٢٦ - ٱلشُّعَرَاء
26 - Ash-Shu'ara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
16
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } قال أبو عبيدة: رسول بمعنى رسالة والتقدير على هذا؛ إنا ذوو رسالة رب العالمين. قال الهذليّ:شعر : أَلِكْنِي إليها وخَيرُ الرَّسُو لِ أَعْلَمُهُمْ بنَوَاحِي الخَبَرَ تفسير : ألكني إليها معناه أرسلني. وقال آخر:شعر : لقد كَذَبَ الواشون ما بُحْتُ عندهمْ بِسِرٍّ ولا أَرسلتُهمْ برسولِ تفسير : آخر:شعر : أَلاَ أَبْلغْ بني عمرو رسولاً بأنّي عن فُتَاحَتِكُمْ غنيُّ تفسير : وقال العباس بن مرادس:شعر : أَلاَ مَن مُبلِغٌ عنّي خُفَافَا رسولاً بيتُ أهلِك مُنْتَهَاها تفسير : يعني رسالة فلذلك أنَّثها. قال أبو عبيد: ويجوز أن يكون الرسول في معنى الاثنين والجمع؛ فتقول العرب: هذا رسولي ووكيلي، وهذان رسولي ووكيلي، وهؤلاء رسولي ووكيلي. ومنه قوله تعالى: {أية : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ}تفسير : [الشعراء: 77]. وقيل: معناه إن كل واحد منا رسول رب العالمين. {أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ } أي أطلقهم وخلّ سبيلهم حتى يسيروا معنا إلى فلسطين ولا تستعبدهم؛ وكان فرعون استعبدهم أربعمائة سنة، وكانوا في ذلك الوقت ستمائة ألف وثلاثين ألفاً. فانطلقا إلى فرعون فلم يؤذن لهما سنة في الدخول عليه، فدخل البوّاب على فرعون فقال: هاهنا إنسان يزعم أنه رسول رب العالمين. فقال فرعون: ايذن له لعلنا نضحك منه؛ فدخلا عليه وأديا الرسالة. وروى وهب وغيره: أنهما لما دخلا على فرعون وجداه وقد أخرج سباعاً من أسد ونمور وفهودٍ يتفرج عليها، فخاف سواسها أن تبطش بموسى وهارون، فأسرعوا إليها، وأسرعت السباع إلى موسى وهارون، فأقبلت تلحس أقدامهما، وتبصبص إليهما بأذنابها، وتلصق خدودها بفخذيهما، فعجب فرعون من ذلك فقال: ما أنتما؟ قالا: {إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} فعرف موسى لأنه نشأ في بيته؛ فـ{ـقَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً} على جهة المنّ عليه والاحتقار. أي ربيناك صغيراً ولم نقتلك من جملة من قتلنا {وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ} فمتى كان هذا الذي تدعيه. ثم قرره بقتل القبطي بقوله: {وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلْتَ} والفَعْلة بفتح الفاء المرة من الفعل. وقرأ الشعبي: {فِعلتك} بكسر الفاء والفتح أولى؛ لأنها المرة الواحدة، والكسر بمعنى الهيئة والحال، أي فعلتك التي تعرف فكيف تدعي مع علمنا أحوالك بأن الله أرسلك. وقال الشاعر:شعر : كأنّ مِشيتَها من بيت جارتِها مرُّ السحابةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ تفسير : ويقال: كان ذلك أيام الرِّدة والرَّدة. {وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ} قال الضحاك: أي في قتلك القبطي إذ هو نفس لا يحل قتله. وقيل: أي بنعمتي التي كانت لنا عليك من التربية والإحسان إليك؛ قاله ابن زيد. الحسن: {مِن الْكَافِرِينَ} في أني إلهك. السّدي: {مِن الْكَافِرِينَ} بالله لأنك كنت معنا على ديننا هذا الذي تعيبه. وكان بين خروج موسى عليه السلام حين قتل القبطي وبين رجوعه نبيّاً أحد عشر عاماً غير أشهر. فـ{ـقَالَ فَعَلْتُهَآ إِذاً} أي فعلت تلك الفعلة يريد قتل القبطي {وَأَنَاْ} إذ ذاك {مِنَ ٱلضَّالِّينَ} أي من الجاهلين؛ فنفى عن نفسه الكفر، وأخبر أنه فعل ذلك على الجهل. وكذا قال مجاهد؛ {مِنَ الضَّالِّينَ} من الجاهلين. ابن زيد: من الجاهلين بأن الوكزة تبلغ القتل. وفي مصحف عبد الله {مِن الجاهِلِين} ويقال لمن جهل شيئاً ضل عنه. وقيل: {وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ} من الناسين؛ قاله أبو عبيدة. وقيل: {وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ} عن النبوّة ولم يأتني عن الله فيه شيء، فليس عليّ فيما فعلته في تلك الحالة توبيخ. وبيّن بهذا أن التربية فيهم لا تنافي النبوّة والحلم على الناس، وأن القتل خطأ أو في وقت لم يكن فيه شرع لا ينافي النبوّة. قوله تعالى: {فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ} أي خرجت من بينكم إلى مَدْين كما في سورة «القصص»: {أية : فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ}تفسير : [القصص: 21] وذلك حين القتل. {فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً} يعني النبوّة؛ عن السّدي وغيره. الزجاج: تعليم التوراة التي فيها حكم الله. وقيل علماً وفهماً. {وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ}. قوله تعالى: {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ } اختلف الناس في معنى هذا الكلام؛ فقال السّدي والطّبري والفراء: هذا الكلام من موسى عليه السلام على جهة الإقرار بالنعمة؛ كأنه يقول: نعمٰ وتربيتك نعمة عليّ من حيث عبّدت غيري وتركتني، ولكن لا يدفع ذلك رسالتي. وقيل: هو من موسى عليه السلام على جهة الإنكار؛ أي أتمنّ عليّ بأن ربيتني وليداً وأنت قد استعبدت بني إسرائيل وقتلتهم؟ٰ أي ليست بنعمة؛ لأن الواجب كان ألا تقتلهم ولا تستعبدهم فإنهم قومي؛ فكيف تذكر إحسانك إليّ على الخصوص؟ٰ قال معناه قتادة وغيره. وقيل: فيه تقدير استفهام؛ أي أو تلك نعمة؟ قاله الأخفش والفراء أيضاً وأنكره النحاس وغيره. قال النحاس: وهذا لا يجوز لأن ألف الاستفهام تحدث معنى، وحذفها محال إلا أن يكون في الكلام أم؛ كما قال الشاعر:شعر : تَـرُوحُ مـن الـحـيّ أم تَبْـتَـكِـر تفسير : ولا أعلم بين النحويين اختلافاً في هذا إلا شيئاً قاله الفراء. قال: يجوز حذف ألف الاستفهام في أفعال الشك، وحكى تُرَى زيداً منطلقاً؟ بمعنى أترى. وكان علي بن سليمان يقول في هذا: إنما أخذه من ألفاظ العامة. قال الثعلبيّ: قال الفراء ومن قال إنها إنكار قال معناه أو تلك نعمة؟ على طريق الاستفهام؛ كقوله: {أية : هَـٰذَا رَبِّي} تفسير : [الأنعام: 78] {أية : فَهُمُ الْخَالِدُونَ} تفسير : [الأنبياء:34] قال الشاعر:شعر : رَفَوْنِي وقالوا يا خُوَيلدُ لا تُرَعْ فقلتُ وأنكرتُ الوجوهَ هُمُ هُمُ تفسير : وأنشد الغزنوي شاهداً على ترك الألف قولهم:شعر : لم أنس يوم الرحيل وقفتَها وجفنها من دموعها شَرِقُ وقولَها والركابُ واقفةٌ تَركتني هكذا وتَنطلقُ تفسير : قلت: ففي هذا حذف ألف الاستفهام مع عدم أم خلاف قول النحاس. وقال الضحاك: إن الكلام خرج مخرج التبكيت والتبكيت يكون باستفهام وبغير استفهام؛ والمعنى: لو لم تقتل بني إسرائيل لرباني أبواي؛ فأي نعمة لك علي فأنت تمنّ عليّ بما لا يجب أن تمنّ به. وقيل: معناه كيف تمنّ بالتربية وقد أهنت قومي؟ ومن أهين قومه ذل. و{أَنْ عَبَّدْتَ} في موضع رفع على البدل من {نِعْمَة} ويجوز أن تكون في موضع نصب بمعنى: لأن عبدت بني إسرائيل؛ أي اتخذتهم عبيداً. يقال: عبدته وأعبدته بمعنى؛ قاله الفراء وأنشد:شعر : عَلاَمَ يُعبِدُنِي قومي وقد كَثُرَت فيهم أَباعِرُ ما شاؤوا وعِبْدانُ
البيضاوي
تفسير : {فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} أفرد الرسول لأنه مصدر وصف به فإنه مشترك بين المرسل والرسالة، قال الشاعر:شعر : لَقَدْ كَذبَ الوَاشُونَ مَا فُهْتُ عِنْدَهُم بِسِرٍ وَلاَ أَرْسَلْتُهُمْ بِرَسُولِ تفسير : ولذلك ثنى تارة وأفرد أخرى، أو لاتحادهما للأخوة أو لوحدة المرسل والمرسل به، أو لأنه أراد أن كل واحد منا. {أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرٰءيلَ} أي أرسل لتضمن الرسول معنى الإِرسال المتضمن معنى القول، والمراد خلهم ليذهبوا معنا إلى الشام. {قَالَ} أي فرعون لموسى بعد ما أتياه فقالا له ذلك. {أَلَمْ نُرَبٍِّكَ فِينَا} في منازلنا. {وَلِيداً} طفلاً سمي به لقربه من الولادة. {وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ } قيل لبث فيهم ثلاثين سنة ثم خرج إلى مدين عشر سنين ثم عاد إليهم يدعوهم إلى الله ثلاثين، ثم بقي بعد الغرق خمسين. {وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلْتَ} يعني قتل القبطي، وبخه به معظماً إياه بعدما عدد عليه نعمته، وقرىء فعلتك بالكسر لأنها كانت قتلة بالوكز. {وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } بنعمتي حتى عمدت إلى قتل خواصي، أو ممن تكفرهم الآن فإنه عليه الصلاة والسلام كان يعايشهم بالتقية فهو حال من إحدى التاءين، ويجوز أن يكون حكماً مبتدأ عليه بأنه من الكافرين بآلهيته أو بنعمته لما عاد عليه بالمخالفة، أو من الذين كانوا يكفرون في دينهم. {قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالّينَ} من الجاهلين وقد قرىء به، والمعنى من الفاعلين فعل أولي الجهل والسفه، أو من الخاطئين لأنه لم يتعمد قتله، أو من الذاهلين عما يؤول إليه الوكز لأنه أراد به التأديب، أو الناسين من قوله تعالى: {أية : أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا }تفسير : [البقرة: 282] {فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبّي حُكْماً} حكمة. {وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} رد أولاً بذلك ما وبخه به قدحاً في نبوته ثم كر على ما عد عليه من النعمة ولم يصرح برده لأنه كان صدقاً غير قادح في دعواه، بل نبه على أنه كان في الحقيقة نقمة لكونه مسبباً عنها فقال: {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرٰءيلَ} أي وتلك التربية نعمة تمنها علي ظاهراً، وهي في الحقيقة تعبيدك بني إسرائيل وقصدهم بذبح أبنائهم، فإنه السبب في وقوعي إليك وحصولي في تربيتك. وقيل إنه مقدر بهمزة الإِنكار أي تلك نعمة تمنها علي وهي {أَنْ عَبَّدتَّ}، ومحل {أَنْ عَبَّدتَّ } الرفع على أنه خبر محذوف أو بدل {نِعْمَة} أو الجر بإضمار الباء أو النصب بحذفها. وقيل تلك إشارة إلى خصلة شنعاء مبهمة و {أَنْ عَبَّدتَّ} عطف بيانها والمعنى: تعبيدك بني إسرائيل نعمة {تَمُنُّهَا} علي، وإنما وحد الخطاب في تمنها وجمع فيما قبله لأن المنة كانت منه وحده، والخوف والفرار منه ومن ملئه. {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} لما سمع جواب ما طعن به فيه ورأى أنه لم يرعو بذلك شرع في الاعتراض على دعواه فبدأ بالاستفسار عن حقيقة المرسل. {قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} عرفه بأظهر خواصه وآثاره لما امتنع تعريف الأفراد إلا بذكر الخواص والأفعال وإليه أشار بقوله: {إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ} أي إن كنتم موقنين الأشياء محققين لها علمتم أن هذه الأجرام المحسوسة ممكنة لتركبها وتعددها وتغير أحوالها، فلها مبدىء واجب لذاته وذلك المبدىء لا بد وأن يكون مبدأ لسائر الممكنات ما يمكن أن يحس بها وما لا يمكن وإلا لزم تعدد الواجب، أو استغناء بعض الممكنات عنه وكلاهما محال ثم ذلك الواجب لا يمكن تعريفه إلا بلوازمه الخارجية لامتناع التعريف بنفسه وبما هو داخل فيه لاستحالة التركيب في ذاته. {قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ} جوابه سألته عن حقيقته وهو يذكر أفعاله، أو يزعم أنه {رَبّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ } وهي واجبة متحركة لذاتها كما هو مذهب الدهرية، أو غير معلوم افتقارها إلى مؤثر. {قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَائِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ} عدولاً إلى ما لا يمكن أن يتوهم فيه مثله ويشك في افتقاره إلى مصور حكيم ويكون أقرب إلى الناظر وأوضح عند التأمل. {قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} أسأله عن شيء ويجيبني عن آخر، وسماه رسولاً على السخرية. {قَالَ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا } تشاهدون كل يوم أنه يأتي بالشمس من المشرق ويحركها على مدار غير مدار اليوم الذي قبله حتى يبلغها إلى المغرب على وجه نافع تنتظم به أمور الكائنات. {إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ } إن كان لكم عقل علمتم أن لا جواب لكم فوق ذلك لاينهم أولاً، ثم لما رأى شدة شكيمتهم خاشنهم وعارضهم بمثل مقالهم. {قَالَ لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِى لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ} عدولاً إلى التهديد عن المحاجة بعد الانقطاع وهكذا ديدن المعاند المحجوج، واستدل به على ادعائه الألوهية وإنكاره الصانع وأن تعجبه بقوله {أَلاَ تَسْتَمِعُونَ} من نسبة الربوبية إلى غيره، ولعله كان دهرياً اعتقد أن من ملك قطراً أو تولى أمره بقوة طالعه استحق العبادة من أهله، واللام في {ٱلْمَسْجُونِينَ} للعهد أي ممن عرفت حالهم في سجوني فإنه كان يطرحهم في هوة عميقة حتى يموتوا ولذلك جعل أبلغ من لأسجننك. {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ} أي أتفعل ذلك ولو جئتك بشيء يبين صدق دعواي، يعني المعجزة فإنها الجامعة بين الدلالة على وجود الصانع وحكمته والدلالة على صدق مدعي نبوته، فالواو للحال وليها الهمزة بعد حذف الفعل. {قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} في أن لك بينة أو في دعواك، فإن مدعي النبوة لا بُدَّ له من حجة. {فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ} ظاهر ثعبانيته واشتقاق الثعبان من ثعبت الماء فانثعب إذا فجرته فانفجر. {وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّـٰظِرِينَ} روي أن فرعون لما رأى الآية الأولى قال فهل غيرها، فأخرج يده قال فما فيها فأدخلها في إبطه ثم نزعها ولها شعاع يكاد يغشي الأبصار ويسد الأفق. {قَالَ لِلْمَلإِ حَوْلَهُ} مستقرين حوله فهو ظهر وقع موقع الحال. {إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌ عَلِيمٌ } فائق في علم السحر. {يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} بهره سلطان المعجزة حتى حطه عن دعوى الربوبية إلى مؤامرة القوم وائتمارهم وتنفيرهم عن موسى وإظهار الاستشعار عن ظهوره واستيلائه على ملكه. {قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ} أي أخر أمرهما. وقيل إحبسهما. {وَٱبْعَثْ فِي ٱلْمَدَائِنِ حَـٰشِرِينَ} شرطاً يحشرون السحرة. {يَأْتُوكَ بِكُلّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ } يفضلون عليه في هذا الفن وأمالها ابن عامر وأبو عمرو والكسائي، وقرىء «بكل ساحر». {فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَـٰتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ } لما وقت به من ساعات يوم معين وهو وقت الضحى من يوم الزينة. {وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُمْ مُّجْتَمِعُونَ } فيه استبطاء لهم في الاجتماع حثاً على مبادرتهم إليه كقول تأبط شراً:شعر : هَلْ أَنْتَ بَاعِثٌ دِينَارٍ لحَاجَتِنَا أَوْ عَبْدَ رَبٍّ أَخَا عَوْنِ بن مِخْرَاقِ تفسير : أي ابعث أحدهما إلينا سريعاً. {لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ ٱلسَّحَرَةَ إِن كَانُواْ هُمُ ٱلْغَـٰلِبِينَ} لعلنا نتبعهم في دينهم إن غلبوا والترجي باعتبار الغلبة المقتضية للاتباع، ومقصودهم الأصل أن لا يتبعوا موسى لا أن يتبعوا السحرة فساقوا الكلام مساق الكناية لأنهم إذا اتبعوهم لم يتبعوا موسى عليه الصلاة والسلام. {فَلَمَّا جَاء ٱلسَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَـٰلِبِينَ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَّمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ} التزم لهم الأجر والقربة عنده زيادة عليه إن أغلبوا فإذا على ما يقتضيه من الجواب والجزاء، وقرىء {نِعْمَ} بالكسر وهما لغتان.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا } أي كلاًّ منا {رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ } إليك.
ابن عبد السلام
تفسير : {رَسُولُ} بمعنى رَسُولاً، أو كل واحد منا رسول، أو إنا رسالة ومنه: شعر : ....................... وما أرسلتهم برسول
النسفي
تفسير : {فأتيا فرعون فقولا إنّا رسول ربّ العالمين} لم يثن الرسول كما ثنى في قوله {أية : إنا رسولا ربك} تفسير : [طه: 47] لأن الرسول يكون بمعنى المرسل وبمعنى الرسالة فجعل ثمة بمعنى المرسل فلم يكن بد من تثنيته، وجعل هنا بمعنى الرسالة فيستوي في الوصف به الواحد والتثنية والجمع، أو لأنهما لاتحادهما واتفاقهما على شريعة واحدة كأنهما رسول واحد، أو أريد إن كل واحد منا {أن أرسل} بمعنى أي أرسل لتضمن الرسول معنى الإرسال وفيه معنى القول {معنا بني إسرائيل} يريد خلهم يذهبوا معنا إلى فلسطين وكانت مسكنهما فأتيا بابه فلم يؤذن لهما سنة حتى قال البواب: إن ههنا إنساناً يزعم أنه رسول رب العالمين فقال: ائذن له لعلنا نضحك منه. فأديا إليه الرسالة فعرف فرعون موسى فعند ذلك. {قال ألم نربّك فينا وليداً} وإنما حذف فأتيا فرعون فقال اختصاراً. والوليد الصبي لقرب عهده من الولادة أي ألم تكن صغيراً فربيناك {ولبثت فينا من عمرك سنين} قيل: ثلاثين سنة {وفعلت فعلتك التي فعلت} يعني قتل القبطي فعرض إذ كان ملكاً {وأنت من الكافرين} بنعمتي حيث قتلت خبازي أو كنت على ديننا الذي تسميه كفراً، وهذا افتراء منه عليه لأنه معصوم من الكفر وكان يعايشهم بالتقية {قال فعلتها إذاً} أي إذ ذاك {وأنا من الضّالّين} الجاهلين بأنها تبلغ القتل والضال عن الشيء هو الذاهب عن معرفته، أو الناسين من قوله {أية : أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى}تفسير : [البقرة: 282] فدفع وصف الكفر عن نفسه ووضع {الضالين} موضع الكافرين و {إذا} جواب وجزاء معاً، وهذا الكلام وقع جواباً لفرعون وجزاء له لأن قول فرعون و{فعلت فعلتك} معناه أنك جازيت نعمتي بما فعلت فقال له موسى: نعم فعلتها مجازياً لك تسليماً لقوله لأن نعمته كانت جديرة بأن تجازى بنحو ذلك الجزاء
القشيري
تفسير : قوله جل ذكره: {فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}. ويقال في القصة: إن موسى وهارون كانا يترددان على باب فرعون سنةً كاملةً ولم يجدا طريقاً إليه. ثم بعد سَنَةٍ عَرَضَا الرسالة عليه، فقابلهما بالتكذيب، وكان من القصة ما كان.. وقال فرعون لمَّا رأى موسى: {قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ}. فلم يكن لموسى - عليه السلام - جوابٌ إلا الإقرارَ والاعتراف، فقال: {قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ}. قال: كل ذلك قد كان، وفررت منكم لمَّا خفتكم، فأكرمني الله بالنبوة، وبعثني رسولاً إليكم.. ويقال: لم يجحد حقَّ تربيته، والإحسانَ إليه في الظاهر، ولكن بَيَّنَ أنه إذا أمر اللَّهُ بشيءٍ وَجَبَ اتباعُ أمره. ولكن إذا كانت تربية المخلوقين توجِبُ حَقّاً فتربيةُ اللَّهِ أوْلَى بأن يُعَظِّمَ العبدُ قَدْرَها. قوله: {فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ}: يجوز حَمْلُه على ظاهره، وأنه خاف منهم على نَفْسِه. والفرارُ - عند عَدَمِ الطاقة - غيرُ مذمومٍ عند كلِّ أحد. ويقال: فررت منكم لمَّا خِفْتُ أن تنزل بكم عقوبةٌ من الله لِشُؤْمِ شِرْكِكِم، أو من قول فرعون: {أية : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي}تفسير : [القصص: 38].
اسماعيل حقي
تفسير : {فأتيا فرعون} [بس بياييد بفرعون] وهو الوليد بن مصعب وكنيته ابو العباس وقيل اسمه مغيث وكنيته ابو مرة وعاش اربعمائة وستين سنة {فقولا انا} اى كل معنا {رسول رب العالمين} [فرستاده بروردكار عالميانيم] وقال بعضهم لم يقل رسولا لان موسى كان الرسول المستقل بنفسه وهارون كان ردأ يصدقه تبعاله فى الرسالة.
اطفيش
تفسير : {فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَبِّ العَالَمِينَ} أفرد الرسول لأنه يستعمل مصدرا بمعنى الرسالة كقول كثير. شعر : لقد كذب الواشون ما بحت عندهم بسر ولا ارستلهم برسول تفسير : أي برسالة ويجوز أن يكون بمعنى اسم معفول ويستعمل اسم مفعول بمعنى المرسل والذي في الآية معبر أصله الذي هو مصدر ولذلك أفرد ولم يثنى أو يجمع والذي في طه معتبر أصله الذي هو بمعنى اسم مفعول فثني والمصدر يطلق على الواحد فصاعدا بلفظ واحد أو أفرد لاتحادهما شريعة ودعاء اليها والاخوة حتى كأنهما رسول واحد مع أن مرسلهما واحد وهو الله سبحانه ولأن المراد ان كل واحد منا رسول رب العالمين أو لأن المراد برسول الحقيقة صادقة على اثنين.
اطفيش
تفسير : {فأْتِيا فرعَون} لا يتكرر مع اذهبا، لأن الذهاب التوجه اليه، وإتيانه الدخول عليه، وعليه اللعنة، ألا ترى الى قوله عقب ذلك: {فقولا إنا رسولُ ربِّ العالمين} ولو جاز أن يأمرهما قبل الدخول بالقول بعده، كما هو الواقع، وأفرد الرسول لأنهما كواحد بالرسالة، والأخوة والمأمور بأن يقولاه، أو لأنه مصدر، كما يقال رجل عدل، قال العباس بن مرداس: شعر : ألا من مبلغ عنى خفافاً رسولا بيت اهلك منتهاها تفسير : أى رسالة، وأما قوله: شعر : لقد كذب الواشون ما فهت عندهم بسر ولا أرسلتهم برسول تفسير : فيحتمل أنه وصف، أى لا أرسلت إليهم رسولاً، كما رد عليه ضمير المؤنث فى منتهاها، وفى التعبير برب العالمين مواجهته بنقض ما يدعيه من أنه إله، وذكر فى طه رسولا بالتثنية على أصل المراد تفننا، أو ذلك كلامان، قال فى أحدهما: رسولا، وفى الآخر: رسول، الإفراد عند الباب، والتثنية عند حصولهما مع فرعون {أنْ أرْسل مَعَنا بنى إسرائيل} أن تفسيرية لتقدم معنى القول دون حروفه، وهو الرسول استعبدهم فرعون أربعمائة عام، وهم حين أرسل موسى عليه السلام ستمائة ألف وثلاثون ألفاً فيما قيل.
الالوسي
تفسير : لترتيب ما بعدها على ما قبلها من الوعد الكريم، وليس هذا مجرد تأكيد للأمر بالذهاب لأن معناه الوصول إلى المأتي لا مجرد التوجه إلى المأتي كالذهاب. وأفرد الرسول هنا لأنه مصدر بحسب الأصل وصف به كما يوصف بغيره من المصادر للمبالغة كرجل عدل فيجري فيه كما يجري فيه من الأوجه، ولا يخفى الأوجه منها، وعلى المصدرية ظاهر قول كثير عزة:شعر : لقد كذب الواشون ما فهت عندهم بسر ولا أرسلتهم برسول تفسير : وأظهر منه قول العباس بن مرداس: شعر : إلا من مبلغٌ عنى خُفَافاً رسولاً بيت أهلك منتهاها تفسير : أو لاتحادهما للأخوة أو لوحدة المرسل أو المرسل به أو لأن قوله تعالى: {إِنَّا} بمعنى إن كلامنا فصح إفراد الخبر كما يصح في ذلك، وفائدته الإشارة إلى أن كلاً منهما مأمور بتبليغ ذلك ولو منفرداً، وفي التعبير برب العالمين رد على اللعين ونقض لما كان أبرمه من ادعاء الألوهية وحمل لطيف له على امتثال الأمر.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة مريم وطه، وبينا في سورة طه في الكلام على قوله تعالى: {أية : فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ} تفسير : [طه: 47] وجه تثنيته الرسول في طه، وإفراده هنا في الشعراء مع شواهده العربية.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْعَالَمِينَ} (16) - فاذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ وقُولا لهُ: إِنَّ كُلاًّ منكُما مُرْسَلٌ إِليكَ وإِلى قَوْمِكَ مِنْ رَبِّ العَالَمين. (وكَلِمةُ رَسُولٍ تُسْتَعْمَلُ لِلفَرْدِ والجَمْعِ).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وسبق أن قال سبحانه: {أية : أَنِ ٱئْتِ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ ..}تفسير : [الشعراء: 10-11] فذكر قومَ فرعون أولاً؛ لأنهم سبب فرعنته، حين سمعوا كلامه وأعانوه عليه، وهنا يُذكِّره {فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ ..} [الشعراء: 16] لأنه حين يُهزَم فرعون يُهزَم قومه الذين أيَّدوه، فالكلام هنا مع قمة الكفر مع فرعون. {فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [الشعراء: 16] إنَّا: جمع يُقَال للمثنى، ومع ذلك جاءت رسول بصيغة الإفراد، ولم يقُل: رسُولا؛ لأن الرسول واسطة بين المرسَل والمرسَل إليه، سواء أكان مفرداً أو مُثَنى أو جمعاً. وكلمة {إِنَّا ..} [الشعراء: 16] سيقولها موسى وهارون في نَفَس واحد؟ لا، إنما سيتكلم المقدَّم منهما، وينصت الآخر، فيكون كمنْ يُؤمِّن على كلام صاحبه. ألاَ ترى القرآن الكريم حينما عرض قضية موسى وقومه يوضح أن فرعون علا في الأرض واستكبر .. الخ. حتى دعا عليهم: {أية : رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ}تفسير : [يونس: 88]. هذا كلام موسى - عليه السلام - فردّ الله عليه: {أية : قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا ..}تفسير : [يونس: 89] بالمثنى مع أن المتكلم واحد. قالوا: لأن موسى كان يدعو، وهارون يُؤمِّن على دعائه، والمؤمِّن أحد الداعيين، وشريك في الدعوة. فما مطلوبك يا رسول رب العالمين؟ {أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):