٢٦ - ٱلشُّعَرَاء
26 - Ash-Shu'ara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
4
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِن نَّشَأْ نُنَزّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمآءِ ءَايَةً فَظَلَّتْ } بمعنى المضارع: أي تظل، أي تدوم {أَعْنَٰقُهُمْ لَهَا خَٰضِعِينَ } فيؤمنون، ولما وصفت الأعناق بالخضوع الذي هو لأربابها جمعت الصفة منه جمع العقلاء.
ابن عبد السلام
تفسير : {ءَايَةً} مَا عَظُم من الأمور القاهرة، أو ما ظهر من الدلائل الواضحة {أَعْنَاقُهُمْ} لا يلوي أحد منهم عنقه إلى معصية، أو أراد أصحاب الأعناق، أو الأعناق الرؤساء، أو العنق الجماعة من الناس، أتاني عنق من الناس أي جماعة.
القشيري
تفسير : أخبر عن قدرته على تحصيل مرادِه من عباده، فهو قادرٌ على أن يُؤْمِنوا كَرْهاً؛ لأن التقاصُرَ عن تحصيل على تحصيل المراد يوجِبُ النقصَ والقصورَ في الألوهية.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان نشأ} [اكرماخواهيم] {ننزل عليهم من السماء آية} دالة ملجئة الى الايمان كانزال الملائكة او بلية قاسرة عليه كآية من آيات القيامة {فظلت} فصارت ومالت اى فتظن {اعناقهم} اى رقابهم: وبالفارسية [بس كردد كردنهاى ايشان] {لها} اى لتلك الآية {خاضعين} منقادين فلا يكون احد منهم يميل عنقه الى معصية الله ولكن لم نفعل لانه لا عبرة بالايمان المبنى على القسر والالجاء كالايمان يوم القيامة واصله فظلوا لها خاضعين فان الخضوع صفة اصحاب الاعناق حقيقة فاقحمت الاعناق لزيادة التقرير ببيان موضع الخضوع وترك الخبر على حاله. وفيه بيان ان الايمان والمعرفة موهبة خاصة خارجة عن اكتساب الخلق فى الحقيقة فاذا حصلت الموهبة نفع الانذار والتبشير والا فلا فليبك على نفسه من جبل على الشقاوة: وقال الحافظ شعر : جون حسن عاقبت نه برندى وزاهديست آن به كه كار خود بعنايت رها كنند
الطوسي
تفسير : لما بين الله تعالى حرص النبي (صلى الله عليه وسلم) على إيمان قومه، واجتهاده بهم حتى كاد أن يقتل نفسه تأسفاً على تركهم الايمان، أخبره بأنه قادر على أن ينزل عليهم آية ودلالة من السماء تظل اعناقهم لها خاضعة بأن تلجئهم إلى الايمان، لكن ذلك نقيض الغرض بالتكليف، لأنه تعالى لو فعل ذلك، لما استحقوا ثواباً ولا مدحاً، لأن الملجأ لا يستحق الثواب والمدح على فعله، لأنه بحكم المفعول فيه. وقيل: المراد بالاعناق الرؤساء. وقال قتادة: المعنى لا يلوي أحد منهم عنقه إلى معصية. وقيل في وجه جمع {خاضعين} بالياء والنون وهو صفة (الاعناق) والاعناق لا تعقل، وهذا الجمع يختص بمن يعقل قيل فيه أربعة أقوال: احدها - فظل اصحاب الاعناق لها خاضعين، وحذف المضاف، واقام المضاف اليه مقامه لدلالة الكلام عليه. الثاني - انه أراد بالاعناق الرؤساء والجماعات، كما يقال جاءه عنق من الناس أي جماعة. الثالث - ان يكون على الاقحام. قال ابو عبيدة، والمبرد {خاضعين} من صفة الهاء والميم، في قوله {أعناقهم} كما قال جرير: شعر : أرى مرّ السنين أخذن مني كما أخذ السرار من الهلال تفسير : فعلى هذا يكون ترك الاعناق وأخبر عن الهاء والميم، وتقديره فظلوا خاضعين لها والاعناق مقحمة. الرابع - أنها ذكرت بصفة من يعقل لما نسب اليها ما يكون من العقلاء كما قال الشاعر: شعر : تمززتها والديك يدعو صياحه إذا ما بنوا نعش دنوا فتصوّبوا تفسير : ويروي نادى صباحه. ثم اخبر تعالى عن هؤلاء الكفار الذين تأسف النبي (صلى الله عليه وسلم) على عدولهم عن ايمانهم انه ليس يأتيهم ذكر من الرحمن يعني القرآن. كما قال تعالى {أية : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون }تفسير : وقال {أية : إن هو إلا ذكر وقرآن مبين } تفسير : ووصفه بأنه محدث، ولذلك جره، لانه صفة لـ (ذكر). وقوله {إلا كانوا عنه معرضين} أي يتولون عنه ولا ينظرون فيه. قال الفراء: انما قال {فظلت} ولم يقل "فتظل" لانه يجوز أن يعطف على مجزوم الجزاء بـ (فعل) لان الجزاء يصلح في موضع (فعل، يفعل) وفي موضع (يفعل، فعل) لانك تقول: إن زرتني زرتك وإن تزرني أزرك، والمعنى واحد
فرات الكوفي
تفسير : قال حدثني جعفر بن محمد الفزاري معنعناً: عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله [تعالى. ر]: {إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين} فقيل لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم: أنزلها علينا حتى نؤمن [بها. ر، ب] فقال المسلمون: فأنزلها عليهم حتى يؤمنوا. فأنزل الله: {أية : وأقسموا بالله جهد أيمانهم} تفسير : إلى [قوله. ب]: {أية : يعمهون} {أية : ونقلب أفئدتهم وأبصارهم} تفسير : عند نزول هذه الآية {أية : كما لم يؤمنوا به أول مرة} تفسير : الآية. [109-110/ الأنعام].
اطفيش
تفسير : {إِن نَّشَأ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمِ مِّنَ السَّمَآءِ آيَةً} نقهرهم إلى الإيمان من معجزة أو بلية وذلك كبهر العقول بوضوح المعجزة بحيث يذعنون أو لخوف هلاك كنتق الجبل على بني اسرائيل. {فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا} متعلق بقوله {خَاضِعِينَ} والعطف على ننزل فظلت مستقبل المعنى فكأنه قيل فتظل ولذا حسن عطف الماضي على المضارع بل الجزاء مستقبل المعنى ولو كان ماضيا فعلا ولو قيل إن نشأ نزلنا عليهم من السماء آية فظلت تصح، وقد قرىء {أية : لو نشأ لأنزلنا}تفسير : وقد قرأ بعضهم أيضا {أية : فتظلل}تفسير : بفتح اللام الأولى وإسكان الثانية وإن قلت كيف أخبر بخاضعين عن الأعناق وهي غير عالمة والصفة انما تجمع جمع المذكر السالم إن كانت للعالم المذكر؟ قلت هذا من إضافة الملغي إلى المعتبر وهو ضميرهم فإن الاصل فظلوا لها خاضعين، فاعتبر الأصل وهو ضميرهم وجيىء بالصفة وهو الأغناق التي هي لهم مجمعة جمع المذكر السالم وجيىء بالأعناق بين الفعل وضميرهم بيانا لموضع الخضوع وهو الانقياد وموضعه هو الأعناق فإن علامة الانقياد والذلة انتكاس الرقبة ويجوز أن يقال الأصل خاضعة أو خاضعات لكن لما وصفت الأعناق بالخضوع الذي هو من صفات العقلاء جمع صفتها جمع العقلاء وقد قرىء فظلت أعناقهم لها خاضعة واذا علمت التأويل بما من ظهر لك أنه لا دليل فى الآية للكوفيين على جواز جمع صفة غير العالم وغير المذكر جمع مذكر سالما وقيل أعناق الناس مقدموهم ورؤساهم شبهوا بالأعناق وسموا بها كما سموا رؤساء صدروا ونواصي قال الشاعر: شعر : في محفل من نواصي الناس مشهود تفسير : وقيل: الاغناق الجماعات من الناس يقال جاء عنق من الناس أي جماعة. وعن ابن عباس نزلت هذه الآية فينا وفي بني أمية قال ستكون عليهم لنا الدولة فتذل لنا أعناقهم بعد صعوبة ويلحقهم هوان بعد عزة.
اطفيش
تفسير : {إنْ نَشَأ} إنزال مضطر لهم على الايمان، قاهر لهم، بحيث لا ينفعهم إيمانهم، أو إن نشأ إيمانهم، والأول أولى، لأن الأصل أن يقدر مفعول المشيئة بعد الشرط من جنس الجواب {نُنزِّل عليْهم مِن السَّماء آية} ملجئة لهم الى الايمان كنتق الجبل أن لم يؤمنوا، اوقع عليهم، {فظلت أعناقهم لَهَا خاضعين} أعناقهم أشرافهم وعظماؤهم، كما يقال لهم رءوس وصدور، فأولى غيرهم، وقيل: جماعتهم على أن العنق يطلق على الجماعة مطلقا، وقيل: إن كانت معظمة، أو الأعناق على ظاهره لكن أخبر عنه بجمع السالم، كأنها ذكور عاقلون، اكتسابا للتذكير والعقل من المضاف اليه، كما يكتسب المضاف التذكير من المضاف اليه، أو لتأنيث، أو الأصل ظلوا خاضعين فأقحم لفظ أعناق بين ظل، والواو كاللفظ الزائد وليس بزائد، وذلك بيان محل الخضوع وهو العنق، لأنه يظهر بالعنق وأجاز بعضهم زيادة الأسماء، وبعد الاقحام روعى ما يناسب لفظ الأعماق، وهو تاء التأنيث، والاتيان بضمير الجر مكان الواو. وروعى ما قبل الاقحام فى خاضعين، وحكمة ذلك أن الخضوع يتبين حسا فى ميل الأعناق، ويبعد ان يجعل خاضعين حالا من الهاء، لأن المضاف هنا جزء المضاف اليه فيقدر لظلت خبر أى خاضعة، فيقدر لظلت خبر أى خاضعة، وعطف ظلت وهو ماض على ننزل وهو مضارع، لأنه كأنه جواب، إذ عطف على الجواب، والجواب للاستقبال، ولو كان ماضيا ولا يحتاج مع هذا أن تقول: هو مستقبل بالتأويل، وعلى كل حال عدل عن تظل إيذانا بحصول الوقوع تقديراً، أو عدل عن نزلنا الى ننزل ليكون التنزيل كالحاضر المشاهد.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {إِن نَّشَأْ } الخ استئناف لتعليل الأمر بإشفاقه على نفسه صلى الله عليه وسلم أو النهي عن البخع، ومفعول المشيئة محذوف وهو على المشهور ما دل عليه مضمون الجزاء، وجوز أن يكون مدلولاً عليه بما قبل أي إن نشأ إيمانهم {نُنَزّلْ عَلَيْهِمْ مّنَ ٱلسَّمَاء ءايَةً } ملجئة لهم إلى الإيمان قاسرة عليه كما نتق الجبل فوق بني إسرائيل وتقديم الظرفين على المفعول الصريح لما مر مراراً من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر. وقرأ أبو عمرو في رواية هارون عنه {إن يشأ ينزل} على الغيبة والضمير له تعالى، وفي بعض المصاحف (لو شئنا لأنزلنا) {فَظَلَّتْ أَعْنَـٰقُهُمْ لَهَا خَـٰضِعِينَ } أي منقادين وهو خبر عن الأعناق وقد اكتسبت التذكير وصفة العقلاء من المضاف إليه فأخبر عنها لذلك بجمع من يعقل كما نقله أبو حيان عن بعض أجلة علماء العربية. واختصاص جواز مثل ذلك الشعر كما حكاه السيرافي عن النحويين مما لم يرتضه المحققون ومنهم أبو العباس وهو ممن خرج الآية على ذلك، وجوزأن يكون ذلك لما أنها وصفت بفعل لا يكون إلا مقصوداً للعاقل وهو الخضوع كما في قوله تعالى: {أية : رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ }تفسير : [يوسف: 4] وأن يكون الكلام على حذف مضاف وقد روعي بعد حذفه أي أصحاب أعناقهم، ولا يخفى أن هذا التقدير ركيك مع الإضافة إلى ضميرهم، وقال الزمخشري: / أصل الكلام فظلوا لها خاضعين فأقحمت الأعناق لبيان موضع الخضوع لأنه يتراءى قبل التأمل لظهور الخضوع في العنق بنحو الانحناء أنه هو الخاضع دون صاحبه وترك الجمع بعد الإقحام على ما كان عليه قبل. وقال الكسائي: إن (خاضعين) حال للضمير المجرور لا للأعناق. وتعقبه أبو البقاء فقال: هو بعيد في التحقيق لأن {خَـٰضِعِينَ } يكون جارياً على غير فاعل {ظَلْتَ } فيفتقر إلى إبراز ضمير الفاعل فكان يجب أن يكون خاضعين هم فافهم. وقال ابن عباس ومجاهد وابن زيد والأخفش: الأعناق الجماعات يقال: جاءني عنق من الناس أي جماعة، والمعنى ظلت جماعاتهم أي جملتهم. وقيل: المراد بها الرؤساء والمقدمون مجازاً كما يقال لهم: رؤس وصدور فيثبت الحكم لغيرهم بالطريق الأولى، وظاهر كلامهم أن إطلاق العنق على الجماعة مطلقاً رؤساء أم لا حقيقة وذكر الطيبـي عن «الأساس» أن من المجاز أتاني عنق من الناس للجماعة المتقدمة وجاؤا رسلاً رسلاً وعنقاً عنقاً والكلام يأخذ بعضه بأعناق بعض ثم قال: يفهم من تقابل رسلاً رسلاً لقوله: عنقاً عنقاً أن في إطلاق الأعناق على الجماعات اعتبار الهيئة المجتمعة فيكون المعنى فظلوا خاضعين مجتمعين على الخضوع متفقين عليه لا يخرج أحد منهم عنه. وقرأ عيسى وابن أبـي عبلة {خاضعة} وهي ظاهرة على جميع الأقوال في الأعناق بيد أنه إذا أريد بها ما هو جمع العنق بمعنى الجارحة كان الإسناد إليها مجازياً و {لَهَا } في القراءتين صلة (ظلت) أو الوصف والتقديم للفاصلة أو نحو ذلك لا للحصر، و(ظلت) عطف على {ننزل} ولا بد من تأويل أحد الفعلين بما هو من نوع الآخر لأنه وإن صح عطف الماضي على المضارع إلا أنه هنا غير مناسب فإنه لا يترتب الماضي على المستقبل بالفاء التعقيبية أو السببية ولا يعقل ذلك والمعقول عكسه، وبتأويل أحد الفعلين يدفع ذلك لكن اختار بعضهم تأويل (ظلت) بتظل وكأن العدول عنه إليه ليؤذن الماضي بسرعة الانفعال وأن نزول الآية لقوة سلطانه وسرعة ترتب ما ذكر عليه كأنه كان واقعاً قبله، وبعضهم تأويل (ننزل) بأنزلنا، ولعل وضعه موضعه لاستحضار صورة إنزال تلك الآية العظيمة الملجئة إلى الإيمان وحصول خضوع رقابهم عند ذلك في ذهن السامع ليتعجب منه فتأمل. وقرأ طلحة {فتظل} بفك الإدغام والجزم، وضعف الحريري في «درة الغواض» الفك في مثل ذلك، ورجح صاحب «الكشف» القراءة بأنها أبلغ لإفادة الماضي ما سمعته آنفاً. هذا والظاهر أنه لم يتحقق إنزال هذه الآية لأن سنة الله تعالى تكليف الناس بالإيمان من دون إلجاء، نعم إذا قيل: المراد آية مذلة لهم كما روي عن قتادة جاز أن يقال بتحقق ذلك، ولعل ما روي عن ابن عباس كما في «البحر» و «الكشاف» من قوله نزلت هذه الآية فينا وفي بني أمية ستكون لنا عليهم الدولة فتذل أعناقهم بعد صعوبة ويلحقهم هوان بعد عزة ناظر إلى هذا، وعن أبـي حمزة الثمالي أن الآية صوت يسمع من السماء في نصف شهر رمضان وتخرج له العواتق من البيوت، وهذا قول بتحقق الإنزال بعد وكأن ذلك زمان المهدي رضي الله تعالى عنه، ومن صحة ما ذكر من الأخبار في القلب شيء والله تعالى أعلم.
ابن عاشور
تفسير : استئناف بياني ناشىء عن قوله: {أية : أن لا يكونوا مؤمنين}تفسير : [الشعراء: 3] لأن التسلية على عدم إيمانهم تثير في النفس سؤالاً عن إمهالهم دون عقوبة ليؤمنوا، كما قال موسى {أية : ربّنا إنك آتيت فرعون وملأه زينةً وأموالاً في الحياة الدنيا ربّنا ليَضِلّوا عن سَبيلك ربّنا اطمِسْ على أموالهم واشدُدْ على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم}تفسير : [يونس: 88]، فأجيب بأن الله قادر على ذلك، فهذا الاستئناف اعتراض بين الجملتين المعطوفة إحداهما على الأخرى. ومفعول {نشأ} محذوف يدل عليه جواب الشرط على الطريقة الغالبة في حذف مفعول فعل المشيئة. والتقدير: إن نشأ تنزيلَ آية ملجئة ننزلها. وجيء بحرف {إنْ} الذي الغالب فيه أن يشعر بعدم الجزم بوقوع الشرط للإشعار بأن ذلك لا يشاؤه الله لحكمة اقتضت أن لا يشاءه. ومعنى انتفاء هذه المشيئة أن الحكمة الإلهية اقتضت أن يحصل الإيمان عن نظر واختيار لأن ذلك أجدى لانتشار سمعة الإسلام في مبدأ ظهوره. فالمراد بالآية العلامة التي تدل على تهديدهم بالإهلاك تهديداً محسوساً بأن تظهر لهم بوارق تنذر باقتراب عذاب. وهذا من معنى قوله تعالى: {أية : وإن كان كَبُر عليك إعراضُهم فإن استطعتَ أن تَبْتَغِيَ نَفَقاً في الأرض أو سُلّماً في السماء فتأتيهم بآية}تفسير : [الأنعام: 35]، وليس المراد آيات القرآن وذلك أنهم لم يقتنعوا بآيات القرآن. وجعل تنزيل الآية من السماء حينئذ أوضح وأشدّ تخويفاً لقلّة العهد بأمثالها ولتوقع كل من تحت السماء أن تصيبه. فإن قلت: لماذا لم يُرِهِمْ آية كما أُرِي بنو إسرائيل نَتْقَ الجبل فوقهم كأنه ظُلَّةٌ؟ قلت: كان بنو إسرائيل مؤمنين بموسى وما جاء به فلم يكن إظهار الآيات لهم لإلجائهم على الإيمان ولكنه كان لزيادة تثبيتهم كما قال إبراهيم {أية : أرني كيف تحيي الموتى}تفسير : [البقرة: 260]. وفرّع على تنزيل الآية ما هو في معنى الصفة لها وهو جملة {فظلت أعناقهم لها خاضعين} بفاء التعقيب. وعطف {فظلت} وهو ماض على المضارع قوله: {ننزل} لأن المعطوف عليه جواب شرط، فللمعطوف حكم جواب الشرط فاستوى فيه صيغة المضارع وصيغة الماضي لأن أداة الشرط تخلص الماضي للاستقبال؛ ألا ترى أنه لو قيل: إن شئنا نزّلنا أو إن نَشأ نَزَّلنا، لكان سواء إذ التحقيق أنه لا مانع من اختلاف فعلي الشرط والجزاء بالمضارَعيَّة والماضوية، على أن المعطوفات يتّسع فيها ما لا يُتّسع في المعطوف عليها لقاعدة: أن يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل، كما في القاعدة الثامنة من الباب الثامن من «مغني اللبيب»، غير أن هذا الاختلاف بين الفعلين لا يخلو من خصوصية في كلام البليغ وخاصة في الكلام المعجز، وهي هنا أمران: التفنّن بين الصيغتين، وتقريبُ زَمن مضي المعقب بالفاء من زمن حصول الجزاء بحيث يكون حصول خضوعهم للآية بمنزلة حصول تنزيلها فيتمّ ذلك سريعاً حتى يخيّل لهم من سُرعة حصوله أنه أمر مضى فلذلك قال: {فظلت} ولم يقل: فتظل. وهذا قريب من استعمال الماضي في قوله تعالى: {أية : أتى أمر الله فلا تستعجلوه}تفسير : [النحل: 1] وكلاهما للتهديد، ونظيره لقصد التشويق: قد قامت الصلاة. والخضوع: التطامن والتواضع. ويستعمل في الانقياد مجازاً لأن الانقياد من أسباب الخضوع. وإسناد الخضوع إلى الأعناق مجاز عقلي، وفيه تمثيل لحال المنقادين الخائفين الأذلّة بحال الخاضعين الذين يتّقون أن تصيبهم قاصمة على رؤوسهم فهم يطأطئون رؤوسهم وينحنون اتقاء المصيبة النازلة بهم. والأعناق: جمع عُنُق بضمتين وقد تسكن النون وهو الرقبة، وهو مؤنث. وقيل: المضموم النون مؤنث، والساكن النون مذكر. ولما كانت الأعناق هي مظهر الخضوع أُسند الخضوع إليها وهو في الحقيقة مما يسند إلى أصحابها ومنه قوله تعالى: {أية : وخَشَعَت الأصواتُ للرحمٰن}تفسير : [طه: 108] أي أهل الأصوات بأصواتهم كقول الأعشى:شعر : (كذلكَ فافعَلْ ما حييتَ إذَا شتوا) وأقْدم إذا ما أعينُ الناس تَفْرَق تفسير : فأسند الفَرق إلى العيون على سبيل المجاز العقلي لأن الأعين سبب الفرق عند رؤية الأشياء المخيفة. ومنه قوله تعالى: {أية : سحَرُوا أعينَ الناس}تفسير : [الأعراف: 116] وإنما سحَروا الناس سحراً ناشئاً عن رؤية شعوذة السحر بأعينهم، مع ما يزيد به قوله: «ظلت أعناقهم لها خاضعين» من الإشارة إلى تمثيل حالهم، ومقتضى الظاهر فظلوا لها خاضعين بأعناقهم. وفي إجراء ضمير العقلاء في قوله: {خاضعين} على الأعناق تجريد للمجاز العقلي في إسناد {خاضعين إلى أعناقهم} لأن مقتضى الجري على وتيرة المجاز أن يقال لها: خاضعة، وذلك خضوع من توقع لحاق العذاب النازل. وعن مجاهد: أن الأعناق هنا جمع عُنُق بضمتين يطلق على سيد القوم ورئيسهم كما يطلق عليه رأس القوم وصدر القوم، أي فظلت سادتهم، يعني الذين أغرَوْهم بالكفر خاضعين، فيكون الكلام تهديداً لزعمائهم الذين زيَّنوا لهم الاستمرار على الكفر، وهو تفسير ضعيف. وعن ابن زيد والأخفش: الأعناق الجماعات واحدها عُنُق بضمتين جماعة الناس، أي فظلّوا خاضعين جماعات جماعات، وهذا أضعف من سابقه. ومن بدع التفاسير وركيكها ما نسبه الثعلبي إلى ابن عباس أنه قال: نزلت هذه الآية فينا وفي بني أمية فتذل لنا أعناقهم بعد صعوبة ويلحقهم هوانٌ بعد عِزّة، وهذا من تحريف كلم القرآن عن مواضعه ونحاشي ابن عباس رضي الله عنه أن يقوله وهو الذي دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يُعلّمه التأويل. وهذا من موضوعات دعاة المُسَوِّدة مثل أبي مسلم الخراساني وكم لهم في الموضوعات من اختلاق، والقرآن أجلّ من أن يتعرض لهذه السفاسف. وقرأ الجمهور: {ننزّل} بالتشديد في الزاي وفتح النون الثانية. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بضم النون الثانية وتخفيف الزاي.
د. أسعد حومد
تفسير : {آيَةً} {أَعْنَاقُهُمْ} {خَاضِعِينَ} (4) - ولو نَشَاءُ أن نُنَزِّلَ عليهِمْ من السَّماءِ آيةً تَضْطَرُّهُمْ إلى الإِيمانِ اضْطِرَاراً وقَهْراً لَفَعَلْنَا، كَمَا نَتَقْنا الجَبَلَ فوقَ بني إسرائيلَ، ولكنِّنَا لا نفعلُ ذلكَ، لأنَّنَا لا نُريدُ أَنْ يؤمِنَ أحدٌ إلا طَائِعاً مُخْتَاراً، مُقْتَنِعاً بصدقِ ما جاءَ بهِ الرُّسُلُ. وقد أنزلْنَا الكُتُبَ، وأَرسَلْنا الرُّسُلَ، لِتَقومَ الحُجَّةُ البالِغَةُ على الخَلْقِ. وقيلَ إنَّ أَعْناقهُمْ تَعْني قَادَتَهم وَزُعَمَاءَهُم.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والآية هنا ليست آيةَ إقناع للعقول، إنما آية تُرْغمهم وتُخضع رقابهم، وتُخضع البنية والقالب، وهذا ليس كلاماً نظرياً يُقال للمكذبين، إنما حقائق وقعتْ بالفعل في بني إسرائيل. واقرأ إنْ شئت قوله تعالى: {أية : وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ ..}تفسير : [الأعراف: 171]. فأخذوا ما آتيناهم بقوة، لماذا؟ بالآية التي أرغمتهم وأخضعتْ قوالبهم، لكن الحق - تبارك وتعالى - كما قلنا - لا يريد بالإيمان أنْ يُخضع القوالب، إنما يريد أن يُخضع القلوب باليقين والاتباع. فلو شاء ربك لآمن مَنْ في الأرض كلهم جميعاً، لا يتخلف منهم أحد، بدليل أنه سبحانه خلق الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، وبدليل أنه سبحانه بعث رسلاً وعصمهم، ولم يجعل للشيطان سبيلاً عليهم، وبدليل أن الشيطان بعد أن تعهّد أن يُغوي بني آدم ليكونوا معه سواء في المعصية قال له: {أية : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ..}تفسير : [الحجر: 42]. والشيطان نفسه يقول: {أية : قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ}تفسير : [ص: 82-83]. إذن لو أراد سبحانه لجعلَ الناس جميعاً مؤمنين وما عَزَّ عليه ذلك، لكنه أراد سبحانه أن يكون الإيمان باختيار المؤمن، فيأتي ربه طواعية مختاراً. حتى في أمور الدنيا وأهلها، قد ترى جباراً يضرب الناس، ويُخضعِهم لأمره ونهيه، فيطيعونه طاعةَ قوالب، إنما أيستطيع أنْ يُخضِع بجبروته قلوبهم؟! وقال: {فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} [الشعراء: 4] خَصَّ الأعناق؛ لأنها مظهر الخضوع، فأول الخضوع أنْ تلوى الأعناق، أو الأعناق تُطلَق عند العرب على وجوه القوم وأعيانهم؛ لذلك يقولون في التهديد: هذه مسألة تضيع فيها رقاب. والمراد: الرقاب الكبيرة ذات الشأن، لا رقاب لمامة القوم، والضعفاء، أو العاجزين. ومثلها كلمة صدور القوم يعني: أعيانهم والمقدَّمين منهم الذين يملأون العيون. والمعنى: فأنت لا تُخضِع الناس؛ لأني لو أردتُ أنْ أُخضعهم لأخضعتُهم؛ لذلك يقول تعالى في آية آخرى: {أية : وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ}تفسير : [يونس: 99]. فإذا كان ربك لا يُكرِه الناسَ على الإيمان، أفتُكرههم أنت؟ ولماذا الإكراه في دين الله؟ إن الحق - تبارك وتعالى - يوالي تنزيل القرآن عليهم - آية بعد آية - فلعل نجماً من نجومه يصادف فراغاً، وقلباً صافياً من الموجدة على رسول الله فيؤمن. لكن هيهات لمثل هؤلاء الذين طُبِعوا على اللدد والعناد والجحود أن يؤمنوا؛ لذلك يقول الله عنهم: {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً ..}تفسير : [النمل: 14]. وقال عنهم: {وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} معناهُ تُكتَبُ أذلاّء.
همام الصنعاني
تفسير : 2109- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {لَهَا خَاضِعِينَ}: [الآية: 4]، قال: لو شاء الله أنزل عَلَيْهم آيةً يذلون بها، فلا يلوي أحد منهم عنقه إلى معصية الله.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):