٢٥ - ٱلْفُرْقَان
25 - Al-Furqan (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
70
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً} لا خلاف بين العلماء أن الاستثناء عامل في الكافر والزاني. واختلفوا في القاتل من المسلمين على ما تقدم بيانه في «النساء» ومضى في «المائدة» القول في جواز التراخي في الاستثناء في اليمين، وهو مذهب ابن عباس مستدلاً بهذه الآية. قوله تعالى: {فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} قال النحاس: من أحسن ما قيل فيه أنه يكتب موضع كافرٍ مؤمن، وموضع عاصٍ مطيع. وقال مجاهد والضحاك: أن يبدلهم الله من الشرك الإيمان وروي نحوه عن الحسن. قال الحسن: قوم يقولون التبديل في الآخرة، وليس كذلك، إنما التبديل في الدنيا؛ يبدلهم الله إيماناً من الشرك، وإخلاصاً من الشك، وإحصاناً من الفجور. وقال الزجاج: ليس بجعل مكان السيئة الحسنة. ولكن بجعل مكان السيئة التوبة، والحسنة مع التوبة. وروى أبو ذرٍّ عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أن السيئات تبدّل بحسنات»تفسير : . وروي معناه عن سلمان الفارسي وسعيد بن جبير وغيرهما. وقال أبو هريرة: ذلك في الآخرة فيمن غلبت حسناته على سيئاته، فيبدل الله السيئات حسنات. وفي الخبر: «حديث : لَيتمنَّين أقوام أنهم أكثروا من السيئات» فقيل: ومن هم؟ قال: «الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات»تفسير : . رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ ذكره الثعلبي والقُشيري. وقيل: التبديل عبارة عن الغفران؛ أي يغفر الله لهم تلك السيئات لا أن يبدّلها حسنات. قلت: فلا يبعد في كرم الله تعالى إذا صحت توبة العبد أن يضع مكان كل سيئة حسنة؛ وقد قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «حديث : أتبِع السيئةَ الحسنةَ تمحها وخالِق الناس بخلق حسن»تفسير : . وفي «صحيح مسلم» عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : «إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولاً الجنة وآخرَ أهل النار خروجاً منها رجلٌ يؤتى به يوم القيامة فيقال اعرِضوا عليه صغار ذنوبه وارفعوا عنه كبارها فتعرض عليه صغار ذنوبه فيقال عمِلت يوم كذا وكذا كذا وكذا وعملت يوم كذا وكذا كذا وكذا فيقول نعم لا يستطيع أن ينكر وهو مشفِق في كبار ذنوبه أن تعرض عليه فيقال له فإن لك مكان كل سيئةٍ حسنة فيقول يا رب قد عملت أشياء لا أراها هاهنا» فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه. وقال أبو طَويل: يا رسول الله، أرأيت رجلاً عمل الذنوب كلها ولم يترك منها شيئاً، وهو في ذلك لم يترك حاجّة ولا داجّة إلا اقتطعها فهل له من توبة؟ قال: «هل أسلمت» قال: أنا أشهد أن لا إلٰه إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنك عبد الله ورسوله. قال: «نعم. تفعل الخيرات وتترك السيئات يجعلهن الله كلهن خيرات». قال: وغدراتي وفجراتي يا نبيّ الله قال: «نعم». قال: الله أكبر! فما زال يكررها حتى توارىتفسير : . ذكره الثعلبي. قال مبشر بن عبيد، وكان عالماً بالنحو والعربية: الحاجّة التي تقطع على الحاج إذا توجهوا والداجة التي تقطع عليهم إذا قفلوا. {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِلاَّ مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَٰلِحاً } منهم {فَأُوْلَٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ } المذكورة {حَسَنَٰتٍ } في الآخرة {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً } أي لم يزل متصفاً بذلك.
ابن عبد السلام
تفسير : {مَن تَابَ} من الزنا {وَءَامَنَ} من الشرك وعمل صالحاً بعد السيئات. {حَسَنَاتٍ} يبدلون في الدنيا بالشرك إيماناً وبالزنا إحصاناً، وذكر الله تعالى بعد نسيانه وطاعته بعد عصيانه، أو في الآخرة من غلبت سيئاتُه حسناتِه بُدلت سيئاته حسنات، أو يبدل عقاب سيئاته إذا تاب منها بثواب حسناته التي انتقل إليها. {غَفُوراً} لما سبق على التوبة. {رَّحِيماً} بعدها. لما قتل وحشي حمزة كتب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم. هل لي من توبة فإن الله تعالى أنزل بمكة إياسي من كل خير. {أية : وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ} تفسير : الآية [الفرقان: 68] وأن وحشياً قد زنا وأشرك وقتل النفس فأنزل الله تعالى: {إلا مَن تَابَ} من الزنا وآمن بعد الشرك وعمل صالحاً بعد السيئات الآية. فكتب بها الرسول صلى الله عليه وسلم إليه فقال: هذا شرط شديد ولعلي لا أبقى بعد التوبة حتى أعمل صالحاً. فكتب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم هل من شيء أوسع من هذا. فنزلت {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} تفسير : الآية [النساء: 48] فكتب بها الرسول صلى الله عليه وسلم إلى وحشي فقال: إني أخاف أن لا أكون من مشيئة الله فنزل في وحشي وأصحابه {أية : قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ} تفسير : الآية [الزمر: 53] فبعث بها إلى وحشي فأتى الرسول صلى الله عليه وسلم فأسلم.
التستري
تفسير : قوله: {إِلاَّ مَن تَابَ}[70] قال: لا تصح التوبة لأحدكم حتى يدع الكثير من المباح، مخافة أن يخرجه إلى غيره، كما قالت عائشة رضي الله عنها: اجعلوا بينكم وبين الحرام ستراً من الحلال، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعنا بعد الطهر ثلاثاً حتى تذهب فورة الدم.
السلمي
تفسير : قوله جل جلاله: {إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً} [الآية: 70]. قال سهل بن عبد الله: التوبة هى الندامة أولاً والإقلاع والتحويل من الحركات المذمومة إلى الحركات المحمودة، ولا تصح التوبة له حتى يلزم نفسه الصمت وحتى يلزم نفسه الخلوة، ولا تصح له الخلوة إلا بأكل الحلال ولا يصح أكل الحلال إلا بأداء حق الله، ولا يصح له أداء حق الله إلا بحفظ الجوارح، ولا يصح له ما وصفنا حتى نستعين بالله على ذلك كله. وقال: لا تصح التوبة لأحدٍ حتى يدع كثيرًا من المباح مخافة أن يخرج الى غيره. وقال نُبان الحمال: التوبة على وجهين: توبة العوام من الذنوب وتوبة الخواص من الغفلة. وقال ابن عطاء: التوبة الرجوع من كل خُلُقٍ مذموم إلى كل خُلُقٍ محمود. وقال طاهر المقدى: التوبة أن تتوب من كل شىء سوى الله. قال القاسم: التوبة أن تتوب إليه من جميع المخالفات ثم لا تعود إليها بحال. وتقبل على الله بالكلية كما كنت عنه معرضًا بالكلية.
القشيري
تفسير : إلا من تاب من الذنب في الحال؛ وآمن في المآل. ويقال: {وَآمَنَ} أن نجاته بفضل الله لا بتوبته، {وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً} لا ينقض توبتُهُ. ويقال إن نقَضَ توبته عَمِلَ صالحاً أي جَدَّدَ توبتَه؛ {فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} ويخلق لهم التوفيق بدلاً من الخذلان. ويقال يبدل الله سيئاتهم حسنات فيغفر لهم ويثيبهم على توبتهم. ويقال يمحو ذِلَّة زَلاَّتِهِم، ويثبت بَدَلَها الخيرات والحسنات، وفي معناه أنشدوا: شعر : ولما رضوا بالعفو عن ذي زلةٍ حتى أنالوا كفَّه وأفادوا
البقلي
تفسير : قوله تعالى {إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} اى الا من انسلخ مما دون الله ورجع بالله الى الله وعرف الله بالله وشرع فى خدمة الله بنعت الاخلاص والصدق فى طاعة الله فيبدل الله تقصيره توفير وتحقيره وتوقير او غيبة حضور او معصيته طاعة هذا وصف من قام فى حضره جلاله عند شهود جماله بنعت الخجل الحيرة والحياء والفناء فيكون اوزاره انوار وانواره اسرار فاذا كان كذلك فانه تعالى يتوب عليه بكشف المشاهدة ومداناة الوصلة وفتح خزائن وجود القدم وحقائق الطاف الكرم بقوله فاولئك يتوب عليهم وقال عليه السّلام من تاب تاب الله عليه ثم بين ان التايب الصالح العارف الصادق يقع توبته عند مشاهدة الله بقوله {وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتاباً} قال ابن عطا التوبة الرجوع من كل خلق مذموم والدخول فى كل خلق محمد وقال طاهر التوبة ان يتوب من كل شئ سوى الله ثم وصفهم بالقدس والطهارة عن شهود قلوبهم مشاهد الرياء والسمعة بقوله {وَٱلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ} لا يشهدون بقلوبهم واسرارهم ما دون رؤية القدم فان ما دون القدم يكون بالمحل كالعدم فى العدم بالحقيقة كل يكون بنعت العدم ووجوده زور اذ لا حقيقة لوجوده مع وجود الحق الذى لم يزل ولا يزال موجودا حقيقا ثم زاد فى وصفهم انهم لم يلتفتوا فى مرورهم على اهل الدنيا ومزخرفاتهم الى دنياهم كرما وظرافه بقوله {بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً} قال ابن عطا لا يشهدون الزور هو شهادة اللسان من غير مشاهدة القلب وقال جعفر الزور امانى النفس ومتابعة هواها قال سهل الزور مجالس المبتدعين قال ابو عثمان فيما ساله عنه احمد بن حمدان من قوله ولا يشهدن الزور قال لا يخالطون المبدعين ثم زاد فى وصفهم بالتنبه والتيقظ والاعتبار والفهم والادراك فى خطاب الله بقوله {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً} اذا سمعوا كلام الله وفقوا عليه بنعت التدبر والتفكر فيه والاستكشاف والنبئين فاذا وجدوا حقائق الخطاب اغذوا منه لطائف كنوز علوم الربوبية اللدنية وشاهدوا جمال الحق فى كلام الحق قال ابن عطا لم ينكروها ولم يعرضوا عنها بل اقبلوا على امرها بالسمع والطاعة ونعمة عين ثم اخبر عن مقالتهم عند شهودهم مشاهدته بقوله {وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} اى اجعل ازواجنا وذُرياتنا من اهل معرفتك ومشاهدتك ليكونوا زيادة نور ابصارنا واجعلهم مطيعين لك ومعاونين لنا فى خدمتك قال جعفر هب لنا من ازواجنا معاونة على طاعتك ومن اولادنا حتى تقرا عيننا بهم ثم وصفهم بزيادة الدعاء على انفسهم بان يجعلهم ائمة الهدى وان يجعلهم ائمة للمتقين اى اجعلنا عرفائك لتكون ائمة للزهاد والعابد بانهم ان العارف واصل مراد يعرف من الله مكان الحقائق ومثله كمثل عنقاء مغرب ومثل الزهاد واهل التقوى كمثل الطيور الصغار المختلفة قال ابو عثمان لا يكون اماما فى التقوى من لم يصحح تقواه مع ربه وبقى عليه شئ من ذلك انما الامان المقدم فى الشئ وامام المتقين من يتقى كل شئ سوى الله ثم اخبر سبحانه عما يجاريهم بما مولهم {أُوْلَـٰئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاَماً} يجزون بغرف الوصال كشف انوار الجمال بما صبروا فى شوقه عنه لا بغيره ويسمعون سلام الله وتحيته واعتذاره اليهم والفرق بين السّلام والتحية ان السلام سلامة العارفين فى الوصال عن الفرقة والتحية روح تجلى حياة الحق الازلة فى ارواحهم واشباحهم فيحيون بحيوته ابدا الابدين {خَالِدِينَ فِيهَا} دائمين فى مشاهدة الله {حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً} حسنت مستقرا بهم ومقاما بهم بحسن جمال الحق قال الترمذى اهل الغرف كائن فى اوائل الاية لا فى أخرها وانما وصف اهل القرب بما يعقل من ظاهر امورهم وانما نالوها بما فى باطنهم الا نراه يقول بما صبروا والصبر فى الاخلاق والأداب وقال الواسطى التحية غير السّلام من عند الله والتحية صفرة الحياة مع الحق وقال ايضا التحية من الله الى الروح كسوة يحيى الروح بحياته فلا يلاحظ غير من حياه واكرمه وادناه تحية من عند الله مباركة طيبة وقال ايضا التحية فى الاصل ما يحيى به فيفرح الروح بذلك ويانس به وقال التحية فى الدنيا على العقول بركات ما يقع عليها من طيب ما اجرى عليها وقال بعضهم التحية انس الاسرار بالحى والسّلام سلامة القلوب من القطيعة وقال بعضهم فى قوله مستقر او مقام طاب فيها المقام وحسن فيها القرار وقال بعضهم احسن المقام المقام فى مشهد الحق واطيب القرار القرار فى جواده على فرض مرضاته.
اسماعيل حقي
تفسير : {الا من تاب} من الشرك والقتل والزنى {وآمن} وصدق بوحدانية الله تعالى {وعمل عملا صالحا} [وبكند كردارشايسته براى تكميل ايمان] ذكر الموصوف مع جريان الصالح والصالحات مجرى الاسم للاعتناء به والتنصيص على مغايرته للاعمال السابقة والاستثناء لانه من الجنس لان المقصود الاخبار بان من فعل ذلك فانه يحل به ماذكر الا ان يتوب. واما اصابة اصل العذاب وعدمها فلا تعرض لها فى الآية {فاولئك} الموصوفون بالتوبة والايمان والعمل الصالح: وبالفارسية [بس آن كروه] {يبدل الله سيئاتهم} التى عملوها فى الدنيا فى الاسلام {حسنات} يوم القيامة وذلك بان يثبت له بدل كل سيئة حسنة وبدل كل عقاب ثوابا، قال الراغب التبديل جعل الشىء مكان آخر وهو اعم من العوض فان العوض هو ان يصير لك الثانى باعطاء الاول والتبديل يقال للتغيير وان لم تأت ببدله، عن ابى ذر رضى الله عنه قال عليه السلام "يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال اعرضوا عليه صغار ذنوبه ويخبأ عنه كبارها فيقال عملت يوم كذا كذا وهو مقر لاينكر وهو مشفق من الكبائر فيقال اعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة فيقول ان لى ذنوبا مااراها ههنا" قال فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك حتى بدت نواجذه ثم تلا {فاولئك} الخ، قال الزجاج ليس ان السيئة بعينها تصير حسنة ولكن التأويل ان السيئة تمحى بالتوبة وتكتب الحسنة مع التوبة انتهى، قال المولى الجامى {فاولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات} يعنى فى الحكم فان الاعيان نفسها لاتتبدل ولكن تنقلب احكامها انتهى كلامه فى شرح الفصوص، وقال حضرة الشيخ صدر الدين القنوى قدس سره فى شرح الاربعين حديثا (الطاعات كلها مطهرات) فتارة بطريق المحو المشار اليه بقوله تعالى {أية : ان الحسنات يذهبن السيئات}تفسير : وبقوله عليه السلام "حديث : اتبع الحسنة تمحها"تفسير : وتارة بطريق التبديل المشار اليه بقوله {الا من تاب وآمن} الخ فالمحو المذكور عبارة عن حقيقة العفو والتبديل من مقام المغفرة وان تنبهت لما اشرت اليه عرفت الفرق بين العفو والمغفرة انتهى كلامه. وفى التأويلات النجمية {الا من تاب} عن عبادة الدنيا وهوى النفس {وآمن} بكرامات وكمالات اعدها الله لعباده الصالحين مما لاعين رأت ولا اذن سمعت ولاخطر على قلب بشر {وعمل عملا صالحا} لتبليغه الى تلك الكمالات وهو الاعراض عما سوى الله بجملته والاقبال على الله بكليته رجاء عواطف احسانه كما قيل لبعضهم كلى بكلك مشغول فقال كلى لكلك مبذول ولعمرى هذا هو الاكسير والاعظم الذى ان طرح ذرة منه على قدر الارض من نحاس السيآت تبدلها ابريز الحسنات الخالصة كما قال تعالى اخبارا عن اهل هذا الاكسير {فاولئك يبدل الله سيآتهم حسنات} كما يبدل الاكسير النحاس ذهبا انتهى، يقول الفقير لاشك عند اهل الله تعالى فى انقلاب الاعيان واستحالتها ألا ترى الى انحلال مزاج المادة الاصلية الى غيرها فى العالم الصناعى فاذا انحل المزاج واستحالت المادة الى الصورة الهيولانية صلحت لان يولد الحكيم منها انسان الفلاسفة، قال الامام الجلدكى الارض تستحيل ماء والماء يستحيل هواء والهواء يستحيل نارا وبالعكس النار تستحيل هواء والهواء ماء والماء يستحيل ارضا والعناصر يتسحيل بعضها الى بعض مع ان كل عنصر من العناصر ممتزج من طبيعتين فاعلة ومنفعلة فهذا برهان واضح على انحلال المزاج الى غيره فى الاصول، واما فى الفصول فان الارض تستحيل نباتا والنبات يستحيل حيوانا فوقف الفاضل ابن سينا وقال ان الحيوان لايستحيل اللهم الا ان يفسد الى عناصره ويرجع الى طبائعه فنقول ان الارض والماء اذا لم يفسدا فى الصورة عن كيانهما لما استحالا نباتا والنبات اذا لم يفسد عن كياله لما استحال حيوانا فكيف خفى عليه ان النبات والحيوان يفسدان بالطبخ ويصيران للانسان غذاء وينحل مزاجهما الى الكيموس الغذائى ويصيران فى جوف الانسان دما ويستحيل الدم بالحركة الشوقية بين الذكر والانثى فيصير منيا ثم جنينا ثم انسانا وكذلك جسد الانسان بعد فساده يمكن ان يصير نباتا ويستحيل الى حيوانات شتى مثل الديدان وغيرها ويستحيل الجميع حتى العظام الرفات الى ان تقبل التكوين اذا شربت ماء الحياة وانما الاجزاء الجسدانية للانسان محفوظة معلومة عند الله وان استحالت من صفة الى صفة وتبدلت من حالة الى حالة وانحل مزاج كل منها الى غيره الا ان روحه وعقله ونفسه وذاته الباطنة باقية فى برزخها: قا الحافظ شعر : دست ازمس وجود جومردان ره بشوى تاكيمياى عشق بيابى وزر شوى تفسير : {وكان الله غفورا} ولذلك بدل السيآت حسنات {رحيما} ولذلك اثاب على الحسنات.
الجنابذي
تفسير : {إِلاَّ مَن تَابَ} بالتّوبة العامّة النّبويّة على يد نبىٍّ (ص) او خليفة نبىٍّ (ص) {وَآمَنَ} اى قبل احكام الاسلام بالبيعة العامّة {وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً} بالتّوبة الخاصّة الولويّة وقبول الدّعوة الباطنة والبيعة الخاصّة الولويّة فانّه لا صلاح لعمل الاّ بالولاية الحاصلة بالبيعة الولويّة وقبول الدّعوة الباطنة، او التّوبة كناية عن الاسلام المشتمل على التّوبة والبيعة العامّة، وآمن كناية عن البيعة الخاصّة الّتى بها يحصل الايمان الخاصّ، والعمل الصّالح عبارة عن العمل بما اخذ عليه فى ميثاقه الّذى هو المراد بالوفاء بعهدالله، والحاصل انّه لا بدّ من اخذ الايمان الخاصّ والبيعة الولويّة فى المستثنى حتّى يصحّ ترتّب تبديل السّيّئات حسناتٍ عليه، لانّ ذلك ليس الاّ لمن تولّى عليّاً (ع) كما مضى مكرّراً تصريحاً وتلويحاً {فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} قد مضى منّا مكرّراً انّ كلّ فعل من الانسان يوجب فعليّة لنفسه وكلّ فعليّة اذا لم تكن مسخّرة للعقل كانت مسخّرة للشّيطان والنّفس، وكلّ فعليّة مسخّرة للشّيطان كانت سيّئة النّفس، واذا تاب الانسان ودخل تحت حكم العقل بواسطة ولىّ الامر يصير جيمع فعليّاته مسخّرة تحت العقل وكلّ فعليّة مسخّرة تحت العقل تكون حسنة النّفس وهذا هو معنى تبديل السّيّئات حسناتٍ، كما انّ محو السّيّئات وتكفيرها وغفرانها عبارة عن ازالة حدودها بلا تعمّلٍ او بتعمّلٍ وستر حدودها فالتّائب على يد علىّ (ع) ان كان لنفسه فعليّة مسّخرة للشّيطان تبدّل تلك الفعليّة بمعنى ان تجعل تلك الفعليّة مسخّرة للرّحمن، وان كان لنفسه نقائص وحدود تزال تلك الحدود ان كانت يجوز زوالها بتفاوت الزّوال بالتّعمّل وعدمه والاّ تغفر وتستر {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً} يعنى يغفر له ما لم يبدّل ولم يزل من الحدود الّلازمة لوجوده {رَّحِيماً} يتفضّل عليه برحمته بعد التّبديل والغفران.
اطفيش
تفسير : {إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمَلَ عَمَلاً صَالِحَاً} اي تاب من الشرك واخلص الايمان لله وعمل الطاعات "حديث : وعن ابن عباس قرأناها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سنين {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر} الآية ثم نزل {الا من تاب} فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم قط فرح بشيء مثلما فرح بها وفرح بـ{إنا فتحنا لك فتحا مبينا}" تفسير : الآية. وعنه قتل علي وحمزة رضي الله عنه يوم بدر المطعم بن عدي وطعيمه بن عدي بعد ما نزل بمكة {أية : والذين لا يدعون مع الله إلها}تفسير : مهانا ولما تجهز المسلمون إلى احد قال جبير بن مطعم من قتل عليا أو حمزة أو محمدا فله مائة من الابل ان كان حرا وان كان عبدا فمن مالي وقتل وحشي حمزة ونقر بطنه ونزع كبده وجدع انفه واذنيه وقطع مذاكره فانطلق بكبده إلى مكة فقال لجبير هذه كبدة حمزة فاعتقني فابى فكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله هل لي من توبة؟ فان الله انزل ما يؤنس من كل خير {أية : والذين لا يدعون مع الله}تفسير : وقد دعوت {أية : ولا تقتلوا}تفسير : إلى آخره وقد قتلت حمزة {أية : ولا يزنون}تفسير : وقد فعلت؟ فهل لي توبة؟ فانزل {إِلاَّ مَنْ تَابَ وَعِمَل صَالِحِاً}. {فَأُوْلَئِكَ} مراعاة لمعنى من * {يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} فهذه الآية مدنية. قيل: بدل الله لهم بالشرك ايمانا وبالفجور العفاف فقال وحشي: هذا شرط شديد لعلي لا أفي به ولعلي لا ابقى بعد التوبة حتى اعمل صالحا فكتب فهل لي من توبة اوسع من ذلك فانزل الله سبحانه {أية : إن الله لا يغفر أَن يشرك به}تفسير : الخ فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بها إليه فقال: اني اخاف ان لا اكون من اهل مشيئته فانزل الله {أية : قل يا عبادي الذين اسرفوا} تفسير : فبعث بها إليه فاسلم ولما ارتد الناس في خلافة ابي بكر رضي الله عنه بعث خالدا إلى أهل الردة من اليمامة فخرج وحشي معه فقتل مسيلمة وقال قتلت خير الناس غير رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتلت شر الناس مسيلمة لعل الله يجعل هذا بهذا. والظاهر ان الاستثناء متصل. واختار الصفاقصي انه منقطع اي لكن من تاب الخ. قالت العلماء ان الله يبدل مكان كل سيئة حسنة زيادة على ما عمل من حسنات بعد التوبة. وعن بعضهم ضاعف العذاب على المشركين لانضمام المعصية إلى الشرك فاذا تابوا وآمنوا وعملوا الصالحات محا سوابق معاصيهم بالتوبة واثبت مكانهم لواحق طاعتهم. وقيل: التبديل ان يجعل في قلوبهم قوة راسخة في الطاعة بعد ما كانت فيها قوة راسخة في المعصية. وقيل: ان يوفقه إلى اضداد ما سلف منه وذلك كله لكمال غفرانه ورحمته. {وَمَنْ تَابَ} عن المعاصي بتركها والندم عليها وذلك خروج عنها. {وَعَمِلَ صَالِحاً} في مقابلة تفريطه وذلك هو دخول في الطاعة ولا اجر ولا مدح لمن ترك المعاصي بلا ندم وعمل صالحا عندنا واجاز بعضهم تركها بلا ندم عنها ولا تمن لها وانه ان عمل صالحا ثبت عليه. {فإَنَّهُ يَتُوبُ} يرجع بذلك وكان مستقبلا لان الشرط مستقبل معنى {إِلَى اللَّهِ مَتَاباً} عظيما مقبولا مكفرا للخطايا محصلا للثواب ومثاب مصدر ميمي كهو محط الكلام أو المعنى فانه يتوب متابا لله الذي يعرف حق التائب ويحبه ويصطنع به وفي كلام بعض العرب الله افرح اي ارضى بتوبة العبد من المضل الواحد اي ممن اضل راحلته مثلا اي فقدها ثم وجدها والظمآن الوارد والعقيم الوالد فمحط الكلام قوله ان الله او المعنى انه يرجع إلى الله وثوابه مرجعا حسنا واي مرجع أو المعنى يرجع إليه رجوعا فيجازيه خيرا. وعن بعضهم انما تقدم في كافر {آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً} وهذا بخلاف الثاني فانه عام وعلى هذا يكون تعميما بعد تخصيص. وزعم بعضهم ان قوله {وَمَن تَابَ} انما هو في التوبة عن الشرك وقوله {وَعَمِلَ صَالِحاً} معناه ادى الفرائض ولم يزن ولم يقتل بعد الايمان وقواه {فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً} معناه يعود إليه بعد الموت عودا حسنا يفضل على غيره من قتل وزنا وتاب فالتوبة في ومن تاب توبة عن الشرك وفي يتوب الخ رجوع إلى الله للجزاء وان قوله {إلاَّ مَن تَابَ} الخ اريد فيه التوبة عن الزنا والقتل. وقيل: المعنى من اراد التوبة وعزم عليها فليتب فان باب التوبة مفتوح فقوله انه يتوب الخ في لفظ الخبر في معنى الامر. وقيل: المعنى فليعلم ان مصيره إلى الله سبحانه. وروى قومنا ان آخر رجل يخرج من النار رجل يؤتى به يوم القيامة فيقال اعرضوا عليه صغار ذنوبه وارفعوا عنه كبائرها فتعرض عليه صغائرها ولا ينكر واشفق ان تعرض عليه كبائرها فيقال له: ان لك مكان كل سيئة حسنة فيقول يا رب قد عملت اشياء لا اراها هنا قال الراوي: وهو ابو ذر فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك حتى بدت نواجذه قلنا هذا افتراء منه عن ابي ذر ورسول الله صلى الله عليه وسلم معاً كما يدل عليه تنافر الحديث فانه ان قيل ذلك قيل دخول النار فكيف يدخلها بعد وقد لطف به وابدلت له كل سيئة حسنة وبشر بذلك ولم تعرض عليه سيئاته الكبار. وان قيل له ذلك بعد الدخول والخروج فكيف تعرض عليه ذنوبه بعد الخروج اعراضا بعد اعراض المحشر فهذان اعراضان اما متوافقان أو مختلفان بان تعرض عليه صغاره وكباره بالمحشر وكباره فقط فكيف يعرض عليه صغارها وحدها بعد او اعراضا لم يسبقه اعراض فيلزم ادخال المؤمن المبدل سيئاته حسنات النار بغير حساب فان كان التبديل قبل الدخول فكيف يدخلها وقد بدلت له حسنات وان كان بعدها فباطل لان الله لا تبدو له البدوات.
اطفيش
تفسير : {إلاَّ مَنْ تابَ} مما فعل من ذلك {وآمنَ} بالله ورسوله، وكل ما يجب الايمان به بلا ضمان ان كان مشركا، وبضمان وتنصل وقضاء، إن كان موحداً {وَعَمِل عملاً صالحاً} أداء الفرائض التى هى فعل أو ترك، وأن تنفل فزيادة خير له، والآية على التوزيع، فان الأيمان عائد على المشرك، أو يفسر الايمان بالداومة عليه من مشرك أو مؤمن، وقد فسرت المضاعفة بالشدة، لا بكون الشىء على قدرى الآخر أو أكثر، فشملت عذاب المشرك الذى هو اضعاف عذاب الفاسق {فأولئك} الذين، تابوا وآمنوا وعملوا الصالح، وكأنه قيل: ان قيل فما لهم فأولئك {يُبدل الله سيِّئَاتِهم حَسَناتٍ} يعطيهم الله بعدد سيئاتهم التى تابُوا منها ثواباً قدر ثواب طاعة فعلوها، أو على توبته من الزنى حسنة من دعته نفسه الى الزنى، فتركه لله، أو حسنات كثيرة على ذلك الترك، وقس على هذا يعطون ذلك يوم القيامة، أو توجد مكتوبة بدل كل سيئة ممحوة، أو تبقى مكتوبة فتقابل بها وهو الأصل. وعن أبى ذر رضى الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يؤتى بالرجل يوم القيامة فتعرض عليه ذنوبه وينحى عنه كبارها، أى ما يستعظمه منها، فيقال له: عملت كذا وكذا يوم كذا وكذا، ولا ينكر وهو مشفق أن تذكر له كبارها فيقال: أعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة فيقول: إنَّ لى ذنوباً لم أراها هنا" تفسير : ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجده، وهو فى صحيح مسلم، ومثل حديث أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم: حديث : ليأتين ناس يوم القيامة ودّوا أنهم استكثروا من السيئات قيل: من هم؟ قال الذين {يبدل الله سيئاتهم حسنات} تفسير : وأنكر ذلك أبو العالية، وعبد بن حميد ظناً أنه مناف لقوله تعالى: {وما عملت من سوء تود} الخ، وليس كذلك؟ فان هذه الآية استثناء من عموم تود الخ للتائبين أو تود لو أن بينها قبل الوقوف على التبديل، ثم تبدل، وقيل التبديل فى الدنيا بأن يوفقهم الله إلى فعل الحسنات، بدل فعلهم السيئات، أو يبدل لهم من دواعى السيئات دواعى الحسنات فى قلوبهم، وقيل: يجعل بدل عقابهم فى الآخرة بالسيئات ثوابهم فيها بالحسنات إذ تابوا، فأطلق السيئات والحسنات على مسببهما ولازمهما. {وكان الله غفوراً رحيماً * ومن تابَ وعمِلَ صالحاً} كرره ليرتب عليه قوله: {فإِنَّه يتُوب إلى الله متَاباً} رجوعاً عظيماً ماحيا للعقاب، محصلا للثواب، فقد اشتمل الجواب على ما لم يشتمل عليه الشرط.
الالوسي
تفسير : {إِلاَّ مَن تَابَ وَءامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَـٰلِحاً} فإن استثناء المؤمن يدل على اعتبار الكفر في المستثنى منه. وأورد عليه أن تكرر لا النافية يفيد نفي كل من تلك الأفعال بمعنى لا يوقعون شيئاً منها فيكون {أية : وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ }تفسير : [الفرقان: 68] بمعنى ومن يفعل شيئاً من ذلك ليتحد مورد الإثبات والنفي فلا دلالة على الانضمام، والمستثنى من جمع بين ما ذكر من الإيمان والتوبة والعمل الصالح فيكون المستثنى منه غير جامع لها، فلعل الجواب أن المضاعفة بالنسبة إلى عذاب ما دون المذكورات. وتعقب بأن الجواب المذكور لا بعد فيه وإن لم يذكر ما دونها إلا أن الإيراد ليس بشيء لأن الكلام تعريض للكفرة ومن يفعل شيئاً من ذلك منهم فقد ضم معصيته إلى كفره ولو لم يلاحظ ذلك على ما اختاره لزم أن من ارتكب كبيرة يكون مخلداً ولا يخفى فساده عندنا، وما ذكر من اتحاد مورد الإثبات والنفي ليس بلازم. ثم إن في الكلام قرينة على أن المستثنى منه من جمع بين أضدادها كما علمت ولذا جمع بين الإيمان والعمل الصالح مع أن العمل مشروط بالإيمان فذكره للإشارة إلى انتفائه عن المستثنى منه ولذا قدم التوبة عليه، ويحتمل أن تقديمها لأنها تخلية، وقال بعضهم: ليس المراد بالمضاعفة المذكورة ضم قدرين متساويين من العذاب كل منهما بقدر ما تقتضيه المعصية بل المراد لازم ذلك وهو الشدة فكأنه قيل: ومن يفعل ذلك يعذب عذاباً شديداً ويكون ذلك العذاب الشديد جزاء كل من تلك الأفعال ومماثلاً له، والقرينة على المجاز قوله تعالى: {أية : وَمَن جَاء بِٱلسَّيّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا }تفسير : [الأنعام: 160] ونحوه، ويراد من الخلود المكث الطويل الصادق بالخلود الأبدي وغيره، ويكون لمن أشرك باعتبار فرده الأول، ولمن ارتكب إحدى الكبيرتين الأخيرتين باعتبار فرده الآخر وهو كما ترى، ومثله ما قيل من أن المضاعفة لحفظ ما تقتضيه المعصية فإن الأمر الشديد إذا دام هان. هذا والظاهر أن الاستثناء متصل على ما هو الأصل فيه، وقال أبو حيان: الأولى عندي أن يكون منقطعاً أي لكن من تاب الخ لأن المستثنى منه على تقدير الاتصال محكوم عليه بأنه يضاعف له العذاب فيصير التقدير إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فلا يضاعف له العذاب، ولا يلزم من انتفاء التضعيف لقاء العذاب غير المضعف، وفيه إن قوله تعالى الآتي: {فَأُوْلَـئِكَ } الخ احتراس لدفع توهم ثبوت أصل العذاب بإفادة أنهم لا يلقونه أصلاً على أكمل وجه، وقيل أيضاً في ترجيح الانقطاع: إن الاتصال مع قطع النظر عن إيهامه ثبوت أصل العذاب بل وعن إيهامه الخلود غير مهان يوهم أن مضاعفة العمل الصالح شرط لنفي الخلود مع أنه ليس كذلك. ثم أية ضرورة تدعو إلى أن يرتكب ما فيه إيهام ثم يتشبث بأذيال الاحتراس، على أن الظاهر أن يجعل (من) مبتدأ والجملة المقرونة بالفاء خبره وقرنت بذلك لوقوعها خبراً عن الموصول كما في قولك: الذي يأتيني فله درهم، وأنا أميل لما مال إليه أبو حيان لمجموع ما ذكر، وذكر الموصوف في قوله سبحانه: {وَعَمِلَ عَمَلاً صَـٰلِحاً } مع جريان الصالح والصالحات مجرى الاسم للاعتناء به والتنصيص على مغايرته للأعمال السابقة. {فَأُوْلَـئِكَ } إشارة إلى الموصول، والجمع باعتبار معناه كما أن الإفراد في الأفعال الثلاثة باعتبار لفظه أي فأولئك الموصوفون بالتوبة والإيمان والعمل الصالح. {يُبَدّلُ ٱللَّهُ } في الدنيا {سَيّئَاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍ } بأن يمحو سوابق معاصيهم بالتوبة ويثبت مكانها لواحق طاعاتهم كما يشير إلى ذلك كلام كثير من السلف، وقيل: المراد بالسيئات والحسنات ملكتهما لأنفسهما أي يبدل عز وجل بملكة السيئات ودواعيها في النفس ملكة الحسنات بأن يزيل الأولى ويأتي بالثانية، وقيل: هذا التبديل في الآخرة، والمراد بالسيئات والحسنات العقاب والثواب مجازاً من باب إطلاق السبب وإرادة المسبب، والمعنى يعفو جل وعلا عن عقابهم ويتفضل سبحانه عليهم بدله بالثواب، وإلى هذا ذهب القفال والقاضي، وعن سعيد بن المسيب وعمرو بن ميمون ومكحول أن ذلك بأن تمحى السيئات نفسها يوم القيامة من صحيفة أعمالهم ويكتب بدلها الحسنات، واحتجوا بالحديث الذي رواه مسلم في «الصحيح» عن أبـي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه وينحى عنه كبارها فيقال: عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا وهو يقر لا ينكر وهو مشفق من الكبائر فيقال: أعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة فيقول: إن لي ذنوباً لم أرها هنا قال: ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه»تفسير : ، ونحو هذا ما أخرجه ابن أبـي حاتم. وابن مردويه عن أبـي هريرة قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام «حديث : ليأتين ناس يوم القيامة ودوا أنهم استكثروا من السيئات قيل: من هم؟ قال صلى الله عليه وسلم الذين يبدل الله تعالى سيئاتهم حسنات» تفسير : ويسمى هذا التبديل كرم العفو، وكأنه لذلك قال أبو نواس:شعر : تعض ندامة كفيك مما تركت مخافة الذنب السرورا تفسير : ولعل المراد أنه تغفر سيئاته ويعطى بدل كل سيئة ما يصلح أن يكون ثواب حسنة تفضلاً منه عز وجل وتكرماً لا أنه يكتب له أفعال حسنات لم يفعلها ويثاب عليها، وفي كلام أبـي العالية ما هو ظاهر في إنكار تمني الاستكثار من السيآت، فقد أخرج عبد بن حميد عنه أنه قيل له: إن أناساً يزعمون أنهم يتمنون أن يستكثروا من الذنوب فقال: ولم ذلك؟ فقيل: يتأولون هذه الآية {فَأُوْلَـئِكَ يُبَدّلُ ٱللَّهُ سَيّئَاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍ } وكان أبو العالية إذا أخبر بما لا يعلم قال: آمنت بما أنزل الله تعالى من كتابه فقال ذلك ثم تلا هذه الآية {أية : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوء تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَا بَعِيداً} تفسير : [آل عمران: 30] وكأنه ظن أن ما تلاه مناف لما زعموه من التمني، ويمكن أن يقال: إن ما دلت عليه تلك الآية يكون قبل الوقوف على التبديل والله تعالى أعلم. {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً } اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله.
ابن عاشور
تفسير : الاستثناء من العموم الذي أفادته {مَن} الشرطية في قوله: {أية : ومَن يفعل ذلك}تفسير : [الفرقان: 68]. والتقدير: إلاّ مَن تاب فلا يضاعف له العذاب ولا يخلد فيه، وهذا تطمين لنفوس فريق من المؤمنين الذين قد كانوا تلبسوا بخصال أهل الشرك ثم تابوا عنها بسبب توبتهم من الشرك، وإلا فليس في دعوتهم مع الله إلهاً آخر بعد العنوان عنهم بأنهم عباد الرحمٰن ثناءٌ زائد. وفي «صحيح مسلم»: عن ابن عباس «أن ناساً من أهل الشرك قَتلوا فأكثروا وزَنَوا فأكثروا، فأتوا محمداً صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لَحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارةً فنزلت: {أية : والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر}تفسير : [الفرقان: 68] الآية، والمعنى: أنه يعفى عنه من عذاب الذنوب التي تاب منها، ولا يخطر بالبال أنه يعذب عذاباً غير مضاعف وغيرَ مخلَّد فيه، لأن ذلك ليس من مجاري الاستعمال العربي بل الأصل في ارتفاع الشيء المقيَّد أن يقصد منه رفعه بأسره لا رفع قيوده، إلاّ بقرينة. والتوبة: الإقلاع عن الذنب، والندمُ على ما فرط، والعزم على أن لا يعود إلى الذنب، وإذْ كان فيما سَبق ذكرُ الشرك فالتوبة هنا التلبس بالإيمان، والإيمان بعد الكفر يوجب عدم المؤاخدة كما اقترفه المشرك في مدة شركه كما في الحديث «حديث : الإسلام يجُبّ ما قبله»تفسير : ، ولذلك فعطف {وآمن} على {من تاب} للتنويه بالإيمان، وليبنى عليه قوله: {وعمل عملاً صالحاً} وهو شرائع الإسلام تحريضاً على الصالحات وإيماء إلى أنها لا يعتد بها إلا مع الإيمان كما قال تعالى في سورة البلد (17) {أية : ثم كان من الذين آمنوا}تفسير : ، وقال في عكسه {أية : والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً}تفسير : [النور: 39]. وقتل النفس الواقع في مدة الشرك يجبُّه إيمان القاتل لأجل مزية الإيمان، والإسلام يجُبّ ما قبله بلا خلاف، وإنما الخلاف الواقع بين السلف في صحة توبة القاتل إنما هو في المؤمن القاتل مؤمناً متعمداً. ولما كان مما تشمله هذه الآية لأن سياقها في الثناء على المؤمنين فقد دلت الآية على أن التوبة تمحو آثام كل ذنب من هذه الذنوب المعدودة ومنها قتل النفس بدون حقّ وهو المعروف من عمومات الكتاب والسنة. وقد تقدم ذلك مفصلاً في سورة النساء (93) عند قوله تعالى: {أية : ومَن يقتُل مؤمناً متعمّداً}تفسير : الآية. وفُرع على الاستثناء الذين تابوا وآمنوا وعملوا عَملاً صالحاً أنهم يبدل الله سيئاتهم حسنات، وهو كلام مسوق لبيان فضل التوبة المذكورة التي هي الإيمان بعد الشرك لأن {من تاب} مستثنىٰ مِن {أية : مَنْ يَفْعَلْ ذلك}تفسير : [الفرقان: 68] فتعيّن أن السيئات المضافة إليهم هي السيئات المعروفة، أي التي تقدم ذكرها، الواقعةُ منهم في زمن شركهم. والتبديل: جعل شيء بَدَلاً عن شيء آخر، وتقدم عند قوله تعالى: {أية : ثم بَدَّلْنا مكان السيئة الحسنة}تفسير : في سورة الأعراف (95)، أي يجعل الله لهم حسنات كثيرة عوضاً عن تلك السيئات التي اقترفوها قبل التوبة وهذا التبديل جاء مجملاً وهو تبديل يكون له أثر في الآخرة بأن يعوضهم عن جزاء السيئات ثوابَ حسنات أضدادِ تلك السيئات، وهذا لفضل الإيمان بالنسبة للشرك ولفضل التوبة بالنسبة للآثام الصادرة من المسلمين. وبه يظهر موقع اسم الإشارة في قوله: {فأولئك} المفيد التنبيه على أنهم أحرياء بما أخبر عنهم به بعد اسم الإشارة لأجل ما ذكر من الأوصاف قبل اسم الإشارة، أي فأولئك التائبون المُؤمنون العاملون الصالحات في الإيمان يبدّل الله عقاب سيئاتهم التي اقترفوها من الشرك والقتل والزنا بثواب. ولم تتعرض الآية لمقدار الثواب وهو موكول إلى فضل الله، ولذلك عُقب هذا بقوله: {وكان الله غفوراً رحيماً} المقتضي أنه عظيم المغفرة.
د. أسعد حومد
تفسير : {َآمَنَ} {صَالِحاً } {فَأُوْلَـٰئِكَ} {حَسَنَاتٍ} (70) - إلا مَنْ تَابَ في الدُّنْيا، وأخْلَصَ التوبةَ وهوَ مُؤْمنٌ، وقدْ عَمِلَ الصالحاتِ، ورجَعَ إلى رَبِّهِ مُسْتَغْفِراً مُنِيباً، فإنَّ اللهَ تَعالى يتوبُ عليه، ويُحْسِنُ عاقِبَتَهُ، (وفي ذلك دَلالةٌ على صِحَّةِ توبةِ القَاتل)، وهؤلاءِ هُمُ المُؤمنونَ، كانُوا قبلَ إيْمَانِهِمْ يَعْمَلُونَ السَّيّئاتِ، فَحَوَّلَهُمُ اللهُ تَعالى إلى الحَسَناتِ، وأبْدَلَهُمْ مَكَانَ السَّيئاتِ الحَسَنَاتِ، واللهُ غفورٌ لذُنُوبِ عِبادِه، رَحيمٌ بِهمْ. (وقيلَ بلْ مَعْنَاهُ: إِنَّ السَّيئاتِ السَّابِقةَ تَنْقلبُ بِنَفْسِ التَّوبَةِ إلى حَسَناتٍ).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : فربُّكم كريم ورحيم، إنْ تُبتْم تاب عليكم وقَبِلكم، فإنْ قدَّمْتُم العمل الصالح واشتدّ ندمكم على ما فات منكم من معصية يُبدِّل سيئاتكم حسنات. وللتوبة أمران: مشروعيتها من الله أولاً، وقبولها من صاحبها ثانياً، فتشريعها فَضْل، وقبولها فَضْل آخر؛ لذلك يقول سبحانه: {أية : ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ ..}تفسير : [ التوبة: 118] والمعنى: تاب عليهم بأنْ شرَّع لهم التوبة حتى لا يستحُوا من الرجوع إلى الله. وقوله تعالى: {إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً ..} [الفرقان: 70] تاب وآمن لمن عمل معصية تُخرجه عن الإيمان، فالعاصي لم يقارف المعصية إلا في غفلة عن إيمانه، كما جاء في الحديث الشريف: "حديث : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ". تفسير : ولو استحضر العاصي جلالَ ربه ما عصاه، ولتضخمتْ عنده المعصية فانصرف عنها، وما دام قد غاب عنه إيمانه فلا بُدَّ له من تجديده، ثم بعد ذلك يُوظِّف هذا الإيمان في العمل الصالح. {إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً ..} [الفرقان: 70] فالجزاء {فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ..} [الفرقان: 70] وليس المراد أن السيئة تُبدَّل فتصير حسنة مباشرة، إنما يرفع العبد السيئة ويحل محلها التوبة، وبعد التوبة يضع الله له الحسنة. وقد أطمعتْ رحمة الله ومغفرته بعض الناس، حتى قال الشاعر: شعر : مَوْلاَي إنِّي قَدْ عصيتُكَ عَامِداً لأراكَ أجملَ ما تكُون غَفُوراً وَلَقْد جنيْتُ مِنَ الذُّنُوبِ كبَارَهَا ضَنّاً بعفْوِك أنْ يكُونَ صَغِيراً تفسير : حتى وصل الحال ببعضهم أنْ يستكثر من السيئة طمعاً في أن تُبدَّل حسنات، لكن مَنْ يضمن له أن يعيش إلى أنْ يتوب، أو أنه إنْ تاب قَبِل الله منه؟ والعلة النفسية التي تكلَّم عنها العلماء في هذه المسألة أن الذي ابتعد عن المعصية فلم يقع في شراكها لم يدرك لذة الشهوة، فلا تَأْتِي على باله، أمّا مَنْ خاض فيها، وذاق لذتها، وأسرف فيها على نفسه فيعاني كثيراً حينما يحجز نفسه وينأى به عن معصية الله، فهذه المعاناة هي التي جعلتْ له هذه المنزلة.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} معناه يَجعلَ ذَلكَ فِي الدّنيا بالشّركِ إيماناً وإخلاصاً. وبالسَّيءِ مَن العَملِ، الصَّالحَ منهُ. وبالفجورِ عَفافاً وإحصاناً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):