٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
3
Tafseer
الرازي
تفسير : فاعلم أن الكتاب ههنا هو القرآن، وقد ذكرنا في أول سورة البقرة اشتقاقه، وإنما خص القرآن بالتنزيل، والتوراة والإنجيل بالإنزال، لأن التنزيل للتكثير، والله تعالى نزل القرآن نجما نجما، فكان معنى التكثير حاصلاً فيه، وأما التوراة والإنجيل فإنه تعالى أنزلهما دفعة واحدة، فلهذا خصهما بالإنزال، ولقائل أن يقول: هذا يشكل بقوله تعالى: {أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَـٰبَ } تفسير : [الكهف: 1] وبقوله {أية : وَبِٱلْحَقّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِٱلْحَقّ نَزَلَ } تفسير : [الإسراء: 105]. واعلم أنه تعالى وصف القرآن المنزّل بوصفين: الوصف الأول: قوله {بِٱلْحَقّ } قال أبو مسلم: إنه يحتمل وجوهاً أحدها: أنه صدق فيما تضمنه من الأخبار عن الأمم السالفة وثانيها: أن ما فيه من الوعد والوعيد يحمل المكلف على ملازمة الطريق الحق في العقائد والأعمال، ويمنعه عن سلوك الطريق الباطل وثالثها: أنه حق بمعنى أنه قول فصل، وليس بالهزل ورابعها: قال الأصم: المعنى أنه تعالى أنزله بالحق الذي يجب له على خلقه من العبودية، وشكر النعمة، وإظهار الخضوع، وما يجب لبعضهم على بعض من العدل والإنصاف في المعاملات وخامسها: أنزله بالحق لا بالمعاني الفاسدة المتناقضة، كما قال: {أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَـٰبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا } وقال: {أية : وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفاً كَثِيراً } تفسير : [النساء: 82]. والوصف الثاني: لهذا الكتاب قوله {مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } والمعنى أنه مصدق لكتب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولما أخبروا به عن الله عزّ وجلّ، ثم في الآية وجهان الأول: أنه تعالى دلّ بذلك على صحة القرآن، لأنه لو كان من عند غير الله لم يكن موافقاً لسائر الكتب، لأنه كان أُمياً لم يختلط بأحد من العلماء، ولا تتلمذ لأحد، ولا قرأ على أحد شيئاً، والمفتري إذا كان هكذا امتنع أن يسلم عن الكذب والتحريف، فلما لم يكن كذلك ثبت أنه إنما عرف هذه القصص بوحي الله تعالى الثاني: قال أبو مسلم: المراد منه أنه تعالى لم يبعث نبياً قط إلا بالدعاء إلى توحيده، والإيمان به، وتنزيهه عما لا يليق به، والأمر بالعدل والإحسان، وبالشرائع التي هي صلاح كل زمان، فالقرآن مصدق لتلك الكتب في كل ذلك، بقي في الآية سؤالان: السؤال الأول: كيف سمي ما مضى بأنه بين يديه. والجواب: أن تلك الأخبار لغاية ظهورها سماها بهذا الاسم. السؤال الثاني: كيف يكون مصدقاً لما تقدمه من الكتب، مع أن القرآن ناسخ لأكثر تلك الأحكام؟. والجواب: إذا كانت الكتب مبشرة بالقرآن وبالرسول، ودالة على أن أحكامها تثبت إلى حين بعثه، وأنها تصير منسوخة عند نزول القرآن، كانت موافقة للقرآن، فكان القرآن مصدقاً لها، وأما فيما عدا الأحكام فلا شبهة في أن القرآن مصدق لها، لأن دلائل المباحث الإلٰهية لا تختلف في ذلك، فهو مصدق لها في الأخبار الواردة في التوراة والإنجيل. ثم قال الله تعالى: {وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنجِيلَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف»: التوراة والإنجيل اسمان أعجميان، والاشتغال باشتقاقهما غير مفيد، وقرأ الحسن {وَٱلإِنجِيلَ } بفتح الهمزة، وهو دليل على العجمية، لأن أفعيل بفتح الهمزة معدوم في أوزان العرب، واعلم أن هذا القول هو الحق الذي لا محيد عنه، ومع ذلك فننقل كلام الأدباء فيه. أما لفظ {ٱلتَّوْرَاةَ } ففيه أبحاث ثلاثة: البحث الأول: في اشتقاقه، قال الفرّاء التوراةَ معناها الضياء والنور، من قول العرب ورى الزند يرى إذا قدح وظهرت النار، قال الله تعالى: {أية : فَٱلمُورِيَـٰتِ قَدْحاً } تفسير : [العاديات: 2] ويقولون: وريت بك زنادي، ومعناه: ظهر بك الخير لي، فالتوراة سميت بهذا الاسم لظهور الحق بها، ويدل على هذا المعنى قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَاء } تفسير : [الأنبياء: 48]. البحث الثاني: لهم في وزنه ثلاثة أقوال: القول الأول: قال الفرّاء: أصل التوراة تورية تفعلة بفتح التاء، وسكون الواو، وفتح الراء والياء، إلا أنه صارت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها. القول الثاني: قال الفرّاء: ويجوز أن تكون تفعلة على وزن توفية وتوصية، فيكون أصلها تورية، إلا أن الراء نقلت من الكسر إلى الفتح على لغة طيـىء، فإنهم يقولون في جارية: جاراة، وفي ناصية: ناصاة، قال الشاعر:شعر : فما الدنيا بباقاة لحي وما حي على الدنيا بباق تفسير : والقول الثالث: وهو قول الخليل والبصريين: إن أصلها: وورية، فوعلة، ثم قلبت الواو الأولى تاء، وهذا القلب كثير في كلامهم، نحو: تجاه، وتراث، وتخمة، وتكلان، ثم قلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت توراة وكتبت بالياء على أصل الكلمة، ثم طعنوا في قول الفرّاء، أما الأول: فقالوا: هذا البناء نادر، وأما فوعلة فكثير، نحو: صومعة، وحوصلة، ودوسرة والحمل على الأكثر أولى، وأما الثاني: فلأنه لا يتم إلا بحمل اللفظ على لغة طيـىء، والقرآن ما نزل بها ألبتة. البحث الثالث: في التوراة قراءتان: الإمالة والتفخيم، فمن فخم فلأن الراء حرف يمنع الإمالة لما فيه من التكرير، والله أعلم. وأما الإنجيل ففيه أقوال الأول: قال الزجاج: إنه افعيل من النجل، وهو الأصل، يقال: لعن الله ناجليه، أي والديه، فسمي ذلك الكتاب بهذا الاسم، لأن الأصل المرجوع إليه في ذلك الدين والثاني: قال قوم: الإنجيل مأخوذ من قول العرب: نجلت الشيء إذا استخرجته وأظهرته ويقال للماء الذي يخرج من البئر: نجل، ويقال: قد استنجل الوادي، إذا خرج الماء من النز فسمي الإنجيل إنجيلاً لأنه تعالى أظهر الحق بواسطته والثالث: قال أبو عمرو الشيباني: التناجل التنازع، فسمي ذلك الكتاب بالإنجيل لأن القوم تنازعوا فيه والرابع: أنه من النجل الذي هو سعة العين، ومنه طعنة نجلاء، سمي بذلك لأنه سعة ونور وضياء أخرجه لهم. وأقول: أمر هؤلاء الأدباء عجيب كأنهم أوجبوا في كل لفظ أن يكون مأخوذاً من شيء آخر، ولو كان كذلك لزم إما التسلسل وإما الدور، ولما كانا باطلين وجب الاعتراف بأنه لا بد من ألفاظ موضوعة وضعاً أولا: حتى يجعل سائر الألفاظ مشتقة منها، وإذا كان الأمر كذلك فلم لا يجوز في هذا اللفظ الذي جعلوه مشتقاً من ذلك الآخر أن يكون الأصل هو هذا، والفرع هو ذاك الآخر ومن الذي أخبرهم بأن هذا فرع وذاك أصل، وربما كان هذا الذي يجعلونه فرعاً ومشتقاً في غاية الشهرة، وذاك الذي يجعلونه أصلاً في غاية الخفاء، وأيضاً فلو كانت التوراة إنما سميت توراة لظهورها، والإنجيل إنما سمي إنجيلاً لكونه أصلاً وجب في كل ما ظهر أن يسمى بالتوراة فوجب تسمية كل الحوادث بالتوراة، ووجب في كل ما كان أصلاً لشيء آخر أن يسمى بالإنجيل، والطين أصل الكوز، فوجب أن يكون الطين إنجيلاً والذهب أصل الخاتم والغزل أصل الثوب فوجب تسمية هذه الأشياء بالإنجيل، ومعلوم أنه ليس كذلك، ثم أنهم عند إيراد هذه الإلزامات عليهم لا بدّ وأن يتمسكوا بالوضع، ويقولوا: العرب خصصوا هذين اللفظين بهذين الشيئين على سبيل الوضع، وإذا كان لا يتم المقصود في آخر الأمر إلا بالرجوع إلى وضع اللغة، فلم لا نتمسك به في أول الأمر ونريح أنفسنا من الخوض في هذه الكلمات، وأيضاً فالتوراة والإنجيل اسمان أعجميان أحدهما بالعبرية والآخر بالسُّريانية، فكيف يليق بالعاقل أن يشتغل بتطبيقها على أوزان لغة العرب، فظهر أن الأولى بالعاقل أن لا يلتفت إلى هذه المباحث، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : . قوله تعالى: {نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ} يعني القرآن {بِٱلْحَقِّ} أي بالصدق، وقيل: بالحجة الغالبة. والقرآن نزل نجوماً: شيئاً بعد شيء؛ فلذلك قال {نَزّلَ} والتنزيل مرّة بعد مرّة. والتوراة والإنجيل نزلا دفعة واحدة؛ فلذلك قال {أَنْزَلَ}. والباء في قوله {بِالْحَقِّ} في موضع الحال من الكتاب، والباء متعلقة بمحذوف، التقدير آتياً بالحق. ولا تتعلق بـ {نَزَّلَ}، لأنه قد تعدَى إلى مفعولين أحدهما بحرف جر، ولا يتعدّى إلى ثالث. و {مُصَدِّقاً} حال مؤكِّدة غير منتقلة؛ لأنه لا يمكن أن يكون غير مصدِّق، أي غير موافق؛ هذا قول الجمهور. وقدّر فيه بعضهم الانتقال، على معنى أنه مصدِّق لنفسه ومصدِّق لغيره. قوله تعالى: {لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} يعني من الكتب المنزَّلة، والتوراة معناها الضياء والنور؛ مشتقة من وَرَى الزَّنْد ووَرِيَ لغتان إذا خرجت ناره. وأصلها تَوْرَيَةٌ على وزن تَفْعَله، والتاء زائدة، تحركت الياء وقبلها فتحة فقُلبت ألفاً. ويجوز أن تكون تَفْعِلة فتنقل الراء من الكسر إلى الفتح؛ كما قالوا في جارِيةٍ: جَارَاة، وفي ناصيةٍ ناصاة؛ كلاهما عن الفرّاء. وقال الخليل: أصلُها فَوْعَلة؛ فالأصل وَوْرَيةٌ، قُلِبت الواو الأولى تاء كما قلبت في تَوْلَج، والأصل وَوْلَج فَوْعَلٌ من وَلَجَت، وقلبت الياء ألفا لحركتها وٱنفتاح ما قبلها. وبناء فَوْعَلَةٍ أكثر من تَفْعَلَة، وقيل: التوراة مأخوذة من التَوْرِيِة، وهي التعريض بالشيء والكتمان لغيره؛ فكأن أَكثر التوراة معاريضُ وتلويحات من غير تصريح وإيضاح؛ هذا قول المؤَرِّج. والجمهور على القول الأوّل لقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ} تفسير : [الأنبياء: 48] يعني التوراة، والإنجيل إفْعِيلٌ من النَّجْل وهو الأصل، ويجمع على أنَاجِيل، وتوراة على تَوَارٍ؛ فالإنجيل أصلٌ لعلوم وحِكَم. ويقال: لعن الله نَاجِلَيْه، يعني والديه، إذْ كانا أصلَه، وقيل: هو من نَجَلتُ الشيء إذا ٱستَخرجته؛ فالإنجيل مستخرج به علوم وحِكم؛ ومنه سُمّي الولدُ والنَسْل نَجْلاً لخروجه؛ كما قال:شعر : إلى مَعْشَرٍ لم يُوِرِثِ اللؤمَ جَدُّهم أصاغرَهم وكلُّ فَحْل لهم نَجْلُ تفسير : والنجل الماء الذي يخرج من النَزِّ. وٱستَنْجَلت الأرضُ، وبها نِجَالٌ إذا خرج منها الماء، فسمِّي الإنجيل به؛ لأن الله تعالى أخرج به دَارِساً من الحق عافياً. وقيل: هو من النَّجَل في العين (بالتحريك) وهو سَعَتُها؛ وطعنة نجلاء، أي واسعة؛ قال:شعر : رُبَّما ضَرْبةٍ بسيفٍ صقِيلٍ بين بُصْرَى وطعنةٍ نَجلاء تفسير : فسمِّيَ الإنجيل بذلك؛ لأنه أصلٌ أخرجه لهم ووسَّعه عليهم ونُوراً وضياء. وقيل: التّنَاجُل التنازُع؛ وسمِّي إنجيلاً، لتنازُع الناس فيه. وحكى شَمِرٌ عن بعضهم: الإنجيل كلُّ كتاب مكتوب وافر السطور. وقيل؛ نَجَل عَمل وصنَع؛ قال:شعر : وأنجـلُ فـي ذاك الصنيـع كمـا نَجَـلْ تفسير : أي أعمل وأصنع. وقيل: التوراة والإنجيل من اللغة السُّرْيانية. وقيل: الإنجيل بالسُّرْيانية إنْكليون؛ حكاه الثعلبي. قال الجوهري: الإنجيل كتاب عيسى عليه السلام يذكَّر ويؤنّث؛ فمن أنّثَ أراد الصحيفة، ومن ذكر أراد الكتاب. قال غيره؛ وقد يُسَمّى القرآن إنجيلاً أيضاً؛ كما روي في قصة مناجاة موسى عليه السلام أنه قال: «يارب أرى في الألواح أقْواماً أناجِيلُهم في صدورهم فٱجعلهم أُمّتي». فقال الله تعالى له: تلك أُمة أحمد صلى الله عليه وسلم، وإنما أراد بالإنجيل القرآن. وقرأ الحسن: «والأَنْجِيل» بفتح الهمزة، والباقون بالكسر مثل الإكليل، لغتان. ويحتمل إن سمع أن يكون مما عرّبته العرب من الأسماء الأعجمية، ولا مثال له في كلامها. قوله تعالى: {مِن قَبْلُ} يعني القرآن {هُدًى لِّلنَّاسِ} قال ٱبن فورك: التقدير هدى للناس المتقين؛ دليله في البقرة {أية : هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} تفسير : [البقرة: 2] فردّ هذا العامّ إلى ذلك الخاص. و «هدى» في موضع نصب على الحال. و {ٱلْفُرْقَانَ} القرآن. وقد تقدّم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {نَزَّلَ عَلَيْكَ } يا محمد {ٱلْكِتَٰب } القرآن مُتَلبِّسا {بِٱلْحَقِّ } بالصدق في أخباره {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } قبله من الكتب {وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنجِيلَ }.
ابن عبد السلام
تفسير : {بِالْحَقِّ} بالصدق {مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} يخبر عما قبله خبر صدق دال على إعجازه، أو يخبر بصدق الأنبياء فيما أتوا به.
الخازن
تفسير : {نزل عليك الكتاب} يعني القرآن {بالحق} أي بالصدق والعدل {مصدقاً لما بين يديه} يعني لما قبله من الكتب في التوحيد والنبوات والأخبار وبعض الشرائع. وقوله {لما بين يديه} من مجاز الكلام وذلك أن ما بين يديه فهو أمامه فقيل لكل شيء تقدم على الشيء هو بين يديه لغاية ظهوره واشتهاره {وأنزل التوراة والإنجيل من قبل} أي من قبل القرآن. فإن قلت لم قيل نزل الكتاب وأنزل التوراة والإنجيل قلت لأن القرآن نزل منجماً مفصلاً في أوقات كثيرة ونزل هو للتكثير وأنزل التوراة والإنجيل جملة واحدة {هدى للناس} يعني أن إنزال التوراة والإنجيل قبل القرآن كان هدى للناس. فإن قلت كيف وصف القرآن في أول البقرة بأنه هدى للمتقين ووصف هنا التوراة والإنجيل بأنهما هدى للناس. قلت إنما وصف القرآن بأنه هدى للمتقين لأنهم هم الذين انتفعوا به وتبعوه ووصف هنا التوراة والإنجيل بأنهما هدى للناس لأن المناظرة كانت مع مع نصارى نجران وهم يعتقدون صحة التوراة والإنجيل فلهذا السبب قال هنا {هدى للناس} وقيل إن قوله هدى للناس يعود إلى الكتب الثلاثة يعني القرآن المتقدم ذكره والتوراة والإنجيل وإنما وصف هذه الكتب بأنها هدى للناس لما فيها من الشرائع والأحكام {وأنزل الفرقان} يعني الفارق بين الحق والباطل قيل أراد به القرآن وإنما أعاد ذكره تعظيماً لشأنه ومد حاله لكونه فارقاً بين الحق والباطل وقيل إنما أعاد ذكره ليبين أنه تعالى أنزله بعد التوراة والإنجيل ليجعله فارقاً بين ما اختلف فيه اليهود والنصارى في أمر عيسى عليه السلام وقيل المراد به الكتب الثلاثة لأنها كلها هدى للناس ومفرقة بين الحلال والحرام والحق والباطل. وقال السدي: في الآية تقديم وتأخير تقديره وأنزل التوراة والإنجيل والفرقان هدى للناس {إن الذين كفروا بآيات الله} يعني الكتب المنزلة وغيرها قيل أراد بهم نصارى وفد نجران كفروا بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم وقيل إن خصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ فهو يتناول كل من كفر بشيء من آيات الله تعالى: {لهم عذاب شديد والله عزيز} أي غالب لا يغلب {ذو انتقام} يعني ممن كفر به والانتقام المبالغة في العقوبة. قوله عز وجل: {إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء} أي لا يخفى عليه شيء من أمر العالم وهو المطلع على أحوالهم فقوله: إن الله لا يخفى عليه في الأرض ولا في السماء إشارة إلى كمال علمه المتعلق بجميع المعلومات {هو الذي يصوركم في الأرحام} التصوير جعل الشيء على صورة والصورة هيئة يكون عليها الشيء بالتأليف والأرحام جمع رحم {كيف يشاء} يعني الصور المختلفة المتفاوتة في الحلقة ذكراً أو أنثى أبيض أو أسود حسناً أو قبيحاً كاملاً أو ناقصاً والمعنى أنه الذي يصوركم في ظلمات الأرحام صوراً مختلفة في الشكل والطبع واللون وذلك من نطفة. (ق) عن عبدالله بن مسعود قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق "حديث : إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه ملك بأربع كلمات يكتب رزقه وأجله وعمله شقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح فوالله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلاّ ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلاّ ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها"تفسير : . (ق) عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : وكل الله بالرحم ملكاً فيقول: أي رب نطفة أي رب علقة أي رب مضغة فإذا أراد الله أن يقضي خلقها قال: يا رب أذكر أم أنثى أشقي أم سعيد فما الرزق فما الأجل؟ فكتب له ذلك في بطن أمه" تفسير : وقيل إن الآية واردة في الرد على النصارى وذلك أن عيسى عليه السلام كان يخبر ببعض الغيب فيقول: أكلت في دارك كذا صنعت كذا وإنه أحيا الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص وخلق من الطين طيراً فادعت النصارى فيه الإلهية وقالوا: ما قدر على ذلك إلاّ أنه إله فرد الله تعالى عليهم بذلك. وأخبر أن الإله المستحق لهذا الاسم هو الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء وأنه المصور في الأرحام كيف يشاء، وأن عيسى عليه السلام ممن صوره في الرحم فنبه بكونه مصور في الرحم على أنه عبد مخلوق كغيره وأنه يخفى عليه ما لا يخفى على الله عز وجل: {لا إله إلاّ هو العزيز الحكيم} وهذا أيضاً في الرد على النصارى حيث قالوا: عيسى ولد الله كأنه قال: كيف يكون ولد إله وقد صوره الله في الرحم.
ابو السعود
تفسير : {نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ} أي القرآنَ، عبّر عنه باسم الجنس إيذاناً بكمال تفوُّقه على بقية الأفراد في حيازة كمالاتِ الجنس كأنه هو الحقيقُ بأن يُطلَقَ عليه اسمُ الكتاب دون ما عداه كما يلوح به التصريحُ باسمي التوراةِ والإنجيل، وصيغة التفعيلِ للدَلالة على التفخيم، وتقديمُ الظرف على المفعول لما مر من الاعتناءِ بالمقدم والتشويقِ إلى المؤخَّر، والجملة إما مستأنفةٌ أو خبرٌ آخرُ عن الاسمِ الجليل أو هي الخبر، وقولُه تعالى: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} اعتراض أو حال، وقوله عز وجل: {أية : ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ} تفسير : [آل عمران، الآية: 2] صفةٌ أو بدلٌ كما مر، وقرىء نَزَلَ عليك الكتابُ بالتخفيف ورفعِ الكتاب، فالظاهرُ حينئذ أن تكونَ مستأنفةٌ وقيل: يجوزُ كونُها خبراً بحذف العائد أي نزَل الكتابُ من عنده {بِٱلْحَقّ} حال من الفاعل أو المفعول أي نزّله مُحِقاً في تنزيله على ما هو عليه أو ملتبساً بالعدل في أحكامه أو بالصدق في أخباره التي من جملتها خبرُ التوحيد وما يليه، وفي وعده ووعيدِه أو بما يحقِّق أنه من عند الله تعالى من الحجج البـينة {مُصَدّقاً} حال من الكتاب بالاتفاق على تقدير كون قولِه تعالى: {بِٱلْحَقّ} [آل عمران، الآية: 3] حالاً من فاعل نزّل، وأما على تقدير حاليته من الكتاب فهو عند من يجوِّز تعددَ الحال بلا عطف ولا بدلية حالٌ منه بعد حال، وأما عند من يمنعه فقد قيل: إنه حالٌ من محل الحال الأولى على البدلية وقيل: من المستكنّ في الجار والمجرور، لأنه حينئذ يتحمّل ضميراً لقيامه مقامَ عاملِه المتحمّل له فيكون حالاً متداخلةً، وعلى كل حال فهي حالٌ مؤكدة، وفائدةُ تقيـيدِ التنزيل بها حثُّ أهلِ الكتابـين على الإيمان بالمُنَزّل وتنبـيهُهم على وجوبه فإن الإيمانَ بالمصدَّق موجبٌ للإيمان بما يصدِّقه حتماً {لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} مفعول لمصدقاً واللامُ دِعامةٌ لتقوية العمل نحوُ {أية : فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ } تفسير : [هود، الآية 107. وسورة البروج، الآية 16] أي مصدقاً لما قبله من الكتب السالفةِ وفيه إيماءٌ إلى حضورها وكمال ظهورِ أمرِها بـين الناس، وتصديقُه إياها في الدعوة إلى الإيمان والتوحيد وتنزيهُ الله عز وجل عما لا يليق بشأنه الجليل والأمرُ بالعدل والإحسان وكذا في أنباء الأنبـياءِ والأممِ الخالية وكذا في نزوله على النعت المذكور فيها وكذا في الشرائع التي لا تختلف باختلاف الأممِ والأعصار ظاهرٌ لا ريب فيه أي خبر تصديقه لا ريب فيه وأما في الشرائع المختلفة باختلافهما فمن حيث أن أحكامَ كل واحد منها واردةٌ حسبما تقتضيه الحِكمةُ التشريعية بالنسبة إلى خصوصيات الأمم المكلفةِ بها مشتملةٌ على المصالح اللائقةِ بشأنهم. {وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنجِيلَ} تعيـينٌ لما بـين يديه وتبـيـينٌ لرفعة محلِّه تأكيداً لما قبله وتمهيداً لما بعده إذ بذلك يترقى شأنُ ما يصدّقه رفعةً ونباهةً ويزداد في القلوب قبولاً ومهابةً ويتفاحش حالُ من كفرَ بهما في الشناعة واستتباعِ ما سيذكر من العذاب الشديد والانتقام، أي أنزلهما جملةً على موسى وعيسى عليهما السلام وإنما لم يُذكرا لأن الكلام في الكتابـين لا فيمن أنزِلا عليه وهما اسمان أعجميانِ الأولُ عِبري والثاني سرياني ويعضُده القراءةُ بفتح همزةِ الإنجيل فإن إفعيل ليس من أبنية العربِ، والتصدي لاشتقاقهما من الورى والنجْل تعسفٌ {مِن قَبْلُ} متعلق بأنزل أي أنزلهما من قبل تنزيلِ الكتاب، والتصريحُ به مع ظهور الأمر للمبالغة في البـيان {هُدىً لّلنَّاسِ} في حيز النصب على أنه عِلة للإنزال أي أنزلها لهداية الناس أو على أنه حالٌ منهما أي أنزلهما حالَ كونهما هدى لهم، والإفرادُ لما أنه مصدر، جُعلا نفسَ الهدى مبالغةً أو حذف منه المضاف أي ذوَيْ هدى، ثم إنْ أريد هدايتهما بجميع ما فيهما من حيث هو جميع، فالمراد بالناس الأمم الماضية من حين نزولها إلى زمان نسخِهما، وإن أريد هدايتُهما على الإطلاق وهو الأنسبُ بالمقام فالناسُ على عمومه لما أن هدايتهما بما عدا الشرائعَ المنسوخةَ من الأمور التي يصدّقهما القرآن فيها - ومن جملتها البشارةُ بنزوله وبمبعث النبـي صلى الله عليه وسلم - تعمُّ الناس قاطبة. {وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ} الفرقانُ في الأصل مصدرٌ كالغفران أُطلق على الفاعل مبالغة والمرادُ به هٰهنا إما جنسُ الكتبِ الإلٰهيةِ عُبِّر عنها بوصف شامل لما ذُكر منها وما لم يُذكر على طريق التتميم بالتعميم إثرَ تخصيصِ بعضِ مشاهيرها بالذكر كما في قوله عز وجل: {أية : فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً} تفسير : [عبس، الآية 27، 28] إلى قوله تعالى: {أية : وَفَـٰكِهَةٍ} تفسير : [عبس، الآية 31] وإما نفسُ الكتبِ المذكورة أعيد ذكرها بوصف خاص لم يُذكر فما سبق، على طريقة العطفِ بتكرير لفظِ الإنزال تنزيلاً للتغايُر الوصفي منزلةَ التغايُر الذاتي كما في قوله سبحانه: {أية : وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } تفسير : [هود، الآية 58] وأما الزبورُ فإنه مشتمِلٌ على المواعظ الفارقة بـين الحقِّ والباطِلِ الداعية إلى الخير والرشاد الزاجرةِ عن الشر والفساد، وتقديمُ الإنجيل عليه مع تأخره عنه نزولاً لقوة مناسبته للتوراة في الاشتمال على الأحكام والشرائع وشيوعِ اقرانِهما في الذكر وأما القُرآنُ نفسُه فذُكر بنعت مادحٍ له بعد ما ذكر باسم الجنس تعظيماً لشأنه ورفعاً لمكانه وقد بُـين أولاً تنزيلُه التدريجيُّ إلى الأرض وثانياً إنزالُه الدفعيّ إلى السماء الدنيا أو أريد بالإنزال القدْرُ المشترك العاري عن قيد التدريج وعدمِه، وإما المعجزاتُ المقرونةُ بإنزال الكتبِ المذكورة الفارقة بـين المُحقِّ والمُبْطل {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأيَـٰتِ ٱللَّهِ} وُضع (الموصول) موضِعَ الضميرِ العائد إلى ما فُصل من الكتب المنزلة أو منها ومن المعجزات وآيات مضافةً إلى الاسم الجليل تعيـيناً لحيثية كفرِهم وتهويلاً لأمرهم وتأكيداً لاستحقاقهم العذابَ الشديد وإيذاناً بأن ذلك الاستحقاقَ لا يشترط فيه الكفرُ بالكل بل يكفي فيه الكفرُ ببعضٍ منها، والمرادُ بالموصول إما أهلُ الكتابـين وهو الأنسبُ بمقام المُحاجةِ معهم أو جنسُ الكفَرة وهم داخلون فيه دخولاً أولياً أي إن الذين كفروا بما ذُكر من آيات الله الناطقةِ بالحق لا سيما بتوحيده تعالى وتنزيهِه عما لا يليق بشأنه الجليل كُلاًّ أو بعضاً مع ما بها من النعوت الموجبةِ للإيمان بها بأن كذبوا بالقرآن أصالةً، وبسائر الكتُب الإلٰهية تبعاً، لما أن تكذيبَ المصدق موجب لتكذيب ما يصدِّقُه حتماً وأصالة أيضاً بأن كذبوا بآياتها الناطقةِ بالتوحيد والتنزيه وآياتها المبشرة بنزولِ القرآن ومبعث النبـي صلى الله عليه وسلم وغيّروها {لَهُمْ} بسبب كفرهم بها {عَذَابٌ} مرتفعٌ إما على الفاعلية من الجار والمجرور أو على الابتداء، والجملة خبرُ إن، والتنوينُ للتفخيم أي أيُّ عذاب {شَدِيدٌ} لا يقادَر قدرُه وهو وعيد جيء به إثرَ تقريرِ أمرِ التوحيد الذاتي والوصفي والإشارةِ إلى ما ينطِقُ بذلك من الكتب الإلٰهية حملاً على القبول والإذعان وزجراً عن الكفر والعصيان. {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ} لا يغالَب يفعل ما يشاء ويحكُم ما يريد {ذُو ٱنتِقَامٍ} عظيم خارجٍ عن أفراد جنسه، وهو افتعال من النِقْمة وهي السطوةُ والتسلطُ يقال: انتقم منه إذا عاقبه بجنايته، والجملةُ اعتراضٌ تذيـيليٌّ مقررٌ للوعيد ومؤكد له.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ}. وما كنتَ يا محمد تدري ما الكتاب، ولا قصة الأحباب، ولكنما صادفك اختيار أزليّ فألقاك في أمرٍ عجيبٍ شأنُه، جَلِيٌّ برهانُه، عزيزٍ محلُّه ومكانُه. {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ}. أي محققاً لموعوده لك في الكتاب على ألسنة الرسل عليهم السلام. {وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ}. أي إنا وإن أنزلنا قبلك كُتُبَنَا على المرسلين فما أخْلَيْنَا كتاباً من ذِكْرِكْ، قال قائلهم: شعر : وعندي لأحبابنا الغائبين صحائفُ ذِكرُك عنوانُها تفسير : وكما أتممنا بك أنوار الأنبياء زيَّنا بذكرك جميع ما أنزلنا من الأذكار. قوله جلّ ذكره: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ}. وهو ذُلُّ الحجاب، ولكنهم لا يشعرون. {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ} على أوليائه {ذُو ٱنْتِقَامٍ} من أعدائه، عزيز يطلبه كل أحد، ولكن لا يجده - كثيراً - أحد.
اسماعيل حقي
تفسير : {نزل عليك الكتاب} اى القرآن عبر عنه باسم الجنس ايذانا بكمال تفوقه على بقية الافراد في حيازة كمالات الجنس كأنه هو الحقيق بان يطلق عليه اسم الكتاب. فان قلت لم قيل نزل الكتاب وانزل التوراة والانجيل. قلت لان التنزيل للتكثير والقرآن نزل منجما ونزل الكتابان جملة وذكر فى آخر الآية الانزال واراد به من اللوح المحفوظ الى سماء الدنيا جملة فى ليلة القدر في شهر رمضان والمراد هنا هو تنزيله الى الارض ففى القرآن جهتا الانزال والتنزيل {بالحق} ملتبسا ذلك الكتاب بالعدل فى احكامه او بالصدق فى اخباره التي من جملتها خبر التوحيد وما يليه اوفى وعده ووعيده {مصدقا لما بين يديه} اي فى حال كونه مصدقا للكتب قبله فى التوحيد والنبوات والاخبار وبعض الشرائع قبله {وانزل التوراة والانجيل} اسمان اعجميان الاول عبرى والثانى سريانى.
الطوسي
تفسير : قيل في معنى قوله: {نزل عليك الكتاب بالحق} وجهان: أحدهما - بالصدق في أخباره وجميع دلالاته التي تقوم مقام الخبر في تعلقها بمدلولها على ما هو به، ففي جميع ذلك معنى التصديق. والثاني - بالحق أي بما توجبه الحكمة من الانزال كما أتى بما يوجبه الحكم من الارسال وهو حق من الوجهين. وقوله: {مصدقاً لما بين يديه} نصب على الحال ومعناه لما قبله من كتاب أو رسول في قول مجاهد وقتادة والربيع وجميع المفسرين. وإنما قيل لما قبله لما بين يديه، لأنه ظاهر له كظهوره لما بين يديه. وقيل في معنى {مصدقاً} ها هنا قولان: أحدهما - {مصدقاً لما بين يديه} وذلك لموافقته ما تقدم الخبر به وفيه آية تدل على صحة نبوة النبي (صلى الله عليه وسلم) من حيث لا يكون ذلك إلا من عند علام الغيوب. الثاني - مصدقاً أنه يخبر بصدق الانبياء في ما أتوا به خلاف من يؤمن ببعض، ويكفر ببعض. والتوراة ماخوذة من وريت بك زنادي إذا ظهر به الخبر كما يتقدح بالزناد النار فالاصل الظهور، فهي تورية لظهور الحق. وقيل في وريها أقوال: أحدها - قال البصريون تورية فوعلة فقلبت (الواو) الأولى (تاءً) لئلا يجتمع واوان أول الكلمة نحو حوقلة ودوخلة. والثاني - قال الكوفيون: تفعلة على وزن تثقلة وتثقلة، وهو قليل جداً لا يكاد يعرف تفعلة في الكلام. الثالث - قال بعضهم هو تفعلة إلا أنه صرف إلى الفتح استثقالا للكسر في المعتل وهو بناء يكثر نحو توفية وتوقية وتوصية، وما أشبه ذلك. قال الزجاج: وهذا رديء لأنه يجيء منه في توفية توفاة وهذا لا يجوز. والانجيل مأخوذ من النجل، وهو الاصل وقال الزجاج وزنه أفعيل من النجل باجماع أهل اللغة فسمي انجيلا لأنه أصل من أصول العلم.
الجنابذي
تفسير : نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} من الكتب والشّرائع {وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ} هو اسم لكتاب موسى (ع) اعجمىّ ودخول الّلام عليه لتعريبه، او هو عربىّ من روى الزند اذا ظهرت ناره، او من واراه اذا ستره؛ واصله وورية مثل دحرجة مصدر الفعل الملحق بدحرج فأبدلت الواو تاء والياء الفاً {وَٱلإِنْجِيلَ} بكسر الهمزة وفتحها وهو ايضاً عجمىّ ودخول الّلام لتعريبه او عربىّ مأخوذ من النّجل بمعنى الولد او الوالد او الرّمى بالشّيء، او العمل، او الجمع الكثير، او السّير الشّديد، او المحجّة او محو الصبىّ لوحه او من النّجل بالتّحريك بمعنى سعة العين.
اطفيش
تفسير : {نَزَّلَ عَليْكَ}: الخطاب لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. {الكِتَابَ}: أى القرآن شيئاً فشيئاً كما تدل عليه التعدية بالتشديد. {بالحَقِّ}: أى بسبب الحق العدل فى العقائد والأخلاق وهو متعلق بنزل، والباء سببية، ويجوز أن تكون المعنى بالصدق فى أخباره أو بالحجج المحققة أنه من عند الله فيعلق بمحذوف حال من الضمير فى أنزل أو من الكتب. {مُصَدِّقاً}: حال من الكتاب. {لِّمَا بَيْنَ يَدَيْه}: لما تقدم نزوله عليه، فكان حاضراً عنده، كحضور الشىء بين يدى إنسان وهو التوراة والإنجيل وغيرهما، مما نزل قبل القرآن، فإن القرآن مصدق لما سبقه لا مكذب لهُ، ولا مخالف لهُ، وكم من أحكام شرعية، وأوصاف لسيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، وبالقرآن، مذكورة فى الكتب المتقدمة، جاء القرآن على طبقها. {وأنْزَلَ التَّوْرَاةَ والإنْجِيِلَ}: جملة، لا شيئاً فشيئاً، كما دل عليه التعدية بالهمزة، لا بالتشديد: على موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام، وأخلص غير نافع وحمزة، فتحة راء التوراة إلا أبا عمرو، وابن ذكوان، والكسائى، فيكسرها وذلك قراءة فى جميع القرآن، وروى عن قالون إخلاص الفتح، والمشهور عنه الإمالة عن نافع، التوراة والإنجيل: اسمان أعجميان عبرانيان، لا يدخلهما اشتقاق ولا تصريف، وقيل: مشتقان من الورى، والنجل، يقال: ورى الزند، أى: خرجت ناره، ووريته بالتشديد، وأوريته: أخرجتها. كذلك التوراة التى أنزل الله فيها ضياء، يخر به من الضلال إلى الهدى. ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء، هذا قول الفراء الجمهور، وقال الفراء: وزنه تفعلة بكسر العين: أصله تورية قلبت الكسرة فتحة، فقلبت الياء ألفاً، لتحركها بعد الفتح، وذلك لغة طىء؛ إذ قالوا فى ناصية ناصاه، وفى جارية جاراه، وفى ناجية ناجاه، وقيل: وزته تفعلة بفتح العين فلبت الياء ألفاً، بتحركها بعد فتح. والنجل: الأصل، يقال: لعن الله ناجليه، أى والديه، والإنجيل الذى أنزل الله أصل مرجوع إليه فى ذلك الدين، قبل نزول القرآن، وقيل: مشتق من النجل بمعنى الاستخراج، كما يقال للماء الخارج من البئر: نجل، وكما يقال للولد: نجل، والإنجيل مستخرج من اللوح المحفوظ، فالنجل يطلق على الأصل والفرع، وقيل: من النجل الذى هو سعة العين، يقال: عين نجلاء، إذ فى الإنجيل توسعة ليست فى التوراة، لأنه أحلت فيه أشياء فحرمت فى التوراة. قيل: الإنجيل وزنهُ إفعيل، وقرأ الحسن: والأنجيل - بفتح الهمزة - وهو دليل العجمة، لأنهُ ليس فى الأوزان العربية أفعيل بفتحها، والعجب لمن يتعمد إلى لفظ عجمى، فيعمل فيه الاشتقاق والتصريف.
اطفيش
تفسير : {نَزَّلَ عَلَيْكَ} يا محمد {الْكِتَابَ} القرآن كله بإنزاله كله إلى السماء الدنيا في السابع والعشرين من رمضان، أو نعتبر أن بعض الكتاب كتاب، كما تقول للورقة الواحدة فصاعداً كتابا، لأنها مكتوبة، وكما تقول لبعض القرآن قرآنا، لأن هذا البعض مقروء، أو تعتبر أن نزول بعضه وهو متتابع، ولا بد، ولو فصل نزول له كله، كحيل قبض على طرف منه أو معظم منه، وما قيل: إن التنزيل مختص بالتدريج، ولذا لم يذكر في حق القرآن الإنزال معارض بقوله تعالى، لولا نزل عليك القرآن جملة واحدة، وقوله: {أية : والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} تفسير : [البقرة: 4]، وقوله تعالى: {أية : هو الذي أنزل عليك الكتاب} تفسير : [آل عمران: 7] ولعل المراد القائل أن ذلك غالب {بالحقِّ} بالعدل المتوسط بين الإفراط والحجج المثبتة أنه من الله عز وجل والصدق {مُصَدِّقاً} أي الكتاب {لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} ما وجد من كتب الله كلها، أو مصدقا الله لما بين الكتاب، والأولى، لاتحاد مرجع الضميرين فيه {وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ} على موسى، جملة مكتوبة في ليلة السادس من رمضان، واللفظ من ورى الزند إذا قدح ناراً، فإنها ضياء إلى الهدى، أو من التورية بمعنى التعريض لكثرة التلويح، وزنه فوعلة، فالتاء الأولى عن واو، والواو بعدها زائدة عن الخليل وسيبويه، وقال الفراء: تفعلة، فالتاء زائدة، والواو أصل، واعترض أن هذا الوزن شاذ، الجواب، أنه كالمصدر، أو أصله مصدر كالتجربة، وأصله تورية، أبدلت الكسرة فتحة، والباء ألفا، وقال بعض الكوفيين تفعلة بفتح العين {وَالإِنْجِيلَ} على عيس، جملة مكتوبا في ليلة الثامن عشر من رمضان، والزبور في ليلية اثنتى عشرة، من النجل، وهو التوسعة، لأن فيه التوسعة لأشياء ضيق عليها في التوراة، والعين النجلاء الواسعة أو من النجل بمعنى الظهور لظهوره من اللوح المحفوظ، أو لاستخراجه منه، أو من التناجل، وهو التنازع، لكثرة النزاع فيه، وأل فيهما دليل عى عربتهما، أل ترى أنه لا يقال في الأعلام العجمية، الموسى والعيسى، والنوح ونحو ذلك، وكذا العربية إلا للمح الأصل بلا قياس، وأل فيهما لمح، ولا يعترض بالإسكندرية بأل، لأنه بياء النسب العربية، وكل منسوب كصفة، فصحت أل، وقولك الإسكندر بلا نسب مع أل خطأ، كخطأ من قال البنداد في بغداد، فقولهم: الأندلس والصين والهند تحريف متبوع فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : اطلبوا العلم ولو بصين"تفسير : ، بدون أل، وزاد الراوى أل، والعربى لا يزيده، فتوراة تفعلة بفتح العين شاذ قياسا، وورودا، فصيح استعمالا، قلبت الياء الفا لتحركها بعد فتح، أو تفعلة بكسر العين فلا شذوذ، ولكن قلب الكسر فتحا، فالباء ألفا، وقراءة بعض بفتح همزة أنجيل شاذة، لا توجب أنه عجمى، بل لفظ شاذ لم يسمع إلا في هذا، بخلاف الكسر فوارد كإحليل وإكليل، واستدل بعض بقراءة الفتح على أنه عجمى.
الالوسي
تفسير : {نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ} أي القرآن الجامع للأصول والفروع ولما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وفي التعبير عنه باسم الجنس إيذان بتفوقه على بقية الأفراد في الانطواء على كمالات/ الجنس كأنه هو الحقيق بأن يطلق عليه اسم الكتاب دون ما عداه كما يلوح إليه التصريح باسم التوراة و الإنجيل، وفي الإتيان بالظرف وتقديمه على المفعول الصريح واختيار ضمير الخطاب، وإيثار ـ على ـ على إلى ما لا يخفى من تعظيمه صلى الله عليه وسلم والتنويه برفعة شأنه عليه الصلاة والسلام؛ والجملة إما مستأنفة أو خبر آخر للاسم الجليل أو هي الخبر، وما قبل كله اعتراض أو حال، و {أية : ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ } تفسير : [آل عمران: 2] صفة أو بدل، وقرأ الأعمش {نَزَّلَ} بالتخفيف، ورفع الكتاب والجملة حينئذٍ منقطعة عما قبلها، وقيل: متعلقة به بتقدير من عنده {بِٱلْحَقّ} أي بالصدق في أخباره أو بالعدل ـ كما نص عليه الراغب ـ أو بما يحقق أنه من عند الله تعالى من الحجج القطعية وهو في موضع الحال أي متلبساً بالحق أو محقاً، وفي «البحر» يحتمل أن يكون الباء للسببية أي بسبب إثبات الحق {مُصَدّقاً} حال من الكتاب إثر حال أو بدل من موضع الحال الأول أو حال من الضمير في المجرور وعلى كل حال فهي حال مؤكدة {لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} أي الكتب السالفة والظرف مفعول (مصدقاً) واللام لتقوية العمل وكيفية تصديقه لما تقدم تقدمت. {وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ} ذكرهما تعييناً (لما بين يديه) وتبييناً لرفعة محله بذلك تأكيد لما قبل وتمهيد لما بعد ولم يذكر المنزل عليه فيهما لأن الكلام في الكتابين لا فيمن نزلا عليه والتعبير ـ بأنزل ـ فيهما للإشارة إلى أنه لم يكن لهما إلا نزول واحد وهذا بخلاف القرآن فإن له نزولين، نزول من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من سماء الدنيا جملة واحدة، ونزول من ذلك إليه صلى الله عليه وسلم منجماً في ثلاث وعشرين سنة على المشهور، ولهذا يقال فيه: نزل وأنزل وهذا أولى مما قيل: إن ـ نزل ـ يقتضي التدريج وأنزل يقتضي الإنزال الدفعي إذ يشكل عليه {أية : لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْءانُ جُمْلَةً وٰحِدَةً } تفسير : [الفرقان: 32] حيث قرن ـ نزل ـ بكونه جملة، وقوله تعالى: {أية : وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ } تفسير : [النساء: 140] وذكر بعض المحققين لهذا المقام أن التدريج ليس هو التكثير بل الفعل شيئاً فشيئاً كما في تسلسل، والألفاظ لا بد فيها من ذلك فصيغة ـ نزل ـ تدل عليه، والإنزال مطلق لكنه إذا قامت القرينة يراد بالتدريج التنجيم، وبالإنزال الذي قد قوبل به خلافه، أو المطلق بحسب ما يقتضيه المقام. واختلف في اشتقاق «التوراة» و «الإنجيل» فقيل: اشتقاق الأول من ورى الزناد إذا قدح فظهر منه النار لأنها ضياء ونور بالنسبة لما عدا القرآن تجلو ظلمة الضلال، وقيل: من ورى في كلام إذا عرّض لأن فيها رموزاً كثيرة وتلويحات جليلة، ووزنها عند الخليل وسيبويه فوعلة كصومعة، وأصله وورية بواوين فأبدلت الأولى تاءاً وتحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفاً فصارت ـ توراة ـ وكتبت بالياء تنبيهاً على الأصل ولذلك أميلت، وقال الفراء: وزنها تفعلة بكسر العين فأبدلت الكسرة فتحة وقلبت الياء ألفاً وفعل ذلك تخفيفاً كما قالوا في توصية توصاة، واعترضه البصريون بأن هذا البناء قليل وبأنه يلزم منه زيادة التاء أولاً وهي لا تزاد كذلك إلا في مواضع ليس هذا منها، وذهب بعض الكوفيين إلى أن وزنها تفعلة بفتح العين فقلبت الياء ألفاً، وقيل: اشتقاق الثاني من ـ النجل ـ بفتح فسكون وهو الماء الذي ينز من الأرض، ومنه النجيل لما ينبت فيه ويطلق على الوالد والولد وهو أعرف فهو ضد ـ كما قاله الزجاج ـ وهو من نجل بمعنى ظهر سمي به لأنه مستخرج من اللوح المحفوظ وظاهر منه أو من التوراة، وقيل: من النجل وهو التوسعة، ومنه عين نجلاء لسعتها لأن فيه توسعة ما لم تكن في التوراة إذ حلل فيه بعض ما حرم فيها، وقيل: مشتق من التناجل وهو التنازع يقال تناجل الناس إذا تنازعوا وسمي/ به لكثرة التنازع فيه ـ كذا قيل ـ ولا يخفى أن أمر الاشتقاق والوزن على تقدير عربية اللفظين ظاهر، وأما على تقدير ـ أنهما أعجميان أولهما عبراني والآخر سرياني وهو الظاهر ـ فلا معنى له على الحقيقة لأن الاشتقاق من ألفاظ أخر أعجمية مما لا مجال لإثباته، ومن ألفاظ عربية كما سمعت استنتاج للضب من الحوت فلم يبق إلا أنه بعد التعريب أجروه مجرى أبنيتهم في الزيادة والأصالة وفرضوا له أصلاً ليتعرف ذلك كما أشرنا إليه فيما قبل، والاستدلال ـ على عربيتهما بدخول اللام لأن دخولها في الأعلام العجمية محل نظر ـ محل نظر لأنهم ألزموا بعض الأعلام الأعجمية الألف واللام علامة للتعريف ـ كما في الإسكندرية ـ فإن أبا زكريا التبريزي قال: إنه لا يستعمل بدونها مع الاتفاق على أعجميته. ومما يؤيد أعجمية «الإنجيل» ما روي عن الحسن أنه قرأه بفتح الهمزة، وأفعيل ليس من أبنية العرب.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْكِتَابَ} {ٱلتَّوْرَاةَ} (3) - وَهُوَ تَعَالَى الذِي أنْزَلَ عَلَيكَ القُرْآنَ، يَا مُحَمَّدُ، مُشْتَمِلاً عَلَى الحَقِّ فِي كُلِّ مَا تَضَمَّنَهُ مِنْ أصُولِ الشَّرائِعِ التِي تَضَمَّنَتْهَا الكُتُبُ السَّابِقَةُ، وَمُصَدِّقاً لها. فَهِيَ تُصَدِّقُهُ بِمَا أخْبَرَتْ عَنْهُ، وَبَشَّرَتْ بِهِ، مِنَ الوَعْدِ بِإرْسَالِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم رَسُولاً مِنْ عِنْدِ اللهِ تَعَالَى، وَبِإنْزالِ القُرْآنِ عَلَيْهِ. وَهُوَ يُصَدِّقُهَا لأَِنَّهُ وَافَقَ مَا أَخْبَرَتْ عَنْهُ. وَاللهُ هُوَ الذِي أنْزَلَ التَّورَاةَ عَلَى مُوسَى، وَالإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى، عَلَيهِمَا السَّلاَمُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إذن فلم يعطنا سبحانه مقومات المادة فقط، ولكن أعطانا مقومات القيم أيضاً؛ لأن المادة بدون قيم تكون شرسة هوجاء رعناء، فيريد الله أن يجعل المادة في مستوى إيماني. إذن لابد أن تنزل القيم. لذلك قال سبحانه: {نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ} [آل عمران: 3] و "نزل" تفيد شيئاً قد وجب عليك؛ لأن النزول معناه: شيء من أعلى ينزل، وهو يقول لك: لا تتأبى على القيم التي جاءت لك من أعلى منك؛ لأنها ليست من مساو لك، إنها من خالق الكون والبشر، والذي يمكنك أن تتأبى عليه ما يأتي ممن هو أدنى منك. لكن حين يجيء لك التقنين ممن هو أعلى منك فلا تتأبّ عليه؛ لأن خضوعك له ليس ذلة بل عزة، فقال: {نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ} [آل عمران: 3]. وفي سياق القرآن نجده سبحانه يقول: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ}تفسير : [الشعراء: 193]. ومرة أخرى يقول في القرآن الكريم: {أية : وَبِٱلْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً}تفسير : [الإسراء: 105]. ولكن هل نزل القرآن وحده؟ لقد كان جبريل عليه السلام ينزل بالقرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يعني ذلك خروج القرآن عن كونه "نزل"، فجبريل عليه السلام كان ينزل بالقرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم. والحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : وَبِٱلْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً}تفسير : [الإسراء: 105]. وبذلك تتساوى "أنزل" مع "نزل". وحين نأتي للحدث أي الفعل في أي وقت من الأوقات فإننا نتساءل: أهو موقوت بزمن أم غير موقوت بزمن؟ إن القرآن الكريم قد نزل على رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم في ثلاثة وعشرين عاماً وينزل القرآن حسب الحوادث، فكل نجم من نجوم القرآن ينزل حسب متطلبات الأحداث. ولكن الحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ}تفسير : [القدر: 1]. والحق هنا يحدد زمناً. ولنا أن نعرف أن القرآن الذي نزل في ثلاثة وعشرين عاماً هو الذي أنزله الله في ليلة القدر. إذن فللقرآن نزولان اثنان: الأول: إنزال من "أنزل". الآخر: تنزيل من "نَزَّل". إذن فالمقصود من قوله - سبحانه -: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ} تفسير : [القدر: 1] أن القرآن نزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ليباشر مهمته في الكون، وهذا ما أنزله الله في ليلة القدر. والكتاب الكريم الذي أنزله الله في ليلة القدر إلى السماء الدنيا ينزلُ منجماً على حسب الأحداث التي تتطلب تشريعاً أو إيضاحاً لأمر. لكن الكتب الأخرى لم يكن لها ذلك اللون من النزول والتنزيل، لقد نزلت مرة واحدة؛ لا حسب الأحداث والمناسبات، لقد جاءت مرة واحدة، كما نزل القرآن أولاً من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا. ولننظر إلى الأداء القرآني حين يقول: {نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ} [آل عمران: 3]. وهنا يجب أن نلتفت إلى أن الحق قال عن القرآن: "نَزَّل" وقال عن التوراة والإنجيل: "أنزل". لقد جاءت همزة التعدية وجمع - سبحانه - بين التوراة والإنجيل في الإنزال، وهذا يوضح لنا أن التوراة والإنجيل إنما أنزلهما الله مرة واحدة، أما القرآن الكريم فقد نَزَّله الله في ثلاث وعشرين سنة منجماً ومناسباً للحوادث التي طرأت على واقع المسلمين، ومتضمناً البلاغ الشامل من يوم الخلق إلى يوم البعث. ونَزَّل الله القرآن منجماً مناسباً للأحداث، ليثبت فؤاد رسول الله؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يتعرض لأحداث شتى، وكلما يأتي حدث يريد تثبيتاً ينزل نجم من القرآن. {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً}تفسير : [الفرقان: 32]. وكان النجم من القرآن ينزل, ويحفظه المؤمنون، ويعملون بهديه، ثم ينزل نجم آخر، والله سبحانه يقول: {أية : وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِٱلْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً}تفسير : [الفرقان: 33]. فمن رحمته سبحانه وتعالى بالمسلمين أن فتح لهم المجال لأن يسألوا، وأن يستوضحوا الأمور التي تغمض عليهم. وجعل الحق سبحانه لأعمال المؤمنين الاختيارية خلال الثلاثة والعشرين عاماً فرصة ليقيموا حياتهم في ضوء منهج القرآن، وصوب لهم القرآن ما كان من خطأ وذلك يدل على أن القرآن قد فرض الجدل والمناقشة، وفرض مجيء الشيء في وقت طلبه؛ لأن الشيء إذا ما جيء به وقت طلبه فإن النفس تقبل عليه وترضى به. ومثال ذلك في حياتنا اليومية أن الواحد منا قد يملك في منزله صندوقاً للأدوية مُمتلئاً بألوان شتى من الدواء، ولكن عندما يصاب صاحب هذا الصندوق بقليل من الصداع فهو يبحث عن قرص أسبرين، قد لا يعرف مكانه في صندوق الدواء فيبعث في شرائه، وذلك أسهل وأوثق. والحق سبحانه قد جمع للقرآن بين "نزّل" و"أنزل" فقال: {مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):