Verse. 2930 (AR)

٢٥ - ٱلْفُرْقَان

25 - Al-Furqan (AR)

اُولٰۗىِٕكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَۃَ بِمَا صَبَرُوْا وَيُلَقَّوْنَ فِيْہَا تَحِيَّۃً وَّسَلٰمًا۝۷۵ۙ
Olaika yujzawna alghurfata bima sabaroo wayulaqqawna feeha tahiyyatan wasalaman

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أولئك يجزوْن الغرفة» الدرجة العليا في الجنة «بما صبروا» على طاعة الله «ويُلقَّون» بالتشديد والتخفيف مع فتح الياء «فيها» في الغرفة «تحية وسلاما» من الملائكة.

75

Tafseer

الرازي

تفسير : أما المنافع: فهي قوله: والمراد أولئك يجزون الغرفات والدليل عليه قوله: { أية : وَهُمْ فِى ٱلْغُرُفَـٰتِ ءامِنُونَ } تفسير : [سبأ: 37] وقال: { أية : لَهُمْ غُرَفٌ مّن فَوْقِهَا غُرَفٌ } تفسير : [الزمر: 20] والغرفة في اللغة العلية وكل بناء عال فهو غرفة والمراد به الدرجات العالية. وقال المفسرون الغرفة اسم الجنة، فالمعنى يجزون الجنة وهي جنات كثيرة، وقرأ بعضهم: (أولئك يجزون في الغرفة) وقوله: {بِمَا صَبَرُواْ } فيه بحثان: البحث الأول: احتج بالآية من ذهب إلى أن الجنة بالاستحقاق فقال الباء في قوله: {بِمَا صَبَرُواْ } تدل على ذلك ولو كان حصولها بالوعد لما صدق ذلك. البحث الثاني: ذكر الصبر ولم يذكر المصبور عنه، ليعم كل نوع فيدخل فيه صبرهم على مشاق التفكر والاستدلال في معرفة الله تعالى، وعلى مشاق الطاعات، وعلى مشاق ترك الشهوات وعلى مشاق أذى المشركين وعلى مشاق الجهاد والفقر ورياضة النفس فلا وجه لقول من يقول المراد الصبر على الفقر خاصة، لأن هذه الصفات إذا حصلت مع الغنى استحق من يختص بها الجنة كما يستحقه بالفقر. وثانيهما التعظيم: وهو قوله تعالى: {ويلقون فيها تحية وسلاماً}: قرىء {يُلْقُون } كقوله: { أية : وَلَقَّـٰهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً } تفسير : [الأنسان: 11] و {يُلْقُون } كقوله: { أية : يَلْقَ أَثَاماً } تفسير : [الفرقان: 68]، والتحية الدعاء بالتعمير والسلام الدعاء بالسلامة، فيرجع حاصل التحية إلى كون نعيم الجنة باقياً غير منقطع، ويرجع السلام إلى كون ذلك النعيم خالصاً عن شوائب الضرر، ثم هذه التحية والسلام يمكن أن يكون من الله تعالى لقوله: { أية : سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ } تفسير : [يس: 58] ويمكن أن يكون من الملائكة لقوله: { أية : وَالمَلَـٰئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ * سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ } تفسير : [الرعد: 23، 24] ويمكن أن يكون من بعضهم على بعض. أماقوله:

ابن كثير

تفسير : لما ذكر تعالى من أوصاف عباده المؤمنين ما ذكر من الصفات الجميلة، والأقوال والأفعال الجليلة، قال بعد ذلك كله: {أُوْلَـٰئِكَ} أي: المتصفون بهذه {يُجْزَوْنَ} يوم القيامة {ٱلْغُرْفَةَ} وهي الجنة، قال أبو جعفر الباقر وسعيد بن جبير والضحاك والسدي: سميت بذلك لا رتفاعها {بِمَا صَبَرُواْ} أي: على القيام بذلك {وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا} أي: في الجنة {تَحِيَّةً وَسَلَـٰماً} أي: يبتدرون فيها بالتحية والإكرام، ويلقون التوقير والاحترام، فلهم السلام وعليهم السلام، فإن الملائكة يدخلون عليهم من كل باب: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار. وقوله تعالى: {خَـٰلِدِينَ فِيهَا} أي: مقيمين لا يظعنون ولا يحولون ولا يموتون ولا يزولون عنها، ولا يبغون عنها حولاً، كما قال تعالى: {أية : وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِى ٱلْجَنَّةِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ} تفسير : [هود: 108] الآية. وقوله تعالى: {حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً} أي: حسنت منظراً، وطابت مقيلاً ومنزلاً، ثم قال تعالى: {قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّى} أي: لا يبالي، ولا يكترث بكم إذا لم تعبدوه، فإنه إنما خلق الخلق ليعبدوه ويوحدوه ويسبحوه بكرة وأصيلاً. قال مجاهد وعمرو بن شعيب: {قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّى} يقول: ما يفعل بكم ربي. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّى} الآية، يقول: لولا إيمانكم. وأخبر تعالى الكفار أنه لا حاجة له بهم، إذ لم يخلقهم مؤمنين، ولو كان له بهم حاجة، لحبب إليهم الإيمان كما حببه إلى المؤمنين. وقوله تعالى: {فَقَدْ كَذَّبْتُمْ} أيها الكافرون {فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً} أي: فسوف يكون تكذيبكم لزاماً لكم، يعني: مقتضياً لعذابكم وهلاككم ودماركم في الدنيا والآخرة، ويدخل في ذلك يوم بدر؛ كما فسره بذلك عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب ومحمد بن كعب القرظي ومجاهد والضحاك وقتادة والسدي وغيرهم. وقال الحسن البصري: {فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً} أي: يوم القيامة، ولا منافاة بينهما.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أُوْلَـٱئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ } الدرجة العليا في الجنة {بِمَا صَبَرُواْ } على طاعة الله {وَيُلَقَّوْنَ } بالتشديد والتخفيف مع فتح الياء {فِيهَا } في الغرفة {تَحِيَّةً وَسَلَٰماً } من الملائكة.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ يُجْزَوُنَ الْغُرْفَةَ} فيها وجهان: أحدهما: أن الغرفة الجنة، قاله الضحاك. الثاني: أنها أعلى منازل الجنة وأفضلها كما أن الغرفة أعلى منازل الدنيا، حكاه ابن شجرة. {بِمَا صَبَرُواْ} فيه وجهان: أحدهما: بما صبروا عن الشهوات، قاله الضحاك. الثاني: بما صبروا على طاعة الله. {وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً} فيه وجهان: أحدهما: يعني بقاء دائماً. الثاني: ملكاً عظيماً. {وَسَلاَماً} فيه وجهان: أحدهما: أنها جماع السلامة الخير. الثاني: هو أن يحيي بعضهم بعضاً بالسلام، قاله الكلبي. ولأصحاب الخواطر في التحية والسلام وجهان: أحدهما: التحية على الروح والسلام على الجسد. الثاني: أن التحية على العقل والسلام على النفس. قوله تعالى: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي} فيه وجهان: أحدهما: ما يصنع، قاله مجاهد، وابن زيد. الثاني: ما يبالي، قاله أبو عمرو بن العلاء. {لَوْلاَ دُعآؤُكُمْ} فيه وجهان: أحدهما: لولا عبادتكم وإيمانكم به، والدعاء العبادة. الثاني: لولا دعاؤه لكم إلى الطاعة، قاله مجاهد. ويحتمل ثالثاً: لولا دعاؤكم له إذا مسكم الضر وأصابكم السوء رغبة إليه وخضوعاً إليه. {فَقَدْ كَذَّبْتُمْ} فيه وجهان: أحدهما: كذبتم برسلي. الثاني: قصرتم عن طاعتي مأخوذ من قولهم قد كذب في الحرب إذا قصّر. {لِزَاماً} فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه عذاب الدنيا وهو القتل يوم بدر، قاله ابن مسعود وأُبي. الثاني: عذاب الآخرة في القيامة، قاله قتادة. الثالث: أنه الموت، قاله محمد بن كعب، ومنه قول الشاعر: شعر : يـولـي عند حاجـتهـا البشيـر ولـم أجـزع من الـمـوت الـلزام تفسير : الرابع: هو لزوم الحجة في الآخرة على تكذيبهم في الدنيا، قاله الضحاك، وأظهر الأوجه أن يكون اللزام الجزاء للزومه، والله أعلم.

ابن عطية

تفسير : قرأ أبي كعب "يجازون" بألف، و {الغرفة} من منازل الجنة وهي الغرفة فوق الغرف وهو اسم الجنة كما قال: [الهزج] شعر : ولولا الحبة السمراء لم نحلل بواديكم تفسير : وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو "ويُلَقّون" بضم الياء وفتح اللام وشد القاف وهي قراءة أبي جعفر وشيبة والحسن، وقرأ حمزة والكسائي وابن عامر وعاصم وطلحة ومحمد اليماني ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم"ويلْقون" بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف، واختلف عن عاصم وقوله {حسنت مستقراً ومقاماً} معادل لقوله في جهنم {ساءت} وقوله: {قل ما يعبؤوا بكم} الآية أمر لمحمد صلى الله عليه وسلم أن يخاطب بذلك، و {ما} تحتمل النفي وتحتمل التقرير والكلام في نفسه يحتمل تأويلات أحدها أن تكون الآية إلى قوله {لولا دعاؤكم} خطاباً لجميع الناس فكأنه قال لقريش منهم أي ما يبالي الله بكم ولا ينظر إليكم لولا عبادتكم إياه أن لو كانت إذ ذلك الذي يعبأ بالبشر من أجله. قال تعالى: {أية : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} تفسير : [الذاريات: 56]. وقال النقاش وغيره المعنى لولا استغاثتكم إليه في الشدائد ونحو ذلك فذلك هو عرف الناس المرعي فيهم، وقرأ ابن الزبير وغيره "فقد كذب الكافرون" وهذا يؤيد أن الخطاب بما يعبأ هو لجميع الناس، ثم يقول لقريش فأنتم قد كذبتم ولم تعبدوه فسوف يكون العذاب والتكذيب الذي هو سبب العذاب لزاماً، والثاني أن يكون الخطاب بالآيتين لقريش خاصة أي {ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم} الأصنام آلهة دونه فإن ذلك يوجب تعذيبكم، والثالثة وهو قول مجاهد أي ما يعبأ ربكم بكم لولا أن دعاكم إلى شرعه فوقع منكم الكفر والإعراض. قال القاضي أبو محمد: والمصدر في هذا التأويل مضاف إلى المفعول وفي الأولين مضاف إلى الفاعل و {يعبأ} مشتق من العبء، وهو الثقل الذي يعبأ ويرتب كما يعبأ الجيش، وقرأ ابن الزبير "وقد كذبت الكافرون فسوف"، قال ابن جني قرأ ابن الزبير وابن عباس الخ... " فقد كذب الكافرون"، قال الزهراوي وهي قراءة ابن مسعود قال وهي على التفسير وأكثر الناس على أن "اللزام" المشار إليه في هذا الموضع هو يوم بدر وهو قول أبي بن كعب وابن مسعود، والمعنى فسوف يكون جزاء التكذيب، وقالت فرقة هو تعوذ بعذاب الآخرة، وقال ابن مسعود اللزام التكذيب نفسه أي لا تعطون توبة ذكره الزهراوي، وقال ابن عباس أيضاً "اللزام" الموت وهذا نحو القول ببدر وإن أراد به متأول الموت المعتاد في الناس عرفاً فهو ضعيف، وقرأ جمهور الناس "لِزاماً" بكسر اللام من لوزم وأنشد أبو عبيدة لصخر الغي: [الوافر] شعر : فإمّا ينجوا من حتف أرض فقد لقيا حتوفهما لزاما تفسير : وقرأ أبو السمال "لَزاماً" لفتح اللام من لزم والله المعين.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْغُرْفَةَ} الجنةٍ، أو أعلى منازل الجنة {صَبَرُواْ} على الطاعة، أو عن شهوات الدنيا. {تَحِيَّةً} بقاء دائماً، أو ملكاً عظيماً. {وَسَلاماً} جميع السلامة والخير، أو يحيي بعضهم بعضاً بالسلام.

ابن عادل

تفسير : قوله: {أُوْلَـٰئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ} أي: يثابون الغرفة، وهي الدرجة العالية. و"الغُرْفَة" مفعول ثان لـ "يُجْزَونَ"، والغُرْفَةُ كُلُّ بِنَاء مرتفع، والجمع غُرَفٌ. قوله: "بِمَا صَبَرُوا" أي بِصَبْرِهم، أي: بِسَببه أو بسبب الذي صبروه، والأصل: صبروا عليه، ثم حذف بالتدريج. والباء للسببية كما تقدم، وقيل: للبدل، كقوله: شعر : 3893- فَلَيْتَ لِي بِهِمُ قَوْماً... تفسير : ولا حاجة إلى ذلك. وذكر الصبر ولم يذكر المصبور عنه، ليعمّ جميع أنواع المشاقّ، ولا وجه لقول من يقول: المراد الصبر على الفقر خاصة. قوله: "وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا" قرأ الأخوان وأبو بكر بفتح الياء وسكون اللام من لَقِيَ يَلْقَى، والباقون بضمها، وفتح اللام وتشديد القاف على بنائه للمفعول، كقوله: {أية : وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً} تفسير : [الإنسان: 11]. والتحيّة الدعاء بالتعمير، أي: بقاء دائماً، وقيل: الملك. والسلام الدعاء بالسلامة، أو يسلم بعضهم على بعض. وهذه التحيّة والسلام يمكن أن يكون من الله كقوله {أية : سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} تفسير : [يس: 58]. ويمكن أن يكون من الملائكة لقوله: {أية : وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ} تفسير : [الرعد: 23 - 24]. ويمكن أن يكون بعضهم على بعض. قوله: {خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً}. وصف ذلك بالدوام بقوله: "خالدين فيها"، وقوله: {حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً} أي: موضع قرار وإقامة، وهذا في مقابلة قوله: {أية : سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً} تفسير : [الفرقان: 66] أي: ما أسوأ ذاك وأحسن هذا. قوله: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي}. قال مجاهد وابن زيد: أي: ما يصنع وما يفعل بكم. قال أبو عبيدة: يقال: ما عَبَأْت به شيئاً، أي: لم أُبَالِهِ، فوجوده وعدمه سواء. وقال الزجاج: معناه لا وزن لكم عندي والعبء في اللغة الثقل. وقال أبو عمرو بن العلاء: ما يبالي ربكم، ويقال: ما عبأت بك، أي: ما اهتممت ولا اكترثت، ويقال: عبأت الجيش وعبأته، أي: هيأته وأعددته. قوله: "لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ" جوابها محذوف لدلالة ما تقدم، أي: لولا دعاؤكم ما أعبأ بكم ولا أكترث، و"ما" يجوز أن تكون نافية، وهو الظاهر، وقيل: استفهام، بمعنى النفي، ولا حاجة إلى التجوز في شيء يصح أن يكون حقيقة بنفسه. و"دُعَاؤُكُمْ" يجوز أن يكون مضافاً للفاعل، أي: لولا تضرّعكم إليه، ويجوز أن يكون مضافاً للمفعول، أي: لولا دعاؤكم إيّاهُ إلى الهدى. فصل ومعنى هذا الدعاء وجوه: الأول: لولا دعاؤكم إياه في الشدائد كما قال تعالى: {أية : فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} تفسير : [العنكبوت: 65]. الثاني: لولا شكركم له على إحسانه، لقوله: {أية : مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ} تفسير : [النساء: 147]. الثالث: لولا عبادتكم. الرابع: لولا إيمانكم. وقيل المعنى: ما خلقتكم وبي إليكم حاجة إلا أن تسألوني فأعطيكم وتستغفروني فأغفر لكم. وقيل: المعنى: قل ما يعبأ بخلقكم ربي لولا عبادتكم وطاعتكم إياه، يعني أنه خلقكم لعبادته كما قال: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} تفسير : [الذاريات: 56]. قاله ابن عباس ومجاهد. وقيل: معناه ما يبالي بمغفرتكم ربي لولا دعاؤكم معه آلهة، أو ما يفعل الله بعذابكم لولا شرككم كما قال: {أية : مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ} تفسير : [النساء: 147]. قوله: "فَقَدْ كَذَّبْتُمْ" أيها الكافرون يخاطب أهل مكة، يعني أن الله دعاكم بالرسول إلى توحيده وعبادته فقد كذبتم الرسول ولم تجيبوه. وقرئ "فقد كذب الكافرون" قوله: {فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً} أي: فسوف يلزمكم أثر تكذيبكم، وهذا عقاب الآخرة، ونظيره أن يقول الملك لمن استعصى عليه: إن من عادتي أن أحسن إلى من يطيعني فقد عصيت فسوف ترى ما أحل بك بسبب عصيانك. قوله: "لِزَاماً" قرئ بالفتح يعني اللزوم كالثبات والثبوت. قال ابن عباس: موتاً. وقال أبو عبيدة: هلاكاً. وقال ابن زيد: قتالاً والمعنى: يكون التكذيب لازماً لمن كذب فلا يعطى التوبة حتى يجازى بعمله. وقال ابن جريج: عذاباً دائماً لازماً وهلاكاً مُفْنِياً يلحق بعضكم ببعض. قال ابن مسعود وأبيّ بن كعب ومجاهد ومقاتل: هو يوم بدر واتصل بهم عذاب الآخرة لازماً لهم. وقال عبد الله بن مسعود: خمس قد مضين الدخان والقمر واليوم والبطشة واللزام: {فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً}. روى الثعلبي عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قرأ سورة الفرقان بعثه الله يوم القيامة وهو يؤمن أن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور، ودخل الجنة بغير حساب ".

السيوطي

تفسير : أخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلمحديث : في قوله ‏ {‏أولئك يجزون الغرفة‏} ‏ قال‏:‏ هي من ياقوته حمراء، أو زبرجدة خضراء، أو درة بيضاء، ليس فيها قصم ولا وهم‏ .‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله ‏ {‏أولئك يجزون الغرفة‏}‏ قال‏:‏ الجنة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية عن أبي جعفر في قوله ‏ {‏أولئك يجزون الغرفة بما صبروا‏}‏ قال‏:‏ على الفقر في دار الدنيا‏.‏ وأخرج زاهر بن طاهر الشحامي عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : إن في الجنة لغرفاً ليس فيها مغاليق من فوقها ولا عماد من تحتها قيل‏:‏ يا رسول الله وكيف يدخلها أهلها‏؟‏ قال‏:‏ يدخلونها أشباه الطير قيل يا رسول الله‏:‏ لمن هي‏؟‏ قال: لأهل الاسقام والأوجاع والبلوى ‏"‏‏. تفسير : وأخرج أحمد عن أبي مالك الأشعري قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏حديث : إن في الجنة غرفة يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها أعدها الله لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، وتابع الصيام، وصلى والناس نيام‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ‏ {‏أولئك‏} ‏ يعني الذين في هؤلاء الآيات ‏ {‏يجزون الغرفة‏} ‏ يعني في الآخرة ‏{‏الغرفة‏}‏ الجنة ‏{‏بما صبروا‏}‏ على أمر ربهم ‏ {‏ويلقون فيها‏} ‏ يعني تتلقاهم الملائكة بالتحية والسلام ‏ {‏خالدين فيها‏} ‏ لا يموتون ‏ {‏حسنت مستقرا‏ً}‏ يعني مستقرهم في الجنة ‏ {‏ومقاماً‏} ‏ يعني مقام أهل الجنة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عاصم قال‏:‏ لقي ابن سيرين رجل فقال‏:‏ حياك الله فقال‏:‏ إن أفضل التحية تحية أهل الجنة السلام‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ‏"‏أولئك يجزون الغرفة ‏(‏واحدة‏)‏ بما صبروا ويلقون" خفيفة منصوبة الياء والله تعالى أعلم‏.‏

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ} [الآية: 75]. قال الترمذى: أهل الغُرف كانوا فى أوائل الأمة لا فى آخرها وإنما وصف أهل الغرف بما يعقل من ظاهر أمورهم وإنما نالوهم بما فى باطنهم ألا تراه يقول {بِمَا صَبَرُواْ} والصبر فى الأخلاق والآداب. قوله تعالى: {وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاَماً} [الآية: 75]. قال الواسطى رحمه الله: التحية غير السلام. السلام عند الله والتحية صفو الحياة مع الحق. قال أيضًا: التحية من الله إلى الروح كوة تحيى الروح بتحية فلا يلاحظ غير من حياه وأكرمه وأدناه تحية من عند الله مباركة طيبة. وقال التحية فى الدنيا على العقول بركات ما يقع عليها من طيب ما أجرى عليها. وقال: التحية فى الأصل ما تحيا به فيفرحُ الروح بذلك ويأنس به. قال بعضهم: التحية أنس الأشرار بالحى والسلام سلامة القلب من القطيعة.

القشيري

تفسير : يعطي - سبحانه - الكثير من عطائه ويعده قليلاً، ويقبل اليسيرَ من طاعة العبد ويعده كثيراً عظيماً، يعطيهم الجنة؛ قصوراً وحوراً ثم يقول: {أُوْلَـٰئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ} ويقبل اليسير من العبد فيقول: {أية : فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ}تفسير : [الذاريات: 26]. لَيَرْوه من غير تكلف نقل، ولا تحمل قطع مسافة. ويقال: {أية : هَلْ جَزَآءُ ٱلإِحْسَانِ إِلاَّ ٱلإِحْسَانُ}تفسير : [الرحمن: 60]: اليومَ يحضر العبدُ بيتَه لأداء العبادة، وينقل أقدامه إلى المساجد، وغداً يجازيهم بأن يكفيهم قطعَ المسافة، فهم على أرائكهم - في مستقرِّ عِزِّهم - يسمعون كلام الله، وينظرون إلى الله. قوله: {بِمَا صَبَرُواْ} أي صبروا عمَّا نهوا عنه، وصبروا على الأحكام التي أجراها عليهم بِتَرْكِ اختيارهم، وحُسْن الرضا بتقديره.

اسماعيل حقي

تفسير : {اولئك} المتصفون بما فصل فى حيز صلة الموصولات الثمانية من حيث اتصافهم به والمستجمون لهذه الخصال وهو مبتدأ خبره قوله تعالى {يجزون الغرفة} الجزاء الغناء والكفاية والجزاء ما فيه الكفاية من المقابلة ان خيرا فخير وان شرا فشر. والغرف رفع الشىء او تناوله يقال غرفت الماء والمرق والغرفة الدرجة العالية من المنازل لكل بناء مرتفع عال اى يثابون اعلى منازل الجنة وهى اسم جنس اريد به الجمع كقوله تعالى {أية : وهم فى الغرفات آمنون}تفسير : . ودر فصول عبدالوهاب [كوشكهاست برجهار قائمة نهاده از سيم وزر ولؤلؤ ومرجان] {بما صبروا} ما مصدرية ولم يقيد الصبر بالمتعلق بل اطلق ليشيع فى كل مصبور عليه. والمعنى بصبرهم على المشاق من مضض الطاعات ورفض الشهوات وتحمل المجاهدات ومن ذلك الصوم قال عليه السلام "حديث : الصوم نصف الصبر والصبر نصف الايمان"تفسير : اى فيكون الصوم ربع الايمان وهو اى الصوم قهر لعدو الله فان وسيلة الشيطان الشهوات وانما تقوى الشهوات بالاكل والشرب ولذلك قال عليه السلام "حديث : ان الشيطان ليجرى من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالجوع" شعر : جوع باشد غداى اهل صفا محنت وابتلاى اهل هوا جوع تنوير خانه دل تست اكل تعمير خانه كل تست خانه دل كذا شتى بى نور خانه كل جه ميكنى معمور تفسير : وفى الحديث "حديث : ان فى الجنة لغرفا مبنية فى الهواء لاعلاقة من فوقها ولا عماد لها من تحتها لا يأتيها اهلها الا شبه الطير لا ينالها الا اهل البلاء" تفسير : اى الصابرون منهم. وفى التأويلات النجمية {اولئك يجزون الغرفة} من مقام العندية فى مقعد صدق عند مليك مقتدر {بما صبروا} فى البداية على اداء الاوامر وترك النواهى وفى الوسط على تبديل الاخلاق الذميمة بالاخلاق الحميدة وفى النهاية على افناء الوجود الانسانى فى الوجود الربانى انتهى، والصبر ترك الشكوى من ألم البلوى لغير الله لا الى الله، قال بعض الكبار من ادب العارف بالله تعالى اذا اصابه ألم ان يرجع الى الله تعالى بالشكوى رجوع ايوب عليه السلام ادبا مع الله واظهارا للعجز حتى لا يقاوم القهر الالهى كما يفعله اهل الجهل بالله ويظنون انهم اهل تسليم وتفويض وعدم اعتراف فجمعوا بين جهالتين {ويلقون فيها} اى فى الغرفة من جهة الملائكة {تحية} [التلقية: جيزى بيش كسى را آوردن] يعدى الى المفعول الثانى بالباء وبنفسه كما فى تاج المصادر يقال لقيته كذا وبكذا اذا استقبلته به كما فى المفردات. والمعنى يستقبلون فيها بالتحية {وسلاما} اى وبالسلام تحييهم الملائكة ويدعون لهم بطول الحياة والسلامة من الآفات فان التحية هى الدعاء بالتعمير والسلام هو الدعاء بالسلامة، قال فى المفردات التحية ان يقال حياك الله اى جعل لك حياة وذلك اخبار ثم يجعل دعاء ويقال حيى فلان فلانا تحية اذا قال له ذلك واصل التحية من الحياة ثم جعل كل دعاء تحية لكون جميعه غير خارج عن حصول حياة اوسبب حياة اما لدنيا واما لآخرة ومنه التحيات لله والسلام والسلامة التعرى عن الآفات الظاهرة والباطنة وليست السلامة الحقيقة الا فى الجنة لان فيها بقاء بلا فناء وغنى بلا فقر وعزا بلا ذل وصحة بلا سقم، قال بعضهم الفرق ان السلام سلامة العارفين فى الوصال عن الفرقة التحية روح تجلى حياة الحق الازلى على ارواحهم واشباحهم فيحيون حياة ابدية، وقال بعضهم ويلقون فيها تحية يحيون بها بحياة الله وسلاما يسلمون به من الاستهلاك الكلى كما استحفظ ابراهيم عليه السلام من آفة البرد بالسلام بقوله تعالى {أية : كونى بردا وسلاما على ابراهيم} شعر : سلامت من دلخسته درسلام توباشد زهى سعادت اكر دولت سلام تويابم

الجنابذي

تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ} يعنى الغرفة المعهودة او البناء العالى والجنّة العالية {بِمَا صَبَرُواْ} اى بصبرهم او بالبلايا او الطّاعات الّتى صبروا عليها {وَيُلَقَّوْنَ} من امثالهم من المؤمنين او من الملائكة او من الله {فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاَماً} من ذكر الخاصّ بعد العامّ.

اطفيش

تفسير : {أُولئك يُجْزَون الغُرفَة} البيت العالى فوق آخر أو العالى بكون أرضه عاليه، ولو لم يكن تحته آخر، وكفى بكونه فوق السماء السابعة عالياً وغرفة وأل للجنس، فمعناه غرف لأن لكل واحد غرفة، ويدل له قوله تعالى: " أية : وهم فى الغرفات آمنون "تفسير : وعن ابن عباس: بيوت من زبرجد ودر وياقوت، وعن سهل بن سعد عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : بيوت من ياقوتة حمراء، أَو زبرجد أخضر أو درة بيضاء ليس فيها فصم ولا صم "تفسير : وجاء أن كل واحدة جسم واحد لا أجزاء ملفقة، وكل ما فى الجنة كذلك. {بما صبَروا} بصبْرهم على الطاعات والمصائب، وعن اللذات، والباء لسببة أو للبدلية أى عوض صبرهم {ويلقَّوْن فيها تحيَّة وسلاماً} يجعلهم الله لاقين فيها تحية وسلاماً من الملائكة، ومن بعض لبعض، وهما طلب الحياة والسلامة من كل آفة، الدائمين وليس المراد الطلب حقيقة، لأنه تعالى قد أنجز لهم ذلك وإلا كان شكاً فى نقض الوعد، بل المراد مجرد التكريم والمؤانسة.

الالوسي

تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ } إشارة إلى المتصفين بما فصل في حيز الصلات من حيث اتصافهم به؛ وفيه دلالة على أنهم متميزون منتظمون بسببه في سلك الأمور المشاهدة، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهم في الفضل، وهو مبتدأ خبره جملة قوله تعالى: {يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ } والجملة على الأقرب استئناف لا محل لها من الإعراب مبينة لما لهم في الآخرة من السعادة الأبدية إثر بيان ما لهم في الدنيا من الأعمال السنية، و {ٱلْغُرْفَةَ } الدرجة العالية من المنازل وكل بناء مرتفع عال، وقد فسرت هنا على ما روي عن ابن عباس ببيوت من زبرجد ودر وياقوت. وأخرج الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» عن سهل بن سعد عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه: «حديث : قال فيها بيوت من ياقوتة حمراء أو زبرجدة خضراء أو درة بيضاء ليس فيها فصم ولا وصم»تفسير : ، وقيل: أعلى منازل الجنة، ولا يأباه الخبر لجواز أن تكون الغرف الموصوفة فيه هناك، وروي عن الضحاك أنها الجنة، وقيل: السماء السابعة، وعلى تفسيرها بجمع، ويؤيده قوله تعالى: {أية : وَهُمْ فِى ٱلْغُرُفَـٰتِ ءامِنُونَ } تفسير : [سبأ: 37] وقرىء فيه (في الغرفة) يكون المراد بها الجنس وهو يطلق على الجمع كما سمعت آنفاً، وإيثار الجمع هنالك على ما قال الطيبـي لأنها رتبت على الإيمان والعمل الصالح ولا خفاء في تفاوت الناس فيهما وعلى ذلك تتفاوت الأجزية، وهٰهنا رتب على مجموع الأوصاف الكاملة فلذا جىء بالواحد دلالة على أن الغرف لا تتفاوت. {بِمَا صَبَرُواْ } أي بسبب صبرهم على أن الباء للسببية و(ما) مصدرية، وقيل: هي للبدل كما في قوله:شعر : فليت لي بهم قوماً إذا ركبوا شنوا الإغارة فرساناً وركبانا تفسير : أي بدل صبرهم ولم يذكر متعلق الصبر ليعم ما سلف من عبادتهم فعلاً وتركاً وغيره من أنواع العبادة والكل مدمج فيه فإنه إما عن المعاصي وإما على الطاعات وإما على الله تبارك وتعالى وهو أعلى منهما ويعلم من ذلك وجه إيثار {صَبَرُواْ } على فعلوا {وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَـٰماً } أي تحييهم الملائكة عليهم السلام ويدعون لهم بطول الحياة والسلامة عن الآفات أو يحيـي بعضهم بعضاً ويدعو له بذلك، والمراد من الدعاء به التكريم وإلقاء السرور والمؤانسة وإلا فهو متحقق لهم ويعطون التبقية والتخليد مع السلامة من كل آفة فليس هناك دعاء أصلاً. وقرأ طلحة ومحمد اليماني وأهل الكوفة غير حفص {يُلْقُون } بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف.

ابن عاشور

تفسير : التصدير باسم الإشارة للتنبيه على أن ما يَرد بعده كانوا أحرياء به لأجل ما ذُكر قبل اسم الإشارة. وتلك مجموع إحدى عشرة خصلة وهي: التواضع، والحلم، والتهجد، والخوف، وترك الإسراف، وترك الإقتار، والتنزه عن الشرك، وترك الزنا، وترك قتل النفس، والتوبةُ، وترك الكذب، والعفوُ عن المسيء، وقبولُ دعوة الحق، وإظهار الاحتياج إلى الله بالدعاء. واسم الإشارة هو الخبر عن قوله {أية : وعباد الرحمٰن}تفسير : [الفرقان: 63] كما تقدم على أرجح الوجهين. و{الغرفة}: البيت المعتلي يصعد إليه بدرج وهو أعزّ منزلاً من البيت الأرضي. والتعريف في الغرفة تعريفُ الجنس فيستوي فيه المفرد والجمع مثل قوله تعالى: {أية : وأنزلنا معهم الكتاب}تفسير : [الحديد: 25] فالمعنى: يُجزون الغُرَف، أي من الجنة، قال تعالى: {أية : وهم في الغُرفات آمنون}تفسير : [سبأ: 37]. والباء للسببية. و(ما) مصدرية في قوله: {بما صبروا}، أي بصبرهم وهو صبرهم على ما لقوا من المشركين من أذى، وصبرُهم على كبح شهواتهم لأجل إقامة شرائع الإسلام، وصبرهم على مشقة الطاعات. وقرأ الجمهور: {وَيُلقون} بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف المفتوحة مضارع لقّاه إذا جعله لاقياً. وقرأه حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وخلف {ويَلْقَون} بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف المفتوحة مضارع لَقِيَ. وَاللُّقِيُّ واللِّقَاء: استقبال شيء ومصادفته، وتقدم في قوله تعالى: {أية : واتقوا الله واعلموا أنكم مُلاقوه}تفسير : في سورة البقرة (223)، وفي قوله: {أية : يا أيها الذين آمنوا إذا لَقِيتُم الذين كفروا زحْفاً} تفسير : في سورة الأنفال (15)، وتقدم قريباً قوله تعالى: {أية : ومن يفعل ذلك يلقَ أثاماً}تفسير : [الفرقان: 68]. وقد استعير اللُّقِيّ لسماع التحية والسلام، أي أنهم يسمعون ذلك في الجنة من غير أن يدخلوا على بأس أو يدخل عليهم بأس بل هم مصادفون تحية إكرام وثناء مثل تحيات العظماء والملوك التي يرتلها الشعراء والمنشدون. ويجوز أن يكون إطلاق اللُّقِيّ لسماع ألفاظ التحية والسلام لأجل الإيماء إلى أنهم يسمعون التحية من الملائكة يَلْقَوْنَهم بها، فهو مجاز بالحذف قال تعالى: {أية : وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون}تفسير : في سورة الأنبياء (103). وقوله: {حسنت مستقراً ومقاماً} هو ضدّ ما قيل في المشركين {أية : إنها ساءت مستقراً ومقاماً}تفسير : [الفرقان: 66]. والتحية تقدمت في قوله: {أية : وإذا حُيِّيتُم بتحية} تفسير : في سورة النساء (86)، وفي قوله: {أية : وتحيتهم فيها سلام}تفسير : في سورة يونس (10)، وقوله: {أية : تحية من عند الله مباركة طيبة} تفسير : في آخر النور (61).

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ}. الظاهر أن المراد بالغرفة في هذه الآية الكريمة جنسها الصادق بغرف كثيرة، كما يدل عليه قوله تعالى: {أية : وَهُمْ فِي ٱلْغُرُفَاتِ آمِنُونَ} تفسير : [سبأ: 37] وقوله تعالى: {أية : لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} تفسير : [الزمر: 20] الآية. وقد أوضحنا هذا في أول سورة الحج وفي غيرها. قوله تعالى: {وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاَماً} وقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة يونس في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ} تفسير : [يونس: 10].

د. أسعد حومد

تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ} {وَسَلاَماً} (75) - وهؤُلاءِ المؤمِنُونَ المُتَّصِفُون بالصِّفَاتِ السَّابِقَةِ، يُجْزَوْنَ، يومَ القِيامةِ، بالدَّرَجاتِ العَالية، والمَنَازِلِ الرَّفيعةِ، في الجَنَّةِ، لصَبْرِهِمْ على القِيَامِ بِمَا أَمَرَ اللهُ، وتَتلقاهُمُ المَلائِكَةُ في الجَنَّةِ بالتَّحِيةِ والسَّلامِ، فلهُمُ السَّلامُ، وعليهمُ السَّلامُ. الغُرْفَةَ - أَمَاكنُ عاليةٌ في الجَنَّةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ ..} [الفرقان: 75] خبر عن عباد الرحمن الذين تقدمتْ أوصافهم، فجزاؤهم {يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ ..} [الفرقان: 75] وجاءت الغرفة مفردةً مع أنهم متعددون، يحتاج كل منهم إلى غرفة خاصة به. قالوا؛ لأن الغرفة هنا معناها المكان العالي الذي يشتمل على غرفات، كما قال تعالى: {أية : إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ ٱلضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِي ٱلْغُرُفَاتِ آمِنُونَ}تفسير : [سبأ: 37]. وهذا الجزاء نتيجة {بِمَا صَبَرُواْ ..} [الفرقان: 75] صبروا على مشاقِّ الطاعات، وقد أوضح النبي صلى الله عليه وسلم هذه المسألة بقوله: "حديث : حُفَّتْ الجنة بالمكاره، وحُفَّتْ النار بالشهوات ". تفسير : فالجنة تستلزم أن أصبر على مشاقِّ الطاعات، وأن أُقدِّر الجزاء على العمل، وأستحضره في الآخرة، فإنْ ضِقْتَ بالطاعات وكذَّبْتَ بجزاء الآخرة، فَلِمَ العمل إذن؟ ومثَّلْنا لذلك بالتلميذ الذي يجدّ ويجتهد في دروسه، لأنه يستحضر يوم الامتحان ونتيجته، وكيف سيكون موقفه في هذا اليوم، إذن: لو استحضر الإنسانُ الثوابَ على الطاعة لَسهُلَتْ عليه وهانتْ عليه متاعبها، ولو استحضر عاقبة المعصية وما ينتظره من جزائها لابتعد عنها. فالتكاليف الشرعية تستلزم الصبر، كما قال تعالى: {أية : وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ}تفسير : [البقرة: 45]. فالحق - تبارك وتعالى - يريد منّا ألاَّ نعزل التكاليف عن جزائها، بل ضَعِ الجزاء نُصْب عينيك قبل أنْ تُقدِم على العمل. لذلك النبي صلى الله عليه وسلم يسأل أحد صحابته: "حديث : "كيف أصبحتَ يا حارثة" فيقول: أصبحتُ مؤمناً حقاً، فقال: "إنَّ لكل حقّ حقيقة، فما حقيقة إيمانك". قال: عزفتْ نفسي عن الدنيا، حتى استوى عندي ذهبها ومدرها، وكأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة يُنعَّمون، وإلى أهل النار في النار يُعذَّبون . تفسير : فالمسألة - إذن - في نظرهم لم تكُنْ غيباً، إنما مشاهدة، كأنهم يرونها من شدة يقينهم بها؛ لذلك قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : عرفتَ فالزم ". تفسير : والإمام علي - كرَّم الله وجهه - يقول: لو كُشِف عني الحجاب ما ازددتُ يقيناً. لماذا؟ لأنه بلغ من اليقين في الغيب إلى حَدِّ العلم والمشاهدة. ثم يقول تعالى: {وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاَماً} [الفرقان: 75]. التحية أن نقول له: إننا نُحيِّيك يعني: نريد حياتك بأُنْسك بِنَا، والسلام: الأمان والرحمة، لكن ممَّنْ يكون السلام؟ ورَدُّ السلام في القرآن الكريم بمعان ثلاثة: سلام من الله، كما في قوله تعالى: {أية : سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ}تفسير : [يس: 58]. وسلام من الملائكة: {أية : وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم ..}تفسير : [الرعد: 23-24]. وسلام من أهل الأعراف، وهم قوم استوتْ حسناتهم وسيئاتهم، فلم يدخلوا الجنة، ولم يدخلوا النار، وهؤلاء يقولون: {أية : وَعَلَى ٱلأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ}تفسير : [الأعراف: 46]. إذن: فعباد الرحمن يُلَقَّوْن في الجنة سلاماً من الله، وسلاماً من الملائكة، وسلاماً من أهل الأعراف. ثم يقول الحق سبحانه: {خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ ...}.