Verse. 2933 (AR)

٢٦ - ٱلشُّعَرَاء

26 - Ash-Shu'ara (AR)

طٰسۗمّۗ۝۱
Taseenmeem

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«طسَمَ» الله أعلم بمراده بذلك.

1

المنزل الخامس

Tafseer

الرازي

تفسير : الطاء إشارة إلى طرب قلوب العارفين، والسين سرور المحبين، والميم مناجاة المريدين، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ قتادة {بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ } على الإضافة، وقرىء {فَظَلَّتْ أَعْنَـٰقُهُمْ لَهَا خاضعة }. المسألة الثانية: البخع أن يبلغ بالذبح البخاع، وهو الخرم النافذ في ثقب الفقرات وذلك أقصى حد الذابح، ولعل للإشفاق. المسألة الثالثة: قوله: {طسم * تِلْكَ ءايَاتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ } معناه: آيات هذه السورة تلك آيات الكتاب المبين، وتمام تقريره ما مر في قوله تعالى: { أية : ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ } تفسير : [البقرة: 2] ولا شبهة في أن المراد بالكتاب هو القرآن والمبين وإن كان في الحقيقة هو المتكلم فقد يضاف إلى الكلام من حيث يتبين به عند النظر فيه، فإن قيل القوم لما كانوا كفاراً فكيف تكون آيات القرآن مبينة لهم ما يلزمهم، وإنما يتبين بذلك الأحكام؟ قلنا ألفاظ القرآن من حيث تعذر عليهم أن يأتوا بمثله يمكن أن يستدل به على فاعل مخالف لهم كما يستدل بسائر ما لا يقدر العباد على مثله، فهو دليل التوحيد من هذا الوجه ودليل النبوة من حيث الإعجاز، ويعلم به بعد ذلك أنه إذا كان من عند الله تعالى فهو دلالة الأحكام أجمع، وإذا ثبت هذا صارت آيات القرآن كافية في كل الأصول والفروع أجمع، ولما ذكر الله تعالى أنه بين الأمور قال بعده: {لَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } منبهاً بذلك على أن الكتاب وإن بلغ في البيان كل غاية فغير مدخل لهم في الإيمان لما أنه سبق حكم الله بخلافه، فلا تبالغ في الحزن والأسف على ذلك لأنك إن بالغت فيه كنت بمنزلة من يقتل نفسه ثم لا ينتفع بذلك أصلاً فصبره وعزاه وعرفه أن غمه وحزنه لا نفع فيه كما أن وجود الكتاب على بيانه ووضوحه لا نفع لهم فيه، ثم بين تعالى أنه قادر على أن ينزل آية يذلون عندها ويخضعون، فإن قيل: كيف صح مجيء {خَـٰضِعِينَ } خبراً عن الأعناق؟ قلنا أصل الكلام: فظلوا لها خاضعين، فذكرت الأعناق لبيان موضع الخضوع، ثم ترك الكلام على أصله، ولما وصفت بالخضوع الذي هو للعقلاء، قيل {خَـٰضِعِينَ } كقوله: { أية : لِى سَاجِدِينَ } تفسير : [يوسف: 4]، وقيل أعناق الناس رؤساؤهم ومقدموهم شبهوا بالأعناق كما يقال هم الرؤوس والصدور، وقيل هم جماعات الناس، يقال جاءنا عنق من الناس لفوج منهم. المسألة الرابعة: نظير هذه الآية قوله تعالى في سورة الكهف (6): { أية : فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ } تفسير : وقوله: { أية : فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرٰتٍ } تفسير : [فاطر:8].

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {طسۤمۤ } قرأ الأعمش ويحيـى وأبو بكر والمفضل وحمزة والكسائي وخلف بإمالة الطاء مشبعاً في هذه السورة وفي أختيها. وقرأ نافع وأبو جعفر وشيبة والزهري بين اللفظين؛ واختاره أبو عبيد وأبو حاتم. وقرأ الباقون بالفتح مشبعاً. قال الثعلبي: وهي كلها لغات فصيحة. وقد مضى في «طه» قول النحاس في هذا. قال النحاس: وقرأ المدنيون وأبو عمرو وعاصم والكسائي: {طۤسۤم} بإدغام النون في الميم، والفراء يقول بإخفاء النون. وقرأ الأعمش وحمزة: {طسين ميم} بإظهار النون. قال النحاس: النون الساكنة والتنوين أربعة أقسام عند سيبويه: يبيّنان عند حروف الحلق، ويدغمان عند الراء واللام والميم والواو والياء، ويقلبان ميماً عند الباء ويكونان من الخياشيم؛ أي لا يبينان؛ فعلى هذه الأربعة الأقسام التي نصها سيبويه لا تجوز هذه القراءة؛ لأنه ليس هاهنا حرف من حروف الحلق فتبيّن النون عنده، ولكن في ذلك وُجَيْه: وهو أن حروف المعجم حكمها أن يوقف عليها، فإذا وقف عليها تبينت النون. قال الثعلبي: الإدغام اختيار أبي عبيد وأبي حاتم قياساً على كل القرآن، وإنما أظهرها أولئك للتبيين والتمكين، وأدغمها هؤلاء لمجاورتها حروف الفم. قال النحاس: وحكى أبو إسحاق في كتابه «فيما يجري وفيما لا يجري» أنه يجوز أن يقال: {طسينَ ميمُ} بفتح النون وضم الميم، كما يقال هذا معدي كربُ. وقال أبو حاتم: قرأ خالد. {طسينَ ميمُ}. ابن عباس: {طسم} قَسَم وهو اسم من أسماء الله تعالى، والمقسم عليه: {إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً}. وقال قتادة: اسم من أسماء القرآن أقسم الله به. مجاهد: هو اسم السورة ويحسن افتتاح السورة. الربيع: حساب مدّة قوم. وقيل: قارعة تحل بقوم. {طۤسۤم} و{طۤس} واحد. قال:شعر : وَفَاؤُكُمَا كالرَّبعِ أَشْجَاهُ طَاسِمُهْ بأن تُسْعِدَا والدَّمعُ أَشْفَاه ساجمهْ تفسير : وقال القرظي: أقسم الله بطَوْله وسنائه ومُلكه. وقال عبد الله بن محمد بن عَقِيل: الطاء طور سيناء والسين إسكندرية والميم مكة. وقال جعفر بن محمد بن عليّ: الطاء شجرة طُوبى، والسين سِدرة المنتهى، والميم محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: الطاء من الطاهر والسين من القدوس ـ وقيل من السميع وقيل من السلام ـ والميم من المجيد. وقيل: من الرحيم. وقيل: من الملك. وقد مضى هذا المعنى في أول سورة «البقرة». والطَّوَاسيمُ والطَّواسينُ سور في القرآن جُمعت على غير قياس. وأنشد أبو عبيدة:شعر : وبالطَّواسِيم التي قد ثُلِّثت وبالحوامِيم التي قد سُبِّعت تفسير : قال الجوهري: والصواب أن تجمع بذوات وتضاف إلى واحد، فيقال: ذواتُ طسم وذواتُ حم. قوله تعالى: {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ } رفع على إضمار مبتدأ أي هذه {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ } التي كنتم وعدتم بها؛ لأنهم قد وعدوا في التوراة والإنجيل بإنزال القرآن. وقيل: {تِلْكَ} بمعنى هذه. {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ} أي قاتل نفسك ومهلكها. وقد مضى في «الكهف» بيانه. {أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} أي لتركهم الإيمان. قال الفراء: {أن} في موضع نصب؛ لأنها جزاء. قال النحاس: وإنما يقال: بإن مكسورة لأنها جزاء؛ كذا المتعارف. والقول في هذا ما قاله أبو إسحاق في كتابه في القرآن؛ قال: «أَنْ» في موضع نصب مفعول من أجله؛ والمعنى لعلك قاتل نفسك لتركهم الإيمان. {إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً} أي معجزة ظاهرة وقدرة باهرة فتصير معارفهم ضرورية، ولكن سبق القضاء بأن تكون المعارف نظرية. وقال أبو حمزة الثُّماليّ في هذه الآية: صوت يسمع من السماء في النصف من شهر رمضان؛ تخرج به العواتق من البيوت وتضج له الأرض. وهذا فيه بعدٌ؛ لأن المراد قريش لا غيرهم. {فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ} أي فتظل أعناقهم {لَهَا خَاضِعِينَ} قال مجاهد: أعناقهم كبراؤهم؛ وقال النحاس: ومعروف في اللغة؛ يقال: جاءني عُنُق من الناس أي رؤساء منهم. أبو زيد والأخفش: {أَعْنَاقُهُمْ} جماعاتهم؛ يقال: جاءني عُنُق من الناس أي جماعة. وقيل: إنما أراد أصحاب الأعناق، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. قتادة: المعنى لو شاء لأنزل آية يذلون بها فلا يلوي أحد منهم عنقه إلى معصية. ابن عباس: نزلت فينا وفي بني أمية ستكون لنا عليهم الدولة فتذلّ لنا أعناقهم بعد معاوية؛ ذكره الثعلبي والغزنوي. وخاضعين وخاضعة هنا سواء؛ قاله عيسى بن عمر واختاره المبرد. والمعنى: إنهم إذا ذلّت رقابهم ذلّوا؛ فالإخبار عن الرقاب إخبار عن أصحابها. ويسوغ في كلام العرب أن تترك الخبر عن الأول وتخبر عن الثاني؛ قال الراجز:شعر : طولُ الليالي أسرعتْ في نَقْضي طَوَينَ طُولِي وطَوَيْنَ عَرْضِي تفسير : فأخبر عن الليالي وترك الطول. وقال جرير:شعر : ارَى مَرَّ السنين أَخَذْنَ منّي كما أَخَذَ السِّرارُ من الهِلالِ تفسير : وإنما أجاز ذلك لأنه لو أسقط مرّ وطول من الكلام لم يفسد معناه، فكذلك رد الفعل إلى الكناية في قوله: {فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ} لأنه لو أسقط الأعناق لما فسد الكلام، ولأدّى ما بقي من الكلام عنه حتى يقول: فظلوا لها خاضعين. وعلى هذا اعتمد الفراء وأبو عبيدة. والكسائي يذهب إلى أن المعنى خاضعيها هم، وهذا خطأ عند البصريين والفراء. ومثل هذا الحذف لا يقع في شيء من الكلام؛ قاله النحاس. قوله تعالى: {وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهُ مُعْرِضِينَ } تقدّم في «الأنبياء». {فَقَدْ كَذَّبُواْ} أي أعرضوا ومن أعرض عن شيء ولم يقبله فهو تكذيب له. {فَسَيَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} وعيد لهم؛ أي فسوف يأتيهم عاقبة ما كذبوا والذي استهزءوا به. قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى ٱلأَرْضِ كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ } نبّه على عظمته وقدرته وأنهم لو رأوا بقلوبهم ونظروا ببصائرهم لعلموا أنه الذي يستحق أن يُعبد؛ إذ هو القادر على كل شيء. والزوج هو اللون؛ قاله الفراء. و{كَرِيم} حسن شريف، وأصل الكرم في اللغة الشرف والفضل، فنخلة كريمة أي فاضلة كثيرة الثمر، ورجل كريم شريف فاضل صفوح. ونبتت الأرض وأنبتت بمعنى. وقد تقدّم في سورة «البقرة» والله سبحانه المخرج والمنبت له. وروي عن الشعبي أنه قال: الناس من نبات الأرض فمن صار منهم إلى الجنة فهو كريم، ومن صار إلى النار فهو لئيم. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً} أي فيما ذكر من الإنبات في الأرض لدلالته على أن الله قادر، لا يعجزه شيء. {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ} أي مصدقين لما سبق من علمي فيهم. و{كَانَ} هنا صلة في قول سيبويه؛ تقديره: وما أكثرهم مؤمنين. {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ } يريد المنيع المنتقم من أعدائه، الرحيم بأوليائه.

البيضاوي

تفسير : مكية إلا قوله تعالى وَالشُّعَراءُ يَتَبِعُهُمُ الغَاوُونَ إلى آخرها وهي مائتان وست أو سبع وعشرون آية {بسم الله الرحمن الرحيم} {طسم} قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر بالإِمالة، ونافع بين كراهة للعود إلى الياء المهروب منها، وأظهر نونه حمزة لأنه في الأصل منفصل عما بعده. {تِلْكَ ءَايَاتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ} الظاهر إعجازه وصحته، والإِشارة إلى السورة أو القرآن على ما قرر في أول «البقرة». {لَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ} قاتل نفسك، وأصل البخع أن يبلغ بالذبح النخاع وهو عرق مستبطن الفقار وذلك أقصى حد الذبح، وقرىء {بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ} بالإِضافة، ولعل للإِشفاق أي أشفق على نفسك أن تقتلها حسرة. {أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} لئلا يؤمنوا أو خيفة أن لا يؤمنوا. {إِن نَّشَأْ نُنَزّلْ عَلَيْهِمْ مّنَ ٱلسَّمَاء ءَايَةً} دلالة ملجئة إلى الإِيمان أو بلية قاسرة عليه. {فَظَلَّتْ أَعْنَـٰقُهُمْ لَهَا خَـٰضِعِينَ} منقادين وأصله فظلوا لها خاضعين فأقحمت الأعناق لبيان موضع الخضوع وترك الخبر على أصله. وقيل لما وصفت الأعناق بصفات العقلاء أجريت مجراهم. وقيل المراد بها الرؤساء أو الجماعات من قولهم: جاءنا عنق من الناس لفوج منهم، وقرىء {خاضعة} و {ظَلْتَ} عطف على {نُنَزّلُ } عطف وأكن على فأصدق لأنه لو قيل أنزلنا بدله لصح. {وَمَا يَأْتِيهِم مّن ذِكْرٍ} موعظة أو طائفة من القرآن. {مّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ } يوحيه إلى نبيه. {مُّحْدَثٍ} مجدد إنزاله لتكرير التذكير وتنويع التقرير. {إِلاَّ كَانُواْ عَنْهُ مُعْرِضِينَ} إلا جددوا إعراضاً عنه وإصراراً على ما كانوا عليه. {فَقَدْ كَذَّبُواْ} أي بالذكر بعد إعراضهم وأمعنوا في تكذيبه بحيث أدى بهم إلى الاستهزاء به المخبر به عنهم ضمناً في قوله: {فَسَيَأْتِيهِمْ } أي إذا مسهم عذاب الله يوم بدر أو يوم القيامة. {أَنْبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} من أنه كان حقاً أم باطلاً، وكان حقيقاً بأن يصدق ويعظم قدره أو يكذب فيستخف أمره. {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إِلَى ٱلأَرْضِ} أو لم ينظروا إلى عجائبها. {كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ زَوْجٍ } صنف. {كَرِيمٌ} محمود كثير المنفعة، وهو صفة لكل ما يحمد ويرضى، وههنا يحتمل أن تكون مقيدة لما يتضمن الدلالة على القدرة، وأن تكون مبينة منبهة على أنه ما من نبت إلا وله فائدة إما وحده أو مع غيره، و {كُلٌّ } لإِحاطة الأزواج {وَكَمْ } لكثرتها. {إِنَّ فِي ذَلِكَ} إن في إنبات تلك الأصناف أو في كل واحد. {لآيَةً} على أن منبتها تام القدرة والحكمة، سابغ النعمة والرحمة. {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ } في علم الله وقضائه فلذلك لا ينفعهم أمثال هذه الآيات العظام. {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ } الغالب القادر على الانتقام من الكفرة. {ٱلرَّحِيمِ } حيث أمهلهم أو العزيز في انتقامه ممن كفر الرحيم لمن تاب وآمن. {وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ } مقدر باذكر أو ظرف لما بعده. {أَنِ ٱئْتَ } أي {ٱئْتَ } أو بأن {ٱئْتَ}. {ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } بالكفر واستعباد بني إسرائيل. وذبح أولادهم. {قَوْمِ فِرْعَونَ } بدل من الأول أو عطف بيان له، ولعل الإِقتصار على القوم للعلم بأن فرعون كان أولى بذلك. {أَلا يَتَّقُونَ } استئناف أتبعه إرساله إليهم للإِنذار تعجيباً له من إفراطهم في الظلم واجترائهم عليه، وقرىء بالتاء على الالتفات إليهم زجراً لهم وغضباً عليهم، وهم وإن كان غيباً حينئذ أجروا مجرى الحاضرين في كلام المرسل إليهم من حيث إنه مبلغه إليهم وإسماعه مبدأ إسماعهم، مع ما فيه من مزيد الحث على التقوى لمن تدبره وتأمل مورده، وقرىء بكسر النون اكتفاء بها عن ياء الإِضافة، ويحتمل أن يكون بمعنى ألا يا ناس اتقون كقوله: أَلا يا اسجدوا. {قَالَ رَبّ إِنّي أَخَافُ أَن يُكَذّبُونِ وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلاَ يَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَـٰرُونَ} رتب استدعاء ضم أخيه إليه وإشراكه له في الأمر على الأمور الثلاثة: خوف التكذيب، وضيق القلب انفعالاً عنه، وازدياد الحبسة في اللسان بانقباض الروح إلى باطن القلب عند ضيقه بحيث لا ينطلق، لأنها إذا اجتمعت مست الحاجة إلى معين يقوي قلبه وينوب منابه متى تعتريه حبسة حتى لا تختل دعوته ولا تنبتر حجته، وليس ذلك تعللاً منه وتوقفاً في تلقي الأمر، بل طلباً لما يكون معونة على امتثاله وتمهيد عذره فيه، وقرأ يعقوب {وَيَضِيقُ} {وَلاَ يَنطَلِقُ} بالنصب عطفاً على {يَكْذِبُونَ} فيكونان من جملة ما خاف منه. {وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ} أي تبعة ذنب فحذف المضاف أو سمي باسمه، والمراد قتل القبطي وإنما سماه ذنباً على زعمهم، وهذا اختصار قصته المبسوطة في مواضع. {فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ} به قبل أداء الرسالة، وهو أيضاً ليس تعللاً وإنما هو استدفاع للبلية المتوقعة، كما إن ذاك استمداد واستظهار في أمر الدعوة وقوله: {قَالَ كَلاَّ فَٱذْهَبَا بِـئَايَـٰتِنَا} إجابة له إلى الطلبتين بوعده بدفع بلائهم اللازم ردعه عن الخوف، وضم أخيه إليه في الإِرسال، والخطاب في {فَٱذْهَبَا} على تغليب الحاضر لأنه معطوف على الفعل الذي يدل عليه {كَلاَّ} كأنه قيل: ارتدع يا موسى عما تظن فاذهب أنت والذي طلبته. {إِنَّا مَعَكُمْ} يعني موسى وهرون وفرعون. {مُّسْتَمِعُونَ} سامعون لما يجري بينكما وبينه فأظهركما عليه، مثل نفسه تعالى بمن حضر مجادلة قوم استماعاً لما يجري بينهم وترقباً لإِمداد أوليائه منهم، مبالغة في الوعد بالإِعانة، ولذلك تجوز بالاستماع الذي هو بمعنى الإِصغاء للسمع الذي هو مطلق إدراك الحروف والأصوات، وهو خبر ثان أو الخبر وحده {ومعكم} لغو.

ابن كثير

تفسير : أما الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور، فقد تكلمنا عليه في أول تفسير سورة البقرة. وقوله تعالى: {تِلْكَ ءايَاتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ} أي: هذه آيات القرآن المبين، أي: البين الواضح الجلي الذي يفصل بين الحق والباطل، والغي والرشاد. وقوله تعالى: {لَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ} أي: مهلك {نَّفْسَكَ} أي: مما تحرص وتحزن عليهم {أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} وهذه تسلية من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم في عدم إيمان من لم يؤمن به من الكفار، كما قال تعالى: {أية : فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} تفسير : [فاطر: 8] كقوله: {أية : فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ ءَاثَـٰرِهِمْ} تفسير : [الكهف: 6] الآية. قال مجاهد وعكرمة وقتادة وعطية والضحاك والحسن وغيرهم: {لَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ} أي: قاتل نفسك. قال الشاعر:شعر : أَلا أَيُّهذا الباخِعُ الحُزْنُ نَفْسَهُ لِشَيْءٍ نَحَتْهُ عَنْ يَدَيْهِ المَقادِرُ تفسير : ثم قال تعالى: {إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ءَايَةً فَظَلَّتْ أَعْنَـٰقُهُمْ لَهَا خَـٰضِعِينَ} أي: لو نشاء لأنزلنا آية تضطرهم إلى الإيمان قهراً، ولكن لا نفعل ذلك؛ لأنا لا نريد من أحد إلا الإيمان الاختياري. وقال تعالى: {أية : وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِى ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} تفسير : [يونس: 99]. وقال تعالى: {أية : وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} تفسير : [هود: 118] الآية، فنفذ قدره، ومضت حكمته، وقامت حجته البالغة على خلقه بإرسال الرسل إليهم، وإنزال الكتب عليهم، ثم قال تعالى: {وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهُ مُعْرِضِينَ} أي: كلما جاءهم كتاب من السماء، أعرض عنه أكثر الناس، كما قال تعالى: {أية : وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} تفسير : [يوسف: 103] وقال تعالى: {أية : يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}تفسير : [يس: 30] وقال تعالى: {أية : ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ} تفسير : [المؤمنون: 44] الآية، ولهذا قال تعالى ههنا: {فَقَدْ كَذَّبُواْ فَسَيَأْتِيهِمْ أَنبَـٰؤُا مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} أي: فقد كذبوا بما جاءهم من الحق، فسيعلمون نبأ هذا التكذيب بعد حين، {أية : وَسَيَعْلَمْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} تفسير : [الشعراء: 227] ثم نبه تعالى على عظمة سلطانه، وجلالة قدره وشأنه، الذين اجترؤوا على مخالفة رسوله، وتكذيب كتابه، وهو القاهر العظيم، القادر الذي خلق الأرض، وأنبت فيها من كل زوج كريم، من زروع وثمار وحيوان. قال سفيان الثوري عن رجل عن الشعبي: الناس من نبات الأرض، فمن دخل الجنة، فهو كريم، ومن دخل النار، فهو لئيم {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لأَيَةً} أي: دلالة على قدرة الخالق للأشياء، الذي بسط الأرض ورفع بناء السماء، ومع هذا ما آمن أكثر الناس، بل كذبوا به وبرسله وكتبه، وخالفوا أمره، وارتكبوا نهيه. وقوله: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} أي: الذي عز كل شيء، وقهره وغلبه {ٱلْرَّحِيمُ} أي: بخلقه، فلا يعجل على من عصاه، بل يؤجله وينظره، ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر. قال أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس وابن إسحاق: العزيز في نقمته وانتصاره ممن خالف أمره، وعبد غيره. وقال سعيد بن جبير: الرحيم بمن تاب إليه وأناب.

المحلي و السيوطي

تفسير : {طسم } الله أعلم بمراده بذلك.

الشوكاني

تفسير : قوله { طسۤمۤ } قرأ الأعمش ويحيـى بن وثاب وأبو بكر والمفضل وحمزة والكسائي، وخلف بإمالة الطاء، وقرأ نافع وأبو جعفر وشيبة والزهري بين اللفظين، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم، وقرأ الباقون بالفتح مشبعاً. وقرأ المدنيون وأبو عمرو وعاصم والكسائي بإدغام النون من «طسن» في الميم وقرأ الأعمش وحمزة بإظهارها. قال الثعلبي: الإدغام اختيار أبي عبيد، وأبي حاتم. قال النحاس: وحكى الزجاج في كتابه: "فيما يجري وما لا يجري" أنه يجوز أن يقال: «طاسين ميم» بفتح النون وضم الميم كما يقال: هذا معدى كرب. وقرأ عيسى ويروى عن نافع بكسر الميم على البناء. وفي مصحف عبد الله بن مسعود "ط س م" هكذا حروفاً مقطعة، فيوقف على كل حرف وقفة يتميز بها عن غيره، وكذلك قرأ أبو جعفر، ومحله الرفع على الابتداء إن كان اسماً للسورة كما ذهب إليه الأكثر، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف، ويجوز أن يكون في محل نصب بتقدير: اذكر، أو اقرأ. وأما إذا كان مسروداً على نمط التعديد كما تقدّم في غير موضع من هذا التفسير، فلا محلّ له من الإعراب. وقد قيل: إنه اسم من أسماء الله سبحانه، وقيل: اسم من أسماء القرآن، والإشارة بقوله: {تِلْكَ ءَايَاتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ } إلى السورة، ومحلها الرفع على أنها وما بعدها خبر للمبتدأ إن جعلنا {طسم} مبتدأ، وإن جعلناه خبراً لمبتدأ محذوف، فمحلها الرفع على أنه مبتدأ خبره ما بعده، أو خبر مبتدأ محذوف أو بدل من {طسمۤ} والمراد بالكتاب هنا: القرآن، والمبين: المبين المظهر، أو البين الظاهر إن كان من أبان بمعنى بان. {لَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ } أي قاتل نفسك ومهلكها {أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } أي: لعدم إيمانهم بما جئت به والبخع في الأصل: أن يبلغ بالذبح النخاع بالنون: قاموس، وهو عرق في القفا، وقد مضى تحقيق هذا في سورة الكهف، وقرأ قتادة: "باخع نفسك" بالإضافة. قرأ الباقون بالقطع قال: الفراء: "أن" في قوله: {أن لاَ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } في موضع نصب: لأنها جزاء قال النحاس: وإنما يقال: "إن" مكسورة لأنها جزء هكذا التعارف، والقول في هذا ما قاله الزجاج في كتابه في القرآن إنها في موضع نصب مفعول لأجله، والمعنى: لعلك قاتل نفسك لتركهم الإيمان، وفي هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان حريصاً على إيمان قومه شديد الأسف لما يراه من إعراضهم، وجملة: {إِن نَّشَأْ نُنَزّلْ عَلَيْهِمْ مّنَ ٱلسَّمَاء ءايَةً } مستأنفة مسوقة لتعليل ما سبق من التسلية، والمعنى: إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية تلجئهم إلى الإيمان، ولكن قد سبق القضاء بأنا لا ننزل ذلك، ومعنى {فَظَلَّتْ أَعْنَـٰقُهُمْ لَهَا خَـٰضِعِينَ }: أنهم صاروا منقادين لها أي: فتظلّ أعناقهم إلخ، قيل: وأصله، فظلوا لها خاضعين، فأقحمت الأعناق لزيادة التقرير والتصوير، لأن الأعناق موضع الخضوع. وقيل: إنها لما وضعت الأعناق بصفات العقلاء أجريت مجراهم، ووصفت بما يوصفون به. قال عيسى بن عمر: خاضعين، وخاضعة هنا سواء، واختاره المبرد، والمعنى: أنها إذا ذلت رقابهم ذلوا، فالإخبار عن الرقاب إخبار عن أصحابها، ويسوغ في كلام العرب أن يترك الخبر عن الأوّل، ويخبر عن الثاني، ومنه قول الراجز:شعر : طول الليالي أسرعت في نقضي طوين طولي وطوين عرضي تفسير : فأخبر عن الليالي، وترك الطول، ومنه قول جرير:شعر : أرى مرّ السنين أخذن مني كما أخذ السرار من الهلال تفسير : وقال أبو عبيد والكسائي: إن المعنى: خاضعيها هم، وضعفه النحاس، وقال مجاهد: أعناقهم: كبراؤهم، قال النحاس: وهذا معروف في اللغة، يقال: جاءني عنق من الناس أي: رؤساء منهم. وقال أبو زيد والأخفش: أعناقهم: جماعاتهم، يقال: جاءني عنق من الناس أي: جماعة. {وَمَا يَأْتِيهِم مّن ذِكْرٍ مّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهُ مُعْرِضِينَ } بيّن سبحانه أنه مع اقتداره على أن يجعلهم ملجئين إلى الإيمان يأتيهم بالقرآن حالاً بعد حال، وأن لا يجدّد لهم موعظة وتذكيراً إلاّ جدّدوا ما هو نقيض المقصود، وهو الإعراض والتكذيب والاستهزاء، و «من» في: {مّن ذِكْرِ } مزيدة لتأكيد العموم، و"من" في {مّن رَّبّهِمُ } لابتداء الغاية، والاستثناء مفرغ من أعمّ العامّ محله النصب على الحالية من مفعول يأتيهم، وقد تقدّم تفسير مثل هذه الآية في سورة الأنبياء {فَقَدْ كَذَّبُواْ } أي: بالذكر الذي يأتيهم تكذيباً صريحاً، ولم يكتفوا بمجرّد الإعراض، وقيل: إن الإعراض بمعنى التكذيب، لأن من أعرض عن شيء ولم يقبله، فقد كذّبه، وعلى هذا فيكون ذكر التكذيب للدلالة على صدور ذلك منهم على وجه التصريح، والأوّل أولى، فالإعراض عن الشيء: عدم الالتفات إليه. ثم انتقلوا عن هذا إلى ما هو أشدّ منه، وهو التصريح بالتكذيب، ثم انتقلوا عن التكذيب إلى ما هو أشدّ منه، وهو الاستهزاء كما يدلّ عليه قوله: {فَقَدْ كَذَّبُواْ فَسَيَأْتِيهِمْ أَنبَـٰؤُا مَا كَانُواْ بِه يَسْتَهْزِءونَ }، والأنباء هي: ما يستحقونه من العقوبة آجلاً وعاجلاً. وسمّيت أنباء لكونها مما أنبأ عنه القرآن، وقال: {مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ }، ولم يقل: ما كانوا عنه معرضين، أو ما كانوا به يكذّبون، لأن الاستهزاء أشدّ منهما، ومستلزم لهما، وفي هذا وعيد شديد، وقد مرّ تفسير مثل هذا في سورة الأنعام. ثم ذكر سبحانه ما يدلّ على كمال قدرته من الأمور الحسية التي يحصل بها للمتأمل فيها، والناظر إليها، والمستدلّ بها أعظم دليل، وأوضح برهان، فقال: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى ٱلأَرْضِ كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ زَوْجٍ كَرِيمٍ } الهمزة للتوبيخ، والواو للعطف على مقدّر كما في نظائره، فنبّه سبحانه على عظمته وقدرته، وأن هؤلاء المكذبين المستهزئين لو نظروا حق النظر لعلموا أنه سبحانه الذي يستحق أن يعبد، والمراد بالزوج هنا: الصنف. وقال الفراء: هو اللون، وقال الزجاج: معنى زوج نوع، وكريم: محمود، والمعنى: من كل زوج نافع لا يقدر على إنباته إلاّ ربّ العالمين، والكريم في الأصل: الحسن الشريف، يقال: نخلة كريمة: أي كثيرة الثمرة، ورجل كريم: شريف فاضل، وكتاب كريم: إذا كان مرضياً في معانيه، والنبات الكريم هو المرضي في منافعه، قال الشعبي: الناس مثل نبات الأرض، فمن صار منهم إلى الجنة، فهو كريم، ومن صار منهم إلى النار، فهو لئيم، والإشارة بقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً } إلى المذكور قبله أي: إن فيما ذكر من الإنبات في الأرض لدلالة بينة، وعلامة واضحة على كمال قدرة الله سبحانه، وبديع صنعته، ثم أخبر سبحانه: بأن أكثر هؤلاء مستمرّ على ضلالته مصمم على جحوده، وتكذيبه، واستهزائه، فقال: {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ } أي: سبق علمي فيهم أنهم سيكونون هكذا، وقال سيبويه: إن {كان} هنا صلة {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ } أي: الغالب القاهر لهؤلاء بالانتقام منهم مع كونه كثير الرحمة، ولذلك أمهلهم، ولم يعاجلهم بالعقوبة، أو المعنى: أنه منتقم من أعدائه رحيم بأوليائه. وجملة {وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ } إلخ، مستأنفة مسوقة لتقرير ما قبلها من الإعراض، والتكذيب، والاستهزاء، والعامل في الظرف محذوف تقديره: واتل إذ نادى أو اذكر، والنداء: الدعاء، و «أن» في قوله: {أَنِ ٱئْتَ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } يجوز أن تكون مفسرة، وأن تكون مصدرية، ووصفهم بالظلم. لأنهم جمعوا بين الكفر الذي ظلموا به أنفسهم وبين المعاصي التي ظلموا بها غيرهم كاستعباد بني إسرائيل، وذبح أبنائهم. وانتصاب {قَوْمِ فِرْعَونَ } على أنه بدل، أو عطف بيان من القوم الظالمين، ومعنى {أَلا يَتَّقُونَ }: ألا يخافون عقاب الله سبحانه، فيصرفون عن أنفسهم عقوبة الله بطاعته وقيل المعنى: قل لهم: ألا تتقون؟ وجاء بالياء التحتية لأنهم غيب وقت الخطاب، وقرأ عبيد بن عمير، وأبو حازم: "ألا تتقون" بالفوقية: أي: قل لهم ذلك، ومثله: {أية : قُلْ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ } تفسير : [آل عمران: 12] بالتحتية والفوقية. {قَالَ رَبّ إِنّي أَخَافُ أَن يُكَذّبُونِ } أي قال موسى هذه المقالة، والمعنى: أخاف أن يكذبوني في الرسالة {وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلاَ يَنطَلِقُ لِسَانِي } معطوفان على {أخاف} أي يضيق صدري لتكذيبهم إياي، ولا ينطلق لساني بتأدية الرسالة، قرأ الجمهور برفع {يَضِيقُ }، {ولا ينطلق} بالعطف على {أخاف} كما ذكرنا، أو على الاستئناف، وقرأ يعقوب وعيسى بن عمر وأبو حيوة بنصبهما عطفاً على {يكذبون}. قال الفراء: كلا القراءتين له وجه، قال النحاس الوجه. الرفع، لأن النصب عطف على {يكذبون} وهذا بعيد {فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَـٰرُونَ } أي: أرسل إليه جبريل بالوحي ليكون معي رسولاً موازراً مظاهراً معاوناً، ولم يذكر الموازرة هنا، لأنها معلومة من غير هذا الموضع، كقوله في طه: {أية : وَٱجْعَل لّي وَزِيراً } تفسير : [طه: 29]، وفي القصص {أية : أُرْسِلَهُ مَعِىَ رِدْءاً يُصَدّقُنِي } تفسير : [القصص: 34]. وهذا من موسى عليه السلام من باب طلب المعاونة له بإرسال أخيه، لا من باب الاستعفاء من الرسالة، ولا من التوقف عن المسارعة بالامتثال: {وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ } الذنب هو قتله للقبطي، وسماه ذنباً بحسب زعمهم، فخاف موسى أن يقتلوه به. وفيه دليل على أن الخوف قد يحصل مع الأنبياء فضلاً عن الفضلاء. ثم أجابه سبحانه بما يشتمل على نوع من الردع وطرف من الزجر {قَالَ كَلاَّ فَٱذْهَبَا بِـئَايَـٰتِنَا } وفي ضمن هذا الجواب إجابة موسى إلى ما طلبه من ضم أخيه إليه كما يدلّ عليه توجيه الخطاب إليهما كأنه قال: ارتدع يا موسى عن ذلك، واذهب أنت ومن استدعيته، ولا تخف من القبط {إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ }، وفي هذا تعليل للردع عن الخوف، وهو كقوله سبحانه: {أية : إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ } تفسير : [طه: 46]، وأراد بذلك سبحانه تقوية قلوبهما، وأنه متولّ لحفظهما، وكلاءتهما، وأجراهما مجرى الجمع فقال: {مَّعَكُمْ } لكون الاثنين أقلّ الجمع على ما ذهب إليه بعض الأئمة، أو لكونه أراد موسى وهارون ومن أرسلا إليه، ويجوز أن يكون المراد: هما مع بني إسرائيل، و{معكم}، و{مستمعون} خبران لأنّ، أو الخبر {مستمعون}، و{معكم} متعلق به، ولا يخفى ما في المعية من المجاز، لأن المصاحبة من صفات الأجسام، فالمراد: معية النصرة والمعونة {فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، ووحد الرسول هنا، ولم يثنه كما في قوله: {أية : إِنَّا رَسُولاَ رَبّكَ } تفسير : [طه: 47]؛ لأنه مصدر بمعنى: رسالة، والمصدر يوحد، وأما إذا كان بمعنى المرسل، فإنه يثنى مع المثنى، ويجمع مع الجمع، قال أبو عبيدة: رسول بمعنى رسالة، والتقدير على هذا: إنا ذوا رسالة ربّ العالمين، ومنه قول الشاعر:شعر : ألا أبلغ أبا عمرو رسولا فإني عن فتاحتكم غنى تفسير : أي: رسالة. وقال العباس بن مرداس:شعر : ألا من مبلغ عني خفافا رسولا بيت أهلك منتهاها تفسير : أي: رسالة. قال أبو عبيدة أيضاً، ويجوز أن يكون الرسول بمعنى الاثنين والجمع، تقول العرب: هذا رسولي ووكيلي، وهذان: رسولي ووكيلي، وهؤلاء رسولي ووكيلي، ومنه قوله تعالى: {أية : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي } تفسير : [الشعراء: 77] وقيل معناه: إن كل واحد منا رسول رب العالمين، وقيل: إنهما لما كانا متعاضدين متساندين في الرسالة كانا بمنزلة رسول واحد، و «أن» في قوله: {أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرٰءيلَ } مفسرة لتضمن الإرسال المفهوم من الرسول، معنى القول: {قَالَ أَلَمْ نُرَبّكَ فِينَا وَلِيداً } أي قال فرعون لموسى بعد أن أتياه، وقالا له ما أمرهما الله به، ومعنى {فينا}: أي في حجرنا ومنازلنا، أراد بذلك المنّ عليه، والاحتقار له أي ربيناك لدينا صغيراً، ولم نقتلك فيمن قتلنا من الأطفال. {وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ } فمتى كان هذا الذي تدّعيه؟ قيل: لبث فيهم ثماني عشرة سنة، وقيل: ثلاثين سنة. وقيل: أربعين سنة. ثم قرّرت بقتل القبطي، فقال: {وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلْتَ } الفعلة بفتح الفاء: المرّة من الفعل، وقرأ الشعبي: "فعلتك" بكسر الفاء، والفتح أولى؛ لأنها للمرّة الواحدة لا للنوع، والمعنى: أنه لما عدّد عليه النعم ذكر له ذنوبه، وأراد بالفعل قتل القبطي، ثم قال: {وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } أي من الكافرين للنعمة حيث قتلت رجلاً من أصحابي، وقيل: المعنى: من الكافرين بأن فرعون إلٰه، وقيل: من الكافرين بالله في زعمه؛ لأنه كان معهم على دينهم، والجملة في محل نصب على الحال. {قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالّينَ } أي قال موسى مجيباً لفرعون: فعلت هذه الفعلة التي ذكرت، وهي قتل القبطي، وأنا إذ ذاك من الضالين أي: الجاهلين. فنفى عليه السلام عن نفسه الكفر، وأخبر أنه فعل ذلك على الجهل قبل أن يأتيه العلم الذي علمه الله، وقيل: المعنى: من الجاهلين أن تلك الوكزة تبلغ القتل، وقال أبو عبيدة: من الناسين {فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ } أي: خرجت من بينكم إلى مدين كما في سورة القصص {فَوَهَبَ لِي رَبّي حُكْماً } أي نبوّة أو علماً وفهماً. وقال الزّجاج: المراد بالحكم تعليمه التوراة التي فيها حكم الله {وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرٰءيلَ } قيل: هذا الكلام من موسى على جهة الإقرار بالنعمة، كأنه قال: نعم تلك التربية نعمة تمنّ بها عليّ، ولكن لا يدفع ذلك رسالتي، وبهذا قال الفراء وابن جرير. وقيل: هو من موسى على جهة الإنكار: أي: أتمنّ عليّ بأن ربيتني وليداً، وأنت قد استعبدت بني إسرائيل وقتلتهم، وهم قومي؟ قال الزجاج: المفسّرون أخرجوا هذا على جهة الإنكار: بأن يكون ما ذكر فرعون نعمة على موسى، واللفظ لفظ خبر، وفيه تبكيت للمخاطب على معنى: أنك لو كنت لا تقتل أبناء بني إسرائيل لكانت أمي مستغنية عن قذفي في اليمّ، فكأنك تمنّ عليّ ما كان بلاؤك سبباً له، وذكر نحوه الأزهري بأبسط منه، وقال المبرد: يقول التربية كانت بالسبب الذي ذكرت من التعبيد أي تربيتك إياي كانت لأجل التملك، والقهر لقومي، وقيل: إن في الكلام تقدير الاستفهام أي أو تلك نعمة؟ قاله الأخفش، وأنكره النحاس. قال الفراء: ومن قال: إن الكلام إنكار قال معناه: أو تلك نعمة؟ ومعنى {أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرٰءيلَ }: أن اتخذتهم عبيداً، يقال: عبدته وأعبدته بمعنى، كذا قال الفراء، ومحله الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف بدل من نعمة، والجر بإضمار الباء، والنصب بحذفها. وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس {فَظَلَّتْ أَعْنَـٰقُهُمْ لَهَا خَـٰضِعِينَ } قال: ذليلين. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة: {وَلَهُمْ عَلَىَّ ذَنبٌ } قال: قتل النفس. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } قال: للنعمة، وإن فرعون لم يكن ليعلم ما الكفر؟ وفي قوله: {فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالّينَ } قال: من الجاهلين. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد: {أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرٰءيلَ } قال: قهرتهم واستعملتهم.

الماوردي

تفسير : قوله {طسم} فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه اسم من أسماء الله أقسم به، والمقسم عليه {إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ}، قاله ابن عباس. الثاني: أنه اسم من أسماء القرآن، قاله قتادة. الثالث: أنه من الفواتح التي افتتح الله بها كتابه، قاله الحسن. الرابع: أنها حروف هجاء مقطعة من أسماء الله وصفاته: أما الطاء ففيها قولان: أحدهما: أنها من الطول. الثاني: أنها من الطاهر. وأما السين ففيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها من القدوس. الثاني: أنها من السميع. الثالث: من السلام. وأما الميم ففيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها من المجيد. الثاني: من الرحيم. الثالث: من الملك. ولأصحاب الخواطر في تأويل ذلك قولان: أحدهما: أن الطاء شجرة طوبى، والسين سدرة المنتهى، والميم محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم. الثاني: أن الطاء طرب التائبين، والسين ستر الله على المذنبين، والميم معرفته بالغاوين، وقد ذكرنا في تفسير {الم} من زيادة الـتأويلات ما يجزىء تخريجه قبل هذا الموضع. قوله {بَاخِعٌ نَّفْسَكَ} فيه وجهان: أحدهما: قاتل نفسك، قاله ابن عباس، ومجاهد، والبخع القتل، قاله ذو الرمة: شعر : ألا أيهـذا الباخـع الـوجـد نفســه بشيءٍ نحتــه عن يــديــه المـقـادِرُ تفسير : الثاني: محرج نفسك، قاله عطاء، وابن زيد. قوله: {إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ ءَايَةً} فيها وجهان: أحدهما: ما عظم من الأمور القاهرة. الثاني: ما ظهر من الدلائل الواضحة. {فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} فيه أربعة أوجه: أحدها: لا يلوي أحد منهم عنقه إلى معصيته. الثاني: أنه أراد أصحاب الأعناق فحذفه وأقام المضاف إليه مقامه، ذكره ابن عيسى. الثالث: أن الأعناق الرؤساء، ذكره ابن شجرة، وقاله قطرب. الرابع: أن العنق الجماعة من الناس، من قولهم: أتاني عنق من الناس أي جماعة، ورأيت الناس عنقاً إلى فلان، ذكره النقاش. قوله {أَوَلَمْ يَرَواْ إِلَى الأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ} أي نوع معه قرينة من أبيض وأحمر، وحلو وحامض. أحدها: حسن، قاله ابن جبير. الثاني: أنه مما يأكل الناس والأنعام، قاله مجاهد. الثالث: أنه النافع المحمود كما أن الكريم من الناس هو النافع المحمود. الرابع: هم الناس نبات الأرض كما قال تعالى: {أية : وَاللَّهُ أَنَبتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتاً} تفسير : [نوح: 17] فمن دخل الجنة فهو كريم، ومن دخل النار فهو لئيم.

ابن عطية

تفسير : تقدم القول في الحروف التي في أوائل السور مستوعباً، و {تلك} رفع بالابتداء وهو وخبره ساد مسد الخبر عن {طسم} في بعض التأويلات، والإشارة بــ {تلك} هي بحسب الخلاف في {طسم} وعلى بعض الأقوال تكون {تلك} إشارة إلى حاضر وذلك موجود في الكلام، كما أن هذه قد تكون الإشارة بها إلى غائب معهود كأنه حاضر، و {الكتاب المبين} القرآن، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم "طِسم" بكسر الطاء، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر فتحها وبإدغام النون من سين في الميم، وقرأ حمزة وحده بإظهارها وهي قراءة أبي جعفر، ورويت عن نافع، وروى يعقوب عن أبي جعفر ونافع قطع كل حرف منها على حدة، قال أبو حاتم الاختيار فتح الطاء وإدغام آخر سين في أول ميم، فتصير الميم متعلقة، وقوله {لعلك} الآية تسلية لمحمد صلى الله عليه وسلم لما كان من القلق والحرص على إيمانهم فكان من شغل البال في حيز الخوف على نفسه، و"الباخع" القاتل والمهلك بالهم قاله ابن عباس والناس ومن ذلك قول ذي الرمة [الطويل] شعر : ألا أيها ذا الباخع الوجد نفسه لشيء نحته عن يديه المقادر تفسير : وخوطب بــ {لعل} على ما في نفوس البشر من توقع الهلاك في مثل تلك الحال، ومعنى الآية أي لا تهتم يا محمد بهم وبلغ رسالتك وما عليك من إيمانهم فإن ذلك بيد الله. لو شاء لآمنوا، وقوله "أن لا" مفعول من أجله. وقوله تعالى: {إن شاء} شرط وما في الشرط من الإبهام هو في هذه الآية في حيزنا، وأما الله تعالى فقد علم أنه لا ينزل عليهم آية اضطرار وإنما جعل الله تعالى آية الأنبياء والآيات الدالة عليه معرضة للنظر والفكر ليهتدي من سبق في علمه هداه ويضل من سبق ضلاله وليكون للنظر تكسب به يتعلق الثواب والعقاب، وآية الاضطرار تدفع جميع هذا أن لو كانت، وقرأ "تنَزّل" بفتح النون وشد الزاي أبو جعفر ونافع وشيبة والأعرج وعاصم والحسن، وقرأ أبو عمرو وأهل البصرة بسكون النون وتخفيف الزاي، وروى هارون عن أبي عمرو " يشأ ينزل" بالياء فيهما والخضوع للآية المنزلة كان يترتب بأحد وجهين إما بخوف هلاك في مخالفة الأمر المقترن بها كنتق الجبل على بني إسرائيل، وإما أن تكون من الوضوح وبهر العقول، بحيث يقع الإذعان لها وانقياد النفوس، وكل هذين لم يأت به نبي، ووجه ذلك ما ذكرناه، وهو توجيه منصوص للعلماء. وقرأ طلحة "فتظل أعناقهم" وهو المراد في قراءة الجمهور وجعل الماضي موضع المستقبل إشارة إلى تقوية وقوع الفعل، وقوله تعالى: {أعناقهم} يحتمل تأويلين أحدهما: وهو قول مجاهد وأبي زيد الأخفش، أي يريد جماعاتهم، يقال جاءني عنق من الناس أي جماعة، ومنه قول الشاعر: [مجزوء الكامل] شعر : إن العراق وأهله عنق إليك فهيت هيتا تفسير : وعليه حمل قول أبي محجن: شعر : واكتم السر فيه ضرب العنق تفسير : ولهذا قيل عتق رقبة ولم يقل عتق عنق فراراً من الاشتراك قاله الزهراوي، فعلى هذا التأويل ليس في قوله {خاضعين} موضع قول، والتأويل الآخر أن يريد الأعناق الجارحة المعلمة وذلك أن خضوع العنق والرقبة هو علامة الذلة والانقياد ومنه قول الشاعر: [الكامل] شعر : وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم خضع الرقاب نواكس الأبصار تفسير : فعلى هذا التأويل يتكلم على قوله {خاضعين} كيف جمعه جمع من يعقل، وذلك متخرج على نحوين من كلام العرب: أحدهما أن الإضافة إلى من يعقل أفادت حكم من يعقل كما تفيد الإضافة إلى المؤنث تأنيث علامة المذكر، ومنه قول الأعشى: شعر : " كما شرقت صدر القناة من الدم" تفسير : وهذا كثير، والنحو الآخر أن الأعناق لما وصفت بفعل لا يكون إلا مقصوداً للبشر وهو الخضوع، إذ هو فعل يتبع أمراً في النفس، جمعها فيه جمع من يعقل وهذا نظير قوله تعالى: {أية : أتينا طائعين} تفسير : [فصلت: 11]. وقوله: {أية : رأيتهم لي ساجدين} تفسير : [يوسف: 4]. وقرأ ابن أبي عبلة "لها خاضعة" ثم عنف الكفار ونبه على سوء فعلهم بقوله: {وما يأتيهم} الآية، وقوله {ومحدث} يريد محدث الإتيان، أي مجيء القرآن للبشر كان شيئاً بعد شيء. وقالت فرقة يحتمل أن يريد بــ"الذكر" محمد صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى في آية أخرى: {أية : قد أنزل الله إليكم ذكراً} تفسير : [الطلاق: 10]. فيكون وصفه بالمحدث متمكناً. قال القاضي أبو محمد: والقول الأول أفصح. وقوله تعالى: {فقد كذبوا فسيأتيهم}. الآية وعيد بعذاب الدنيا والآخرة. ويقوى أنه وعيد بعذاب الدنيا لأن ذلك قد نزل بهم كبدر وغيرها، ولما كان إعراضهم عن النظر في الصانع والإله من أعظم كفرهم وكانوا يجعلون الأصنام آلهة ويعرضون عن الذكر في ذلك، نبه على قدرة الله وأنه الخالق المنشىء الذي يستحق العبادة بقوله {أو لم يروا إلى الأرض} الآية، و"الزوج" النوع والصنف، و"الكريم" الحسن المتقن قاله مجاهد وقتادة، ويراد الأشياء التي بها قوام الأمور والأغذية والنباتات، ويدخل في ذلك الحيوان لأنه عن إنبات ومنه قوله تعالى: {أية : والله أنبتكم من الأرض نباتاً} تفسير : [نوح: 17]. قال الشعبي الناس من نبات الأرض فمن صار إلى الجنة فهو كريم ومن صار إلى النار فبضد ذلك وقوله تعالى: {وما كان أكثرهم مؤمنين}. حتم على أكثرهم بالكفر ثم توعد تعالى بقوله: {وإن ربك لهو العزيز الرحيم}. يريد عز في نقمته من الكفار ورحم مؤمني كل أمة، وقال نحو هذا ابن جريج، وفي لفظة {الرحيم} وعد.

ابن عبد السلام

تفسير : {طسۤمۤ} اسم الله تعالى أقسم به جوابه {أية : إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ}تفسير : [الشعراء: 4] "ع"، أو اسم للقرآن، أو من الفواتح التي افتتح بها كتابه، أو حروف من أسماء الله تعالى وصفاته مقطعة الطاء من طَوْل، أو طاهر، والسين من قدوس أو سميع، أو سلام. والميم من مجيد، أو رحيم أو ملك.

النسفي

تفسير : وهي مائتان وعشرون وسبع آيات بسم الله الرحمن الرحيم {طۤسۤم} طس ويس وحم ممالة كوفي غير الأعشى والبرجمي وحفص، ويظهر النون عند الميم يزيد وحمزة. وغيرهما يدغمها {تلك آيات الكتاب المبين} الظاهر إعجازه، وصحة أنه من عند الله والمراد به السورة أو القرآن، والمعنى آيات هذا المؤلف من الحروف المبسوطة تلك آيات الكتاب المبين {لعلّك باخعٌ} قاتل و «لعل» للإشفاق {نّفسك} من الحزن يعني أشفق على نفسك أن تقتلها حسرة وحزناً على ما فاتك من إسلام قومك {ألاّ يكونوا مؤمنين} لئلا يؤمنوا أو لامتناع إيمانهم أو خيفة أن لا يؤمنوا {إن نّشأ} إيمانهم {ننزّل عليهم مّن السّماء آيةً} دلالة واضحة {فظلّت} أي فتظل لأن الجزاء يقع فيه لفظ الماضي في معنى المستقبل تقول: إن زرتني أكرمتك أي أكرمك كذا قاله الزجاج {أعناقهم} رؤساؤهم ومقدموهم أو جماعاتهم يقال: جاءنا عنق من الناس لفوج منهم {لها خاضعين} منقادين. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت فينا وفي بني أمية فتكون لنا عليهم الدولة فتذل لنا أعناقهم بعد صعوبة ويلحقهم هوان بعد عزتهم

الخازن

تفسير : قوله عز وجل {طسم} قال ابن عباس: عجزت العلماء عن علم تفسيرها وفي رواية أخرى عنه أنه قسم، وهو من أسماء الله تعالى و قيل اسم من أسماء القرآن، وقيل اسم السورة وقيل أقسم بطوله وسنائه وملكه {تلك آيات} أي هذه الآيات آيات {الكتاب المبين} قيل لما كان القرآن فيه دلائل التوحيد، والإعجاز الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ودلائل الأحكام أجمع ثبت بذلك أن آيات القرآن كافية مبينة لجميع الأحكام.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {طسم} وما بعده بالإمالة: حمزة وعلي وخلف ويحيى وحماد. وقرأ أبو جعفر ونافع بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب، وقرأ حمزة ويزيد مظهرة النون عند الميم {إني أخاف} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو. {ويضيق ولا ينطلق} بالنصب فيهما: يعقوب. {أرجه} مثل ما في "الأعراف" {أين لنا} بالمد وبالياء. يزيد وأبو عمرو وزيد وقالون. وقرأ ابن كثير ونافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد بهمزة ثم ياء، وعن قنبل {إن لنا} على الخبر. الباقون بهمزتين. هشام يدخل بينهما مدة. {آمنتم} بالمد: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وسهل ويعقوب {آمنتم} على الخير: حفص غير الخزاز. الأخرون {أأمنتم} بهمزتين. {بعبادي إنكم} بفتح الياء: نافع وأبو جعفر {حاذرون} بالألف: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر. الباقون بغير الألف {فاتبعوهم} بالتشديد: زيد عن يعقوب. الباقون بقطع الهمزة وسكون التاء {تراءى الجمعان} بكسر الراء والهمزة في الوصل: حمزة ونصير وهبيرة في طريق الخزاز. واختلفوا في الوقف؛ فعن الكسائي بكسر الراء والهمزة على وزن "تريعى" وفي رواية أخرى عنه "ترائى" اي ترائى، والمشهور عنه "ترأ" بكسر الراء وفتح الهمزة، وأما حمزة فإنه يقف "ترى" بترك الهمزة وكسر الراء ويمد ويشير إلى موضع الهمزة وهو المصدر. وأما هبيرة فإنه يقف "تريا" بكسر الراء ويشير إلى فتح الهمزة. الباقون يقفون "تراءى" على وزن "تراعى" {معي ربي} بفتح الياء: حفص. الوقوف: {طسم} ه {المبين} ه {مؤمنين} ه {خاضعين} ه {معرضين} ه {يستهزؤن} ه {كريم} ه {لآية} ط {مؤمنين} ه {الرحيم} ه {الظالمين} ه لا للابدال أو البيان تسجيلاً عليهم بالظلم {فرعون} ط للعدول عن الأمر إلى الاستفهام {يتقون} ه {يكذبون} ه لمن قرأ {ويضيق} بالرفع على الاستئناف {هرون} ط {يقتلون} ه {قال كلا} لا للعطف معنى لا لفظاً {مستمعون} ه {العالمين} ه لا لتعلق "أن" {بني إسرائيل} ط {سنين} ه {الكافرين} ه {الضالين} ه {المرسلين} ه {إسرائيل} ط {العالمين} ه {وما بينهما} ط لأن جواب الشرط محذوف اي إن كنتم موقنين فلا تكذبوني {موقنين} ه {تستمعون} ه {الأولين} ه {لمجنون} ه {وما بينهما} ط {تعقلون} ه {المسجونين} ه {مبين} ه {الصادقين} ه {مبين} ه ج للآية مع العطف {للناظرين} ه {عليم} ه لا لأن ما بعده صفة {بسحره} ق قد قيل: بناء على أن ما بعده قول الملأ لفرعون والجمع للتعظيم، والأصح أنه من تتمة قول فرعون. {تأمرون} ه {حاشرين} ه لا لأن ما يتلوه جواب. {عليم} ه {معلوم} ه لا للعطف {مجتمعون} لا لاتصال المعنى {الغالبين} ه {لمن المقربين} ه {ملقون} ه {الغالبون} ه {ما يأفكون} ه للآية وللدلالة على إسراعهم في السجود {ساجدين} ه {العالمين} ه {وهرون} ط {لكم} ه {لكم} ه للابتداء بأن مع اتحاد القول {السحر} ط للفاء ولام الابتداء {فلسوف تعلمون} ه لتقدير القسم {أجميعن} ه {لا ضير} ط توقية لحق "إن" وإلا فالأصل هو الوصل لأن ما بعده هو القول في الحقيقة كما في "الأعراف" {منقلبون} ه ج للآية مع اتحاد المقول {المؤمنين} ه {متبعون} ه {حاشرين} ه للآية مع أن التقدير بأن هؤلاء {قليلون} ه {لغائظون} ه {حاذرون} ه ط لابتداء الخبر من الله {وعيون} ه لا {كريم} ه لا لتعلق الكاف {كذلك} ط أي كما وعدنا بني إسرائيل إيراثها ثم أخبر عن وقوع الموعود لبني إسرائيل {مشرقين} ه {لمدركون} ه ووجه الوصل الإسراع في تداركهم عن خوف الإدراك {كلا} ج لاحتمال أن يكون للردع وأن يكون بمعنى حقاً {سيهدين} ه {البحر} ط لأجل الفاء الفصيحة أي فضرب فانفلق {العظيم} ه {الآخرين} ه {أجمعين} ه {الآخرين} ه الآية ط {مأمنين} ه {الرحيم} ه. التفسير: قال جار الله: معنى طسم إن آيات هذا المؤلف من الحروف المبسوطة تلك آيات الكتاب المبين وقد مر مثله في أول "يوسف". والبخع الإهلاك وقد مر في اول "الكهف". عزاه وعرفه أن غمه وحزنه لا ينفع كما أن وجود الكتاب على بيانه ووضوحه لا ينفع. ثم بين أنه قادر على تنزيل آية ملجئة إلى الإيمان ولكن المشيئة والحكمة تقتضيان بناء الأمر على صورة الاختبار. قال صاحب الكشاف: وجه عطف {فظلت} على {ننزل} كما قيل في قوله {أية : فَأَصَّدَّقَ وأكن} تفسير : [المنافقون: 10] كأنه قيل: أنزلنا فظلت. وأقول: الظاهر أن الفاء في {فظلت} لسببية بدليل عدم المستتر فيه كما في {ننزل}. ووجه العدول إلى الماضي كما قيل في {أية : ونادى} تفسير : [الأعراف: 48] {أية : وسيق}تفسير : [الزمر: 73] وجه مجيء {خاضعين} خبراً عن الأعناق إذ الأعناق تكون مقحماً لبيان موضع الخضوع. وأصل الكلام: فظلوا لها خاضعين أي حين وصفت الأعناق بالخضوع الذي هو للعقلاء قيل {خاضعين} كقوله {أية : والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين} تفسير : [يوسف: 4] وقيل: أعناقهم رؤساؤهم كما يقال لهم الرؤوس والصدور. وقيل: اراد جماعاتهم. يقال: جاءنا عنق من الناس لفوج منهم. عن ابن عباس: نزلت هذه الآية فينا وفي بني أمية. قال: ستكون لنا عليهم الدولة فتذل لنا أعناقهم بعد صعوبة ويلحقهم هوان بعد عزة. ومعنى {ما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث} قد مر في سورة الأنبياء. نبه سبحانه بذلك على أنه مع اقتداره على أن يجعلهم ملجئين على الإيمان حكيم يأتيهم بالقرآن حالاً بعد حال رعاية لقاعدة التكليف. ثم ذكر أنه تعالى لا يحدد لهم توجيه موعظة وتذكير إلا جددوا ما هو نقيض المقصود، وذلك النقيض هو الإعراض والتكذيب والاستهزاء وهذا ترتيب في غاية الحسن كأنه قيل حين أعرضوا عن الذكر: فقد كذبوا به وحين كذبوا به فقد خف عندهم قدره حتى صار عرضة للاستهزاء. وهذه درجات من أخذ في الشقاء فإنه يعرض أوّلاً، ثم يصرح بالتكذيب ثانياً، ثم يبلغ في التكذيب والإنكار إلى حيث يستهزئ. وفي قوله {فسيأتيهم} وعيد لهم بعذاب بدر أو يوم القيامة وقد مر مثله في أول "الأنعام". ثم بين أنه مع حكمته في إنزال القرآن حالاً بعد حال رحيم يظهر من الدلائل الحسية ما يكفي للمتأمل في باب النظر والاستدلال. والزوج الصنف والكريم نعت لكل ما يرضى ويحمد في بابه منه "وجه كريم" إذا رضي في حسنه وجماله، و"كتاب كريم" مرضي في مبانيه، و"نبات كريم" مرضي فيما يتعلق به من المنافع، فما من نبت إلا وفيه نفع وفائدة من جهة وإن كانت فيه مضرة من جهة أخرى. ويحتمل أن يراد بالكريم النافع منه وتكون المضارّ مسلوبة عنه. قال جار الله: معنى الجمع بين "كم" و"كل" دون أن يقول "كم أنبتنا فيها من زوج كريم" هو أن "كلا" قد دل على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل، و"كم" دل على أن هذا محيط مفرط الكثرة. قلت: فالحاصل أن خلق النوع يصدق بخلق فرد واحد منه كما يصدق بخلق أفراد كثيرة. فقوله {كل زوج} إشارة إلى خلق كل نوع من أنواع النبات، وقوله {كم أنبتنا} إشارة إلى كثرة افراد كل نوع منه وفيه تنبيه على كمال القدرة ونهاية الجود والرحمة ولهذا ختم الكلام بقوله {إن في ذلك} الإنبات أو في كل واحد من تلك الأزواج {الآية} على الإبداء والإعادة {وما كان أكثرهم مؤمنين} لأن الله تعالى طبع على قلوبهم {وإن ربك لهو العزيز الرحيم} فمن عزته قدر على عقوبتهم ومن رحمته بين لهم الدلائل ليتفكروا ويعتبروا، والرحمة إذا صدرت عن القدرة كانت أعظم موقعاً، واعلم أنه سبحانه كرر بعض الآيات في هذه السورة لأجل التأكيد و"التقرير"؛ فمن ذلك أنه كرر قوله {إن في ذلك لآية} إلى قوله {الرحيم} في ثمانية مواضع: أولها في ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، والثانية في قصة موسى، ثم إبراهيم، ثم نوح، ثم هود، ثم صالح، ثم لوط، ثم شعيب. ومن ذلك قوله {ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين} وهو مذكور في خمسة مواضع: في قصة نوح وهود وصالح ولوط وشعيب. ومن ذلك أنه كرر {فاتقوا الله وأطيعون} في قصة نوح وهود وصالح وليس في ذكر النبي صلى الله عليه وسلم: {أية : ما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلاَّ على رب العالمين}تفسير : [الشعراء: 109] لذكرها في مواضع من غير هذه السورة. وليس في قصة موسى لأنه رباه فرعون حيث قال {ألم نربك فينا وليداً} ولا في قصة إبراهيم لأن اباه في المخاطبين حيث يقول: {أية : إذ قال لأبيه وقومه} تفسير : [الأنبياء: 52] وهو قد ربَّاه فاستحيا موسى وإبراهيم أن يقولا {وما أسألكم عليه من أجر} وإن كانا منزهين من طلب الأجر. ثم إنه تعالى أعاد في هذه السورة قصص الأنبياء المشهورين مع أممهم اعتباراً لهذه الأمة، وبدأ بقصة موسى لما فيها من غرائب الأحوال وعجائب الأمور. والنداء المسموع عند الأشعري هو الكلام القديم الذي لا يشبه الحروف والأصوات، وعند المعتزلة وإليه ميل أبي منصور الماتريدي أنه من جنس الحروف والأصوات وأنه وقع على وجه علم به موسى أنه من قبل الله تعالى وقد عرفه أنه سيظهر عليه المعجزات إذا طولب بذلك. قال جار الله: قوله {ألا يتقون} كلام مستأنف فيه تعجيب لموسى من حالهم الشنعاء في قلة خوفهم وكثرة ظلمهم، أو حال أدخلت عليه همزة الإنكار. ثم إن موسى خاف أن يذكب عند أداء الرسالة فاستظهر بهارون. وفي قراءة النصب خاف التكذيب المستتبع لضيق الصدر المستلزم لاحتباس اللسان عن الجريان في الكلام، ولعله اراد بهذه الحبسة عقدة في لسانه قبل إجابة دعوته أو بقية يروى أنها بقيت بعد الإجابة كما مر في "طه". ومعنى {فأرسل إلى هارون} أرسل إليه جبريل واجعله نبياً يصدقني في أمري فاختصر الكلام اختصاراً. ثم ذكر أن لهم عليه ذنباً فسمى جزاء الذنب ذنباً، أو المضاف محذوف اي تبعه ذنب وهو قود قتل القبطي كما سيجيء تفصيله في سورة القصص. فيمكن أن يقتل قبل أداء الرسالة فلا يتمكن من المقصود، وهذا قد جوزه الكعبي وغيره من البغداديين. وقال الأكثرون: الأقرب من حال الأنبياء أنهم يعلمون إذا حملهم الله تعالى الرسالة أنه يمكنهم من أدائها فلا معنى للخوف من القتل قبل الأداء. نعم لو خاف بعد الأداء جاز وذلك لما جبل عليه طبع الإنسان من التنفر عن القتل فيسأل الله الأمان من ذلك وقد جمع الله له بقوله {كلا} الكلاءة وبقوله {فاذهبا} استنباء أخيه كأنه قيل: ارتدع يا موسى عما تظن فاذهب أنت وهارون {ومعكم ومستمعون} خبران لأن أو الخبر {مستمعون} و {معكم} متعلق به. ولا يخفى ما في المعية من المجاز لأن المصاحبة من صفات الأجسام، فالمراد معية النصرة والمعونة، وأما الاستماع فمجاز أيضاً وإن كان إطلاق السمع على الله حقيقة لأن الاستماع جار مجرى الإصغاء ولا بد فيه من الجارحة. فحاصل الآية إنا لكما ولعدوّكما كالناصر الظهير لكما عليه إذا حضر واستمع ما يجري بينكما وبينه. وإنما وحد الرسول في قوله {إنا رسول رب العالمين} لأنه أراد كل واحد أو أراد الرسول بمعنى المصدر أي ذو رسالة رب العالمين. يقال: أرسلتهم برسول اي برسالة أو جعلا لاتفاقهما واتحاد مطلبهما كرسول واحد. وههنا إضمار دل عليه سياق الكلام أي فأتيا فرعون فقالا له ذلك. يروى أنهما انطلقا إلى باب فرعون فلم يؤذن لهما سنة حتى قال البواب: إن ههنا إنساناً يزعم أنه رسول رب العالمين. فقال: ائذن له لعلنا نضحك منه. فأديا إليه الرسالة فعرف أنه موسى فعند ذلك قال {ألم نربك فينا وليداً} أي صبياً وذلك لقرب عهده من الولادة. قيل: مكث فيهم ثلاثين سنة من أول عمره. وقيل: وكز القبطي وهو ابن اثنتي عشرة سنة ففر منهم. والفعلة الوكزة عدد عليه نعمه، ثم وبخه بقتل نفس منهم وسماه كافراً لنعمه بسبب ذلك. وجوز جار الله أن يراد وأنت إذ ذاك ممن يكفر بالساعة فيكون قد افترى على موسى أو جهل أمره لأنه كان يعايشهم بالتقية. وإنما قلنا إنه افتراء أو جهل لأن الكفر غير جائز على الأنبياء ولو قبل النبوة، ويجوز أن يراد أنه من الكافرين بفرعون وإلهيته أو بآلهة كانوا يعبدونها. قال تعالى: {أية : ويذرك وآلهتك} تفسير : [الأعراف: 127] ثم إن موسى ما أنكر تربيته ولكن أنكر الكفر فلم ينسب نفسه إلا إلى الضلال وأراد به الذهاب عن الصواب، أو أراد النسيان أو الخطأ وعدم التدبر في أدبار الأمور. ثم ذكر موهبة ربه في حقه حين فر من فرعون وملئه المؤتمرين بقتله. والحكم العلم بالتوحيد وكمال العقل والرأي، ولا تدخل فيه النبوة ظاهراً لئلا يلزم شبه التكرار بقوله: {وجعلني من المرسلين} قال جار الله {وتلك} إشارة إلى خصلة شنعاء مبهمة لا يدري ما هي إلا بعد أن فسرت بقوله {أن عبدت} نظيره قوله {أية : وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع} تفسير : [الحجر: 66] والمعنى تعبيدك بني إسرائيل نعمة تمنها عليّ كأنه أبى أن يسمي نعمته إلا نقمة لأن تعبيدهم أي تذليلهم واتخاذهم عبيداً وقصدهم. بذبح أبنائهم صار هو السبب في حصوله عنده وفي تربيته فلهذا قال الزجاج: "أن" مع ما بعده في موضع نصب أي إنما صارت نعمة عليّ لأن عبدت بني إسرائيل إذ لو لم تفعل ذلك لكفلني أهلي ولم يلقوني في اليم ومن هنا قال جار الله: إن قول موسى {فعلتها إذن} جواب لقول فرعون {وفعلت فعلتك} وجزاء له كأن فرعون قال: جازيت نعمتي بما فعلت. فقال موسى: فعلتها مجازياً لك وإن نعمتك جديرة بأن تجازى بنحو ذلك الجزاء. وقال الحسن: أراد أنك استعبدتهم وأخذت أموالهم ومنها أنفقت عليّ فلا نعمة لك بالتربية على أن التربية كانت من قبل أمي وعشيرتي ولم يكن منك إلا أنك لم تقتلني. وقيل: اراد أنك كنت تدعي أن بني إسرائيل عبيدك ولا منة للمولى على العبد في الإطعام والكسوة. واعلم أن للعلماء خلافاً في نعمة الكافر فقيل: إنها لا تستحق الشكر لأن الكافر يستحق الإهانة بكفره فلو استحق الشكر لإنعامه لزم الجمع بين الإهانة والتعظيم في حق شخص واحد في وقت واحد. وقيل: لا يبطل بالكفر إلا الثواب والمدح الذي يستحقه على الإيمان، وفي الآية نوع دلالة على كل من القولين. ثم إن موسى حين أدى رسالته من قوله {إنا رسول رب العالمين} {قال فرعون وما رب العالمين} وقد سبق مراراً أن كفره احتمل أن يكون كفر عناد وأ، يكون كفر جهالة، والذي يختص بالمقام هو أن ما يطلب به حقيقة الشيء وماهيته، وهذا هو الذي قصده فرعون بسؤاله ولم يعرف أن الماهية لا تطلق على ذاته تعالى إذ لا أجزاء لها حدية ولا تقديريه ولا بأي وجه فرض ضرورة انتهاء الكل إليه واستغنائه عن الكل من كل الوجوه، فلا يصح أن يسأل عنه بما هو ولا بكيف هو ولا بأي شيء هو ولا بهل هو، غاية ذلك أن ينبه على وجوده الذي هو أظهر الأشياء بلوازمه وآثاره على وجه يعم الكل كما يقال: إنه رب السموات والأرض وما بينهما، أو بأخص من ذلك بأن يقال مثلاً: {ربكم ورب آبائكم الأولين} وهو الاستدلال بالأنفس أو يقال {رب المشرق والمغرب وما بينهما} من الجهات المفروضة على السماء من لدن طلوع الكواكب إلى غروبها وبالعكس وهو الاستدلال بالآفاق. وقد راعى في الجواب الأول طريقة اللطف فختم بقوله {إن كنتم موقنين} أي إن كنتم موقنين بشيء قط فهذا أولى ما توقنون به لظهوره وجلائه. وخاشنهم في الأخير بقوله {إن كنتم تعقلون} حين نسبوه إلى الجنون بعد أن تهكموا به بقوله: {إن كنتم تعقلون} حين نسبوه إلى الجنون بعد أن تهكموا به بقوله {إن رسولكم} ويمكن أن يراد بقوله {وما بينهما} ثانياً ما بين المشرق والمغرب من المخلوقات فيكون الفرق بين هذا الاستدلال وبين الأول أن الأول هو الاستدلال بالإمكان على طريقة الحكيم، والثاني هو الاستدلال بالحدوث على طريقة المتكلمين، والأول أقرب إلى اليقين فلهذا قال {إن كنتم موقنين} والثاني أقرب إلى الحس فلهذا قال {إن كنتم تعقلون} ولما انجر الكلام إلى حد العناد والمخاشنة هدده فرعون بقوله: {لئن اتخذت إلهاً غيري لاجعلنك من المسجونين} وهذا أبلغ من أن لو قال: "لأسجننك" والمعنى لأجعلنك واحداً ممن عرفت حالهم في سجوني وكان من عادته أن يأخذ من يريد سجنه يطرحه في هوة ذاهبة في الأرض بعيدة العمق فرداً لا يبصر فيها ولا يسمع، وحينئذ عدل موسى إلى الحجة الأصلية في الباب وهو ادعاء المعجز المنبئ عن صدقه فقال {أولو جئتك} أي أتفعل فيَّ ذلك ولو جئتك بشيء أي جائياً بالمعجزة. وفي قوله {إن كنت من الصادقين} إن سلم أنه قاله جداً لا هزلاً وجدالاً دلالة على ما ركز في العقول من أن دعوى الرسالة إن اقترنت بظهور المعجزة على يده تحقق صدقها. وقد شنع في الكشاف ههنا أن في أهل القبلة من خفي عليهم ما لم يخف على فرعون حتى جوزوا القبيح عليه سبحانه ولزمهم تصديق الكاذبين بالمعجزات. وفي التخطئة سهو من وجهين: أحدهما: أنه لا قبيح عند الأشاعرة عقلاً. والثاني أنه على تقدير التسليم لا يلزم تجويز كل قبيح وهذا من ذلك للزوم الاشتباه. وباقي القصة سبق نظيرها في "الأعراف" فلنقتصر في التفسير على ما يختص بالسورة. قوله {قال للملأ حوله} قال في الكشاف: الظرف في محل النصب على الحال. وأقول: الأصوب أن يجعل نعتاً للملأ أي الأشراف حوله على طريقة قوله: شعر : ولقد أمرّ على اللئيم يسبني تفسير : قوله {لمقيات يوم معلوم} اليوم يوم الزينة وميقاته وقت الضحى كما مر في "طه". قوله {هل أنتم مجتمعون} استبطاء لهم في الاجتماع وحث عليه كقول الرجل لغلامه: هل أنت منطلق إذا أراد أن يحثه على الانطلاق. قوله {لعلنا نتبع السحرة} لم يكن غرضهم اتباع السحرة في دينهم وإنما غرضهم الأصلي أن لا تتبعوا موسى، فساقوا الكلام مساق المجاز لأنهم إذا اتبعوهم لم يكونوا متبعين لموسى. قوله {بعزة فرعون} هي من أيمان الجاهلية ولا يصح الحلف في الإسلام إلا بالله تعالى وبصفاته كما مر في "البقرة" و"المائدة". وقوله {فألقى السحرة} لم يسم فاعله وهو الله تعالى في الحقيقة حين ألقى داعية الإيمان في قلوبهم ويجوز أن ينسب إلى ما عاينوا من المعجزات الباهرة ولك أن لا تقدر فاعلاً أي خروا. قوله {لا ضير} أي لا ضير علينا فيما يتوعدنا به من القتل. قوله {إنا نطمع} الطمع في هذا الموضع يحتمل اليقين كقوله إبراهيم {والذي أطمع أن يغفر لي} ويحتمل الظن بناء على أن المرء لا يعلم ما يختاره أو يؤل إليه عند الوفاة. ومعنى {أن كنا} لأن كنا وكانوا أوّل طائفة مؤمنين من أهل زمانهم أو من قوم فرعون أو من أهل المشهد. قوله: {إِنكم متبعون} تعليل للإسراء أي بنيت تدبير أمركم على أن تتقدموا لو يتبعكم فرعون وجنوده إلى أن يغشاهم من اليم ما يغشاهم. قوله: {لشرذمة} هي الطائفة القليلة. ثم وصفهم بالقلة واختار جمع السلامة ليدل على أن كل حزب منهم في غاية القلة، وذلك بالنسبة إلى عسكره وإلا فهم كثير في أنفسهم. يروى أن فرعون أرسل في اثرهم الف ألف وخمسمائة الف ملك مسور مع كل ملك الف وخرج فرعون في جمع عظيم، وكانت على مقدّمته سبعمائة ألف كل رجل على حصان وعلى رأسه بيضة، وكان قوم موسى إذ ذاك ستمائة ألف وسبعين ألفاً. ويجوز أن يريد بالقلة الذلة والحقارة لا قلة العدد. قوله: {وإنهم لنا لغائطون} معناه أنهم لقلتهم لا يبالي بهم ولا يتوقع غلبتهم ولكنهم يفعلون أفعالاً لغيظنا كأخذ الحلي وادّعاء الاستقلال والاستخلاص عن ذل الاستخدام ونحن قوم مجموعون كلمة وائتلافاً، ومن عادتنا التيقظ والحذر واستعمال الحزم في الأمور. فالحذر المتيقظ وهو يفيد الثبات والحاذر الذي يجدد حذره. وقيل: هو تام السلاح لأنه فعل ذلك حذراً واحتياطاً لنفسه، وكل هذه المعاذير لأجل أن لا يظن به العجز وخلاف ما ادّعاه من القهر والتسلط. وقرئ {حادرون} بالدال غير المعجمة، والحادر السمين القوي أراد أنهم أقوياء أشدّاء. {فأخرجناهم من جنات} أي بساتينهم التي فيها عيون الماء وكنوز الذهب والفضة. قال مجاهد: سماها كنوزاً لأنهم لم ينفقوا منها في طاعة الله تعالى. والمقام الكريم المنازل الحسنة والمجالس البهية. وقال الضحاك: المنابر. وقيل: السرر في الحجال. {كذلك} يحتمل النصب أي أخرجناهم مثل ذلك الإخراج الذي وصفنا، والجر على الوصف أي مقام كريم مثل ذلك المقام الذي كان لهم، ولارفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي الأمر كذلك، وعلى هذا فيوقف على {كريم}. {فأتبعوهم} اي فلحقوهم. ومن قرأ بالتشديد فظاهر. والإشراق الدخول في وقت الشروق {فلما تراءى الجمعان} أي رأى قوم موسى قوم فرعون وحصل كل من الفريقين بمرأى للآخر {قال أصحاب موسى} خوفاً وفزعاً {إنا لمدركون} لملحقون. قال موسى تثبيتاً لهم وردعاً عماهم عليه من الجزع والفزع {كلا إن معي ربي} بالنصرة والمعونة {سيهدين} سبيل النجاة والخلاص كما وعدني. ثم بين أنه كيف هداه بقوله {فأوحينا} الآية. ومعنى {فانفلق} فضرب فانفلق {فكان كل فرق} اي كل جزء متفرق منفلق منه {كالطود} وهو الجبل العظيم ومع ذلك وصفه بالعظيم {وأزلفنا ثم} أي قربنا حيث انفلق البحر {الآخرين} وهم قوم فرعون والمقرب منه بنو إسرائيل أو قوم فرعون أيضاً أي أدنينا بعضهم من بعض وجمعناهم حتى لا ينجو منهم أحد، ويجوز أن يراد قدمانهم إلى البحر. وقرئ {وأزلقنا} بالقاف أي أزللنا أقدامهم حساً بأن لم يكن لهم البحر يبساً كما كان لبني إسرائيل، أو عقلاً أي أذهبنا عزهم. والبحر بحر القلزم أو بحر من وراء مصر يقال له أساف. قالت الأشاعرة: إنه تعالى أضاف الإزلاف إلى نفسه مع أن اجتماعهم في طلب موسى كفر. أجاب الجبائي بأن قوم فرعون تبعوا بني إسرائيل وبنو إسرائيل إنما فعلوا ذلك بأمر الله تعالى، فلما كان مسيرهم بتدبير الله وهؤلاء تبعوهم اضافه إلى نفسه توسعاً، وهذا كما يتعب أحدنا في طلب غلام له فيجوز أن يقول: أتعبني الغلام لما حدث ذلك عند فعله. أو المراد أزلفناهم إلى الموت والأجل. وقال الكعبي: أراد أنه جمع تفرقهم كيلا يصلوا إلى موسى وقومه، أو اراد أنه حلم عنهم وترك لهم لابحر يابساً حتى طمعوا في دخوله. واعترض بأن كل ذلك لا بد أن يكون له أثر في استجلاب داعية قوم فرعون إلى الذهاب خلفهم فيعود المحذور. {إن في ذلك} الذي حدث في البحر من إنجاء البعض وإغراق البعض أو في ذلك أي ذكر من القصة بطولها {لآية} عجيبة للمتدبر المتفكر في الأمور الإلهية {وما كان أكثرهم مؤمنين} حين سألوا بعد النجاة أن يجعل لهم موسى إلهاً غير الله، واتخذوا العجل، واقترحوا اقتراحات خارجة عن قانون الأدب. ويحتمل أن يعود الضمير إلى هذه الأمة بدليل {أية : واتل عليهم}تفسير : [الشعراء: 69] وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان يغتم بتكذيب قومه بعد ظهور المعجزات ونزول الآيات. التأويل: الطاء طوله في كمال عظمته، والسين سلامته عن كل عيب ونقص، والميم مجده الذي لا نهاية له. أو الطاء طهارة قلب نبيه عن تعلقات الكونين، والسين سيادته على الأنبياء والمرسلين، واليمم مشاهدته جمال رب العالمين. أو الطاء طيران الطائرين بالله، والسين سير السائرين إلى الله، والميم مشي الماشين لله الذين يمشون على الأرض هوناً. {إن نشأ ننزل} من سماء قلوبهم {آية} من واردات الحق {فظلت} أعناق نفوسهم {لها خاضعين} {فسيأتيهم} بعد مفارقة الأرواح الأجساد {أنباء ما كانوا به يستهزؤن} لظهور نتائج معاملاتهم الخبيثة على أرواحهم {أو لم يروا إلى} أرض قلوب العارفين {كما أنبتنا فيها} من اشجار أصناف الإيمان والتوكل واليقين والإخلاص وسائر الأخلاق الكريمة {وما كان أكثرهم مؤمنين} لأن جناب الحق لعزته يجل عن أن يكون شرعة لكل وارد {وإن ربك لهو العزيز} الذي لا يوجد بالسعي {الرحيم} حين أدرك أولياءه بجذبات العناية كما أدرك موسى حين ناداه من الشجرة، وذلك لأنه جعله مظهر لطفه كما أ نه جعل فرعون مظهر قهره فصار من العتوّ والاستكبار في غاية الكمال. ويعلم منه أن الإنسان له استعداد في مظهرية صفة القهر ليس لإبليس فلذلك عاند إبليس آدم وقال أنا خير منه وعاند فرعون الرب وقال أنا ربكم الأعلى. وأن له استعداداً في مظهرية صفة اللطف ليس للملك ولهذا صار الإنسان مسجوداً للملائكة. {أن أرسل معنا بني إسرائيل} فيه أن موسى القلب مرسل إلى فرعون النفس لئلا تستعيد الصفات الروحانية فإن لفرعون النفس في البداية استيلاء على موسى القلب والصفات الروحانية فاستعملهم في قضاء حوائجه وتحصيل مقاصده فعرفه فرعون النفس وقال {ألم نربك فينا وليداً} فإن موسى القلب كان في حجر فرعون النفس إلى أن بلغ أوان الحلم وهي خمس عشرة سنة، فقتل قبطي الشهوة حين كفر بإله الهوى وكان قبل القتل ضالاً عن حضرة الربوبية {ففرت منكم} غلى الله لما خفت أن تقطعوا عليّ الطريق إلى الله. رب سموات القلوب وأرض البشرية وما بينهما من المنازل {قال لمن حوله} من صفات النفس {الا تستمعون} {قال موسى} القلب لتعارفه بربه {ربكم ورب آبائكم الأوّلين} يعني الآباء العلوية الرحانية. وفي قوله {إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون} إشارة إلى كمال ضدية القلب والنفس فما يصدر عن القلب تعده النفس من الجنون وبالعكس. {رب} مشرق الروح من أفق البدن {ورب} مغربه فيه {وما بينهما} من مدة التعلق وقد مر نظيره في محاجة إبراهيم في "البقرة" {لأجعلنك من المسجونين} في سجن حب الدنيا فإن القلب إذا توجه إلى الله فلا استيلاء للنفس عليه إلا بشبكة حب النجاة والرياسة فإنها آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين. فقال موسى القلب: لا تقدر على أن تسجنني فإن معي عصا الذكر واليد المنزعة عما سوى الله. وباقي التأويل قد سبق قوله: {فأخرجناهم} أي {من جنات} صفات الأوصاف الروحانية {وعيون} الحكمة {وكنوز} المعارف {ومقام كريم} في حضرة أكرم الأكرمين {وأورثاها بني إسرائيل} فيه أن النفس إذا فنيت ورث القلب منها صفاتها وبقوتها تصير إلى مقامات لم يمكنه الوصول إليها بقوة صفاته، ولو مات القلب ورثت النفس منه صفاته وبقوتها تتنزل إلى دركات لم يمكنها الوصول إليها بمجرد صفاتها {فأتبعوهم} أي لحق أوصاف النفس أوصاف القلب عند إشراق شمس الروح {فكان كل فرق} فيه أن كل صفة من أوصاف الروح كجبل عظيم في العبور عنه. {وأزلفنا ثم الآخرين} أي قربنا صفات النفس بتبعية صفات القلب إلى بحر الروح. {وأنجينا موسى ومن معه} من الأوصاف في بحر الروح بالوصول إلى الحضرة {ثم أغرقنا} أوصاف النفس في بحر الروحانية فإن الوصول إلى الحضرة من خواص القلب وغاية سير النفس هو الاستغراق في بحر الروحانية {إن في ذلك لآية} لأرباب العرفان {وما كان أكثرهم مؤمنين} بهذه المنازل فإنه لا يصير إليها إلا الشاذ من المجذوبين بجذبة {أية : ارجعي إلى ربك} تفسير : [الفجر: 28] جعلنا الله من المستعدين لها والله أعلم.

الثعالبي

تفسير : قوله تعالى: {طسۤمۤ * تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ * لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} تقدم الكلام على الحروف التي في أوائل السور، والباخع: القاتل والمُهْلِكُ نَفْسَه بالهم، والخضوعُ للآية المنزلة إمَّا لخوف هلاك كنتق الجبل على بني إسرائيل، وإمَّا لأجل الوضوح وبَهْرِ العقول، بحيث يقع الإذعان لها،، والأعناق الجارحة المعلومة، وذلك أَنَّ خضوع العنق والرقبة هو علامة الذلة والانقياد. وقيل: المراد بالأعناق جماعتهم؛ يقال: جاء عُنُقٌ من الناس، أي: جماعة.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {طسۤمۤ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ}. أظهر حمزة نُونَ "سِين" قبل الميم، كأنا ناوٍ الوقف، وإلاّ فإدغام مثله واجب والباقون يدغمون. وتقدم إعراب الحروف المقطعة. وفي مصحف عبد الله: "ط س م" مقطوعة من بعضها. قيل: وهي قراءة أبي جعفر، يعنون أنه يقف على كل حرف وقفة يميز بها كل حرف، وإلا لم يتصور أن يلفظ بها على صورتها في هذا الرسم وقرأ عيسى - وتروى عن نافع - بكسر الميم هنا وفي القصص على البناء. وأمال الطاءَ الأخوان وأبو بكر، وقد تقدم. روى عكرمة عن ابن عباس قال: (طسم) عجزت العلماء عن علم تفسيرها. وروى عليّ بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس أنه قسم، وهو من أسماء الله تعالى. وقال قتادة: اسم من أسماء القرآن. وقال مجاهد: اسم للسورة. وقال محمد بن كعب القرظي: قسمٌ بطوله وسناه وملكه. "تِلْكَ آيَاتُ" أي: هذه الآيات آيات "الكِتَابِ المُبِينِ" قوله: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ}. قرأ قتادة: "بَاخِعٌ نَفْسِكَ" على الإضافة. والمعنى قاتل نفسك {أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} أي: إن لم يؤمنوا، وذلك حين كذبه أهل مكة فشق عليه ذلك، وكان يحرص على إيمانهم، فأنزل الله هذه الآية، وهذا تسليَة للرسول، أي: لا تبالغ في الحزن والأسف، فصبّره وعزَّاه وعرّفه أن غمه وحزنه لا ينفع، كما أن وجود الكتاب ووضوحه لا ينفع. قوله: {إِنْ نَّشَأْ نُنَزِّلْ}. العامة على نون العظمة فيهما. وروي عن أبي عمرو بالياء فيهما، أي: إِنْ يَشَأ الله يُنزِّل. و"إن" أصلها أن تدخل على المشكوك فيه أو المحقق المبهم زمانه، والآية من هذا الثاني. قوله: "فَظَلَّتْ" عطف على "نُنَزِّلْ" فهو في محل جزم. ويجوز أن يكون مستأنفاً غير معطوف على الجزاء. ويؤيد الأول قراءة طلحة: "فَتَظْلَل" بالمضارع مفكوكاً. قوله: "خَاضِعِينَ". فيه وجهان: أحدهما: أنه خبر عن "أَعْنَاقُهُمْ". واستُشكِل جمعه جمع سلامة؛ لأنه مختص بالعقلاء. وأجيب عنه بأوجه: أحدها: أن المراد بالأعناقِ: الرؤساء كما قيل: لهم وجوه وصدور، قال: شعر : 3894 - فِـي مَحْفِــلٍ من نـواصِــي الخَيْــلِ مَشْهُــودِ تفسير : الثاني: أنه على حذف مضاف، أي: فظل أصحاب الأعناق، ثم حذف وبقي الخبر على ما كان عليه قبل حذف المُخْبَرِ عنه مراعاة للمحذوف، وتقدم ذلك قريباً عند قراءة: {أية : وَقَمَراً مُّنِيراً}تفسير : [الفرقان: 61]. الثالث: أنه لما أضيف إلى العقلاء اكتسب منهم هذا الحكم، كما يكتسب التأنيث بالإضافة لمؤنث في قوله: شعر : 3895 - كَمَا شَرَقَــتْ صَــدْرُ القَنَــاةِ مِـنَ الــدَّمِ تفسير : الرابع: أن "الأعناق" جمع "عُنُقٍ" من الناس، وهم الجماعة، فليس المراد الجارحة البتة، ومنه قوله: شعر : 3896 - أَنَّ العِرَاقَ وأَهْـلَــهُ عُنُــقٌ إلَيْـكَ فَهَيْـتَ هَيْتَـا تفسير : وهذا قريب من معنى الأول، إلا أن هذا القائل يطلق "الأعناق" على جماعة الناس مطلقاً، رؤساء كانوا أو غيرهم. الخامس: قال الزمخشري: أصل الكلام: فظلوا لها خاضعين، فأقحمت "الأعناق" لبيان موضع الخضوع، وترك الكلام على أصله كقولهم: ذهَبَتْ أهل [اليمامة، كأن الأهل غير مذكور. قال شهاب الدين: وفي التنظير بقوله: ذهبت أهل اليمامة] نظر، لأن (أهل) ليس مقحماً البتة، لأنه المقصود بالحكم، وأما التأنيث فلاكتسابه التأنيث (بالإضافة). السادس: أنها عوملت معاملة العقلاء لمَّا أُسْنِدَ إليهم ما يكون فِعْل العقلاء، كقوله: "سَاجِدِينَ" و "طَائِعِين" في يوسف وفصلت. وقيل: إنما قال: "خاضِعِينَ" لموافقة رؤوس الآي. والثاني: أنه منصوب على الحال من الضمير في "أَعْنَاقُهُم" قال الكسائي وضعفه أبو البقاء، قال: لأن "خاضِعِين" يكون جارياً على غير فاعل "ظَلَّتْ" فيفتقر إلى إبراز ضمير الفاعل، فكان يجب أن يكون: خاضعين هم. قال شهاب الدين: ولم يجر "خَاضِعِين" في اللفظ والمعنى إلا على من هُوَ له، وهو الضمير في "أَعْنَاقُهُمْ"، والمسألة التي قالها: هي أن يجري الوصف على غير من هو له في اللفظ دون المعنى، فكيف يلزم ما ألزمه به، على أنه لو كان كذلك لم يلزم ما قاله، لأن الكسائي والكوفيين لا يوجبون إبراز الضمير في هذه المسألة إذا أمن اللبس, فهو (لا) يلتزم ما ألزمه به، ولو ضعف بمجيء الحال من المضاف إليه لكان أقرب، على أنه لا يضعف؛ لأن المضاف جزء من المضاف إليه كقوله: {أية : مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً}تفسير : [الحجر:47].

البقاعي

تفسير : {طسم*} لعله إشارة إلى الطهارة الواقعة بذي طوى من طور سيناء وطيبة ومكة وطيب ما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم مما يجمع ذلك كله - كما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما ما يرشد إلى ذلك، وإلى خلاص بني إسرائيل بما سمعه موسى عليه السلام من الكلام القديم، وبإتمام أمرهم بتهيئتهم للملك بإغراق فرعون وجنوده ونصرهم على من ناوأهم في ذلك الزمان بعد تطهيرهم بطول البلاء الذي أوصلهم إلى ذل العبودية، وذلك كله إشارة إلى تهديد قريش بأنهم إن لم يتركوا لددهم فعل بهم ما فعل بفرعون وجنوده من الإذلال بأي وجه أراد. وخلص عباده منهم، وأعزهم على كل من ناوأهم. ولما فرق سبحانه في تلك بين الدين الحق والمذهب الباطل، وبين ذلك غاية البيان، وفصل الرحمن من عباد الشيطان، وأخبر أنه عم برسالته صلى الله عليه وسلم جميع الخلائق، وختم بشديد الإنذار لأهل الإدبار، بعد أن قال {فقد كذبتم} وكان حين نزولها لم يسلم منهم إلا القليل، وكان ذلك ربما أوهم قرب إهلاكهم وإنزال البطش بهم، كما كان في آخر سوة مريم، وأشارت الأحرف المقطعة إلى مثل ذلك، فأوجب الأسف على فوات ما كان يرجى من رحمتهم بالإيمان، والحفظ عن نوازل الحدثان، وكان ذلك أيضاً ربما أوجب أن يظن ظان، أن عدم إسلامهم لنقص في البيان، أزال ذلك سبحانه أول هذه فقال {تلك} أي الآيات العالية المرام، الحائزة أعلى مراتب التمام، المؤلفة من هذه الحروف التي تتناطقون بها وكلمات لسانكم {ءايات الكتاب} أي الجامع لكل فرقان {المبين*} أي الواضح في نفسه أنه معجز، وأنه من عند الله، وأن فيه كل معنى جليل، الفارق لكل مجتمع ملتبس بغاية البيان، فصح أنه كما ذكر في التي قبلها، فإن الإبانة هي الفصل والفرق، فصار الإخبار بأنه فرقان مكتنفاً الإنذار أول السورة التي قبلها وآخرها - والله الموفق. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما عرفت سورة الفرقان بشنيع مرتكب الكفرة المعاندين، وختمت بما ذكر من الوعيد، كان ذلك مظنة لإشفاقه عليه الصلاة والسلام وتأسفه على فوات إيمانهم، لما جبل عليه من الرحمة والإشفاق، فافتتحت السورة الأخرى بتسليته عليه الصلاة والسلام، وأنه سبحانه لو شاء لأنزل عليهم آية تبهرهم وتذل جبابرتهم فقال سبحانه {لعلك باخع نفسك} - الآيتين، وقد تكرر هذا المعنى عند إرادة تسليته عليه الصلاة والسلام كقوله تعالى: {أية : ولو شاء الله لجمعهم على الهدى} تفسير : [الأنعام: 35]، {أية : ولو شئنا لأتينا كل نفس هداها}تفسير : [السجدة: 13]، {أية : ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً} تفسير : [يونس: 99]، {أية : ولو شاء الله ما فعلوه} تفسير : [الأنعام: 137] ثم أعقب سبحانه بالتنبيه والتذكير {أو لم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم}، {وإذ نادى ربك موسى} وقلّما تجد في الكتاب العزيز ورود تسليته عليه السلام إلا معقبة بقصص موسى عليه السلام وما كابد من بني إسرائيل وفرعون، وفي كل قصة منها إحراز ما لم تحرزه الأخرى من الفوائد والمعاني والأخبار حتى لا تجد قصة تتكر وإن ظن ذلك من لم يمعن النظر، فما من قصة من القصص المتكررة في الظاهر إلا ولو سقطت أو قدر إزالتها لنقص من الفائدة ما لا يحصل من غيرها، وسيوضح هذا في التفسير بحول الله؛ ثم أتبع جل وتعالى قصة موسى بقصص غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع أممهم على الطريقة المذكورة، وتأنيساً له عليه الصلاة والسلام حتى لا يهلك نفسه أسفاً على فوت إيمان قومه؛ ثم أتبع سبحانه ذلك بذكر الكتاب وعظيم النعمة به فقال {وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون} فيا لها كرامة تقصر الألسن عن شكرها، وتعجز العقول عن تقديرها، ثم أخبر تعالى أنه {بلسان عربي مبين}، ثم أخبر سبحانه بعلى أمر هذا الكتاب وشائع ذكره على ألسنة الرسل والأنبياء فقال: {وإنه لفي زبر الأولين} وأخبر أن علم بني إسرائيل من أعظم آية وأوضح برهان وبينة، وأن تأمل ذلك كاف، واعتباره شاف، فقال: {أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل} كعبد الله بن سلام وأشباهه، ثم وبخ تعالى متوقفي العرب فقال: {ولو نزلناه على بعض الأعجمين} - الآية، ثم أتبع ذلك بما يتعظ به المؤمن الخائف من أن الكتاب - مع أنه هدى ونور - قد يكون محنة في حق طائفة كما قال تعالى: {أية : يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً} تفسير : [البقرة: 26]، {أية : وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم}تفسير : [التوبة: 125] فقال تعالى في هذا المعنى {كذلك سلكناه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم} الآيات، ثم عاد الكلام إلى تنزيه الكتاب وإجلاله عن أن تتسور الشياطين على شيء منه أو تصل إليه فقال سبحانه {وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون} أي ليسوا أهلاً له ولا يقدرون على استراق سمعه، بل هم معزولون عن السمع، مرجومون بالشهب، ثم وصى تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم - والمراد المؤمنون - فقال: {فلا تدع مع الله إلهاً آخر فتكون من المعذبين} ثم أمره بالإنذار ووصاه بالصبر فقال: {وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين} ثم أعلم تعالى بموقع ما توهموه، وأهلية ما تخيلوه، فقال: {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم} ثم وصفهم، وكل هذا تنزيه لنبيه صلى الله عليه وسلم عما تقولوه، ثم هددكم وتوعدهم فقال: {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} - انتهى. ولما كان قد قدم في تلك أنه عم برسالته جميع الخلائق، وختم بالإنذار على تكذيبهم في تخلفهم، مع إزاحة جميع العلل، نفي كل خلل، وكان ذلك مما يقتضي شدة أسفه صلى الله عليه وسلم على المتخلفين كما هو من مضمون {إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً} على ما تقدم. وذلك لما عنده صلى الله عليه سلم من مزيد الشفقة، وعظيم الرحمة، قال تعالى يسليه، ويزيل من أسفه ويعزيه، على سبيل الاستئناف، مشيراً إلى أنه لا نقص في إنذاره ولا في كتابه الذي ينذر به يكون سبباً لوقوفهم عن الإيمان. وإنما السبب في ذلك محض إرادة الله تعالى: {لعلك باخع نفسك} أي مهلكها غمّاً. وقاتلها أسفاً، من بخع الشاة إذا بالغ في ذبحها حتى قطع البخاع، بكسر الموحدة، وهو عرق باطن في الصلب وفي القفا، وذلك أقصى حد الذابح، وهو غير النخاع بتثليث النون فإنه الخيط الأبيض في جوف الفقار {أن} أي لأجل أن {لا يكونوا} أي كوناً كأنه جبلة لهم {مؤمنين*} أي راسخين في الإيمان، فكان كأنه قيل: هذا الكتاب في غاية البيان في نفسه والإبانة للغير، وقد تقدم في غير موضع أنه ليس عليك إلا البلاغ، أتخاف وتشفق على نفسك من الهلاك عمّاً تأسفاً على عدم إيمانهم والحال أنا لو شئنا لهديناهم طوعاً أو كرهاً، والظاهر أن جملة الإشفاق في موضع حال من اسم الإشارة كما أن الآية التي بعدها في موضع الحال منها، أي نحن نشير إلى الآيات المبينة لمرادنا فيهم والحال أنك - لمزيد حرصك على نفعهم - بحال يشفق فيها عليك من لا يعلم الغيب من أن تقتل نفسك غمّاً لإبائهم الإيمان والحال أنا لو شئنا أتيناهم بما يقهرهم ويذلهم للإيمان وغيره. ولا كان المحب ميالاً إلى ما يريد حبيبه، أعلمهم أن كل ما هم فيه بإرادته فقال: {إن نشأ} وعبر بالمضارع فيه وفي قوله: {ننزل} إعلاماً بدوام القدرة. ولما كان ذلك الإنزال من باب القسر، والجبروت والقهر، قال: {عليهم} وقال محققاً للمراد: {من السمآء} أي التي جعلنا فيها بروجاً للمنافع، أشار إلى تمام القدرة بتوحيدها فقال: {آية} أي قاهرة كما فعلنا ببعض من قبلهم بنتق الجبل ونحوه؛ وأشار إلى تحقق أثرها بالتعبير بالماضي في قوله عطفاً على {ننزل} لأنه في معنى {أنزلنا}: {فظلت} أي عقب الإنزال من غير مهلة {أعناقهم} التي هي موضع الصلابة، وعنها تنشأ حركات الكبر وألإعراض {لها} أي للآية دائماً، ولكنه عبر بما يفهم النهار لأنه موضع القوة على جميع ما يراد من التقلب والحيل والمدافعة {خاضعين*} جمعه كذلك لأن الفعل لأهلها ليدل على أن ذلهم لها يكون مع كونهم جميعاً، ولا يغني جمعهم وإن زاد شيئاً، والأصل: فظلوا، ولكنه ذكر الأعناق لأنها موضع الخضوع فإنه يظهر لينها بعد صلابتها، وانكسارها بعد شماختها، وللإشارة إلى أن الخضوع يكون بالطبع من غير تأمل لما أبهتهم وحيرهم من عظمة الآية، فكأن الفعل للأعناق لا لهم؛ والخضوع: التطامن والسكون واللين ذلاً وانكساراً {وما} أي هذه صفتنا والحال أنه ما {يأتيهم} أي الكفار {من ذكر} أي شيء من الوعظ والتذكير والتشريع يذكروننا به، فيكون سبب ذكرهم وشرفهم {من الرحمن} أي الذي أنكروه مع إحاطة نعمه بهم {محدث} أي بالنسبة إلى تنزيله وعلمهم به؛ وأشار إلى دوام كبرهم بقوله: {إلا كانوا} أي كوناً هو كالخلق لهم؛ وأشار بتقديم الجار والمؤذن بالتخصيص إلى ما لهم من سعة الأفكار وقوة الهمم لكل ما يتوجهون إليه، وإلى أن لإعراضهم عنه من القوة ما يعد الإعراض معه عن غيره عدماً فقال: {عنه} أي خاصة {معرضين*} أي إعراضاً هو صفة لهم لازمة.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال‏:‏ اسم من أسماء القرآن‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في قوله ‏ {‏طسۤمۤ}‏ قال‏:‏ الطاء من ذي الطول، والسين من القدوس، والميم من الرحمن‏.

ابو السعود

تفسير : {طسم} بتفخيمِ الألف وبإمالتِها وإظهارِ النُّونِ وبإدغامِها في الميمِ، وهو إمَّا مسرودٌ على نمطِ التَّعديدِ بطريقِ التَّحدِّي على أحدِ الوجهينِ المذكُورينِ في فاتحةِ سُورة البقرةِ فلا محلَّ له من الإعرابِ وإمَّا اسمٌ للسُّورةِ كما عليه إطباقُ الأكثرِ فمحلُّه الرَّفعُ على أنَّه خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ وهو أظهرُ من الرَّفع على الابتداءِ وقد مرَّ وجهُه في مطلعِ سُورة يونسَ عليه السَّلامُ. أو النَّصبُ بتقديرِ فعلٍ لائقٍ نحوِ اذكُر أو اقرأْ. وتلكَ في قولِه تعالى: {تِلْكَ ءايَاتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ} إشارةٌ إلى السُّورة سواءٌ كانَ طسم مسرُوداً على نمط التَّعديدِ أو اسماً للسُّورة حسبما مرَّ تحقيقُه هناك، وما في اسمِ الإشارةِ من معنى البُعدِ للتَّنبـيهِ على بُعدِ منزلةِ المُشارِ إليه في الفخامةِ ومحلُّه الرَّفعُ على أنَّه مبتدأٌ خبرُه ما بعَدُه وعلى تقديرِ كونِ طسم مبتدأً فهو مبتدأٌ ثانٍ أو بدلٌ من الأَّولِ، والمرادُ بالكتابِ القرآنُ وبالمبـينِ الظَّاهرُ إعجازُه على أنَّه من أبانَ بمعنى بانَ، أو المُبـينُ للأحكامِ الشَّرعيةِ وما يتعلَّقُ بها أو الفاصلُ بـين الحقِّ والباطلِ والمعنى هي آياتٌ مخصُوصةٌ منه مترجمةٌ باسمِ مستقلَ. والمرادُ ببـيانُ كونِها بعضاً منُهُ وصفاً بما اشتُهر به الكُلُّ من النُّعوتِ الفاضلةِ. {لَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ} أي قاتلٌ. وأصلُ البَخعِ أنْ يبلغَ بالذَّبحِ النُّخاعَ، وهو عرقٌ مستبطنُ الفقارِ وذلك أقصى حدِّ الذَّبحِ. وقُرىء باخِعُ نفسِك على الإضافةِ ولعلَّ للإشفاقِ أي أشفقْ على نفسِك أنْ تقتلَها حسرةً على ما فاتَك من إسلامِ قومِك {أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} أي لعدمِ إيمانِهم بذلكَ الكتابِ المبـينِ أو خيفةَ أنْ لا يُؤمنوا به. وقوله تعالى: {إِن نَّشَأْ} الخ استئنافٌ مسوق لتعليلِ ما يُفهم من الكلام من النَّهي عن التَّحسرِ المذكور ببـيانِ أنَّ إيمانَهم ليس ممَّا تعلَّقتْ به مشيئةُ الله تعالى حتماً فلا وجهَ للطَمعِ فيه والتَّألمِ من فواتِه. ومفعولُ المشيئةِ محذوفٌ لكونه مضمونَ الجزاءِ أعني قوله تعالى: {نُنَزّلْ عَلَيْهِمْ مّنَ ٱلسَّمَاء ءايَةً} أي ملجئةً لهم إلى الإيمانِ قاسرةً عليه وتقديمُ الظَّرفينِ على المفعول الصَّريحِ لما مرَّ مراراً من الاهتمامِ بالمقدَّمِ والتَّشويقِ إلى المؤخَّرِ {فَظَلَّتْ أَعْنَـٰقُهُمْ لَهَا خَـٰضِعِينَ} أي مُنقادين. وأصلُه فظلوا لها خاضعين فأُقحمت الأعناقُ لزيادةِ التَّقريرِ ببـيانِ موضعِ الخضوعِ وتُرك الخبرُ على حالِه. وقيل لمَّا وُصفت الأعناقُ بصفاتِ العُقلاء أُجريتْ مجراهم في الصِّيغةِ أيضاً كما في قولِه تعالى: { أية : رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ} تفسير : [سورة يوسف: الآية 4] وقيل: أُريد بها الرُّؤساءُ والجماعاتُ من قولِهم جاءنا عنقٌ من النَّاسِ أي فوجٌ منهم. وقُرىء خاضعةً. وقولُه تعالى: فظلَّتْ عطفٌ على ننزِّل باعتبارِ محلِّه.

السلمي

تفسير : قال الجنيد رحمه الله: الطاء طرب التابعين فى ميدان الرحمن، والسين سرور العارفين فى ميدان الوصلة، والميم مقام المحبين فى ميدان القربة. وقال بعضهم: الطاء شجرة طوبى، والسين سدرة المنتهى، والميم محمد صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: طسم، أى: طاب بكم الدين وسنا وأضاء، وقيل: الطاء طرب الأولياء فى الجنة والسين: ستر الله على المذنبين من عباده، والميم مغفرته فى الآخرة للعصاه، وقيل: الطاء طرب المشتاقين، والسين سرور المحبين بمحبوبهم، والعارفين بمعروفهم، والميم مقام الموافقة.

القشيري

تفسير : ذَكَرْنَا فيما مضى اختلافَ السَّلَفِ في الحروف المُقَطَّعَة؛ فعند قوم: الطاءُ إشارة إلى طهارة عِزِّه وتَقَدُّسِ عُلُوِّه، والسين إشارةٌ ودلالةٌ على سناء جبروته، والميم دلالةٌ على مَجْدِ جلاله في آزاله. ويقال الطاء إِشارة إلى شجرة طوبى، والسين إلى سِدْرَةِ المُنتهى، والميم إلى اسم محمد صلى الله عليه وسلم؛ أي ارتقى محمدٌ ليلةَ الإسراء عن شهوده شجرةَ طوبى حتى بَلَغَ سدرةَ المنتهى، فلم يُسَاكِنْ شيئاً من المخلوقات في الدنيا والعُقْبى. ويقال الطاء طَرَبُ أربابِ الوصلة على بساط القرب بوجدان كمال الروح، والسين سرورُ العارِفين بما كوشفوا به من بقاء الأحدية باستقلالهم بوجوده والميم إشارة إلى موافقتهم لله بِتَرْكِ التخيُّر على الله، وحُسْنِ الرضا باختيار الحق لهم. ويقال الطاء إشارةٌ إلى طيبِ قلوب الفقراء عند فقد الأسباب لكمال العَيْشِ بمعرفة وجود الرزَّاق بَدَلَ طيب قلوب العوام بوجود الأرْفاق والأرزاق. ويقال الطاء إشارةٌ إلى طهارة أسرار أهل التوحيد، والسين إشارة إلى سلامة قلوبهم عن مساكنة كلِّ مخلوق، والميم إشارة إلى مِنَّةِ الحقِّ عليهم بذلك.

البقلي

تفسير : الطاء طهارة القدم من الحدثان والسين سنا صفاته الذى ينكشف فى عرائى البرهان والميم مجدة الذى ظهر بوصف البهاء فى قلوب اهل العرفان طاحت ارواح السابقين فى مشاهدة طهارة ذاته وسكرت قلوب اهل الاسرار فى رؤية سنا صفاته وانمحت عقول المحبين فى شهود مجد كبريائه طابت قلوب الوالهين بطيب وصاله وسارت عقول الهيامين فى ميادين اسراره وطارت ارواح المحبين باجنحة محبته فى جنان مشاهدته فالطاء طرب المستانسين فى طلب والسين سرور المحبين بها وجدوا عن اسراره والميم مهابة العارفين فى بسط مملكه قال الجنيد الطاء طرب التائبين فى ميدان الرحمة والسين سرور العارفين فى ميدان الوصلة والميم مقام المحبين فى ميدان القربة وقال بعضهم الطاء شجرة طولى والسين سدرة المنتهى والميم محمد صلى الله عليه وسلم وقيل الظلم طرب المشتاقين والسين سرور المحبين بمحبوبهم والعارفين بمعروفهم والميم مقام الموافقة قال الاستاذ الطاء اشارة الى طهارة عزة وتقدس علوه واسين دلالة على سنا جبروته والميم دلالة على مجد جلاله فى ازله ويقال الطاء طرب ارباب الوصلة على بساط القربة بوجدان كمال الروح والسين سرور السارفين بما كوشفوا به من بقاء الاحدية باستظلالهم لوجوده والميم اشارة الى طهارة اسرار اهل التوحيد والسين اشارة الى سلامة قلوبهم عن مساكنه كل مخلوق والميم اشارة الى امنة الخالق عليهم بذلك.

اسماعيل حقي

تفسير : {طسم} الحروف المقطعة فى اوائل السور يجمعها قولك (سرّ حصين قطع كلامه) واولى ما قال اهل التفسير فى حق هذه الحروف الله اعلم بمراده لانها من الاسرار الغامضة كما قال ابو بكر الصديق رضى الله عنه "ان لكل كتاب سرا وسر القرآن فى المقطعات" كما فى رياض الاذكار والمعانى المتعقلة بالاسرار والحقائق لايعلمها الا الله ومن اطعله ا لله عليها من الراسخين فى العلم وهم العلماء بالله فلا معنى للبحث عن مرتبة ليس للسان حظ منها ولا للقلم نصيب واما اللوازم التى تشير الى الحقائق فلبيانها مساغ فانها دون الحقائق وفى مرتبة الفهم والى الاول يشير قول ابن عباس رضى الله عنهما فى {طسم} عجزت العلماء عن تفسيرها كما فى فتح الرحمن والى الثانى يشير مافى كشف الاسرار حيث قال بالفارسية [روايت كنند از على رضى الله عنه كه كفته آنكه كه {طسم} از آسمان فرود آمد رسول خدا عليه السلام كفت "طاء" طور سيناست و "سين" سكندريه و"ميم" مكه معنى آنست والله اعلم كه رب العزة سوكند يادكرد باين بقاع شريف جنانكه] لا اقسم بهذا البلد. اما جبل طور سينا الذى بين الشام ومدين فهو محل مناجاة موسى عليه السلام وكلامه مع الله تعالى ومقام التجلى كما قال {أية : فلما تجلى ربه للجبل}تفسير : وهذا الجبل اذا كسرت حجارته يخرج من وسطها صورة العوسج على الدوام وتعظيم اليهود لشجرة العوسج لهذا المعنى ويقال لشجرة العوسج شجرة اليهود. واما الاسكندرية فهى آخر مدن المغرب ليس فى معمور الارض مثلها ولا فى اقاصى الدنيا كشكلها وعدت مساجدها فكانت عشرين الف مسجد نقل ان المدينة كانت سبع قصبات متوالية وانما اكلها البحر ولم يبق منها الا قصبة واحدة وهى المدينة الآن وصار منار المرآة الاسكندرية فى البحر لغلبة الماء على قصبة المنار. وقصة المرآة أنه كان فى اعلا المنار الذى ارتفاعه ثلاثمائة ذراع الى القبة مرآة غريبة قد عملها الحكماء للاسكندر يرى فيها المراكب من مسيرة شهر وكان بالمرآة اعمال وحركات تحرق المراكب فى البحر اذا كان فيها عدو بقوة شعاعها فارسل صاحب الروم يخدع صاحب مصر ويقول ان الاسكندر قد كنز على المنار كنزا عظيما من الجواهر النفيسة فان صدقت فبادر الى اخراجها وان شككت فانا ارسل لك مركبا مملوأ من ذهب وفضة واقمشة لطيفة ومكننى من استخراجها ولك ايضا من الكنز ما تشاء فانخدع لذلك وظنه حقا فهدم القبة فلم يجد شيئا وفسد طلسم المرآة. واما مكة المشرفة المكرمة فهى مدينة قديمة غنية عن البيان وفيها كعبة الاسلام وقبلة المؤمنين والحج اليها احد اركان الدين. ويقال الطاء طوله اى قدرته. والسين سناؤه اى رفعته. والميم ملكه ومجده فاقسم الله بهذه. ويقال يشير الى طاء طيران الطائرين بالله والى. سين السائرين الى الله. والى ميم مشى الماشين لله فالاول مرتبة اهل النهاية والثانى مرتبة اهل التوسط والثالث مرتبة اهل البداية ولكل سالك خطوة ولكل طائر جناح. ويقال الطاء اشارة الى طهارة اسرار اهل التوحيد. والسين اشارة الى سلامة قلوبهم عن مساكنة كل مخلوق. والميم اشارة الى منة الخالق عليهم بذلك. وقال سيد الطائفة الجنيد قدس سره الطاء طرب التأبين فى ميدان الرحمن. والسين سرور العازفين فى ميدان الوصلة. والميم مقام المحبين فى ميدان القربة. وقال نجم الدين قدس سره يشير الى طاء طهارة قلب نبيه عن تعلقات الكونين. والى سين سيادته على الانبياء والمرسلين. والى ميم مشاهدة جمال رب العالمين. وقال الامام جعفر الصادق رضى الله عنه اقسم الله بشجرة طوبى وسدرة المنتهى ومحمد المصطفى بقوله {طسم} فالطاء شجرة طوبى والسين سدرة المنتهى والميم محمد المصطفى عليه الصلاة والسلام. واما سر اصطفاء طوبى فان الله تعالى خلق جنة عدن بيده من غير واسطة وجعلها له كالقلعة للملك وجعل فيها الكثيب مقام تجلى الحق سبحانه وفيه مقام الوسيلة لخير البرية وغرس شجرة طوبى بيده فى جنة عدن واطالها حتى علت فروعها سرو جنة عدن ونزلت مظلة على سائر الجنان كلها وليس فى اكمامها ثمر الا الحلىّ والحلل لباس اهل الجنة وزينتهم ولها اختصاص فضل لكونها خلقها الله بيده ولذلك كانت اجمع الحقائق الجنانية نعمة واعمها بركة فانها لجميع اشجار الجنة كآدم عليه السلام لما ظهر من البنين وما فى الجنة نهر الا وهو يجرى من اصل تلك الشجرة وهى محمدية المقام. واما سر اجتباء سدرة المنتهى فهى شجرة بين الكرسى والسماء السابعة لافنانها حنين بانواع التسبيحات والتحميدات والترجيعات عجيبة الا لحان تطرب بها الارواح والقلوب وتزيد فى الاحوال وهى الحد البرزخى بين الدارين سماها المنتهى لان الارواح اليها تنتهى وتصعد اعمال اهل الارض من السعداء واليها تنزل الاحكام الشرعية وام فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ملائكة السموات فى الوتر فكان امام الانبياء فى بيت المقدس وامام الملائكة عند سدرة المنتهى فظهر بذلك فضله على اهل الارض والسماء كما فى تفسير التيسير وهى مقام جبريل يسكن فى ذروتها كما ان مقر العقل وسط الدماغ وذلك لان جبريل سدرة العقل ومقامه اشارة الى مقام العقل وهو الدماغ ولذلك من رأى جبريل فانما رأى صورة عقله لان جبريل لايرى من مقام تعينه لغير الانبياء عليهم السلام. واخر الميم المشاربه الى محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم لسر الختمية وكما ان ختم الانبياء بسيد المرسلين كذلك ختم حروف الهجاء بالياء المشتمل عليها لفظ الميم فقد جمع الله فى القسم بقوله {طسم} ثلاث حقائق وهى اصول الحقائق كلها. الاولى حقيقة جنانية نعيمة جامعة وهى شجرة طوبى ولذا اودعها الله فى المقام المحمدى لكونها جامعة للنعم الجنانية ومقسما لها كما ان النبى عليه السلام مقسم العلوم والمعارف وانواع الكمالات. والثانية حقيقة برزخية جامعة لحقائق الدارين وهى شجرة سدرة المنتهى فاغصانها نعيم لاهل الجنة واوصلها زقوم لاهل النار لانها فى مقعر فلك البروج وهو الفلك الاعظم ويسمى فلك الافلاك لانه يجمع الافلاك وايضا الفلك الاطلس لانه غير مكوكب كالثوب الاطلس الخالى عن النقش ومقعر سطحيه اى الفلك الاعظم يماس محدب الفلك الثوابت ومحدبه لا يماس شيئا اذ ليس وراءه شىء لاخلاء ولاملاء بل عنده ينقطع امتدادات العالم كلها. وقيل فى ورائه افلاك من انوار غير متناهية ولا قائل بالخلاء فيما تحت الفلك الاعظم بل هو الملأ كذا فى كتب الهيئة وعند الصوفية المقام الذى يقال له لاخلاء ولاملاء فوق عالم الارواح لا فوق العرش. قال فى شرح التقويم ولما كان المذكور فى الكتب الالهية السموات السبع زعم قوم من حكماء الملة ان الثامن هو الكرسى والتاسع هو العرش وهذا يناسب قوله تعالى {أية : وسع كرسيه السموات والارض}تفسير : والثالثة حقيقة الحقائق الكلية وهى الحقيقة المحمدية لقد اقسم الله فى {طسم} باجمع الحقائق كلها لفضلها على جميع الحقائق لان الحقيقة المحمدية حقيقة الحقائق وروحها دنيا وبرزخا وآخره ولهذا ختم به الحقائق شعر : هر دو عالم بسته فتراك او عرض وكرسى كرده قبله خاك او بيشواى اين جهان وآن جهان مقتداى آشكارا ونهان تفسير : وقال بعض كبار المكاشفين لا يعرف حقائق الحروف المقطعة فى اوائل السور الا اهل الكشف والوجود فانها ملائكة واسماؤهم اسماء الحروف وهم اربعة عشر ملكا لان مجموع المقطعات من غير تكرار اربع عشر آخرهم {أية : ن والقلم}تفسير : وقد ظهروا فى منازل القرآن على وجوه مختلفة فمنازل ظهر فهيا ملك واحد مثل "ن ص" ومنازل ظهر فيها اثنان مثل {أية : طس ويس وحم}تفسير : ومنازل ظهر فيها ثلاثة مثل {أية : الم وطسم}تفسير : ومنازل ظهر فيها اربعة مثل {أية : المص والمر}تفسير : ومنازل ظهر فيها خمسة مثل {أية : كهيعص وحمعسق}تفسير : وصورها مع التكرار تسعة وسبعون ملكا بيد كل ملك شعبة من الايمان فان الايمان بضع وسبعون شعبة والبضع من واحد الى تسعة فقد استعمل فى غاية البضع. فاذا نطق القارى بهذه الحروف كان مناديا لهم فيجيبونه يقول القارى {أية : الم}تفسير : فيقول هؤلاء الثلاثة من الملائكة ماتقول فيقول القارى ما بعد هذه الحروف فيقال بهذا الباب الذى فتحت ترى عجائب وتكون هذه الارواح الملكية التى هى الحروف اجسامها تحت تسخيره وبما بيدها من شعب الايمان تمده وتحفظ عليه ايمانه. قال فى ترجمة وصايا الفتوحات [ازجلمه شعب ايمان شهادتست بتوحيد ونماز كزاريدن وزكاة دادن وروزه داشتن وحج كزاريدن ووضوء ساختن واز جنابت غسل كردن وغسل روز جمعه وصبر وشكر وورع وحيا وامان ونصيحت وطاعت اولو الامر وذكر حق كرفتن ورنج خود از خلق برداشتن وامانت ادا كردن ومظلوم را يارى دادن وترك ظلمه كردن وكسى را خوار ناداشتن وترك غيبت وترك نميمت وترك بخس كردن وجون درخانه كسى خواهى در آمدن دستورى خواستن وخشم را خوابانيدن واعتبار كرفتن وقول نيكورا سماع كردن وبر آنجه نيكوترست دفع كردن وقول بدرا بجهر ناكفتن وبكلمه طيب اتيان كردن وحفظ فرج زبان وتوبه وتوكل وخشوع وترك لغو يعنى سخن بيهوده وترك مالا يعنى وحفظ عهد وميثاق ووفا نمودن وبرتقوى يارى دادن وبراثم وعدوان يارى نادادن وتقوى را ملازم بودن ونيكويى كردن وصدق ورزيدن وامر معروف كردن ونهى منكر وميان دومسلمان اصلاح كردن وازبهر خلق دعا كردن ورحمت خواستن وبزرك را مكرم داشتن وبحدود الله قيام نمودن وترك دعوىء جاهليت كردن واز بس يكديكر بدنا كفتن وباهم ديكر دشمنى ناكردن وكواهى دروغ وقول دروغ ناكفتن وترك همز ولمز وغمز يعنى بيش وبس بدنا كفتن وبجشم نازدن وغمازى ناكردن وبجماعات حاضر شدن وسلام راخاص كردن وبيكديكر هديه فرستادن وحسن خلق وحسن عهدى وسر نكاه داشتن ونكاح دادن وبنكاح كرفتن وحب اهل بيت وحب زنان وبوى خوش دوست داشتن وحب انصار وتعظيم شعائر وترك عيش وبر مؤمن سلاح نداشتن وتجهيز مرده كردن وبر جنازه نماز كزاردن وبيمار برسيدن وآنجه درراه مسلمانان زحمت باشد دور كردن وهرجه براى نفس خود دوست ميدارى براى هريك از مؤمنان دوست داشتن وحق تعالى ورسول اورا ازهمه دوستر داشتن وبكفر بازنا كشتن وبملائكه وكتب ورسل وهرجه ايشان ازحق آورده اند ايمان داشتن] وغير ذلك مما اشتمل عليه الكتاب والسنة وهى كثيرة جدا وفى الحديث "حديث : الايمان بضع وسبعون شبعة افضلها قول لا اله الا الله وادناها اماطة الاذى عن الطريق والحياء شعبة من الايمان" تفسير : انتهى وهى خصال اهل الايمان ولم يرد تعديدها باعيانها فى حديث واحد واهل العلم عدوا ذلك على وجوه واقصى ما يتناوله لفظ هذا الحديث تسعة وسبعون، قال الامام النسفى فى تفسير التيسير وانا اعدها على ترتيب اختاره وعلى الاجتهاد فاقول بدأ فيه بالتهليل والذى يليه التكبير والتسبيح والتحميد والتمجيد والتجريد والتفريد والتوبة والانابة والنظافة والطهارة والصلاة والزكاة والصيام والقيام والاعتكاف والحج والعمرة والقربان والصدقة والغزو والعتق وقراءة القرآن وملازمة الاحسان ومجانبة العصيان وترك الطغيان وهجر العدوان وتقوى الجنان وحفظ اللسان والثناء والدعاء والخوف والرجاء والحياء والصدق والصفاء والنصح والوفاء والندم والبكاء والاخلاص والذكاء والحلم والسخاء والشكر فى العطية والصبر فى البلية والرضى بالقضية والاستعداد للمنية واتباع السنة وموافقة الصحابة وتعظيم اهل الشيبة والعطف على صغار البرية والاقتداء بعلماء الامة والشفقة على العامة واحترام الخاصة وتعظيم اهل السنة واداء الامانة واظهار الصيانة والاطعام والانعام وبر الايتام وصلة الارحام وافشاء السلام وصدق الاستسلام وتحقيق الاستعصام والزهد فى الدينا والرغبة فى العقبى والموافقة للمولى ومخالفة الهوى والحذر من لظى وطلب جنة المأوى وبث الكرم وحفظ الحرم والاحسان الى الخدم وطلب التوفيق وحفظ التحقيق ومراعاة الجار والرفيق وحسن الملكة فى الرقيق وادناها اماطة الاذى عن الطريق فمن استكمل الوفاء بشعب الايمان نال بوعد الله كمال الامان وهو الذى قال الله تعالى فيه {أية : الذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم اولئك لهم الامن وهم مهتدون }

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {طسم} أي: يا طاهر، يا سيد، يا محمد، أو: أيها الطاهر السيد المجيد. وقال الواحدي: أقسم تعالى بطَوله وسنائه وملكه، والمقسم عليه: {إن نشأ نُنزل...} إلخ. {تلك آيات الكتاب المبين} أي: ما نسرده عليك في هذه السورة وغيرها من الآيات، هي آيات الكتاب، أي: القرآن المبين, أي: الظاهر إعجازه, وأنه من عند الله, على أنه من أبان, بمعنى بان, أو: المبين للأحكام الشرعية والحِكَم الربانية، أو: الفاصل بين الحق والباطل. وما في الإشارة من معنى البُعد؛ للتنبيه على بُعد منزلة المشار إليه في الفخامة ورفعة القدر. ثم شرع في تسليته بقوله: {لعلك باخعٌ نفسَكَ} أي: قاتل نفسك. قال سَهْلٌ: تهلك نفسك باتباع المراد في هدايتهم وإيمانهم، وقد سَبق مني الحُكم بإيمان المؤمنين وكفر الكافرين، فلا تبديل ولا تغيير. و"لعل":للإشفاق، أي: أشفق على نفسك أن تقتلها؛ حسرة على مافاتك من إسلام قومك {أَلاَّ يكونوا مؤمنين} أي: لعدم إيمانهم بذلك الكتاب المبين، {إن نشأ نُنزِّل عليهم من السماء آيةً}، هو تعليل لما قبله من النهي عن التحسر؛ ببيان أن إيمانهم ليس مما تعلقت به المشيئة، فلا وجه للطمع فيه والتألم من فواته، والمفعول محذوف، أي: إن نشأ إيمانهم ننزل عليهم من السماء آية ملجئة لهم إلى الإيمان، قاهرة لهم عليه، {فظلَّتْ أعناقُهم لها خاضعين}؛ منقادين. والأصل: فظلوا لها خاضعين، فأقمحت الأعناق؛ لزيادة التقرير ببيان موضع الخضوع، وترك الخبر على حاله من جمع العقلاء. وقيل: لمَّا وصفت الأعناق بصفة العقلاء أجريت مجراهم، كقوله تعالى: {أية : رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ}تفسير : [يوسف: 4]. وقيل المراد بالأعناق: الرؤساء ومقدمو الجماعة، وقيل: الجماعة، من قولهم: جاءنا عنق من الناس، أي: فوج. وقرئ: خاضعة، على الأصل. {وما يأتيهم من ذِكْرٍ من الرحمنِ مُحْدَثٍ إلا كانوا عنه معرضين}، هذا بيان لشدة شكيمتهم وعدم ارعوائهم عما كانوا عليه من الكفر والتكذيب؛ لصرف رسوله صلى الله عليه وسلم عن الحرص على إسلامهم، وقطع رجائه فيهم على الجملة، قال القشيري: أي: ما نُجَدِّد لهم شَرْعاً، أو نرسل رسولاً إلا أعرضوا عما دلّ برهانه عليه، وقابلوه بالتكذيب، فلو أنهم أنعموا النظرَ في آياتهم، لا تضح لهم صدقهم، ولكن المقسوم من الخذلان في سابق الحُكْمِ يمنعهم من الإيمان والتصديق. هـ. والتعرض لعنوان الرحمة؛ لتغليظ شناعتهم، وتهويل جنايتهم؛ فإن الإعراض عما يأتيهم من جنابه عز وجل على الإطلاق شنيع قبيح، وعما يأتيهم بموجب الرحمة، لمحض منفعتهم، أشنع وأقبح، أي: ما يأتيهم من موعظة من المواعظ القرآنية, أو من طائفة نازلة من القرآن تُذكّرهم أكمل تذكير, وتنبهُهم من الغفلة أتم تنبيه، بمقتضى رحمته الواسعة، إلا جددوا إعراضاً عنه؛ على وجه التكذيب والاستهزاء؛ إصراراً على ما كانوا عليه من الكفر والضلال. {فقد كذَّبوا} بالذكر الذي يأتيهم تكذيباً مقارناً للاستهزاء، {فسيأتيهم} أي: فسيعلمون {أنباءُ} أي: أخبار {وما كانوا به يستهزئون}، وأنباؤه: ما يحيق بهم من العقوبات العاجلة والآجلة، عبّر عنها بالأنباء؛ إما لكونها مما أنبأ بها القرآن الكريم، وإما لأنهم، بمشاهدتها، يقفون على حقيقة القرآن الكريم، كما يقفون على الأحوال الخافية عنهم، باستماع الأنباء. وفيه تهويل؛ لأن الأنباء لا تُطلق إلا على خبر خطير له وقع كبير، أي: فسيأتيهم لا محالة مِصداق ما كانوا يستهزئون به، إما في الدنيا، كيوم بدر وغيره من مواطن الحتُوف، أو يوم القيامة. والله تعالى أعلم. الإشارة: طسم، الطاء تشير إلى طهارة سره - عليه الصلاة والسلام -، والسين تُشير إلى سيادة قدره، والميم إلى مَجَادة أمره، وهذا بداية الشرف ونهايته. أو: الطاء تشير إلى التنزيه للقلب، من حيث هو، والتطهير, والسين تشير إلى تحليته بالسر الكبير، والميم تشير إلى تصرفه في الملك والملكوت بإذن العلي الكبير. وهذه بداية السير ونهايته، فيكون حينئذٍ عارفاً بالله، خليفة رسول الله في العودة إلى الله، فإنْ حرص على هداية الخلق فيقال له: {لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين}، فلو شاء ربك لهدى الناس جميعاً، ولا يزالون مختلفين، {ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين}. وبالله التوفيق. ثم ذكر دلائل قدرته على ما ذكر، فقال: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى ٱلأَرْضِ...}

الطوسي

تفسير : ثلاث آيات في الكوفى خاصة. واثنتان في الباقي. ولم يعد {طسم} آية إلا أهل الكوفة. قرأ حمزة والكسائي وخلف ويحيى والعليمي "طسم، وطس" بامالة الطاء فيهما. الباقون بالتفخيم، وأظهر - النون من هجاء سين عند الميم - حمزة وأبو جعفر إلا أن أبا جعفر يقطع الحروف. الباقون يخفونها قال ابوا علي الفارسي: تبيين النون من {طسم} على قراءة حمزة هو الوجه، لأن حروف الهجاء في تقدير الانفصال والانقطاع مما بعدها، وإذا ثبت ذلك وجب أن تبين النون لأنها تخفى اذا اتصلت بحرف من حروف الفم، فاذا لم يتصل بها، لم يكن هناك ما يوجب إخفاؤها. ووجه إخفائها مع هذه الحروف أن همزة الوصل قد وصلت ولم تقطع، وهمزة الوصل إنما تذهب في الدرج فكما سقطت همزة الوصل، وهي لا تسقط إلا في الدرج مع هذه الحروف في (الف لام ميم) الله، كذلك لا تبين النون، ويقدر فيها الاتصال بما قبلها، ولا يقدر الانفصال. قيل إنما عد {طسم} آية، ولم يعد (طس) لأن (طس) تشبه الاسم المنفرد، نحو (قابيل، وهابيل) وليس كذلك {طسم}. ووجه الشبه بالزنة أن أوله لا يشبه حروف الزيادة التي هي حروف المد واللين، نحو (يس) وليس شيء على وزن المفرد يعد إلا (ياسين) لان الياء تشبه حروف الزيادة فقد رجع إلى انه ليس على زنة المفرد. وقد بينا فيما مضى معاني هذه الحروف المقطعة في أول سورة البقرة، فلا نطول باعادته. وقد بينا قول من قال. إنها اسماء السور. وقال قتادة والضحاك: ان (طسم، وطس) اسم من اسماء القرآن. وقوله {تلك آيات الكتاب المبين} انما أشار بـ {تلك} إلى ما ليس بحاضر لأنه متوقع، فهو كالحاضر بحضور المعنى للنفس، وتقديره: تلك الآيات آيات الكتاب. وقيل: تلك الآيات التي وعدتم بها هي القرآن. وقيل: ان {تلك} بمعنى (هذا) ومعنى {الكتاب} القرآن، ووصفه بأنه {المبين} لأن به تتبين الاحكام، لأن البيان اظهار المعنى للنفس بما يتميز به عن غيره، وهو مأخوذ من البينونة، وهي التفرقة بين الشيء وغيره. فالمبين الذي يبين الحق من الباطل. وسمي أيضاً فرقاناً، لانه يفرق بين الحق والباطل. وقوله {لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين} قيل فيه قولا: الأول - قال ابن عباس وقتادة: معناه لعلك قاتل نفسك. والثاني قال ابن زيد: مخرج نفسك من جسدك. والبخع القتل، قال ذو الرمة: شعر : الا أيهذا الباخع الوجد نفسه لشيء نحته عن يديه المقادر تفسير : وقال ابن عباس معنى {أن لا يكونو مؤمنين} فيه أي في القرآن وقال الفراء موضع {أن} نصب بـ {باخع}، لان {أن} جزاء، كانه قال: ان لم يكونوا مؤمنين فأنت قاتل نفسك، فلما كان ماضياً نصب {أن} كما تقول: اتيك {أن} تأتيني، ولو لم يكن ماضياً لقلت: آتيك ان تأتني، ولو كانت مجزومة مع كسر {أن} كان جائزاً، ومثله {أية : لا يجرمنكم شنآن قوم أن}تفسير : بالفتح والكسر.

الجنابذي

تفسير : قرئ باظهار نون السّين وهو الاصل وقرئ باخفائها بخلاف الاصل لانّ سكونها عرضيّة لا اصليّة.

الأعقم

تفسير : {طسم} اسم للسورة، وقيل: من أسماء القرآن، وقيل: هو من أسماء الله {تلك}، قيل: هذه السورة، وقيل: هذه الآيات {آيات الكتاب المبين} يعني بيَّن الحق من الباطل {لعلك باخع نفسك} قاتل نفسك يا محمد {ألاَّ يكونوا مؤمنين} يعني ليس عليك إلا تبليغ الرسالة، قوله تعالى: {إن نشأ ننزل عليهم من السماء} آية ملجئه إلى الإِيمان قسراً {فظلّت أعناقهم لها خاضعين}، قيل: جماعاتهم، وقيل: نساؤهم، وقيل: ساداتهم، قيل: إنما خصّ العنف بالذكر لأن الخضوع والكبر ينسبان إليه، والمعنى لو شئنا لأجبرناهم على الإِيمان ولكن يزول التكليف وإنما أمرناهم بالإِيمان مختارين وأعطيناهم القدرة والاله فإن لم يؤمنوا فلا يَهُمنك أمرهم {فقد كذبوا بذلك فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون} ثم بيَّن لهم من دلائل التوحيد فقال سبحانه: {أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج} يعني كل لون وصنف كريم، قيل: حسن، وقيل: ما عدا الإِنس والانعام {إن في ذلك لآية} حجة على أنه قادرٌ، عالمٌ، حيٌّ، قديمٌ {وما كان أكثرهم مؤمنين} لأنهم لم يتفكروا في ذلك واتبعوا التقليد وآثروا الحياة الدنيا {وإن ربك لهو العزيز} القادر على كل شيء من أخذهم والانتصاف منهم {الرحيم} فلا يعاجلهم ويغفر لهم، ثم ابتدأ بذكر قصة موسى (عليه السلام) تسلية له في تكذيب قومه، وإنما كررت قصة موسى في القرآن لأن اليهود كانوا حول المدينة، وكثيراً ما كانوا يدخلون على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يجادلونه فقال سبحانه: {وإذ نادى ربك موسى} أي دعا الله وذلك حين أتى الطور لما رأى ناراً في تلك الليلة التي كان انصرف من مدين، وقوله: {أن ائت القوم الظالمين} يعني ظلموا أنفسهم بالكفر.

الهواري

تفسير : {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} قوله: {طسۤمۤ} قال بعضهم: هو اسم من أسماء الكتاب، يعني القرآن. وقال الحسن: لا أدري، غير أن قوماً من السلف كانوا يقولون فيها وأشباهها: أسماء السور ومفاتحها. وقال بعضهم: اسم من أسماء القرآن، أقسم به ربك. قوله: {تِلْكَ ءَايَاتُ الكِتَابِ} أي: هذه آيات القرآن {المُبِينِ} أي: البيّن. قوله: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ} أي: قاتل نفسك {أَلاَّ يَكُونُوا مُؤمِنِينَ} أي: لعلك قاتل نفسك إن لم يكونوا مؤمنين، فلا تفعل. قوله: {إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَآءِ ءَايَةً فَظَلَّتْ} أي: فصارت {أَعْنَاقُهُمْ لَهَا} أي: للآية {خَاضِعِينَ} أي: فظلوا خاضعين لها أعناقهم. وهذا تفسير مجاهد. وذلك أنهم كانوا يسألون النبي عليه السلام أن يأتيهم بآية، فهذا جواب لقولهم.

اطفيش

تفسير : {طسَمَ} قال ابن عباس عجزت العلماء عن تفسير {طسم} وعن الحسن لا ادري ما {طسم} غير أن قوما من السلف قالوا فيه وفي ما أشبهه أسماء السور وفي رواية عن ابن عباس انه اسم من أسماء الله تعالى أقسم به، وقيل اسم للقرآن أقسم به وقيل الطاء طوله أي جوده والسين سناء والميم ملكه أقسم بذلك، وقرأه أبو بكر وحمزة والكساءي هنا وفي النمل والقصص بإمالة فتحة الطاء وإمالة الألف واخلص الباقون بالفتح والألف واظهر حمزة النون من هجاء السين، هنا وفي القصص قيل لأنه في الأصل منفصل عما بعده وقرأ نافع الألف وفتحة الطاء قبلها بين بين قيل كراهة العود إلى الياء بعد الهروب منها.

اطفيش

تفسير : قال محمد بن كعب القرظى: الطاء من ذى الطويل، والسين من قدوس، والميم من الرحمن، وقيل: من طوله وسنائه وملكه وقيل: اسم السورة، عن ابن عباس رضى الله عنهما: اسم الله تعالى، أقسم به، عنه: عجزت العلماء عن تفسيرها، يريد وكذا أمثالهما والله أعلم، ومر غير ذلك، وهذه الحرف مسميات، وأسماؤها طا بألف بلا همز بعدها، سين ميم كما يقرأ، وذلك باسكان نون سين، فكان المد المشبع لسكون الحرف بعد حرف العلة الساكن سكونا ميتا وأدغمت النون فى الميم الأولى.

الالوسي

تفسير : تقدم الكلام في أمثاله إعراباً وغيره والكلام هنا كالكلام هناك بيد أنه أخرج ابن أبـي حاتم عن محمد بن كعب أنه قال في هذا الطاء من ذي الطول والسين من القدوس والميم من الرحمن، وأمال فتحة الطاء حمزة والكسائي وأبو بكر وقرأ نافع كما روى عنه أبو علي الفارسي في «الحجة» بين بين ولم يمل صرفاً لأن الألف منقلبة عن ياء فلو أميلت إليها انتقض غرض القلب وهو التخفيف. وروى بعض عنه أنه قرأ كباقي السبعة من غير إمالة أصلاً نظراً إلى أن الطاء حرف استعلاء يمنع من الإمالة، وقرأ حمزة بإظهار نون سين لأنه في الأصل لكونه أحد أسماء الحروف المقطعة منفصل عما بعده وأدغمها الباقون لما رأوها متصلة في حكم كلمة واحدة خصوصاً على القول بالعلمية، وقرأ عيسى بكسر الميم من {طسم } هنا وفي القصص، وجاء كذلك عن نافع، وفي مصحف عبد الله ط س م من غير اتصال وهي قراءة أبـي جعفر.

سيد قطب

تفسير : موضوع هذه السورة الرئيسي هو موضوع السور المكية جميعاً.. العقيدة.. ملخصة في عناصرها الأساسية: توحيد الله: {أية : فلا تدع مع الله إلهاً آخر فتكون من المعذبين}تفسير : والخوف من الآخرة: {أية : ولا تخزني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم}تفسير : والتصديق بالوحي المنزل على محمد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: {أية : وإنه لتنزيل رب العالمين؛ نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين}تفسير : ثم التخويف من عاقبة التكذيب، إما بعذاب الدنيا الذي يدمر المكذبين؛ وإما بعذاب الآخرة الذي ينتظر الكافرين: {فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون}.. {أية : وَسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون } تفسير : ذلك إلى تسلية الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتعزيته عن تكذيب المشركين له وللقرآن: {لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين} وإلى طمأنة قلوب المؤمنين وتصبيرهم على ما يلقون من عنت المشركين؛ وتثبيتهم على العقيدة مهما أوذوا في سبيلها من الظالمين؛ كما ثبت من قبلهم من المؤمنين. وجسم السورة هو القصص الذي يشغل ثمانين ومائة آية من مجموع آيات السورة كلها. والسورة هي هذا القصص مع مقدمة وتعقيب. والقصص والمقدمة والتعقيب تؤلف وحدة متكاملة متجانسة، تعبر عن موضوع السورة وتبرزه في أساليب متنوعة، تلتقي عند هدف واحد.. ومن ثم تعرض من كل قصة الحلقة أو الحلقات التي تؤدي هذه الأغراض. ويغلب على القصص كما يغلب على السورة كلها جو الإنذار والتكذيب، والعذاب الذي يتبع التكذيب. ذلك أن السورة تواجه تكذيب مشركي قريش لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ واستهزاءهم بالنذر، وإعراضهم عن آيات الله، واستعجالهم بالعذاب الذي يوعدهم به؛ مع التقول على الوحي والقرآن؛ والادعاء بأنه سحر أو شعر تتنزل به الشياطين! والسورة كلها شوط واحد ـ مقدمتها وقصصها وتعقيبها ـ في هذا المضمار. لذلك نقسمها إلى فقرات أو جولات بحسب ترتيبها. ونبدأ بالمقدمة قبل القصص المختار: {طسم. تلك آيات الكتاب المبين}.. طا. سين. ميم.. الأحرف المقطعة للتنبيه إلى أن آيات الكتاب المبين ـ ومنها هذه السورة ـ مؤلفة من مثل هذه الأحرف؛ وهي في متناول المكذبين بالوحي؛ وهم لا يستطيعون أن يصوغوا منها مثل هذا الكتاب المبين. والحديث عن هذا الكتاب متداول في السورة. في مقدمتها ونهايتها. كما هو الشأن في السور المبدوءة بالأحرف المقطعة في القرآن. وبعد هذا التنبيه يبدأ في مخاطبة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي يهمه أمر المشركين ويؤذيه تكذيبهم له وللقرآن الكريم؛ فيسليه ويهون عليه الأمر؛ ويستكثر ما يعانيه من أجلهم؛ وقد كان الله قادراً على أن يلوي أعناقهم كرهاً إلى الإيمان، بآية قاهرة تقسرهم عليه قسراً: {لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين! إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين}. وفي التعبير ما يشبه العتب على شدة ضيقه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهمه بعدم إيمانهم: {لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين}.. وبخع النفس قتلها. وهذا يصور مدى ما كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعاني من تكذيبهم، وهو يوقن بما ينتظرهم بعد التكذيب، فتذوب نفسه عليهم ـ وهم أهله وعشيرته وقومه ـ ويضيق صدره. فربه يرأف به، وينهنهه عن هذا الهم القاتل، ويهون عليه الأمر، ويقول له: إن إيمانهم ليس مما كلفت؛ ولو شئنا أن نكرههم عليه لأكرهناهم، ولأنزلنا من السماء آية قاهرة لا يملكون معها جدالاً، ولا انصرافاً عن الإيمان. ويصور خضوعهم لهذه الآية صورة حسية: {فظلت أعناقهم لها خاضعين} ملوية محنية حتى لكأن هذه هيئة لهم لا تفارقهم، فهم عليها مقيمون! ولكنه ـ سبحانه ـ لم يشأ أن يجعل مع هذه الرسالة الأخيرة آية قاهرة. لقد جعل آيتها القرآن. منهاج حياة كاملة. معجزاً في كل ناحية: معجزاً في بنائه التعبيري وتنسيقه الفني، باستقامته على خصائص واحدة، في مستوى واحد، لا يختلف ولا يتفاوت، ولا تتخلف خصائصه؛ كما هي الحال في أعمال البشر. إذ يبدو الارتفاع والانخفاض والقوة والضعف في عمل الفرد الواحد، المتغير الحالات. بينما تستقيم خصائص هذا القرآن التعبيرية على نسق واحد، ومستوى واحد، ثابت لا يتخلف، يدل على مصدره الذي لا تختلف عليه الأحوال. معجزاً في بنائه الفكري، وتناسق أجزائه وتكاملها، فلا فلتة فيه ولا مصادفة. كل توجيهاته وتشريعاته تلتقي وتتناسق وتتكامل؛ وتحيط بالحياة البشرية، وتستوعبها، وتلبيها وتدفعها، دون أن تتعارض جزئية واحدة من ذلك المنهاج الشامل الضخم مع جزئية أخرى؛ ودون أن تصطدم واحدة منها بالفطرة الإنسانية أو تقصر عن تلبيتها.. وكلها مشدودة إلى محور واحد، وإلى عروة واحدة، في اتساق لا يمكن أن تفطن إليه خبرة الإنسان المحدودة. ولا بد أن تكون هناك خبرة مطلقة، غير مقيدة بقيود الزمان والمكان. هي التي أحاطت به هذه الإحاطة، ونظمته هذا التنظيم. معجزاً في يسر مداخله إلى القلوب والنفوس، ولمس مفاتيحها، وفتح مغاليقها، واستجاشة مواضع التأثر والاستجابة فيها؛ وعلاجه لعقدها ومشكلاتها في بساطة ويسر عجيبين؛ وفي تربيتها وتصريفها وفق منهجه بأيسر اللمسات، دون تعقيد ولا التواء ولا مغالطة. لقد شاء الله أن يجعل هذا القرآن هو معجزة هذه الرسالة ـ ولم يشأ أن ينزل آية قاهرة مادية تلوي الأعناق وتخضعها وتضطرها إلى التسليم ـ ذلك أن هذه الرسالة الأخيرة رسالة مفتوحة للأمم كلها، وللأجيال كلها. وليست رسالة مغلقة على أهل زمان أو أهل مكان. فناسب أن تكون معجزتها مفتوحة كذلك للبعيد والقريب. لكل أمة ولكل جيل. والخوارق القاهرة لا تلوي إلا أعناق من يشاهدونها؛ ثم تبقى بعد ذلك قصة تروى، لا واقعاً يشهد.. فأما القرآن فها هو ذا بعد أكثر من ثلاثة عشر قرناً كتاب مفتوح ومنهج مرسوم، يستمد منه أهل هذا الزمان ما يقوم حياتهم ـ لوهدوا إلى اتخاذه إمامهم ـ ويلبي حاجاتهم كاملة؛ ويقودهم بعدها إلى عالم أفضل، وأفق أعلى، ومصير أمثل. وسيجد فيه من بعدنا كثيراً مما لم نجده نحن؛ ذلك أنه يعطي كل طالب بقدر حاجته؛ ويبقى رصيده لا ينفد، بل يتجدد. ولكن لم يكونوا يفطنون إلى هذه الحكمة الكبرى. فكانوا يعرضون عما يتنزل عليهم من هذا القرآن العظيم حيناً بعد حين: {وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين}.. ويذكر اسم الرحمن هنا للإشارة إلى عظيم رحمته بتنزيل هذا الذكر، فيبدو إعراضهم عنه مستقبحاً كريهاً؛ وهم يعرضون عن الرحمة التي تتنزل عليهم، ويرفضونها، ويحرمون أنفسهم منها، وهم أحوج ما يكونون إليها! ويعقب على هذا الإعراض عن ذكر الله ورحمته بالتهديد بعقابه وعذابه: {فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون}.. وهو تهديد مضمر مجمل مهول. وفي التعبير سخرية تناسب استهزاءهم بالوعيد. {فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون}.. ستأتيهم أخبار العذاب الذي يستهزئون به! وهم لن يتلقوا أخباراً. إنما سيذوقون العذاب ذاته، ويصبحون هم أخباراً فيه، يتناقل الناس ما حل بهم منه. ولكنهم يستهزئون فيستهزأ بهم مع التهديد المرهوب! وإنهم يطلبون آية خارقة؛ ويغفلون عن آيات الله الباهرة فيما حولهم؛ وفيها الكفاية للقلب المفتوح والحس البصير؛ وكل صفحة من صفحات هذا الكون العجيب آية تطمئن بها القلوب. {أو لم يروا إلى الأرض كم أنبتا فيها من كل زوج كريم؟ إن في ذلك لآية، وما كان أكثرهم مؤمنين}.. ومعجزة إخراج النبات الحي من الأرض، وجعله زوجاً ذكراً وأنثى، إما منفصلين كما في بعض فصائل النبات، وإما مجتمعين كما هو الغالب في عالم النبات، حيث تجتمع أعضاء التذكير وأعضاء التأنيث في عود واحد.. هذه المعجزة تتكرر في الأرض حولهم في كل لحظة: {أو لم يروا!} والأمر لا يحتاج إلى أكثر من الرؤية؟ والمنهج القرآني في التربية يربط بين القلب ومشاهد هذا الكون؛ وينبه الحس الخامد، والذهن البليد، والقلب المغلق، إلى بدائع صنع الله المبثوثة حول الإنسان في كل مكان؛ كي يرتاد هذا الكون الحي بقلب حي؛ يشاهد الله في بدائع صنعه، ويشعر به كلما وقعت عينه على بدائعه؛ ويتصل به في كل مخلوقاته؛ ويراقبه وهو شاعر بوجوده في كل لحظة من لحظات الليل والنهار. ويشعر أنه هو واحد من عباده، متصل بمخلوقاته، مرتبط بالنواميس التي تحكمهم جميعاً. وله دوره الخاص في هذا الكون، وبخاصة هذه الأرض التي استخلف فيها: {أو لم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم}.. كريم بما فيه من حياة، صادرة من الله الكريم.. واللفظ يوحي إلى النفس باستقبال صنع الله بما يليق من التكريم والحفاوة والاحتفال؛ لا بالاستهانة والغفلة والإغفال.. {إِن في ذلك لآية}. وهم يطلبون الآيات. ولكن أكثرهم لا يؤمن بهذه الآية: {وما كان أكثرهم مؤمنين}! وتنتهي مقدمة السورة بالتعقيب الذي يتكرر في السورة بعد استعراض كل آية: {وإِن ربك لهو العزيز الرحيم}.. {العزيز} القوي القادر على إبداع الآيات، وأخذ المكذبين بالعذاب {الرحيم} الذي يكشف عن آياته، فيؤمن بها من يهتدي قلبه؛ ويمهل المكذبين؛ فلا يعذبهم حتى يأتيهم نذير. وفي آيات الكون غنى ووفرة، ولكن رحمته تقتضي أن يبعث بالرسل للتبصير والتنوير. والتبشير والتحذير.

ابن عاشور

تفسير : يأتي في تفسيره من التأويلات ما سبق ذِكره في جميع الحروف المقطعة في أوائل السور في معان متماثلة. وأظهر تلك المعاني أن المقصود التعريض بإلهاب نفوس المنكرين لمعارضة بعض سور القرآن بالإتيان بمثله في بلاغته وفصاحته وتحدّيهم بذلك والتورك عليهم بعجزهم عن ذلك. وعن ابن عباس: أن {طَسم} قَسَم، وهو اسم من أسماء الله تعالى، والمقسم عليه قوله: {أية : إن نَشَأ نُنزّل عليهم من السماء آية}تفسير : [الشعراء: 4]. فقال القرظي: أقسم الله بطوله وسَنائه ومُلكه. وقيل الحروف مقتضبة من أسماء الله تعالى ذي الطَّول، القدوس، الملك. وقد علمت في أول سورة البقرة أنها حروف للتهجّي واستقصاء في التحدّي يعجزهم عن معارضة القرآن، وعليه تظهر مناسبة تعقيبه بآية {أية : تلك آيات الكتاب المبين}تفسير : [الشعراء: 2]. والجمهور قرأوا: {طَسمِّ} كلمة واحدة، وأدغموا النون من سين في الميم وقرأ حمزة بإظهار النون. وقرأ أبو جعفر حروفاً مفككة، قالوا وكذلك هي مرسومة في مصحف ابن مسعود حروفاً مفككة (ط س م). والقول في عدم مَدّ اسم (طَا) مع أن أصله مهموز الآخر لأنه لما كان قد عرض له سكون السكت حذفت همزته كما تحذف للوقف، كما تقدم في عدم مدّ (رَا) في (أية : الر) تفسير : في سورة يونس (1).

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- هذه الحروف لبيان أن القرآن المعجز للبشر ركبت كلماته منها ومن أخواتها، وهى فى طوقهم، فمن ارتاب فى أنه من عند الله فليأت بمثله، ولن يستطيع. 2- هذا الكلام الذى أوحيت به إليك آيات الكتاب الموضح لما اشتمل عليه من أحكام. 3- أشفق على نفسك - أيها النبى - أن تقتلها حزناً على عناد قومك، وعدم إيمانهم. 4- إن فى قدرتنا أن نأتيهم بمعجزة تلجئهم إلى الإيمان، فيخضعوا لأمره، ويتم ما ترجوه، ولم نأتهم بذلك لأن سنتنا تكليف الناس بالإيمان دون إلجاء، كى لا تفوت الحكمة فى الابتلاء، وما وراءه من ثواب وعقاب.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: طسۤمۤ: الله أعلم بمراده بذلك. الكتاب المبين: أي القرآن المبين للحق من الباطل. باخع نفسك: أي قاتلها من الغم. ألا يكونوا مؤمنين: أي من أجل عدم إيمانهم بك. آية: أي نخوفهم بها. من ذكر: أي من قرآن. معرضين: أي غير ملتفتين إليه. زوج كريم: أي صنف حسن. العزيز: الغالب على أمره ومراده. الرحيم: بالمؤمنين من عباده. معنى الآيات: طسۤمۤ هذه أحد الحروف المقطعة تكتب طسم، وتقرأ طا سين ميم بإدغام النون من سين في الميم الأولى من ميم والله أعلم بمراده منها، وفيها إشارة إلى أن القرآن مؤلف من مثل هذه الحروف وعجز العرب عن تأليف مثله بل سورة واحدة من مثله دال قطعاً على أنه كلام الله ووحيه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم. وقوله {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ} أي الآيات المؤلفة من مثل هذه الحروف هي آيات الكتاب أي القرآن {ٱلْمُبِينِ} أي المبين للحق من الباطل والهدى من الضلال، والشرائع والأحكام. وقوله تعالى {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ} أي قاتلها ومهلكها {أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} أي إن لم يؤمن بك وبما جئت به قومك، فأشفق على نفسك يا رسولنا ولا تعرضها للغم القاتل فإنه ليس عليك هدايتهم وإنما عليك البلاغ وقد بلغت، إنا لو أردنا هدايتهم بالقسر والقهر لما عجزنا عن ذلك {إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} أي إنا لقادرون على أن ننزل عليهم من السماء آية كرفع جبل أو إنزال كوكب أو رؤية ملك فظلت أي فتظل طوال النهار أعناقهم خاضعة، تحتها تتوقع في كل لحظة نزولها عليهم فتهلكهم فيؤمنوا حينئذ إيمان قسر وإكراه ومثله لا ينفع صاحبه فلا يزكي نفسه ولا يطهر روحه لأنه غير إرادي له ولا اختياري. وقوله تعالى {وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ مُحْدَثٍ} أي وما يأتي قومك المكذبين لك من موعظة قرآنية وحجج وبراهين تنزيلية تدل على صدقك وصحة دعوتك ممَّا يحدثه الله إليك ويوحي به إليك لتذكرهم به إلا أعرضوا فلا يستمعون إليه ولا يفكرون فيه. وقوله تعالى: {فَقَدْ كَذَّبُواْ} يخبر تعالى رسوله بأن قومه قد كذبوا بما أتاهم من ربهم من ذكر محدث وعليه {فَسَيَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ} أي أخبار {مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} وهو عذاب الله تعالى الذي كذبوا برسوله ووحيه وجحدوا توحيده وأنكروا طاعته وفي الآية وعيد شديد وهم عرضة له في أية لحظة إن لم يتوبوا. وقوله تعالى {أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى ٱلأَرْضِ كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} إن كانت علة هذا التكذيب من هؤلاء المشركين هي إنكارهم للبعث والجزاء وهو كذلك فلم لا ينظرون إلى الأرض الميتة بالقحط ينزل الله تعالى عليها ماء من السماء فتحيا به بعد موتها فينبت الله فيها من كل زوج أي صنف من أصناف النباتات كريم أي حسن. أليس في ذلك آية على قدرة الله تعالى على إحياء الموتى وبعثهم من قبورهم وحشرهم للحساب والجزاء، فلم لا ينظرون؟ {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً} أي علامة واضحة للمشركين على صحة البعث والجزاء. ففي إحياء الأرض بعد موتها دليل على إحياء الناس بعد موتهم. وقوله تعالى {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ} يخبر تعالى أنَّ فيما ذكر من إنباته أصناف النباتات الحسنة آية على البعث والحياة الثانية ولكن قضى الله أزلاً أن أكثر هؤلاء المشركين لا يؤمنون وقوله {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ} يقول تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} أي الغالب على أمره المنتقم من أعدائه {ٱلرَّحِيمُ} بأوليائه فاصبر لحكمه وتوكل عليه وواصل دعوتك في غير غم ولا هم ولا حزن وإن العاقبة لك وللمؤمنين بك المتبعين لك. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان أن القرآن الكريم معجز لأنه مؤلف من مثل طا سين ميم ولم يستطع أحد أن يؤلف مثله. 2- بيان ما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يناله من الغم والحزن وتكذيب قومه له. 3- بيان أن إيمان المكره لا ينفعه، ولذا لم يكره الله تعالى الكفار على الإِيمان بواسطة الآيات. 4- التحذير من عاقبة التكذيب بآيات الله وعدم الاكتراث بها. 5- في إحياء الأرض بالماء وإنبات النباتات المختلفة فيها دليل على البعث الآخر.

القطان

تفسير : باخع نفسك: مهلكها من شدة الحزن. اعناقهم: رقابهم، والمراد بها هنا الجماعات. من ذِكر: من موعظة. من كل زوج: من كل صنف. طسم: تقرأ هكذا طا. سين. ميم. وتقدم الكلام على هذه الحروف، وهي لبيان ان القرآن المعجِز للبشر رُكّبت كلماته منها ومن أخواتها، فمن ارتاب في ان هذا القرآن من عند الله فليأتِ بمثله، ولن يستطيع. {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} ان هذا الكلام الذي أوحيتُ به اليك يا محمد هو آياتُ القرآن البيّن الواضح الذي يفصل بين الحق والباطل. {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} لعلّك أيها الرسول ستقتل نفسك ان لم يؤمن قومُك برسالتك، هوِّنْ عليك فإن الله سينصرك. ومثله قوله تعالى: {أية : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً}تفسير : [الكهف:6]. {إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} ان في قدرتنا أن نأتيَهم بمعجزة تُلجئهم إلى الإيمان وتجبرهم عليه، فيخضعون. ويتم ما نرجوه. {وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهُ مُعْرِضِينَ} وما يجدد الله لقومك من موعظةٍ وتذكيرٍ إلا جدّدوا إعراضا وتكذيبا واستهزاء. {فَقَدْ كَذَّبُواْ فَسَيَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} لقد كذّبوا بما جئتهم به من الحق فاصبر عليهم، فسيَرَوْن عاقبةَ استهزائهم، وسيحلّ بهم عاجلُ العذاب وآجله في الدنيا والآخرة. وبعد ان بيّن إعراضهم عن الآيات المنزلة من عند ربهم - ذكر أنهم أعرضوا عما يشاهدونه من آياتٍ باهرة فقال: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى ٱلأَرْضِ كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ}؟ كيف اجترأوا على مخالفة الرسول وتكذيب كتابة!! أوَلَم ينظروا ويتأملوا في عجائب قدرته تعالى وخلقِه هذه الأصنافَ التي تسترعي الأنظار، وتبهر الناظرين!. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ} ان في هذا وأمثاله لمعجزةً عظيمة وعبرةً جليلة ودليلاً على وجود الخالق القدير، ولكنّهم لم يُعمِلوا عقولَهم في النظر في هذا الكون البديع، فما آمنَ أكثرهم، وظلّوا جاحدين. ثم بشّر الله رسولَه بالنصر والتأييد وغلبتِه لأعدائه وإظهاره عليهم فقال: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ} ان ربك أيها الرسول لقويٌّ قادر على كل ما يريد، وهو ذو الرحمة الواسعة، فلا يعجِّلُ بعقاب من عصاه، وهو المتفضّل بالرحمة على المؤمنين.

د. أسعد حومد

تفسير : {طَا} {سِينْ} {مِيم} (1) - وهيَ تُقْرَأُ مُقَطَّعةً، كلُّ حرفٍ على حِدَة - اللهُ أعلمُ بِمُرادِهِ.

الثعلبي

تفسير : {طسۤمۤ} اختلف القرّاء فيها وفي أُختَيها فكسر الطاء فيهن على الإمالة حمزة والكسائي وخلف وعاصم في بعض الروايات. وقرأ أهل المدينة بين الكسر والفتح وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم وقرأ غيرهم بالفتح على التضخيم، وأظهر النون في السين ههنا وفي سورة القصص أبو جعفر وحمزة للتبيين والتمكين، وأخفاها الآخرون لمجاورتها حروف الفم. وأمّا تأويلها فروى الوالبي عن ابن عباس قال: طسم قسم وهو من اسماء الله سبحانه، عكرمة عنه: عجزت العلماء عن علم تفسيرها. مجاهد: اسم السورة. قتادة وأبو روق: اسم من أسماء القرآن أقسم الله عزّ وجلّ به، القرظي أقسم الله سبحانه بطَوله وسنائه وملكه. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حنش قال: حدّثني أحمد بن عبيد الله بن يحيى الدارمي قال: حدّثني محمد بن عبده المصّيصي قال: حدّثنا إبراهيم بن محمد بن يوسف الفريابي قال: حدّثنا محمد بن بشر الرقّي قال: حدّثنا أبو عمر حفص بن ميسرة عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن محمد بن الحنفية عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية طسم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الطاء طور سيناء والسين الاسكندرية والميم مكة ". تفسير : وقال جعفر الصادق (عليه السلام): الطاء طوبى والسين سدرة المنتهى والميم محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم {تِلْكَ آيَاتُ} أي هذه آيات {ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ * لَعَلَّكَ بَاخِعٌ} قاتلٌ {نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} وذلك حين كذّبه أهل مكة فشق ذلك عليه فأنزل الله سبحانه هذه الآية، نظيرها في الكهف. {إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} ذليلين قال: لو شاء الله سبحانه لأنزل عليهم آية يذلّون بها فلا يلوي أحد منهم عنقه إلى معصية الله عزَّ وجل، ابن جريج: لو شاء لأراهم أمراً من أمره لا يعمل أحد منهم بمعصية. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حبّان قال: حدّثنا إسحاق بن محمد قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا إبراهيم بن عيسى قال: حدّثنا علي بن علي قال: حدّثني أبو حمزة الثمالي في هذه الآية قال: بلغنا والله أعلم أنّها صوت يسمع من السماء في النصف من شهر رمضان يخرج له العواتق من البيوت. وبه عن أبي حمزة قال: حدّثني الكلبي عن أبي صالح مولى أم هاني أنّ عبد الله بن عباس حدّثه قال: نزلت هذه الآية فينا وفي بني أُمّية قال: سيكون لنا عليهم الدولة فتذلّ لنا أعناقهم بعد صعوبة، وهوان بعد عزة. وأمّا قوله سبحانه {خَاضِعِينَ} ولم يقل خاضعة وهي صفة الأعناق ففيه وجوه صحيحة من التأويل: أحدها: فظل أصحاب الأعناق لها خاضعين فحذف الأصحاب وأقام الأعناق مقامهم لأنّ الأعناق إذا خضعت فأربابها خاضعون، فجعل الفعل أوّلاً للأعناق ثم جعل خاضعين للرجال، كقول الشاعر: شعر : على قبضة مرجودة ظهر كفّه فلا المرء مستحي ولا هو طاعم تفسير : فأنّث فعل الظهر لأنّ الكفّ تجمع الظهر وتكفى منه كما أنّك مكتف بأن تقول: خضعت للأمر أن تقول: خضعتْ لك رقبتي، ويقول العرب: كلّ ذي عين ناظر إليك وناظرة إليك لأنّ قولك: نظرتْ إليك عيني ونظرتُ بمعنى واحد، وهذا شائع في كلام العرب أن يترك الخبر عن الأول ويعمد الى الآخر فيجعل له الخبر كقول الراجز: شعر : طول الليالي أسرعت في نقضي طوين طولي وطوين عرضي تفسير : فأخبر عن الليالي وترك الطول، قال جرير: شعر : أرى مرّ السنين أخذن منّي كما أخذ السرار من الهلال تفسير : وقال الفرزدق: شعر : نرى أرماحهم متقلّديها إذا صدئ الحديد على الكماة تفسير : فلم يجعل الخبر للأرماح وردّه الى هم لكناية القوم وإنما جاز ذلك لأنه لو أسقط من وطول والأرماح من الكلام لم يفسد سقوطها معنى الكلام، فكذلك رد الفعل الى الكناية في قوله أعناقهم؛ لأنه لو أسقط الأعناق لما فسد الكلام ولأدّى ما بقى من الكلام عنها وكان فظلوا خاضعين لها واعتمد الفرّاء وأبو عبيد على هذا القول. وقال قوم: ذكر الصفة لمجاورتها المذكر وهو قوله هم، على عادة العرب في تذكير المؤنث إذا أضافوه الى مذكر، وتأنيث المذكر إذا أضافوه الى مؤنّث، كقول الأعشى: شعر : وتشرق بالقول الذي قد أذعته كما شرقت صدر القناة من الدم تفسير : وقال العجاج: لما رأى متن السماء ابعدت. وقيل: لما كان الخضوع وهو المتعارف من بني آدم أخرج الأعناق مخرج بني آدم كقوله {أية : وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ}تفسير : [يوسف: 4] وقوله سبحانه {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ}تفسير : [النمل: 18] ومنه قول الشاعر: شعر : تمززتها والديك يدعو صباحه إذا ما بنو نعش دنوا فتصوّبُوا تفسير : وقيل: إنما قال خاضعين فعبّر بالأعناق عن جميع الأبدان، والعرب تعبّر ببعض الشئ عن كله كقوله {أية : ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ}تفسير : [الحج: 10] وقوله {أية : أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ}تفسير : [الإسراء: 13] ونحوهما. قال مجاهد: أراد بالاعناق ههنا الرؤساء والكبراء، وقيل: أراد بالأعناق الجماعات والطوائف من الناس، يقال: جاء القوم عنقاً أي طوائف وعصباً كقول الشاعر: شعر : انَّ العراق وأهله عنق إِليك فهيت هيتا تفسير : وقرأابن أبي عبلة: فظلّت أعناقهم لها خاضعة. {وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ} أي وعظ وتذكير {مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ مُحْدَثٍ} في الوحي والتنزيل {إِلاَّ كَانُواْ عَنْهُ مُعْرِضِينَ * فَقَدْ كَذَّبُواْ فَسَيَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ} أخبار وعواقب وجزاء {مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} وهذا وعيد لهم {أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى ٱلأَرْضِ كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ} لون وصنف من النبات ممّا يأكل الناس والأنعام {كَرِيمٍ} حسن يكرم على الناس، يقال: نخلة كريمة إذا طاب حملها وناقة كريمة إذا كثر لبنها. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف قال: حدّثنا الحسن بن محمد بن بختويه قال: حدّثنا عمرو بن ثور وإبراهيم بن أبي يوسف قالا: حدّثنا محمد بن يوسف الغزالي قال: حدّثنا سفيان عن رجل عن الشعبي في قوله {أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} قال: الناس من نبات الأرض فمن دخل الجنّة فهو كريم، ومن دخل النار فهو لئيم. {إِنَّ فِي ذَلِكَ} الذي ذكرت {لآيَةً} لَدلالة على وجودي وتوحيدي وكمال قدرتي وحكمتي {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ} لما سبق من علمي فيهم، قال سيبويه: {كَانَ} ههنا صلة،مجازه: وما أكثرهم مؤمنين {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} بالنقمة من أعدائه {ٱلرَّحِيمُ} ذو الرحمة بأوليائه.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : سبق أن تكلمنا عن الحروف المقطعة في أوائل السور، وقلنا فَرْق بين اسم الحرف ومُسمّى الحرف، مُسمّى الباء مثلاً: بَا أو بُو أو بِي أو إبْ في حالة السكون، إنما اسمها: باءٌ مفتوحة، أو مضمومة، أو ساكنة، لكن حين تنطق هذا الحرف في كَتَب - مثلاً - تقول: كَتَبَ فتنطق مُسمَّى الحرف لا اسمه. وقُلْنا: في هذه المسألة معانٍ كثيرة، أيسرها: أن القرآن، وهو كلام الله المعجز مُنزَّل من حروف مثل حروفكم التي تتكلمون بها، وكلمات مثل التي في لغتكم، لكن ما الذي جعله متميزاً بالإعجاز عن كلامكم؟ نقول: لأنه كلام الله، هذا هو الفَرْق، أمّا الحروف فواحدة. ولو تأملتَ لوجدتَ أن الحروف المقطعة في أوائل السور مجموعها أربعة عشر حرفاً، هي نصف الحروف الهجائية، مرة يأتي حرف واحد، ومرة حرفان، ومرة ثلاثة أحرف، ومرة أربعة أحرف، ومرة خمسة أحرف. وهذا يدُّلنا على أن القرآن مُعْجِز، مع أنه بنفس حروفكم، وبنفس كلماتكم. وسبق أن ضربنا لتوضيح هذه المسألة مثلاً: هَبْ أنك أردت أن تختبر جماعة في إجادة النسج مثلاً، فأعطيت أحدهم صوفاً، وللثاني حريراً، وللثالث قطناً، وللرابع كتاناً، فهل تستطيع أن تحكم على دِقَّة نَسْج كل منهم وأيهما أرقّ وأجمل؟ بالطبع لا تستطيع؛ لأن الحرير أنعم وأرقّ من القطن، والقطن أرقّ من الصوف، والصوف أرقّ من الكتان، فإنْ أردتَ تمييز الدقة والمهارة في هذه الصنعة فعليك أنْ تُوحِّد النوع. إذن: سِرّ الإعجاز في القرآن أن تكون مادته ومادة غيره من الكلام واحدة، حروفاً وكلمات؛ لذلك كثيراً ما يقول الحق - تبارك وتعالى - بعد الحروف المقطعة: {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ...}.

الصابوني

تفسير : اللغَة: {بَاخِعٌ} مهلك وقاتل وأصل البخع: أن يبلغ بالمذبوح البخاع وهو الخرم النافذ في ثقب الفقرات وهو أقصى حدِّ الذبح {فَعْلَتَكَ} الفَعْلة بفتح الفاء المرة من الفعل {تَلْقَفُ} تبتلع {يَأْفِكُونَ} من الإِفك وهو الكذب {لاَ ضَيْرَ} لا ضرر، والضرُّ والضير بمعنى واحد قال الجوهري: ضارة يضوره ضيْراً أي ضرَّه قال الشاعر: شعر : فإِنك لا يضورك بعد حولٍ أظبيٌ كان أمك أم حمار تفسير : {مُنقَلِبُونَ} راجعون {مِّنْ خِلاَفٍ} أي يخالف بين الأعضاء فيقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى. التفسِير: {طسۤمۤ} إشارة إلى إعجاز القرآن الكريم وأنه مركب من أمثال هذه الحروف الهجائية {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} أي هذه آيات القرآن الواضح الجلي، الظاهر إعجازه لمن تأمله {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} أي لعلك يا محمد مهلكٌ نفسك لعدم إِيمان هؤلاء الكفار، فيه تسلية للرسول عليه السلام حتى لا يحزن ولا يتأثر على عدم إيمانهم {إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً} أي لو شئنا لأنزلنا آية من السماء تضطرهم إلى الإِيمان قهراً {فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} أي فتظل أعناقهم منقادةً خاضعة للإِيمان قسراً وقهراً، ولكنْ لا نفعل لأنا نريد أن يكون الإِيمان اختياراً لا اضطراراً قال الصاوي: المعنى لا تحزن على عدم إيمانهم فلو شئنا إيمانهم لأنزلنا معجزة تأخذ بقلوبهم فيؤمنون قهراً عليهم، ولكنْ سبق في علمنا شقاؤهم فأرحْ نفسك من التعب {وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ} أي ما يأتي هؤلاء الكفار شيء من القرآن أو الوحي منزلٍ من عند الرحمن {مُحْدَثٍ} أي جديد في النزول، ينزل وقتاً بعد وقت {إِلاَّ كَانُواْ عَنْهُ مُعْرِضِينَ} أي إلاّ كذبوا به واستهزءوا ولم يتأملوا بما فيه من المواعظ والعِبَر {فَقَدْ كَذَّبُواْ فَسَيَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} أي فقد بلغوا النهاية في الإِعراض والتكذيب فسوف يأتيهم عاقبة ما كذبوا واستهزءوا به، ثم نبّه تعالى على عظمة سلطانه، وجلالة قدره في مخلوقاته ومصنوعاته، الدالة على وحدانيته وكمال قدرته فقال {أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى ٱلأَرْضِ كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} أي أولم ينظروا إلى عجائب الأرض كم أخرجنا فيها من كل صنفٍ حسنٍ محمود، كثير الخير والمنفعة؟ والاستفهام للتوبيخ على تركهم الاعتبار {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً} أي إِنَّ في ذلك الإِنبات لآيةً باهرة تدل على وحدانية الله وقدرته {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ} أي وما كان أكثرهم يؤمن في علم الله تعالى، فمع ظهور الدلائل الساطعة يستمر أكثرهم على كفرهم {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ} أي هو سبحانه الغالب القاهر، القادر على الانتقام ممن عصاه، الرحيم بخلقه حيث أمهلهم ولم يعجّل لهم العقوبة مع قدرته عليهم قال أبو العالية: العزيز في نقمته ممن خالف أمره وعبَد غيره، الرحيم بمن تاب إليه وأناب وقال الفخر الرازي: إنما قدم ذكر {ٱلْعَزِيزُ} على {ٱلرَّحِيمُ} لأنه ربما قيل: إنه رحمهم لعجزه عن عقوبتهم، فأزال هذا الوهم بذكر العزيز وهو الغالب القاهر، ومع ذلك فإِنه رحيم بعباده، فإِن الرحمة إذا كانت مع القدرة الكاملة كانت أعظم وقعاً {وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ} أي واذكر يا محمد لأولئك المعرضين المكذبين من قومك حين نادى ربك نبيَّه موسى من جانب الطور الأيمن آمراً له أن يذهب إلى فرعون وملئه {أَنِ ٱئْتِ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} أي بأن أئت هؤلاء الظالمين الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي، واستعباد الضعفاء من بني إسرائيل {قَوْمَ فِرْعَوْنَ} أي هم قوم فرعون، وهو عطف بيان كأن القوم الظالمين وقوم فرعون شيء واحد {أَلا يَتَّقُونَ}؟ أي ألا يخافون عقاب الله؟ وفيه تعجيب من غلوهم في الظلم وإِفراطهم في العدوان {قَالَ رَبِّ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ} أي قال موسى يا ربّ إني أخاف أن يكذبوني في أمر الرسالة {وَيَضِيقُ صَدْرِي} أي ويضيق صدري من تكذيبهم أياي {وَلاَ يَنطَلِقُ لِسَانِي} أي ولا ينطلق لساني بأداء الرسالة على الوجه الكامل {فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَارُونَ} أي فأرسلْ إلى هارون ليعينني على تبليغ رسالتك قال المفسرون: التمس موسى العذر بطلب المعين بثلاثة أعذار كلُّ واحدٍ منها مرتب على ما قبله وهي: خوف التكذيب، وضيق الصدر، وعدم انطلاق اللسان، فالتكذيبُ سببٌ لضيق القلب، وضيقُ القلب سببٌ لتعسر الكلام، وبالأخص على من كان في لسانه حُبْسه كما في قوله {أية : وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُواْ قَوْلِي} تفسير : [طه: 27-28] ثم زاد اعتذاراً آخر بقوله {وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ} أي ولفرعون وقومه عليَّ دعوى ذنب وهو أني قتلت منهم قبطياً فأخاف أن يقتلوني به {قَالَ كَلاَّ} أي قال الله تعالى له: كلاّ لن يقتلوك قال القرطبي: وهو ردعٌ وزجر عن هذا الظن، وأمرٌ بالثقة بالله تعالى أي ثقْ بالله وانزجر عن خوفك منهم فإِنهم لا يقدرون على قتلك {فَٱذْهَبَا بِآيَاتِنَآ} أي اذهب أنت وهارون بالبراهين والمعجزات الباهرة {إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ} أي فأنا معكما بالعون والنصرة أسمع ما تقولان وما يجيبكما به، وصيغةُ الجمع "معكم" أريد به التثنية فكأنهما لشرفهما عند الله عاملهما في الخطاب معاملة الجمع تشريفاً لهما وتعظيماً {فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} أي فائتيا فرعو الطاغية وقولا له: إنا مرسلان من عند رب العالمين إليك لندعوك إلى الهدى {أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} أي أطلقْ بني إسرائيل من إسارك واستعبادك وخلِّ سبيلهم حتى يذهبوا معنا إلى الشام {قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً} في الكلام حذف يدل عليه المعنى تقديره: فأتياه فبلغاه الرسالة فقال فرعون لموسى عندئذٍ: ألم نربك في منازلنا صبياً صغيراً؟ قصد فرعون بهذا الكلام المنَّ على موسى والاحتقار له كأنه يقول: ألست أنت الذي ربيناك صغيراً وأحسنّا إليك فمتى كان هذا الأمر الذي تدّعيه؟ {وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ} أي ومكثت بين ظهرانينا سنين عديدة نحسن إليك ونرعاك؟ قال مقاتل: ثلاثين سنة {وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلْتَ} أي فجازيتنا على أن ربيناك أن كفرت نعمتنا وقتلتَ منا نفساً؟ والتعبيرُ بالفعلة لتهويل الواقعة وتعظيم الأمر، ومرادُه قتل القبطي {وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ} أي وأنت من الجاحدين لإِنعامنا الكافرين بإِحساننا قال ابن عباس: من الكافرين لنعمتي إذ لم يكن فرعون يعلم ما الكفر {قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ} أي قال موسى: فعلتُ تلك الفعلة وأنا من المخطئين لأنني لم أتعمد قتله ولكنْ أردت تأديبه، ولم يقصد عليه السلام الضلال عن الهدى لأنه معصوم منذ الصغر وقال ابن عباس: {وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ} أي الجاهلين {فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ} أي فهربتُ إلى أرض مدين حين خفت على نفسي أن تقتلوني وتؤاخذوني بما لا أستحقه {فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً} أي فأعطاني الله النبوة والحكمة {وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} أي واختارني رسولاً إليك، فإِن آمنتَ سلمتَ، وإِن جحدتَ هلكتَ {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ} أي كيف تمنُّ عليَّ بإِحسانك إليِّ وقد استعبدتَ قومي؟ فما تعدُّه نعمة ما هو إلاّ نقمة قال ابن كثير: المعنى ما أحسنتَ إليَّ وربيتني مقابل ما أسأتَ إلى بني إسرائيل فجعلتهم عبيداً وخدماً، أفيفي إحسانك إلى رجل واحد منهم بما أسأت إلى مجموعهم؟ وقال الطبري: أي أتمنُّ عليَّ أن اتخذت بني إسرائيل عبيداً؟ {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} أي قال فرعون متعالياً متكبراً: من هو هذا الذي تزعم أنه ربُّ العالمين؟ هل هناك إلهٌ غيري؟ لأنه كان يجحد الصانع ويقول لقومه {أية : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي} تفسير : [القصص: 38] {قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ} أي قال موسى: هو خالق السماواتِ والأرض، والمتصرف فيهما بالإِحياء والإِعدام، وهو الذي خلق الأشياء كلها من بحار وقفار، وجبالٍ وأشجار، ونباتٍ وثمار، وغير ذلك من المخلوقات البديعة {إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ} أي إن كانت لكم قلوب موقنة، وأبصارٌ نافذة، فهذا أمر ظاهر جلي {قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ} أي قال فرعون لمن حوله من أشراف قومه على سبيل التهكم والاستهزاء: ألا تسمعون جوابه وتعجبون من أمره؟ أسأله عن حقيقة الله فيجيبني عن صفاته، فأجاب موسى وزاد في البيان والحجة {قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ} أي هو خالقكم وخالق آبائكم الذين كانوا قبلكم، فوجودكم دليل على وجود القادر الحكيم، عدلٌ عن التعريف العام إلى التعريف الخاص لأنَّ دليل الأنفس أقرب من دليل الآفاق، وأوضح عند التأمل {أية : وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} تفسير : [الذاريات: 21] فعند ذلك غضب فرعون ونسب موسى إلى الجنون {قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} سمَّاه رسولاً استهزاءً وأضافه إلى المخاطبين استنكافاً من نسبته له أي إن هذا الرسول لمجنون لا عقل له، أسأله عن شيء فيجيبني عن شيء، فلم يحفل موسى بسخرية فرعون وعاد إلى تأكيد الحجة بتعريفٍ ثالث أوضح من الثاني {قَالَ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} أي هو تعالى الذي يطلع الشمس من المشرق ويجعلها تغرب من المغرب، وهذا مشاهد كل يوم يبصره العاقل والجاهل ولهذا قال {إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} أي إن كان لكم عقول أدركتم أن هذا لا يقدر عليه إلا ربُّ العالمين، وهذا من أبلغ الحجج التي تقصم ظهر الباطل كقول إبراهيم في مناظرة النمروذ {أية : قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَ} تفسير : [البقرة: 258] ولما انقطع فرعون وأُبلس في الحجة رجع إِلى الاستعلاء متوعداً بالبطش والعنف {قَالَ لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ} أي لئن اتخذت رباً غيري لألقينك في غياهب السجن قال المفسرون: وكان سجنه شديداً يحبس الشخص في مكان تحت الأرض وحده لا يبصر ولا يسمع فيه أحداً حتى يموت ولهذا لم يقل "لأسجننَّك" وإِنما قال لأجعلنك من المسجونين لأن سجنه كان أشدَّ من القتل قال في التسهيل: لما أظهر فرعونُ الجهل بالله فقال {وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} أجابه موسى بقوله {رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} فقال {أَلاَ تَسْتَمِعُونَ}؟ تعجباً من جوابه، فزاد موسى في إقامة الحجة بقوله {رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ} لأن وجود الإِنسان وآبائه أظهرُ الأدلة عند العقلاء، وأعظم البراهين، فإِن أنفسهم أقرب الأشياء إليهم فيستدلون بها وجود خالقهم، فلما ظهرت هذه الحجة حاد فرعون عنها ونسب موسى إلى الجنون مغالطةً منه، وأيّده بالازدراء والتهكم في قوله {إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} فزاد موسى في إقامة الحجة بقوله {قَالَ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ} لأن طلوع الشمس وغروبها آية ظاهرة لا يمكن أحداً جحدها ولا أن يدعيها لغير الله، فلما انقطع فرعون بالحجة رجع إلى الاستعلاء والتغلب فهدَّده بالسجن، فأقام موسى عليه الحجة بالمعجزة وذكرها له بتلطف طمعاً في إِيمانه {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ} أي أتسجنني ولو جئتك بأمرٍ ظاهرٍ، وبرهان قاطع تعرف به صدقى؟ {قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} أي فائت بما تقول إن كنت صادقاً في دعواك {فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ} أي رمى موسى عصاه فإِذا هي حية عظيمة في غاية الجلاء والوضوح، ذات قوائم وفم كبير وشكل هائل مزعج {وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ} أي وأخرج يده من جيبه فإِذا هي تتلألأ كالشمس الساطعة، لها شعاع يكادُ يعشي الأبصار ويسدُّ الأفق {قَالَ لِلْمَلإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ} أي قال فرعون لأشراف قومه الذين كانوا حوله: إن هذا لساحرٌ عظيم بارعٌ في فنِّ السحر.. أراد أن يُعمِّي على قومه تلك المعجزة برميه بالسحر خشية أن يتأثروا بما رأوا {يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ} أي يريد أن يستولي على بلادكم بسحره العظيم {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} أي فبأي شيء تأمروني وبما تشيرون عليَّ أن أصنع به؟ لما رأى فرعون تلك الآيات الباهرة خاف على قومه أن يتبعوه، فتنزَّل إلى مشاورتهم بعد أن كان مستبدأ بالرأي والتدبير {قَالُوۤاْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ} أي أخِّرْ أمرهما {وَٱبْعَثْ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ} أي وأرسل في أطراف مملكتك من يجمع لك السحرة من كل مكان {يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ} أي يجيئوك بكل ساحر ماهرٍ، عليم بضروب السحر قال ابن كثير: وكان هذا من تسخير الله تعالى ليجتمع الناس في صعيد واحد، وتظهر آيات الله وحججه وبراهينه على الناس في النهار جهرة {فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ} أي فاجتمع السحرة للموعد المحدَّد وهو وقت الضحى من يوم الزينة، وهو الوقت الذي حدَّده موسى، ليظهر الحق ويزهق الباطل على رءوس الأشهاد كما قال تعالى {أية : قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى} تفسير : [طه: 59] {وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُمْ مُّجْتَمِعُونَ * لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ ٱلسَّحَرَةَ إِن كَانُواْ هُمُ ٱلْغَالِبِينَ} أي قيل للناس: بادروا إلى الإِجتماع لكي نتبع السحرة في دينهم إن غلبوا موسى {فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَالِبِينَ} أي إن غلبنا بسحرنا موسى فهل تكرمنا بالمال والأجر الجزيل؟ {قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَّمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ} أي قال لهم فرعون: نعم أعطيكم ما تريدون وأجعلكم من المقربين عندي ومن خاصة جلسائي {قَالَ لَهُمْ مُّوسَىٰ أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ} في الكلام إيجاز دلَّ عليه السياق تقديره: فقالوا لموسى عند ذلك إمَّا أن تُلقي وإِما أن نكون نحن الملقين كما ذكر في الأعراف فأجابهم موسى بقوله {أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ} أي ابدءوا بإِلقاء ما تريدون فأنا لا أخشاكم، قاله ثقةً بنصرة الله له وتوسلاً لإِظهار الحقِّ {فَأَلْقَوْاْ حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرْعَونَ إِنَّا لَنَحْنُ ٱلْغَالِبُونَ} أي فألقوا ما بأيديهم من الحبال والعصي وقالوا عند الإِلقاء نقسم بعظمة فرعون وسلطانه إنّا نحن الغالبون لموسى {فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ} أي فألقى موسى العصى فانقلبت حية عظيمة فإِذا هي تبتلع وتزدرد الحبال والعصيّ التي اختلقوها باسم السحر حيث خيلوها للناس حياتٍ تسعى، وسمّى تلك الأشياء إفكاً مبالغةً {فَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَاجِدِينَ} أي سجدوا للهِ رب العالمين، بعدما شاهدوا البرهان الساطع، والمعجزة الباهرة {قَالُواْ آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ} أي وقالوا عند سجودهم آمنا بالله العزيز الكبير الذي يدعونا إليه موسى وهارون قال الطبري: لما تبيّن للسحرة أن الذي جاءهم به موسى حقٌّ لا سحر، وأنه مما لا يقدر عليه غيرُ الله الذي فطر السماوات والأرض، خرّوا لوجوههم سجداً لله مذعنين له بالطاعة قائلين: آمنا برب العالمين الذي دعانا موسى لعبادته، دون فرعون وملئه {قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ} أي قال فرعون للسحرة: آمنتم لموسى قبل أن تستأذنوني؟ {إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ} أي إنه رئيسكم الذي تعلمتم منه السحر وتواطأتم معه ليظهر أمره، أراد فرعون بهذا الكلام التلبيس على قومه لئلا يعتقدوا أن السحرة آمنوا عن بصيرة وظهور حق قال ابن كثير: وهذه مكابرة يعلم كل أحدٍ بطلانها، فإِنهم لم يجتمعوا بموسى قبل ذلك اليوم، فكيف يكون كبيرهم الذي أفادهم صناعة السحر؟ هذا لا يقوله عاقل، ثم توعَّدهم بقوله {فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} أي سوف تعلمون عند عقابي وبال ما صنعتم من الإِيمان به {لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ} أي لأقطعنَّ يد كل واحد منكم اليمنى ورجله اليسرى {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ} أي ولأصلبنَّ كل واحد منكم على جذع شجرة وأتركه حتى الموت {قَالُواْ لاَ ضَيْرَ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ} أي لا ضرر علينا في وقوع ما أوعدتنا به، ولا نبالي به لأننا نرجع إلى ربنا مؤملين غفرانه {إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَآ} أي إنا نرجو أن يغفر لنا الله ذنوبنا التي سلفت منا قبل إيماننا به فلا يعاقبنا بها {أَن كُنَّآ أَوَّلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي بسبب أن بادرنا قومنا إلى الإِيمان وكنا أول من آمن بموسى. البَلاَغَة: تضمنت الآيات وجوهاً من البلاغة والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الكناية اللطيفة {فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} كنّى به عن الذل والهوان الذي يلحقهم بعد العز والكبرياء. 2- الوعيد والتهديد {فَسَيَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}. 3- التوبيخ {أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى ٱلأَرْضِ} الاستفهام للتوبيخ على تركهم النظر بعين الاعتبار. 4- المقابلة اللطيفة بين {وَيَضِيقُ صَدْرِي} {وَلاَ يَنطَلِقُ لِسَانِي}. 5- جناس الاشتقاق {رَسُولُ.. أَرْسِلْ}. 6- الجناس الناقص {وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ} فقد اتفقت الحروف بين (فعلتَ وبين فعْلة) واختلف الشكل فأصبح جناساً غير تام. 7-الإِيجاز بالحذف {قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً} دلَّ على هذا الحذف السياق تقديره فأتيا فرعون فقالا له ذلك فقال لموسى {أَلَمْ نُرَبِّكَ} وكذلك هناك إيجاز في {فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَارُونَ} قال الزمخشري: أصلُه أرسلْ جبريل إلى هارون واجعله نبياً وآزرني به واشدد به عضدي فأحسن في الاختصار غاية الإِحسان. 8- صيغة التعجيب {أَلاَ تَسْتَمِعُونَ}. 9- التأكيد بإِنَّ واللام لأن السامع متشكك ومتردد {إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} ومثله قول السحرة في بدء المناظرة {إِنَّا لَنَحْنُ ٱلْغَالِبُونَ} وهذا من خصائص علم البيان. 10- الطباق بين {ٱلْمَشْرِقِ.. وَٱلْمَغْرِبِ} ثم توافق الفواصل وهو من السجع البديع. لطيفَة: إن قيل كيف قال موسى في بدء مناظرته لفرعون وقومه {إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ} ثم قال آخراً {إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} فالجواب أنه تلطَّف ولاين أولاً طمعاً في إِيمانهم، فلما رأى منهم العناد والمغالطة وبخهم بقوله {إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} وجعل ذلك في مقابلة قول فرعون {إِنَّ رَسُولَكُمُ.. لَمَجْنُونٌ} فسلك موسى طريق الحكمة.

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * طسۤمۤ * تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} هذه السورة مكية كلها في قول الجمهور إلا أربع آيات من والشعراء إلى آخر السورة ومناسبة أولها لآخر ما قبلها أنه لما قال تعالى فقد كذبتم فسوف يكون لزاماً ذكر تلهف رسول الله صلى الله عليه وسلم على كونهم لم يؤمنوا وكونهم كذبوا بالحق لما جاءهم ولما أوعدهم في آخر السورة بقوله فسوف يكون لزاماً أوعدهم في أول هذه فقال إثر إخباره بتكذيبهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزؤون وتلك إشارة إلى آيات السورة وآيات القرآن المبين هو القرآن وتقدم تفسير باخع نفسك في أول الكهف. {أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} أي لئلا يؤمنوا أو خيفة أن لا يؤمنوا. {إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ} دخلت إن على نشأ وان للممكن أو المحقق المنبهم زمانه ومعنى آية أي ملجئة إلى الإِيمان تقهر عليه. {أَعْنَاقُهُمْ} أعناق الناس رؤسائهم ومقدموهم شبهوا بالأعناق كما قيل لهم الرؤوس والصدور. {خَاضِعِينَ} أي متذللين. {وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ} تقدم تفسيره في الأنبياء. {إِلاَّ كَانُواْ} جملة حالية أي لا يكونون. {مُعْرِضِينَ} عنها وكان تدل على أن ديدنهم وعادتهم الإعراض عن ذكر الله تعالى ولما كان إعراضهم عن النظر في صانع الوجود نبه تعالى على قدرته وأنه الخالق المنشىء الذي يستحق العبادة بقوله. {أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى ٱلأَرْضِ} والزوج النوع والكريم الحسن. {لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ} تسجيل على أكثرهم بالكفر. {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} أي الغالب القاهر ولما كان الموضع موضع بيان القدرة قدم صفة العزة على صفة الرحمة فالرحمة إذا كانت عن قدرة كانت أعظم وقعاً والمعنى أنه عز في نقمته من الكفار ورحم مؤمني كل أمة ولما ذكر تكذيب قريش بما جاءهم من الحق وإعراضهم عنه ذكر قصة موسى عليه السلام وما قاسى مع فرعون وقومه ليكون ذلك مسلاة لما يقاسي عليه السلام من كفار قريش قد اتخذت آلهة من دون الله تعالى وكان قوم فرعون قد اتخذوه إلهاً وكان أتباع ملة موسى عليه السلام المجاورون من آمن بالرسول عليه الصلاة والسلام بدأ بقصة موسى عليه السلام ثم ذكر بعد ذلك ما يأتي ذكره من القصص والعامل في إذ أتل مضمرة أي أتل هذه القصة فيما تتلو ومعنى نادى دعا * وأن يجوز أن تكون مصدرية وأن تكون تفسيرية وسجل عليهم بالظلم لظلم أنفسهم بالكفر وظلم بني إسرائيل بالاستعباد وذبح الأولاد وقوم فرعون قيل بدل من القوم الظالمين والأجود أن يكون عطف بيان لأنهما عبارتان يعتقبان على مدلول واحد إذ كل واحد من عطف البيان ومتبوعه مستقل بالإِسناد ولما كان القوم الظالمين يوهم الاشتراك أتى عطف البيان بإِزالته إذ هو أشهر وقرىء ألا يتقون باليا على الغيبة وبتاء الخطاب على طريق الإِلتفات إليهم إنكاراً وغضباً عليهم وإن لم يكونوا حاضرين لأنه مبلغهم ذلك ومكافحهم والظاهر أن الا للعرض المضمن الحض على التقوى قال الزمخشري: ويحتمل أن يكون ألا يتقون حالاً من الضمير في الظالمين أن يظلمون غير متقين الله وعقابه فأدخلت همزة الإِنكار على الحال "انتهى" هذا الاحتمال الذي أورده خطأ فاحش لأنه جعل حالاً من الضمير في الظالمين وقد أعرب هو قوم فرعون عطف بيان فصار فيه الفصل بين العامل والمعمول بأجنبي منهما لأن قوم فرعون معمول لقوله: إئت والذي زعم أنه حال معمول لقوله الظالمين وذلك لا يجوز وأيضاً لو لم يفصل بينهما بقوله قوم فرعون لم يجز أن تكون الجملة حالاً لأن ما بعده الهمزة يمتنع أن يكون معمولاً لما قبلها وقولك جئت أمسرعاً على أن يكون أمسرعاً حالاً من الضمير في جئت لا يجوز فلو أضمرت عاملاً بعد الهمزة جاز ولما كان فرعون عظيم النخوة حتى ادعى الألوهية كثير المهابة قد أشربت القلوب الخوف منه خصوصاً من كان من بني إسرائيل قال موسى عليه السلام. {إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ} وقرىء يضيق ولا ينطلق بالرفع فيهما عطفاً على أخاف والمعنى أنه يفيد ثلاث علل خوف التكذيب وضيق الصدر وامتناع إنطلاق اللسان وقرىء بالنصب فيهما عطفاً على يكذبون فيكون التكذيب وما بعده متعلقاً بالخوف وفي الخبر أن الله أرسل موسى إلى هارون وكان هارون بمصر حين بعث الله موسى نبياً بالشام قيل سار أهله إلى مصر فالتقى بهارون وهو لا يعرفه فقال أنا موسى فتعارفا وأمرهما أن ينطلقا إلى فرعون لأداء الرسالة فصاحت أمهما لخوفها عليهما فذهبا إليه. {وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ} أي قبلي قود ذنب أو عقوبة ذنب وهو قتله القبطي الكافر خباز فرعون بالوكزة التي وكزها. {كَلاَّ} رد لقوله إني أخاف أي لا تخف ذلك وقوله فاذهبا أمر لهما بخطاب موسى فقط لأن هارون ليس بمكلم بإِجماع ولكنه قال لموسى إذهب أنت وأخوك. و{مَعَكُمْ} قيل من وضع الجمع موضع المثنى أي معكما وقيل هو على ظاهره من الجمع والمزاد موسى وهارون ومن أرسلا إليه وكان شيخنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير يرجح أن يكون أريد بصورة الجمع الخطاب لموسى وهارون فقط قال: لأن لفظة مع تباين من يكون كافراً فإِنه لا يقال الله معه وعلى أنه أريد بالجمع التثنية حمله سيبوه وكأنهما لشرفهما عند الله عاملهما في الخطاب معاملة الجمع إذ كان ذلك جائزاً أن يعامل به الواحد لشرفه وعظمته عنده وأفرد رسول هنا ولم يثن كما في قوله انا رسولا ربك اما لأنه مصدر بمعنى الرسالة فجاز أن يقع مفرداً خبراً لمفرد فما فوقه واما لكونهما ذوي شريعة واحدة فكأنهما رسول واحد وأريد بقوله انا إن كل واحد منا رسول ورسول رب العالمين فيه رد عليه وانه مربوب لله تعالى بأداه بنقض ما كان أبرمه من ادعاء الألوهية ولذلك أنكر فقال: وما رب العالمين والمعنى إليك وإن أرسل يجوز أن تكون تفسيرية لما في رسول من معنى القول وأن تكون مصدرية وأرسل بمعنى أطلق وسرح كما تقول أرسلت الحجر من يدي وأرسلت الصقر وكان وموسى عليه السلام مبعوثاً إلى فرعون في أمرين إرسال بني إسرائيل ليزول عنهم العبودية والإِيمان بالله وبعث بالعبادات والشرع إلى بني إسرائيل وإرسالهم معهما كان إلى فلسطين وكانت مسكن موسى وهارون. {قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً} الآية يروى أنهما انطلقا إلى فرعون وأديا الرسالة فعرف موسى فقال له ألم نربك فينا وليدا وفي الكلام حذف يدل عليه المعنى تقديره فأتيا فرعون فقالا له ذلك ولما بادهه موسى بأنه رسول رب العالمين وأمره بإِرسال بني إسرائيل معه أخذ يستحقره ويضرب عن المرسل وما جاء به من عنده ويذكره بحالة الصغر والمنّ عليه بالتربية والوليد الصبي وهو فعيل بمعنى مفعول أطلق ذلك عليه لقربه من الولادة وقرىء: {فَعْلَتَكَ} بفتح الفاء إذ كانت وكزة واحدة وقرأ الشعبي فعلتك بكسر الفاء يريد الهيئة لأن الوكزة نوع من القتل عدد عليه نعمة التربية ومبلغه عنده مبلغ الرجال حيث كان يقتل نظراءه من بني إسرائيل وذكره ما جرى على يده من قتل القبطي وعظم ذلك بقوله وفعلت فعلتك التي فعلت لأن في هذا الإِبهام بكونه لم يصرح انها القتل تهويل للواقعة وتعظيم شأنها. {وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ} بالنعمة التي لي عليك من التربية والإِحسان. {قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذاً} أجابه موسى عليه السلام عن كلامه الأخير المتضمن للقتل إذ كان الإِعتذار فيه أهم من الجواب في ذكر النعمة بالتربية لأن فيه إزهاق النفس. {وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ} معناه من الجاهلين بأن وكزتي إياه تأتي على نفسه. {فَفَرَرْتُ مِنكُمْ} الفرار لم يكن منه وحده وإنما هو منه ومن ملائه المذكورين قبل. {وَتِلْكَ} إشارة إلى المصدر المفهوم من قوله ألم نربك فينا وليدا ذكر هذا أخيراً على ما بدأ به فرعون في قوله: ألم نربك فينا والظاهر أن هذا الكلام إقرار من موسى عليه السلام بالنعمة ويقول وتربيتك لي بنعمة علي من حيث عبدت غيري وتركتني واتخذتني ولدا ولكن لا يدفع ذلك رسالتي قال قتادة هذا منه على جهة الإِنكار عليه أن تكون ثم نعمة كأنه يقول أو يصح لك أن تعتد على نعمة ترك قتلي من أجل أنك ظلمت بني إسرائيل وقتلتهم أي ليست بنعمة لأن الواجب كان أن لا تقتلني، ان لا تقتلهم ولا تستعبدهم بالقتل والخدمة وغير ذلك ولما أخبر موسى فرعون بأنه رسول رب العالمين لم يسئل إذ ذاك فيقول وما رب العالمين بل أخذ في المداهاة وتذكار التربية والتقبيح لما فعله من قتل القبطي. فلما أجابه عن ذلك انقطعت حجته في التربية والقتل وكان في قوله رسول رب العالمين دعاء إلى الإِقرار بربوبية الله تعالى وإلى طاعة رب العالمين فأخذ فرعون يستفهم عن الذي ذكر موسى أنه رسول من عنده والظاهر أن سؤاله بما كان على سبيل المباهتة والمكابرة والمرادة وكان عالماً بالله تعالى ويدل عليه لقد علمت ما أنزل هؤلاء الارب السماوات والأرض بصائر ولكنه تعامى عن ذلك طلباً للرياسة ودعوى الإِلهية فاستفهم بما استفهاماً عن مجهول من الأشياء فمن ربكما يا موسى لما سأله فرعون وكان السؤال مما التي هي سؤال عن الماهية ولم يمكن الجواب بالماهية أجاب بالصفات التي تبين للسامع أنه لا مشاركة لفرعون فيها وهي ربوبية السماوات والأرض وما بينهما. {إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ} بشىء قط فهذا أولى ما توقنون به لظهوره وإنارة دليله وهذه المحاورة من فرعون تدل على أن موسى عليه السلام دعاه إلى التوحيد. {قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ} هم أشراف قومه قيل كانوا خمسمائة رجل عليهم الأساور وكانت للملوك خاصة. {أَلاَ تَسْتَمِعُونَ} أي ألا تصغون إلى هذه المقالة إغراء به وتعجباً إذ كانت عقيدتهم أن فرعون ربهم ومعبودهم. {قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ} نبههم على منشئهم ومنشىء آبائهم وجاء في قوله الأولين دلالة على إماتتهم بعد إيجادهم وانتقل من الاستدلال بالعام إلى ما يخصهم ليكون أوضح لهم في بيان بطلان دعوى فرعون الإِلهية إذ كان آباؤهم الأولون تقدّموا فرعون في الوجود فمحال أن يكون وهو في العدم صرف إلهاً لهم. {قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ} أي هذا الذي يدعي الرسالة لا يفهم السؤال فضلاً عن أن يجيب عنه فقال موسى عليه السلام: {رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ} فعدل إلى طريق أوضح من الثاني وذلك أنه أراد بالمشرق طلوع الشمس وظهور النهار وأراد بالمغرب غروب الشمس وزوال النهار وهذا التقدير المستمر على الوجه العجيب لا يتم إلا بتدبير مدبر يدبره ولما انقطع فرعون في باب الإِحتجاج رجع إلى الإِستعلاء والغلب وهذا أبين علامات الإِنقطاع فتوعد موسى بالسجن حين أعياه خطابه. {قَالَ لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي} الآية ولما كان عند موسى عليه السلام من أمر الله تعالى ما لا يروعه توعد فرعون قال له على جهة اللطف به والطمع في إيمانه: {أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ} أي يوضح لك صدقي أفكنت تسجنني حتى في هذه الحالة التي لا يناسب أن أسجن وأنا متلبس بها ولما سمع فرعون هذا من موسى طمع أن يجد موضع معارضة فقال له: {فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ * فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ} أي رماها من يده وتقدّم الكلام على عصى موسى عليه السلام والثعبان أعظم ما يكون من الحيات ومعنى مبين ظاهر الثعبانية ليست من الأشياء التي تزور بالشعبذة والسحر. {وَنَزَعَ يَدَهُ} من جيبه. {فَإِذَا هِيَ} تلألأ كأنها قطعة من الشمس ومعنى للناظرين أي بياضها يجمع النظارة على النظر إليه لخروجه عن العادة وكان بياضاً نورانياً روي أنه لما أبصر أمر العصى قال: فهل غيرها فأخرج يده فقال ما هذه قال: يدك فأدخلها في إبطه ثم نزعها ولها شعاع يكاد يغشي الأبصار ويسد الأفق. {قَالَ لِلْمَلإِ حَوْلَهُ} الآية تقدم الكلام عليها. {لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ} وهو يوم الزينة.

الجيلاني

تفسير : {طسۤمۤ} [الشعراء: 1] يا طالب السعادة والسيادة المؤبدة المخلدة، ويا طاهر الطينة والطوبة من أدناس الطبيعة البشرية، ويا سالم السر والسريرة من العلائق الناسوتية البشرية، ويا ماحي آثار الرذائل المكدرة لصفاء شراب التوحيد. {تِلْكَ} الآيات العظام المذكورة في هذه السورة {آيَاتُ ٱلْكِتَابِ} أي: من جملة آيات القرآن {ٱلْمُبِينِ} [الشعراء: 2] المبين المظهر لدلائل التوحيد، الموضح للبينات والبراهين القاطعة الدالة على حقية دينكن إنما أنزلناها يا أكمل الرسل تأييداً لأمرك وتعظيماً لشأنك، فلك أن تبلغها على قاطبة الأنام وعامة المكلفين على الوجه الذي تُلي وأُوحي إليك بلا التفاتٍ منك إلى إيمانهم وكفرهم، وتصديقهم وتكذيبهم، بل ما عليك إلا البلاغ وعلينا الحساب. إلاَّ أنك من فرط محبتك لإيمانهم بك وبدينك وكتابك {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ} هالك قاتل {نَّفْسَكَ} تحسراً وتحزناً {أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 3] أي: لأجل ألاَّ يكونوا مصدقين لك ولدينك وكتابك، مع أنَّا لا نريد إيمانهم وهدايتهم، بل مضى في قضائنا وثبت في حضرة علمنا كفرهم وضلالهم، وما يبدل القول لدينا، ولا يغير حكمنا. بل {إِن} أي: إن تعلق إرادتنا ومشيئتنا لإيمانهم {نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً} ملجئة لهم إلى الإيمان والتصديق {فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ} أي: صارت حين نزول الآية الملجئة أعناقهم التي هي أسباب كبرهم وخيلائهم من كمال الإطاعة والانقياد {لَهَا} أي: للآية الملجئة النازلة {خَاضِعِينَ} [الشعراء: 4] منكوسين منكسرين منخفضين، بحيث لا يتأتى لهم الإعراض عنها والتكذيب بها أصلاً. {وَ} متى لم تتعلق مشيئتنا لم يؤمنوا، بل {مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ} أي: عظةٍ وتذكيرٍ نازلٍ {مِّنَ} قِبَل {ٱلرَّحْمَـٰنِ} تفضلاً عليهم {مُحْدَثٍ} مستبدعٍ على مقتضى الأعصار والأزمان؛ لإصلاح نفوس أهلها من المفاسد والضلال {إِلاَّ كَانُواْ عَنْهُ} أي: عن الذكر المحدث {مُعْرِضِينَ} [الشعراء: 5] منصرفين؛ لعدم تعلق مشيئتنا بقبولهم، بل إنما إرسلنا يا أكمل الرسل إليهم، وأمرنا بدعوتهم و تبليغهم؛ ليتعظ ويتذكر منهم ممن سبقت له العناية الأزلية من خلَّص عبادنا، وتعلقت إرادتنا بهدايتهم ورشدهم في أصل فطرتهم واستعدادهم، وبعدما بلغت إليهم الذكر والعظة المهذِّبة لقلوبهم عن رين الكفر والشرك العارض لهم من قبل آبائهم وأسلافهم سمعوا سمع قبولٍ ورضاءٍ؛ إذ كل ميسر، موفق لما خلق له. وأمَّا المجبولون على فطرة الشقاوة، المطبوعون على قلوبهم بغشاوة الغفلة والضلال {فَقَدْ كَذَّبُواْ} بها حين سمعوها، ولم يقتصروا على تكذيبها فقط، بل استهزؤوا بها وبك يا أكمل الرسل عتواً واستكباراً، فلا تلتفت إليهم ولا تبالِ بهم وبإيمانهمم {فَسَيَأْتِيهِمْ} عن قريب {أَنبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الشعراء: 6] فظره حينئذٍ أحق حقيق بأن يُنقاد ويُتبع، أم هو باطل يجب تكذيبه والانصراف عنه؟!. وكيف ينكرون بآياتنا الدالة على كمال قدرتنا وحكمتنا، أولئك المعرضون عناداً ومكابرةً؟! {أَوَلَمْ يَرَوْاْ} ولم ينظروا ويتفكروا حتى يعتبروا، مع أنهم من أهل النظر والاعتبار {إِلَى} عجائب {ٱلأَرْضِ} اليابسة الجامدة {كَمْ أَنبَتْنَا} من كمال قدرتنا ووفور حكمتنا {فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ} أجناس كثيرة من النباتات والحيوانات والمعادن و غير ذلك مما لا اطلاع لهم عليه؛ إذ ما يعلم جنود ربك إلا هو، {كَرِيمٍ} [الشعراء: 7] كلها ذوي الكرامات و البركات، والمنافع والخيرات. {إِنَّ فِي ذَلِكَ} أي: في إنبات كل من أنواع النبات، وإخراج كل من أصناف الحيوانات، وأجناس المعادن منها {لآيَةً} بينة واضة، قاطعة دالة على أن منبتها ومخرجها متصف بجميع أوصاف الكمال، ونعوت الجمال والجلال، فاعل بالاختيار والاستقلال بلا مزاحمة الأشباه والأمثال {وَ} هي وإن كانت في غاية الوضوح والجلاء، لكن {مَا كَانَ} وثبت {أَكْثَرُهُمْ} أي: أكثر الناس {مُّؤْمِنِينَ} [الشعراء: 8] موفقين على الإيمان والتوحيد في علم الله ولوح قضائه؛ لذلك لم يؤمنوا بالآيات العظام، ولم يستدلوا منها إلى وجود الصانع الحكيم العلام القدوس السلام، المنزَّه ذاته عن طريان التقضي والانصرام. {وَ} إن كذبوك يا أكمل الرسل بما جئت من الآيات العظام، وعاندوا معك لا تبالِ لهم ولا تحزن {إِنَّ رَبَّكَ} الذي رباك بأنواع الكرامات {لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} الغالب المقتدر على البطش والانتقام {ٱلرَّحِيمُ} [الشعراء: 9] الحليم الذي لا يعجِّل العذاب وإن استوجبوا، بل يمهلهم زماناً؛ لعلهم يتنبهون على ما فرطوا من سوء المعاملة مع الله ورسوله وآياته فيتوبوا نادمين ضارعين خاشعين.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يشير الباري تعالى إشارة، تدل على التعظيم لآيات الكتاب المبين البين الواضح، الدال على جميع المطالب الإلهية، والمقاصد الشرعية، بحيث لا يبقى عند الناظر فيه، شك ولا شبهة فيما أخبر به، أو حكم به، لوضوحه، ودلالته على أشرف المعاني، وارتباط الأحكام بحكمها، وتعليقها بمناسبها، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينذر به الناس، ويهدي به الصراط المستقيم، فيهتدي بذلك عباد الله المتقون، ويعرض عنه من كتب عليه الشقاء، فكان يحزن حزنا شديدا، على عدم إيمانهم، حرصا منه على الخير، ونصحا لهم. فلهذا قال تعالى عنه: { لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ } أي: مهلكها وشاق عليها، { أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ } أي: فلا تفعل، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات، فإن الهداية بيد الله، وقد أديت ما عليك من التبليغ، وليس فوق هذا القرآن المبين آية، حتى ننزلها، ليؤمنوا [بها]، فإنه كاف شاف، لمن يريد الهداية، ولهذا قال: { إِنْ نَشَأْ نُنزلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً }. أي: من آيات الاقتراح، { فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ } أي: أعناق المكذبين { لَهَا خَاضِعِينَ } ولكن لا حاجة إلى ذلك، ولا مصلحة فيه، فإنه إذ ذاك الوقت، يكون الإيمان غير نافع، وإنما الإيمان النافع، الإيمان بالغيب، كما قال تعالى: {أية : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا } تفسير : الآية. { وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ } يأمرهم وينهاهم، ويذكرهم ما ينفعهم ويضرهم. { إِلا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ } بقلوبهم وأبدانهم، هذا إعراضهم عن الذكر المحدث، الذي جرت العادة، أنه يكون موقعه أبلغ من غيره، فكيف بإعراضهم عن غيره، وهذا لأنهم لا خير فيهم، ولا تنجع فيهم المواعظ، ولهذا قال: { فَقَدْ كَذَّبُوا }. أي: بالحق، وصار التكذيب لهم سجية، لا تتغير ولا تتبدل، { فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } أي: سيقع بهم العذاب، ويحل بهم ما كذبوا به، فإنهم قد حقت عليهم، كلمة العذاب. قال الله منبها على التفكر الذي ينفع صاحبه: { أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الأرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ } من جميع أصناف النباتات، حسنة المنظر، كريمة في نفعها. { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً } على إحياء الله الموتى بعد موتهم، كما أحيا الأرض بعد موتها {أية : وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ } تفسير : كما قال تعالى: {أية : وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ }. تفسير : { وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ } الذي قد قهر كل مخلوق، ودان له العالم العلوي والسفلي، { الرَّحِيمِ } الذي وسعت رحمته كل شيء، ووصل جوده إلى كل حي، العزيز الذي أهلك الأشقياء بأنواع العقوبات، الرحيم بالسعداء، حيث أنجاهم من كل شر وبلاء.

همام الصنعاني

تفسير : 2107- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قَتَادة، في قوله تعالى: {طسۤمۤ}: [الآية: 1]، قال: اسمُ من أسما ءالقرآن.