Verse. 2932 (AR)

٢٥ - ٱلْفُرْقَان

25 - Al-Furqan (AR)

قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّيْ لَوْلَا دُعَاۗؤُكُمْ۝۰ۚ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُوْنُ لِزَامًا۝۷۷ۧ
Qul ma yaAAbao bikum rabbee lawla duAAaokum faqad kaththabtum fasawfa yakoonu lizaman

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل» يا محمد لأهل مكة «ما» نافية «يعبأ» يكترث «بكم ربي لولا دعاؤكم» إياه في الشدائد فيكشفها «فقد» أي فكيف يعبأ بكم وقد «كذبتم» الرسول والقرآن «فسوف يكون» العذاب «لزاما» ملازما لكم في الآخرة بعد ما يحلّ بكم في الدنيا، فقتل منهم يوم بدر سبعون وجواب لولا دلَّ عليه ما قبلها.

77

Tafseer

الرازي

تفسير : فاعلم أنه سبحانه لما شرح صفات المتقين، وشرح حال ثوابهم أمر رسوله أن يقول: {قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبّى لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ } فدل بذلك على أنه تعالى غني عن عبادتهم، وأنه تعالى إنما كلفهم لينتفعوا بطاعتهم وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الخليل ما أعبأ بفلان أي ما أصنع به كأنه (يستقله) ويستحقره، وقال أبو عبيدة ما أعبأ به أي وجوده وعدمه عندي سواء، وقال الزجاج معناه أي لا وزن لكم عند ربكم، والعبء في اللغة الثقل، وقال أبو عمرو بن العلاء ما يبالي بكم ربي. المسألة الثانية: في {مَا } قولان أحدهما أنها متضمنة لمعنى الاستفهام وهي في محل النصب وهي عبارة عن المصدر، كأنه قيل وأي عبء يعبأ بكم لولا دعاؤكم، والثاني أن تكون ما نافية. المسألة الثالثة: ذكروا في قوله: {لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ } وجهين: أحدهما: لولا دعاؤه إياكم إلى الدين والطاعة والدعاء على هذا مصدر مضاف إلى المفعول وثانيهما: أن الدعاء مضاف إلى الفاعل وعلى هذا التقدير ذكروا فيه وجوهاً: أحدها: لولا دعاؤكم لولا إيمانكم وثانيها: لولا عبادتكم وثالثها: لولا دعاؤكم إياه في الشدائد كقوله: { أية : فَإِذَا رَكِبُواْ فِى ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ } تفسير : [العنكبوت: 65] ورابعها: دعاؤكم يعني لولا شكركم له على إحسانه لقوله: { أية : مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ } تفسير : [النساء: 147] وخامسها: ما خلقتكم وبي إليكم حاجة إلا أن تسألوني فأعطيكم وتستغفروني فأغفر لكم. أما قوله: {فَقَدْ كَذَّبْتُمْ } فالمعنى أني إذا أعلمتكم أن حكمي أني لا أعتد بعبادي إلا لعبادتهم فقد خالفتم بتكذيبكم حكمي فسوف يلزمكم أثر تكذيبكم وهو عقاب الآخرة، ونظيره أن يقول الملك لمن استعصى عليه: إن من عادتي أن أحسن إلى من يطيعني، وقد عصيت فسوف ترى ما أحل بك بسبب عصيانك. فإن قيل إلى من يتوجه هذا الخطاب؟ قلنا إلى الناس على الإطلاق، ومنهم (مؤمنون) عابدون ومكذبون عاصون، فخوطبوا بما وجد في جنسهم من العبادة والتكذيب، وقرىء (فقد كذب الكافرون) (فسوف) يكون العذاب لزاماً، وقرىء {لِزَاماً } بالفتح بمعنى اللزوم كالثبات والثبوت، والوجه أن ترك اسم كان غير منطوق به بعد ما علم أنه مما توعد به لأجل الإبهام ويتناول ما لا يحيط به الوصف، ثم قيل هذا العذاب في الآخرة، وقيل كان يوم بدر وهو قول مجاهد رحمه الله، والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ } يا محمد لأهل مكة {مَا } نافية {يَعْبَؤُاْ } يكترث {بِكُمْ رَبِّى لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ } إياه في الشدائد فيكشفها {فَقَدْ } أي فكيف يعبأ بكم وقد {كَذَّبْتُمْ } الرسول والقرآن؟ {فَسَوْفَ يَكُونُ } العذاب {لِزَاماً } ملازماً لكم في الآخرة بعد ما يحل بكم في الدنيا، فَقُتل منهم يوم بدر سبعون، وجواب «لولا» دلَّ عليه ما قبله.

ابن عبد السلام

تفسير : {مَا يَعْبَؤُاْ} ما يصنع، أو ما يبالي بكم. {دُعَآؤُكُمْ} عبادتكم له وإيمانكم به، أو لولا دعاؤه لكم إلى الطاعة. {لِزَاماً} القتل ببدر أو عذاب القيامة، أو الموت، أو لزوم الحجة لهم في الآخرة على تكذيبهم في الدنيا. وأظهر الوجوه أن اللزام الجزاء للزومه.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ} الآية، ما نافية وتحتمل التقرير، ثم الآية تحتمل أنْ تكون خطاباً لجميع الناس، فكأنه قال لقريش منهم: ما يبالي اللّه بكم، ولا ينظر إليكم لولا عبادتكم إيَّاه، أَنْ لو كانت إذ ذلك الذي يعبأ بالبشر من أجله؛ قال تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}تفسير : [الذاريات:56]. وقال النقاش وغيره: المعنى: لولا استغاثتكم إليه في الشدائد، وقرأ ابن الزبير وغيره: «فَقَدْ كَذَّبَ الْكَافِرُونَ» وهذا يؤيِّد أَنَّ الخطاب بما يعبأ هو لجميع الناس، ثم يقول لقريش: فأنتم قد كذبتم، ولم تعبدوه فسوف يكون العذاب أو التكذيب الذي هو سبب العذاب لزاماً، ويحتمل أنْ يكون الخطابُ بالآيتين لقريش خاصة وقال الداووديُّ: وعن ابن عُيَنْنَةَ: {لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ} معناه: لولا دعاؤكم إيَّاهُ لتيطعوه، انتهى، قال ابن العربي في «أحكامه»: زعم بعض الأدباء أنَّ {لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ} معناه: لولا سؤالُكم إياه وطلبُكم منه، ورأى أَنَّه مصدر أُضِيفَ إلى فاعل، وليس كما زعم؛ وإنما هو مصدر أضيف إلى مفعول، والمعنى: قل يا محمد للكفار: لولا دعاؤكم ببعثة الرسول إليكم وتبين الأدلة لكم فقد كذبتم؛ فسوف يكون لزاماً؛ ذكر هذا عند قوله تعالى: {أية : لاَ تَجْعَلُواْ دُعَاءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً} تفسير : [النور:63] في آخر سورة النور، انتهى. * ت * والحق أنَّ الآية محتملة لجميع ما تقدم، ومَنِ ادَّعى التخصيص فعليه بالدليل، واللّه أعلم. ويعبأ: مشتق من العِبْءِ وهو الثِّقَلُ الذي يُعَبَّأُ ويرتب كما يعبأ الجيش. قال الثعلبيُّ: قال أبو عُبَيْدَةَ: يقالُ: ما عَبَأْتُ به شيئاً، أي: لم أَعُدَّه شيئاً فوجوده وعدمه سواء، انتهى. وقال العراقي: {مَا يَعْبَأُ} أي: ما يبالي، انتهى. وأكثر الناس على أن اللزام المشار إليه هو يوم بدر، وقالت فرقة: هو توعد بعذاب الآخرة، وقال ابن عباس: اللزام الموت، وقال البخاريُّ: {فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً} أي: هلكةً، انتهى.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما {‏قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم‏} ‏ يقول‏:‏ لولا إيمانكم.‏ فاخبر الله أنه لا حاجة له بهم إذ لم يخلقهم مؤمنين، ولو كانت له بهم حاجة لحبب إليهم الإِيمان كما حببه إلى المؤمنين ‏ {‏فسوف يكون لزاماً‏} ‏ قال‏:‏ موتا‏ً.‏ وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ‏ {‏قل ما يعبأ بكم ربي‏} قال‏:‏ ما يفعل ‏{‏لولا دعاؤكم‏} ‏ قال‏:‏ لولا دعاؤه إياكم لتعبدوه وتطيعوه‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن الوليد بن أبي الوليد قال‏:‏ بلغني أن تفسير هذه الآية ‏ {‏قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم‏} ‏ أي ما خلقتكم لي بكم حاجة إلا أن تسألوني فأغفر لكم، وتسألوني فأعطيكم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الزبير، انه قرأ في صلاة الصبح الفرقان، فلما أتى على هذه الآية قرأ ‏ {‏فقد كذب الكافرون فسوف يكون لزاما‏ً}‏ .‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف عن ابن عباس أنه قرأ ‏{‏فقد كذب الكافرون فسوف يكون لزاما‏ً} ‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في قوله ‏ {‏فسوف يكون لزاما‏ً} ‏ قال‏: ‏موتاً‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتاده ‏ {‏فسوف يكون لزاما‏ً} ‏ قال قال أبي بن كعب‏:‏ هو القتل يوم بدر‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال ‏(‏اللزام‏) هو القتل الذي أصابهم يوم بدر‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه عن ابن مسعود قال‏:‏ قد مضى اللزام كان يوم بدر‏؛‏ قتلوا سبعين، وأسروا سبعين‏.‏ وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والنسائي وابن جرير والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود قال‏:‏ خمس قد مضين‏:‏ الدخان، والقمر، والروم، والبطشة، واللزام‏. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال‏:‏ كنا نحدث أن ‏(‏اللزام) يوم بدر‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ‏ {‏فسوف يكون لزاما‏ً}‏ قال‏:‏ يوم بدر‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي مالك‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن ‏ {‏فسوف يكون لزاماً‏} ‏ قال‏:‏ ذاك يوم القيامة‏.‏ وأخرج الطبراني عن ابن مسعود قال‏:‏ مضى خمس آيات وبقي خمس منها‏.‏ انشقاق القمر وقد رأيناه، ومضى الدخان، ومضت البطشة الكبرى، ومضى اليوم العقيم، ومضى اللزام، والله أعلم‏.‏

القشيري

تفسير : لولا عبادتكم الأصنامَ ودعاؤكم إياها باستحقاق العبادةِ وتسميتكم لها آلهةً.. متى كان يخلدكم في النار؟ ويقال لولا تضرعكم ودعاؤكم بوصف الابتهال لأدام بكم البلاء، ولكن لما أخذْتُم في الاستكانةِ والدعاء، وتضَرَّعتُم رحِمَكم وكَشَفَ الضرَّ عنكم.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل} يا محمد للناس كافة {مايعبؤا بكم ربى لولا دعاؤكم} هذا بيان لحال المؤمنين منهم وما استفهامية محلها النصب على المصدر او نافية وما يعبأ مايبالى ولا يعتد كما فى القاموس ما اعبأ بفلان ماابالى وجواب لولا محذوف لدلالة ما قبله عليه ودعاؤكم مبتدأ خبره موجود او واقع وهو مصدر مضاف الى الفاعل بمعنى العبادة كما فى قوله تعالى {أية : والذين لايدعون مع الله الها آخر}تفسير : ونظائره والمعنى. على الاستفهامية أى عبىء واعتبار يعتبركم ربى ويبالى ويعتنى بشأنكم لولا عبادتكم وطاعتكم له تعالى فان شرف الانسان وكرامته بالمعرفة والطاعة والا فهو وسائر الحيوانات سواء، وقال الزجاج أى وزن ومقدار يكون لكم عند الله تعالى لولا عبادتكم له تعالى وذلك ان اصل العبىء بالكسر والفتح بمعنى الثقل والحمل من أى شىء كان فمعنى ما اعبأ به فى الحقيقة ما ارى له وزنا وقدرا واليه جنح الامام الراغب فى الآية هذا وفى الآية معان آخر والاظهر عند المحققين ما ذكرناه {فقد كذبتم} بيان لحال الكفرة من الناس اى فقد كذبتم ايها الكفرة بما اخبرتكم به حيث خالفتموه وخرجتم عن ان يكون لكم عند الله اعتناء بشأنكم واعتبار او وزن ومقدار {فسوف يكون لزاما} مصدر كالقتال اقيم مقام الفاعل كما يقام العدل فى مقام العادل اى يكون جزاء التكذيب او اثره وهو الافعال المتفرعة عليه لازما يحيق بكم لا محالة حتى يكبكم فى النار اى يصرعكم على وجوهكم كما يعرب عنه الفاء الدالة على لزوم مابعدها لما قبلها وانما اضمر من غير ذكر للايذان بغاية ظهوره وتهويل امره للتنبيه على انه مما لايكتنهه الوصف والبيان، وعن بعضهم ان المراد بالجزاء جزاء الدنيا وهو ماوقع يوم بدر قتل منهم واسر سبعون ثم اتصل به عذاب الآخرة لازمالهم: قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : رطب ناورد جوب خر زهره بار جه تخم افكنى برهمان جشم دار تفسير : واعلم ان الكفار ابطلوا الاستعداد الفطرى وافسدوا القوى بالاهمال فكان حالهم كحال النوى فانه محال ان ينبت منه الانسان تفاحا فاصل الخلق والقوة لا يتغير البتة ولكن كما ان فى النوى امكان ان يخرج ما فى قوته الى الوجود وهو النخل بالتفقد والتربية وان يفسد بالاهمال والترك فكذا فى الانسان امكان اصلاح القوة وافسادها ولولا ذلك لبطل فائدة المواعظ والوصايا والوعد والوعيد والامر والنهى ولا يجوز العقل ان يقال للعبد لم فعلت ولم تركت وكيف يكون هذا فى الانسان ممتنعا وقد وجدناه فى بعض البهائم ممكنا فالوحشى قد ينتقل بالعادة الى التأنس والجامح الى السلاسة فالتوحيد والتصديق والطاعة امر ممكن من الانسان بازالة الشرك والتكذيب والعصيان وقد خلق لاجلها كما قال ابن عباس رضى الله عنهما فى الآية قل ما يعبأ بخلقكم ربى لولا عبادتكم وطاعتكم اياه. يعنى انه خلقكم لعبادته كما قال {أية : وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون}تفسير : فالحكمة الالهية والمصلحة الربانية من الخلق هى الطاعة وافعال الله تعالى وان لم تكن معللة بالاغراض عند الاشاعرة لكنها مستتبعة لغايات جليلة، قال الامام الراغب الانسان فى هذه الدار الدنيا كما قال امير المؤمنين على بن ابى طالب كرم الله وجهه الناس سفر والدار دار ممر لادار مقر وبطن امه مبدأ سفره والآخرة مقصده وزمان حياته مقدار مسافته وسنوه منازله وشهوره فراسخه وايامه امياله وانفاسه خطاه ويسار به سير السفينة براكبها كما قال الشاعر شعر : رأيت اخا الدنيا وان كان ثاويا اخا سفر يسرى به وهو لايدرى تفسير : وقد دعى الى دار السلام لكن لما كان الطريق اليها مشكلة مظلمة جعل الله لنا من العقل الذى ركبه فينا وكتبه التى انزلها علينا نورا هاديا ومن عبادته التى كتبها علينا وامرنا بها حصنا واقيا فمن قال هذه الطاعات جعلها الله عذابا علينا من غير تأويل كفر فان اوّل مراده بالتعب لايكفر ولو قال لو لم يفرض الله تعالى كان خيرا لنا بلا تأويل كفر لان الخير فيما اختاره الله الا ان يؤول ويريد بالخير الا هون والاسهل نسأل الله ان يسهلها علينا فى الباطن والظاهر والاول والآخر

اطفيش

تفسير : {قُلْ مَا يَعْبَأُ} ما يصنع يقال عبأت الجيش هيأته أو يعتد ويكترث (وما) استفهامية مفعول مطلق ناصبة (يعبأ) واقعة على العبء اي عبء يعبأ ويوافقه قول الزجاج اي وزن يكون لكم إذا جعلها استفهامية وتفسيره تفسير معنى. ويجوز ان يكون (نافيه) اي لا يكترث أو لا يصنع شيئا. {بِكُمْ رَبِّي} الخطاب لجملة الناس منهم المكذب ومنهم العابد كما يشير إليه السياق اللاحق. {لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ} اي عبادتكم وجواب لولا محذوف دل عليه السياق السابق امر الله سبحانه رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يصرح للناس ان شرف الانسان وكرامته بالمعرفة والطاعة وان الاكتراث بهم عند ربهم بالمعرفة والطاعة لا لمعنى آخر ولولاها لم يكترث بهم وكانوا والحيوانات سواء والخطاب للكفار اي ما يعبأُ بخلقكم لولا دعاؤكم اي لولا العبادة التي خوطبتم بها وانما خلقكم للعبادة. وقيل: الدعاء عبادة الاصنام اي ما يعبأ بعذابكم ربي لولا عبادتكم الاصنام أو غيرها من دون الله فالخطاب ايضا للكفار. وقيل: ما يكترث بكم يا كفار لولا دعاؤكم اياه في الشدائد فبكشفها فكيف يعبأُ بكم وانتم مكذبون؟ وهو قول النقاش. وعن بعضهم لولا ايمانكم اي الايمان المطلوب منكم. وقيل: لولا دعاؤه اياكم إلى الاسلام. فالاضافة على هذا للمفعول وهو قول ابن العربي. وقيل: ما يبالي بمغفرتكم لولا دعاؤكم معه غيره. وقيل: ما خلقتكم ولي اليكم حاجة لكن لتسألوني فاعطيكم. والاول قول ابن عيينة. قال ابن العربي: لولا دعاؤه اياكم إلى الايمان ببعث الرسول وانه ليس المراد لولا سؤالكم اياه وطلبكم منه كما زعم بعض (انتهى) والحق ان الآية محتملة. {فَقْدْ كَذَِّبْتُمْ} للكفار مطلقا ولكفار قريش. وقرأ ابن الزبير وغيره فقد كذب الكافرون وهو دليل على ان الخطاب {أية : ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم }تفسير : للناس ثم خص قريشا أو الكافرين مطلقا بقوله: {كذبتم} كذا قيل. وقيل: الخطاب في ذلك كله لاهل مكة. وعلى كل حال المعنى كذبتم بما اخبرتكم به من ان الاعتدال بالعبادة أو كذبتم حكمي أو القرآن والرسول ولما صدق واحد. وعن بعض ان المعنى فقد قصرتم في العبادة يقال (كذب القتال) إذا لم يبالغ فيه. {فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامَا} واسم يكون ضمير العذاب ولزاما مصدر اللازم بفتح الزاي بمعنى اسم فاعل اي ملازما أو يقدر مضاف أو ذلك مبالغة والمراد عذاب الآخرة وهو الدائم بعد عذاب بدر قتل منهم فيه سبعون وأسر سبعون وهو قول ابن مسعود وابيّ بن كعب. أو اسم يكون ضمير التكذيب المفهوم من كذبتم اي فسوف يكون التكذيب اي جزاؤه أو اثره ملازما لكم حتى يكبكم في النار. وانما أضمر ضمير العذاب من غير تقدم او جزاء التكذيب أو أثره من غير تقدم صريح تفخيما بانه لا غاية له توصف. وقال مجاهد والاكثرون: المراد قتلى بدر وانه لوزم بين القتلى لزاما. وقرأ (لزاما) بفتح اللام بمعنى اللزوم كالثبات والثبوت. وعن ابن عباس اللزام الموت وعن البخاري؛ الهلكة.

اطفيش

تفسير : {قلْ} يا محمد للكفرة {ما يَعْبأ بكم ربِّى} ما يعتد بكم ربى لا عبرة لكم عنده {لوْلا دُعاؤكم} أغنى عن جوابها ما قبلها، لا تقل محذوف لدلالة ما قبلها، كان الكفار يدعون الله فأخر عنهم العذاب {فقد كذَّبتُم} لأنكم كذبتم بما يجب التصديق به {فَسَوف يكون} التكذيب أو العذاب {لِزاماً} أى يكون العذاب، أو جزاء التكذيب لزاماً أى ذا ملازمة، أو ملازما وهومصدر لازم يلازم، أى لا يفنى أو يلازمكم حتى يوردكم النار سوقاً اليها يوم القيامة. عن ابن مسعود رضى الله عنه: اللزام قتل يوم بدر، وأجيز أن الخطاب فى بكم للناس كلهم، وفى دعاؤكم للمؤمنين بمعنى عبادتكم، وفى كذبتم للكفار أى أعلمتكم أنى لا أقبل إلا المؤمنين، وأنتم كذبتم بما يجب الإيمان به، أو قصرتم عن عبادتى، يقول سهم كاذب، وقتال كاذب إذا لم يجوَّد، ويجوز أن تكون ما استفهامية إنكارية مفعولا مطلقاً ليعبأ والله الموفق المستعان.

الالوسي

تفسير : {قُلْ } أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يبين للناس أن الفائزين بتلك النعماء الجليلة التي يتنافس فيها المتنافسون إنما نالوها بما عدد من محاسنهم ولولاها لم يعتد بهم أصلاً أي قل للناس مشافهاً لهم بما صدر عن جنسهم من خير وشر {مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبّى } أي أي عبء يعبأ بكم وأي اعتداد يعتد بكم {لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ } أي عبادتكم له عز وجل حسبما مر تفصيله، فإن ما خلق له الإنسان معرفة الله تعالى وطاعته جل وعلا وإلا فهو والبهائم سواء فما متضمنة لمعنى الاستفهام وهي في محل النصب وهي عبارة عن المصدر، وأصل العبء الثقل وحقيقة قولهم: ما عبأت به ما اعتددت له من فوادح همي ومما يكون عبأ عليَّ كما تقول: ما اكترثت له أي ما أعتددت له من كوارثي ومما يهمني. وقال الزجاج: معناه أي وزن يكون لكم عنده تعالى لولا عبادتكم، ويجوز أن تكون (ما) نافية أي ليس يعبأ، وأياً ما كان فجواب لولا محذوف لدلالة ما قبله عليه أي لولا دعاؤكم لما اعتد بكم، وهذا بيان لحال المؤمنين من المخاطبين. وقوله سبحانه: {فَقَدْ كَذَّبْتُمْ } بيان لحال الكفرة منهم، والمعنى إذا أعلمتكم أن حكمي أني لا أعتد بعبادي إلا لعبادتهم فقد خالفتم حكمي ولم تعملوا عمل أولئك المذكورين، فالفاء مثلها في قوله: فقد جئنا خراسانا والتكذيب مستعار للمخالفة، وقيل: المراد فقد قصرتم في العبادة على أنه من قولهم: كذب القتال إذا لم يبالغ فيه، والأول أولى وإن قيل: إن المراد من التقصير في العبادة تركها. وقرأ عبد الله وابن عباس وابن الزبير {فَقَدْ كَذَّبَ ٱلْكَـٰفِرُونَ } وهو على معنى كذب الكافرون منكم لعموم الخطاب للفريقين على ما أشرنا إليه وهو الذي اختاره الزمخشري واستحسنه صاحب «الكشف»، واختار غير واحد أنه خطاب لكفرة قريش، والمعنى عليه عند بعض ما يعبأ بكم لولا عبادتكم له سبحانه أي لولا إرادته تعالى التشريعية لعبادتكم له تعالى لما عبأ بكم ولا خلقكم، وفيه معنى من قوله تعالى: {أية : مَا خَلَقْتَ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } تفسير : [الذاريات: 56] وقيل: المعنى ما يعبأ بكم لولا دعاؤه سبحانه إياكم إلى التوحيد على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أي لولا إرادة ذلك. وقيل: المعنى ما يبالي سبحانه بمغفرتكم لولا دعاؤكم معه آلهة أو ما يفعل بعذابكم لولا شرككم كما / قال تعالى: {أية : مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءامَنْتُمْ }تفسير : [النساء: 147]، وقيل: المعنى ما يعبأ بعذابكم لولا دعاؤكم إياه تعالى وتضرعكم إليه في الشدائد كما قال تعالى: {أية : فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ} تفسير : [العنكبوت: 65] وقال سبحانه: {أية : فَأَخَذْنَـٰهُمْ بِٱلْبَأْسَاء وَٱلضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ }تفسير : [الأنعام: 42]، وقيل: المعنى ما خلقكم سبحانه وله إليكم حاجة إلا أن تسألوه فيعطيكم وتستغفروه فيغفر لكم، وروي هذا عن الوليد بن الوليد رضي الله تعالى عنه. وأنت تعلم أن ما آثره الزمخشري لا ينافي كون الخطاب لقريش من حيث المعنى فقد خصص بهم في قوله تعالى: {فَقَدْ كَذَّبْتُمْ }. {فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً } أي جزاء التكذيب أو أثره لازماً يحيق بكم حتى يكبكم في النار كما يعرب عنه الفاء الدالة على لزوم ما بعدها لما قبلها فضمير {يَكُونَ } لمصدر الفعل المتقدم بتقدير مضاف أو على التجوز، وإنما لم يصرح بذلك للإيذان بغاية ظهوره وتهويل أمره وللتنبيه على أنه مما لا يكتنهه البيان. وقيل: الضمير للعذاب، وقد صرح به من قرأ {يَكُونُ ٱلْعَذَابُ لِزَاماً }، وصح عن ابن مسعود أن اللزام قتل يوم بدر، وروي عن أبـي ومجاهد وقتادة وأبـي مالك، ولعل إطلاقه على ذلك لأنه لوزم فيه بين القتلى {لِزَاماً }. وقرأ ابن جريج (تكون) بتاء التأنيث على معنى تكون العاقبة، وقرأ المنهال وأبان بن ثعلب وأبو السمال {لزاماً } بفتح اللام مصدر لزم يقال: لزم لزوماً ولزاماً كثبت ثبوتاً وثباتاً، ونقل ابن خالويه عن أبـي السمال أنه قرأ {لزام} على وزن حذام جعله مصدراً معدولاً عن اللزمة كفجار المعدول عن الفجرة والله تعالى أعلم. هذا ومن باب الإشارة: قيل في قوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ مالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِى فِى ٱلأَسْوَاقِ }تفسير : [الفرقان: 7] إشارة قصور حال المنكرين على أولياء الله تعالى حيث شاركوهم في لوازم البشرية من الأكل والشرب ونحوهما وقالوا في قوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً } تفسير : [الفرقان: 20] إن وجه فتنته النظر إليه نفسه والغفلة فيه عن ربه سبحانه، ويشعر هذا بأن كل ما سوى الله تعالى فتنة من هذه الحيثية. وقال ابن عطاء في قوله تعالى: {أية : وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً }تفسير : [الفرقان: 23] أطلعناهم على أعمالهم فطالعوها بعين الرضا فسقطوا من أعيننا بذلك وجعلنا أعمالهم هباءً منثوراً، وهذه الآية وإن كانت في وصف الكفار لكن في الحديث أن في المؤمنين من يجعل عمله هباءً كما تضمنته، فقد أخرج أبو نعيم في «الحلية» والخطيب في «المتفق والمفترق» عن سالم مولى أبـي حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليجاءن يوم القيامة بقوم معهم حسنات مثل جبال تهامة حتى إذا جىء بهم جعل الله تعالى أعمالهم هباءً ثم قذفهم في النار، قال سالم: بأبـي وأمي يا رسول الله حل لنا هؤلاء القوم قال: كانوا يصومون ويصلون ويأخذون هنئة من الليل ولكن كانوا إذا عرض عليهم شيء من الحرام وثبوا عليه فأدحض الله تعالى أعمالهم»تفسير : وذكر في قوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّـٰلِمُ }تفسير : [الفرقان: 27] الآية أن حكمه عام في كل متحابين على معصية الله تعالى. وعن مالك بن دينار نقل الأحجار مع الأبرار خير من أكل الخبيص مع الفجار، وفي قوله تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نَبِىّ عَدُوّاً مّنَ ٱلْمُجْرِمِينَ }تفسير : [الفرقان: 31] أنه يلزم من هذا مع قولهم كل ولي على قدم نبـي أن يكون لكل ولي عدو يتظاهر بعدواته، وفيه إشارة إلى سوء حال من يفعل ذلك مع أولياء الله تعالى، ولذا قيل: إن عداوتهم علامة سوء الخاتمة والعياذ بالله تعالى، وفي قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ } تفسير : [الفرقان: 34] إشارة إلى أنهم كانوا متوجهين إلى جهة الطبيعة ولذا حشروا منكوسين، وفي قوله تعالى: {أية : أَرَءيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً }تفسير : [الفرقان: 43] إنه عام في كل من مال إلى هوى نفسه واتبعه فيما توجه إليه، ومن هنا دقق العارفون النظر في مقاصد أنفسهم حتى إنهم إذا أمرتهم بمعروف لم يسارعوا إليه وتأملوا ماذا أرادت بذلك فقد حكي عن بعضهم أن نفسه لم تزل تحثه على الجهاد في سبيل الله تعالى فاستغرب ذلك منها لعلمه أن النفس أمارة بالسوء فأمعن النظر فإذا هي قد ضجرت من العبادة فأرادت الجهاد رجاء أن تقتل فتستريح مما هي فيه من النصب ولم تقصد بذلك الطاعة بل قصدت الفرار منها، وقيل في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظّلَّ } الآية أي ألم تر كيف مد ظل عالم الأجسام {أية : وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِناً } تفسير : [الفرقان: 45] في كتم العدم ثم جعلنا شمس عالم الأرواح على وجود ذلك الظل دليلاً بأن كانت محركة لها إلى غايتها المخلوقة هي لأجلها فعرف من ذلك أنه لولا الأرواح لم تخلق الأجساد، وفي قوله تعالى: {أية : ثُمَّ قَبَضْنَـٰهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً } تفسير : [الفرقان: 46] إشارة إلى أن كل مركب فإنه سينحل إلى بسائطه إذا حصل على كماله الأخير؛ وبوجه آخر الظل ما سوى نور الأنوار يستدل به على صانعه الذي هو شمس عالم الوجود. وهذا شأن الذاهبين من غيره سبحانه إليه عز وجل، وفي قوله تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَا } إشارة إلى مرتبة أعلى من ذلك وهي الاستدلال به تعالى على غيره سبحانه كقوله تعالى: {أية : أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء شَهِيدٌ } تفسير : [فصلت: 53] وهذه مرتبة الصديقين. وقوله سبحانه: {ثُمَّ قَبَضْنَـٰهُ } كقوله تعالى: {أية : كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ }تفسير : [القصص: 88] {أية : أَلاَّ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ }تفسير : [الشورى: 53] وبوجه آخر الظل حجاب الذهول والغفلة والشمس شمس تجلي المعرفة من أفق العناية عند صباح الهداية ولو شاء سبحانه لجعله دائماً لا يزول، وإنما يستدل على الذهول بالعرفان، وفي قوله تعالى: {ثُمَّ قَبَضْنَـٰهُ } إشارة إلى أن الكشف التام يحصل بالتدريج عند انقضاء مدة التكليف {وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِبَاساً } تستترون به عن رؤية الأجانب لكم واطلاعهم على حالكم من التواجد وسكب العبرات {وَٱلنَّوْمَ سُبَاتاً } راحة لأبدانكم من نصب المجاهدات {أية : وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُوراً } تفسير : [الفرقان: 47] تنتشرون فيه لطلب ضرورياتكم {وَهُوَ ٱلَّذِى أَرْسَلَ ٱلرّيَـٰحَ } أي رياح الاشتياق على قلوب الأحباب {بُشْرًاَ بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ } من التجليات والكشوف {أية : وَأَنزَلْنَا } تفسير : [الفرقان: 48] من سماء الكرم ماء حياة العرفان {لّنُحْيِىَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً } أي قلوباً ميتة {وَنُسْقِيَهِ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَـٰماً } وهم الذين غلبت عليهم الصفات الحيوانية يسقيهم سبحانه ليردهم إلى القيام بالعبادات {أية : وَأَنَاسِىَّ كَثِيراً } تفسير : [الفرقان: 49] وهم الذين سكنوا إلى رياض الأنس يسقيهم سبحانه من ذلك ليفطمهم عن مراضع الإنسانية إلى المشارب الروحانية {وَلَقَدْ صَرَّفْنَـٰهُ } أي القرآن الذي هو ماء حياة القلوب بينهم {لّيَذْكُرُواْ } به موطنهم الأصلي {أية : فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا } تفسير : [الفرقان: 50] بنعمة القرآن وما عرفوا قدرها {وَهُوَ ٱلَّذِى مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ } بحر الروح وبحر النفس {هَـٰذَا } وهو بحر الروح {عَذْبٌ فُرَاتٌ } من الصفات الحميدة الربانية، و {هَـٰذَا } وهو بحر النفس {مِلْحٌ أُجَاجٌ } من الصفات الذميمة الحيوانية {أية : وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً } تفسير : [الفرقان: 53] فحرام على الروح أن يكون منشأ الصفات الذميمة وعلى النفس أن تكون معدن الصفات الحميدة. وذكر أن البرزخ هو القلب، وقال ابن عطاء: تلاطمت صفتان فتلاقيتا في قلوب الخلق فقلوب أهل المعرفة منورة بأنوار الهداية مضيئة بضياء الإقبال وقلوب أهل النكرة مظلمة بظلمات المخالفة معرضة عن سنن التوفيق وبينهما قلوب العامة ليس لها علم بما يرد عليها وما يصدر منها ليس معها خطاب ولا لها جواب، وقيل: البحر العذب إشارة إلى بحر الشريعة وعذوبته لما أن الشريعة سهلة لا حرج فيها ولا دقة في معانيها ولذلك / صارت مورد الخواص والعوام، والبحر الملح إشارة إلى بحر الحقيقة وملوحته لما أن الحقيقة صعبة المسالك لا يكاد يدرك ما فيها عقل السالك، والبرزخ إشارة إلى الطريقة فإنها ليست بسهلة كالشريعة ولا صعبة كالحقيقة بل بين بين {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِى جَعَلَ فِى ٱلسَّمَاء بُرُوجاً } تفسير : [الفرقان: 61] قيل: هو إشارة إلى أنه سبحانه جعل في سماء القلوب بروج المنازل والمقامات وهي اثنا عشر التوبة والزهد والخوف والرجاء والتوكل والصبر والشكر واليقين والإخلاص والتسليم والتفويض والرضا وهي منازل الأحوال السيارة شمس التجلي وقمر المشاهدة وزهرة الشوق ومشترى المحبة وعطارد الكشوف ومريخ الفناء وزحل البقاء {وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً } بغير فخر ولا خيلاء لما شاهدوا من كبرياء الله تعالى وجلاله جل شأنه. وذكر بعضهم أن هؤلاء العباد يعاملون الأرض معاملة الحيوان لا الجماد ولذا يمشون عليها هوناً {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَـٰهِلُونَ } وهم أبناء الدنيا {أية : قَالُواْ سَلاَماً } تفسير : [الفرقان: 63] أي سلامة من الله تعالى من شركم أو إذا خاطبهم كل ما سوى الله تعالى من الدنيا والآخرة وما فيهما من اللذة والنعيم وتعرض لهم ليشغلهم عمّا هم فيه {قَالُواْ سَلاَماً } سلام متاركة وتوديع {أية : وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً} تفسير : [الفرقان: 64] لما علموا أن الصلاة معراج المؤمن والليل وقت اجتماع المحب بالحبيب:شعر : نهاري نهار الناس حتى إذا بدا لي الليل هزتني إليك المضاجع أقضي نهاري بالحديث وبالمنى ويجمعني والهم بالليل جامع {أية : وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً} تفسير : [الفرقان: 65] إشارة إلى مزيد خوفهم من القطيعة والبعد عن محبوبهم وذلك ما عنوه بعذاب جهنم لا العذاب المعروف فإن المحب الصادق يستعذبه مع الوصال ألا تسمع ما قيل:شعر : فليت سليمى في المنام ضجيعتي في جنة الفردوس أو في جهنم {أية : وَٱلَّذِينَ إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ }تفسير : [الفرقان: 67] إشارة إلى أن فيوضاتهم حسب قابلية المفاض عليه لا يسرفون فيها بأن يفيضوا فوق الحاجة ولا يقترون بأن يفيضوا دون الحاجة أو إلى أنهم إذا أنفقوا وجودهم في ذات الله تعالى وصفاته جل شأنه لم يبالغوا في الرياضة إلى حد تلف البدن ولم يقتروا في بذل الوجود بالركون إلى الشهوات {وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا ءاخَرَ } برفع حوائجهم إلى الأغيار {وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ } قتلها {إِلاَّ بِٱلْحَقّ } أي إلا بسطوة تجلياته تعالى {أية : وَلاَ يَزْنُونَ } تفسير : [الفرقان: 68] بالتصرف في عجوز الدنيا ولا ينالون منها شيئاً إلا بإذنه تعالى {وَٱلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ } لا يحضرون مجالس الباطل من الأقوال والأفعال {وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ } وهو ما لا يقربهم إلى محبوبهم {أية : مَرُّوا كِراماً} تفسير : [الفرقان: 72] معرضين عنه {أية : وَالَّذِينَ إِذَا ذُكّرُواْ بِـئَايَـٰتِ رَبّهِمْ لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً }تفسير : [الفرقان: 73] بل أقبلوا عليها بالسمع والطاعة مشاهدين بعيون قلوبهم أنوار ما ذكروا به من كلام ربهم {وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوٰجِنَا } من ازدوج معنا وصحبنا وذرايتنا الذين أخذوا عنا {قُرَّةِ أَعْيُنٍ } بأن يوفقوا للعمل الصالح {أية : وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً } تفسير : [الفرقان: 74] وهم الفائزون بالفناء والبقاء الأتمين {أُوْلَـئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ } وهو مقام العندية {بِمَا صَبَرُواْ } في البداية على تكاليف الشريعة، وفي الوسط على التأدب بآداب الطريقة، وفي النهاية على ما تقتضيه الحقيقة {وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً } هي أنس الأسرار بالحي القيوم {أية : وَسَلَـٰماً } تفسير : [الفرقان: 75] وهو سلامة القلوب من خطور القطيعة {أية : خَـٰلِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً } تفسير : [الفرقان: 76] لأنها مشهد الحق ومحل رضا المحبوب المطلق، نسأل الله تعالى أن يمن علينا برضائه ويمنحنا بسوابغ نعمائه وآلائه بحرمة سيد أنبيائه وأحب أحبائه صلى الله عليه وسلم وشرف قدره وعظم.

ابن عاشور

تفسير : لما استوعبت السورة أغراض التنويه بالرسالة والقرآن، وما تضمنته من توحيد الله، ومن صفة كبرياء المعاندين وتعلّلاتهم، وأحوال المؤمنين، وأقيمت الحجج الدامغة للمعْرضين، ختمت بأمر الله رسولَه عليه الصلاة والسلام أن يخاطب المشركين بكلمة جامعة يُزال بها غرورهم وإعجابهم بأنفسهم وحسبانهم أنهم قد شَفوا غليلهم من الرسول بالإعراض عن دعوته وتورّكهم في مجادلته؛ فبيّن لهم حقارتهم عند الله تعالى وأنه ما بعث إليهم رسوله وخاطبهم بكتابه إلا رحمةً منه بهم لإصلاح حالهم وقطعاً لعذرهم فإذْ كذّبوا فسوف يحلّ بهم العذاب. و{ما} من قوله: {ما يعبؤا بكم} نافية. وتركيب: ما يعبأ به، يدل على التحقير، وضده عَبأ به يفيد الحفَاوة. ومعنى {ما يعبأ}: ما يبالي وما يهتمّ، وهو مضارع عَبَأ مثل: ملأ يَملأ مشتقّ من العِبء بكسر العين وهو الحِمل بكسر الحاء وسكون الميم، أي الشيء الثقيل الذي يحمل على البعير ولذلك يطلق العِبء على العِدْل بكسر فسكون، ثم تشعبت عن هذا إطلاقات كثيرة. فأصل {ما يعبأ}: ما يحْمِل عِبئاً، تمثيلاً بحالة المُتعَب من الشيء، فصار المقصود: ما يهتمّ وما يكترث، وهو كناية عن قلة العناية. والباء فيه للسببية، أي بسببكم وهو على حذف مضاف يدل عليه مقام الكلام. فالتقدير هنا: ما يعبأ بخطابكم. والدعاء: الدعوة إلى شيء، وهو هنا مضاف إلى مفعوله، والفاعل يدل عليه {ربّي} أي لولا دعاؤه إياكم، أي لولا أنه يدعوكم. وحذف متعلق الدعاء لظهوره من قوله: {فقد كذبتم}، أي الداعي وهو محمد صلى الله عليه وسلم فتعين أن الدعاء الدعوة إلى الإسلام. والمعنى: أن الله لا يلحقه من ذلك انتفاع ولا اعتزاز بكم. وهذا كقوله تعالى: {أية : وما خلقت الجنّ والإنس إلا لِيَعْبُدون ما أُريد منهم مِن رزق وما أُريد أن يُطْعِمُون}تفسير : [الذاريات: 56، 57]. وضمير الخطاب في قوله: {دعاؤكم} موجّه إلى المشركين بدليل تفريع {فقد كَذّبتم} عليه وهو تهديد لهم، أي فقد كذبتم الداعي وهو الرسول عليه الصلاة والسلام. وهذا التفسير هو الذي يقتضيه المعنى، ويؤيده قول مجاهد والكلبي والفراء. وقد فسر بعض المفسرين الدعاء بالعبادة فجعلوا الخطاب موجهاً إلى المسلمين فترتب على ذلك التفسير تكلفات وقد أغنى عن التعرض إليها اعتمادُ المعنى الصحيح فمن شاء فلينظرها بتأمل ليعلم أنها لا داعي إليها. وتفريع {فقد كذبتم} على قوله: {لولا دعاؤكم}، والتقدير: فقد دعاكم إلى الإسلام فكذبتم الذي دعاكم على لسانه. والضمير في {يكون} عائد إلى التكذيب المأخوذ من {كذبتم}، أي سوف يكون تكذيبهم لزاماً لكم، أي لازماً لكم لا انفكاك لكم منه. وهذا تهديد بعواقب التكذيب تهديداً مهولاً بما فيه من الإبهام كما تقول للجاني: قد فعلتَ كذا فسوف تتحمل ما فعلت. ودخل في هذا الوعيد ما يحلّ بهم في الدنيا من قتل وأسر وهزيمة وما يحل بهم في الآخرة من العذاب. واللِّزام: مصدر لازم، وقد صيغ على زنة المفاعلة لإفادة اللزوم، أي عدم المفارقة، قال تعالى: {أية : ولولا كلمة سبقت من ربّك لكان لزاماً}تفسير : في سورة طه (129). والضميرُ المستتر في (كان) عائد إلى عذاب الآخرة في قوله: {أية : ولعذَاب الآخرة أشدّ وأبقَى}تفسير : [طه: 127]، فالإخبار باللزام من باب الإخبار بالمصدر للمبالغة. وقد اجتمع فيه مبالغتان: مبالغة في صيغته تفيد قوة لزومه، ومبالغة في الإخبار به تفيد تحقيق ثبوت الوصف. وعن ابن مسعود وأُبَيّ بن كعب: اللِّزام: عذاب يوم بَدر. ومرادهما بذلك أنه جزئيّ من جزئيات اللِّزام الموعود لهم. ولعلّ ذلك شاع حتى صار اللزام كالعَلم بالغلبة على يوم بدر. وفي الصحيح عن ابن مسعود: خمس قد مضَين: الدخان والقمر، والروم، والبطشة، واللزام، يعني أن اللِّزام غير عذاب الآخرة.

الشنقيطي

تفسير : العرب الذين نزل القرآن بلغتهم، يقولون: ما عبأت بفلان أي ما باليت به، ولا اكترثت به: أي ما كان له عندي وزن، ولا قدر يستوجب الاكتراث، والمبالاة به، وأصله من العبء، وهو الثقل ومنه قول أبي زيد يصف أسداً: شعر : كان بنحره وبمنكبيه عبيراً بات يعبؤه عروس تفسير : وقوله: يعبؤه: أي يجعل بعضه فوق بعض لمبالاته به واكتراثه به. وإذا علمت ذلك فاعلم أن كلام أهل التفسير في هذه الآية الكريمة، يدور على أربعة أقوال: واعلم أولاً أن العلماء اختلفوا في المصدر في قوله: لولا دعاؤكم، هل هو مضاف إلى فاعله، أو إلى مفعوله، وعلى أنه مضاف إلى فاعله فالمخاطبون بالآية، داعون: لا مدعوون: أي ما يعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم: أي عبادتكم له. وأما على أن المصدر مضاف إلى مفعوله فالمخاطبون بالآية، مدعوون، لا داعون: أي ما يعبؤ بكم، لولا دعاؤه إياكم إلى توحيده، وعبادته على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام. واعلم أيضاً أن ثلاثة من الأقوال الأربعة المذكورة في الآية مبنية على كون المصدر فيها مضافاً إلى فاعله. والرابع: مبني على كونه مضافاً إلى مفعوله. أما الأقوال الثلاثة المبنية على كونه مضافاً إلى فاعله. فالأول منها أن المعنى: ما يعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم: أي عبادتكم له وحده جل وعلا، وعلى هذا القول فالخطاب عام للكافرين والمؤمنين ثم أفرد الكافرين دون المؤمنين بقوله: {أية : فَقَدْ كَذَّبْتُمْ} تفسير : [الفرقان: 77] الآية. والثاني منها: أن المعنى: لولا دعاؤكم أيها الكفار له وحده عند الشدائد والكروب: أي ولو كنتم ترجعون إلى شرككم، إذا كشف الضر عنكم. والثالث: أن المعنى ما يعبؤ بكم ربي: أي ما يصنع بعذابكم، لولا دعاؤكم معه آلهة أخرى، ولا يخفى بعد هذا القول، وأن فيه تقدير ما لا دليل عليه، ولا حاجة إليه. أما القول الرابع المبني على أن المصدر في الآية، مضاف إلى مفعوله فهو ظاهر، أي ما يعبؤ بكم ربي لولا دعاؤه إياكم على ألسنة رسله. وإذا عرفت هذه الأقوال فاعلم أن كل واحد منها، قد دل عليه قرآن وسنبين هنا إن شاء الله تعالى دليل كل قول منها من القرآن مع ذكر ما يظهر لنا أنه أرجحها. أما هذا القول الأخير المبني على أن المصدر في الآية مضاف إلى مفعوله، وأن المعنى: ما يعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم إياكم إلى الإيمان به، وتوحيده، وعبادته على ألسنة رسله، فقد دلت عليه آيات من كتاب الله كقوله تعالى في أول سورة هود: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} تفسير : [هود: 7] وقوله تعالى في أول سورة الكهف: {أية : إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً} تفسير : [الكهف: 7] وقوله في أول سورة الملك: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} تفسير : [الملك: 2]. فهذه الآيات قد أوضحت أن الحكمة في خلقه السماوات والأرض، وجميع ما على الأرض والموت والحياة، هي أن يدعوهم على ألسنة رسله، ويبتليهم أي أن يختبرهم أيهم أحسن عملاً. وهذه الآيات تبين معنى قوله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} تفسير : [الذاريات: 56]. وفي هذه الآيات إيضاح لأن معنى قوله: لولا دعاؤكم: أي دعاؤه إياكم على ألسنة رسله، وابتلاؤكم أيكم أحسن عملاً، وعلى هذا فلا إشكال في قوله: فقد كذبتم: أي ما يعبؤ بكم لولا دعاؤه إياكم: أي وقد دعاكم فكذبتم، وهذا القول هو وحده الذي لا إشكال فيه. فهو قوي بدلالة الآيات المذكورة عليه. وأما القول بأن معنى: لولا دعاؤكم: أي إخلاصكم الدعاء له أيها الكفار عند الشدائد، والكروب، فقد دلت على معناه آيات كثيرة كقوله تعالى: {أية : فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} تفسير : [العنكبوت: 65] وقوله تعالى: {أية : جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّين} تفسير : [يونس: 22]. وقد أوضحنا الآيات الدالة على هذا المعنى في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ} تفسير : [الإسراء: 67] الآية، وهذا القول وإن دلت عليه آيات كثيرة، فلا يظهر كونه هو معنى آية الفرقان هذه. أما القول بأن المعنى: ما يصنع بعذابكم، لولا دعاؤكم معه آلهة أخرى، فقد دل على معناه قوله تعالى: {أية : مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ} تفسير : [النساء: 147] الآية. والقول الأول الذي هو أشهر الأقوال وأكثرها قائلاً، وهو أن المعنى: لولا دعاؤكم: أي عبادتكم له وحده، قد دل عليه جميع الآيات الدالة على ما يعيطه الله لمن أطاعه، وما أعده لمن عصاه، وكثرتها معلومة لا خفاء بها. واعلم أن لفظة ما، في قوله: {قُلْ مَا يَعْبَؤا بِكُمْ رَبِّي} قال بعض أهل العلم: هي استفهامية. وقال بعضهم: هي نافية وكلاهما له وجه من النظر. واعلم أن قول من قال: لولا دعاؤكم: أي دعاؤكم إياي لأغفر لكم، وأعطيكم ما سألتم راجع إلى القول الأول، لأن دعاء المسألة داخل في العبادة كما هو معلوم. وقوله: فقد كذبتم: أي بما جاءكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد قدمنا في الكلام على قوله تعالى: {أية : إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً} تفسير : [الفرقان: 65] أن معنى قوله تعالى: {فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً} أي سوفي يكون العذاب ملازماً لهم غير مفارق، كما تقدم إيضاحه. وقال جماعة من أهل العلم: إن المراد بالعذاب اللازم لهم المعبر عن لزومه لهم بقوله: {فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً} أنه ما وقع من العذاب يوم بدر، لأنهم قتل منهم سبعون وأسر سبعون، والذين قتلوا منهم ما أصابهم عذاب القتل، واتصل به عذاب البرزخ والآخرة فهو ملازم لا يفارقهم بحال، وكون اللزام المذكور في هذه الآية: العذاب الواقع يوم بدر، نقله ابن كثير عن عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، ومحمد بن كعب القرظي، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، والسدي، وغيرهم ثم قال: وقال الحسن البصري: {فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً} أي يوم القيامة، ولا منافاة بينهما. انتهى من ابن كثير، ونقله صاحب الدر المنثور عن أكثر المذكورين وغيرهم. وقال جماعة من أهل العلم: إن يوم بدر ذكره الله تعالى في آيات من كتابه، قالوا هو المراد بقوله تعالى: {أية : وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ} تفسير : [السجدة: 21] أي يوم بدر {أية : دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَكْبَرِ} تفسير : [السجدة: 21] أي يوم القيامة، وأنه هو المراد بقوله: {فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً}، وأنه هو المراد بالبطش والانتقام، في قوله تعالى: {أية : يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ إِنَّا مُنتَقِمُونَ} تفسير : [الدّخان: 16] وأنه هو الفرقان الفارق بين الحق والباطل في قوله تعالى: {أية : إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ} تفسير : [الأنفال: 41] وهو يوم بدر، وأنه هو الذي فيه النصر في قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ} تفسير : [آل عمران: 123] الآية، وكون المراد بهذه الآيات المذكورة يوم بدر ثبت بعضه في الصحيح، عن ابن مسعود، وهو المراد بقول الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في نظمه للمغازي في الكلام على بدر: وقد أتى منوها في الذكر: شعر : لأنه العذاب واللزام وأنه البطش والانتقام وأنه الفرقان بين الكفر والحق والنصر سجيس الدهر تفسير : ومعنى سجيس الدهر: أي مدته. وأظهر الأقوال في الآية عندي، هو القول بأن المصدر فيها مضاف إلى مفعوله لجريانه على اللغة الفصيحة من غير إشكال ولا تقدير، وممن قال به قتادة. والعلم عند الله تعالى.

د. أسعد حومد

تفسير : {يَعْبَأُ} (77) - قُلْ يا محمدُ لهؤلاءِ الذينَ أُرْسِلْتَ إليهم: إنَّ الفائزينَ بِنِعَمِ اللهِ الجَليلةِ، التي يَتَنَافَسُ فيها المُتنافِسُونَ إِنما نَالُوها بما ذُكِرَ من الصِّفاتِ الحميدةِ التي اتَّصَفُوا بها، وَلَوْلاها لم يَهْتَمَّ بهم ربُّهم، ولم يَعْتَدَّ. ولذلكَ فإنَّهُ لا يَعْبَأُ بِكُمْ إذا لم تَعْبُدُوه، فما خَلَقَ اللهُ الخَلْقَ إِلا لِيَعْبُدُوا ربَّهُمْ ويُطِيعُوه وحْدَه لا شريكَ له، وما دُمْتُمْ قد خَالَفْتُم أمرَ ربِّكم، وَعَصَيْتُمْ حُكْمَهُ، وكَذَّبْتُم رَسُولَهُ، فَسَوْفَ يَلْزَمُكُمْ أَثَر تَكْذِيبِكُمْ، وهو العقابُ الذي لا مَنَاصَ منهُ، فاسْتَعِدُّوا له، وهَيِّئُوا أنفسَكُمْ لذلكَ اليومِ العصيبِ، وهو آتٍ قَريبٌ. ما يَعْبَأُ بكم - ما يَكْتَرِثُ وما يُبَالي. دعاؤُكم - عِبادَتُكُمْ. يكونُ لِزَاماً - يكونُ جزاءُ تكذِيبكُم عذَاباً دائِماً مُلازماً لكُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : بعد أن تحدث الحق - تبارك وتعالى - عن عباد الرحمن، وذكر أوصافهم وجزاءهم توجّه إلى الآخرين الذين لم يتصفوا بهذه الصفات ولن ينالهم شيء من هذا النعيم، يقول لهم: إياكم أنْ تظنوا أن الله تعالى سيبالي بكم، أو يهتم، أو يكون في معونتكم؛ لأن الله تعالى لا يبالي إلا بعباده الذين عبدوه حَقَّ العبادة، وأطاعوه حَقَّ الطاعة، وأنتم خالفتُمْ الأصل الأصيل من إيجاد الخَلْق، ولم تحققوا معنى الاستخلاف في الأرض الذي خلقكم الله تعالى من أجله. فكما أنكم انصرفتم عن منهج الله ولم تَعْبئوا به ولم تعبدوه، ولم يكُنْ على بالكم، فكذلك لا يعبأ الله بكم، ولن تكونوا على ذِكْر منه سبحانه، وسوف يهملكم. وقوله تعالى: {لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ ..} [الفرقان: 77] يعني: لولا عبادتكم، حيث إنها لم تقع {فَقَدْ كَذَّبْتُمْ ..} [الفرقان: 77] أي: بالأصل الأصيل، وهو أنكم مخلوقون للعبادة {فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً} [الفرقان: 77] كما لازمتم أنتم الكفر بي ولم تعبدوني وأصررتُم على الكفر، كذلك يكون الجزاء من جنس العمل لِزاماً لكم، فلا يُفارقكم أبداً.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي} معناه ما يُعذبُكُم. وقال: ما يَصنعُ بِكمْ. تفسير : وقوله تعالى: {فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً} [معناه] مُناجزٌ يَلزمُ كُلُّ عَاملٍ عَملَهُ مِن خَيرٍ أو شَرٍ. واللِّزامُ: القَتلُ. وقال الإِمامُ زيد بن علي عليهما السلام: كانَ اللِّزامُ يَومَ بَدرٍ قُتلَ سَبعون وأُسرَ سَبعون وأُسرَ سَبعون وقال زيد بن علي عليهما السلام: سَمِعتُ أبي صلى الله عليه يَروي عن أبيهِ عَن جدِهِ علي عليهم السلام أنهُ قَال قَدْ مَضى خَمسٌ: اللِّزامُ، والروم، والبَطشةُ، والقَمرُ، والدُّخانُ. ورُوي عن ابن عباس أنهُ قال: الدُخانُ لَم يمضِ.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 741 : 11 : 3 - حدثنا سفين عن عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الثقفي عن عمرو بن شعيب في قوله {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ} قال، ما يصنع بكم ربي، لولا أني دعوتكم إلى الإِسلام، فتستجيبون لي. [الآية 77].

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً} [77] 394 - أنا قُتيبةُ بنُ سعيدٍ، نا عمرو - يعني ابن مُحمدٍ - نا سُفيانُ الثوريُّ، عن منصورٍ، عن أبي الضُّحي، عن مسرُوقٍ، عن ابن مسعودٍ قال: مضى اللِّزامُ والبطشُ يوم بدرٍ، ومضى الدُّخانُ والقمرُ والرُّومُ.

همام الصنعاني

تفسير : 2106- حدَّثَنَا عبْدُ الرَّزاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ قَتَادَة، في قَوْلِه تَعَالى: {فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً}: [الآية: 77]، قَالَ: قَالَ أُبيّ: هُوَ الْقَتْلُ يَوْمَ بَدْرٍ.