Verse. 2947 (AR)

٢٦ - ٱلشُّعَرَاء

26 - Ash-Shu'ara (AR)

قَالَ كَلَّا۝۰ۚ فَاذْہَبَا بِاٰيٰتِنَاۗ اِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُوْنَ۝۱۵
Qala kalla faithhaba biayatina inna maAAakum mustamiAAoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال» تعالى: «كلا» لا يقتلونك «فاذهبا» أي أنت وأخوك، ففيه تغليب الحاضر على الغائب «بآياتنا إنا معكم مستمعون» ما تقولون وما يقال لكم، أجريا مجرى الجماعة.

15

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن موسى عليه السلام طلب أمرين: الأول: أن يدفع عنه شرهم والثاني: أن يرسل معه هرون فأجابه الله تعالى إلى الأول بقوله: {كَلاَّ } ومعناه ارتدع يا موسى عما تظن وأجابه إلى الثاني بقوله: {فَٱذْهَبَا } أي اذهب أنت والذي طلبته وهو هرون فإن قيل علام عطف قوله: {فَٱذْهَبَا } قلنا على الفعل الذي يدل عليه (كلا) كأنه قال: ارتدع يا موسى عما تظن فاذهب أنت وهرون. وأما قوله: {إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ } فمن مجاز الكلام يريد أنا لكما ولعدوكما كالناصر الظهير لكما عليه إذاً أحضر وأستمع ما يجري بينكما فأظهركما عليه وأعليكما وأكسر شوكته عنكما، وإنما جعلنا الاستماع مجازاً لأن الاستماع عبارة عن الإصغاء وذلك على الله تعالى محال. وأما قوله: {إِنَّا رَسُولُ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } ففيه سؤال وهو أنه هلا ثنى الرسول كما ثنى في قوله: {إِنَّا رَسُولاَ رَبّكَ } جوابه من وجوه: أحدها: أن الرسول اسم للماهية من غير بيان أن تلك الماهية واحدة أو كثيرة والألف واللام لا يفيدان إلا الوحدة لا الاستغراق، بدليل أنك تقول الإنسان هو الضحاك ولا تقول كل إنسان هو الضحاك ولا أيضاً هذا الإنسان هو الضحاك، وإذا ثبت أن لفظ الرسول لا يفيد إلا الماهية وثبت أن الماهية محمولة على الواحد وعلى الاثنين ثبت صحة قوله: {إِنَّا رَسُولُ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } وثانيها: أن الرسول قد يكون بمعنى الرسالة قال الشاعر: شعر : لقد كذب الواشون ما فهت عندهم بسر ولا أرسلتهم برسول تفسير : فيكون المعنى إنا ذو رسالة رب العالمين وثالثها: أنهما لاتفاقهما على شريعة واحدة واتحادهما بسبب الأخوة كأنهما رسول واحد ورابعها: المراد كل واحد منا رسول وخامسها: ما قاله بعضهم أنه إنما قال ذلك لا بلفظ التثنية لكونه هو الرسول خاصة وقوله: {إنا } فكما في قوله تعالى: { أية : إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ } تفسير : [يوسف: 2] وهو ضعيف. وأما قوله: {أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إِسْرٰءيلَ } فالمراد من هذا الإرسال التخلية والإطلاق كقولك أرسل البازي، يريد خلهم يذهبوا معنا.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ } تعالى: {كَلاَّ } أي لا يقتلونك {فَٱذْهَبَا } أي أنت وأخوك، ففيه تغليب الحاضر على الغائب {بِئَايَٰتِنَا إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُون} ما تقولون وما يقال لكم، أُجريا مجرى الجماعة.

السلمي

تفسير : {فَٱذْهَبَا بِآيَاتِنَآ إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ} [الآية: 15]. فتقدير سؤاله أى: هل فى سبق علمك، وواجب حكمك أن يقتلون يستدل على ذلك بجواب الحق له "كلا" ثم خاطبه، وبعثه بالرسالة وأمرهما بإظهار الدلالة.

اسماعيل حقي

تفسير : {قال} تعالى {كلا} اى ارتدع عما تظن فانهم لايقدرون على قتلك به لانى لا اسلطهم عليك بل اسلطك عليهم {فاذهبا} اى انت والذى طلبت و هو هارون فالخطاب اليهما على تغليب الحاضر {بآياتنا} اى حال كونكما ملتبسين بآياتنا التسع التى هى دلائل القدرة وحجة النبوة وهو رمز الى دفع ما يخافه {انا معكم} تعليل للردع عن الخوف ومزيد تسلية لهما بضمان كما ان الحفظ والنصرة والمراد موسى وهارون وفرعون فمع موسى وهارون بالعون والنصر مع فرعون بالقهر والكسر وهو مبتدأ وخبر قوله {مستمعون} خبر ثانى او الخبر وحده ومعكم ظرف لغو وحقيقة الاستماع طلب السمع بالاصغاء وهو بالفارسية [كوش فرا داشتن] والله تعالى منزه عن ذلك فاستعير للسمع الذى هو مطلق ادراك الحروف والاصوات من غير اصغاء. والمعنى سامعون لما يجرى بينكما وبنيه فاظهر كما عليه مثل حاله تعالى بحال ذى شوكة قد حضر مجادلة قوم يسمع ما يجرى بينهم ليمد الاولياء منهم ويظهرهم على الاعداء مبالغة فى الوعد بالاعانة وجعل الكلام استعارة تمثيلية لكون وجه الشبه هيئة منتزعة من عدة امور.

الطوسي

تفسير : هذا خطاب من الله تعالى جواباً لموسى عماه حكاه أنه {قال كلاّ} لا يقتلونك {فاذهبا} ومعنى (كلا) زجر أي لا يكون ذلك، ولا يقتلونك {فاذهبا} أمر لموسى وهارون على ما اقترحه موسى فاجيب اليه {فاذهبا بآياتنا} أي بأدلتنا ومعجزاتنا التي خصكما الله بها، و {إنا معكم مستمعون} أي نحن نحفظكم ونحن سامعون ما يجري بينكم، فهو (مستمع) في موضع (سامع) لأن الاستماع طلب السمع بالاصغاء اليه، وذلك لا يجوز عليه تعالى، وانما قال بهذا اللفظ، لأنه أبلغ في الصفة، وأشد في التعظيم - والله تعالى سامع بما يغني عن مذكر مستمع - لينبئ عن هذا المعنى، ووصفه بسامع يغني عن سماع الجماعة التي يقع سماعهم معاونة وإنما قال (مستمعون) بلفظ الجمع بناء على قوله {إنا} وأمرهما بأن يأتيا فرعون وأن يقولا له {إنا رسول رب العالمين} أرسلنا الله اليك لندعوك إلى عبادته، وترك الاشراك به، وانما قال {رسول} على التوحيد، وهو للاثنين، لأن المعنى ان كل واحد منا رسول رب العالمين، وقد يكون الرسول في معنى الجمع قال الهذلي: شعر : الكني اليها وخير الرسو ل أعلمهم بنواحي الخبر تفسير : أي وخير الرسل: وقيل: إنه في موضع رسالة، فكما يقع المصدر موقع الصفة كذلك تقع الصفة موقع المصدر. والارسال جعل الشيء ماضياً في الامر، ومثله الاطلاق والبعث، وانشد في ذلك: شعر : لقد كذب الواشون ما بحت عندهم بسر ولا أرسلتهم برسول تفسير : أي برسالة، وقال الآخر: شعر : ألا من مبلغ عني خفافا رسولا بيت أهلك منتهاها تفسير : فانثه تأنيث الرسالة. وقوله {أن أرسل معنا بني إسرائيل} أي أمرك الله بأن تطلق صراح بني إسرائيل ليجيئوا معنا، وفي الكلام حذف وتقديره: إنهما مضيا إلى فرعون، وقالا له ما أمرهم الله به فقال فرعون لموسى {ألم نربك فينا وليداً} فالتربية تنشئة الشيء حالا بعد حال: رباه يربيه، ومثله نماه ينميه نماء. وقوله {وليداً} أي حين كنت طفلا صغيراً {ولبثت فينا من عمرك سنين} أي اقمت سنين كثيرة عندنا، ومكثت. وفى (عمر) ثلاث لغات - ضم الميم وإسكانها مع ضم العين، وفتح العين وسكون الميم. ومنه قوله {أية : لعمرك}، تفسير : وعمر الأنسان بالفتح لا غير، وفى القسم أيضاً بالفتح لا غير. وقوله {وفعلت فعلتك التي فعلت} يعني قتلك القبطي. وقرأ الشعبي {فعلتك} بكسر الفاء مثل الجلسة والركبة، وهو شاذ لا يقرأ به. وقوله {وأنت من الكافرين} قيل في معناه قولان: أحدهما - قال ابن زيد أنت من الجاحدين لنعمتنا. الثاني - قال السدي أراد كنت على ديننا هذا الذي تعيبه كافراً بالله. وقال الحسن: وأنت من الكافرين أي في أني إلهك. وقيل: من الكافرين لحق تربيتي، فقال له موسى (ع) في الجواب عن ذلك {فعلتها} يعني قتل القبطي {وأنا من الضالين} قال قوم: يعني من الضالين أي من الجاهلين بأنها تبلغ القتل. وقال الجبائي {وأنا من الضالين} عن العلم بان ذلك يؤدي إلى قتله. وقال قوم: معناه {وأنا من الضالين} عن طريق الصواب، لأني ما تعمدته. وانما وقع مني خطأ، كما يرمي انسان طائراً فيصيب انساناً.

الجنابذي

تفسير : {قَالَ كَلاَّ} ردع له عن استعفائه وكأنّه كان بعد قوله كلاّ سؤال موسى (ع) معاونة هارون واجابته تعالى لسؤاله كأنّه قال {أية : وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِيۤ أَمْرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً} تفسير : [طه:29-34] فقال تعالى: اجبت مسؤلك {فَٱذْهَبَا بِآيَاتِنَآ} التّسع او بأحكامنا وشرائعنا ولا تخافا {إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} لم يثنّ الرّسول لاستواء المذكّر والمؤنّث والواحد والاكثر فى فعولٍ بمعنى الفاعل وفعيلٍ بمعنى المفعول، او للاشارة الى انّه رسالة واحدة والرّسول واحد منهما والآخر معين له.

اطفيش

تفسير : {قَالَ} الله. {كَلا} ارتدع موسى عما تظن من القتل فإنهم لا يقتلونك أو ارتدع عن الخوف فإنهم لا يقتلونك. {فَاذْهَبَا} أنت وهارون وهو غائب ولكن غلب الحاضر وهو موسى فخاطبهما معا واعلم أن قول موسى رب اني أخاف.. الخ يتضمن دعاء الله أن يدفع عنه بلاءهم الذي هو التكذيب المرتب عليه الضيق المترتب عليه عدم اطلاق اللسان وكل ذلك بلايا وبلاءهم الذي هو القتل فأجاب دعاءه إذ وعده الدفع بردعه عن الخوف وبقوله فاذهبا فان في ذهاب هارون معه إزالة الضيق وعدم انطلاق اللسان وقوله {أية : فأرسل إلى هارون }تفسير : طلب المؤازرة بأخيه فأجاب طلبه بقوله {فَاذْهَبَا} فإنه لولا الاجابة لما أمر هارون بالذهاب فكأنه قال فاذهب والذي طلبته وهو هارون بقوله {فَاذْهَبَا} اجابة لقوله {أية : رب إني أخاف }تفسير : الخ.. ولقوله {أية : فأرسل إلى هارون }تفسير : وقوله {كَلا} اجابة لقوله {أية : فأخاف أن يقتلون }تفسير : ولك أن تقول استدفع بلاءهم في قوله فأخاف أن يتقلون، فوعده الدفع بالردع وطلب إرسال هارون تقوية فأجاب بقوله {فَاذْهَبَا} فيكون قوله {فَاذْهَبَا} راجعا إلى قوله {أية : فأرسل إلى هارون }تفسير : فقط والفاء للاستئناف أو للعطف على الجملة التي تدل عليها كلا أي ارتدع فاذهب أنت وهارون فذا من العطف على المعنى. {بِآيَاتِنَا} معجزاتنا وفي هذا تأنيس أيضا وتقوية. {إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ} هذا أشد تأنيسا وتقوية لأن المعنى إنا حاضرون سامعون لما يجري بينكما وبينه وناصر كما عليه وأصل الأسماع الاصغاء تعالى الله عنه واستعمل في معنى العلم واختير مستمعون عن سامعون لما في لفظه من المبالغة والخطاب لموسى وهارون وفرعون تغليبا للحاضر عن الغائبين أعني الغيبة الاصطلاحية وليس شيء يغيب على الله، وقيل الخطاب لموسى وهارون عليهما السلام والتعبير بصيغة الجمع عن الاثنين مجاز على الصحيح وقيل حقيقة واختير صفة الجماعة تعظيما لهما واشارة إلى أنهما في محضر فرعون كالجماعة وذلك من التقوية بمكان متعلق بمحذوف خبر ومستمعون اخبر آخر أو مستمعون خبر ومع متعلق به أو بمحذوف وحال من الضمير أو من اسم ان.

اطفيش

تفسير : {قال كلاَّ} اترك خوف القتل، فانى أعصمك عن أن يقتلك، وقد اجبتك الى ذهاب هارون معك {فاذْهَبا} عطف على محذوف، أى لا تخف القتل، فاذهب أنت وهارون والمقدم هناك طلب ذهابه معه، وهنا ذكر خوف القتل بالردع عنه، لاختصاصه بموسى، وقد مر أنه لم يحضر هارون طلب موسى ذهاباً، فالخطاب لهما بالذهاب، تغليب للحاضر، وهو موسى {بآياتنا} أى التوراة، أو بما سأظهر لكما من المعجزات بعد، فإنه لا تخلوان عنها، والمراد الذهاب والمكث فى شأنه، حتى تتم المعجزات {إنا مَعَكُم} خبر لأن معكم بالنصر {مُسْتمعُون} خبر ثان، اسمع ما يقول: "أية : إننى معكما أسمع وأرى"تفسير : [طه: 46] والمعنى عالمون، والافتعال أبلغ من الفعل، فلم يقل سامعون، والجمع فى معكم لهما تعظيماً، والتثنية قبل وبعد لا تمنع ذلك، فقد ورد فى القرآن اعتبار الشىء تارة، وتركه أخرى فى موضع واحد، كما قال: رسول ورسولا، والجمع باعتبار الاتباع من بنى اسرائيل تبشيراً بالنصر، وقيل: لهما ولفرعون.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {قَالَ كَلاَّ فَٱذْهَبَا بِـئَايَـٰتِنَا } إجابة له عليه السلام إلى الطلبتين حيث وعده عز وجل دفع بلية الأعداء بردعه عن الخوف وضم إليه أخاه بقوله: {ٱذْهَبَا } فكأنه قال له عز وجل: ارتدع عن خوف القتل فإنك بأعيننا فاذهب أنت وأخوك هارون الذي طلبته، وجاء النشر على عكس اللف لاختصاص ما قدم بموسى عليه السلام وظاهر السياق يقتضي عدم حضور هارون ففي الخطاب المذكور تغليب والفعل معطوف على الفعل الذي يدل عليه {كَلاَّ } كما أشرنا إليه، وقيل: الفاء فصيحة، والمراد بالآيات ما بعثهما الله تعالى به من المعجزات وفيها رمز إلى أنها تدفع ما يخافه. وقوله عز وجل: {إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ } تعليل للردع عن الخوف ومزيد تسلية لهما بضمان كمال الحفظ والنصرة كقوله تعالى: {أية : إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ }تفسير : [طه: 46] والخطاب لموسى وهارون ومن يتبعهما من بني إسرائيل فيتضمن الكلام البشارة بالإشارة إلى علو أمرهما واتباع القوم لهما، وذهب سيبويه إلى أنه لهما عليهما السلام ولشرفهما وعظمتهما عند الله تعالى عوملا في الخطاب معاملة الجمع، واعترض بأنه يأباه ما بعده وما قبله من ضمير التثنية، وقيل: هو لهما عليهما السلام ولفرعون واعتبر لكون الموعود بمحضر منه وإن شئت ضم إلى ذلك قوم فرعون أيضاً، واعترض بأن المعية العامة ـ أعني المعية العلمية ـ لا تختص بأحد لقوله تعالى: {أية : وَلاَ أَدْنَىٰ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ } تفسير : [المجادلة: 7] والمعية الخاصة وهي معية الرأفة والنصرة لا تليق بالكافر ولو بطريق التغليب، وأجيب بأن خصوص المعية لا يلزم أن يكون بما ذكر بل بوجه آخر وهو تخليص أحد المتخاصمين من الآخر بنصرة المحق والانتقام من المبطل، وأياً ما كان فالظرف في موضع الخبر لإن و {مُّسْتَمِعُونَ } خبر ثان أو الخبر {مُّسْتَمِعُونَ } والظرف متعلق به أو متعلق بمحذوف وقع حالاً من ضميره وتقديمه للاهتمام أو / الفاصلة أو الاختصاص بناءً على أن يراد بالمعية الاستماع في حقه عز وجل وهو مجاز عن السمع اختير للمبالغة لأن فيه تسلماً للإدراك وهو مما ينزه الله تعالى عنه سواء كان بحاسة أم لا فسقط ما قيل من أن السمع في الحقيقة إدراك بحاسة فإن أريد به مطلق الإدراك فالاستماع مثله فلا حاجة إلى التجوز فيه، وإلى التجوز هنا ذهب غير واحد، وقال بعضهم: {إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ } جملة استعارة تمثيلية مثل سبحانه حاله عز وجل بحال ذي شوكة قد حضر مجادلة قوم يستمع ما يجري بينهم ليمد أولياءه ويظهرهم على أعدائهم مبالغة في الوعد بالإعانة وحينئذٍ لا تجوز في شيء من مفرداته ولا يكون {مُّسْتَمِعُونَ } مطلقاً عليه تعالى فلا يحتاج إلى جعله بمعنى سامعين إلا أن يقال: إنه في المستعار منه كذلك لأن المقصود السمع دون الاستماع الذي قد لا يوصل إليه لكنه كما ترى. وجوز أن يكون {إِنَّا مَعَكُمْ } فقط تمثيلاً لحاله عز وجل في نصره وإمداده بحال من ذكر ويكون الاستماع مجازاً عن السمع وهو بحسب ظاهره لكونه لم يطلق عليه سبحانه كالسمع كالقرينة وإن كان مجازاً والقرينة في الحقيقة عقلية وهي استحالة حضوره تعالى شأنه في مكان، ولا بد على هذا من أن يقال: إن الاستماع المذكور في تقرير التمثيل ليس هو الواقع في النظم الكريم بل هو من لوازم حضور الحكم للخصومة وفيه بعد. ثم إن ما ذكروه وإن كان مبنياً على جعل الخطاب لموسى وهارون وفرعون يمكن إجراؤه على جعله لهما عليهما السلام ولمن يتبعهما أولهما فقط أيضاً بأدنى عناية فافهم ولا تغفل. وزعم بعضهم أن المعية والاستماع على حقيقتهما ولا تمثيل، والمراد أن ملائكتنا معكم مستمعون وهو مما لا ينبغي أن يستمع، ولا بد في الكلام على هذا التقدير من إرادة الإعانة والنصرة وإلا فبمجرد معية الملائكة عليهم السلام واستماعهم لا يطيب قلب موسى عليه السلام. والفاء في قوله تعالى: {فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ}.

ابن عاشور

تفسير : {كلاَّ} حرف إبطال. وتقدم في قوله تعالى: {أية : كلا سنكتب ما يقول}تفسير : في سورة [مريم: 79]. والإبطال لقوله: {أية : فأخاف أن يقتلون}تفسير : [الشعراء: 14]، أي لا يقتلونك. وفي هذا الإبطال استجابة لما تضمنه التعريض بالدعاء حين قال: {أية : وَلَهم عليَّ ذنب فأخاف أن يقتلون}تفسير : [الشعراء: 14]. وقوله: {فاذهبا بآياتنا} تفريع على مُفاد كلمة {كلاّ}. والأمر لموسى أن يذهبَ هو وهارُون يقتضي أن موسى مأمور بإبلاغ هارون ذلك فكان موسَى رسولاً إلى هارون بالنبوءة. ولذلك جاء في التوراة أن موسى أبلغَ أخاه هارون ذلك عندما تلقّاه في حوريب إذ أوحى الله إلى هارون أن يتلقاه، والباء للمصاحبة، أي مصاحبَيْن لآياتنا، وهو وعد بالتأييد بمعجزات تظهر عند الحاجة. ومن الآيات: العصا التي انقلبت حية عند المناجاة، وكذلك بياض يده كما في آية سورة [طه: 17] {أية : وما تلك بيمينك يا موسى}تفسير : الآيات. وجملة: {إنا معكم مستمعون} مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن أمرهما بالذهاب إلى فرعون يثير في النفس أن يتعامى فرعون عن الآيات ولا يَرعوي عند رؤيتها عن إلحاق أذى بهما فأجيب بأن الله معهما ومستمع لكلامهما وما يجيب فرعونُ به. وهذا كناية عن عدم إهمال تأييدهما وكفِّ فرعون عن أذاهما. فضمير {معكم} عائد إلى موسى وهارون وقوم فرعون. والمعية معية علم كالتي في قوله تعالى: {أية : إلاّ هو معهم أين ما كانوا}تفسير : [المجادلة: 7]. و{مستمعون} أشدّ مبالغة من (سامعون) لأن أصل الاستماع أنه تكلف السماع والتكلف كناية عن الاعتناء، فأريد هنا علم خاص بما يجري بينها وبين فرعون وملئه وهو العلم الذي توافقه العناية واللطف. والجمع بين قوله: {بآياتنا} وقوله: {إنا معكم مستمعون} تأكيد للطمأنة ورباطة لجأشهما. والرسول: فَعُول بمعنى مُفعَل، أي مُرسل. والأصل فيه مطابقة موصوفه، بخلاف فعول بمعنى فاعل فحقه عدم المطابقة سماعاً، وفعول بمعنى اسم المفعول قليل في كلامهم ومنه: بقرة ذَلول، وقولهم: صَبُوح، لما يشرب في الصباح، وغبوق، لما يشرب في العشي، والنَّشوق، لما ينشق من دواء ونحوه. ولكن رسول يجوز فيه أن يُجرى مجرى المصدر فلا يطابق ما يجري عليه في تأنيث وما عدا الإفراد، وورد في كلامهم بالوجهين تارة مُلازماً الإفراد والتذكير كما في هذه الآية، وورد مطابقاً كما في قوله تعالى: {أية : فقولا إنّا رسولا ربك} تفسير : في سورة [طَه: 47]، فذهب الجوهري إلى أنه مشترك بين كونه اسماً بمعنى مَفعول وبين كونه اسم مصدر ولم يجعله مصدراً إذ لا يعرف فعول مصدراً لغير الثلاثي، واحتج بقول الأشْعَر الجعفي:شعر : ألاَ أَبلِغ بني عَمرو رسولاً بأني عن فُتاحتِكُم غَنِيُّ تفسير : [الفتاحة: الحكم]. وتبعه الزمخشري في هذه الآية إذ قال: الرسول يكون بمعنى المرسَل وبمعنى الرسالة فجُعل ثَمَّ (أي في قوله: {أية : إنا رسولا ربّك}تفسير : في سورة [طه: 47]) بمعنى المرْسَل، وجُعل هنا بمعنى الرسالة. وقد قال أبو ذؤيب الهذلي:شعر : ألِكْنِي إليها وخير الرسُو ل أعلَمُهُم بنواحي الخبر تفسير : فهل من ريبة في أن ضمير الرسول في البيت مراد به المرسلون. وتصريح النحاة بأن فَعولاً الذي بمعنى المفعول يجوز إجراؤه على حالة المتّصِفِ به من التذكير والتأنيث فيجوز أن تقول: ناقَة رَكُوبة ورَكُوب، يقتضي أن التثنية والجمعَ فيه مثل التأنيث. وقد تقدمت الإشارة إلى هذا في سورة طه وأحلنا تحقيقه على ما هنا. ومبادأة خطابهما فرعونَ بأن وصفا الله بصفة ربّ العالمين مجابهة لفرعون بأنه مربوب وليس بربّ، وإثبات ربوبية الله تعالى للعالمين. والنفي يقتضي وحدانية الله تعالى لأن العالمين شامل جميعَ الكائِنات فيشمل معبودات القبط كالشمس وغيرها، فهذه كلمة جامعة لما يجب اعتقاده يومئذ. وجملة: {أن أرسل معنا بني إسرائيل} تفسيرية لما تضمنه {رسُول} من الرسالة التي هي في معنى القول، أي هذا قول ربّ العالمين لك. و{أَرْسِل معنا} أَطلِقْ ولا تحبسهم، فالإرسال هنا ليس بمعنى التوجيه. وهذا الكلام يتضمن أن موسى أُمر بإخراج بني إسرائيل من بلاد الفراعنة لقصد تحريرهم من استعباد المصريين كما سيأتي عند قوله تعالى: {أية : أن عبَّدْتَ بني إسرائيل}تفسير : [الشعراء: 22]، وقد تقدم في سورة البقرة بيان أسباب سكنى بني إسرائيل بأرض مصر ومواطنهم بها وعملهم لفرعون.

الشنقيطي

تفسير : صيغة الجمع في قوله: {إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ} للتعظيم، وما ذكره جل وعلا في هذه الآية من رده على موسى خوفه القتل من فرعون وقومه، بحرف الزجر الذي هو كلا، وأمره أن يذهب هو وأخوه بآياته مبيناً لهما أن الله معهم: أي وهي معية خاصة بالنصر والتأييد، وأنه مستمع لكل ما يقول لهم فرعون أوضحه أيضاً في غير هذا الموضع كقوله تعالى: {أية : قَالَ لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ} تفسير : [طه: 46]. وقوله تعالى: {أية : قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَآ أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلْغَالِبُونَ} تفسير : [القصص: 35].

د. أسعد حومد

تفسير : {بِآيَاتِنَآ} (15) - فَرَدَّ اللهُ تَعالى عَلى مُوسى قَائِلاً: لاَ تَخَفْ شَيئاً منْ ذلك. إِنَّنَا سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بأخِيكَ هَارونَ، فاذْهَبْ أَنْتَ وإيَّاهُ إلى فِرْعَوْنَ بالآياتِ التي آتَيْتُكُمْ، ومنْها العَصا واليَدُ، وسَأكونُ مَعَكُما حَاضِراً مُسْتَمِعاً ومُبْصِراً ما سَيَجْري، وأنتُما بِحِفْظِي ورِعَايَتي، وأنتُما الغَالِبَانِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : (كَلاَّ) تفيد نَفْي ما قبلها، وقبلها مسائل ثلاث: {أية : أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ}تفسير : [الشعراء: 12]، {أية : وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلاَ يَنطَلِقُ لِسَانِي ..}تفسير : [الشعراء: 13]، {أية : فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ}تفسير : [الشعراء: 14] فعلى أيٍّ منها ينصَبُّ هذا النفي؟ النفي هنا يتوجَّه إلى ما يتعلق بموسى - عليه السلام - لا بما يتعلق بالقوم من تكذيبهم إياه، يقول له ربه: اطمئن، فلن يحدث شيء من هذا كله. ولا ينصبُّ النفي على تكذيبهم له؛ لأنه سيُكذَّب؛ لذلك نرى دقة الأداء القرآني حيث جاءت {أية : أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ}تفسير : [الشعراء: 12] في نهاية الآية، وبعدها كلام جديد {أية : وَيَضِيقُ صَدْرِي ..}تفسير : [الشعراء: 13] وهو المقصود بالنفي. وقد بيَّنَتْ سورة الفجر معنى (كلا) بوضوح في قوله تعالى {أية : فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ * وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ}تفسير : [الفجر: 15-16]. فيقول تعالى بعدها رداً عليها {أية : كَلاَّ ..}تفسير : [الفجر: 17] يعني: ليس الإعطاء دليلَ إكرام، ولا المنعُ دليلَ إهانة، إنما المراد الابتلاء بالنعمة وبالنقمة. وكيف يكون الأمر كما تظنون، وقد أعطاكم الله فبخلتُم، وأحببتم المال حُبّا جماً، فلم تنفقوا منه على اليتيم أو المسكين، بل تنافستُم في جَمْعه حتى أكلتم الميراث، وأخذتم أموال الناس. إذن: فالمال الذي أكرمكم الله به لم يكُنْ نعمة لكم؛ لأنكم جعلتموه نقمة ووبالاً، حين أُعطيتم فمنعتم. وكلمة (كَلاَّ) هذه أصبح لها تاريخ مع موسى - عليه السلام - فقد تعلَّمها من ربه، ووعى درسها جيداً، فلما حُوصِر هو وأتباعه بين البحر من أمامهم، وفرعون وجنوده من خلفهم، حتى أيقن أتباعه أنهم مُدْركون هالكون، قالها موسى عليه السلام بملء فيه {أية : قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}تفسير : [الشعراء: 62]. وقوله تعالى: {فَٱذْهَبَا بِآيَاتِنَآ ..} [الشعرءا: 15] الآيات هنا يُقصَد بها المعجزات الدالة على صِدْقهما في البلاغ عن الله، وهي هنا العصا {إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ} [الشعراء: 15] كما قال لهما في موضع آخر: {أية : إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ}تفسير : [طه: 46]. فمرّة يأتي بالسمع فقط، ومرّة بالسمع والرؤية، لماذا؟ لأن موقفه مع فرعون في المقام الأول سيكون جدلاً ونقاشاً، وهذا يناسبه السمع، وبعد ذلك ستحدث مقامات في (فعل) و (عمل) في مسألة السحر وإلقاء العصا، وهذا يحتاج إلى سمع وإلى بصر؛ لأن الإيذاء قد يكون من السمع فقط في أول اللقاء، وقد يكون من السمع والعين فيما بعد.