٢٦ - ٱلشُّعَرَاء
26 - Ash-Shu'ara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
18
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن في الكلام حذفاً وهو أنهما أتياه وقالا ما أمر الله به فعند ذلك قال فرعون ما قال، يروى أنهما انطلقا إلى باب فرعون فلم يؤذن لهما سنة حتى قال البواب: إن ههنا إنساناً يزعم أنه رسول رب العالمين، فقال ائذن له لعلنا نضحك منه، فأديا إليه الرسالة فعرف موسى عليه السلام فعدد عليه نعمه أولاً، ثم إساءة موسى إليه ثانياً، أما النعم فهي قوله: {أَلَمْ نُرَبّكَ فِينَا وَلِيداً } والوليد: الصبي لقرب عهده من الولادة {وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ } وعن أبي عمرو بسكون الميم {سِنِينَ } قيل لبث عندهم ثلاثين سنة وقيل وكز القبطي وهو ابن اثنتي عشرة سنة وفر منهم (على أثرها)، والله أعلم بصحيح ذلك، وعن الشعبي {فَعْلَتَكَ } بالكسر وهي قتله القبطي لأنه قتله بالوكز وهو ضرب من القتل، وأما الفعلة فلأنها (كانت) وكزة واحدة عدد عليه نعمه من تربيته وتبليغه مبلغ الرجال ووبخه بما جرى على يده من قتل خبازه وعظم ذلك (وفظعه) بقوله: {وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِى فَعَلْتَ }. وأما قوله: {وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } ففيه وجوه: أحدها: يجوز أن يكون حالاً أي قتلته وأنت بذاك من الكافرين بنعمتي وثانيها: وأنت إذ ذاك ممن تكفرهم الساعة وقد افترى عليه أو جهل أمره لأنه كان (يعاشرهم) بالتقية فإن الكفر غير جائز على الأنبياء قبل النبوة وثالثها: {وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } معناه وأنت ممن عادته كفران النعم ومن كان هذا حاله لم يستبعد منه قتل خواص ولي نعمته ورابعها: {وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } بفرعون وإلهيته أو من الذين (كانوا) يكفرون في دينهم فقد كانت لهم آلهة يعبدونها، يشهد بذلك قوله تعالى: { أية : وَيَذَرَكَ وَءالِهَتَكَ } تفسير : [الأعراف: 127].
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَ } فرعون لموسى {أَلَمْ نُرَبّكَ فِينَا } في منازلنا {وَلِيداً } صغيراً قريباً من الولادة بعد فطامه {وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ } ثلاثين سنة يَلْبِسُ من ملابس فرعون ويركب من مراكبه؟ وكان يسمى ابنه.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَلَبِثْتَ فِينَا} لأنه كان لقيطاً في داره "لبث فيهم ثلاثين سنة" وغاب عنهم عشر سنين، ثم دعاه ثلاثين سنة، وعاش بعد غرقه خمسين سنة. ذكر ذلك امتناناً عليه.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً}. اعلم أن في الكلام حذفاً، وهو أنهما أتياه وقالا ما أمر الله به، فعند ذلك قال فرعون ما قال. روي أنهما انطلقا إلى باب فرعون فلم يؤذن لهما سنة حتى قال البواب: إن هنا إنساناً يزعم أنه رسول رب العالمين. فقال: ائذن له لعلنا نضحك منه، فأديا إليه الرسالة، فعرف موسى، فعدد عليه نعمه أولاً ثم إساءة موسى إليه. أما النعم فهي قوله: {أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً} والوليد: الصبي، لقرب عهده من الولادة. وقيل: الغلام، تسيمة له بما كان عليه. و "وَلِيداً" حال من مفعول [نُرَبِّك]، وهو فعيل بمعنى مفعول. قوله {وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ} قرا أبو عمرو في رواية بسكون الميم "عُمْرِكَ تخفيفاً لـ "فُعُل"، و "مِنْ عُمْرِكَ" حال من "سِنِينَ". قيل: لبث عندهم ثلاثين سنة، وقيل: وكَز القبطي، وهو ابن اثنتي عشرة سنة قوله "وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ". قرأ الشعبي: "فِعْلَتَكَ" بالكسر على الهيئة، لأنها نوع من القتل، وهي الوَكْزَةُ {وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ}. يجوز أن يكون حالاً. قال ابن عباس: أي: وأنت من الكافرين لنعمتي أي: وأنت إذ ذاك ممن تكفرهم الساعة، وقد افترى عليه أو جهل أمره؛ لأنه كان يعاشرهم بالتَّقيَّة، فإن الكفر غير جائز على الأنبياء قبل النبوة. ويجوز أن يكون مستأنفاً، ومعناه وأنت ممن عادته كفران النعم، ومن كانت هذه حاله لم يستبعد منه قتل خواص ولي نعمه. وقيل: "مِنَ الكَافِرينَ" بفرعون وإلاهيَّته، أو من الذين يكفرون في دينهم، فقد كانت لهم آلهة يعبدونها بدليل قوله: {أية : وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ}تفسير : [الأعراف: 127] قوله: {قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ}. "إذاً" هنا حرف جواب فقط. قال الزمخشري: إنها جوابٌ وجزاءٌ معاً قال: فإِنْ قُلْتَ: (إذاً) حرف جواب وجزاءً معاً، والكلام وقع جواباً لفرعون، فكيف وقع جزاء؟ قلت: قول فرعون: "وفَعَلْتَ فَعْلتكَ" فيه معنى أنك جازيت نعمتي بما فعلت، فقال له موسى: نعم فعلتها مجازياً لك تسليماً لقوله، كأن نعمته كانت عنده جديرة بأن تُجَازَى بنحو ذلك الجزاء. قال أبو حيان: وهذا مذهب سيبويه، يعني: أنها للجزاء والجواب معاً، قال: ولكن شراح الكتاب فهموا أنها قد تتخلف عن الجزاء، والجواب معنى لازم لها. فصل واعلم أن فرعون عدد عليه نعمه من تربيته وتبليغه مبلغ الرجال، ووبخه بما جرى على يده من قتل أجناده، وعظم ذلك بقوله: {وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلْتَ}. ولما ذكر فرعون التربية ذكر القتل، وكانت تربيته معلومة ما أنكرها موسى - عليه السلام - وقد تقرر في العقول أن الرسول إلى الغير إذا كان معه معجزة وحجة لم يتغير حاله بأن يكون المرسل إليه أنعم عليه أو لم ينعم، صار قول فرعون غير مؤثر فالإعراض عنه أولى، ولكن أجاب عن القتل بما لا شيء أبلغ منه في الجواب، فقال: {فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ} أي: من الجاهلين، أي: لم يأتني من عند الله شيء، أو من الجاهلين بأن ذلك يؤدي إلى قتله، لأنه وكزه تأديباً، ومثل ذلك ربما حَسُن. وقيل: من المخطئين، فبين أنه فعله على وجه لا تجوز المؤاخذة به، فيعد كافراً لنعمه. قوله: {فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ}. العامة على تشديد ميم "لَمَّا" وهي "لَمَّا" التي هي حرف وجوب عند سيبويه. أو بمعنى "حِينَ" عند الفارسي. وروي عن حمزة بكسر اللام وتخفيف الميم، أي: لِتَخَوُّفِي مِنْكُمْ، و "ما" مصدرية. وهذه القراءة تشبه قراءته في "آل عمران": {أية : لَمَآ آتَيْتُكُم}تفسير : [آل عمران: 81]. وقد تقدمت مستوفاة. (قال الزمخشري: إنما جمع الضمير في "مِنْكُمْ" و "خِفْتُكُمْ" مع إفراده في "تَمُنُّهَا" و "عَبَّدْتَ"، لأن الخوف والفرار لم يكونا منه وحده، ولكن منه ومن ملئه المؤتمرين بقتله لقوله: {أية : إِنَّ ٱلْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ}تفسير : [القصص: 20]، وأما الامتنان والتعبد فمنه وحده). فصل والمعنى: إني فعلت ذلك الفعل وأنا ذاهل عن كونه مهلكاً، وكان مني في حكم السهو، فلم أستحق التخويف الذي يوجب الفرار، ومع ذلك فررت منكم لما خفتكم عن قولكم: {أية : إِنَّ ٱلْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ}تفسير : [القصص: 20] فبين بذلك ألاّ نعمة له عليه في الفعلة، بل بأن يكون مسيئاً فيه أقرب. فصل وقد ورد لفظ "الفرار" على أربعة: الأول: بمعنى الهرب، كهذه الآية، ومثله {أية : لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ ٱلْمَوْتِ}تفسير : [الأحزاب: 16]. الثاني: بمعنى الكراهية، قال تعالى: {أية : قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ}تفسير : [الجمعة: 8] أي: تكرهونه. الثالث: بمعنى اشتغال المرء بنفسه، قال تعالى: {أية : يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ}تفسير : [عبس: 34 -35] أي: لا يلتفت إليهم، لاشتغاله بنفسه. الرابع: بمعنى التباعد، قال تعالى: {أية : فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآئِيۤ إِلاَّ فِرَاراً}تفسير : [نوح: 6] أي: تباعداً. ثم بين نعم الله عليه بعد الفرار، فكأنه قال: أسأتم وأحسن الله إليَّ بأن وهب لي حكماً. قرأ عيسى: "حُكُماً" بضم الكاف إتباعاً. والمراد بالحكم: العلم والفهم، قاله مقاتل: وقيل: النبوة. والأول أقرب، لأن المعطوف غير المعطوف عليه، والنبوة مفهومة من قوله: {وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ}. قوله: "وَتِلْكَ نِعْمَةٌ" فيه وجهان: أحدهما: أنه خبر على سبيل التهكم، أي: إنْ كَانَ ثمَّ نعمة فليست إلاَّ أنك جعلت قومي عبيداً لك. وقيل: "ثَمَّ" حرف استفهام محذوف لفهم المعنى، أي: "أَوَ تِلْكَ"، وهذا مذهب الأخفش، وجعل من ذلك: شعر : 3898 - أَفْـــرَحُ انْ أُرْزَأَ الــكِـــرَامَ تفسير : وقد تقدم هذا مشبعاً في النساء عند قوله: {أية : وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ}تفسير : [النساء: 79] وفي غيره. قوله: "أَنْ عَبَّدْتَ" فيه أوجه: أحدها: أنه في محل رفع عطف بيان لـ "تِلْكَ" كقوله: {أية : وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ٱلأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآءِ مَقْطُوعٌ}تفسير : [الحجر: 66]. الثاني: أنها في محل نصب مفعولاً من أجله. الثالث: أنها بدل من "نِعْمَة". الرابع: أنها بدل من هاء "تَمُنُّهَا". الخامس: أنها مجرورة بباء مقدرة، أي: بأَنْ عَبَّدْتَ. السادس: أنها خبر مبتدأ مضمر، أي: هي أن عَبَّدْتَ. السابع: أنها منصوبة بإضمار "أعني" والجملة من "تَمُنُّهَا" صفة لـ "نِعْمَة" و "تَمُنُّ" يتعدى بالباء، فقيل: هي محذوفة، أي: تَمُنُّ بها. وقيل: ضُمِّنَ "تَمُنُّ" معنى "تَذْكُرُ". ويقال: عبّدت الرجل وأعبدته وتعبدته واستعبدته: [إذا اتخذته عبداً]. فصل اختلفوا في تأويل "أَنْ عَبَّدْتَ": فحملها بعضهم على الإقرار، وبعضهم على الإنكار. وعلى كلا القولين فهو جواب لقوله: {قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا} [الشعراء: 18]. فمن قال: هو إقرار، قال: عدها موسى نعمة منه عليه حيث رباه ولم يقتله كما قتل سائر غلمان بني إسرائيل، ولم يستعبده كما استعبد بني إسرائيل، أي: بلى و {تِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ} وتركتني فلم تستعبدني. ومن قال: هو إنكار قال: قوله: "وَتِلْكَ نِعْمَةٌ" هو على طريق الاستفهام، كما تقدم في إعرابها، يعني: أَوَ تِلْكَ نعمة، فحذفت ألف الاستفهام، كقوله: {أية : فَهُمُ ٱلْخَالِدُونَ}تفسير : [الأنبياء: 34] وقال الشاعر: شعر : 3899 - تَـرُوحُ مِنَ الحَـيِّ أَمْ تَبْتَكِـرْ وَمَاذَا يَضِيــرُكَ لَـوْ تَنْتَظِــرْ تفسير : أي: أتروح من الحي، وقال عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة: شعر : 3900 - لَـمْ أَنْـسَ يَـوْمَ الرَّحِيـلِ وَقْفَتِهَـا وَطَرْفُهَــا فِـي دُمُوعِهَـا غَــرِقُ وَقَـوْلَهَــا والرِّكـابُ واقِفَــةٌ تَتْرُكُنِـي هكَـذَا وَتَنْطَــلِقُ تفسير : أي: أتتركني. يقول: تمنّ عليَّ أن ربيتني وتنسى جنايتك على بني إسرائيل بالاستعباد والمعاملة القبيحة. أو يريد: كيف تَمُنُّ عليَّ بالتربية، وقد استعبدت قومي؟ ومن أُهين قومه ذلّ، فتعبّدك بني إسرائيل قد أحبط إحسانك إليّ. وقال الحسن: إنك استعبدت بني إسرائيل، فأخذت أموالهم وأنفقت منها عليَّ فلا نعمة لك بالتربية. وقيل: إن الذي تولى تربيتي هم الذين استعبدتهم فلا نعمة لك عليَّ، لأن التربية كانت من قبل أمي ومن قومي، ليس لك إلا مجرد الاسم، وهذا ما يعدّ إنعاماً. وقيل: معناه: تَمُنَّ عليَّ بالتربية وأنت لولا استعبادك بني إسرائيل وقتلك أولادهم لما دُفِعْتُ إليك حتى ربيتني وكفلتني، فإنه كان لي من أهلي من يربِّيني ويكفلني، ولم يلقوني في اليمِّ، فأيّ نعمة لك عليَّ. وقيل: معناه أنك تدَّعي أن بني إسرائيل عبيدك، ولا مِنَّة للمولى على العبد في تربيته.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً} [الآية: 18]. قال محمد بن على: ليس من الفتوة تذكار الصنائع وتزداد بها على من اصطنعت إليه ألا ترى إلى فرعون لما لم تكن له فتوة كيف ذكر صنيعة وامتّن به على موسى. قال ابن عطاء رحمه الله: التربية توجب حقًا من ذلك حق الأبوة والنبوة. ألا ترى كيف ذكر الله فى قصة موسى صلى الله عليه وسلم وفرعون {أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً}. فإذا أوجبت تربية العوادى حقًا أوجب الدين حفظه وحرمته فتربية الحقيقة الذى هو من الحق إلى عباده أولى بحفظ حرمته ورعاية حقوقه وهو قوله: {رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ} [الآية: 26].
البقلي
تفسير : قوله تعالى {قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً} ظن الملعون انه ربى موسى وكان موسى مربى فى حجر صلة الله سبحانه بالبان شفقته ورعاية حسن عنايته حقيقة فرجع الى منة المجاز وكان ذلك من غاية جهله وليته من على كليم الله الذى كان مستغرقا فى بحار امتنان الحق وتربيته بالطافه بقوله والقيت عليك محبة منى ولتصنع على عينيى فيكتفى قال محمد بن على ليس من الفتوة تذكار الصنايع وتزداده على من اصطنعت اليه الا ترى الى فرعون لما لم يكن له فتوة كيف ذكر صنيعة وامتن على موسى.
اسماعيل حقي
تفسير : {قال} فرعون لموسى. وقال قتادة انهما انطلقا الى باب فرعون فلم يؤذن لهما سنة حتى قال البواب ههنا انسان يزعم انه رسول رب العالمين فقال ائذن له حتى نضحك منه فأديا اليه الرسالة فعرف موسى فقال عند ذلك على سبيل الامتنان {ألم نربك فينا وليدا} فى حجرنا ومنازلنا. وقال الكاشفى [نه ترا برورديم درميان خويش {وليدا} درحالتى كه طفل بودى نزديك بولادت] عبر ان الطفل بذلك لقرب عهده من الولادة {ولبثت فينا من عمرك سنين} [ودرنك كردى در منزلهاى ما سالها از عمر خود] قوله من عمرك حال من سنين. والعمر بضمتين مصدر عمر اى عاش وحيى. قال الراغب العمر اسم لمدة عمارة البدن بالحياة قليلة او كثيرة. قيل لبث فيهم ثلاثين سنة ثم خرج الى مدين واقام بها عشر سنين ثم عاد اليهم يدعوهم الى الله تعالى ثلاثين سنة ثم بقى بعد الغرق خمسين فيكون عمر موسى مائة وعشرين سنة
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: لما أتى موسى وهارونُ فرعونَ وبلَّغا الرسالة، {قال} له: {ألم نُربِّك...} إلخ، رُوي أنهما أتيا بابه فلم يُؤذن لهما سنة، حتى قال البواب: إن هنا إنساناً يزعم أنه رسول رب العالمين، فقال: ائذن له، لعلنا نضحك منه، فأَذِن، فدخل، فأدى الرسالة، فعرفه فرعونُ، فقال له: {ألم نُربِّك فينا}؛ في حِجْرنا ومنازلنا، {وليداً} أي طفلاً. عبّر عنه بذلك؛ لقُرب عهده بالولادة. وهذه من فرعون معارضة لقول موسى عليه السلام: {إنا رسول رب العالمين}، بنسبته تربيته إليه وليداً. ولذلك تجاهل بقوله: {وما ربُّ العالمين}، وصرح بالجهل بعد ذلك بقوله: {لئن اتخذت إلهاً غيري...} إلخ، {ولبثتَ فينا من عُمُرِكَ سنين} قيل: لبث فيهم ثلاثين سنة، ثم خرج إلى مدين، وأقام به عشر سنين، ثم عاد يدعوهم إلى الله - عز وجل - ثلاثين سنة، ثم بقي بعد الغرق خمسين، وقيل: قتل القبطي وهو ابن ثنتي عشرة سنة، وفرّ منهم على إثر ذلك. والله أعلم. ثم قال له: {وفعلتَ فَعْلَتك التي فعلتَ} يعني: قتل القبطي، بعدما عدد عليه نعمته؛ من تربيته، وتبليغه مبلغ الرجال، وبّخه بما جرى عليه مع خبازه، أي: قتلت صاحبي، {وأنت من الكافرين} بنعمتي، حيث عمدت إلى قتل رجل من خواصي، أو: أنت حينئذٍ ممن تفكر بهم الآن، أي: كنت على ديننا الذي تسميه كفراً، وهذا افتراء منه عليه؛ لأنه معصوم، وكان يعاشرهم بالتقية، وإلا فأين هو عليه السلام من مشاركتهم في الدين. {قال فعلتُها إذاً} أي: إذ ذاك {وأنا من الضالين} أي: من المخطئين؛ لأنه لم يتعمد قتله، بل أراد تأديبه، أو: الذاهلين عما يؤدي إليه الوكز. أو: من الضالين عن النبوة، ولم يأت عن الله في ذلك شيء، فليس عليَّ توبيخ في تلك الحالة. والفرض أن المقتول كافر، فالقتل للكافر لم يكن فيه شرع، وهذا كله لا ينافي النبوة. وكذلك التربية لا تنافي النبوة. {ففررتُ منكم} إلى ربي، متوجهاً إلى مدين {لمّا خِفْتُكم} أن تصيبني بمضرة، أو تؤاخذني بما لا أستحقه. {فوهب لي ربي حُكماً} أي: حكمة، أو: نبوة وعلماً، فزال عني الجهل والضلالة، {وجعلني من المرسلين}؛ من جملة رسله، {وتلك نعمة تمُنُّها عليَّ أن عَبدتَّ بني إسرائيل} أي: تلك التربية نعمة تمُن بها عليّ ظاهراً، وهي في الحقيقة تعبيدك بني إسرائيل، وقهرك إياهم، بذبح أبنائهم، فإنه السبب في وقوعي عندك وحصولي في تربيتك، ولو تركتهم لرباني أبواي. فكأن فرعون في الحقيقة امتن على موسى بتعبيد قومه وإخراجه من حجر أبويه. فقال له موسى عليه السلام: أَوَ تلك نعمةٌ تَمُنٌُّها عَلَيَّ؛ استعبادك لهم، ليس ذلك بنعمة، ولا لك فيها عليَّ منة، وتعبيده: تذليلهم واستخدامهم على الدوام. ووحد الضمير في "تمنّها" و "وعبّدتَّ"، وجمعها في "منكم" و"خفتكم"؛ لأن الفرار والخوف كان منه ومن ملئه المؤتمرين به، وأما الامتنان فمنه وحده. وحين انقطعت حجة فرعون وروغانه عن ذكر رب العالمين، أخذ يستفهم موسى عن الذي ذكر أنه رسول من عنده؛ مكابرة وتجاهلاً وتعامياً، طلباً للرئاسة، كما قال تعالى: {قال فرعونُ وما ربُّ العالمين}، أي: أيُّ شيء رب العالمين، الذي ادعيت أنك رسوله منكراً لأن يكون للعالمين رب غيره، حسبما يعْربُ عنه قوله: {أية : أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعْلَى} تفسير : [النازعات: 24]، وقوله: {أية : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي}تفسير : [القصص: 38]. أو: فما صفته، أو حقيقته؟ {قال} موسى: هو {ربُّ السمواتِ والأرضِ وما بينهما} أي: ما بين الجنسين، {إن كنتم موقنين} أي: إن كنتم موقنين بالأشياء، محققين لها، علمتم ذلك، أو: إن كنتم موقنين شيئاً من الأشياء، فهذا أولى بالإيقان؛ لظهور دليله وإنارة برهانه. {قال} فرعونُ، عند سماع جوابه عليه السلام، خوفاً من تأثيره في قلوبهم، {لِمن حولَه} من أشراف قومه، وكانوا خمسمائة مسورة بالأسورة: {أَلا تستمعون}، أنا أسأله عن الماهية، وهو يجيبني بالخاصية. ولما كانت ما هي الربوبية لا تُدرك ولا تنال حقيقتها، أجابه بما يمكن إدراكه من خواص الماهية. ثم {قال} عليه السلام: {ربُّكم وربُّ آبائكم الأولين} أي: هو خالقكم وخالق آبائكم الأولين، أي: وفرعون من جملة المخلوقين فلا يصلح للربوبية، وإنما قال: {ورب آبائكم}؛ لأن فرعون كان يدعي الربوبية على أهل عصره دون من تقدمهم. {قال} فرعونُ: {إنّ رَسُولَكُمْ الذي أُرْسِلَ إِليكُمْ لمجنون}؛ حيث يزعم أن في الوجود ألهاً غيري، أو: حيث لا يطابق جوابه سؤالي؛ لأني أسأله عن الحقيقة وهو يجيبني بالخاصية، {قال} موسى عليه السلام: {ربُّ المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون} فتستدلون بما أقول حتى تعرفوا ربكم. وهذا غاية الإرشاد، حيث عمم أولاً بخلق السموات والأرض وما بينهما، ثم خصص من العام أنفسهم وآباءهم؛ لأنّ أقرب المنظور فيه من العاقل نفسه، ومن ولد منه، وما شاهد من أحواله، من وقت ميلاده إلى وفاته، ثم خصّص المشرق والمغرب؛ لأن طلوع الشمس من أحد الخافقين وغروبهما في الآخر، على تقدير مستقيم وحساب مستوٍ، من أقوى الدلائل على وحدانية الربوبية، ووجوب وجودها. أو: تقول: لما سأله عن ماهية الربوبية؛ جهلاً؛ فأجابه، بالخاصية، {قال ألا تستمعون}؟ فعاد موسى إلى مثل قوله، فجنّنه فرعون، زاعماً أنه حائد عن الجواب، فعاد ثالثاً مبيناً أن الواجب الوجود، الفردَ الصمد، لا يدرك بالكُنْهِ، إنما يعرف بالصفات، وما عرفه بالذات إلا خواص الخواص، فالسؤال عن الذات من أمثاله جهل وحمق. ولذلك قال: {إن كنتم تعقلون}، أي: إن كان لكم عقل علمتم أنه لا يمكن أن تعرفوه إلا بهذا الطريق. قال ابن جزيّ: إن قيل: كيف قال أولاُ: {إن كنتم موقنين}، ثم قال آخراً: {إن كنتم تعقلون}؟ فالجواب: أنه لاَيَنَ أولاً؛ طمعاً في إيمانهم، فلما رأى منهم العناد والمغالطة وبخهم بقوله "إن كنتم تعقلون"، وجعل ذلك في مقابلة قول فرعون: {إن رسولكم الذي أُرسل إليكم لمجنون}. هـ. ولما تجبر فرعون وبهت {قال لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلهاً غيري لأَجعلنَك من المسجونين}، أي: لأجعلنك واحداً ممن عرفت حالهم في سجوني، وكان من عادته أن يأخذ من يرى سجنه، فيطرحه في هوّة ذاهبة في الأرض، بعيدة العمق، فرداً، لا ينظر فيها ولا يسمع، وكان ذلك أشدّ من القتل. ولو قال: لأسجننك، لم يؤد هذا المعنى، وإن كان أخصر. قاله النسفي. الإشارة: التربية لها حق يراعي ويجب شكرها، ولا فرق بين تربية البشرية والروحانية. قال القشيري: لم يجحد موسى حقَّ التربية والإحسانَ إليه في الظاهر، ولكن بَيَّنَ أنه إذا أمر الله بشيءٍ وَجَبَ اتباعُ أمره، وإذا كانت تربية المخلوقين تُوجب حقاً، فتربية الله أولى بأن يعَظِّمَ العبدُ قَدْرَها. هـ. فكل من أحسن إلى بشريتك بشيء وجب عليه شكره؛ بالإحسان إليه، ولو بالدعاء، وكل من أحسن إلى روحانيتك بالعلم أو بالمعرفة، وجب عليك خدمته وتعظيمه، وإنكار ذلك بسبب المقت والطرد، والعياذ بالله. وقول فرعون: {وما رب العالمين}: سؤال عن حقيقة الذات، ومعرفة الكنه متعذرة؛ إذ ليس كمثله شيء، وأقرب ما يجاب به قوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ وَٱلظَّاهِرُ وَٱلْبَاطِنُ} تفسير : [الحديد: 3] فهذه الأسماء الأربعة أحاطت بالذات في الجملة، ولم تترك منها شيئاً، والإحاطة بالكنه متعذرة، ولو وقعت الإحاطة لم يبق للعارفين تَرَق، مع أن ترقيهم في كشوفات الذات لا ينقطع أبداً، في هذه الدار الفانية، وفي تلك الدار الباقية. وبالله التوفيق. ثم ذكر معجزة العصا وما يتبعها، فقال: {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ ...}
الجنابذي
تفسير : {قَالَ} مستأنف جواب لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: فما فعلوا بعد ذلك؟- فقال: ذهب موسى (ع) الى مصر واجتمع مع هارون وجاءا معاً الى فرعون فقالا له: {إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} ارسلنا اليك ان تخلّى عن بنى اسرائيل وترسلهم معنا الى الشّام قال فرعون فى جوابهما خطاباً لموسى (ع) الّذى كان فى حضنه مدّة مديدة {أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً} حملاً له على الاقرار حتّى يخجل عن تلك الدّعوى ويرتدع عن ذلك الادّعاء {وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ} ولم تكن تختلف الى عالمٍ او حكيمٍ وما كنت ترتاض بالمجاهدات والعبادات والرّياضات فكيف صرت رسولاً من الله الّذى لا يراه احدٌ؟! ولا يعلم به عالم؟! وكنت ما دمت فينا سفّاكاً وقتلت نفساً محرّمة.
اطفيش
تفسير : {قَالَ} أي فرعون. {أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا} أي في منازلنا. {وَلِيداً} حال ومعناه مولود والمراد ألم نربك طفلا وذلك بعد فطامه فيما قيل وسماه وليداً لقرب ولادته وأصل الكلام فأتياه بفتح التاء فقولا له ذلك بحذف هذا كله وكان فرعون قد استعبد بني اسرائيل اربعمائة سنة وهم يؤمئذ ستمائة الف وثلاثون الفا فأمر الله جل وعلا موسى وهارون عليهما السلام أن يذهبا اليه ويقولا له اطلقهم معنا الى فلسطين ولا تستبعدهم، وبلغ موسى الرسالة إلى هارون ففعلا. روي أنه رجع إلى مصر في جبة صوف وفي يده عصاة علق في رأسها زاده وصاحت أمه أن فرعون يطلبك ليقتلك، ووصلا باب فرعون ليلا فدق الباب ففزع البوابون وقال من بالباب فقال: {أية : إنّا رسول رب العالمين }تفسير : فذهب البواب إلى فرعون وقال: إن مجنونا بالباب يزعم أنه رسول رب العالمين فتركه حتى أصبح ثم دعاهما فأديا الرسالة فعرف فرعون موسى كما مر لأنه نشأ في بيته فقال: {أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا من عُمُرِكَ} وقرأ أبو عمرو بسكون الميم. {سِنِينَ} قيل ثلاثين سنة ثم خرج إلى مدين ولبث فيها عشر سنين ثم عاد اليهم ثلاثين ثم بقى بعد الغرق خمسين وعن بعضهم وكز القبطي وهو ابن اثنتي عشرة سنة وفر منهم على اثرها.
اطفيش
تفسير : {قالَ} فرعون لموسى عليه السلام، بعد أداء ما أرسل به من توحيد الله عز وجل، وقد قيل قعداً على بابه مراراً كثيرة، عاماً تاماً، ولم يؤذن لهما، حتى قال البواب: إن فى الباب إنسانا يزعم أنه رسول رب العالمين، فقال: ائذن له نضحك منه، فدخلا فأديا الرسالة، فعرف موسى فقال: {ألم نُربِّك فينا وَليداً} وقيل: أتياه ليلا حين وصل موسى، فقرع عليه الباب، ففرغ وقال: من يضرب بابى فى هذه الساعة؟ فأشرف البواب، فقال له: "أية : إنَّا رسُول رب العالمين"تفسير : [الشعراء: 16] فقال فرعون: بالباب مجنون، ويزعم أنه رسول رب العالمين، فقال أدخله، فدخل، فبلغ الرسالة، وعلى كل قول عرفه فقال: {ألم نربك فينا وليداً}. {ولَبثْتَ فينا مِن عمرك سنين * وفَعَلت فَعلتك التى فَعَلت وأنتَ مِن الكافرين} فينا فى منازلنا، فحذف المضاف أولا يقدر فيكون المعنى إنك منَّا حينئذ، والوليد بمعنى المولود الذى قرب عهده بالولادة، وهذا عرف عام، والأصل المولود، ولو كبر فإن الانسان مثلا مولود على كل حال، ولبث موسى فيهم ثلاثين سنة، وأقام بمدين عشراً يرعى لشعيب، وتزوج بنته فذلك أربعون فنبئ فعاد إليهم يدعوهم، وقيل لبث فيهم اثنتى عشرة سنة، فوكز القبطى ففر، ومكث عند شعيب عشراً فتزوج بنته، وبعد تزوجها ثمانى عشرة، فذلك أربعون، وبقى بعد الغرق خمسين، والفعلة التى فعل قتل القبطى، وذلك توبيخ. وقيل قدم فى رسالته بقتله لو كنت رسولا على زعمك أن للعالمين إلهاً، وأنك رسوله، أو أراد أنه لم يشكر نعمة التربية، كما صرح به فى قوله: {وأنت من الكافرين} لنعمتى إذ قتلت رجلاً خبازاً لى من خاصتى، وقيل من جملة القوم الذين تدعى كفرهم، وتسميتهم كافرين إذ كان يخالط القبط قبل القرار، وبعد رجوعه الى مصر للتبليغ بالتقية، أو من الكافرين بألوهتى، على أن الجملة مستقلة منه غير مبنية على ما قبلها، وما مر أولى فتكون حالا من تاء لبثت، أو فعلت.
الالوسي
تفسير : {قَالَ } أي فرعون لموسى عليه السلام بعد ما أتياه وقالا له ما أمرا به، ويروى أنهما انطلقا إلى باب فرعون فلم يؤذن لهما سنة حتى قال البواب: إن هٰهنا إنساناً يزعم أنه رسول رب العالمين فقال: ائذن له لعلنا نضحك منه فأذن له فدخلا فأديا إليه الرسالة فعرف موسى عليه السلام فقال عند ذلك: {أَلَمْ نُرَبّكَ فِينَا وَلِيداً } وفي خبر آخر أنهما أتيا ليلاً فقرع الباب ففزع فرعون وقال: من هذا الذي يضرب بابـي هذه الساعة؟ فأشرف عليهما البواب فكلمهما فقال له موسى: إنا رسول رب العالمين فأتى فرعون وقال: إن هٰهنا إنساناً مجنوناً يزعم أنه رسول رب العالمين فقال: أدخله فدخل فقال ما قص الله تعالى، وأراد اللعين من قوله: {أَلَمْ نُرَبّكَ } الخ الامتنان، و {فِينَا } على تقدير المضاف أي منازلنا، والوليد فعيل بمعنى مفعول يقال لمن قرب عهده بالولادة، وإن كان على ما قال الراغب: يصح في الأصل لمن قرب عهده أو بعد كما يقال لما قرب عهده بالاجتناء جنى فإذا كبر سقط عنه هذا الاسم، وقال بعضهم: كأن دلالته على قرب العهد من صيغة المبالغة، وكون الولادة لا تفاوت فيها نفسها. {وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ } قيل: لبث فيهم ثلاثين سنة ثم خرج إلى مدين وأقام به عشر سنين ثم عاد إليهم يدعوهم إلى الله تعالى ثلاثين سنة ثم بقي بعد الغرق خمسين، وقيل: لبث فيهم اثنتي عشرة سنة ففر بعد أن وكز القبطي إلى مدين فأقام به عشر سنين يرعى غنم شعيب عليه السلام ثم ثماني عشرة سنة بعد بنائه على امرأته بنت شعيب فكمل له أربعون سنة فبعثه الله تعالى وعاد إليهم يدعوهم إليه عز وجل والله تعالى أعلم. وقرأ أبو عمرو في رواية {من عمرك } بإسكان الميم، والجار والمجرور في موضع الحال من {سِنِينَ } كما هو المعروف في نعت النكرة إذا قدم.
ابن عاشور
تفسير : طوي من الكلام ذهاب موسى وهارون إلى فرعون واستئذانهما عليه وإبلاغهما ما أمرهما الله أن يقولا لفرعون إيجازاً للكلام. ووجَّه فرعون خطابه إلى موسى وحده لأنه علم من تفصيل كلام موسى وهارون أن موسى هو الرسول بالأصالة وأن هارون كان عوناً له على التبليغ فلم يشتغل بالكلام مع هارون. وأعرض فرعون عن الاعتناء بإبطال دعوة موسى فعدل إلى تذكيره بنعمة الفراعنة أسلافه على موسى وتخويفه من جنايته حسباناً بأن ذلك يقتلع الدعوة من جذمها ويكف موسى عنها، وقصدُه من هذا الخطاب إفحام موسى كي يتلعثم من خشيةِ فرعون حيث أوجد له سبباً يتذرع به إلى قتله ويكون معذوراً فيه حيث كفر نعمة الولاية بالتربية، واقترف جرم الجناية على الأنفس. والاستفهام تقريري، وجعل التقرير على نفي التربية مع أن المقصود الإقرار بوقوع التربية مجاراة لحال موسى في نظر فرعون إذ رأى في هذا الكلام جرأة عليه لا تناسب حال مَن هو ممنون لأُسرته بالتربية لأنها تقتضي المحبة والبر، فكأنه يرخي له العنان بتلقين أن يجحد أنه مربًّى فيهم حتى إذا أقر ولم ينكر كان الإقرار سالماً من التعلل بخوف أو ضغط، فهذا وجه تسليط الاستفهام التقريري على النفي في حينَ أن المقرر به ثابت. وهذا كما تقول للرجل الذي طال عهدك برؤيته: ألستَ فلاناً، ومثله كثير. ومنه قول الحجاج في خطبته يوم دَيْر الجماجم يهدد الخوارج «ألستُم أصحابِي بالأهواز». والتقرير مستعمل في لازمه وهو أن يقابل المقرَّر عليه بالبر والطاعة لا بالجفاء، ويجوز أن يجعل الاستفهام إنكارياً عليه لأن لسان حال مُوسى في نظر فرعون حال من يجحد أنه مربًّى فيهم ومن يظن نِسيانهم لفعلته فأنكر فرعون عليه ذلك، وكلا الوجهين لا يخلو من تنزيل موسى منزلة من يجحد ذلك. والتربية: كفالة الصبي وتدبير شؤونه. ومعنى {فينا} في عائلتنا، أي عائلة ملك مصر. والوليد: الطفل من وقت ولادته وما يقاربها فإذا نمى لم يُسم وليداً وسمي طفلاً، ويعني بذلك التقاطه من نهر النيل. وذلك أن موسى ربّي عند (رعمسيس الثاني) من ملوك العائلة التاسعة عشرة من عائلات فراعنة مصر حسب ترتيب المحققين من المؤرخين. وخرج موسى من مصر بعد أن قتل القبطّي وعمرُه أربعون سنة لقوله تعالى: {أية : ولما بلغ أشُدَّه واستوى أتيناه حكماً} تفسير : [القصص: 14] إلى قوله: {أية : ودخل المدينة}تفسير : [القصص: 15] الآية وبُعث وعمرُه ثمانون سنة حسبما في التوراة. وكان فرعون الذي بعث إليه موسى هو (منفتاح الثاني ابن رعمسيس الثاني) وهو الذي خلفه في الملك بعد وفاته أواسط القرن الخامس عشر قبل المسيح، فلا جرم كان موسى مربّى والده، فلذلك قال له: ألم نُرَبِّك فينا وليداً، ولعله رُبِّيَ مع فرعون هذا كالأخ. والسنين التي لبثها موسى فيهم هي نحو أربعين سنة. والفَعْلة: المرة الواحدة من الفِعل، وأراد بها الحاصل بالمصدر كما اقتضته إضافتها إلى ضمير المخاطب، وأراد بالفعلة قتلَه القبطي، قيل هو خَبَّاز فرعون. وعبر عنها بالموصول لعلم موسى بها، وفي ذلك تهويل للفعلة يكنى به عن تذكيره بما يوجب توبيخه. وفي العدول عن ذكر فَعلة معيَّنة إلى ذكرها مبهمة مضافةً إلى ضميره ثم وصفها بما لا يزيد على معنى الموصوف تهويلٌ مرادٌ به التفظيع وأنها مشتهرة معلومة مع تحقيق إلصاق تبعتها به حتى لا يجد تنصلاً منها. وجملة: {وأنت من الكافرين} حال من ضمير {فعلت}. والمراد به كفر نعمة فرعون من حيث اعتدى على أحد خاصّته وموالي آله، وكان ذلك انتصاراً لرجل من بني إسرائيل الذين يعُدُّونهم عبيدَ فرعون وعبيدَ قومه، فجَعل فرعونُ انتصارَ موسى لرجل من عشيرته كفراناً لنعمة فرعون لأنه يرى واجب موسى أن يعُدّ نفسه من قوم فرعون فلا ينتصر لإسرائيلي، وفي هذا إعمال أحكام التبني وإهمال أحكام النسب وهو قلبُ حقائق وفسادُ وضع. قال تعالى: {أية : وما جَعل أدعياءَكم أبناءَكم ذلكم قولُكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل}تفسير : [الأحزاب: 4]. وليس المراد الكفر بديانة فرعون لأن موسى لم يكن يوم قتل القبطي متظاهراً بأنه على خلاف دينهم وإن كان في باطنه كذلك لأن الأنبياء معصومون من الكفر قبل النبوءة وبعدها. ويجوز أن تكون جملة: {وأنت من الكافرين} عطفاً على الجُمل التي قبلها التي هي توبيخ ولوم، فوبخه على تقدم رعيه تربيتَهم إياه فيما مضى، ثم وبّخه على كونه كافراً بدينهم في الحال، لأن قوله: {من الكافرين} حقيقة في الحال إذ هو اسم فاعل واسم الفاعل حقيقة في الحال. ويجوز أن يكونَ المعنى: وأنت حينئذ من الكافرين بديننا، استناداً منه إلى ما بدا من قرائنَ دلّته على استخفاف موسى بدينهم فيما مضى لأن دينهم يقتضي الإخلاص لفرعون وإهانةَ من يهينهم فرعون. ولعل هذا هو السبب في عزم فرعون على أن يقتصّ من موسى للقبطي لأن الاعتداء عليه كان مصحوباً باستخفاف بفرعون وقومه. ويفيد الكلام بحذافره تعجباً من انتصاب موسى منصب المرشد مع ما اقترفه من النقائص في نظر فرعون المنافية لدعوى كونه رسولاً من الربّ.
الشنقيطي
تفسير : {قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً} تربية فرعون لموسى هذه التي ذكرها له هي التي ذكر مبدؤها في قوله تعالى: {أية : وَقَالَتِ ٱمْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} تفسير : [القصص: 9] وقوله تعالى: أية : {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ} تفسير : [طه: 39] الآية.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: قال: أي قال فرعون رداً على كلام موسى في السياق السابق. ألم نربك فينا وليداً: أي في منازلنا وليداً أي صغيراً قريباً من أيام الولادة. ولبثت فينا من عمرك سنين: أي أقمت بيننا قرابة ثلاثين سنة وكان موسى يدعى ابن فرعون لجهل الناس به ورؤيتهم له في قصره يلبس ملابسه ويركب مراكبه. وفعلت فعلتك التي فعلت: أي قتلت الرجل القبطي. وأنت من الكافرين: أي الجاحدين لنعمتي عليك بالتربية وعدم الاستعباد. وأنا من الضالين: إذ لم يكن عندي يومئذ من علم ربي ورسالته ما عندي الآن. أن عبدت بني إسرائيل: أي هل تعبيدك لبني إسرائيل يعد نعمة فتمن بها علي؟ معنى الآيات: ما زال السياق والحوار الدائر بين موسى عليه السلام وفرعون عليه لعائن الرحمن فرد فرعون على موسى بما أخبر تعالى به عنه في قوله {قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً} أي أتذكر معترفاً أنا ربيناك وليداً أي صغيراً وأنت في حال الرضاع {وَلَبِثْتَ فِينَا} أي في قصرنا مع الأسرة المالكة {سِنِينَ} ثلاثين سنة قضيتها من عمرك في ديارنا {وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ} أي الشنعاء {ٱلَّتِي فَعَلْتَ} وهي قتل موسى القبطي {وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ} أي لنعمنا عليك الجاحد بها، كان هذا رد فرعون فلنستمع إلى رد موسى عليه السلام كما أخبر به الله تعالى عنه في قوله: {قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذاً} أي يومئذ {وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ} أي الجاهلين لأنه لم يكن قد علمني ربي ما علّمني الآن وما أوحى إلي ولا أرسلني إليكم رسولاً {فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ} من أجل قتلي النفس التي قتلت وأنا من الجاهلين {فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً} أي علماً نافعاً يحكمني دون فعل ما لا ينبغي فعله {وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} أي من أنبيائه ورسله إلى خلقه ثم قال له رداً على ما أمتن به فرعون بقوله {أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ} فقال {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ} أي أو تلك نعمة تمنها علي وهي {أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ} أي استعبدتهم أي اتخذتهم عبيداً لك يخدمونك تستعملهم كما تشاء كالعبيد لك ولم تستعبدني أنا لاتخاذك إياي ولداً حسب زعمك فأين النعمة التي تمنها علي يا فرعون، نترك رد فرعون إلى الآيات التالية. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- قبح جريمة القتل عند كافة الناس مؤمنهم وكافرهم وهو أمر فطري. 2- جوار التذكير بالإِحسان لمن أنكره ولكن لا على سبيل الامتنان فإنه محبط للعمل. 3- جواز إطلاق لفظ الضلال على الجهل كما قال تعالى {أية : وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ}تفسير : [الضحى: 7] كم قال موسى {وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ} أي الجاهلين قبل أن يعلمني ربي. 4- مشروعية الفرار من الخوف إذا لم يكن في البلد قضاء عادل، وإلا لما جاز الهرب من وجه العدالة.
د. أسعد حومد
تفسير : (18) - فَرَدَّ فرعَونُ على مُوسى بازْدِرَاءٍ، وعَدَمِ اكْتِرَاثٍ، وقَالَ لَهُ: أَمَا أنْتَ الذي رَبَّيْنَاهُ في بَيْتِنا، وَهُوَ طِفْلٌ صغيرٌ، وأنْعَمْنَا عليهِ عَدَداً مَن السنينَ؟
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : يريد فرعون أنْ يُذكِّر موسى بما كان من أمر تربيته في بيته لعدة سنوات، حتى شَبَّ وكبر، وكأنه يُوبِّخه كيف يقف منه هذا الموقف العدائي بعدما كان منه. {وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ} [الشعراء: 18] ويقال: إن موسى لبث في بيت فرعون حتى سِنِّ الثامنة عشرة، أو سِنِّ الثلاثين، فالمعنى أنه ربَّاه ولبث معه أيضاً عدة سنوات. والمتأمل في هذه الحجة التي يظنها فرعون لصالحه يجد أنها ضده، وأنها تكشف عن غبائه، فلو كان إلهاً كما يدعي لعرف أن هلاكه سيكون على يدي هذا الطفل الذي ضَمَّه إليه ورعاه.
همام الصنعاني
تفسير : 2113- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً}: [الآية: 18]، قال: التقطه آل فرعون فربّوه حتى كان رجلاً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):