجاله من لا يعرف، والله أعلم. وقد رواه ابن جرير من حديث إبراهيم بن المنذر الحزامي بسنده بنحوه، وعنده: فخرجت تدعو بالحسرة وتقول: يا حسرتا أخلق هذا الحسن للنار؟ وعنده أنه لما رجع من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم تطلَّبها في جميع دور المدينة، فلم يجدها، فلما كان من الليلة المقبلة جاءته، فأخبرها بما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرت ساجدة وقالت: الحمد لله الذي جعل لي مخرجاً وتوبة مما عملت، وأعتقت جارية كانت معها وابنتها، وتابت إلى الله عز وجل. ثم قال تعالى مخبراً عن عموم رحمته بعباده، وأنه من تاب إليه منهم، تاب عليه من أي ذنب كان، جليلاً أو حقيراً، كبيراً أو صغيراً، فقال تعالى: {وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَـٰلِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتاباً} أي: فإن الله يقبل توبته؛ كما قال تعالى: {أية : وَمَن يَعْمَلْ سُوۤءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ} تفسير : [النساء: 110] الآية، وقال تعالى: {أية : أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} تفسير : [التوبة: 104] الآية، وقال تعالى: {أية : قُلْ يٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللهِ} تفسير : [الزمر: 53] الآية، أي: لمن تاب إليه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ } قتلها {إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ } أي واحداً من الثلاثة {يَلْقَ أَثَاماً } أي عقوبة.

الشوكاني

تفسير : قوله {وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا ءَاخَرَ }: لما فرغ من ذكر إتيانهم بالطاعات شرع في بيان اجتنابهم للمعاصي، فقال: والذي لا يدعون مع الله سبحانه رباً من الأرباب. والمعنى: لا يشركون به شيئاً، بل يوحدونه، ويخلصون له العبادة والدعوة {وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ } أي: حرّم قتلها {إِلاَّ بِٱلْحَقّ } أي: يحقّ أن تقتل به النفوس من كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس {وَلاَ يَزْنُونَ } أي: يستحلون الفروج المحرّمة بغير نكاح، ولا ملك يمين {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ } أي: شيئاً مما ذكر {يَلْقَ } في الآخرة {أَثَاماً }، والأثام في كلام العرب: العقاب. قال الفراء: آثمه الله يؤثمه أثاماً وآثاماً، أي: جازاه جزاء الإثم. وقال عكرمة، ومجاهد: إن أثاماً وادٍ في جهنم جعله الله عقاباً للكفرة. وقال السديّ: جبل فيها. وقرىء "يلق" بضم الياء، وتشديد القاف. قال أبو مسلم: والأثام والإثم واحد، والمراد هنا جزاء الآثام، فأطلق اسم الشيء على جزائه. وقرأ الحسن "يلق أياماً" جمع يوم يعني: شدائد، والعرب تعبر عن ذلك بالأيام، وما أظنّ هذه القراءة تصح عنه: {يُضَـٰعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ }: قرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي: "يضاعف، ويخلد" بالجزم، وقرأ ابن كثير "يضعف" بتشديد العين وطرح الألف والجزم، وقرأ طلحة بن سليمان: "نضعف" بضم النون، وكسر العين المشدّدة والجزم، وهي: قراءة أبي جعفر وشيبة. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بالرفع في الفعلين على الإستئناف. وقرأ طلحة بن سليمان: "وتخلد" بالفوقية خطاباً للكافر. وروي عن أبي عمرو أنه قرأ "ويخلد" بضم الياء التحتية، وفتح اللام. قال أبو عليّ الفارسي: وهي غلط من جهة الرواية، ووجه الجزم في يضاعف: أنه بدل من يلق لاتحادهما في المعنى، ومثله قول الشاعر:شعر : إن على الله أن تبايعا تؤخذ كرهاً أو تجيء طائعاً تفسير : والضمير في قوله: {وَيَخْلُدْ فِيهِ } راجع إلى العذاب المضاعف، أي: يخلد في العذاب المضاعف {مُهَاناً } ذليلاً حقيراً. {إِلاَّ مَن تَابَ وَءامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَـٰلِحاً } قيل: هو استثناء متصل، وقيل: منقطع. قال أبو حيان: لا يظهر الاتصال؛ لأن المستثنى منه محكوم عليه بأنه يضاعف له العذاب، فيصير التقدير: إلاّ من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً، فلا يضاعف له العذاب، ولا يلزم من انتفاء التضعيف انتفاء العذاب غير المضعف. قال: والأولى عندي: أن تكون منقطعاً أي: لكن من تاب. قال القرطبي: لا خلاف بين العلماء أن الاستثناء عام في الكافر والزاني. واختلفوا في القاتل من المسلمين. وقد تقدّم بيانه في النساء والمائدة، والإشارة بقوله: {فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدّلُ ٱللَّهُ سَيّئَاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍ } إلى المذكورين سابقاً، ومعنى: تبديل السيئات حسنات: أنه يمحو عنهم المعاصي، ويثبت لهم مكانها طاعات. قال النحاس: من أحسن ما قيل في ذلك: أنه يكتب موضع كافر مؤمن، وموضع عاص مطيع. قال الحسن: قوم يقولون التبديل في الآخرة، وليس كذلك إنما التبديل في الدنيا يبدل الله لهم إيماناً مكان الشرك، وإخلاصاً من الشك، وإحصاناً من الفجور. قال الزجاج: ليس يجعل مكان السيئة الحسنة، ولكن يجعل مكان السيئة التوبة، والحسنة مع التوبة. وقيل: إن السيئات تبدّل بحسنات، وبه قال جماعة من الصحابة، ومن بعدهم. وقيل: التبديل عبارة عن الغفران أي: يغفر الله لهم تلك السيئات، لا أن يبدلها حسنات. وقيل: المراد بالتبديل: أن يوفقه لأضداد ما سلف منه {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً } هذه الجملة مقرّرة لما قبلها من التبديل. {وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَـٰلِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتاباً } أي: من تاب عما اقترف، وعمل عملاً صالحاً بعد ذلك، فإنه يتوب بذلك إلى الله متاباً أي: يرجع إليه رجوعاً صحيحاً قوياً. قال القفال: يحتمل أن تكون الآية الأولى فيمن تاب من المشركين، ولهذا قال {إِلاَّ مَن تَابَ وَءَامَنَ }، ثم عطف عليه من تاب من المسلمين، وأتبع توبته عملاً صالحاً، فله حكم التائبين أيضاً. وقيل: أي: من تاب بلسانه، ولم يحقق التوبة بفعله، فليست تلك التوبة نافعة، بل من تاب وعمل صالحاً، فحقق توبته بالأعمال الصالحة، فهو الذي تاب إلى الله متاباً أي: تاب حقّ التوبة، وهي النصوح، ولذلك أكد بالمصدر، ومعنى الآية: من أراد التوبة، وعزم عليها، فليتب إلى الله، فالخبر في معنى الأمر كذا قيل لئلا يتحد الشرط والجزاء، فإنه لا يقال: من تاب، فإنه يتوب. ثم وصف سبحانه هؤلاء التائبين العاملين للصالحات، فقال: {وَٱلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ } أي: لا يشهدون الشهادة الكاذبة، أو لا يحضرون الزور، والزور: هو الكذب والباطل ولا يشاهدونه، وإلى الثاني ذهب جمهور المفسرين. قال الزجاج: الزور في اللغة الكذب، ولا كذب فوق الشرك بالله. قال الواحدي: أكثر المفسرين على أن الزور ها هنا بمعنى الشرك. والحاصل أن {يشهدون} إن كان من الشهادة ففي الكلام مضاف محذوف أي: لا يشهدون شهادة الزور، وإن كان من الشهود والحضور كما ذهب إليه الجمهور، فقد اختلفوا في معناه، فقال قتادة: لا يساعدون أهل الباطل على باطلهم، وقال محمد بن الحنفية: لا يحضرون اللهو والغناء، وقال ابن جريج: الكذب. وروي عن مجاهد أيضاً، والأولى عدم التخصيص بنوع من أنواع الزور، بل المراد الذين لا يحضرون ما يصدق عليه اسم الزور كائناً ما كان {وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِراماً } أي: معرضين عنه غير ملتفتين إليه، واللغو: كل ساقط من قول أو فعل. قال الحسن: اللغو: المعاصي كلها، وقيل: المراد: مرّوا بذوي اللغو، يقال: فلان يكرم عما يشينه أي: يتنزّه، ويكرم نفسه عن الدخول في اللغو، والاختلاط بأهله. {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكّرُواْ بِـئَايَـٰتِ رَبّهِمْ } أي: بالقرآن، أو بما فيه موعظة وعبرة {لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً } أي: لم يقعوا عليها حال كونهم صماً وعمياناً، ولكنهم أكبوا عليها سامعين مبصرين، وانتفعوا بها. قال ابن قتيبة: المعنى: لم يتغافلوا عنها، كأنهم صمّ لم يسمعوها، وعمي لم يبصروها. قال ابن جرير: ليس ثم خرور، بل كما يقال: قعد يبكي، وإن كان غير قاعد. قال ابن عطية: كأن المستمع للذكر قائم، فإذا أعرض عنه كان ذلك خروراً، وهو السقوط على غير نظام. قيل: المعنى: إذا تليت عليهم آيات الله وجلت قلوبهم، فخروا سجداً وبكياً، ولم يخرّوا عليها صماً وعمياناً. قال الفراء: أي: لم يقعدوا على حالهم الأول كأن لم يسمعوا. قال في الكشاف: ليس بنفي للخرور، وإنما هو إثبات له، ونفي للصمم والعمى، وأراد أن النفي متوجه إلى القيد لا إلى المقيد. {وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوٰجِنَا وَذُرّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ } من ابتدائية، أو بيانية. قرأ نافع وابن كثير وابن عباس والحسن: {وذرّياتنا} بالجمع، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وطلحة وعيسى: "وذرّيتنا" بالإفراد، والذرّية تقع على الجمع، كما في قوله: {أية : ذُرّيَّةً ضِعَـٰفاً } تفسير : [النساء: 9]، وتقع على الفرد كما في قوله: {أية : ذُرّيَّةً طَيّبَةً } تفسير : [آل عمران: 38]، وانتصاب {قرّة أعين} على المفعولية، يقال: قرّت عينه قرة. قال الزجاج: يقال: أقرّ الله عينك أي: صادف فؤادك ما يحبه، وقال المفضل: في قرّة العين ثلاثة أقوال: أحدها برد دمعها، لأنه دليل السرور والضحك، كما أن حرّه دليل الحزن والغمّ. والثاني: نومها، لأنه يكون مع فراغ الخاطر، وذهاب الحزن، والثالث: حصول الرضا {وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً } أي: قدوة يقتدى بنا في الخير، وإنما قال: {إماماً}، ولم يقل: أئمة، لأنه أريد به الجنس، كقوله: {أية : ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً }تفسير : [الحج: 5] قال الفراء: قال: {إماماً}، ولم يقل أئمة؛ كما قال للاثنين: {أية : إِنَّا رَسُولُ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الشعراء: 16] يعني: أنه من الواحد الذي أريد به الجمع. وقال الأخفش: الإمام جمع أمّ من أمّ يأمّ، جمع على فعال، نحو صاحب وصحاب، وقائم وقيام. وقيل: إن إماماً مصدر، يقال: أمّ فلان فلاناً إماماً، مثل الصيام والقيام. وقيل: أرادوا: اجعل كل واحد منا إماماً، وقيل: أرادوا: اجعلنا إماماً واحداً لاتحاد كلمتنا، وقيل: إنه من الكلام المقلوب، وأن المعنى: واجعل المتقين لنا إماماً، وبه قال مجاهد. وقيل: إن هذا الدعاء صادر عنهم بطريق الانفراد، وأن عبارة كل واحد منهم عند الدعاء: واجعلني للمتقين إماماً، ولكنها حكيت عبارات الكل بصيغة المتكلم مع الغير لقصد الإيجاز كقوله: {أية : ياأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيّبَـٰتِ وَٱعْمَلُواْ صَـٰلِحاً } تفسير : [المؤمنون: 51]، وفي هذا إبقاء {إماماً} على حاله، ومثل ما في الآية قول الشاعر:شعر : يا عاذلاتي لا تزدن ملامتي إن العواذل ليس لي بأمين تفسير : أي: أمناء. قال القفال: وعندي أن الإمام إذا ذهب به مذهب الاسم وحد كأنه قيل: اجعلنا حجة للمتقين، ومثله البينة: يقال: هؤلاء بينة فلان. قال النيسابوري: قيل: في الآية دلالة على أن الرياسة الدينية مما يجب أن تطلب، ويرغب فيها، والأقرب: أنهم سألوا الله أن يبلغهم في الطاعة المبلغ الذي يشار إليهم ويقتدى بهم، والإشارة بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ } إلى المتصفين بتلك الصفات، وهو مبتدأ وخبره ما بعده، والجمل مستأنفة. وقيل: إن {أولٰئك} وما بعده خبر لقوله: {وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ} كذا قال الزجاج، والغرفة: الدرجة الرفيعة، وهي أعلى منازل الجنة وأفضلها، وهي في الأصل لكلّ بناء مرتفع، والجمع غرف. وقال الضحاك: الغرفة الجنة، والباء في {بِمَا صَبَرُواْ } سببية، وما مصدرية أي: يجزون الغرفة بسبب صبرهم على مشاق التكليف {وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَـٰماً } قرأ أبو بكر والمفضل والأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي وخلف: "يلقون" بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف، واختار هذه القراءة الفراء، قال: لأن العرب تقول: فلان يلقي بالسلام والتحية والخير، وقلّ ما يقولون: يلقى. وقرأ الباقون بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم لقوله: {أية : وَلَقَّـٰهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً } تفسير : [الإنسان: 11]، والمعنى: أنه يحيي بعضهم بعضاً، ويرسل إليهم الربّ سبحانه بالسلام، قيل: التحية البقاء الدائم والملك العظيم، وقيل: هي بمعنى السلام، وقيل: إن الملائكة تحييهم وتسلم عليهم، والظاهر: أن هذه التحية والسلام هي من الله سبحانه لهم، ومن ذلك قوله سبحانه: {أية : تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَـٰمٌ } تفسير : [الأحزاب: 44]، وقيل: معنى التحية: الدعاء لهم بطول الحياة. ومعنى السلام: الدعاء لهم بالسلامة من الآفات، وانتصاب {خَـٰلِدِينَ فِيهَا } على الحال أي: مقيمين فيها من غير موت {حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً } أي: حسنت الغرفة مستقرًّا يستقرّون فيه، ومقاماً يقيمون به، وهذا في مقابل ما تقدّم من قوله: {سَاءتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً}. {قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبّي لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ } بيّن سبحانه أنه غنيّ عن طاعة الكلّ، وإنما كلفهم لينتفعوا بالتكليف، يقال: ما عبأت بفلان: أيّ: ما باليت به، ولا له عندي قدر، وأصل يعبأ من العبء، وهو الثقل. قال الخليل: ما أعبأ بفلان أي: ما أصنع به كأنه يستقله ويستحقره، ويدّعي أن وجوده وعدمه سواء، وكذا قال أبو عبيدة. قال الزجاج: {مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبّي } يريد: أيّ وزن يكون لكم عنده؟ والعبء: الثقل، وما استفهامية، أو نافية، وصرح الفراء: بأنها استفهامية. قال ابن الشجري: وحقيقة القول عندي: أن موضع «ما» نصب، والتقدير: أي عبء يعبأ بكم؟ أي: أيّ مبالاة يبالي بكم؟ {لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ }: أي: لولا دعاؤكم إياه، لتعبدوه، وعلى هذا، فالمصدر الذي هو الدعاء مضاف إلى مفعوله، وهو اختيار الفراء، وفاعله محذوف، وجواب لولا محذوف: تقديره: لولا دعاؤكم لم يعبأ بكم، ويؤيد هذا قوله: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } تفسير : [الذاريات: 56]، والخطاب لجميع الناس، ثم خصّ الكفار منهم، فقال: {فَقَدْ كَذَّبْتُمْ }. وقرأ ابن الزبير "فقد كذب الكافرون"، وفي هذه القراءة دليل بين على أن الخطاب لجميع الناس. وقيل: إن المصدر مضاف إلى الفاعل أي: لولا استغاثتكم إليه في الشدائد. وقيل: المعنى: ما يعبأ بكم أي: بمغفرة ذنوبكم لولا دعاؤكم الآلهة معه. وحكى ابن جني: أن ابن عباس قرأ كقراءة ابن الزبير. وحكى الزهراوي، والنحاس: أن ابن مسعود قرأ كقراءتهما، وممن قال: بأن الدعاء مضاف إلى الفاعل القتيبي، والفارسي قالا: والأصل لولا دعاؤكم آلهة من دونه، وجواب لولا محذوف تقديره على هذا الوجه: لولا دعاؤكم لم يعذبكم، ويكون معنى {فَقَدْ كَذَّبْتُمْ } على الوجه الأوّل: فقد كذبتم بما دعيتم إليه، وعلى الوجه الثاني: فقد كذبتم بالتوحيد. ثم قال سبحانه: {فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً } أي: فسوف يكون جزاء التكذيب لازماً لكم، وجمهور المفسرين على أن المراد باللزام هنا: ما لزم المشركين يوم بدر، وقالت طائفة: هو عذاب الآخرة. قال أبو عبيدة: لزاماً: فيصلاً، أي: فسوف يكون فيصلاً بينكم وبين المؤمنين. قال الزجاج: فسوف يكون تكذيبكم لزاماً يلزمكم، فلا تعطون التوبة، وجمهور القراء على كسر اللام من لزاماً، وأنشد أبو عبيدة لصخر:شعر : فإما ينجو من خسف أرض فقد لقيا حتوفهما لزاما تفسير : قال ابن جرير: {لزاماً}: عذاباً دائماً، وهلاكاً مفنياً يلحق بعضكم ببعض، كقول أبي ذؤيب:شعر : ففأجأه بعادية لزام كما يتفجر الحوض اللفيف تفسير : يعني: باللزام الذي يتبع بعضه بعضاً، وباللفيف: المتساقط من الحجارة المنهدمة. وحكى أبو حاتم عن أبي زيد قال: سمعت أبا السماك يقرأ: "لزاماً" بفتح اللام. قال أبو جعفر: يكون مصدر لزم، والكسر أولى. وقد أخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن ابن مسعود قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيّ الذنب أكبر؟ قال: «حديث : أن تجعل لله ندّاً وهو خلقكتفسير : . قلت: ثم أيّ؟ قال: حديث : أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معكتفسير : ، قلت: ثم أيّ؟ قال: حديث : أن تزاني حليلة جاركتفسير : ، فأنزل الله تصديق ذلك: {وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا ءَاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقّ وَلاَ يَزْنُونَ}. وأخرجا، وغيرهما أيضاً عن ابن عباس: أن ناساً من أهل الشرك قد قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، ثم أتوا محمداً صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إن الذي تقول، وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزلت {وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ } الآية، ونزلت {أية : قُلْ ياعِبَادِى ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ } تفسير : [الزمر: 53] الآية. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمرو في قوله: {يَلْقَ أَثَاماً } قال: وادٍ في جهنم. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت: {وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا ءَاخَرَ } الآية. اشتدّ ذلك على المسلمين، فقالوا: ما منا أحد إلاّ أشرك وقتل وزنى، فأنزل الله: {أية : يٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ}تفسير : الآية [الزمر: 53]، يقول لهؤلاء الذين أصابوا هذا في الشرك، ثم نزلت هذه الآية: {إِلاَّ مَن تَابَ وَءامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَـٰلِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدّلُ ٱللَّهُ سَيّئَاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍ } فأبدلهم الله بالكفر الإسلام، وبالمعصية الطاعة، وبالإنكار المعرفة، وبالجهالة العلم. وأخرج ابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: قرأناها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سنين: {وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا ءَاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاما}، ثم نزلت: {إِلاَّ مَن تَابَ وَءامَنَ }، فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرح بشيء قط فرحه بها، وفرحه بـ {أية : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً } تفسير : [الفتح: 1]، وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله: {فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدّلُ ٱللَّهُ سَيّئَاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍ } قال: هم المؤمنون كانوا من قبل إيمانهم على السيئات، فرغب الله بهم عن ذلك، فحوّلهم إلى الحسنات، فأبدلهم مكان السيئات االحسنات. وأخرج أحمد وهناد والترمذي وابن جرير والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي ذرّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يؤتى بالرجل يوم القيامة، فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، فيعرض عليه صغارها، وينحى عنه كبارها، فيقال: عملت يوم كذا كذا، وهو يقرّ، ليس ينكر، وهو مشفق من الكبائر أن تجيء، فيقال: أعطوه بكل سيئة عملها حسنة»تفسير : . والأحاديث في تكفير السيئات، وتبديلها بالحسنات كثيرة. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله {وَٱلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ } قال: إن الزور كان صنماً بالمدينة يلعبون حوله كل سبعة أيام، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مرّوا به مرّوا كراماً لا ينظرون إليه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس: {وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوٰجِنَا وَذُرّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ } قال: يعنون: من يعمل بالطاعة، فتقرّ به أعيننا في الدنيا والآخرة {وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً } قال: أئمة هدى يهتدى بنا، ولا تجعلنا أئمة ضلالة، لأنه قال لأهل السعادة: {أية : وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا } تفسير : [الأنبياء: 73]، ولأهل الشقاوة: {أية : وَجَعَلْنَـٰهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ } تفسير : [القصص: 41]. وأخرج الحكيم الترمذي عن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {أُوْلَـٰئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ } قال: "حديث : الغرفة من ياقوتة حمراء، أو زبرجدة خضراء، أو درّة بيضاء ليس فيها فصم ولا وصم"تفسير : . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبّي لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ } يقول: لولا إيمانكم، فأخبر الله أنه لا حاجة له بهم إذ لم يخلقهم مؤمنين، ولو كانت له بهم حاجة لحبب إليهم الإيمان كما حببه إلى المؤمنين {فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً } قال: موتاً. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري عنه: أنه كان يقرأ "فَقَدْ كَذَّبَ ٱلْكَـٰفِرُونَ * فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً". وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن الزبير أنه قرأها كذلك. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه [عن ابن مسعود] في قوله: {فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً } قال: القتل يوم بدر، وفي الصحيحين عنه قال: «حديث : خمس قد مضين: الدخان والقمر واللزوم والبطشة واللزام».

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً ءَاخَرَ} يعني لا يجعلون لله تعالى شريكاً، ولا يجعلون بينهم وبينه في العبادة وسيطاً. {وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ} يعني حرم قتلها، وهي نفس المؤمن والمعاهد. {إِلاَّ بِالْحَقِّ} والحق المستباح به قتلها، ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بِِإِحْدَى ثَلاَثٍ: كُفرٍ بَعْدَ إِيمَانٍ، أَوْ زِنىً بَعْدَ إِحْصَانٍ، أَوْ قَتْل نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ ". تفسير : {وَلاَ يَزْنُونَ} والزنى إتيان النساء المحرمات في قبل أو دبر، واللواط زنى في أحد القولين وهو في القول الثاني موجب لقتل الفاعل والمفعول به، وفي إتيان البهائم ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه كالزنى في الفرق بين البكر والثيب. الثاني: أنه يوجب قتل البهيمة ومن أتاها للخبر المأثور فيه. الثالث: أنه يوجب التعزير. فجمع في هذه الآية بين ثلاث من الكبائر الشرك وقتل النفس والزنى، روى عمرو بن شرحبيل عن ابن مسعود قال: قلت: يا رسول الله (أو قال غيري): أي ذنب أعظم عند الله؟ قال: "حديث : أَن تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدّاً وَهُوَ خَلَقَكَ" تفسير : قال: ثم أي؟ قال: حديث : أَن تَقْتُلَ وَلَدَكَ خِيفَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ تفسير : قال: ثم أيّ.؟ قال: حديث : أَنْ تُزَانِي حَلِيلَةَ جَارِكَ تفسير : قال فأنزل الله ذلك. {وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ} يعني هذه الثلاثة أو بعضها. {يَلْقَ أَثَاماً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الأثام العقوبة قاله بلعام بن قيس: شعر : جزى اللَّه ابن عروة حيث أمسى عقوقاً والعقوق له أثام تفسير : الثاني: أن الأثام اسم واد في جهنم، قاله ابن عمر، وقتادة، ومنه قول الشاعر: شعر : لقيت المهالك في حربنا وبعد المهالك تلقى أثاما تفسير : الثالث: الجزاء، قاله السدي، وقال الشاعر: شعر : وإن مقامنا ندعو عليكم بأبطح ذي المجاز له أثامُ تفسير : {يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن المضاعفة عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، قاله قتادة. الثاني: أنها الجمع بين عقوبات الكبائر المجتمعة. الثالث: أنها استدامة العذاب بالخلود. {وَيَخْلُدْ فِيهِ} أي يخلد في العذاب بالشرك. {مُهَاناً} بالعقوبة. {إِلاَّ مَن تَابَ} يعني من الزنى. {وَءَامَنَ} يعني من الشرك . {وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً} يعني بعد السيئات. {فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: في الدنيا يبدلهم بالشرك إيماناً، وبالزنى إحصاناً وبذكر الله بعد نسيانه، وبطاعته بعد عصيانه، وهذا معنى قول الحسن، وقتادة. الثاني: أنه في الآخرة فيمن غلبت حسناته على سيئاته فيبدل الله السيئات حسنات، قاله أبو هريرة. الثالث: أنه يبدل الله عقاب سيئاته إذا تاب منها بثواب حسناته إذا انتقل إليها، قاله ابن بحر. {وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً} لما تقدم قبل التوبة. {رَحِيماً} لما بعدها. وحكى الكلبي أن وحشياً وهو عبد عتبة بن غزوان كتب بعد وقعة أحد وقَتْلِ حمزة إلى النبي صلى الله عليه وسلم: هل من توبة؟ فإن الله أنزل بمكة إياسي من كل خير {وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً ءَاخَرَ} الآية وإن وحشياً قد فعل هذا كله، وقد زنى وأشرك وقتل النفس التي حرم الله، فأنزل الله {إلاَّ مَن تَابَ} أي من الزنى وآمن بعد الشرك وعمل صالحاً بعد السيئات، فكتب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه فقال وحشي: هذا شرط شديد ولعلي لا أبقى بعد التوبة حتى أعمل صالحاً، فكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هل من شيء أوسع من هذا؟ فأنزل الله {أية : إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} تفسير : [النساء: 48، 116]، فكتب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وحشي. فأرسل وحشي إلى النبي صلى الله عليه وسلم: إنى لأخاف أن لا أكون في مشيئة الله، فأنزل الله في وحشي وأصحابه {أية : قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرًُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً} تفسير : [الزمر: 53] الآية. فبعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وحشي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم.

ابن عبد السلام

تفسير : {إِلا بالْحَقِّ} كفر بعد الإيمان، أو زنا بعد أحصان، أو قتل نفس بغير نفس. {أَثَاماً} عقوبة، أو جزاء، أو اسم وادٍ في جهنم.

النسفي

تفسير : {والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر} أي لا يشركون {ولا يقتلون النّفس التي حرّم الله} أي حرمها يعني حرم قتلها {إلاّ بالحقّ} بقود أو رجم أو ردة أو شرك أو سعي في الأرض بالفساد، وهو متعلق بالقتل المحذوف أو بـــــ {لا يقتلون} {ولا يزّنون} ونفى هذه الكبائر عن عباده الصالحين تعريض لما كان عليه أعداؤهم من قريش وغيرهم كأنه قيل: والذي طهرهم الله مما أنتم عليه {ومن يفعل ذلك} أي المذكور {يلق أثاماً} جزاء الإثم {يضاعف} بدل من يلق لأنهما في معنى واحد إذ مضاعفة العذاب هي لقاء الآثام كقوله شعر : متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا تجد حطباً جزلاً وناراً تأججا تفسير : فجزم «تلمم» لأنه بمعنى «تأتنا» إذ الإتيان هو الإلمام. {يضعّف} مكي ويزيد ويعقوب. {يضعّف} شامي {يضاعف} أبو بكر على الاستئناف أو على الحال ومعنى يضاعف {له العذاب يوم القيامة} أي يعذب على مرور الأيام في الآخرة عذاباً على عذاب. وقيل: إذا ارتكب المشرك معاصي مع الشرك عذب على الشرك وعلى المعاصي جميعاً فتضاعف العقوبة لمضاعفة المعاقب عليه {ويخلد} جزمه جازم {يضاعف} ورفعه رافعه لأنه معطوف عليه {فيه} في العذاب {فيهي} مكي وحفص بالإشباع. وإنما خص حفص الإشباع بهذه الكلمة مبالغة في الوعيد. والعرب تمد للمبالغة مع أن الأصل في هاء الكناية الإشباع {مهاناً} حال أي ذليلاً {إلاّ من تاب} عن الشرك وهو استثناء من الجنس في موضع النصب {وآمن} بمحمد عليه الصلاة والسلام {وعمل عملاً صالحاً} بعد توبته {فأولئك يبدّل الله سيّئاتهم حسناتٍ} أي يوفقهم للمحاسن بعد القبائح أو يمحوها بالتوبة ويثبت مكانها الحسنات الإيمان والطاعة، ولم يرد به أن السيئة بعينها حسنة ولكن المراد ما ذكرنا. {يبدل} مخففاً البرجمي {وكان الله غفوراً} يكفر السيئات {رّحيماً} يبدلها بالحسنات.

الثعالبي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا ءاخَرَ} الآية: في نحو هذه الآية قَال اْبنُ مَسْعودٍ: قَلْتُ يَوْماً: يا رَسُولَ اللّهِ، أيُّ الذَّنْبِ أَعْظمُ؟ قال: «حديث : أنْ تَجْعَلَ للَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ، قْلتُ: ثُمَّ أَي قال: أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ، خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: أَنْ تَزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ» تفسير : ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللّه صلى الله عليه وسلم هذه الآية والأثام في كلام العرب: العِقَابُ، وبه فَسَّرَ ابن زيد وقتادة هذه الآية. قال * ع *: {يُضَـٰعَفْ}: بالجزم بدل من {يَلْقَ} قال سيبويه: مضاعفة العذاب هو لقي الأثام. وقوله تعالى: {إِلاَّ مَن تَابَ} بلا خلاف بين العلماء أَن الاستثناء عام في الكافر والزاني، واختلفوا في القاتل، وقد تقدم بيان ذلك في «سورة النساء». وقوله سبحانه: {فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍ} أي: بأنْ يجعلَ أعمالهم بَدَل معاصيهم الأُولَى طاعةً؛ قاله ابن عباس وغيره، ويحتمل أنْ يكونَ ذلك في يوم القيامة، يجعل بدل السيئات الحسنات؛ تَكَرُّماً منه سبحانه وتعالى؛ كما جاء في «صحيح مسلم»، وهو تأويل ابن المُسَيِّبِ. * ص *: والأَوْلَى: ويحتمل أنْ يكون الاستثناءُ هنا مُنْقَطِعاً، أي: لكن مَنْ تاب وآمن، وعمل عملاً صالحاً فأولئك يُبَدِّلُ اللّه سيئاتهم حسنات، انتهى. ثم أَكَّدَ سبحانه أمر التوبة، ومدح المتاب فقال: {وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتاباً} كأنه قال: فإنه يجد باباً للفرج والمغفرة عظيماً، ثم استمرت الآيات في صفة عباد اللّه المؤمنين بأَنْ نَفَى عنهم شهادة الزور، و {يَشْهَدُونَ} في هذا الموضع ظاهر، معناها: يُشَاهِدُون وَيَحْضُرُون، والزور: كل باطل زُوِّرَ، وأعظمه الشرك، وبه فسر الضَّحَّاكُ، ومنه الغِنَاءُ، وبه فَسَّرَ مجاهد، وقال عليٌّ وغيره: معناه لا يشهدون بالزور، فهي من الشهادة لا من المشاهدة، والمعنى الأوَّلُ أعَمُّ. واللغو: كل سَقَطٍ من فعل أو قول، وقال الثعلبيُّ: اللغو كل ما ينبغي أنْ يطرح ويُلْغَى، انتهى. و {كِرَاماً} معناه: معرضين مستحيين، يتجافون عن ذلك، ويصبرون على الأذى فيه. قال * ع *: وإذا مَرَّ المسلم بمنكر فَكَرَمُهُ أنْ يُغَيِّرَهُ، وحدود التغير معروفة.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ} الآية. قال ابن عباس: إن ناساً من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا، وزنوا فأكثروا، فأتوا محمداً - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة فنزلت هذه الآية، ونزل "يَا عِبَادِيَ" {أية : ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ} تفسير : [الزمر: 53] وروي حديث : أن رجلاً قال: يا رسول الله أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: "أن تدعو لله نداً وهو خلقك" قال: ثم أي؟ قال: "ثم أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك" قال: ثم أي؟ قال: "أن تُزَاني حليلة جارك" تفسير : فأنزل الله تصديقها هذه الآية. فإن قيل: إن الله تعالى ذكر أن من صفات عباد الرحمن الاحتراز عن الشرك والقتل والزنا، فلو كان الترتيب بالعكس كان أولى؟ فالجواب: أن الموصوف بتلك الصفات السالفة قد يكون متمكناً بالشرك تديناً، ويقتل المولود تديناً، ويزني تديناً، فبين تعالى أن المرء لا يصير بتلك الخصال وحدها من عباد الرحمن حتى يتجنب هذه الكبائر. وأجاب الحسن فقال: المقصود من ذلك التنبيه على الفرق بين سيرة المسلمين وسيرة الكفار كأنه قال: وعباد الرحمن هم الذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر، وأنتم تدعون، "وَلاَ يَقْتُلُونَ" وأنتم تقتلون الموءودة، "وَلاَ يَزْنُونَ" وأنتم تزنون. قوله: "إلاَّ بالحَقِّ" يجوز أن تتعلق الباء بنفس "يَقْتلُون" أي: لا يقتلونها بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق، وأن تتعلق بمحذوف على أنها صفة للمصدر، أي: قَتْلاً مُلْتَبِساً بالحق، أو على أنها حال أي: إلاَّ مُلْتَبِسِينَ بالحق. فإن قيل: من حلَّ قتله لا يدخل في النفس المحرمة، فكيف يصحّ هذا الاستثناء فالجواب: أن المقتضي لحرمة القتل قائم أبداً، وجواز القتل إنما ثبت بمعارض، فقوله: "حَرَّمَ اللَّهُ" إشارة إلى المقتضي، وقوله: "إلاَّ بالحَقِّ" إشارة إلى المعارض والسبب المبيح للقتل هو الردة، والزنا بعد الإحصان، وقتل النفس المحرمة. قوله: {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ} هذه إشارة إلى جميع ما تقدم، لأنه بمعنى ما ذكر (فلذلك وحِّدَ). قوله: "يَلْقَ" قراءة العامة مجزوماً على جزاء الشرط بحذف الألف، وقرأ عبد الله وأبو رجاء "يَلْقَى" بإثباتها كقوله: {أية : فلا تَنْسَى} تفسير : [الأعلى: 6] على أحد القولين، وكقراءة {أية : لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَىٰ} تفسير : [طه: 77] في أحد القولين أيضاً، وذلك بأن نقدر علامة الجزم حذف الضمة المقدرة. وقرأ بعضهم "يُلَقَّ" بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف من لقاه كذا. والأثام مفعول على قراءة الجمهور، ومفعول ثان على قراءة هؤلاء والأثام العقوبة، قال: شعر : 3890- جَزَى اللَّهُ ابْنَ عُرْوَةَ حَيْثُ أَمْسَى عُقُوقاً وَالعُقُوقُ لَهُ أَثَامُ تفسير : أي عقوبةٌ. وقيل: هو الإثم نفسه، أي: يَلْقَ جَزَاءَ إثْمٍ. قال أبو مسلم: والأثام والإثم واحد، والمراد هاهنا جزاء الأثام، فأطلق اسم الشيء على جزائه. وقال الحسن: الأثام اسم من أسماء جهنم، وقال مجاهد: اسم وادٍ في جهنم وقيل: بئر فيها. وقرأ ابن مسعود: "أَيَّاماً" جمع يومٍ، يعني شدائد، والعرب تعبر عن ذلك بالأيَّام، يقال: يوم ذو أيام لليوم الصعب. قوله: "يُضَاعَفْ" قرأ ابن عامر وأبو بكر برفع "يُضَاعَف" و"يَخْلُدُ" على أحد وجهين: إمَّا الحال، وإمَّا على الاستئناف. والباقون بالجزم فيهما بدلاً من "يَلْقَ" بدل اشتمال، ومثله قوله: شعر : 3891- مَتَى تَأْتِنَا تُلْمِمْ بِنَا في دِيَارِنَا تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً وَنَاراً تأَجَّجَا تفسير : فأبدل من الشرط كما أبدل هنا من الجزاء. وابن كثير وابن عامر على ما تقدم لهما في البقرة من القصر والتضعيف في العين. ولم يذكر أبو حيان ابن عامر مع ابن كثير وذكره مع الجماعة في قُرَّائهم. وقرأ أبو جعفر وشيبة "نُضَعِّف" بالنون مضمومة وتشديد العين، "العذَابَ" نصباً على المفعول به. وطلحة "يضاعف" مبنياً للفاعل، أي: الله "العذاب" نصباً، وطلحة بن سليمان "وتَخْلُد" بتاء الخطاب على الالتفات، وأبو حيوة "وَيُخَلَّد" مشدداً مبنياً للمفعول. وروي عن أبي عمرو كذلك إلا أنه بالتخفيف. و"مُهَاناً" حال، وهو اسم مفعول من أَهَانَهُ يُهِينُه، أي: أَذَلَّه وأَذَاقَهُ الهَوَانَ. فصل قال القاضي: بَيّن الله تعالى (أن) المضاعفة والزيادة يكون حالها في الزيادة كحال الأصل، فقوله: "وَيَخْلُد فِيهِ" أي: ويخلد في ذلك التضعيف، وذلك إنما حصل بسبب العقاب على المعاصي، فوجب أن يكون عقاب هذه المعاصي في حق الكافر دائماً، وإذا كان كذلك وجب أن يكون في حق المؤمن كذلك؛ لأن حاله فيما يستحق به لا يتغير سواء فعل مع غيره، أو منفرداً. والجواب: لم لا يجوز أن يكون للإتيان بالشيء مع غيره أثر في مزيد القبح، ألا ترى أن الشيئين قد يكون كل واحد منهما في نفسه حسناً وإن كان الجميع قبيحاً، وقد يكون كل واحد منهما قبيحاً، ويكون الجمع بينهما أقبح. وسبب تضعيف العذاب أن المشرك إذا ارتكب المعاصي مع الشرك فيعذب على الشرك وعلى المعاصي، فتضاعف العقوبة لمضاعفة المعاقب عليه، وهذا يدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الإسلام. قوله: {إِلاَّ مَن تَابَ} فيه وجهان: أحدهما: وهو الذي لم يعرف الناس غيره: أنه استثناء متصل؛ لأنه من الجنس. والثاني: أنه منقطع. قال أبو حيان: ولا يظهر، يعني الاتصال؛ لأن المستثنى منه محكوم عليه بأنه يضاعف له العذاب (فيصير التقدير: إلاَّ مَنْ تَابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَلاَ يُضَاعَفُ لَهُ العَذَابُ)، ولا يلزم من انتفاء التضعيف انتفاء العذاب غير المُضَعَّف، فالأولى عندي أن يكون استثناءً منقطعاً، أي: لكن مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيّآتِهِمْ حَسَنَاتٍ وإذا كان كذلك فلا يلقى عذاباً ألبتة. قال شهاب الدين: والظاهر قول الجمهور، وأمَّا ما قاله فلا يلزم إذ المقصود الإخبار بأنَّ من فعل كذا فإنه يحلُّ به ما ذكر إلا أن يتوب، وأمَّا إصابة أصل العذاب وعدمها فلا تعرُّض في الآية له. واعلم أن البحث الذي ذكره أبو حيان ذكره أيضاً ابن الخطيب فقال: دلت الآية على أن التوبة مقبولة، والاستثناء لا يدل على ذلك، لأنه أثبت أنه يضاعف له العذاب ضعفين، فيكفي لصحة الاستثناء أن لا يضاعف للتائب ضعفين، وإنما يدلّ عليه قوله: {فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ}. فصل نقل عن ابن عباس أنه قال: توبة القاتل لا تقبل، وزعم أن هذه الآية منسوخة (بقوله تعالى): {أية : وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً} تفسير : [النساء: 93]، وقالوا: نزلت الغليظة بعد اللينة بمدة يسيرة، وعن الضحاك ومقاتل بثمان سنين، وتقدم في سورة النساء. فإن قيل: العمل الصالح يدخل في التوبة والإيمان فذكرهما قبل العمل الصالح حَشْوٌ؟ فالجواب: أفردهما بالذكر لعلوّ شأنهما ولما كان لا بدَّ معهما من سائر الأعمال لا جرم ذكر عقيبهما العمل الصالح. قوله: {فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ}. قال ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير والسدي ومجاهد وقتادة: التبديل إنما يكون في الدنيا، فيبدل الله تعالى قبائح أعمالهم في الشرك بمحاسن الأعمال في الإسلام، فيبدلهم بالشرك إيماناً، وبقتل المؤمنين قتل المشركين، وبالزنا إحصاناً وعفة. وقيل: يبدل الله سيئاتهم التي عملوها في الإسلام حسنات. قال الزجاج: السيئة بعينها لا تصير حسنةً، فالتأويل: أن السيئة تمحى بالتوبة وتكتب الحسنة مع التوبة، والكافر يُحْبِطُ اللَّه عَمَلَهُ ويثبت عليه السَّيِّئَات. قوله: "سَيِّئَاتِهِمْ" هو المفعول الثاني للتبديل، وهو المقيد بحرف الجر، وإنما حذف، لفهم المعنى، و"حسنات" هو الأول المسرح، وهو المأخوذ، والمجرور بالباء هو المتروك، وقد صرح بهذا في قوله تعالى: {أية : وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ} تفسير : [سبأ: 16] وقال: شعر : 3892- تَضْحَكُ مِنِّي أُخْتُ ذَاتِ النِّحْييْنِ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِلَوْنِ لَوْنَيْنِ سَوَادَ وَجْهٍ وَبَيَاضَ عَيْنَيْنِ تفسير : وتقدم تحقيق هذا في البقرة عند قوله: {أية : وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 211]. قوله: {وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً} الآية. قال بعض العلماء: هذا في التوبة عن غير ما سبق ذكره في الآية الأولى من القتل والزنا، أي: تاب من الشرك وأدى الفرائض ممن لم يقتل ولم يزن {فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ} يعود إليه بعد الموت "مَتَاباً" حسناً يفضل على غيره ممن قتل وزنا. فالتوبة الأولى وهي قوله: "وَمَنْ تَابَ" رجوعٌ عن الشرك، والثاني رجوع إلى الله للجزاء والمكافأة. وقيل: هذه التوبة أيضاً عن جميع السيئات، ومعناه من أراد التوبة وعزم عليها فليتب لوجه الله، فقوله: {يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ} خبر بمعنى الأمر، أي: ليتب إلى الله، وقيل: معناه وليعلم أن توبته ومصيره إلى الله.

السيوطي

تفسير : أخرج الفريابي وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود قال‏:‏ ‏"حديث : ‏سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الذنب أكبر‏؟‏ قال "أن تجعل لله نداً وهو خلقك قلت‏:‏ ثم أي‏؟‏ قال أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك قلت‏:‏ ثم أي‏؟‏ قال‏: أن تزاني حليلة جارك‏""‏ تفسير : فأنزل الله تصديق ذلك ‏ {‏والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون‏}‏‏ .‏ وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس‏:‏ أن ناساً من أهل الشرك قد قتلوا فأكثروا، وزنوا ثم أتوا محمداً صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ إن الذي تقول وتدعو إليه لَحَسَنٌ لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة‏؛‏ فنزل ‏ {‏والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ ونزلت ‏{أية : ‏قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ‏تفسير : [‏الزمر: 53‏]‏.‏ وأخرج البخاري وابن المنذر من طريق القاسم بن أبي بزة أنه سأل سعيد بن جبير هل لمن قتل مؤمناً متعمداً من توبة‏؟‏ فقرأت عليه ‏{‏ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق‏}‏ فقال سعيد‏:‏ قرأتها على ابن عباس كما قرأتها عليَّ فقال‏:‏ هذه مكية نسختها آية مدنية التي في سورة النساء‏. وأخرج ابن المبارك عن شفي الأصبحي قال‏:‏ إن في جهنم جبلاً يدعى‏:‏ صعودا‏ً.‏ يطلع فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يرقاه، وإن في جهنم قصراً يقال له‏:‏ هوى‏.‏ يرمى الكافر من أعلاه فيهوي أربعين خريفاً قبل أن يبلغ أصله‏.‏ قال تعالى ‏{أية : ‏ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى‏}تفسير : ‏ ‏[‏طه: 81‏]‏ وأن في جهنم وادياً يدعى‏:‏ أثاماً‏.‏ فيه حيات وعقارب في فقار احداهن مقدار سبعين قلة من السم، والعقرب منهن مثل البغلة الموكفة، وإن في جهنم وادياً يدعى‏:‏ غياً‏.‏ يسيل قيحاً ودماً‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال ‏‏ "حديث : ‏سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل‏؟‏ قال‏: الصلوات لمواقيتهن‏.‏ قلت‏:‏ ثم أي‏؟‏ قال: بر الوالدين قلت‏:‏ ثم أي‏؟‏ قال‏: ثم الجهاد في سبيل الله، ولو استزدته لزادني‏.‏ وسألته أي الذنب أعظم عند الله‏؟‏ قال: الشرك بالله قلت‏: ثم أي‏؟‏ قال: أن تقتل ولدك أن يطعم معك‏"تفسير : ‏ فما لبثنا إلا يسيراً حتى أنزل الله ‏ {‏والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن عون بن عبد الله قال‏:‏ سألت الأسود بن يزيد هل كان ابن مسعود يفضل عملاً على عمل‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ سألت ابن مسعود قال‏:‏ سألتني عما سألت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت‏ حديث : يا رسول الله أي الأعمال أحبها إلى الله وأقربها من الله‏؟‏ قال‏:‏ الصلاة لوقتها قلت‏:‏ ثم ماذا على اثر ذلك‏؟‏ قال‏:‏ ثم بر الوالدين قلت‏:‏ ثم ماذا على أثر ذلك‏؟‏ قال‏: الجهاد في سبيل الله، ولو استزدته لزادني قلت‏:‏ فأي الأعمال أبغضها إلى الله وأبعدها من الله‏؟‏ قال‏:‏ أن تجعل لله نداً وهو خلقك، وأن تقتل ولدك أن يأكل معك، وإن تزاني حليلة جارك، ثم قرأ ‏ {‏والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر‏.‏‏.‏‏}‏ ‏ ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي قتادة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل‏"حديث : إن الله ينهاك أن تعبد المخلوق وتذر الخالق، وينهاك أن تقتل ولدك وتغدو كلبك، وينهاك أن تزني بحليلة جارك‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمر في قوله ‏{‏يلق أثاما‏ً}‏ قال‏:‏ واد في جهنم‏.‏ وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد ‏{‏يلق أثاما‏ً}‏ قال‏:‏ واد في جهنم من قيح ودم‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة قال‏:‏ ‏{‏أثام‏} ‏ أودية في جهنم فيها الزناة‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة ‏{‏يلق أثاماً‏} ‏ قال‏:‏ نكالا‏ً.‏ وكنا نحدث أنه واد في جهنم، وذكر لنا أن لقمان كان يقول‏:‏ يا بني إياك والزنا فإن أوّله مخافة، وآخره ندامة‏.‏ وأخرج ابن المبارك في الزهد عن شفي الأصبحي قال‏:‏ إن في جهنم وادياً يدعى‏:‏ أثاماً‏.‏ فيه حيات وعقارب في فقار إحداهن مقدار سبعين قلة من السم، والعقرب منهن مثل البغلة الموكفة‏.‏ وأخرج ابن الأنباري عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله ‏{‏يلق أثاماً‏}‏ ما الأثام؟‏ قال‏:‏ الجزاء قال فيه عامر بن الطفيل‏:‏ شعر : وروّينا الأسنة من صداء ولاقت حمير منا أثاما تفسير : وأخرج الطبراني بسند ضعيف عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ‏(‏ومن يفعل ذلك يلق أثاما‏ً)‏ ‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ‏ "‏يضاعف" ‏ بالرفع ‏ "‏له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه"‏ بنصب الياء ورفع اللام‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ‏{‏ويخلد فيه‏} ‏ يعني في العذاب ‏{‏مهانا‏ً}‏ يعني يهان فيه‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ لما نزلت ‏ {‏والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر‏} ‏ اشتد ذلك على المسلمين فقالوا‏:‏ ما منا أحد إلا أشرك، وقتل، وزنى، فأنزل الله ‏{أية : ‏يا عبادي الذين أسرفوا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ تفسير : [‏الزمر: 53‏]‏.‏ يقول لهؤلاء الذين أصابوا هذا في الشرك، ثم نزلت بعده ‏{‏إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات‏} ‏ فأبدلهم الله بالكفر الإِسلام، وبالمعصية الطاعة، وبالانكار المعرفة، وبالجهالة العلم‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن سعيد بن جبير قال‏:‏ نزلت آية من تبارك بالمدينة في شأن قاتل حمزة وحشي وأصحابه كانوا يقولون‏:‏ انا لنعرف الإِسلام وفضله فكيف لنا بالتوبة وقد عبدنا الأوثان، وقتلنا أصحاب محمد، وشربنا الخمور، ونكحنا المشركات‏؟‏‏!‏ فأنزل الله فيهم ‏{‏والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ ثم أنزلت توبتهم ‏ {‏إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات‏} ‏ فأبدلهم الله بقتال المسلمين قتال المشركين، ونكاح المشركات نكاح المؤمنات، وبعبادة الأوثان عبادة الله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عامر أنه سئل عن هذه الآية ‏{‏والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر‏}‏ ‏.‏ قال‏:‏ هؤلاء كانوا في الجاهلية فأشركوا، وقتلوا وزنوا‏.‏ فقالوا‏:‏ لن يغفر الله لنا‏.‏ فأنزل الله ‏ {‏إلا من تاب‏‏}‏ ‏.‏ قال‏:‏ كانت التوبة والإِيمان والعمل الصالح، وكان الشرك والقتل والزنا‏.‏ كانت ثلاث مكان ثلاث‏. وأخرج ابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: قرأنا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم سنين {والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرّم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً} ثم نزلت {إلا من تاب وآمن} فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فرح بشيء قط فرحه بها، وفرحه بأنا (أية : فتحنا لك فتحاً مبيناً) تفسير : [الفتح: 1]. وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك قال‏:‏ لما نزلت {‏والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر‏} ‏ قال بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ كنا أشركنا في الجاهلية، وقتلنا، فنزلت ‏ {‏إلا من تاب‏}‏ ‏. وأخرج أبو داود في تاريخه عن ابن عباس ‏{‏والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً‏} ‏ ثم استثنى ‏ {‏إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي هريرة قال‏:‏ حديث : صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العتمة ثم انصرفت، فاذا امرأة عند بابي فقالت‏:‏ جئتك أسألك عن عمل عملته هل ترى لي منه توبة؟ قلت‏:‏ وما هو‏؟‏ قالت‏:‏ زنيت وولد لي وقتلته قلت‏:‏ لا‏.‏‏.‏ ولا كرامة‏.‏ فقامت وهي تقول‏:‏ واحسرتاه‏.‏‏.‏‏!‏ أيخلق هذا الجسد للنار‏؟‏ فلما صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم الصبح من تلك الليلة قصصت عليه أمر المرأة قال‏:‏ ما قلت لها‏‏؟ قلت لا‏.‏‏.‏ ولا كرامة قال‏: بئس ما قلت‏.‏ أما كنت تقرأ هذه الآية‏!‏ ‏{‏والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر‏}‏ إلى قوله {‏إلا من تاب} الآية‏.‏ قال أبو هريرة‏:‏ فخرت فما بقيت دار بالمدينة ولا خطة إلا وقفت عليها فقلت‏:‏ إن كان فيكم المرأة التي جاءت أبا هريرة فلتأت ولتبشر‏.‏ فلما انصرفت من العشي إذا هي عند بابي فقلت‏:‏ ابشري إني ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم ما قلت لي، وما قلت لك فقال‏:‏ بئس ما قلت أما كنت تقرأ هذه الآية‏!‏ وقرأتها عليها فخرجت ساجدة وقالت‏:‏ أحمد الله الذين جعل لي توبة ومخرجاً، أشهد أن هذه الجارية لجارية معها وابن لها حران لوجه الله، وإني قد تبت مما عملت‏ .‏ تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات‏} ‏ قال‏:‏ هم المؤمنون‏؛‏ كانوا من قبل إيمانهم على السيئات، فرغب الله بهم عن ذلك، فحولهم إلى الحسنات، فأبدلهم مكان السيئات الحسنات‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله ‏{‏إلا من تاب‏} ‏ قال‏:‏ من ذنبه ‏{‏وآمن‏} ‏ قال‏:‏ بربه‏.‏ ‏ {‏وعمل صالحاً‏} ‏ قال‏:‏ فيما بينه وبين ربه ‏ {‏فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات‏} ‏ قال‏:‏ إنما التبديل طاعة الله بعد عصيانه، وذكر الله بعد نسيانه، والخير تعمله بعد الشر‏. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن ‏ {‏فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات‏}‏ قال‏:‏ التبديل في الدنيا يبدل الله بالعمل السيء العمل الصالح، وبالشرك اخلاصاً، وبالفجور عفافاً، ونحو ذلك‏.‏ وأخرج الفريابي و عبد بن حميد عن مجاهد ‏ {‏يبدل الله سيئاتهم حسنات‏} ‏ قال‏:‏ الإِيمان بعد الشرك‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مكحول ‏{‏يبدل الله سيئاتهم حسنات‏} ‏ قال‏:‏ إذا تابوا جعل الله ما عملوا من سيئاتهم حسنات‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن علي بن الحسين ‏ {‏يبدل الله سيئاتهم حسنات‏} ‏ قال‏:‏ في الآخرة وقال الحسن‏:‏ في الدنيا‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي عثمان النهدي قال‏:‏ إن المؤمن يعطى كتابه في ستر من الله فيقرأ سيئاته، فإذا قرأ تغير لها لونه حتى يمر بحسناته فيقرأها فيرجع إليه لونه، ثم ينظر فإذا سيئاته قد بُدِّلَتْ حسنات فعند ذلك يقول ‏{أية : ‏هاؤم اقرأوا كتابيه‏}‏تفسير : ‏[‏الحاقة: 19‏]‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سلمان قال‏:‏ يعطى رجل يوم القيامة صحيفة فيقرأ أعلاها فإذا سيئاته، فإذا كاد يسوء ظنه نظر في أسفلها فإذا حسناته، ثم ينظر في أعلاها فإذا هي قد بدلت حسنات‏. وأخرج أحمد وهناد ومسلم والترمذي وابن جرير والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي ذر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال اعرضوا عليه صغار ذنوبه، فيعرض عليه صغارها وينحى عنه كبارها فيقال‏:‏ عملت يوم كذا وكذا؛‏ كذا وكذا وهو مقر ليس ينكر، وهو مُشْفِقٌ من الكبار أن تجيء فيقال‏:‏ اعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏ليأتين ناس يوم القيامة ودوا أنهم استكثروا من السيئات قيل‏:‏ ومن هم يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ الذين بدل الله سيئاتهم حسنات‏ "‏‏. تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن عمرو بن ميمون ‏{‏فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات‏}‏ قال‏:‏ حتى يتمنى العبد أن سيئاته كانت أكثر مما هي‏. وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية أنه قيل له‏:‏ إن أناساً يزعمون أنهم يتمنون أن يستكثروا من الذنوب قال‏:‏ ولم ذاك‏؟‏ قال‏:‏ يتأوّلون هذه الآية ‏{‏يبدل الله سيئاتهم حسنات‏}‏ فقال أبو العالية‏:‏ وكان إذا أخبر بما لا يعلم قال‏:‏ آمنت بما أنزل الله من كتاب‏.‏ ثم تلا هذه الآية ‏ {‏يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً‏}‏‏ . وأخرج ابن أبي حاتم عن مكحول قال‏:‏ ‏حديث : ‏جاء شيخ كبير فقال‏:‏ يا رسول الله رجل غدر وفجر فلم يدع حاجة ولا داجة إلا اقتطعها بيمينه، ولو قسمت خطيئته بين أهل الأرض لأوبقتهم‏.‏ فهل له من توبة‏؟‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أسلمت.‏‏.‏‏؟ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ فإن الله غافر لك، ومبدل سيئاتك حسنات قال‏:‏ يا رسول الله وغدارتي‏.‏‏.‏‏.‏ وفجراتي‏.‏‏.‏ قال‏: وغدراتك وفجراتك‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الطبراني عن سلمة بن كهيل قال‏:‏ حديث : جاء شاب فقال‏:‏ يا رسول الله أرأيت من لم يدع سيئة إلا عملها، ولا خطيئة إلا ركبها، ولا أشرف له سهم فما فوقه إلا اقتطعه بيمينه، ومن لو قسمت خطاياه على أهل المدينة لغمرتهم‏؟‏ فقال النبي‏:‏ صلى الله عليه وسلم أأسلمت...؟ قال‏:‏ أما أنا فاشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله قال: اذهب فقد بدل الله سيئاتك حسنات قال‏:‏ يا رسول الله وغدارتي‏.‏‏.‏ وفجراتي‏.‏‏.‏ قال‏: وغدراتك وفجراتك ثلاثاً‏"‏تفسير : ‏.‏ فولى الشاب وهو يقول‏:‏ الله أكبر‏. وأخرج البغوي وابن قانع والطبراني عن أبي طويل شطب الممدود أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ أرأيت رجلاً عمل الذنوب كلها‏؟‏ فذكر نحوه‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن أبي موسى قال‏:‏ التبديل يوم القيامة إذا وقف العبد بين يدي الله والكتاب بين يديه ينظر في السيئات والحسنات فيقول‏:‏ قد غفرت لك ويسجد بين يديه فيقول‏:‏ قد بدلت فيسجد فيقول‏:‏ قد بدلت فيسجد فيقول الخلائق‏:‏ طوبى لهذا العبد الذي لم يعمل سيئة قط‏. وأخرج الطبراني عن أبي مالك الأشعري قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏إذا نام ابن آدم قال الملك للشيطان‏:‏ اعطني صحيفتك فيعطيه إياها، فما وجد في صحيفته من حسنة محا بها عشر سيئات من صحيفة الشيطان وكتبهن حسنات، فإذا أراد أحدكم أن ينام فليكبر ثلاثاً وثلاثين تكبيرة، ويحمد أربعاً وثلاثين تحميدة، ويسبح ثلاثاً وثلاثين تسبيحة، فتلك مائة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن عساكر عن سعيد بن عبد العزيز عن مكحول في قوله ‏ {‏يبدل الله سيئاتهم حسنات‏}‏ قال‏:‏ يجعل مكان السيئات الحسنات قال‏:‏ فرأيت مكحولاً غضب حتى جعل يرتعد‏.

القشيري

تفسير : قوله جل ذكره: {وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ}. {إِلَـٰهًا آخَرَ}: في الظاهر عبادة الأصنام المعمولة من الأحجار، المنحوتة من الأشجار. وكما تتصف بهذا النفوسُ والأبْشارُ فكذلك توَهَّمُ المبارِّ والمضارِّ من الأغيار شِرْكٌ. {وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ} من النفوس المُحَرَّم قَتْلُها على العبد نَفْسه المسكينةُ، قال تعالى:{أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ}تفسير : [النساء: 29], وقَتْلُ النّفس من غير حقِّ تمكينُك لها من اتباع ما فيه هلاكُها في الآخرة؛ فإنَّ العبدَ إذا لم يُنْهَ مأمورُ. ثم دليل الخطاب أن تقتلها بالحقِّ، وذلك بِذَبْحِها بسكين المخالفات، فما فَلاحُكَ إلا بقتل نَفْسِكَ التي بين جنبيك. قوله جل ذكره: {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً}. يضاعَفُ لهم العذابُ يومَ القيامة بحسرات الفرقة وزفرات الحرقة. وآخرونَ يضاعف لهم العذابُ اليومَ بتراكم الخذلان ووشك الهجران ودوام الحرمان. بل مَنْ كان مضاعَفَ العذاب في عقباه فهو الذي يكون مضاعَفَ العذاب في دنياه؛ جاء في الخبر:"حديث : مَن كان بحالةٍ لقي الله بها ".

اسماعيل حقي

تفسير : {والذين لايدعون} لايعبدون {مع الله إلها آخر} كالصنم اى لايجعلونه شريكا له تعالى، يقال الشرك ثلاثة. اولها ان يعبد غيره تعالى. والثانى ان يطيع مخلوقا بما يأمره من المعصية. والثالث ان يعمل لغير وجه الله فالاول كفر والآخران معصية. وفى التأويلات النجمية يعنى لا يرفعون حوائجهم الى الاغيار ولا يتوهمون منهم المسار والمضار وايضا لا يشوبون اعمالهم بالرياء والسمعة ولا يطلبون مع الله مطلوبا ولا يحبون معه محبوبا بل يطلبون الله من الله ويحبونه به: قال الصائب شعر : غير حق را مىدهى ره درحريم دل جرا ميكشى برصفحه هستى خط باطل جرا تفسير : {ولا يقتلون النفس التى حرم الله} اى حرمها بمعنى حرم قتلها فحذف المضاف واقيم المضاف اليه مقامه مبالغة فى التحريم والمراد نفس المؤمن والمعاهد {الا بالحق} المبيح لقتلها اى لا يقتلونها بسبب من الاسباب الا بسبب الحق المزيل لحرمتها وعصمتها كما اذا قتل احدا فيقتص به اوزنى وهو محصن فيرجم اوارتد او سعى فى الارض بالفساد فيقتل {ولا يزنون} الزنى وطىء المرأة من غير عقد شرعى، واعلم ان الله تعالى نفى عن خواص العباد امهات المعاصى من عبادة الغير وقتل النفس المحرمة والزنى بعدما اثبت لهم اصول الطاعات من التواضع ومقابلة القبيح بالجميل واحياء الليل والدعاء والانفاق العدل وذلك اظهارا لكمال ايمانهم فانه انما يكمل بالتحلى بالفضائل والتخلى عن الرذائل واشعارا بان الاجر المذكور فيما بعد موعود للجامع بين ذلك وتعريضا للكفرة باضداده اى وعباد الرحمن الذين لايفعلون شيئا من هذه الكبائر التى جمعتهن الكفرة حيث كانوا مع اشراكهم به سبحانه مداومين على قتل النفوس المحرمة التى من جملتها الموؤدة مكبين على الزنى اذ كان عندهم مباحا، حديث : وعن عبدالله ابن مسعود رضى الله عنه قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أى الذنب اعظم قال "ان تجعل لله ندا وهو خلقك" قال قلت ثم أى قال "ان تقتل ولدك مخافة ان يطعم معك" قال قلت ثم أى "قال ان تزنى بحليلة جارك ". تفسير : وفى التأويلات النجمية {ولايزنون} اى لا يتصرفون فى عجوز الدنيا بشهوة نفسانية حيوانية بل يكون تصرفهم فيها لله وفى الله وبالله اى بخلاف حال العامة {ومن} [هركه] {يفعل ذلك} شيئا مماذكر من الافعال كما هو دأب الكفرة {يلق اثاما} هو جزاء الاثم والعقوبة كالوبال والنكال وزنا ومعنى: وبالفارسية [به بيندجزاى بزه كارىء خود] تقول اثم الرجل بالكسر اذنب واثمه جازاه، قال فى القاموس هو كسحاب واد فى جهنم والعقوبة وفى الحديث "حديث : الغى والاثام بئران يسيل فيهما صديد اهل النار ".

الجنابذي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا آخَرَ} لا قالاً ولا حالاً فانّ من نزل عليه السّكينة بحيث تصير مالكة له لم يبق له جهة دعاء غير الله {وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ} فى العالم الصّغير ولا فى العالم الكبير بخلاف من لم يصر عبداً للرّحمن سواء صار عبداً للشّيطان او لغير الرّحمن من اسمائه تعالى فانّه يقتل النّفس المحترمة من القوى الانسانيّة او القوى الحيوانيّة فى طريق الانسانيّة بغير الحقّ سواء قتل نفساً فى الخارج او لم يقتل {إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} اى بأمر الحقّ او بسبب امرٍ حقٍّ من قصاص وحدّ او بالحقّ المطلق بان يكون يده يد الحقّ. اعلم، انّه ما لم يصر يد القاتل يد الحقّ او مسخّرة لامر الحقّ وما لم يصر لسان الآمر بالقتل لسان الحقّ او مسخّراً لامره لا يجوز القتل ولا الامر بالقتل سواء كان ذلك فى قصاص وحدٍّ ام غير ذلك، ولذلك لا يجوز القتل واجراء الحدود الاّ من حاكم الهىٍّ او من يأمره ذلك الحاكم بحيث يكون المأمور مسخّراً لامر الحاكم ومتحرّكاً بأمره، وامّا من لم يكن كذلك فلا يجوز له القتل ولا الامر بالقتل كما قيل: شعر : آنكه جان بدهد اكر بكشد رواست نائب است ودست اودست خداست تفسير : وعلى هذا كان المعنى لا يقتلون النّفس الّتى حرّم الله قتلها الاّ بالله اى بيد الله {وَلاَ يَزْنُونَ} لا يتّبعون الشّهوات. اعلم، انّ ذنوب الانسان منحصرة فى مقتضيات الشّيطنة والقوّة الغضبيّة والشّهويّة وقد اشار تعالى الى امّهات مقتضيات الثّلاث فانّ دعاء غير الله من مقتضيات الشّيطنة بل نقول مقتضيات الشّيطنة منحصرة فى دعاء غير الله لانّ كلّ اعجابٍ بالنّفس وكلّ مراياة ومجادلة وغيرها من مقتضيات الشّيطنة لغير الله، وقتل النّفس من مقتضيات الغضب، والزّنا من مقتضيات الشّهوة، وعلى تعميم قتل النّفس وتعميم الزّنا جملة مقتضياتهما منحصرة فيهما {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ} المذكور من مقتضيات الثّلاث {يَلْقَ أَثَاماً} عقوبة، او الاثام كما فى الخبر وادٍ فى جهنّم او هو من اثمة الله فى كذا كمنع ونصر عدّه عليه اثماً.

الهواري

تفسير : قوله: {وَالذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ}. وأنتم أيها المشركون تدعون مع الله آلهة. قال: {وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ التِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ}. ذكروا عن الحسن قال: لما نزل في قاتل المؤمن وفي الزاني وأشباه ذلك ما نزل قال أصحاب النبي: أينا لم يزن، أينا لم يفعل، وتخوّفوا أن يُؤخذوا بما كان منهم في الجاهلية. فأنزل الله: {وَالذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إلهاً آخَرَ} أي: بعد إسلامهم، {وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْس التِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ}، اي: بعد إسلامهم، {وَلاَ يَزْنُونَ} أي: بعد إسلامهم. وأنزل قوله:{أية : قُلْ يَا عِبَادِيَ الذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ}تفسير : أي: بالشرك والكبائر الموبقة {أية : لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ}تفسير : إن تبتم إليه {أية : إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ}تفسير : [الزمر: 53] لمن تاب إليه، الرحيم به إذ جعل له متاباً، أي: مرجعاً ومخرجاً. (أية : وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ) تفسير : [الزمر: 54] يغفر لكم ما كان منكم في الجاهلية. وأنزل الله في هذه الآية: {وَالذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إلهاً آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ التِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ}. قوله: {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً} قال بعضهم: نكالاً. وقال بعضهم: كنا نُحدَّث أنه واد في جهنم. قال: {يُضَاعَفْ لَهُ العَذَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلاَّ مَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً}. ذكر الحسن في قوله في سورة [طه: 82]:{أية : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَنْ تَابَ} تفسير : أي: من الشرك، {أية : وَءَامَنَ}تفسير : أي: أخلص الإِيمان لله {أية : وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً} تفسير : أي: في إيمانه. وقال بعضهم: إلا من تاب من ذنبه، وآمن: أي بربه، وعملا عملاً صالحاً، أي: فيما بينه وبين الله. قوله: {فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} أي: يبدّل الله مكان الشرك الإِيمان، ومكان العمل السيء العمل الصالح. [وقال بعضهم: فاما التبديل في الدنيا فطاعة الله بعد عصيانه، وذكر الله بعد نسيانه، والخير يعمله بعد الشر].

اطفيش

تفسير : {وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ} هذا ونحوه مما مر أو يأتي من عطف الصفات لموصوف واحد. ويجوز ان يريد بكل واحد موصوفا آخر فيكون الله مدح كل جماعة بما بالغت فيه مع اشتراك الكل في اصل الخير وفروعه. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ان ناسا من أهل الشرك قتلوا واكثروا وزنوا وبالغوا فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ان الذي تقول وتدعو اليه لحسن لو تخبرنا ان لما علمنا كفارة فنزلت {وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهَ إِلَهاً آخَرَ}. {وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ} إلى قوله:{أية : الا من تاب}تفسير : الخ حديث : وإِنه أَتى وحشي قاتل حمزة رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله أَتيك مستجيرا فأَجرني حتى أَسمع كلام الله فقال صلى الله عليه وسلم: كنت أُحب ان اراك على غير جواري فأَنت اليوم فيه حتى تسمع كلام الله قال: فاني أَشركت بالله وقتلت النفس التي حرم الله قتلها وزنيت فهل يقبل الله مني توبة؟ فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل {وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ} الخ فتلاها عليه فقال: ان فيها شرطا لعلي لا أَعمل صالحا أَنا في جوارك حتى اسمع كلام الله فانزل الله سبحانه {ان الله لا يغفر أَن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} فتلاها عليه قال: لعلي: (ممن لا يشاء) انا في جوارك حتى اسمع كلام الله فانزل {يا عبادي الذين اسرفوا على انفسهم} الآية وقال: الآن لا ارى شرطا أَشهد أَن لا إِله إِلا الله وانك رسول الله . تفسير : قال ابن مسعود رضي الله عنه:حديث : قلت يوما يا رسول الله أَي الذنب اعظم؟ قال ان تجعل لله نداً وهو خلقك. قلت: ثم. قال: ان تقتل ولدك خشية ان يطعم معك. قلت: ثم. قال: أَن تزني بحليلة جارك . تفسير : وروي (تزني حليلة جارك) ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية. وفي رواية ان ابن مسعود قال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان الرجل يقول ثم اي؟ فانزل الله الآية تصديقا لرسوله صلى الله عليه وسلم. ومعنى {لاَ يَدْعُونَ} لا يطلبون او لا يعبدون او لا ينادون في حوائجهم غير الله إذ لو كان المراد نفي (اله) غير الله إذ لو كان اله غيره لدعوه فينفي غيره بنفي دعائه ورابط (التي) محذوف اي حرمها على تقدير مضاف اي حرم قتلها. وروي انه لما نزلت في الزاني وقاتل المؤمن ما نزل قالت الصحابة: أينا لم يقتل اينا لم يزني اينا لم يفعل؟ تخوفوا بما فعلوا في الجاهلية فنزلت {قل يا عبادي الذين اسرفوا} فنزل {وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهَ إِلَهاً آخَرَ} اي بعد اسلامهم {وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهَ} اي بعد اسلامهم {إلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ} بعد اسلامهم. وبالحق متعلق بيقتلون أو بالقتل المقدر بعد (حرم) والظاهر ان المراد بالنفس التي حرم الله الموحد وغيره ممن لا يحل قتله ككتابي يعطي الجزية وكغير بالغ وكالمرأة فمعنى الاستثناء الا النفس التي كانت كذلك لكن فعلت ما يوجب القتل كقاتل غيره والزاني المحصن فان مثل هذا يقتل بالحق. وفي الآية سلب امهات المعاصي عن المؤمنين الموصوفين بعد اثبات اصول الطاعات لهم اظهارا لكمال ايمانهم واشعارا بان الاجر المذكور موعود لمن كان كذلك وفيها تلويح بان الكفرة ثبتت لهم أصول المعاصي كفروعها وسلبت عنهم اصول الطاعات كذلك والله اعلم. مبحث اعلم ان الزنى يسهل الوقوع فيه ويدق مدخله من حيث لا ينتبه له ويقصد المرء النكاح ويقع في السفاح فيجب على من يدعي الاسلام وكرمت عليه آخرته ان يتوثق في امر النكاح ولا يعتمد على العاقدين إذا رأوا منهم تساهلا في امر النكاح وتقليد من تقدم بلا علم ومن ذلك التساهل ما يفعله بعض العاقدين وهو أنهم يشترطون من تلقاء انفسهم على الزوج انه ان غاب حولين أو تزوج او تسرى فلامرأته ان تطلق نفسها ولم تأمرهم المرأة ولا وليها ولا مزوجها مطلقا بذلك الشرط ويشترطون بالعربية والزوج بربري ولا يفهم ولا يفسرون له ما قالوا فاذا غاب الحولين او تزوج او تسرى طلقت نفسها وتزوجت. وهذا التزوج الثاني قريب من الزنى وهب ان المرأة ووليها المزوج لها أو المزوج لها مطلقا شرط ذلك وامر بشرطه لكن الزوج لم يفهم هذا الشرط فليس بداخل على هذا الشرط فكيف تعقد عليه هذه العقدة العظيمة المبيحة للفروج بغير امره بها وبغير علمه وكيف يحكم عليه بها مع ذلك والذي اطلعنا عليه في كتب المذهب المعول عليها وغيرها ان الذي يشترط ذلك هو الوالي أو المرأة أو نائبها مطلقا الذي يزوجها او من امرأته. ففي الديوان ونكاح الشيخ يحيى والنيل وغيرها من كتب المذهب الاشارة إلى هذا والتصريح والشيخ العلامة عبد العزيز لما رأى أهل عصره تشترط عقادهم بغير امر المرأة والولي ونحوه ممن يزوجها كالوكيل. قال في التاج: نحن نشترط لها في عرف بلدنا فلو رأى في ذلك اثرا لاستظهر به فكيف يكون عنده اثر في ذلك ويعرض عنه ويتمسك بالعرف فلودعه رحمه الله نسب ذلك للعرف إذ لو لم ينسبه لتوهم الناس انه اثر اطلع عليه فيستوثقون به فنسبة للعرف ليتوقف من كرمت عليه اخرته وهانت نفسه وكان بمراحل عن الكبر من العقاد وغيرهم حتى يرى في كتاب من كتب المذهب نصا في الحوار. وفي نسبته ذلك للعرف تعريض وازدراء بهؤلاء العقاد وادخال نفسه معهم تأدب حيث لا يلزم ولا يقال فاذا قد اتقى نفسه في التهمة لانه معروف مشاهد انه لا يفعل ذلك ولان كلامه في النيل وغيره كالنص في انه لا يفعل وكأن عقاد زمانه يفعلون كما يأتي عن التاج او اراد انه نشترط معاشر الاولياء أو معاشر الازواج وهو متجه لقوله قبيل ذلك ومن شرط لها قيل عند العقد انه ان غاب عنها اكثر من شهرين الخ (ومن) واقعة على الزوج وها عائدة إلى المرأة كما يدل له قول الماتن من شرط لامرأته فليتهم إذا ارادوا الاشتراط قالوا للمرأة أو لزوجها تشترط كذا وكذا فان قال: نعم اشترطوا وفهموا الزوج حتى تقول قد فهمت هذا الشرط وقبلته ودخلت عيله كما في الباب الحادي والثلاثين من كتاب الشهادات من التاج إذ قال فيه: وإذا زوج رجل رجلا فاستفهمه ليشهد الناس عليه فاذا اقر عند استفهامه له انه قد رضي بالتزويج وان عليه هذا الحق لزوجته خرج هذا على معنى الاقرار والمزوج أو غيره في هذا سواء (انتهى). فتراه قد اشترط الاستفهام وهو ان يقول هل فهمت ما شرطت عليك؟ والعقاد الذين رأينا لا يستفهمون الزوج وتراه اشترط ان يقر الزوج اني رضيت بالتزويج وان عليّ كذا وكذا حقا لزوجتي وهؤلاء لا يقر الزوج عندهم بان عليّ الحق الفلاني ولعل العقاد الذين في زمان الشيخ عبد العزيز يستفهمون الزوج ويأمرونه ان يرضى بالتزويج والحق الفلاني عليه أو ينكروا ما قول التاج والمزوج وغيره في هذا سواء فلعل المراد بغيره غيره ممن امره المزوج أو المرأة حملا لكلام العاقد على غير اللغوي فاذا اطلقناه على عمومه فليجز اشتراط كل من شرط ولو غير عاقد وغير مأمور بالشرط وان خصصوه بالعاقدين فتحكم الاول لا يقول به عاقل والثاني يحتاج إلى دليل التخصيص ولله در عقاد أهل غادرته واهل مليكه واهل العطف لما رأوا نصوص المذهب وانه لا يعقد احد عقده على احد بغير امره كانوا يقولون أنشرط لك بامرأة كذا وكذا أو انشرط يا فلان لوليتك كذا فيقول أو تقول نعم فيشترطون فيقولون للزوج اقبلت هذا الشرط يقولون ذلك بكلام يفهمه فيقبل. {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ} اي بعض ذلك. {يَلْقَ أَثَامَاً} مفرد بمعنى وبال ونكال وعذاب. وقيل: مفرد بمعنى الاثم فيقدر مضاف اي جزاء اثم. وفي الحديث رواه بعض قومنا الأثام والغي نيران في جهنم يسيل فيهما صديد أهل النار. والأول قول ابن زيد وقتادة. قال: (الاثام): العقاب. وقرأ (يلق فيه أثاما) اي في ذلك اي بذلك. وقرئ (يلقى) باثبات الالف وهي الف اشباع واما الف الكلمة فمحذوفة للجازم. وقرأ ابن مسعود (يلق اياما) اي شديد يقال يوم ذو ايام اي ذو شدائد * {يُضَاعَفْ} يكرر وهو بدل من (يلقى) والظاهر عندي انه بدل اشتمال فان مضاعفة العذاب له سببية للقائه {اثاما} لا اجنبيه منه. وقال الصبان بدل اشتمال لان (لقى الأثام) ان يحصل له العذاب مضاعفا وهو يشتمل على المضاعفة. وقيل: بدل الكل ونسبه عياض لسيبويه قال سيبويه مضاعفة العذاب هو (لقى الأثام) وهو ضعيف اذ لا يخفى ان (لقاء الأثام) غير مضاعفة العذاب له. والذي رواه عن سيبويه رواه الشاطبي عن الخليل. {لَهُ العَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ} وقرأ ابن كثير وحفص فيه باشباع الهاء هنا خاصة وغيرهما يختلس. {مُهَاناً} (حال) وقرأ ابن كثير قيل: وابن عامر يضعف بالتشديد. وقرأ ابو عامر وأبو بكر برفع {يضاعف} على الاستئناف أو الحالية على ما يأتي ورفع {يخلد} عطف عليه أو هو حال بناء على جواز قرن المضارع بواو الحال أو يقدر المبتدأ. وقرئ {نضعف} بالنون والتشديد ونصب العذاب. وقرأ {يخلد} بالبناء للمفعول باسكان الخاء وفتح اللام وبفتح الخاء وفتح اللام مشددة. وقرئ {تخلد} بالفوقية والبناء للفاعل وذلك على طريق الالتفات إلى الخطاب. وفي الآية دليل لاصحابنا على خلود العصاة في النار كالمشركين فان قاتل غير نبي والزاني غير مشركين ولعل المخالف يقول (الخلود) هنا مستعمل في حقيقته وهو الدوام جانب المشركين وفي مجازه وهو مطلق الكون في النار جانب العصاة. وان قيل: حقيقة في المعنيين فقد استعمل في معنييه ومن منع منهم كالحنفية الجمع بين الحقيقة والمجاز أو استعمال الكلمة في معنييها فلا جواب له عن الآية اللهم ان يقول المراد بالخلود مطلق الكون في النار فيكون ذلك من عموم المجاز فتكون الآية متكلمة على مطلق دخولهم النار ولم تميز الخالد من غيره كذا ظهر.

اطفيش

تفسير : {والَّذين لا يدعون معَ الله إلٰها آخر} لا يعبدون غيره {ولا يقتْلوْن النفَّس الَّتى حرَّم اللهُ} أى حرم قتلها فحذف مبالغة فى التحريم {إلاَّ بالحقِّ} لكن يقْتلون النفَّس بالحق، وهى النفس التى لم يحرم الله، وهى المشركة أو المرتدة أو الزانية المحصنة، أو الاستثناء متصل أى إلا ملتبسة بما يخرجها عن التحريم بعد أن كانت فيه، {ولا يزْنُون} بفرج ولا بجارحة، ولا بعين ولا بقلب، وهؤلاء الآيات من عطف الصفات لموصوف واحد، كأَنه قيل: وعباد الرحمن المتصفون بين المشى هوناً، ومتاركة خطاب الجاهلين، وقيام الليل والأعتصام بالله من عذابه، والتوسط فى الانفاق والتوحيد وانتقاء القتل الحرام والزنى، وذلك مضادة للمشركين، والتخلية مقدمة على التحلية، وهى مقدمة بالتأويل، ولو كان الظاهر هنا العكس، لأن المعنى أن الله سبحانه برأهم ما أنتم عليه. وجه الظاهر من تقديم التخلية أنها أنسب بذكر العبودية، وإنما ذكر لا يدعون مع الله إلهاً آخر مع أنه معلوم متقدم تلويحا الى ما ذكرت من المضادة، أى هم بريئون مما أنتم عليه أيها المشركون. قال ابن مسعود: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أى الذنب أكبر؟ قال: "حديث : أنْ تجعل لله نداً وهو خلقك"تفسير : قلت: ثم أى؟ قال: " حديث : أنْ تقتل ولدك خشية أن يطعم"تفسير : قلت: ثم أى؟ قال: "حديث : أن تزنى بحليلة جارك "تفسير : فأنزل الله عز وجل: {والذين لا يدعون مع الله إلٰها آخر} الخ وقال جماعة: يا محمد إن ما تدعو اليه لحسن، لو أخبرتنا بكفارة لما فعلنا من إشراك وقتل وزنى وغير ذلك، فنزل: "أية : قل يا عبادى الذين أسرفوا "تفسير : [الزمر: 53] الخ ثم أنه لا يخفى أن آيات تحريم الزنا دليل على وجوب التزوج أو التسرى على القادر، لئلا يزنى، ومن لم يقدر فليصبر، ولا يزن، ويستعين على الصبر بالصوم كما جاء الحديث: "حديث : إن الصوم له وجاء ". تفسير : ومن قدر فالواجب عليه التزوج لأحاديث الأمر به، والنهى عن التبتل، ولتكثر أمة الاسلام، وليباهى بأتباعه الأمم، وتقديم الفرط" ولنخالف الرهبان من غيرنا، ولقوله صلى الله عليه وسلم لعكاف بن وداعة: "حديث : أنت من إخوان الشياطين أو من رهبان النصارى إذْ لم تتزوج وأنت قادر شاب موسر ولم تتسر"تفسير : وإن خلقه الله لا يحتاج إلى المرأة، أو حدث فيه لم يلزمه التزوج ولا التسرى، وليتفرغ إلى العبادة، وهى أفضل، واختار له بعضهم التزوج أو التسرى لموافقة السنة، ولما قد يحتاج اليه من تناول الفرج لكبر أو مرض، ولا ينافى هذا مدح الله تعالى يحيى بأنه حصور أى لا يأتى النساء، لأنه قبل هذه الأمة، وهذه الأمة جاء فيها الأمر بالنكاح على الاطلاق، وإذا صير الى التزوج فقد قال بعض الحكماء: أفضل النساء أن تكون بهية من بعيد، مليحة من قريب، غذيت بالنعمة، وأدركتها الحاجة فخلق النعمة معها، وذل الحاجة فيها. {ومن يَفْعَل ذلك} ما ذكر فى الجملة بعضا أو كلا من دعاه غير الله، وقتل النفس المحرمة، والزنى، والانفاق فى المعاصى، والاخلال بالانفاق الواجب إذ فسر به ما مر {يلق أثاماً} اسم للعقاب على الاثم، أو هو الاثم فيقدر مضاف أى جزاء الاثم، أو عبر به عن مسببه ولازمه، أو اسم لجهنم، أو بئر فيها، أو جبل فيها، أو واد فيه دم وقيح، أَو أَودية فيها، أو حيات وعقارب فى كل واحدة سبعون قلة من السم، وفى الحديث: "حديث : الغى والإثام بئران فى جهنم يسيل فيهما صديد أهل النار ".

الالوسي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا ءاخَرَ } أي لا يشركون به غيره سبحانه. {وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ } أي حرمها الله تعالى بمعنى حرم قتلها لأن التحريم إنما يتعلق بالأفعال دون الذوات فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه مبالغة في التحريم {إِلاَّ بِٱلْحَقّ } متعلق بلا يقتلون والاستثناء مفرغ من أعم الأسباب أي لا يقتلونها بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق المزيل لحرمتها وعصمتها كالزنا بعد الإحصان والكفر بعد الإيمان، وجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف أي لا يقتلونها نوعاً من القتل إلا قتلاً ملتبساً بالحق وأن يكون حالاً أي لا يقتلونها في حال من الأحوال إلا حال كونهم ملتبسين بالحق. وقيل: يجوز أن يكون متعلقاً بالقتل المحذوف والاستثناء أيضاً من أعم الأسباب أي لا يقتلون النفس التي حرم الله تعالى قتلها بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق. ويكون الاستثناء مفرغاً في الإثبات لاستقامة المعنى بإرادة العموم أو لكون حرم نفياً معنى, ولا يخفى ما فيه من التكلف {وَلاَ يَزْنُونَ } ولا يطؤن فرجاً محرماً عليهم. والمراد من نفي هذه القبائح العظيمة التعريض بما كان عليه أعداؤهم من قريش وغيرهم وإلا فلا حاجة إليه بعد وصفهم بالصفات السابقة من حسن المعاملة وإحياء الليل بالصلاة ومزيد خوفهم من الله تعالى لظهور استدعائها نفي ما ذكر عنهم. ومنه يعلم حل ما قيل الظاهر عكس هذا الترتيب وتقديم التخلية على التحلية فكأنه قيل: والذين طهرهم الله تعالى وبرأهم سبحانه مما أنتم عليه من الإشراك وقتل النفس المحرمة كالموؤدة والزنا. وقيل: إن التصريح بنفي الإشراك مع ظهور إيمانهم لهذا أو لإظهار كمال الاعتناء والإخلاص وتهويل أمر القتل والزنا بنظمهما في سلكه، وقد صح من رواية البخاري ومسلم والترمذي حديث : عن ابن مسعود قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الذنب أكبر؟ قال: أن تجعل لله تعالى نداً وهو خلقك قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك فأنزل الله تعالى تصديق ذلك {وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا ءاخَرَ } الآية> تفسير : . وأخرج الشيخان وأبو داود والنسائي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن ناساً من أهل الشرك قد قتلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا ثم أتوا محمداً صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة فنزلت {وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا ءاخَرَ } الآية ونزلت {أية : قُلْ يٰأَ عِبَادِى ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ } تفسير : [الزمر: 53] الآية. وقد ذكر الإمام الرازي أن ذكر هذا بعد ما تقدم لأن الموصوف بتلك الصفات قد يرتكب هذه الأمور تدينا فبين سبحانه أن المكلف لا يصير بتلك الخلال وحدها من عباد الرحمن حتى ينضاف إلى ذلك كونه مجانباً لهذه الكبائر وهو كما ترى. وجوز أن يقال في وجه تقديم التحلية على التخلية كون الأوصاف المذكورة في التحلية أوفق بالعبودية التي جعلت عنوان الموضوع لظهور دلالتها على ترك الأنانية ومزيد الانقياد والخوف والاقتصاد في التصرف بما أذن المولى بالتصرف فيه. ولا يأبـى هذا قصد التعريض بما ذكر في التخلية. ويؤيد هذا القصد التعقيب بقوله عز وجل: {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً } أي ومن يفعل ما ذكر يلق في الآخرة عقاباً لا يقادر قدره. وتفسير الأثام بالعقاب مروي عن قتادة وابن زيد ونقله أبو حيان عن أهل اللغة وأنشد قوله:شعر : جزى الله ابن عورة حيث أمسى عقوقا والعقوق له أثام تفسير : وأخرج ابن الأنبارى عن ابن عباس أنه فسره لنافع بن الأزرق بالجزاء وأنشد قول عامر بن الطفيل:شعر : وروينا الأسنة من صداه ولاقت حمير منا أثاماً تفسير : والفرق يسير. وقال أبو مسلم: الأثام الإثم والكلام عليه على تقدير مضاف أي جزاء أثام أو هو مجاز من ذكر السبب وإرادة المسبب، وقال الحسن: هو اسم من أسماء جهنم، وقيل: اسم بئر فيها، وقيل: اسم جبل. وروى جماعة عن عبد الله بن عمر ومجاهد أنه واد في جهنم، وقال مجاهد: فيه قيح ودم. وأخرج ابن المبارك في «الزهد» عن شفى الأصبحي أن فيه حيات وعقارب في فقار إحداهن مقدار سبعين قلة من سم والعقرب منهن مثل البغلة الموكفة، وعن عكرمة اسم لأودية في جهنم فيها الزناة. وقرىء «يلق» بضم الياء وفتح اللام والقاف مشددة. وقرأ ابن مسعود وأبو رجاء «يلقى» بألف كأنه نوى حذف الضمة المقدرة على الألف فأقرت الألف. وقرأ أبو مسعود أيضاً {أيامًا} جمع يوم يعني شدائد، واستعمال الأيام بهذا المعنى شائع ومنه يوم ذو أيام وأيام العرب لوقائعهم ومقاتلتهم.

ابن عاشور

تفسير : هذا قسم آخر من صفات عباد الرحمان، وهو قسم التخلّي عن المفاسد التي كانت ملازمة لقومهم من المشركين؛ فتنزه عباد الرحمٰن عنها بسبب إيمانهم، وذكر هنا تنزههم عن الشرك وقتل النفس والزنا، وهذه القبائح الثلاث كانت غالبة على المشركين. ووَصْفُ النفس بــــ{التي حرم الله} بيانٌ لحُرمة النفس التي تقررت من عهد آدم فيما حكى الله من محاورة ولدَيْ آدم بقوله {أية : قال لأقتلنّك}تفسير : [المائدة: 27] الآيات، فتقرر تحريم قتل النفس من أقدم أزمان البشر ولم يجهله أحد من ذرية آدم، فذلك معنى وصف النفس بالموصول في قوله {التي حرم الله}. وكان قتل النفس متفشياً في العرب بالعداوات، والغارات، وبالوأْد في كثير من القبائل بناتهم، وبالقتل لفرط الغَيرة، كما قال امرؤ القيس:شعر : تجاوزتُ أحراساً إليها ومعشراً عليَّ حراصاً لو يُسِرُّون مقتلي تفسير : وقال عنترة:شعر : عُلّقْتُها عَرضاً وأقتُلُ قومها زعماً لعمرُ أبيك ليس بمزعم تفسير : وقوله {إلا بالحق} المراد به يومئذ: قتل قاتل أحدهم، وهو تهيئة لمشروعية الجهاد عقب مدة نزول هذه السورة. ولم يكن بيد المسلمين يومئذ سلطان لإقامة القصاص والحدود. ومضى الكلام على الزنا في سورة سبحان. وقد جُمع التخلّي عن هذه الجرائم الثلاث في صلة موصول واحد ولم يكرر اسم الموصول كما كرّر في ذكر خصال تحلّيهم، للإشارة إلى أنهم لما أقلعوا عن الشرك ولم يَدْعُوا مع الله إلهاً آخر فقد أقلعوا عن أشد القبائح لصوقاً بالشرك وذلك قتل النفس والزِنا. فجعل ذلك شَبيهَ خصلةٍ واحدة، وجُعل في صلة موصول واحد. وقد يكون تكرير {لا} مجزئاً عن إعادة اسم الموصول وكافياً في الدلالة على أن كل خصلة من هذه الخصال موجبة لمضاعفة العذاب، ويؤيدّه ما في «صحيح مسلم» من حديث : حديث عبد الله بن مسعود قال: قلت يا رسول الله أيُّ الذنب أكبر؟ قال: أن تدعوَ لله نِدًّا وهو خَلَقَك. قلتُ: ثم أيُّ؟ قال: أن تقتل ولدك خِيفةَ أن يطْعَم معَك. قلت: ثم أيّ: قال: أن تُزانيَ حليلةَ جاركتفسير : . فأنزل الله تعالى تصديقها {والذين لا يدعون مع الله إلٰهاً آخراً} إلى {أثاماً}، وفي رواية ابن عطية ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية. وقد علمت أن هذه الآيات الثلاث إلى قوله {أية : غفوراً رحيماً}تفسير : [الفرقان: 68 ـــ 70] قيل نزلت بالمدينة. والإشارة بــــ{ذلك} إلى ما ذكر من الكبائر على تأويله بالمذكور، كما تقدم في نظيره آنفاً. والمتبادر من الإشارة أنها إلى المجموع، أي من يفعل مجموع الثلاث. ويُعلم أن جزاء من يفعل بعضها ويترك بعضاً عدا الإشراك دون جزاء من يفعل جميعها، وأنَّ البعض أيضاً مراتب، وليس المراد من يفعل كل واحدة مما ذكر يلقَ آثاماً لأن لُقِيَّ الآثام بُيّن هنا بمضاعفة العذاب والخلودِ فيه. وقد نهضتْ أدلةٌ متظافرة من الكتاب والسنة على أن ما عدا الكفر من المعاصي لا يوجب الخلود، مما يقتضي تأويلَ ظواهر الآية. ويجوز أن تكون مضاعفة العذاب مستعملة في معنى قوته، أي يعذب عذاباً شديداً وليست لتكرير عذاب مقدر. والآثام بفتح الهمزة جزاء الإثم على زنة الوَبال والنَكال، وهو أشد من الإثم، أي يجازى على ذلك سُوءاً لأنها آثام. وجملة: {يضاعف له العذاب} بدلُ اشتمال من {يلق أثاماً}، وإبدال الفعل من الفعل إبدال جملة فإن كان في الجملة فعل قابلٌ للإعراب ظهر إعراب المحل في ذلك الفعل لأنه عِماد الجملة. وجُعل الجزاء مضاعفة العذاب والخلود. فأما مضاعفة العذاب فهي أن يعذّب على كل جُرم مما ذكر عذاباً مناسباً ولا يكتفَى بالعذاب الأكبر عن أكبر الجرائم وهو الشرك، تنبيهاً على أن الشرك لا ينجي صاحبه من تبعة ما يقترفه من الجرائم والمفاسد، وذلك لأن دعوة الإسلام للناس جاءت بالإقلاع عن الشرك وعن المفاسد كلها. وهذا معنى قول من قال من العلماء بأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة يَعنون خطاب المؤاخذة على ما نُهوا عن ارتكابه، وليس المراد أنهم يُطلب منهم العمل إذ لا تقبل منهم الصالحات بدون الإيمان، ولذلك رام بعض أهل الأصول تخصيص الخلاف بخطاب التكليف لا الاتلاف والجنايات وخطاب الوضع كله. وأما الخلود في العذاب فقد اقتضاه الإشراك. وقوله: {مهاناً} حال قصد منها تشنيع حالهم في الآخرة، أي يعذّب ويُهان إهانة زائدة على إهانة التعذيب بأن يشتم ويحقر. وقرأ الجمهور: {يضاعفْ} بألف بعد الضاد وبجزم الفعل. وقرأه ابن كثير وابن عامر وأبو جعفر ويعقُوب {يضعَّف} بتشديد العين وبالجزم. وقرأه ابن عامر وأبو بكر عن عاصم {يضاعفُ} بألف بعد الضاد وبرفع الفعل على أنه استئناف بياني.

د. أسعد حومد

تفسير : {آخَرَ} (68) - وهمْ مُخْلِصُون في عِبادَتِهِم للهِ تَعالى وحدَهُ، لا يُشْرِكُون بهِ شَيئاً، ولا يَدْعُونَ معهُ أحَداً، ولا يَعْبُدُونَ سِوَاهُ ولا يقْتُلُونَ النَّفْسَ التي حَرَّمَ اللهُ قَتْلَها إِلا بِحَقِّها، وَفْقاً لما شَرَعَهُ اللهُ تَعالى، ولا يَرْتَكِبُون الزِّنى، ولا يَأْتُونَ ما حَرَّمَ اللهُ من الفُروجِ. ومَنْ يَرْتَكِبْ هَذِهِ الكبائرَ فإِنَّهُ يَلْقَى عَذاباً أَلِيماً يومَ القيامةِ، جَزَاءً لَهُ على ما ارْتَكَبَ. يَلْقَ أَثاماً - يُلاقِي عِقَاباً في الآخرةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهنا قد يسأل سائل: أبعد كل هذه الصفات لعباد الرحمن ننفي عنهم هذه الصفة {لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ ..} [الفرقان: 68] وهم مَا اتصفوا بالصفات السابقة إلا لأنهم مؤمنون بالإله الواحد سبحانه؟ قالوا: هذه المسألة عقيدة وأساس لا بُدَّ للقرآن أن يكررها، ويهتم بالتأكيد عليها. ومعنى: {لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ ..} [الفرقان: 68] أي: لا يدعون أصحاب الأسباب لمسبِّباتهم، وهذا هو الشرك الخفيّ. ومنه قولهم: توكلتُ على الله وعليك. فنقول له، انتبه ليس عليَّ شيء، الأمر كله على الله. فقُلْ: توكلت على الله. وإنْ أردتَ فقُلْ: ثُمَّ عليك. ونسمع آخر يقول للأمر الهام: هذا عليَّ، والباقي على الله، فجعل الأصل المهم لنفسه، وأسند الباقي لله، أيليق هذا والمسألة كلها أصلها وفروعها على الله؟ إذن: يمكن أن تكون هذه الآية للمفتونين في الأسباب الذين ينتظرون منها العطاء، وينسْونَ المسبِّب سبحانه، وهذا هو الشرك الخفي. ثم يقول سبحانه: {وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ..} [الفرقان: 68] سبق أنْ تحدثنا عن الفرق بين الموت والقتل، وقلنا: إن كليهما تذهب به الحياة، لكن في الموت تذهب الحياة أولاً، ثم تُنقض البنية بعد ذلك، أما في حالة القتل فتُنقض البنية أولاً، ثم يتبعها خروج الروح. فالموت - إذن - بيد الله عز وجل، أما القتل فقد يكون بيد البشر. وهنا نَهْى صريح عن هذه الجريمة؛ لأنه "ملعون مَنْ يهدم بنيان الله" ويقضي على الحياة التي وهبها الله تعالى لعباده. وقوله تعالى: {إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ..} [الفرقان: 68] أي: حق يبيح القتل كرَجْم الزاني حتى الموت، وكالقصاص من القاتل، وكقتْل المرتد عن دينه، فإنْ قتلْنا هؤلاء فقتلُهم بناء على حَقٍّ استوجب قتلهم. فإن قال قائل: فأين حرية الدين إذن؟ نقول: أنت حر في أن تؤمن أو لا تؤمن، لكن اعلم أولاً أنك إنْ ارتددتَ عن إيمانك قتلناك، فإياك أنْ تدخل في ديننا إلا بعد اقتناع تام حتى لا تُعرِّض نفسك لهذه العاقبة. وهذا الشرط يمثِّل عقبة وحاجزاً أمام مَنْ أراد الإيمان ويجعله يُفكّر ملياً قبل أن ينطق بكلمة الإيمان ويحتاط لنفسه، إذن: فربُّكَ عز وجل يُنبِّهك أولاً، ويشترط عليك، وليس لأحد بعد ذلك أن يقول: أين حرية الدين؟ وقوله تعالى: {وَلاَ يَزْنُونَ ..} [الفرقان: 68] تحدثنا عن هذه المسألة في أول سورة النور وقلنا: إن الإنسان الذي كرَّمه الله وجعله خليفة له في أرضه أراد له الطُّهْر والكرامة، وإنْ يسكن الدنيا على مقتضى قانون الله، فلا يُدخِل في عنصر الخلافة شيئاً يخالف هذا القانون؛ لأن الله تعالى يريد أن يبنى المجتمع المؤمن على الطُّهْر ويبنيه على عناية المربِّي بالمربَّى. لذلك تجد الرجل يعتني بولده مطْعماً ومشرباً وملبساً ويفديه بنفسه، لماذا؟ لأنه ولده من صُلْبه ومحسوب عليه، أمّا إنْ شكَّ في نسب ولده إليه فإنه يُهمله، وربما فكّر في الخلاص منه، وإنْ رُبِّي مثل هذا رُبِّي لقيطاً لا أصلَ له، وهذا لا يصلح لخلافة الله في أرضه، ولا لأن يحمل هذا الشرف. وهذا يدل على أن الفطرة السليمة تأبى أنْ يوجد في كون الله شخص غير منسوب لأبيه الحق، من هنا نهى الإسلام عن الزنا، وجعل من صفات عباد الرحمن أنهم لا يزنون. {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً} [الفرقان: 68] أثاماً مثل: نكالاً وَزْناً ومعنىً، والآثام: عقوبة الإثم والجزاء عليه.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً} والآثامُ: وادٍ في جَهنَّمَ والآثامُ: الجَزاءُ. والآثامُ: العِقابُ.

الجيلاني

تفسير : {وَ} بالجملة: هم الموحدون {ٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ} الواحد الأحد، المستقل بالألوهية والربوبية {إِلَـٰهًا آخَرَ} يستحق للعبودية مثله {وَ} من جملة خصائلهم الحميدة: إنهم {لاَ يَقْتُلُونَ} بحال من الأحوال {ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ} الحكيم المتقن في أفعاله وأحكامه قتلها؛ إذ كل نفس من النفوس البشرية إنما وضعت وبنيت بيتاً لله،، مهبطاً معه ولوحيه وإلهامه، محلاً لحلول سلطان وحدته الذاتية ومجلى لظهور أسمائه الحسنى وصفاته العليا العظمى الكاملة، فلا يصح هدم بيته وتخريب بنائه {إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} أي: بالرخصة الشرعية الموضوعة بوضع الله سبحانه حدّاً وقصاصاً. {وَ} من جملة أخلاقهم الحميدة: إنهم {لاَ يَزْنُونَ} عدواناً وعدولاً عن مقتضى الحد الشرعي و الوضع الإلهي في حفظ النسب عن اختلاط النطف؛ إذ هي من أخس المحرمات وأفحش المحظورات؛ لذلك عقَّبه سبحانه بالوعيد الهائل، فقال: {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ} أي: الزنا التي هي الفعلة الشنيعة، والديدنة القبيحة المتناهية في القبح والشناعة المستكرهة عند الطباع السليمة، المسقطة للمروءة والعدالة {يَلْقَ} يوم الجزاء {أَثَاماً} [الفرقان: 68] أي: جزاء مسمى بالأثام مبالغةً وتأكيداً، كأن اسم الإثم موضوع له حقيقةً وهي جامع لجميع ما يطلق عليه اسم الإثم ادعاءً لذلك. {يُضَاعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ} لا ضعفاً مرة، بل أضعافاً كثيرةً، ومع ذلك التضعيف والتشديد {وَيَخْلُدْ} ويدوم {فِيهِ} أي: في العذاب {مُهَاناً} [الفرقان: 69] صاغراً ذليلاً بالنسبة إلى جميع أهل النار؛ إذ الزنا من أقبح الجرائم عند الله وأفحشها؛ إذ لا جُرم عنده سبحانه أعظم من هتك محارمه، أعاذنا الله من ذلك. {إِلاَّ مَن تَابَ} عما جرى عليه من سوء القضاء، ورجع إلى الله نادماً عن فعله خائباً خاسراً، مستحيياً من الله، خائفاً عن بطشه، مكذباً لنفسه، معيراً عليها، متأوهاً متحسراً عما صدر عنه {وَ} مع ذلك {آمَنَ} بتوحيد الله، وأكَّد توبته بتجديد الإيمان المقارن بالإخلاص الصائن للمؤمنين عن ارتكاب المحظورات المنافية للإيمان، وبالجملة: جدد إيمانه معتقداً أه حين صدر عنه لم يكن مؤمناً {وَ} مع التوبة وتجديد الإيمان {عَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً} منبئاً عن إخلاصه في إيمانه وتوبته، مشعراً على يقينه ومعرفته. {فَأُوْلَـٰئِكَ} السعداء التائبون الآيبون المقبولون، هم الذين {يُبَدِّلُ ٱللَّهُ} الحكيم المصلح لأحوال عباده بعدما وقفهم على التوبة الخالصة والإنابة الصحيحة الوثيقة {سَيِّئَاتِهِمْ} التي أتوا بها قبل التوبة {حَسَنَاتٍ} بعدها، بأن يمحو سبحانه بفضله معاصيهم المثبتة في صحائف أعمالهم قبل إنابتهم، ويثبت بدلها حسنات بعدما {وَكَانَ ٱللَّهُ} المطلع لسرائر عباده وإخلاصهم {غَفُوراً} لهم، متجاورزاً عن ذنوبهم وإن عظمت بعدما جاءوا بالتوبة الخالصة {رَّحِيماً} [الفرقان: 70] يقبل توبتهم ويغفو زلتهم. {وَ} بالجملة: {مَن تَابَ} ورجع إلى الله نادماً عما مضى عليه من المعاصي {وَعَمِلَ} عملاً {صَالِحاً} تلافياً لما فات من الطاعات والحسنات، جابراً لما انكسر من قوائم إيمانه وأعماله بالمفاسد والآثام {فَإِنَّهُ يَتُوبُ} ويرجع {إِلَى ٱللَّهِ} المتفضل المحسن الكريم الرحيم {مَتاباً} [الفرقان: 71] أي: توبة مقبولة عند الله، مرضية دونه.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} [68] 393 - أنا قتيبةُ بن سعيدٍ، نا جريرٌ، عن منصورٍ، عن هلال بن يِسَافٍ، عن سلمة بن قيسٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: "حديث : ألاَ إنَّمَا هي أربعٌ - فما أنا بِأشحَّ عليهنَّ منِّي مُنذُ سمعتُهُنَّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم - ألاَّ تُشركوا بالله شيئاً، ولا تقتلوا النفس التي حرم اللهُ إلاَّ بالحقِّ ". تفسير : قال حمزةُ: يعني: ولا تَزْنُوا ولا تَسْرِقُوا.

همام الصنعاني

تفسير : 2099- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {يَلْقَ أَثَاماً}: [الآية: 68]، قال: نكالاً، ويقال: إنه وادٍ في النار.