Verse. 2952 (AR)

٢٦ - ٱلشُّعَرَاء

26 - Ash-Shu'ara (AR)

قَالَ فَعَلْتُہَاۗ اِذًا وَّاَنَا مِنَ الضَّاۗلِّيْنَ۝۲۰ۭ
Qala faAAaltuha ithan waana mina alddalleena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال» موسى «فعلتها إذاً» أي حينئذ «وأنا من الضالين» عما آتاني الله بعدها من العلم والرسالة.

20

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن فرعون لما ذكر التربية وذكر القتل وقد كانت تربيته له معلومة ظاهرة، لا جرم أن موسى عليه السلام ما أنكرها، ولم يشتغل بالجواب عنها، لأنه تقرر في العقول أن الرسول إلى الغير إذا كان معه معجز وحجة لم يتغير حاله بأن يكون المرسل إليه أنعم عليه أو لم يفعل ذلك، فصار قول فرعون لما قاله غير مؤثر ألبتة، ومثل هذا الكلام الإعراض عنه أولى ولكن أجاب عن القتل بما لا شيء أبلغ منه في الجواب وهو قوله: {فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالّينَ } والمراد بذلك الذاهلين عن معرفة ما يؤول إليه من القتل لأنه فعل الوكزة على وجه التأديب، ومثل ذلك ربما حسن وإن أدى إلى القتل فبين له أنه فعله على وجه لا يجوز معه أن يؤاخذ به أو يعد منه كافراً أو كافراً لنعمه، فأما قوله: {فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ } فالمراد أني فعلت ذلك الفعل وأنا ذاهل عن كونه مهلكاً وكان مني في حكم السهو، فلم أستحق التخويف الذي يوجب الفرار ومع ذلك فررت منكم عند قولكم: { أية : إِنَّ ٱلْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ } تفسير : [القصص: 20] فبين بذلك أنه لا نعمة له عليه في باب تلك الفعلة، بل بأن يكون مسيئاً فيه أقرب من حيث خوف تخويفاً أوجب الفرار، ثم بين نعمة الله تعالى عليه بعد الفرار، فكأنه قال أسأتم وأحسن الله إلي بأن وهب لي حكماً وجعلني من المرسلين، واختلفوا في الحكم والأقرب أنه غير النبوة لأن المعطوف غير المعطوف عليه، والنبوة مفهومة من قوله: {وَجَعَلَنِى مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } فالمراد بالحكم العلم ويدخل في العلم العقل والرأي والعلم بالدين الذي هو التوحيد، وهذا أقرب لأنه لا يجوز أن يبعثه تعالى إلا مع كماله في العقل والرأي والعلم بالتوحيد وقوله: {فَوَهَبَ لِى رَبّى حُكْماً } كالتنصيص على أن ذلك الحكم من خلق الله تعالى، وقالت المعتزلة: المراد منه الألطاف وهو ضعيف جداً لأن الألطاف مفعولة في حق الكل من غير بخس ولا تقصير، فالتخصيص لا بد فيه من فائدة، فأما قوله: {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِى إِسْرٰءيلَ } فهو جواب قوله: { أية : أَلَمْ نُرَبّكَ فِينَا وَلِيداً } تفسير : [الشعراء:18] يقال عبدت الرجل وأعبدته إذا اتخذته عبداً، فإن قيل كيف يكون ذلك جوابه ولا تعلق بين الأمرين؟ قلنا بيان التعلق من وجوه: أحدها: أنه إنما وقع في يده وفي تربيته لأنه قصد تعبيد بني إسرائيل وذبح أبنائهم، فكأنه عليه السلام قال له كنت مستغنياً عن تربيتك لو لم يكن منك ذلك الظلم المتقدم علينا وعلى أسلافنا وثانيها: أن هذا الإنعام المتأخر صار معاضاً بذلك الظلم العظيم على أسلافنا وإذا تعارضا تساقطا وثالثها: ما قاله الحسن: إنك استعبدتهم وأخذت أموالهم ومنها أنفقت علي فلا نعمة لك بالتربية ورابعها: المراد أن الذي تولى تربيتي هم الذين قد استعبدتهم فلا نعمة لك علي لأن التربية كانت من قبل أمي وسائر من هو من قومي ليس لك إلا أنك ما قتلتني، ومثل هذا لا يعد إنعاماً وخامسها: أنك كنت تدعي أن بني إسرائيل عبيدك ولا منة للمولى على العبد في أن يطعمه ويعطيه ما يحتاج إليه. واعلم أن في الآية دلالة على أن كفر الكافر لا يبطل نعمته على من يحسن إليه ولا يبطل منته لأن موسى عليه السلام إنما أبطل ذلك بوجه آخر على ما بينا، واختلف العلماء فقال بعضهم إذا كان كافراً لا يستحق الشكر على نعمه على الناس إنما يستحق الإهانة بكفره، فلو استحق الشكر بإنعامه والشكر لا يوجد إلا مع التعظيم فيلزم كونه مستحقاً للإهانة وللتعظيم معاً، واستحقاق الجمع بين الضدين محال، وقال آخرون لا يبطل الشكر بالكفر وإنما يبطل بالكفر الثواب والمدح الذي يستحقه على الإيمان، والآية تدل على هذا القول الثاني. المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف» إنما جمع الضمير في {مّنكُمْ } و {خِفْتُكُمْ } مع إفراده في {ثمنها} و {عَبَّدتَّ } لأن الخوف والفرار لم يكونا منه وحده ولكن منه ومن ملائه المؤتمرين بقتله، بدليل قوله: { أية : إِنَّ ٱلْمَلاَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ } تفسير : [القصص: 20] وأما الامتنان فمنه وحده وكذلك التعبيد، فإن قلت: {تِلْكَ } إشارة إلى ماذا و {أَنْ عَبَّدتَّ } ما محلها من الإعراب؟ قلت: (تلك) إشارة إلى خصلة شنعاء مبهمة لا يدرى ما هي إلا بتفسيرها وهي {أَنْ عَبَّدتَّ } فإن {أَنْ عَبَّدتَّ } عطف بيان ونظيره قوله تعالى: { أية : وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ٱلأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَـؤُلآْء مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ } تفسير : [الحجر: 66] والمعنى تعبيدك بني إسرائيل نعمة تمنها علي، وقال الزجاج: ويجوز أن يكون (أن) في موضع نصب، والمعنى إنما صارت نعمة علي، لأن عبدت بني إسرائيل أي لو لم تفعل ذلك لكفاني أهلي.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ } موسى {فَعَلْتُهَا إِذاً } أي حينئذ {وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالّينَ } عما آتاني الله بعدها من العلم والرسالة.

ابن عطية

تفسير : القائل هنا هو موسى عليه السلام والضمير في قوله {فعلتها} لقتله القبطي، وقوله {إذاً} صلة في الكلام وكأنها بمعنى حينئذ، وقوله {وأنا من الضالين} قال ابن زيد معناه من الجاهلين بأن وكزتي إياه تأتي على نفسه، وقال أبو عبيدة معناه من الناسين لذلك، ونزع بقوله تعالى أن تضل إحداهما، وفي قراءة عبد الله بن مسعود وابن عباس "وأنا من الجاهلين" ويشبه أن تكون هذه القراءة على جهة التفسير، وقوله {حكماً} يريد النبوة وحكمتها، وقرأ عيسى "حُكُماً" بضم الحاء والكاف، وقوله {وجعلني من المرسلين} درجة ثانية للنبوة فرب نبي ليس برسول، ثم حاجه عليه السلام في منه عليه بالتربية وترك القتل بقوله {وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل}، واختلف الناس في تأويل هذا الكلام، فقال قتادة هذا منه على جهة الإنكار عليه أن تكون نعمة كأنه يقول أويصح لك أن تعتمد على نعمة ترك قتلي من أجل أنك ظلمت بني إسرائيل وقتلتهم، أي ليست نعمة لأن الواجب كان ألا يقتلني وألا تقتلهم ولا تستعبدهم بالقتل والخدمة وغير ذلك، وقرأ الضحاك "وتلك نعمة ما لك أن تمنها"، وهذه قراءة تؤيد هذا التأويل، وقال الأخفش قيل ألف الاستفهام محذوفة والمعنى "أو تلك" وهذا لا يجوز إلا إذا عادلتها أم كما قال "تروح من الحي أم تبتكر". قال القاضي أبو محمد: وهذا القول تكلف، قول موسى عليه السلام تقرير بغير ألف وهو صحيح كما قال قتادة والله المعين، وقال السدي والطبري هذا الكلام من موسى عليه السلام على جهة الإقرار بالنعمة، كأنه يقول وتربيتك نعمة علي من حيث عبدت غيري وتركتني ولكن ذلك لا يدفع رسالتي. قال القاضي أبو محمد: ولكل وجه ناحية من الاحتجاج فالأول ماض في طريق المخالفة لفرعون ونقض كلامه كله، والثاني مبد من موسى عليه السلام أنه منصف من نفسه معترف بالحق، ومتى حصل أحد المجادلين في هذه الرتبة وكان خصمه في ضدها غلب المتصف بذلك وصار قوله أوقع في النفوس، ولما لم يجد فرعون في هذا الطريق من تقريره على التنزيه وغير ذلك حجة رجع إلى معارضة موسى في قوله "رسول رب العالمين" فاستفهمه استفهاماً عن مجهول من الأشياء قال مكي كما يستفهم عن الأجناس، فلذلك استفهم بـ {ما} وقد ورد له استفهام بـ {من} في موضع آخر، ويشبه أنها مواطن، فأتى موسى عليه السلام بالصفات التي تبين للسامع أنه لا مشاركة لفرعون فيها وهي ربوبية السماوات والأرض، وهذه المجادلة من فرعون تدل على أن موسى عليه السلام دعاه إلى التوحيد فقال فرعون عند ذلك {ألا تستمعون} على وجه الإغراء والتعجب من شنعة المقالة، إذ كانت عقيدة القوم أن فرعون ربهم ومعبودهم والفراعنة قبله كذلك وهذه ضلالة منها في مصر وديارها إلى اليوم بقية فزاد موسى في البيان بقوله {ربكم ورب آبائكم الأولين}، فقال فرعون حينئذ على جهة الاستخفاف {إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون} وقرأ جمهور الناس على بناء الفعل للمفعول، وقرأ حميد الأعرج ومجاهد "أرسل" على بناء الفعل للفاعل، فزاد موسى عليه السلام في بيان الصفات التي تظهر نقص فرعون وتبين له أنه في غاية البعد عن القدرة عليها وهي ربوبية {المشرق والمغرب}، ولم يكن لفرعون إلا ملك مصر من البحر إلى أسوان وأرض الإسكندرية، وفي قراءة ابن مسعود وأصحابه "رب المشارق والمغارب وما بينهما".

ابن عبد السلام

تفسير : {الضَّآلِّينَ} الجاهلين لأنه لم يعلم أنها تبلغ النفس، أو من الضالين عن النبوة، أو من الناسين كقوله {أية : أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا} تفسير : [البقرة: 282].

اسماعيل حقي

تفسير : {قال} موسى {فعلتها} اى تلك الفعلة {اذا} اى حين فعلت اى قتلت النفس وهو حرف جواب فقط لان ملاحظة المجازاة ههنا بعيدة {وانا من الضالين} يقال ضل فلان الطريق اخطأه اى ضللت طريق الصواب واخطأته من غير تعمد كمن رمى سهما الى طائر واصاب آدميا وذلك لان مراد موسى كان تأديبه لاقتله: وبالفارسية [آكاه نبودم كه بمشت زدن من آنكست كشته شود]

الجنابذي

تفسير : {قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذاً} ولكن لم اكن بكافرٍ كما نسبت الىّ لانّى كنت موحّداً لله وعارفاً لنعمه وشاكراً له وقتلته باستحقاقه {وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ} اى ضللت طريقى الّتى كنت اريد السّلوك عليها فوقعت عليه او كنت ضالاًّ طريق التّوحيد طالباً له، او كنت ضالاًّ عن طريق حسن التّدبير مع الاعداء وهو المداراة معهم.

اطفيش

تفسير : {قَالَ} موسى. {فَعَلْتُهَا إِذَا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ} من الجاهلين وقد قرأه ابن مسعود {أية : من الجاهلين }تفسير : وكذا قرأ ابن عباس فيما قيل. قال الثعالبي: ويشبه أن تكون هذه القراءة على جهة التفسير أي من الفاعلين فعل أولى الجهل والسفه كقوله {أية : إِذ أنتم جاهلون }تفسير : أو {مِنَ الضَّالِّينَ} بمعنى من المخطئين لأنه قتله خطأ لا عمدا أو بمعنى من الذاهلين عما يؤول اليه الوكز وهو قول ابن زيد على انه ضربه تأديبا أو من الذاهبين عن الصواب أو من الناسين كقوله {أية : أن تضل إحداهما }تفسير : وهو قول ابي عبيدة واذن في الآية للجواب فقط ويحتمل أن تكون له وللجزاء معا لأن قول فرعون وفعلت فعلتك فيه معنى انك جازيت نعمتي بما فعلت. فقال موسى: نعم فعلتها مجازيا لك تسليما لقوله لأن نعمته كانت عند موسى جديرة بأن تجازى بنحو ذلك الجزاء.

اطفيش

تفسير : {قال فَعلْتُها إذاً} أى إذ فعلتها، وقيل إذاً بمعنى ذلك الوقت ولا تقدر الاضافة بعدها {وأنا مِن الضَّالين} ممن يفعل الأمر على غير بصيرة، إذ لم أدر انه يموت بوكزى أو أخطأت يدى إليه، وزعم بعض أن الضلال نسيان كقوله تعالى: "أية : أن تضل إحداهما"تفسير : [البقرة: 282] الخ نسى أن القتل حرام، وفيه بعد أو عهد أن له قوة ليست لغيره، ولكن نسيها، وقيل من الجاهلين بالشرائع، وهو باطل لأن حاصلة أنه تعهد قتله بغير حل.

الالوسي

تفسير : {قَالَ فَعَلْتُهَا } أي تلك الفعلة {إِذَا } أي إذ ذاك على ما آثره بعض المحققين سقى الله تعالى ثراه من أن {إِذَا } ظرف مقطوع عن الإضافة مؤثراً فيه الفتحة على الكسرة لخفتها وكثرة الدور، وأقر عليه السلام بالقتل لثقته بحفظ الله تعالى له، وقيد الفعل بما يدفع كونه قادحاً في النبوة وهو جملة {وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ} أي من الجاهلين وقد جاء كذلك في قراءة ابن عباس وابن مسعود كما نقله أبو حيان في «البحر» لكنه قال: ويظهر أن ذاك تفسير للضالين لا قراءة مروية عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وأراد عليه السلام بذلك على ما روي عن قتادة أنه فعل ذلك جاهلاً به غير متعمد إياه فإنه عليه السلام إنما تعمد الوكز للتأديب فأدى إلى ما أدى، وفي معنى ما ذكر ما روي عن ابن زيد من أن المعنى وأنا من الجاهلين بأن وكزتي تأتي على نفسه، وقيل: المعنى فعلتها مقدماً عليها من غير مبالاة بالعواقب على أن الجهل بمعنى الإقدام من غير مبالاة كما فسر بذلك في قوله:شعر : ألا لا يجلهن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا تفسير : وهذا مما يحسن على بعض الأوجه في تقرير الجواب المذكور، قيل: إن الضلال هٰهنا المحبة كما فسر بذلك في قوله تعالى: {أية : تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَلَـٰلِكَ ٱلْقَدِيمِ } تفسير : [يوسف: 95] وعنى عليه السلام أنه قتل القبطي غيرة لله تعالى حيث كان عليه السلام من المحبين له عز وجل وهو كما ترى، ومثله ما قيل أراد من الجاهلين بالشرائع، وفسر الضلال بذلك في قوله تعالى: {أية : وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَىٰ } تفسير : [الضحى: 7]، وقال أبو عبيدة: من الناسين، وفسر الضلال بالنسيان في قوله تعالى: {أية : أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ }تفسير : [البقرة: 282] وعليه قيل المراد فعلتها ناسياً حرمتها، وقيل: ناسياً أن وكزي ذلك مما يفضي إلى القتل عادة؛ والذي أميل إليه من بين هذه الأقوال ما روي عن قتادة، وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة القصص ما يتعلق بهذا المقام وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن جريج عن ابن مسعود أنه قرأ {فعلتها إذ أنا من الضالين}.

ابن عاشور

تفسير : كانت رباطة جأش موسى وتوكّله على ربّه باعثةً له على الاعتراف بالفعلة وذكر ما نشأ عنها من خيرٍ له، ليدل على أنه حَمِد أثرها وإن كان قد اقترفها غير مُقَدِّر ما جرّته إليه من خير؛ فابتدأ بالإقرار بفعلته ليعلم فرعون أنه لم يجد لكلامه مدخل تأثير في نفس مُوسى. وأخر موسى الجواب عن قول فرعون {أية : ألم نربّك فينا وليداً ولبثت فينا من عمرك سنين}تفسير : [الشعراء: 18] لأنه علم أن القصد منه الإقصارُ من مواجهته بأن ربّاً أعلى من فرعون أرسل موسى إليه. وابتدأ بالجواب عن الأهم من كلام فرعون وهو {أية : وفعلتَ فعلتك}تفسير : [الشعراء: 19] لأنه علم أنه أدخل في قصد الإفحام، وليظهر لفرعون أنه لا يَوْجَل من أن يطالبوه بذَحل ذلك القتيل ثقة بأن الله ينجيه من عدوانهم. وكلمة {إذاً} هنا حرف جواب وجزاء، فنونُه الساكنة ليست تنويناً بل حرفاً أصلياً للكلمة، وقدم {فعلتها} على (إذن) مبادرةً بالإقرار ليَكون كناية عن عدم خشيته من هذا الإقرار. ومعنى المجازاة هنا ما بيّنه في «الكشاف»: أن قول فرعون {أية : فعلتَ فعلتك}تفسير : [الشعراء: 19] يتضمن معنى جازيتَ نعمتنا بما فعلتَ؛ فقال له موسى: نعم فعلتها مُجازيا لك، تسليماً لقوله، لأن نعمته كانت جديرة بأن تجازى بمثل ذلك الجزاء. وهذا أظهر ما قيل في تفسير هذه الآية. وقال القزويني في «حاشية الكشاف» قال بعض المحققين: {إذاً} ظرف مقطوع عن الإضافة مُؤْثَراً فيه الفتح على الكسر لخفته وكثرةِ الدوران، ولعله يعني ببعض المحققين رضي الدِّين الاسترابادي في «شرح الكافية الحاجبية» فإنه قال في باب الظروف: والحق أن (إذْ) إذا حذف المضاف إليه منه وأبدل منه التنوين في غير نحو يومئذ، جاز فتحه أيضاً، ومنه قوله تعالى: {فعلتها إذاً وأنا من الضالين} أي فعلتها إذْ ربَّيتني، إذ لا معنى للجزاء ههنا اهــــ. فيكون متعلقاً بــــ{فعلتُها} مقطوعاً عن الإضافة لفظاً لدلالة العامل على المضاف إليه. والمعنى: فعلتُها زمناً فعلتُها، فتذكيري بها بعد زمن طويل لا جدوى له. وهذا الوجه في {إذاً} في الآية هو مختار ابن عطية والرضي في «شرح الحاجبية» والدماميني في «المزج على المغني»، وظاهر كلام القزويني في «الكشف على الكشاف» أنه يختاره. ومعنى الجزاء في قوله: {فعلتها إذاً} أن قول فرعون {أية : وفعلتَ فعلتك التي فعلت}تفسير : [الشعراء: 19] قصد به إفحام موسى وتهديده، فجعل موسى الاعتراف بالفعلة جزاء لذلك التهديد على طريقة القول بالموجَب، أي لا أتهيّب ما أردت. وجعل مُوسى نفسه من الضالين إن كان مراد كلامه الذي حكت الآية معناه إلى العربية المعنَى المشهورَ للضلال في العربية وهو ضلال الفساد فيكون مراده: أن سَوْرة الغضب أغفلته عن مراعاة حرمة النفس وإن لم يكن يومئذ شريعة (فإن حفظ النفوس مما اتفق عليه شرائع البشر وتوارثوه في الفِتَر، ويؤيد هذا قوله في الآية الأخرى {أية : قال ربّ إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له}تفسير : [القصص: 16])؛ وإن كان مراده معنى ضلال الطريق، أي كنت يومئذ على غير معرفة بالحق لعدم وجود شريعة، وهو معنى الجهالة كقوله تعالى: {أية : ووجدك ضالاً فهدى}تفسير : [الضحى: 7] فالأمر ظاهر. وعلى كلا الوجهين فجواب موسى فيه اعتراف بظاهر التقرير وإبطال لما يستتبعه من جعله حجة لتكذيبه برسالته عن الله، ولذلك قابل قول فرعون {أية : وأنت من الكافرين}تفسير : [الشعراء: 19] بقوله: {وأنا من الضالين} إبطالاً لأن يكون يومئذ كافراً، ولذلك كان هذا أهم بالإبطال. وبهذا يظهر وجه الاسترسال في الجواب بقوله: {فوهب لي ربي حكماً وجعلني من المرسلين}، أي فكان فراري قد عقبه أن الله أنعم عليّ فأصلح حالي وعلمني وهداني وأرسلني. فليس ذلك من موسى مجرد إطناب بل لأنه يفيد معنى أن الإنسان ابن يومه لا ابنُ أمسِه، والأحوال بأوَاخرها فلا عجب فيما قصدتَ فإن الله أعلم حيث يجعل رسالاته. وقوله: {ففررت منكم} أي فراراً مبتدئاً منكم، لأنهم سبب فراره، وهو بتقدير مضاف، أي من خوفكم. والضمير لفرعون وقومِه الذين ائتمروا على قتل موسى، كما قال تعالى: {أية : وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك}تفسير : [القصص: 20]. والحكم: الحِكمة والعلم، وأراد بها النبوءة وهي الدرجة الأولى حين كلمه ربّه. ثم قال: {وجعلني من المرسلين} أي بعد أن أظهر له المعجزة وقال له: {أية : إني اصطفيتك على الناس}تفسير : [الأعراف: 144] أرسله بقوله: {أية : اذهَب إلى فرعون إنه طغى}تفسير : [طه: 24]. ثم عاد إلى أول الكلام فكرّ على امتنانه عليه بالتربية فأبطله وأبى أن يسميه نعمة، فقوله: {وتلك نعمة} إشارة إلى النعمة التي اقتضاها الامتنان في كلام فرعون إذ الامتنان لا يكون إلا بنعمة. ثم إن جعلت جملة {أن عبدت} بياناً لاسم الإشارة كان ذلك لزيادة تقرير المعنى مع ما فيه من قلب مقصود فرعون وهو على حد قوله تعالى: {أية : وقضينا إليه ذلك الأمر أنّ دابرَ هؤلاء مقطوعٌ مصبحين}تفسير : [الحجر: 66] إذ قوله {أن دابر هؤلاء} بيان لقوله: {ذلك الأمر}. ويجوز أن يكون {أن عبدت} في محل نصب على نزع الخافض وهو لام التعليل والتقدير: لأن عبَّدتَّ بني إسرائيل. وقيل الكلام استفهام بحذف الهمزة وهو استفهام إنكار. ومعنى {عبدت} ذَلَّلْت، يقال: عبَّد كما يقال:أعبد بهمزة التعدية. أنشد أيمة اللغة:شعر : حتّامَ يُعْبِدني قومي وقد كَثُرتْ فيهم آباعِرُ ما شاءوا وَعُبدان تفسير : وكلام موسى على التقادير الثلاثة نقض لامتنان فرعون بقلب النعمة نقمة بتذكيره أن نعمة تربيته ما كانت إلا بسبب إذلال بني إسرائيل إذ أمر فرعون باستئصال أطفال بني إسرائيل الذي تسبب عليه إلقاء أمّ موسى بطفلها في اليمّ حيث عثرت عليه امرأة فرعون ومن معها من حاشيتها وكانوا قد علموا أنه من أطفال إسرائيل بسِماتِ وجهه ولون جلده، ولذلك قالت امرأة فرعون {أية : قُرتُ عين لي ولك لا تَقتلُوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً}تفسير : [القصص: 9]. وفيه أن الإحسان إليه مع الإساءة إلى قومه لا يزيد إحساناً ولا منة.

الشنقيطي

تفسير : أي قال موسى مجيباً لفرعون: فعلتها إذاً: أي إذ فعلتها وأنا في ذلك الحين من الضالين: أي قبل أن يوحي الله إلي، ويبعثني رسولاً، وهذا هو التحقيق إن شاء الله في معنى الآية. وقول من قال من أهل العلم: وأنا من الضالين، أي من الجاهلين، راجع إلى ما ذكرنا، لأنه بالنسبة إلى ما علمه الله من الوحي يعتبر قبله جاهلاً: أي غير عالم بما أوحى الله إليه. وقد بينا مراراً في هذا الكتاب المبارك أن لفظ الضلال يطلق في القرآن وفي اللغة العربية ثلاثة إطلاقات. الإطلاق الأول: يطلق الضلال مراداً به الذهاب عن حقيقة الشيء. فتقول العرب في كل من ذهب عن علم حقيقة شيء ضل عنه، وهذا الضلال ذهاب عن علم شيء ما، وليس من الضلال في الدين. ومن هذا المعنى قوله هنا: وأنا من الضالين: أي من الذاهبين عن علم حقيقة العلوم، والأسرار التي لا تعلم إلا عن طريق الوحي، لأني في ذلك الوقت لم يوح إلي ومنه على التحقيق: {أية : وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ} تفسير : [الضحى: 7] أي ذاهباً عما علمك من العلوم التي لا تدرك إلا بالوحي. ومن هذا المعنى قوله تعالى: {أية : قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى} تفسير : [طه: 52] فقوله: {لاَّ يَضِلُّ رَبِّي} أي لا يذهب عنه علم شيء كائناً ما كان، وقوله تعالى: {أية : فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ} تفسير : [البقرة: 282] فقوله: أن تضل إحداهما: أي تذهب عن علم حقيقة المشهود به بدليل قوله بعده: فتذكر إحداهما الأخرى، وقوله تعالى عن أولاد يعقوب: {أية : إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} تفسير : [يوسف: 8] وقوله: {أية : قَالُواْ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ ٱلْقَدِيمِ} تفسير : [يوسف: 95] على التحقيق في ذلك كله. ومن هذا المعنى قول الشاعر: شعر : وتظن سلمى أنني أبغي بها بدلاً أراها في الضلال تهيم تفسير : والإطلاق الثاني وهو المشهور في اللغة، وفي القرآن هو إطلاق الضلال على الذهاب عن طريق الإيمان إلى الكفر، وعن طريق الحق إلى الباطل، وعن طريق الجنة إلى النار ومنه قوله تعالى: {أية : غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} تفسير : [الفاتحة: 7]. والإطلاق الثالث: هو إطلاق الضلال على الغيبوبة والاضمحلال، تقول العرب: ضل الشيء إذا غاب واضمحل، ومنه قولهم: ضل السمن في الطعام، إذا غاب فيه واضمحل، ولأجل هذا سمت العرب الدفن في القبر إضلالاً، لأن المدفون تأكله الأرض فيغيب فيها ويضمحل. ومن هذا المعنى قوله تعالى: {أية : وَقَالُوۤاْ أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [السجدة: 10] الآية يعنون إذا دفنوا وأكلتهم الأرض، فضلوا فيها: أي غابوا فيها واضمحلوا. ومن إطلاقهم الإضلال على الدفن، قول نابغة ذبيان يرثي النعمان بن الحرث بن أبي شمر الغساني: شعر : فإن تحيى لا أملك حياتي وإن تمت فما في حياة بعد موتك طائل فآب مضلوه بعين جلية وغودر بالجولان حزم ونائل تفسير : وقول المخبل السعدي يرثي قيس بن عاصم: شعر : أضلت بنو قيس بن سعد عميدها وفارسها في الدهر قيس بن عاصم تفسير : فقول الذبياني: فآب مضلوه: يعني فرجع دافنوه، وقول السعدي: أضلت أي دفنت، ومن إطلاق الضلال أيضاً على الغيبة والاضمحلال قول الأخطل: شعر : كنت القذى في موج أكدر مزيد قذف الآتي به فضل ضلالا تفسير : وقول الآخر: شعر : ألم تسأل فتخبرك الديار عن الحي المضلل أين ساروا تفسير : وزعم بعض أهل العلم: أن للضلال إطلاقاً رابعاً: قال: ويطلق أيضاً على المحبة قال: ومنه قوله: {أية : قَالُواْ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ ٱلْقَدِيمِ} تفسير : [يوسف: 95] قال أي في حبك القديم ليوسف، قال ومنه قول الشاعر: شعر : هذا الضلال أشاب مني المفرقا والعارضين ولم أكن متحققا عجباً لعزة في اختيار قطيعتي بعد الضلال فحبلها قد أخلقا تفسير : وزعم أيضاً أن منه قوله {أية : وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ} تفسير : [الضحى: 7] قال أي محباً للهداية فهداك، ولا يخفى سقوط هذا القول. والعلم عند الله تعالى.

د. أسعد حومد

تفسير : (20) - فَقَالَ موسى مُجِيباً: قَدْ فَعَلْتُ تِلْكَ الفَعْلَةَ - وهيَ قَتْلُ القِبْطيِّ - وأنَا إذْ ذَاكَ منَ الجَاهلينَ أنَّ وَكْزَتِي سَتَقْضِي عليهِ. (وقيل إنَّ المَعْنى هُو: لقدْ فعلْتُها وأنَا في تِلكَ الحَالِ (إذاً) قَبْلَ أَنْ يُوحِي اللهُ إليَّ بالرِّسَالَةِ، والنُّبُوَّةِ وكُنْتُ جَاهِلاً). الضَّالِّين - المُخْطِئِينَ غَيرِ المُتَعَمِّدِينَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : يقول موسى عليه السلام: أنا لا أنكر أنني قتلتُ، لكنني قتلتُ وأنا من الضالين. يعني: الجاهلين بما يترتب على عملية القتل، وما كنت أعتقدُ أبداً أن هذه الوَكْزة ستقضي على الرجل. فكلمة {ٱلضَّالِّينَ} [الشعراء: 20] هنا لا تعني عدم الهدى، فمن هذا المعنى للضلال قولهم: ضَلَّ الطريق، وهو لم يتعمد أن يضل، إنما تاه رَغْماً عنه. ومنه قوله تعالى في الشهادة: {أية : أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ ..}تفسير : [البقرة: 282]. وقوله تعالى مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم: {أية : وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ}تفسير : [الضحى: 7] أي: متحيراً بين الباطل الذي يمارسه قومه، وبين الحق الذي لا يجد له بينة.

الجيلاني

تفسير : {قَالَ} موسى في جوابه معترفاً بما صدر عنه في أوان جهله وغفلته: {فَعَلْتُهَآ} أي: الفعلة المذكورة المذمومة {إِذاً} أي: حينئذٍ {وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ} [الشعراء: 20] في تلك الحالة، الجاهلين بعواقب الأمور، الغافلين بما يترتب عليه من الأوزار. وبعد فراري منكم؛ لأجلها وصلت إلى خدمة مرشد رشيد يرشدني ويربيني بأنواع الكرامات {فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي} من أثر صحبته وحسن تربيته {حُكْماً} أي: حكمة متقنة كاملة {وَجَعَلَنِي} بفضله {مِنَ} جملة {ٱلْمُرْسَلِينَ} [الشعراء: 21] فأرسلني إليكم؛ لأدعوكم إلى توحيده. ثمَّ شرع موسى في جواب ما منَّ عليه فرعون من حقوق النعمة والتربية فقال: {وَتِلْكَ} النعمة التي عددت {نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ} ليست تبرعاً؛ حتى أكون ممنوناً بها، بل ما هي إلاَّ {أَنْ عَبَّدتَّ} زماناً قومي {بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء: 22] بل لها صاغرين مهانين مظلومين بأنواع الظلم والهوان، فما أنا ممنون منك حقيقة، بل منهم؛ لأنهم متسببون لتربيتك وحضانتك بي. وبعدما جرى بينهم ما جرى {قَالَ فِرْعَوْنُ} مستكبراً، مستفهماً على سبيل الاستبعاد والإنكار: {وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} [الشعراء: 23] أي: ما هو؟ وما ما هيته وحقيقته؟ ولأي شيء تدعونا إليه؟ عبَّر عنه سبحانه بـ (ما) من غاية إنكاره واستحقاره. {قَالَ} موسى في جوابه منبهاً له على ظهوره سبحانه في الآفاق: هو {رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي: موجدهما ومظهرهما من كتم العدم {وَمَا} حدث {بَيْنَهُمَآ} من الكوائن والفواسد {إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ} [الشعراء: 24] أي: من ذوي الإيقان والعرفان بحقائق المحدثات المبدعة من كتم العدم بلا سبق مادة وزمان، بل بامتداد أضلال الأسماء والصفات الإلهية على مرايا الإعدام بمقتضى التجليات الحبية المنتشئة من الذات الأحدية وإلاَّ فلا يمكن تعريفه بإيراد الأجناس والفصول؛ إذ هو سبحانه منزه عن الاشتراك والامتياز؛ إذ هو الواحد من كل الوجوه، المستقل بوجوب الوجود والتحقق مع امتناع غيره مطلقاً، لا يمكن أن يقومه جنس، ويميزه فصل حتى يركب له حدٌّ أو رسم. وبعدما سمع من موسى ما سمع {قَالَ} فرعون {لِمَنْ حَوْلَهُ} من ملئه وأشرافه متهمكاً بجوابه: {أَلاَ تَسْتَمِعُونَ} [الشعراء: 25] جوابه أيها العقلاء، سألته عن حقيقته وذاته فأجاب بعد أفعاله وآثاره المترتبة على أوصافه وأسمائه التي هي من عوارض ذاته. وبعدما سمع موسى تشنيعهم واستبعادهم، أراد أن يزيد أيضاً على تنبيههم فأجاب بظهوره سبحانه في الأنفس رجاء أن يتنبهوا، حيث قال: {قَالَ} هو سبحانه {رَبُّكُمْ} مظهركم، ومربيكم بأنواع التربية والكرامة {وَ} أيضاً {رَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ} [الشعراء: 26] الأقدمين. وبعدما سمع فرعون كلامه ثانياً {قَالَ} جازماً عازماً: {إِنَّ رَسُولَكُمُ} سماه رسولاً تهكماً واستهزاءً {ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ} لإرشادكم وإصلاحكم {لَمَجْنُونٌ} [الشعراء: 27] لا يتكلم بالمقابلة، بل يتفوه كيفما اتفق بلا تأمل وتدرب، سألته عن شيء وأجاب بأشياء لا أسأله. وبعدما لم تنبهوا بالتنبيهات المذكورة، بل ازدادوا إنكاراً فوق إنكار إلى حيث نسبوه إلى الخبط الجنون {قَالَ} موسى كلاماً جملياً كلياً، مشتملاً على جميع الأمور المنبهة: هو سبحانه {رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ} أي: مشرق الشمس ومديرها كل يوم بمدار مخصوص، ومغيبها كذلك تتميماً وتدبيراً لمصالح عباده وجميع حوائجهم المتعلقة لمعاشهم على الوجه الأحكم الأبلغ، الأعدل بلا فوت شيء منها {إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} [الشعراء: 28] وتطرحون عقولكم إلى التأمل والنظر في عجائب مصنوعاته وغرائب مخترعاته، وكيفية تدبيراته في إبدائه وإنشائه، وإبقائه، وإفنائه، وفي جميع الأمور المتعلقة بألوهيته وربوبيته. إن اجهدتم حق السعي والجهد في شأنه لاهتديتم إلى وحدة ذاته، ووجوب وجوده واستقلاله في التصرف في مظاهره ومصنوعاته، فحينئذٍ لم يبقَ لكم شائبة شكٍ فيه سبحانه حتى تحتاجوا إلى السؤال والكشف عن جنابه.

همام الصنعاني

تفسير : 2112- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ}: [الآية: 20]، قال: من الجاهِلِينَ، جَهِلَهُ نبيّ الله ولم يتعمَّدهُ.