Verse. 2927 (AR)

٢٥ - ٱلْفُرْقَان

25 - Al-Furqan (AR)

وَالَّذِيْنَ لَا يَشْہَدُوْنَ الزُّوْرَ۝۰ۙ وَاِذَا مَرُّوْا بِاللَّغْوِ مَرُّوْا كِرَامًا۝۷۲
Waallatheena la yashhadoona alzzoora waitha marroo biallaghwi marroo kiraman

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«والذين لا يشهدون الزور» أي الكذب والباطل «وإذا مرّوا باللغو» من الكلام القبيح وغيره «مروا كراما» معرضين عنه.

72

Tafseer

الرازي

تفسير : الصفة السابعة فيه مسائل: المسألة الأولى: الزور يحتمل إقامة الشهادة الباطلة، ويكون المعنى أنهم لا يشهدون شهادة الزور فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ويحتمل حضور مواضع الكذب كقوله تعالى: { أية : فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ } تفسير : [الأنعام: 68] ويحتمل حضور كل موضع يجري فيه ما لا ينبغي ويدخل فيه أعياد المشركين ومجامع الفساق، لأن من خالط أهل الشر ونظر إلى أفعالهم وحضر مجامعهم فقد شاركهم في تلك المعصية، لأن الحضور والنظر دليل الرضا به، بل هو سبب لوجوده والزيادة فيه، لأن الذي حملهم على فعله استحسان النظارة ورغبتهم في النظر إليه، وقال ابن عباس رضي الله عنهما المراد مجالس الزور التي يقولون فيها الزور على الله تعالى وعلى رسوله، وقال محمد بن الحنفية الزور الغناء، واعلم أن كل هذه الوجوه محتملة ولكن استعماله في الكذب أكثر. المسألة الثانية: الأصح أن اللغو كل ما يجب أن يلغى ويترك، ومنهم من فسر اللغو بكل ما ليس بطاعة، وهو ضعيف لأن المباحات لا تعد لغواً فقوله: {وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ } أي بأهل اللغو. المسألة الثالثة: لا شبهة فى أن قوله: {مَرُّواْ كِراماً } معناه أنهم يكرمون أنفسهم عن مثل حال اللغو وإكرامهم لها لا يكون إلا بالإعراض وبالإنكار وبترك المعاونة والمساعدة، ويدخل فيه الشرك واللغو في القرآن وشتم الرسول، والخوض فيما لا ينبغي وأصل الكلمة من قولهم ناقة كريمة إذا كانت تعرض عند الحلب تكرماً، كأنها لا تبالي بما يحلب منها للغزارة، فاستعير ذلك للصفح عن الذنب، وقال الليث يقال تكرم فلان عما يشينه إذا تنزه وأكرم نفسه عنه ونظير هذه الآية قوله: { أية : وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَا أَعْمَـٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَـٰلُكُمْ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِى ٱلْجَـٰهِلِينَ } تفسير : [القصص: 55] وعن الحسن لم تسفههم المعاصي وقيل إذا سمعوا من الكفار الشتم والأذى أعرضوا، وقيل إذا ذكر النكاح كنوا عنه.

القرطبي

تفسير : فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ} أي لا يحضرون الكذب والباطل ولا يشاهدونه. والزور كل باطل زُوّر وزُخرِف، وأعظمه الشرك وتعظيم الأنداد. وبه فسر الضحاك وابن زيد وابن عباس. وفي رواية عن ابن عباس أنه أعياد المشركين. عِكرمة: لعبٌ كان في الجاهلية يسمى بالزور. مجاهد: الغناء؛ وقاله محمد بن الحنفية أيضاً. ابن جُريج: الكذب؛ وروي عن مجاهد. وقال عليّ بن أبي طلحة ومحمد بن عليّ: المعنى لا يشهدون بالزور، من الشهادة لا من المشاهدة. قال ابن العربي: أما القول بأنه الكذب فصحيح، لأن كل ذلك إلى الكذب يرجع، وأما من قال إنه لعِبٌ كان في الجاهلية فإنه يحرم ذلك إذا كان فيه قمار أو جهالة، أو أمر يعود إلى الكفر، وأما القول بأنه الغناء فليس ينتهي إلى هذا الحد. قلت: من الغناء ما ينتهي سماعه إلى التحريم، وذلك كالأشعار التي توصف فيها الصور المستحسنات والخمر وغير ذلك مما يحرك الطباع ويخرجها عن الاعتدال، أو يثير كامناً من حب اللهو؛ مثل قول بعضهم:شعر : ذهبيّ اللون تحسب من وجنتيه النار تُقتدَحُ خوّفوني من فضيحته ليته وافى وأفتضِحُ تفسير : لا سيما إذا اقترن بذلك شبّابَات وطارات مثل ما يفعل اليوم في هذه الأزمان، على ما بيناه في غير هذا الموضع. وأما من قال إنه شهادة الزور؛ وهي: الثانية: فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يجلد شاهد الزور أربعين جلدة، ويسخّم وجهه، ويحلق رأسه، ويطوف به في السوق. وقال أكثر أهل العلم: ولا تقبل له شهادة أبداً وإن تاب وحسنت حاله فأمره إلى الله. وقد قيل: إنه إذا كان غير مبرَّز فحسنت حاله قبلت شهادته حسبما تقدّم بيانه في سورة «الحج» فتأمله هناك. قوله تعالى: {وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً} قد تقدّم الكلام في اللغو، وهو كل سقط من قول أو فعل؛ فيدخل فيه الغناء واللهو وغير ذلك مما قاربه، ويدخل فيه سفه المشركين وأذاهم المؤمنين وذكر النساء وغير ذلك من المنكر. وقال مجاهد: إذا أوذوا صفحوا. وروي عنه: إذا ذكر النكاح كنُّوا عنه. وقال الحسن: اللغو المعاصي كلها. وهذا جامع. و{كِرَاماً} معناه معرضين منكرين لا يرضَونه، ولا يمالؤون عليه، ولا يجالسون أهله. أي مروا مرّ الكرام الذين لا يدخلون في الباطل. يقال: تكرم فلان عما يشينه، أي تنزّه وأكرم نفسه عنه. ورويحديث : أن عبد الله بن مسعود سمع غناء فأسرع وذهب، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «لقد أصبح ابن أمّ عبدٍ كريماً»تفسير : . وقيل: من المرور باللغو كريماً أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.

ابن كثير

تفسير : وهذه أيضاً من صفات عباد الرحمن أنهم لا يشهدون الزور، قيل: هو الشرك وعبادة الأصنام، وقيل: الكذب والفسق والكفر واللغو والباطل، وقال محمد بن الحنفية: هو اللغو والغناء. وقال أبو العالية وطاوس وابن سيرين والضحاك والربيع بن أنس وغيرهم: هي أعياد المشركين. وقال عمرو بن قيس: هي مجالس السوء والخنا. وقال مالك عن الزهري: شرب الخمر، لا يحضرونه ولا يرغبون فيه؛ كما جاء في الحديث: «حديث : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر» تفسير : وقيل: المراد بقوله تعالى: {لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ} أي: شهادة الزور، وهي الكذب متعمداً على غيره؛ كما في "الصحيحين" عن أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟» تفسير : ثلاثاً، قلنا: بلى يا رسول الله. قال: «حديث : الشرك بالله، وعقوق الوالدين» تفسير : وكان متكئاً، فجلس فقال: «حديث : ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور» تفسير : فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. والأظهر من السياق أن المراد لا يشهدون الزور، أي: لا يحضرونه، ولهذا قال تعالى: {وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِراماً} أي:: لا يحضرون الزور، وإذا اتفق مرورهم به، مروا ولم يتدنسوا منه بشيء، ولهذا قال: {مَرُّواْ كِراماً}. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سيعد الأشج، حدثنا أبو الحسن العجلي عن محمد بن مسلم، أخبرني إبراهيم بن ميسرة: أن ابن مسعود مر بلهو فلم يقف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لقد أصبح ابن مسعود وأمسى كريماً» تفسير : وحدثنا الحسين بن محمد بن سلمة النحوي، ثنا حبان، أخبرنا عبد الله، أخبرنا محمد بن مسلم، أخبرني ميسرة قال: بلغني أن ابن مسعود مر بلهو معرضاً، فلم يقف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لقد أصبح ابن مسعود وأمسى كريماً»تفسير : . ثم تلا إبراهيم بن ميسرة {وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِراماً}. وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِـآيَـٰتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً} وهذه أيضاً من صفات المؤمنين {أية : ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰناً وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} تفسير : [الأنفال: 2] بخلاف الكافر، فإنه إذا سمع كلام الله، لا يؤثر فيه، ولا يتغير عما كان عليه، بل يبقى مستمراً على كفره وطغيانه وجهله وضلاله؛ كما قال تعالى: {أية : وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَـٰناً فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَـٰناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ} تفسير : [التوبة: 124 ــــ 125] فقوله: {لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً} أي؛ بخلاف الكافر الذي إذا سمع آيات الله، فلا تؤثر فيه، فيستمر على حاله كأن لم يسمعها أصم أعمى. قال مجاهد: قوله: {لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً} قال: لم يسمعوا ولم يبصروا ولم يفقهوا شيئاً. وقال الحسن البصري رضي الله عنه: كم من رجل يقرؤها ويخر عليها أصم أعمى. وقال قتادة: قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِـآيَـٰتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً} يقول: لم يصموا عن الحق، ولم يعموا فيه، فهم والله قوم عقلوا عن الحق، وانتفعوا بما سمعوا من كتابه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أسيد بن عاصم، حدثنا عبد الله بن حمران، حدثنا ابن عون قال: سألت الشعبي قلت: الرجل يرى القوم سجوداً، ولم يسمع ما سجدوا، أيسجد معهم؟ قال: فتلا هذه الآية: يعني: أنه لا يسجد معهم؛ لأنه لم يتدبر أمر السجود، ولا ينبغي للمؤمن أن يكون إمعة، بل يكون على بصيرة من أمره، ويقين واضح بين. وقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} يعني: الذين يسألون الله أن يخرج من أصلابهم من ذرياتهم من يطيعه ويعبده وحده لا شريك له. قال ابن عباس: يعنون: من يعمل بطاعة الله، فتقر به أعينهم في الدنيا والآخرة. قال عكرمة: لم يريدوا بذلك صباحة ولا جمالاً، ولكن أرادوا أن يكونوا مطيعين. وسئل الحسن البصري عن هذه الآية، فقال: أن يري الله العبد المسلم من زوجته ومن أخيه ومن حميمه طاعة الله، لا والله لا شيء أقر لعين المسلم من أن يرى ولداً، أو ولد ولد، أو أخاً، أو حميماً مطيعاً لله عز وجل. قال ابن جريج في قوله: {هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} قال: يعبدونك، فيحسنون عبادتك، ولا يجرون علينا الجرائر. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني: يسألون الله تعالى لأزواجهم وذرياتهم أن يهديهم للإسلام. وقال الإمام أحمد: حدثنا يعمر بن بشر، حدثنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا صفوان بن عمرو، حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال: جلسنا إلى المقداد بن الأسود يوماً، فمر به رجل فقال: طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله صلى الله عليه وسلم لوددنا أنا رأينا ما رأيت، وشهدنا ما شهدت، فاستغضب المقداد، فجعلت أعجب، لأنه ما قال إلا خيراً، ثم أقبل إليه فقال: ما يحمل الرجل على أن يتمنى محضراً غيبه الله عنه، لا يدري لو شهده كيف يكون فيه؟ والله لقد حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم أقوام أكبهم الله على مناخرهم في جهنم، لم يجيبوه ولم يصدقوه، أولا تحمدون الله إذ أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعرفون إلا ربكم، مصدقين بما جاء به نبيكم، قد كفيتم البلاء بغيركم؟ لقد بعث الله النبي صلى الله عليه وسلمعلى أشد حال بعث عليها نبياً من الأنبياء في فترة جاهلية، ما يرون أن ديناً أفضل من عبادة الأوثان، فجاء بفرقان فرق به بين الحق والباطل، وفرق بين الوالد وولده، إن كان الرجل ليرى والده وولده أو أخاه كافراً، وقد فتح الله قفل قلبه للإيمان، يعلم أنه إن هلك دخل النار، فلا تقر عينه، وهو يعلم أن حبيبه في النار، وأنها التي قال الله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} وهذا إسناد صحيح، ولم يخرجوه. وقوله تعالى: {وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً} قال ابن عباس والحسن والسدي وقتادة والربيع بن أنس: أئمة يقتدى بنا في الخير. وقال غيرهم: هداة مهتدين دعاة إلى الخير، فأحبوا أن تكون عبادتهم متصلة بعبادة أولادهم وذرياتهم، وأن يكون هداهم متعدياً إلى غيرهم بالنفع، وذلك أكثر ثواباً، وأحسن مآباً، ولهذا ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إذا مات ابن آدم، انقطع عمله إلا من ثلاث: ولد صالح يدعو له، أو علم ينتفع به من بعده، أو صدقة جارية».

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ } أي الكذب والباطل {وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ } من الكلام القبيح وغيره {مَرُّواْ كِراماً } معرضين عنه.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ} فيه سبعة تأويلات: أحدها: أنه الشرك بالله، قاله الضحاك، وابن زيد. الثاني: أنه أعياد أهل الذمة وشبهه،قال ابن سيرين هو الشعانين. الثالث: أنه الغناء، قاله مجاهد. الرابع: مجالس الخنا، قاله عمرو بن قيس. الخامس: أنه لعب كان في الجاهلية، قاله عكرمة. السادس: أنه الكذب، قاله ابن جريج، وقتادة. السابع: أنه مجلس كان يشتم فيه النبي صلى الله عليه وسلم،قاله خالد بن كثير. ويحتمل ثامناً: أنه العهود على المعاصي. {وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغوِ مَرُّواْ كِرَاماً} فيه خمسة تأويلات: أحدها: أنه ما كان يفعله المشركون من أذية المسلمين في أنفسهم وأعراضهم فيعرضوا عنهم وعن أذاهم، قاله مجاهد. الثاني: أنهم إذا ذكروا النكاح كَنّوا عنه، حكاه العوّام. الثالث: أنهم إذا ذكروا الفروج كَنّوا عنها، قاله محمد بن علي البافر رحمه الله. الرابع: أنهم إذا مروا بإفك المشركين ينكروه،قاله ابن زيد. الخامس: أن اللغو هنا المعاصي كلها، ومرهم بها كراماً إِعراضهم عنها، قاله الحسن. ويحتمل سادساً: وإذا مروا بالهزل عدلوا عنه إلى الجد. قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِئَايَاتِ رَبِّهِمْ} يحتمل وجهين: أحدهما: بوعده ووعيده. الثاني: بأمره ونهيه. {لَمْ يخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمَّاً وَعُمْيَاناً} يعني سمعوا الوعظ فلم يصموا عنه وأبصروا الرشد فلم يعموا عنه بخلاف من أصمه الشرك عن الوعظ وأعماه الضلال عن الرشد. وفي قوله: {لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا} وجهان: أحدهما: لم يقيموا، قاله الأخفش. الثاني: لم يتغافلوا، قاله ابن قتيبة. قوله تعالى: {... رَبَّنَا لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} فيه وجهان: أحدهما: أجعل أزواجنا وذرياتنا قرة أعين، قاله الكلبي. الثاني: ارزقنا من أزواجنا ومن ذرياتنا أعواناً {قُرَّةَ أَعْيُنٍ} أي أهل طاعة تقر به أعيننا في الدنيا بالصلاح، وفي الآخرة بالجنة. وفي قرة العين وجهان: أحدهما: أن تصادف ما يرضيهما فتقر على النظر إليه دون غيره. الثاني: أن القرّ البرد فيكون معناه برّد الله دمعها، لأن دمعة السرور باردة. ودمعة [الحزن] حارة، وضد قرة العين سخنة العين، قاله الأصمعي. {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً} فيه خمسة أوجه: أحدها: أمثالا، قاله عكرمة. الثاني: رضاً، قاله جعفر الصادق. الثالث: قادة إلى الخير، قاله قتادة. الرابع: أئمة هدى يُهْتدى بنا، قاله ابن عباس. الخامس: نأتم بمن قبلنا حتى يأتم بنا من بعدنا، قاله مجاهد. وفي الآية دليل عل أن طلب الرياسة في الدين ندب.

ابن عبد السلام

تفسير : {الزُّورَ} الشرك بالله، أو أعياد أهل الذمة وهو الشعانين، أو الغناء، أو مجالس الخنا، أو لعب كان الجاهلية، أو الكذب، أو مجلس كان النبي صلى الله عليه وسلم يُشتم فيه. {بِاللَّغْوِ} كان المشركون إذا سبوهم وأذوهم أعرضوا عنهم وإذا ذكروا النكاح كفوا عنه، ويكنون عن الفروج إذا ذكروها، أو إذا مروا بإفك المشركين أنكروه، أو المعاصي كلها ومرورهم بها {كِرَاماً} تركها والإعراض عنها.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَٱلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ} في "الزُّور" وجهان: أحدهما: أنه مفعول به، أي: لا يحضرون الزُّور، وفسر بالصَّنم واللهو. وقال أكثر المفسرين: يعني: الشرك. والثاني: أنه مصدر، والمراد شهادة الزُّور، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. قاله علي بن أبي طالب. وقال ابن جريج: الكذب. وقال مجاهد: أعياد المشركين. وقيل: النوح. وقال قتادة: لا يساعدون أهل الباطل على باطلهم. وكل هذه الوجوه محتملة. وأصل "الزُّور": تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته، فهو تمويه الباطل بما يوهم أنه حق. قوله: {وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ} أي: بأهله. قال مقاتل: إذا سمعوا من الكفار الشتم والأذى أعرضوا وصفحوا كقوله: {أية : وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ} تفسير : [القصص: 55]. وقال الحسن والكلبي: اللغو: المعاصي كلها مما يجب أن يلغى ويترك. "مَرُّوا كِرَاماً" مسرعين معرضين، يقال: تكرّم فلان عما يشينه إذا تنزه وأكرم نفسه عنه. قوله: {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً} النفي متسلط على القيد، وهو الصمم والعمى، أي: إنَّهم يخرُّون عليها لكن لا على هاتين الصفتين. قال الزمخشري: فقوله: {لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا} ليس بنفي للخرور، وإنما هو إثبات له ونفي للصمم والعمى، كما تقول: لا يلقاني زيد مسلماً. هو نفي للسلام لا للقاء، والمعنى: أنهم إذا ذكروا بها أكبّوا عليها حرصاً على استماعها، وأقبلوا على المذكر بها وهم في إكبابهم عليها سامعون بآذان واعية ويبصرون بعيون واعية، لا كالذين يذكرون بها فتراهم مكبين عليها مقبلين على من يذكر بها مظهرين الحرص الشديد على استماعها، وهم كالصُّمِّ والعميان حيث لا يفهمونها، ولا يبصرون ما فيها، وفيه تعريض بالمنافقين.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله ‏ {‏والذين لا يشهدون الزور‏}‏ قال‏:‏ إن الزور كان صنماً بالمدينة يلعبون حوله كل سبعة أيام، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مروا به مروا كراماً لا ينظرون إليه.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك ‏{‏والذين لا يشهدون الزور‏} ‏ قال‏:‏ الشرك‏.‏ وأخرج الخطيب عن ابن عباس في قوله ‏ {‏والذين لا يشهدون الزور‏} ‏ قال‏:‏ أعياد المشركين‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله ‏ {‏والذين لا يشهدون الزور‏} ‏ قال‏:‏ الكذب‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن ابي حاتم عن قتادة رضي الله عنه {‏والذين لا يشهدون الزور‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ قال‏:‏ لا يساعدون أهل الباطل على باطلهم، ولا يمالؤونهم فيه‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن قيس الملائي ‏{‏والذين لا يشهدون الزور‏}‏ قال‏:‏ مجالس السوء‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة ‏ {‏والذين لا يشهدون الزور‏} ‏ قال‏:‏ لعب كان في الجاهلية‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن محمد بن الحنفية ‏ {‏والذين لا يشهدون الزور‏} ‏ قال‏:‏ الغناء واللهو‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن أبي الجحاف ‏{‏والذين لا يشهدون الزور‏}‏ قال‏:‏ الغناء‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن ‏ {‏والذين لا يشهدون الزور‏} ‏ قال‏:‏ الغناء النياحة‏.‏ وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في ذم الغضب وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد ‏ {‏والذين لا يشهدون الزور‏} ‏ قال‏:‏ مجالس الغناء ‏{وإذا مروا باللغو مروا كراماً‏} ‏ قال‏:‏ إذا أوذوا صفحوا‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي في قوله ‏{وإذا مروا باللغو مروا كراماً‏} ‏ قال‏:‏ يعرضون عنهم لا يكلمونهم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ‏ {وإذا مروا باللغو مروا كراماً‏}‏ قال‏:‏ هي مكية‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر عن إبراهيم بن ميسرة رضي الله عنه قال‏:‏ بلغني ان ابن مسعود مر معرضاً ولم يقف فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏لقد أصبح ابن مسعود أو أمسى كريماً، ثم تلا إبراهيم ‏ {‏وإذا مروا باللغو مروا كراما‏ً}‏‏ ".تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك ‏ {وإذا مروا باللغو مروا كراما‏ً} ‏ قال‏:‏ لم يكن اللغو من حالهم ولا بالهم‏.‏ وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله ‏{وإذا مروا باللغو‏} ‏ قال‏:‏ اللغو كله المعاصي‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏{وإذا مروا باللغو مروا كراماً‏}‏ قال‏:‏ كانوا إذا أتوا على ذكر النكاح كفوا عنه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏ {‏والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صماً وعميانا‏ً}‏ قال‏:‏ لم يصموا عن الحق، ولم يعموا عنه، هم قوم عقلوا عن الله فانتفعوا بما سمعوا من كتاب الله‏.‏ وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ‏{‏لم يخروا عليها صماً وعمياناً‏}‏ قال‏:‏كم من قارئ يقرأها بلسانه يخر عليها أصم أعمى‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ‏{‏والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين‏} ‏ قال‏:‏ يعنون من يعمل بالطاعة فتقر به أعيننا في الدنيا والآخرة‏.‏ ‏{‏واجعلنا للمتقين إماماً} ‏ قال‏:‏ أئمة هدى يهتدى بنا، ولا تجعلنا أئمة ضلالة لأنه قال لأهل السعادة ‏{أية : ‏وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا‏}‏ تفسير : ‏[‏الأنبياء: 73‏]‏ ولأهل الشقاوة ‏{أية : ‏وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار‏}‏ تفسير : ‏[القصص: 41‏]‏. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه ‏ {‏والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين‏} ‏ قال‏:‏ لم يريدوا بذلك صباحة ولا جمالاً، ولكن أرادوا أن يكونوا مطيعين‏. وأخرج ابن المبارك في البر والصلة وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن الحسن أنه سئل عن هذه الآية ‏{‏هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين‏}‏ أهذه القرة أعين في الدنيا أم في الآخرة‏؟‏ قال‏:‏ لا والله بل في الدنيا‏.‏ قيل‏:‏ وما هي‏؟‏ قال‏:‏ هي أن يرى الرجل المسلم من زوجته، من ذريته، من أخيه، من حميمه، طاعة الله ولا والله ما شيء أحب إلى المرء المسلم من أن يرى ولداً، أو والداً، أو حميماً، أو أخاً مطيعاً لله‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله ‏{‏والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين‏}‏ قال‏:‏ يحسنون عبادتك ولا يجرون عليها الجرائر ‏{‏واجعلنا للمتقين إماماً}‏ قال‏:‏ اجعلنا مؤتمين بهم مقتدين بهم‏.‏ وأخرج أحمد والبخاري في الأدب المفرد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن المقداد بن الأسود قال‏:‏ لقد بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم على أشد حال بعث عليها نبياً من الأنبياء في قومه من جاهلية، ما يرون أن ديناً أفضل من عبادة الأوثان، فجاء بفرقان فرق به بين الحق والباطل، وفرق به بين الوالد وولده، حتى إن كان الرجل ليرى والده أو ولده أو أخاه كافراً وقد فتح الله قفل قلبه بالإِيمان ويعلم أنه إن هلك دخل النار، فلا تقر عينه وهو يعلم أن حبيبه في النار‏.‏ إنها للتي قال الله ‏ {‏والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين‏}‏ ‏. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ‏"‏هب لنا من أزواجنا وذريتنا واحدة‏"‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ‏ {‏واجعلنا للمتقين إماماً} ‏ يقول‏:‏ قادة في الخير ودعاة وهداة يؤتم بهم في الخير‏.‏ وأخرج الفريابي عن أبي صالح في قوله ‏ {‏واجعلنا للمتقين إماماً}‏ قال‏:‏ أئمة يقتدى بهدانا والله تعالى أعلم‏.‏

التستري

تفسير : قوله: {وَٱلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ}[72] قال: الزور مجالس المبتدعين. والله سبحانه وتعالى أعلم.

السلمي

تفسير : قال تعالى: {وَٱلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ} [الآية: 72]. قال ابن عطاء رحمه الله: هو الشهادة باللسان من غير مشاهدة القلب. قال جعفر: الزور أمانى النفس ومتابعة هواها. قال سهل: مجالسة المبتدعين. قال أبو عثمان: فيما سأله عنه أحمد بن حمدان عن قوله: {وَٱلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ} فقال: لا يخالطون المدعين. وقال بعضهم فى قوله: {وَٱلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ} قال: مشهد الزور كل مشهد ليس لك فيه زيادة فى دينك أو فى قربه الى ربك.

القشيري

تفسير : يستمكنون في مواطن الصدق لا يبرحون عنه ليلاً ونهاراً، وقولاً وفعلاً. وإذا مروا بأصحاب الزلات ومساكن المخالفات مروا متمكنين مُعْرِضين لا يساكِنون أهل تلك الحالة. ويقال نزلت الآية في أقوام مرُّوا - لمَّا دخلوا مكة بأبواب البيوت التي كانوا يعبدون فيها الأصنام مرةً - متكرمين دون أن يلاحظوها أو يلتفتوا إليها فَشَكَرَ اللَّهُ لهم ذلك. ثم قال في صفتهم: {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً} بل قابلوها بالتفكير والتأمل، واستعمال النظر.

اسماعيل حقي

تفسير : {والذين لا يشهدون الزور} من الشهادة وهى الاخبار بصحة الشىء عن مشاهدة وعيان. والزور الكذب واصله تمويه الباطل بما يوهم انه حق، وقال الراغب الازور المائل الزور اى الصدر وقيل للكذب زور لكونه مائلا عن جهته وانتصابه على المصدرية والاصل لا يشهدون شهادة الزور باضافة العام الى الخاص فحذف المضاف واقيم المضاف اليه مقامه. والمعنى لا يقيمون الشهادة الكاذبة: وبالفارسية [كواهى دروغ ندهند]، واختلف الائمة فى عقوبة شاهد الزور، فقال ابو حنيفة رحمه الله لايعزر بل يوقف فى قومه ويقال لهم انه شاهد زور، وقال الثلاثة يعزر ويوقف فى قومه ويعرفون انه شاهد زور، وقال مالك يشهر فى الجوامع والاسواق والمجامع، وقال احمد يطاف به فى المواضع التى يشتهر فيها فيقال انا وجدنا هذا شاهد زور فاجتنبوه، وقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه يجلد شاهد الزور اربعين جلدة ويسخم وجهه ويطوف فى الاسواق كما فى كشف الاسرار، قال ابن عطاء رحمه الله هى شهادة اللسان من غير مشاهدة القلب ويجوز ان يكون يشهدون من الشهود وهو الحضور وانتصاب الزور على المفعول به والاصل لا يشهدون مجالس الزور فحذف المضاف واقيم المضاف اليه مقامه. والمعنى لا يحضرون محاضر الكذب ومجالس الفحش فان مشاهدة الباطل مشاركة فيه من حيث انها دليل الرضى به كما اذا جالس شارب الخمر بغير ضرورة فانه شريك فى الاثم، واما الملامية وهم الذين لا يظهرون خيرا ولا يضمرون شرا لانفراد قلوبهم مع الله يمشون فى الاسواق ويتكلمون مع الناس بكلام العامة ويحضرون بعض مواضع الشرور لمشاهدة القضاء والقدر حتى يوافقوا الناس فى الشر فهم فى الحقيقة عباد الرحمن وهم المرادون بقوله عليه السلام "حديث : اوليائى تحت قبابى لايعرفهم غيرى"تفسير : :قال الحافظ شعر : مكن بنامه سياهى ملامت من مست كه آكهست كه تقدير برسرش جه نوشت تفسير : وقال الخجندى شعر : برخيز كمال از سر ناموس كه رندان كردند اقامت بسر كوى ملامت تفسير : وقال بعضهم المراد بالزور اعياد المشركين واليهود والنصارى [يابازيكاه ايشان] كما فى تفسير الكاشفى، قال فى ترجمة الفتوحات [نبايد كه اهل ذمت ترابشرك خود فريب دهندكه نزد حق تعالى هلاك تو در آنست شيخ اكبر قدس سره الاطهر ميفر مايد كه دردمشق اين معنى مشاهده كردم كه زنان ومردان بانصارى مسامحت ميكنند وصغار واطفال خودرا بكنايس مى برند واز آب معموديه برسبيل تبرك برايشان مى افشا نند واينها قرين كفراست ياخود نفس كفراست وآنرا هيج مسلمانى نبسندد] وفى قاضى خان رجل اشترى يوم النيروز شيئا لم يشتره فى غير ذلك اليوم ان اراد به تعظيم ذلك اليوم كما عظمه الكفرة يكون كفرا وان فعل ذلك لاجل الشرب والتنعم يوم النيروز لايكون كفرا انتهى والمراد نيروز النصارى لانيروز العجم كما هو الظاهر من كلامه، وقال بعضهم يدخل فى مجلس الزور اللعب واللهو والكذب والنوح والغناء بالباطل ـ روى ـ عن محمد بن المنكدر قال بلغنى ان الله تعالى يقول يوم القيامة اين الذين كانوا ينزهون انفسهم واسماعهم عن اللهو ومزامير الشيطان ادخلوهم رياض المسك ثم يقول للملائكة اسمعوا عبادى تحميدى وثنائى وتمجيدى واخبروهم ان لاخوف عليهم ولاهم يحزنون كذا فى كشف الاسرار، ومن سنن الصوم ان يصون الصائم لسانه عن الكذب والغيبة وفضول الكلام والسب النميمة والمزاح والمدح والغناء والشعر والمراد بالغناء التغنى بالباطل وهو الذى يحرك من القلب ماهو مراد الشيطان من الشهوة ومحبة المخلوقين واما يحرك الشوق الى الله فمن التغنى بالحق كما فى الاحياء، واختلف فى القراءة بالالحان فكرهها مالك والجمهور ولخروجها عما جاء القرآن له من الخشوع والتفهم ولذا قال فى قاضى خان لا ينبغى ان يقدم فى التراويح "الخوشخوان" بل يقدم "الدرستخوان" فان الامام اذا كان حسن الصوت يشغل عن الخشوع والتدبر والتفكر انتهى، واباحها ابو حنيفة وجماعة من السلف للاحاديث لأن ذلك سبب للرقة واثارة الخشية كما فى فتح القريب، قال فى اصول الحديث اذا جلس الشيخ من اهل الحديث مجلس التحديث يفتتح بعد قراءة قارىء حسن الصوت شيئا من القرآن انتهى وانما استحب تحسين الصوت بالقراءة وتزيينها مالم يخرج عن حد القراءة بالتمطيط فان افرط زاد حرفا او اخفى حرفا فهو حرام كما فى ابكار الافكار: قال الشيخ سعدى شعر : به ازروى زيباست اواز خوش كه اين حظ نفسست وآن قوت روح تفسير : ورأى عليه السلام ليلة المعراج ملكا لم ير قبله مثله وكان اذا سبح اهتز العرش لحسن صوته كان بين يديه صندوقان عظيمان من نور فيهما براءة الصائمين من عذاب النار وتفصيله فى مجالس النفائس لحضرة الهدائى قدس سره، وقال سهل قدس سره المراد بالزور مجالس المبتدعين، وقال ابو عثمان قدس سره مجالس المدعين وكذا كل مشهد ليس لك فيه زيادة فى دينك بل تنزل وفساد {واذا مروا} علىطريق الاتفاق {باللغو} اى ما يجب ان يلغى ويطرح مما لاخير فيه: وبالفارسية [بجيزى نايسنديده] وقال فى فتح الرحمن يشمل المعاصى كلها وكل سقط من فعل او قول، وقال الراغب اللغو من الكلام مالا يعتد به هو يعد ذلاقه روية وفكر فيجرى مجرى اللغا وهو صوت العصافير ونحوها من الطيور {مروا} حال كونهم {كراما} جمع كريم يقال تكرم فلان عما يشينه اذا تنزه واكرم نفسه عنه، قال الراغب الكرم اذا وصف الله به فهو اسم لاحسانه وانعامه المتظاهر واذا وصف به الانسان فهو اسم للاخلاق والافعال المحمودة التى تظهر منه ولا يقال هو كريم حتى يظهر ذلك منه. والمعنى معرضين عنه مكرمين انفسهم عن الوقوف عليه والخوض فيه ومن ذلك الاغضاء عن الفواحش والصفح عن الذنوب والكناية عما يستهجن الصريح به، قال فى كشف الاسرار قيل اذا ارادوا ذكر النكاح وذكر الفروج كنوا عنه فالكرم ههنا هو الكناية والتعريض وقوله عز وجل {أية : كانا يأكلان الطعام}تفسير : كناية عن البول والخلاء وقد كنى الله عز وجل فى القرآن عن الجماع بلفظ الغشيان والنكاح والسر والاتيان والافضاء واللمس والمس والدخول والمباشرة والمقاربة فى قوله {أية : ولا تقربوهن}تفسير : والطمث فى قوله {أية : لم يطمثهن}تفسير : وهذا باب واسع فى العربية، قال الامام الغزالى اما حد الفحش وحقيقته فهو التعبير عن الامور المستقبحة بالعبارات الصريحة واكثر ذلك يجرى فى الفاظ الوقاع وما يتعلق به واهل الصلاح يتحاشون من التعرض لها بل يكنون عنها ويدلون عليها بالرموز وبذكر ما يقاربها ويتعلق بها مثلا يكنون عن الجماع بالمس والدخول والصحبة وعن التبول بقضاء الحاجة وايضا لا يقولون قالت زوجتك كذا بل يقال قيل فى الحجرة او قيل من وراء السترة او قالت ام الاولاد كذا وايضا يقال لمن به عيب يستحيى منه كالبرحة والقرع والبواسير العارض الذى يشكوه وما يجرى مجراه وبالجلمة كل ما يخفى ويستحى منه فلا ينبغى ان يذكر الفاظه الصريحة فانه فحش والفاحش يحشر يوم القيامة فى صورة الكلب، قال الشيخ سعدى [ريشى اندرون جامه داشّم حضرت شيخ قدس سره هر روز برسيدى كه ريشت جونست ونبرسيدى كه كجاست دانستم كه ازان احتراز ميكند كه ذكر هو عضوى روانباشد وخرد مندان كفته اند هركه سخن نسنجد ازجوابش برنجد] شعر : تانيك ندانى كه سخن عين صوابست بايدكه بكفتن دهن ازهم نكشايى كرراست سخن كويى ودربند بمانى به زانكه دروغت دهد ازبند رهايى تفسير : والمراد ان الصدق اولى وان لزم الضرر على نفس القائل واما جواز الكذب فانما هو لتخليص الغير ودفع الفتنة بين الناس وهو المراد من قوله [دروغ مصلحت آميزبه ازراست فتنة انكيز] نسأل الله تعالى ان يجعلنا من الصادقين المخلصين بل من الصديقين المخلصين ويحشرنا مع الكرماء الحلماء والعلماء الادباء انه الموفق للاقوال الحسنة والافعال المستحسنة.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {والذين لا يشهدون الزورَ} أي: لا يقيمون شهادة الكذب، أو لا يحضرون محاضر الكذب؛ فإنَّ مشاهدة الباطل مشاركة فيه، أي: يبعدون عن محاضر الكذابين ومجالس الخطَّائين، فلا يقربونها، تَنَزُّهاً عن مخالطة الشر وأهله. وفي مواعظ عيسى - عليه السلام -: إياكم ومجالسَ الخطَّائين. {وإِذا مَرُّوا باللغو} أي: بالفحش وكل ما ينبغي أن يلغى ويُطرح، والمعنى: وإذا مروا بأهل اللغو المشتغلين به {مَرُّوا كراماً} معرضين عنه, مكرمين أنفسهم عن التلوث به, كقوله: {أية : وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ} تفسير : [القصص: 55], وعن الباقر: إذا ذَكروا الفروج كفوا عنها، وقال مقاتل: إذا سمعوا من الكفار الشتم والأذى أعرضوا عنه وصفحوا. {والذين إذا ذُكِّروا بآياتِ ربهم} أي: قرئ عليهم القرآن، أو: وعظوا بالقرآن، {لم يَخرُّوا عليها صُمّاً وعُمْياناً}، بل أكبوا عليها سامعين بآذان واعية، مجلتين لها بعيون راعية. وإنما عبّر بنفي الضد؛ تعريضاً بما يفعله الكفرة والمنافقون. {والذين يقولون ربنا هَبْ لنا من أزواجنا}، "من": للبيان، كأنه قيل: هب لنا قرة أعين، ثم بُينت القرة وفُسرت بقوله: {من أزواجنا وذرياتنا} والمعنى: أن يجعلهم الله لهم قرة أعين؛ بأن يروا منهم من الطاعة والإحسان وما تقر به العين. أو للابتداء، أي: هب لنا من جهتهم ما تقر به العين، من طاعة أو صلاح. {و} هب لنا أيضاً من {ذرياتنا قُرةَ أعيُن}؛ بتوفيقهم للطاعة، ومبادرتهم للفضائل والكمالات، فإن المؤمن إذا ساعده أهله في طاعة الله تعالى وشاركوه فيها؛ يسر قلبه، وتقر عينه؛ بما شاهده من مقاربتهم له في الدين، ويكون ذلك سبباً في لحوقهم به في الجنة، حسبما وعد به قوله تعالى: {أية : أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ}تفسير : [الطور: 21]. وإنما قال: "أعين"؛ بلفظ القلة، دون عيون؛ لأن المراد أعين المتقين، وهي قليلة بالإضافة إلى أعين غيرهم. والمعنى: أنهم سألوا ربهم يرزقهم أزواجاً وأعقاباً، عُمَّالاً لله، يسرون بمكانهم، وتقر بهم عيونهم، قيل: ليس شيء أقر لعين المؤمن من أن يرى زوجته وأولاده مطيعين لله. وعن ابن عباس: (هو الولد إذا رآه يكتب الفقه). {واجعلنا للمتقين إماماً} أي: أئمة يقتدى بنا في الدين، فاكتفى بالواحد؛ لدلالته على الجنس، أو: واجعل كل واحد منا إماماً؛ أي: من أولادنا إماماً. والظاهر: أن صدور هذا الدعاء منهم كان بطريق الانفراد؛ إذ يتعذر اجتماعهم في دعاء واحد. وإنما كانت عبارة كل واحد منهم عند الدعاء: واجعلني للمتقين إماماً، غير أنه حكيت عبارة الكل بصيغة المتكلم مع الغير؛ قصداً إلى الإيجاز، كقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} تفسير : [المؤمنون: 51]. وأبقى إماماً على حاله من الانفراد. قيل: وفي الآية دليل على أن الرئاسة في الدين ينبغي أن تُطلب ويُرغب فيها، إذا كان القصد نفع عباد الله دون حظ نفساني. {أولئك يُجْزَوْنَ الغرفة}، جنس، أي: الغرفات، وهي العلالي في الجنة. ووحده بقصد الجنس. {بما صبروا}؛ بصبرهم على مشاق الطاعات، وترك الشهوات، وتحمل المجاهدات، وعلى إذاية أهل الإنكار، وارتكاب الذل والافتقار. {ويُلَقَّون فيها تحيةً وسلاماً} أي: تحييهم الملائكة، ويدعون لهم بطول الحياة والسلامة من الآفات. أو: يُحيي بعضُهم بعضاً، ويسلمون عليهم، {خالدين فيها}؛ لا يموتون ولا يخرجون، {حَسُنتْ} أي: الغرفة {مستقراً ومُقاماً}؛ موضعَ قرارٍ وإقامة، وهي مقابلة: {ساءت مستقراً ومقاماً}. {قل} يا محمد: {ما يعبأُ بكم ربي لولا دعاؤكم} أي: ما يصنع بكم ربِّي، وأي فائدة في خلقكم، لولا دعاؤكم إلى الإسلام والتوحيد، أو: لولا عبادتكم له، أي: إنما خلقكم لعبادته؛ كقوله: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} تفسير : [الذاريات: 56]؛ فإنما خلق الإنسان لمعرفته وطاعته، وإلا فهو وسائر البهائم سواء. قال المحشي: والظاهر: أنه خطاب لقريش القائلين: {أنسجد لما تأمرنا} أي: لا يحفل بكم ربي لولا تضرعكم واستغاثتكم إياه في الشدائد.هـ. وقيل: ما يعبأ: بمغفرة ذنوبكم، ولا هو عنده عظيم، لولا دعاؤكم معه الآلهة والشركاء، كقوله: {أية : مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ}تفسير : [النساء: 147]، قاله الضحاك. ثم قال: فظاهره: أن "ما": استفهامية، ويحتمل كَوْنُهَا نَافِيَةً. انظر بقية كلامه. وفسّر البخاري الدعاء هنا بالإيمان، أي: ما يبالي بكم ربي لولا إيمانكم المتوقع من بعضكم، {فقد كذبتم} بما جاء به الرسول فتستحقون العقاب، {فسوفَ يكونُ} العذاب الذي أنْتَجَهُ تكذيبكم {لِزاماً}؛ لازماً لكم؛ لا تنفكون عنه، حتى يكبكُم في النار. فالفاء في قوله: {فقد كذَّبتم} استئناف وتعليل لكونهم لا يُعبأ بهم، وإنما أضمر العذاب من غير تقدم ذكرٍ؛ للإيذان بغاية ظهوره وتهويل أمره، وأنه مما لا تفي العبارة به. وعن مجاهد: هو القتل يوم بدر، وأنه لُوزِمَ بين القتلى. وفي المشارق: اللزام: الفيصل، وقد كان يوم بدر. هـ. والله تعالى أعلم. الإشارة: قوله تعالى: {وإذا مروا بأهل اللغو}، وهم المتكلمون في حس الأكوان، مروا كراماً؛ مكرمين أنفسهم عن الالتفات إلى خوضهم. والذين إذا سمعوا الوعظ والتذكير أنصتوا بقلوبهم وأرواحهم، خلاف ما عليه العامة من التصامم والعمى عنه. {والذين يقولون ربنا..} إلخ، قال القشيري: قرة الروح: حياتها، وإنما تكون كذلك إذا كان بحق الله قائماً. ويقال: قرة العين من كان لطاعة الله معانقاً، ولمخالفة الأمر مفارقاً. هـ. قلت: قرة العين تكون في الولد الروحاني، كما تكون في الولد البشري؛ فإن الشيخ إذا رأى تلميذه مُجِدّاً صادقاً في الطلب، حصل له بذلك غاية السرور والطرب، كما هو معلوم عند أرباب الفن. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وَصلَّى الله على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه وسَلَّمَ تسليماً.

الجنابذي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ} الزّور الكذب والشّرك بالله تعالى واعياد اليهود والنّصارى ومجلس الغناء وما يعبد من دون الله والكلّ مناسب ههنا، والتّحقيق انّ الزّور كلّ عمل او عامل منحرفاً عن الطّريق وعن ولاية علىٍّ (ع)، ومن صار عبداً للرّحمن لا يحبّ بل يبغض الزّور فلا يشهده {وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا} بمقتضى عبوديّتهم {كِراماً} لا يرغبون فيه ولا يهتكون حرمة صاحبه.

اطفيش

تفسير : {وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ} هو الشرك عند الضحاك لانحرافه عن الصواب والمعنى لا يحضرونه. وقيل: الباطل والكذب. وقال الشيخ هود: الزور الشرك والنفاق والعمل السيء. وقال مجاهد: الزور اعياد المشركين. وقيل: النوم. وقال ابن الحنفية: اللهو واللعب والغناء. وفي رواية عن مجاهد: الزور والغناء والغناء ينبت النفاق كما ينبت الماء الزرع. وقيل: النوم وهو ضعيف الا ان كان المراد النوم عن الصلاة والقول بان الباطل يعم ذلك كله {وَيَشْهَدُونَ} بمعنى يشاهدون وذلك انهم ينفرون عن محاضر الكذابين ومجالس الخطائين تنزها عنها وعنهم وصيانة لدينهم لان مشاهدة الباطل شركة فيه فان النظار تلي ما لا يسوغ في الشريعة شركاء فيه لان الحضور له دليل الرضى به وسبب لوجوده والزيادة فيه لان الذي سلط على فعله هو استحسان النظار والرغبة في النظر إليه. وعن عيسى عليه السلام اياكم ومجالسة الخطائين. قال قتادة: الزور مجالس الباطل فقدر مضافا. وقال: على المعنى لا يشهدون شهادة الزور بتقدير مضاف. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أَلا انبئكم بأَكبر الكبائر قلنا بلى يا رسول الله قال الإِشراك بالله وعقوق الوالدين وكان متكئا فجلس فقال أَلا وشهادة الزور وقول الزور فما زال يكررها حتى قالت الصحابة ليته سكت " تفسير : وكان عمر يجلد شاهد الزور اربعين جلدة ويسخم وجهه ويطوف به في الاسواق واصل الزور الانحراف ووضع الشيء بخلاف صفته. {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِرَاماً} اللغو كل سقط من قول أو فعل. قال الثعالبي: ما ينبغي ان يطرح ويلغى من لهو ولعب ومنكر. وقيل: المعاصي وصفهم الله بانهم إذا مروا بأهل اللغو اعرضوا عنهم مكرمين انفسهم عن التوقف عليهم والخوض معهم اي اذا مروا عنه وجدتهم مروا كراما. وعن بعضهم كرم المؤمن إذا مر بمنكر ان يغيره. وقيل: المعنى انهم إذا سمعوا من الكفار الشتم والاذى في مرورهم مروا معرضين عنهم وصافحين. وقيل: إذا ذكروا النكاح كنوا عنه فالمرور لساني ولذا زعم بعضهم انها منسوخة بالقتال وهو ضعيف فان الصفح والاعراض والصبر مندوب اليها بعد القتال ايضا.

اطفيش

تفسير : {والَّذين لا يشْهدون الزور} مفعول مطلق على حذف مضاف، أى شهادة الزور، والزور الميل عن الحق، أو مفعول به لتضمن معنى الاقامة، أى لا يقيمون الزور بجعله مستقيما لنطقهم به كأنه حق، كما أنه يجوز تفسير شهادة الزور باثبات الباطل أو تزيينه مطلقا، كما قال قتادة مفسرا للآية باعانة أهل الباطل على باطلهم، وبمساعدتهم عليه، وعن مجاهد: الزور الغناء، ومثله عن ابن الحنفية محمد، وعن الحسن: الغناء والنياحة، وعن قتادة: الكذب، وعن عكرمة: اللعب، ويجوز تفسير يشهد بيحضره، والزور مفعول به، لا يحضرون الباطل كالأشياء المذكورة والشرك، أو يقدر محال الزور أى الباطل، ومنها أن لهم صنماً يلعبون حوله سبعة أيام، وأن لهم عيد باطل. {وإذا مَروا باللَّغو} فى طريقهم بلا قصد له، بل اتفاقاً، وهو ما من شأنه أن يلغى ويطرح مما لا خير فيه من الكلام، وقيل: الكلام المؤذى أو الفعل المؤذى، كما قال الحسن: المعاصى قولا أو فعلا، وكما يمر بالذات يمر بالعرض فلا يلزم تقدير اذا مروا بمحل اللغو، أو بأهل اللغو، وقيل: اللغو ما يستقبح التصريح والمرور به أن يصلوا اليه فى كلامهم، لكن لا يذكرونه، بل يكنون عنه كالوطء وأسماء الفرج والعذرة المستقبحات، وأجيز أن يكون اللغو الزور، ذكر باسم آخر ظاهر ايذانا بأنه يستحق أن يلغى، كما أنه زور أى ميل عن الحق. {مَروا كراماً} طيبين لامسين بالتلطخ به، هو ابن مسعود رضى الله عنه بلغو معرضا عنه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لقد أصبح ابن مسعود وأمسى كريماً"تفسير : ومن مر عن اللغو الذى هو ذنب، ولم ينه عنه، وهو قادر فقد مر غير كريم.

الالوسي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ } أي لا يقيمون الشهادة الكاذبة كما روي عن علي كرم الله تعالى وجهه والباقر رضي الله تعالى عنه فهو من الشهادة، و {ٱلزُّورَ} منصوب على المصدر أو بنزع الخافض أي شهادة الزور أو بالزور، ويفهم من كلام قتادة أن الشهادة هنا بمعنى يعم ما هو المعروف منها، أخرج عبد بن حميد وابن أبـي حاتم عنه أنه قال: أي لا يساعدون أهل الباطل على باطلهم ولا يؤملونهم فيه. وأخرج جماعة عن مجاهد أن المراد بالزور الغناء، وروي نحوه عن محمد بن الحنفية رضي الله تعالى عنه، وضم الحسن إليه النياحة، وعن قتادة أنه الكذب، وعن عكرمة أنه لعب كان في الجاهلية، وعن ابن عباس أنه صنم كانوا يلعبون حوله سبعة أيام، وفي رواية أخرى عنه أنه عيد المشركين وروي ذلك عن الضحاك، وعن هذا أنه الشرك فيشهدون على هذه الأقوال من الشهود بمعنى الحضور، و {ٱلزُّورِ } مفعول به بتقدير مضاف أي محال الزور؛ وجوز أن يراد بالزور ما يعم كل شيء باطل مائل عن جهة الحق من الشرك والكذب والغناء والنياحة ونحوها فكأنه قيل: لا يشهدون مجالس الباطل لما في ذلك من الإشعار بالرضا به، وأيضاً من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه. {وَإِذَا مَرُّواْ } على طريق الاتفاق {بِٱلَّلغْوِ } بما ينبغي أن يلغى ويطرح مما لا خير فيه {مَرُّواْ كِراماً } أي مكرمين أنفسهم عن الوقوف عليه والخوض فيه معرضين عنه. وفسر الحسن اللغو كما أخرج عنه ابن أبـي حاتم بالمعاصي، وأخرج هو وابن عساكر حديث : عن إبراهيم بن ميسرة قال: بلغني أن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه مرَّ بلهو معرضاً ولم يقف فقال النبـي صلى الله عليه وسلم لقد أصبح ابن مسعود وأمسى كريماً ثم تلا إبراهيم {وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِراماً } تفسير : . وقيل: المراد باللغو الكلام الباطل المؤذي لهم أو ما يعمه والفعل المؤذي وبالكرم العفو والصفح عمن آذاهم، وإليه يشير ما أخرجه جماعة عن مجاهد أنه قال في الآية: إذا أوذوا صفحوا وجعل الكلام على هذا بتقدير مضاف أي إذا مروا بأهل اللغو أعرضوا عنهم كما قيل:شعر : ولقد أمر على اللئيم يسبني فمضيت ثمت قلت لا يعنيني تفسير : ولا يخفى أنه ليس بلازم، وقيل: اللغو القول المستهجن، والمراد بمرورهم عليه إتيانهم على ذكره وبكرمهم الكف عنه والعدول إلى الكناية، وإليه يومىء ما أخرجه جماعة عن مجاهد أيضاً أنه قال: فيها كانوا إذا أتوا على ذكر النكاح كنوا عنه، وعمم بعضهم وجعل ما ذكر من باب التمثيل، وجوز أن يراد باللغو الزور بالمعنى العام أعني الأمر الباطل عبر عنه تارة بالزور لميله عن جهة الحق وتارة باللغو لأنه من شأنه أن يلغى ويطرح، ففي الكلام وضع المظهر موضع المضمر، والمعنى والذين لا يحضرون الباطل وإذا مروا به على طريق الاتفاق أعرضوا عنه.

ابن عاشور

تفسير : أتبع خصال المؤمنين الثلاث التي هي قِوام الإيمان بخصال أخرى من خصالهم هي من كمال الإيمان، والتخلق بفضائله، ومجانبة أحوال أهل الشرك. وتلك ثلاث خصال أولاها أفصح عنه قوله هنا {والذين لا يشهدون الزور} الآية. وفعل (شهد) يستعمل بمعنى (حضر) وهو أصل إطلاقه كقوله تعالى: {أية : فمن شَهِد منكم الشهر فلْيَصُمْه}تفسير : [البقرة: 185]، ويستعمل بمعنى أخبر عن شيء شهده وعلمه كقوله تعالى: {أية : وشَهد شاهد من أهلها}تفسير : [يوسف: 26]. والزور: الباطل من قول أو فعل وقد غلب على الكذب. وقد تقدم في أول السورة فيجوز أن يكون معنى الآية: أنهم لا يحضرون محاضر الباطل التي كان يحضرها المشركون وهي مجالس اللهو والغناء والغيبة ونحوها، وكذلك أعياد المشركين وألعابهم، فيكون الزور مفعولاً به لــــ{يشهدون}. وهذا ثناء على المؤمنين بمقاطعة المشركين وتجنبهم. فأما شهود مواطن عبادة الأصنام فذلك قد دخل في قوله: {أية : والذين لا يَدعون مع الله إلهاً آخر}تفسير : [الفرقان: 68]. وفي معنى هذه الآية قوله في سورة الأنعام (68) {أية : وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسِيَنَّك الشيطانُ فلا تقْعُد بعد الذكرى مع القوم الظالمين} تفسير : ويجوز أن يكون فعل {يشهدون} بمعنى الإخبار عما علموه ويكون الزور منصوباً على نزع الخافض، أي لا يشهدون بالزور؛ أو مفعولاً مطلقاً لبيان نوع الشهادة، أي لا يشهدون شهادة هي زور لا حَقٌ. وقوله: {وإذا مروا باللغو مروا كراماً} مناسب لكلا الجملتين. واللغو: الكلام العبث والسفه الذي لا خير فيه. وتقدم في قوله تعالى: {أية : لا يسمعون فيها لغواً} تفسير : في سورة مريم (62). ومعنى المرور به المرور بأصحابه اللاغين في حال لغوهم، فجعل المرور بنفس اللغو للإشارة إلى أن أصحاب اللغو متلبسون به وقت المرور. ومعنى: {مروا كراماً} أنهم يمرون وهم في حال كرامة، أي غير متلبسين بالمشاركة في اللغو فيه فإن السفهاء إذا مروا بأصحاب اللغو أنِسُوا بهم ووقفوا عليهم وشاركوهم في لغوهم فإذا فعلوا ذلك كانوا في غير حال كرامة.ٍ والكرامة: النزاهة ومحاسن الخلال، وضدها اللؤم والسفالة. وأصل الكرامة أنها نفاسة الشيء في نوعه قال تعالى: {أية : أنبتنا فيها من كل زوج كريم}تفسير : [الشعراء: 7]. وقال بعض شعراء حمير في «الحماسة»:شعر : ولا يَخيم اللقاءَ فارسُهم حتى يشقَّ الصفوف مِن كَرمه تفسير : أي شجاعته، وقال تعالى: {أية : وأعد لهم أجراً كريماً}تفسير : [الأحزاب: 44]. وإذا مر أهل المروءَة على أصحاب اللغو تنزهوا عن مشاركتهم وتجاوزوا ناديهم فكانوا في حال كرامة، وهذا ثناء على المؤمنين بترفّعهم على ما كانوا عليه في الجاهلية كقوله تعالى: {أية : وذرِ الذين اتّخذوا دينَهم لعباً ولهواً}تفسير : [الأنعام: 70]، وقوله: {أية : وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين}تفسير : [القصص: 55]. وإعادة فعل {مروا} لبناء الحال عليه، وذلك من محاسن الاستعمال، كقول الأحوص:شعر : فإذَا تزول تزولُ عن متخمّط تُخشى بوادره على الأقران تفسير : ومنه قوله تعالى: {أية : ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا}تفسير : [القصص: 63] كما ذكره ابن جنّي في «شرح مشكل أبيات الحماسة»، وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : صراط الذين أنعمت عليهم}تفسير : [الفاتحة: 7].

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً}. أي إذا مروا بأهل اللغو والمشتغلين به مروا معرضين عنهم كراماً مكرمين أنفسهم عن الخوض معهم في لغوهم، وهو كل كلام لا خير فيه كما تقدم. وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة أوضحه جل وعلا بقوله: {أية : وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي ٱلْجَاهِلِينَ} تفسير : [القصص: 55]، وقد قدمنا الآيات الدالة على معاملة عباد الرحمن للجاهلين، في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: {أية : قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ} تفسير : [مريم: 47] الآية.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: لا يشهدون الزور: أي لا يحضرون مجالسة ولا يشهدون بالكذب والباطل. وإذا مروا باللغو: أي بالكلام السيء القبيح وكل ما لا خير فيه. مروا كراماً: أي معرضين عنه مكرمين أنفسهم عن سماعه أو المشاركة فيه. وإذا ذكروا بآيات ربهم: أي إذا وعظوا بآيات القرآن. لم يخروا عليها صماً وعمياناً: أي لم يطأطئوا رؤوسهم حال سماعها عمياً لا يبصرون ولا صماً لا يسمعون بل يصغون يسمعون ويعون ما تدعو إليه ويبصرون ما تعرضه. قرة أعين: أي ما تقر به أعيننا وهو أن تراهم مطيعين لك يعبدونك وحدك. واجعلنا للمتقين إماماً: أي من عبادك الذين يتقون سخطك بطاعتك قدوة يقتدون بنا في الخير. يجزون الغرفة: أي الدرجة العليا في الجنة. بما صبروا: أي على طاعتك بامتثال الأمر واجتناب النهي. حسنت مستقراً ومقاماً: أي صلحت وطابت مستقراً لهم أي موضع استقرار وإقامة. ما يعبأ بكم ربي: أي ما يكترث ولا يعتد بكم ولا يبالي. لولا دعاؤكم: إياه، ودعاؤه إياكم لعبادته بذكره وشكره. فسوف يكون لزاماً: أي العذاب لزاماً أي لازماً لكم في بدر ويوم القيامة. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في ذكر صفات عباد الرحمن الذي تجاهله المشركون وقالوا: وما الرحمن فها هي ذي صفات عباده دالة عليه وعلى جلاله وكماله، وقد مضى ذكر خمس صفات: والسادسة: في قوله تعالى {وَٱلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ} الزور هو الباطل والكذب وعباد الرحمن لا يحضرون مجالسة ولا يقولونه ولا يشهدونه ولاينطقون به {وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ} وهو كل عمل وقول لا خير فيه {مَرُّوا كِراماً} أي مكرمين أنفسهم من التلوث به، بالوقوع فيه. والسابعة: في قوله تعالى {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ} أي إذا ذكرهم أحد بآيات القرآن كتاب ربهم عز وجل لم يحنوا رؤوسهم عليها صماً حتى لا يسمعوا مواعظها ولا عمياناً حتى لا يشاهدوا آثار آياتها بل يحنون رؤوسهم سامعين لها واعين لما تقوله وتدعو إليه مبصرين آثارها مشاهدين وقائعها متأثرين بها. والثامنة: فى قوله تعالى {وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ} أي في دعائهم {رَبَّنَا هَبْ لَنَا} أي أعطنا {مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} أي ما تقر به أعيننا وذلك بأن نراهم يتعلمون الهدى ويعملون به طلباً لمرضاتك يا ربنا {وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ} من عبادك الذين يتقون سخطك بطاعتك بفعل أمرك وأمر رسولك واجتناب نهيك ونهي رسولك {وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً} أي قدوة صالحة يقتدون بنا في الخير يا ربنا. قال تعالى مخبراً عنهم بما أنعم به عليهم: {أُوْلَـٰئِكَ} أي السامون أنفساً العالون أرواحاً {يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ} وهي الدرجة العليا في الجنة {بِمَا صَبَرُواْ} على طاعة مولاهم، وما يلحقهم من أذى في ذات ربهم {وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا} أي تتلقاهم الملائكة بالتهاني والتحيات {تَحِيَّةً وَسَلاَماً} أي بالدعاء بالحياة السعيدة والسلامة من الآفات إذ هي حياة بلا ممات، وسعادة بلا منغصات. وقوله تعالى {خَالِدِينَ فِيهَا} أي في تلك الغرفة في أعلى الجنة {حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً} أي طابت موضع إقامة واستقرار. إلى هنا انتهى الحديث عن صفات عباد الرحمن وبيان جزائهم عند ربهم. وقوله تعالى: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ} أي قل يا رسولنا لأولئك المشركين المنكرين للرحمن {مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي} أي ما يكترث لكم أو يبالي بكم {لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ} إياه أي عبادة من يعبده منكم إذ الدعاء هو العبادة ما أبالي بكم ولا أكترث لكم. أما وقد كذبتم بي وبرسولي فلم تعبدوني ولم توحدوني وإذاً {فَسَوْفَ يَكُونُ} العذاب {لِزَاماً} وقد أذقتموه يوم بدر، وسوف يلازمهم في قبورهم إلى نشورهم، وسوف يلاحقهم حتى مستقرهم في جهنم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- حرمة شهود الزور وحرمة شهادته. 2- فضيلة الإِعراض عن اللغو فعلاً كان أو قولاً. 3- فضيلة تدبر القرآن وحسن الاستماع لتلاوته والاتعاظ بمواعظه والعمل بهدايته. 4- فضيلة علو الهمة وسمو الروح وطلب الكمال والقدوة في الخير. 5- لا قيمة للإِنسان وهو أشرف الحيوانات لولا عبادته الله عز وجل فإذا لم يعبده كان شر الخليقة.

د. أسعد حومد

تفسير : (72) - ومنْ صفاتِ عبادِ الرحمنِ أنهمْ لا يَشْهَدونَ الزُّورَ، ولا يَحْضرُونَ مَجَالِسَ الفِسْق واللَّغْوِ والبَاطِلِ، ومَجَالِسَ السُّوءِ، وإذا مَرُّوا بمَنْ يَلْغُونَ ويَهْذُرُونَ ويَفْسُقُونَ لم يتوقَّفوا عليهِمْ واسْتَمَرُّوا في سيْرِهِمْ مُسْرِعِين. (وقيل إِنَّ المَقْصُودَ بالزُّورِ هُنَا شَهادةُ الزُّورِ وهِيَ الكَذِبُ عَمْداً في الشَّهادَةِ). مَرُّوا باللَّغْو - بما يَنْبَغِي أنْ يُلغَى ويُطْرَحَ منَ الكَلاَمِ. مَرُّوا كِرَاماً - مُسْرعِينَ أو مُكَرِّمِينَ أنفسَهُمْ عن المشاركَة والخَوْضِ فيما يَخوُضُونَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الزُّور: الشيء الكذب، ويُزوِّر في الشهادة. أي: يُثبت الحق لغير صاحبه، لكن نلاحظ أن الآية لم تقُلْ: والذين لا يشهدون بالزور، مما يدلّ على أن للآية معنى أوسع من النطق بقول الزور في مجال التقاضي، حيث تقول عند القاضي: فلان فعل وهو لم يفعل. فللشهادة معنى آخر: أي: لا يحضرون الزور، والزور كلُّ مَا خالف الحق، ومنه قوله تعالى في شهر رمضان: {أية : فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ..}تفسير : [البقرة: 185]. فمعنى: {لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ ..} [الفرقان: 72] أي: لا يحضرون الباطل في أيّ لون من ألوانه قولاً أو فعلاً أو إقراراً، وكل ما خالف الحق. لذلك يقول الحق سبحانه في موضع آخر: {أية : وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي ٱلْجَاهِلِينَ}تفسير : [القصص: 55]. ويقول سبحانه: {أية : وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [الأنعام: 68]. وقال تعالى: {أية : وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ..}تفسير : [النساء: 140]. ومعلوم أن قَوْل الزور والشهادة بغير حق تقلب الحقائق وتضرُّ بالمجتمع؛ لأنك حين تشهد بالزُّور تأخذ الحق من صاحبه وتعطيه لغيره، وهذا يؤدي إلى تعطل حركة الحياة، وتجعل الإنسان لا يأمن على ثمار تعبه وعرقه، فيحجم الناس عن السعي والعمل ما دامت المسألة زوراً في النهاية. لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ألا أُنبئكم بأكبر الكبائر؟ الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئاً فجلس، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت ". تفسير : لماذا؟ لأن شهادة الزُّور تهدم كُلَّ قضايا الحق في المجتمع. ثم يقول سبحانه: {وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً} [الفرقان: 72] اللغو: هو الذي يجب في عُرْف العاقل أنْ يُلْغى ويُتْرك، وهو الهُراء الذي لا فائدة منه؛ لذلك قال فيمن يتركه {مَرُّوا كِراماً} [الفرقان: 72] والكرام يقابلها اللئام، فكأن المعنى: لا تدخل مع اللئام مجالَ اللغو والكلام الباطل الذي يُصادِم الحق ليصرف الناس عنه. ومن ذلك ما حكاه القرآن عن الكفار ليصرفوا الناس عن الاستماع لآيات الذكر: {أية : لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ ..}تفسير : [فصلت: 26], يعني: شوِّشوا عليه حتى لا يتمكّن الناس من سماعه، وهذه شهادة منهم بأنهم لو تركوا آذان الناس على طبيعتها وسجيتها فسمعت القرآن، فلا بُدَّ أن ينفعلوا به، وأن يؤمنوا به، ولو لم يكُنْ للقرآن أثر في النفوس ما قالوا هذه المقولة. وقولهم: {أية : وَٱلْغَوْاْ فِيهِ ..}تفسير : [فصلت: 26] يعني: وإنْ سمعتموه يُقرأ فالْغوْا فيه، وشوِّشوا عليه، حتى لا يصل إلى الآذان، لماذا؟ ألم يؤمن سيدنا عمر لما سمع آيات منه في بيت أخته فاطمة؟ لكن لماذا أثّر القرآن في عمر هذه المرة بالذات، وقد سمعه كثيراً فلم يتأثر به؟ قالوا: لأن اللجج والعناد يجعل الإنسان يسمع غير سامع، أما سماع عمر هذه المرة، فكان بعد أن ضرب أخته فشجَّها، وسال منها الدم، فحرّك فيه عاطفة الأخوة وحنانها، ونفض عنه الكبرياء والعناد واللجاج، فصادف القرآنُ منه نفساً صافية، وقلباً خالياً من اللدد للإسلام فأسلم. ألاَ ترى الكفار يقول بعضهم لبعض عند سماع القرآن - كما حكاه القرآن: {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً ..}تفسير : [محمد: 16]. يعني: ما معنى ما يقول، أو: ما الجديد الذي جاء به، وهذا على وجه التعجُّب منهم. فيردّ القرآن: {أية : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيۤ آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ..}تفسير : [فصلت: 44]. إذن: فالقرآن واحد، لكن المُسْتقبِل له مختلف: هذا استقبله بنفس صافية راضية، وهذا استقبله بلَدد وقلب مُغْلق، فكأنه لم يسمع، فالمسألة مسألة فِعْل وقابل للفِعْل، وسبق أن مثَّلنا لذلك بمَنْ ينفخ في يده أيام البرد والشتاء بقصد التدفئة، وينفخ في كوب الشاي مثلاً بقصد التبريد، فالفعل واحد، لكن المستقبِل مختلف. ثم يقول الحق سبحانه: {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ} معناه مَجالسُ الغِناءِ وقال: أعيادُ المُشركينَ. وقال الزُّور: الشِّركُ. تفسير : وقوله تعالى: {وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً} معناه إذا ذُكِرَ النِكاحُ عندهم كَنُّوا عَنهُ. وقال: إذا أُوذُوا صَفحُوا.

الجيلاني

تفسير : {وَ} المؤمنون المقبولون المبرورون عند الله، هم {ٱلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ} أي: الشهادة الباطلة المسقطة للعدالة والمروءة أصلاً {وَ} أيضاً {إِذَا مَرُّواْ} فجأة بلا سبق ترقب منهم وتجسس {بِاللَّغْوِ} مطلقاً: أي: ما يجب أن يلغو ويطرح من المكروهات والمحظورات والمستقبحات، سواء كان قولياً أو فعلياً {مَرُّوا} عليها {كِراماً} [الفرقان: 72] أي: مكرِّمين أنفسهم عن الوقوف عليه، مستغفرين من الله لمن ابتلاه الله به غاضين أبصارهم عن تدقيق النظر نحوه وتكرير المشاهدة إليه، والمبالغة في المطارحة والمطالعة فيه، وبالجملة: مرو باللغو على وجه التلطف والرفق والتليين، بحيث يستحيي من رفعته ولطفه المبتلون به؛ لعل الله يتوب عليهم بكرامة كرمه، إلى حيث لا يحومون حول ذلك اللغو بد ذلك أصلاً. {وَ} هم {الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ} ووعظوا {بِآيَاتِ رَبِّهِمْ} الدالة على توحيده واستقلاله في ألوهيته وربوبيته {لَمْ يَخِرُّواْ} ولم يسقطوا {عَلَيْهَا} أي: على الآيات {صُمّاً} أصمين غافلين عما فيها من الأوامر والنواهي، والعبر والأمثال، والرموز والإشارات {وَعُمْيَاناً} [الفرقان: 73] أعمياء عن مطالعة آثار أوصاف صفاته الجلالية والجمالية فيها بل يخرون ويتذللون عند سماعها، واعين حافظين بما فيها من المواعظ والتذكيرات المتعلقة لأحوالهم في النشأتين، مطالعين منها آثار الأوصاف والأسماء الإلهية، ناظرين عليها بنظر الاعتبار والاستبصار. {وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ} داعين مناجين متضرعين قائلين: {رَبَّنَا} يا من ربانا على فطرة التوحيد والإيقان {هَبْ لَنَا} بفضلك، وسعة لطفك وجودك من في حوزتنا وجوارنا {مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} أي: أجعلهم بحيث تقر وتتنور عيوننا برؤيتكم من كمال صلاحهم وسدادهم، ممتثلين بأوامرك، مجتنبين عن نواهيك {وَ} بعدما وهبتنا يا مولانا ولأهلينا ما تقر به عيوننا من الاتقاء عن محارمك والامتثال بأوامرك، و{ٱجْعَلْنَا} بلطفك {لِلْمُتَّقِينَ} المحترزين الحذرين عن محارمك ومنهياتك {إِمَاماً} [الفرقان: 74] مقتدى بهم، نرشدهم إلى طريق توحيدك. وبالجملة: {أُوْلَـٰئِكَ} السعداء المقبولون عند الله، المذكورة أوصافهم من قوله سبحانه: {أية : وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ...}تفسير : [الفرقان: 63] إلى هنا، هم الذين {يُجْزَوْنَ} من عند ربهم تفضلاً عليهم وامتناناً {ٱلْغُرْفَةَ} وهي أعلى درجات الجنان {بِمَا صَبَرُواْ} أي: بسبب ما صبروا على مشاق الطاعات ومتاعب الرياضات، والتحمل على قطع التعلقات وترك المألوفات، والذب عن جملة المشتهيات والمستلذات {وَ} بعدما استقروا عليها {يُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً} وترحيباً من الملائكة من جميع الجوانب {وَسَلاَماً} [الفرقان: 75] أي: سلامة عن جميع الآفات. {خَالِدِينَ فِيهَا} أي: في الجنة لا يتحولون عنها ولا يتبدلون، بل دائمون فيها مقيمون؛ لذلك {حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً} مستقرون فيها ومتمكنون عليها {وَمُقَاماً} [الفرقان: 76] يقيمون ويتوطنون فيها. ثمَّ لمَّا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عموم المشركين إلى الإيمان والتوحيد، وأمرهم بالإطاعة والانقياد على ما أمرهم الله، ونهاهنم عما نهاهم سبحانه على مقتضى الوحي الإلهي والكتاب المنزل من عنده كذبوه، وأنكروا له قائلين: نحن لا نؤمن بك ولا بكتابك ولا بربك الذي ادَّعيت الرسالة عنه، ولا نطيع بما أُمرنا ونُهينا عنه، وبالجملة: لا نقلل منك جميع ما جئت به من قِبَل ربك، ونسبته إليه افتراءً ومراءً. ردَّ الله عليهم قولهم هذا على أبلغ وجه وآكده مخاطباً لحبيبه صلى الله عليه وسلم، آمراً له بقوله: {قُلْ} لهم بعدما انصرفوا عن دعوتك، والإيمان بك وبربك والعمل بكتابك: {مَا يَعْبَأُ} أي: ما يبالي ويعتد بكم وبإيمانكم وكفركم {بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ} أي: إطاعتكم وعبادتكم إياه وانقيادكم له {فَقَدْ كَذَّبْتُمْ} بي وبربي، وأنكرتم بجميع ما جئتُ به من عنده سبحانه عناداً ومكابرةً، الزموا مكانكم فتربصوا، وانتظروا لجزاء تكذيبكم وإنكاركم {فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً} [الفرقان: 77] أي: سكون جزاء تكذيبكم حتماً لازماً عليكم غير منقطعٍ عنكم أبداً، بل يكبكم في النار خالدين صاغرين، ويعذبكم فيها مهانين ذليلين، نعوذ بك منك يا ذا القوة المتين. خاتمة السورة عليك أيها المحمدي اللازم لتهذيب الأخلاق عن الرذائل، وتطهير الصفات عن الذمائم، والأطوار عن القبائح، والأسرار عن الميل إلى السوى والأغيار من الأمور المنافية المكدرة لصفاء مشرب التوحيد، أن تتأمل وتتعمق في مرموزات الآيات العظام المذكورة في هذه السورة، سيما في الآيات التي وصفَ بها سبحانه خلَّص عباده المتحققين لمرتبة العبودية، المنكشفين بسعة اسمه الرحمن، المظهر لمظاهر الأكوان شهادةً وغيباً، وتتدبر في إشاراتها حق التدبر والتفكر إلى أن يتسرخ في قلبك معانيها رسوخاً تاماً، وينتفش في صحيفة سرك وخاطرك فحاويها انتقاشاً كاملاً، إلى أن تصير من جملة وجدانيتك وذوقك. وبعدما صرت ذا وجدان وحالٍ بها، وذقت حلاوتها فزت بغرفان جنة الرضا والتسليم، فحينئذٍ يترشح في صدرك رشحات بحر الوحدة الذاتية، واستنشقت من نفحات النفسات الرحمانية المهبة من فناء الحضرة الأحدية المصفية من التعينات الهيولانية والتعلقات الطبيعية، فلك ألاَّ تنظر ولا تلتفت بعد ذلك إلى مقتضيات علائق ناسوتك مطلقاً، وتجمع همك نحو لوازم لا هوتك، لعل الله ينقذك بفضله عن أغلال أنانيتك وسلاسل بشريتك بمنِّة وجوده.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 739 : 9 : 4 - سفين عن جابر عن الضحاك في قوله {وَٱلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ} قال، الشرك. [الآية 72].

همام الصنعاني

تفسير : 2103- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن في قوله: {وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً}: [الآية: 72]، قَالَ: اللَّغْوُ كله الْمعَاصِي.