٢٦ - ٱلشُّعَرَاء
26 - Ash-Shu'ara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
12
Tafseer
الرازي
تفسير : وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن الله تعالى لما أمر موسى عليه السلام بالذهاب إلى قوم فرعون، طلب موسى عليه السلام أن يبعث معه هرون إليهم، ثم ذكر الأمور الداعية له إلى ذلك السؤال وحاصلها أنه لو لم يكن هرون، لاختلت المصلحة المطلوبة من بعثة موسى عليه السلام، وذلك من وجهين: الأول: أن فرعون ربما كذبه، والتكذيب سبب لضيق القلب، وضيق القلب سبب لتعسر الكلام على من يكون في لسانه حبسة، لأن عند ضيق القلب تنقبض الروح والحرارة الغريزية إلى باطن القلب، وإذا انقبضا إلى الداخل وخلا منهما الخارج ازدادت الحبسة في اللسان، فالتأذي من التكذيب سبب لضيق القلب، وضيق القلب سبب للحبسة، فلهذا السبب بدأ بخوف التكذيب، ثم ثنى بضيق الصدر، ثم ثلث بعدم انطلاق اللسان. وأما هرون فهو أفصح لساناً مني وليس في حقه هذا المعنى، فكان إرساله لائقاً الثاني: أن لهم عندي ذنباً فأخاف أن يبادروا إلى قتلي، وحينئذ لا يحصل المقصود من البعثة. وأما هرون فليس كذلك فيحصل المقصود من البعثة. المسألة الثانية: قرىء (يضيق) و (ينطلق) بالرفع، لأنهما معطوفان على خبر (أن)، وبالنصب لعطفهما على صلة أن، والمعنى: أخاف أن يكذبون، وأخاف أن يضيق صدري، وأخاف أن لا ينطلق لساني، والفرق أن الرفع يفيد ثلاث علل في طلب إرسال هرون، والنصب يفيد علة واحدة، وهي الخوف من هذه الأمور الثلاثة، فإن قلت: الخوف غم يحصل لتوقع مكروه سيقع وعدم انطلاق اللسان كان حاصلاً، فكيف جاز تعلق الخوف به؟ قلت: قد بينا أن التكذيب الذي سيقع يوجب ضيق القلب، وضيق القلب يوجب زيادة الاحتباس، فتلك الزيادة ما كانت حاصلة في الحال بل كانت متوقعة، فجاز تعليق الخوف عليها. أما قوله تعالى: {فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَـٰرُونَ } فليس في الظاهر ذكر من الذي يرسل إليه، وفي الخبر أن الله تعالى أرسل موسى عليه السلام إليه، قال السدي: إن موسى عليه السلام سار بأهله إلى مصر والتقى بهرون وهو لا يعرفه، فقال أنا موسى، فتعارفا وأمره أن ينطلق معه إلى فرعون لأداء الرسالة، فصاحت أمهما لخوفهما عليهما فذهبا إليه، ويحتمل أن يكون المراد أرسل إليه جبريل، لأن رسول الله إلى الأنبياء جبريل عليه السلام، فلما كان هو متعيناً لهذا الأمر حذف ذكره لكونه معلوماً، وأيضاً ليس في الظاهر أنه يرسل لماذا، لكن فحوى الكلام يدل على أنه طلبه للمعونة فيما سأل، كما يقال إذا نابتك نائبة، فأرسل إلى فلان أي ليعينك فيها وليس في الظاهر أنه التمس كون هرون نبياً معه، لكن قوله: {فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } يدل عليه. أما قوله: {وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ } فأراد بالذنب قتله القبطي، وقد ذكر الله تعالى هذه القصة مشروحة في سورة القصص. واعلم أنه ليس في التماس موسى عليه السلام، أن يضم إليه هرون ما يدل على أنه استعفى من الذهاب إلى فرعون بل مقصوده فيما سأل أن يقع ذلك الذهاب على أقوى الوجوه في الوصول إلى المراد، واختلفوا فقال بعضهم إنه وإن كان نبياً فهو غير عالم بأنه يبقى حتى يؤدي الرسالة لأنه إنما أمر بذلك بشرط التمكين، وهذا قول الكعبي وغيره من البغداديين لأنهم يجوزون دخول الشرط في تكليف الله تعالى العبد، والذي ذهب إليه الأكثرون أن ذلك لا يجوز لأنه تعالى إذا أمر فهو عالم بما يتمكن منه المأمور وبأوقات تمكنه، فإذا علم أنه غير متمكن منه فإنه لا يأمره به، وإذا صح ذلك فالأقرب في الأنبياء أنهم يعلمون إذا حملهم الله تعالى الرسالة أنه تعالى يمكنهم من أدائها وأنهم سيبقون إلى ذلك الوقت، ومثل ذلك لا يكون إغراء في الأنبياء وإن جاز أن يكون إغراء في غيرهم. المسألة الثالثة: لقائل أن يقول قول موسى عليه السلام: {وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ } هل يدل على صدور الذنب منه؟ جوابه: لا والمراد لهم عليَّ ذنب في زعمهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَ } موسى {رَبّ إِنّى أَخَافُ أَن يُكَذّبُونِ }.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ} لما أمر موسى - عليه السلام - بالذهاب إلى قوم فرعون طلب موسى - عليه السلام - أن يبعث معه هارون - عليه السلام - ثم ذكر الأمور الداعية إلى ذلك السؤال. فقوله: "أَنْ يُكَذِّبُونِ" مفعول "أَخَافُ" أي: أخاف تكذيبهم إياي. قوله: {وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلاَ يَنطَلِقُ} الجمهور على الرفع، وفيه وجهان: أحدهما: أنه مستأنف، أخبر بذلك. والثاني: أنه معطوف على خبر "إِنَّ" وقرأ زيدُ بن عليّ، وطلحة، وعيسى، والأعمش بالنصب فيهما. والأعرج بنصب الأول ورفع الثاني. فالنصب عطف على صلة "أَنْ" فتكون الأفعال الثلاثة: "يُكَذَّبُونِ" وَ "يَضِيقُ"، وَ "لاَ يَنْطَلِقُ" داخلة في حيِّز الخوف. قال الزمخشري: "والفرق بينهما، أي: الرفع والنصب، أَنَّ الرفع يفيد أن فيه ثلاث عللٍ: خوفُ التكذيب، وضيق الصدر، وامتناع انطلاق اللسان، والنصبُ على أنَّ خوفه متعلق بهذه الثلاثة. فإن قلت: في النصب تعليق الخوف بالأمور الثلاثة، وفي جُمْلَتِهَا نَفْيُ انطلاق اللسان، وحقيقه الخوف إِنَّما يلحق الإنسان لأمر سيقع، وذلك كان واقعاً، فكيف جاز تعليق الخوف به؟ قلت: قد عَلَّقَ الخوف بتكذيبهم، وبما يحصل له من ضيق الصدر، والحُبْسَة في اللسان زائدة على ما كان به، على أن تلك الحُبْسَة له من ضيق الصدر، والحُبْسَة في اللسان زائدة على ما كان به، على أن تلك الحُبْسَة التي كانت به زالت بدعوته. وقيل: بقيتْ منها بقيَّة يسيرة. فإن قلت: اعتذارك هذا يردّه الرفع، لأنّ المعنى: إِنِّي خائفٌ ضيِّقُ الصدرِ غيرُ مُنْطَلِق اللسان؟ قلت: يجوز أن يكون هذا قبل الدعوة واستجابتها ويجوز أن يريد القدر اليسير الذي بقي". قوله: "فَأَرْسِلْ" أي: فأرسل جبريلَ أو الملكَ، فحذف المفعول به، أي: ليؤازرني ويظاهرني على تبليغ الرسالة. قيل: إن الله تعالى أرسل موسى. قال السُّدِّيّ: إن موسى - عليه السلام - سار بأهله إلى مصر، والتقى بهارون وهو لا يعرفه، فقال: أنا موسى، فتعارفا، وأمره أن ينطلق معه إلى فرعون لأداء الرسالة. وقيل: أرسل جبريل إليه كما يرسل إلى الأنبياء - عليه السلام - فلما كان متعيناً لهذا الأمر حذف ذكر المرسل لكونه معلوماً. قوله: {وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ}. أي: دعوى ذنب، وهو قتله للقبطي، أي: لهم عليَّ ذنب في زعمهم {فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ} أي: يقتلونني، فقال الله تعالى: "كَلاَّ" أي: لن يقتلوك. قوله: "فَاذْهَبَا" عطف على ما دل عليه حرف الردع من الفعل، كأنه قيل: ارتدع عما تظن فاذهب أنت وأخوك {بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ} سامعون ما تقولون قال: "مَعكُمْ" بلفظ الجمع، وهما اثنان، أجراهما مجرى الجماعة. وقيل: أراد معكما ومع بني إسرائيل نسمع ما يجيبكم فرعون، {فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} إنما أفرد "رَسُول" إمَّا لأنه مصدر بمعنى: رسالة والمصدر يُوَحَّدُ، ومن مجيء "رَسُول" بمعنى رسالة قوله: شعر : 3897 - لَقَدْ كَذَبَ الوَاشُونَ مَا فُهْتُ عِنْدَهُمْ بِسِرٍّ وَلاَ أَرْسَلْتُهُمْ بِرَسُولِ تفسير : أي برسالة. وإما لأنهما ذَوَا شريعة واحدة فنُزِّلا منزلة رسول. وإما لأن المعنى: كل واحد منا رسول. وإما لأنه من وضع الواحد موضع التثنية لتلازمهما، فصارا كالشيئين المتلازمين، كالعينين واليدين. وحيث لم يقصد هذه المعاني طابق في قوله: {أية : أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ}تفسير : [طه: 47]. وقال أبو عبيد: يجوز أن يكون "الرسول" بمعنى الاثنين والجمع، تقول العرب: هذا رسولي ووكيلي، [وهذان رسولي ووكيلي]، وهؤلاء رسولي ووكيلي، كما قال: {أية : وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ}تفسير : [الكهف: 50]. قوله: "أَنْ أَرْسِلْ". يجوز أن تكون مفسِّرة لـ "رَسولُ" إذا قيل: بأنه بمعنى الرسالة، شرحا الرسالة بهذا وبيَّناها به. ويجوز أن تكون المصدرية، أي: رسول بكذا، والمراد من هذا الإرسال: التخلية والإرسال: كقولك: أرسل البازي.
القشيري
تفسير : سأل موسى - عليه السلام - أن يَشْفَعَه بهارون ويُشْرِكَه في الرسالة. وأخبر أنه قَتَلَ نَفْساً، وأنه في حُكْمِ فرعون عليه دَمٌ، فقال: {فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ} إلى أنْ قال له الحقُّ: {قَالَ كَلاَّ فَٱذْهَبَا بِآيَاتِنَآ إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ}. {كَلاَّ} حرفُ رَدْعٍ وتنبيه؛ أي كلا أن يكون ذلك كما توهمتَ، فارْتَدِعْ عن تجويز ذلك، وانتَبِهْ لغيره. إني معكما بالنصرة والقوة والكفاية والرحمة، واليدُ ستكون لكما، والسلطانُ سيكون لكما دونَ غيركما، فأنا أسمع ما تقولون وما يقال لكم، وأُبْصِرُ ما يُبْصِرُونَ وما تُبْصِرُون أنتم.
اسماعيل حقي
تفسير : {قال} استئناف كأنه قيل فماذا قال موسى فقيل قال متضرعا الى الله تعالى {رب} [اى بروردكار من] {انى اخاف} الخوف توقع مكروه عن امارة مظنونة او معلومة كما ان الرجاء والطمع توقع محبوب عن امارة مظنونة او معلومة {ان يكذبون} ينكروا نبوتى وما اقول من اول الامر. قال بعض الكبار خوفه كان شفقة عليهم وأصله يكذبونى فحذفت الياء استغناء بالكسر.
الجنابذي
تفسير : {قَالَ} موسى (ع) {رَبِّ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ وَيَضِيقُ صَدْرِي} عن معاشرتهم وتحمّل متاعب المعاشرة مع من لا يكون سنخاً لى {وَلاَ يَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَارُونَ} للرّسالة، ظاهر هذا الكلام ان يكون هذا منه استعفاءً من الرّسالة كأنّه قال: الرّسالة منك تستلزم سعة الصّدر لانّ الرّسول منك لا بدّ له من المعاشرة مع الادانى والاعالى ومشاهدة ما لا يرضاه العقل منهم ولا بدّ له من التّكلّم والمجادلة مع فصحائهم ومناطيقهم ولو كان بلسانه لكنة لا يغلب بل يُغلب وهو منافٍ لرسالتك، ولا بدّ ان يكون الرّسول منك رغب فيه وفى معاشرته كلّ احدٍ وانا قتلت منهم رجلاً فيطالبونى بدمه ولا يرغبون فىّ، وهارون سالم من ذلك كلّه فانّ له سعة صدر ولساناً طليقاً وليس بينه وبينهم دمٌ فأرسل اليه لرسالتك، او المعنى ارسل الى هارون ليكون معاوناً لى حتّى يكون موافقاً لسائر الآيات وعلى المعنى الاوّل كان موسى (ع) استعفى اوّلاً من الرّسالة وابى الله الاّ رسالته وبعد ما ابى الله الاّ رسالته استدعى معاونة هارون.
اطفيش
تفسير : {قَالَ} أي موسى. {رَبِّ} أي يا رب. {إِنِّي} وسكن الياء عند غير نافع وابن كثير وأبي عمر. {أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنطَلِقُ لِسَانِي} برفع يضيق وينطلق والعطف على أخاف فتلك ثلاثة تعللات خوف التكذيب وضيق الصدر وامتناع انطلاق اللسان وليس ذلك تعلل توقف عن قبول أمر الله تعالى بل طلب لما يكون معونة على امتثاله وتمهيد العذر فيه، كما استعان بأخيه اذ طلب أن يعضده الله به بقوله. {فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ} أن يأتيهم معي وكفى بطلب العون دليلا على التقبل لا على التعلل من القبول رتب الارسال إلى هارون على ثلاثة خوف التكذيب وضيق القلب الملازم عن التكذيب وعدم انطلاق لسانه مطلقا ولا سيما عند ضيق صدره لأن الله سبحانه وتعالى اذا أرسل هارون وجعله نبيا معه تقوى وضعف عنه ذلك وكان هارون بسيط المقال فصيح اللسان فيكون معينا له ونائبا منابه متى اعترته حبسته فلا تجعل دعوته ولا تنتثر حجته وذلك قبل دعاءه بحل عقدة لسانه والاستجابة له فوصف نفسه بأني خائف التكذيب ضيّق الصدر عبر منطلق اللسان أو بعد الدعاء والاستجابة لكن بقى فيه يسير من عدم الانطلاق أو لم يبق شيء لكنه لم يبلغ في الفصاحة مبلغ هارون ويدل له أفصح مني لسانا فإن قلنا بزوالها فإنه بالضيق يرفع مثلها أو أقل أو أكثر ان قلنا بزوال بعضها فإن هذا البعض يزيد ويشتد بالضيق وان قلنا بثبوتها ازداد لذلك فكأنه قيل ويضيق صدري للتكذيب ولا ينطلق لساني أصلا للضيق لأنه بالضيق تنبض الروح الى باطن القلب فتزداد حبسة اللسان أو توجد وقرأه يعقوب بنصب يضيق وينطلق والعطف على يكذبوني فيتعلق الخوف بثلاثة أشياء بالتكذيب والضيق وانحباس اللسان، ولا يقال كيف يخاف انحباسه خوفا مع انحباسه متيقن لأنه طبيعته لأنا نقول لا يدري ما يكون بعد فيحتمل بقاء الانحباس ويحتمل زواله وأيضا قد يجوز ان يكون حبسته زالت حينئذ بأن يكون ذلك بعد الدعاء والاستجابة له في حلها فخاف الانحباس للضيق اللازم على التكذيب وأيضا يجوز أن يكون خاف الزيادة في الحبسة لذلك وقيل بقيت له بقية يسيرة بعد حلها فيكون خاف الزيادة وعن بعضهم أن أصل الكلام أرسل جبريل إلى هراون واجعله نبيا مرسلا وآزرني به وأشد به عضدي فاختصر محذف ذلك.
الالوسي
تفسير : {قَالَ } استئناف بياني كأنه قيل: فماذا قال موسى عليه السلام؟ فقيل: قال متضرعاً إلى الله عز وجل. / {رَبّ إِنّى أَخَافُ أَن يُكَذّبُونِ } من أول الأمر.
ابن عاشور
تفسير : افتتاح مراجعته بنداء الله بوصف الربّ مضافاً إليه تحنين واستسلام. وإنما خاف أن يكذبوه لعلمه بأن مثل هذه الرسالة لا يتلقاها المرسَل إليهم إلا بالتكذيب، وجَعَل نفسه خائفاً من التكذيب لأنه لما خلعت عليه الرسالة عن الله وَقَر في صدره الحرص على نجاح رسالته فكان تكذيبه فيها مخوفاً منه. و{يضيق صدري} قرأه الجمهور بالرفع فهو عطف على {أخاف} أو تكون الواو للحال فتكون حالاً مقدرة، أي والحال يضيق ساعتئذ صدري من عدم اهتدائهم. والضَيق: ضد السعة، وهو هنا مستعار للغضب والكمد لأن من يعتريه ذلك يحصل له انفعال وينشأ عنه انضغاط الأعصاب في الصدر والقلب من تأثير الإدراك الخاص على جمع الأعصاب الكائن بالدماغ الذي هو المُدرك فيحس بشبه امتلاء في الصدر. وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : يجعلُ صدرَه ضيّقاً حرجاً}تفسير : [الأنعام: 125] وقوله: {أية : وضائق به صدرُك} تفسير : في سورة هود (12). والمعنى: أنه يأسف ويكمد لتكذيبهم إياه ويجيش في نفسه روم إقناعهم بصدقه، وتلك الخواطر إذا خطرت في العقل نشأ منها إعداد البراهين، وفي ذلك الإعداد تكلّف وتعب للفكر فإذا أبانها أحس بارتياح وبشبه السعة في الصدر فسمى ذلك شرحاً للصدر، ولذلك سأله موسى في الآية الأخرى قال: {أية : ربّ اشرح لي صدري}تفسير : [طه: 25]. والانطلاق حقيقته مطاوع أطلقه إذا أرسله ولم يحبسه فهو حقيقة في الذهاب. واستعير هنا لفصاحة اللسان وبيانه في الكلام، أي ينحبس لساني فلا يبين عند إرادة المحاجة والاستدلاللِ وعطفه على {يضيق صدري ينبىء بأنه أراد بضيق الصدر تكاثر خواطر الاستدلال، في نفسه على الذين كذبوه ليقنعهم بصدقه حتى يحسّ كأن صدره قد امتلأ، والشأن أن ذلك ينقُص شيئاً بعد شيء بمقدار ما يفصح عنه صاحبه من إبلاغه إلى السامعين، فإذا كانت في لسانه حبسة وعِيٌّ بقيت الخواطر متلجلجة في صدره. والمعنى: ويضيق صدري حين يكذبونني ولا ينطلق لساني. وقرأ الجمهور: يضيقُ... ولا ينطلقُ} مرفوعين عطفاً على {أخاف} ولذلك حقّقه بحرف التأكيد لأنه أيقن بحصول ذلك لأنه جبلي عند تلقي التكذيب، ولأن أمانة الرسالة والحرص على تنفيذ مراد الله يحدث ذلك في نفسه لا محالة، وإذ قد كان انحباس لسانه يقيناً عنده لأنه كان كذلك من أجل ذلك التيقن كان فعلا {يضيق... ولا ينطلق} معطوفين على ما هو محقق عنده وهو حصول الخوف من التكذيب، ولم يكونا معطوفين على {يكذبون} المخوف منه المتوقع على أن كونه محقق الحصول يجعله أحرى من المتوقع. وقرأ يعقوب {ويضيقَ... ولا ينطلقَ} بنصب الفعلين عطفاً على {يكذبون}، أي يتوقع أن يضيقَ صدره ولا ينطلقَ لسانُه. قيل كانت بموسى حُبسة في لسانه إذا تكلم. وقد تقدم في سورة طَه وسيجيء في سورة الزخرف. وليس القصد من هذا الكلام التنصل من الاضطلاع بهذا التكليف العظيم ولكن القصد تمهيد ما فرعه عليه من طلب تشريك أخيه هارون معه لأنه أقدر منه على الاستدلال والخطابة كما قال في الآية الأخرى {أية : وأخي هارون هو أفصح مني لساناً فأرسله معي}تفسير : [القصص: 34]. فقوله هنا {فأرسل إلى هارون} مُجمل يبيّنه ما في الآية الأخرى فيعلم أن في الكلام هنا إيجازاً. وأنه ليس المراد: فأرسل إلى هارون عِوَضاً عني. وإنما سأل الله الإرسالَ إلى هارون ولم يسأله أن يكلّم هارون كما كلّمه هو لأن هارون كان بعيداً عن مكان المناجاة. والمعنى: فأرسل مَلَكاً بالوحي إلى هارون أن يكون معي. وقوله: {ولهم عليَّ ذنب فأخاف أن يقتلون} تعريض بسؤال النصر والتأييد وأن يكفيه شرّ عدوّه حتى يؤدي ما عهد الله إليه على أكمل وجه. وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر: «حديث : اللهم إني أسألك نصرك ووعدَك اللهم إن شئت لم تعبد في الأرض»تفسير : . والذنب: الجُرم ومخالفة الواجب في قوانينهم. وأطلق الذنب على المؤاخذة فإن الذي لهم عليه هو حقّ المطالبة بدم القتيل الذي وكزه موسى فقضَى عليه، وتوعده القبط إن ظفروا به ليقتلوه فخرج من مصر خائفاً، وكان ذلك سببَ توجهه إلى بلاد مَدْيَن. وسمّاه ذَنْباً بحسب ما في شرع القبط، فإنه لم يكن يومئذ شرع إلهي في أحكام قتل النفس. ويصح أن يكون سمّاه ذنباً لأن قتل أحد في غير قصاص ولا دفاع عن نفس المُدافع يعتبر جرماً في قوانين جماعات البشر من عهد قتل أحد ابني آدم أخاه، وقد قال في سورة القصص (15، 16) {أية : قال هذا من عمل الشيطان إنه عَدوّ مُضِلّ مبين قال ربّ إنّي ظلمتُ نفسي فاغفر لي}تفسير : . وأيًّا مَّا كان فهو جعله ذنباً لهم عليه. وقوله: {فأخاف أن يقتلون} ليس هَلَعاً وفرقاً من الموت فإنه لما أصبح في مقام الرسالة ما كان بالذي يبالي أن يموت في سبيل الله؛ ولكنه خشي العائق من إتمام ما عُهد إليه مما فيه له ثواب جزيل ودرجة عليا. وحذفت ياء المتكلم من {يقتلون} للرعاية على الفاصلة كما تقدم في قوله تعالى: {أية : وإيايَ فارهبون}تفسير : في سورة البقرة (40). وذكر هارون تقدم عند قوله تعالى: {أية : وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون} تفسير : في سورة البقرة (248).
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى في هذه الآية الكريمة عن نبيه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام {إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ} أي بسبب أني قتلت منهم نفساً، وفررت منهم لما خفت أن يقتلوني بالقتيل الذي قتلته منهم، ويوضح هذا المعنى الترتيب بالفاء في قوله تعالى: {أية : قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ} تفسير : [القصص: 33]، لأن من يخاف القتل فهو يتوقع التكذيب. وقوله: {وَلاَ يَنطَلِقُ لِسَانِي} أي من أجل العقدة المذكورة في قوله تعالى عن موسى: {أية : وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي يَفْقَهُواْ قَوْلِي} تفسير : [طه: 27ـ28] قدمنا في الكلام على آية طه هذه بعض الآيات الدالة على ما يتعلق بهذا المبحث. قوله تعالى: {فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَارُونَ}. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً} تفسير : [مريم: 53].
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 12- قال موسى: يا رب إننى أخشى ألا يقبلوا رسالتى كبْراً وعناداً. 13- ويحيط بى الغم إذا كذبونى، ولا ينطلق لسانى حينئذٍ فى محاجتهم كما أحب، فأرسل جبريل إلى أخى هارون ليؤازرنى فى أمرى. 14- ولهؤلاء ذنب علىَّ، فقد قتلت منهم رجلا فأخاف أن يقتلونى قصاصاً قبل أداء مهمتى، ويزيدنى ذلك خوفاً. 15- قال الله له: لن يقتلوك، وقد أجبت سؤالك فى هارون، فاذهبا مزودين بمعجزاتنا، إنى معكما بالحفظ أسمع ما يجرى بينكما وبين فرعون، فلكما النصر والتأييد. 16- فتوجها إلى فرعون فقولا له: إنَّا مرسلان إليك من رب العالمين. 17- يقول لك رب العالمين: أطلقْ سراح بنى إسرائيل ليذهبوا معنا. 18- قال فرعون لموسى مُمْتَناً - وقد عرفه حينما دخلا عليه وأديا الرسالة حيث تربى فى قصره - ألم نربك فينا وليداً، ومكثت فى رعايتنا سنين من عمرك؟. 19- وجنيت جنايتك النكراء بقتلك رجلا من قومى، وجحدت نعمتى التى سلفت منا عليك، فلم تحفظ رعيتى، واعتديت على ألوهيتنا بادعاء أنك رسول رب العالمين. 20- قال موسى: لقد فعلت ما ذكرت جهلا بما يفضى إليه العقل من القتل، فلا تثريب على.
د. أسعد حومد
تفسير : (12) - فقالَ موسى لِرَبِّهِ: إنَّهُ يخَافُ أن يُكَذِّبَهُ فِرْعَوْنَ ومَلَؤُهُ، فيما يَأْتيهِمْ بِه، كِبْراً وبَطَراً وعِنَاداً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : لما دعا الحق - تبارك وتعالى - نبيه موسى - عليه السلام - لأنْ يذهب إلى قوم فرعون لم يبادر بالذهاب، إنما أبدى لربه هواجس نفسه وخلجاتها؛ لأنه يعلم مُقدَّماً مشقة هذه المهمة، فقد عاش مع فرعون ويعلم طبيعته، فقال: {إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ} [الشعراء: 12] وكيف لمن يدّعي الألوهية أنْ يسمع لرسول؟ ويُرْوَى أنه في عهد الخليفة المأمون ادَّعَى أحدهم النبوة، فحبسوه، ثم ادعاها آخر فقال: اجمعوا بينهما حتى يواجه أحدهما الآخر، فلما حضرا قالوا: يا هذا إن هذا الرجل يدَّعي النبوة، فقال: كذب، أنا لم أُرسِل أحداً. وهكذا جعل من نفسه إلهاً بعد أن كان نبياً. ويواصل موسى الحديث عن مخاوفه: {وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلاَ يَنطَلِقُ لِسَانِي ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):