٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
4
Tafseer
الرازي
تفسير : أما قوله تعالى: {مِن قَبْلُ هُدًى لّلنَّاسِ }. فاعلم أنه تعالى بيّن أنه أنزل التوراة والإنجيل قبل أن أنزل القرآن، ثم بيّن أنه إنما أنزلهما هدى للناس، قال الكعبي: هذه الآية دالة على بطلان قول من يزعم أن القرآن عمى على الكافرين وليس بهدى لهم، ويدل على معنى قوله {أية : وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى } تفسير : [فصلت: 44] أن عند نزوله اختاروا العمى على وجه المجاز، كقول نوح عليه السلام {أية : فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِى إِلاَّ فِرَاراً } تفسير : [نوح: 6] لما فروا عنده. واعلم أن قوله {هُدًى لّلنَّاسِ } فيه احتمالان الأول: أن يكون ذلك عائداً إلى التوراة والإنجيل فقط، وعلى هذا التقدير يكون قد وصف القرآن بأنه حق، ووصف التوراة والإنجيل بأنهما هدى والوصفان متقاربان. فإن قيل: إنه وصف القرآن في أول سورة البقرة بأنه هدىً للمتقين، فلم لم يصفه ههنا به؟. قلنا: فيه لطيفة، وذلك لأنا ذكرنا في سورة البقرة أنه إنما قال: {أية : هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } تفسير : [البقرة: 2] لأنهم هم المنتفعون به، فصار من الوجه هدىً لهم لا لغيرهم، أما ههنا فالمناظرة كانت مع النصارى، وهم لا يهتدون بالقرآن فلا جرم لم يقل ههنا في القرآنه أنه هدىً بل قال: إنه حق في نفسه سواء قبلوه أو لم يقبلوه، وأما التوراة والإنجيل فهم يعتقدون في صحتهما ويدعون بأنا إنما نتقول في ديننا عليهما فلا جرم وصفهما الله تعالى لأجل هذا التأويل بأنهما هدىً، فهذا ما خطر بالبال والله أعلم. القول الثاني: وهو قول الأكثرين: أنه تعالى وصف الكتب الثلاثة بأنها هدى، فهذا الوصف عائد إلى كل ما تقدم وغير مخصوص بالتوراة والإنجيل، والله أعلم بمراده. ثم قال: {وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ }. ولجمهور المفسرين فيه أقوال الأول: أن المراد هو الزبور، كما قال: {أية : وَءَاتَيْنَا دَاوُودُ زَبُوراً } تفسير : [النساء: 163] والثاني: أن المراد هو القرآن، وإنما أعاده تعظيماً لشأنه ومدحاً بكونه فارقاً بين الحق والباطل أو يقال: إنه تعالى أعاد ذكره ليبين أنه أنزله بعد التوراة والإنجيل ليجعله فرقاً بين ما اختلف فيه اليهود والنصارى من الحق والباطل، وعلى هذا التقدير فلا تكرار. والقول الثالث: وهو قول الأكثرين: أن المراد أنه تعالى كما جعل الكتب الثلاثة هدى ودلالة، فقد جعلها فارقة بين الحلال والحرام وسائر الشرائع، فصار هذا الكلام دالاً على أن الله تعالى بيّن بهذه الكتب ما يلزم عقلاً وسمعاً، هذا جملة ما قاله أهل التفسير في هذه الآية وهي عندي مشكلة أما حمله على الزبور فهو بعيد، لأن الزبور ليس فيه شيء من الشرائع والأحكام، بل ليس فيه إلا المواعظ، ووصف التوراة والإنجيل مع اشتمالهما على الدلائل، وبيان الأحكام بالفرقان أولى من وصف الزبور بذلك، وأما القول الثاني: وهو حمله على القرآن فبعيد من حيث إن قوله {وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ } عطف على ما قبله، والمعطوف مغاير للمعطوف عليه والقرآن مذكور قبل هذا فهذا يقتضي أن يكون هذا الفرقان مغايراً للقرآن، وبهذا الوجه يظهر ضعف القول الثالث، لأن كون هذه الكتب فارقة بين الحق والباطل صفة لهذه الكتب وعطف الصفة على الموصوف وإن كان قد ورد في بعض الأشعار النادرة إلا أنه ضعيف بعيد عن وجه الفصاحة اللائقة بكلام الله تعالى، والمختار عندي في تفسير هذه الآية وجه رابع، وهو أن المراد من هذا الفرقان المعجزات التي قرنها الله تعالى بإنزال هذه الكتب، وذلك لأنهم لما أتوا بهذه الكتب وادعوا أنها كتب نازلة عليهم من عند الله تعالى افتقروا في إثبات هذه الدعوى إلى دليل حتى يحصل الفرق بين دعواهم وبين دعوى الكذابين، فلما أظهر الله تعالى على وفق دعواهم تلك المعجزات حصلت المفارقة بين دعوى الصادق وبين دعوى الكاذب، فالمعجزة هي الفرقان، فلما ذكر الله تعالى أنه أنزل الكتاب بالحق، وأنه أنزل التوراة والإنجيل من قبل ذلك، بين أنه تعالى أنزل معها ما هو الفرقان الحق، وهو المعجز القاهر الذي يدل على صحتها، ويفيد الفرق بينها وبين سائر الكتب المختلفة، فهذا هو ما عندي في تفسير هذه الآية، وهب أن أحداً من المفسرين ما ذكره إلا أن حمل كلام الله تعالى عليه يفيد قوة المعنى، وجزالة اللفظ، واستقامة الترتيب والنظم، والوجوه التي ذكروها تنافي كل ذلك، فكان ما ذكرناه أولى والله أعلم بمراده. واعلم أنه سبحانه وتعالى لما قرر في هذه الألفاظ القليلة جميع ما يتعلق بمعرفة الإلٰه، وجميع ما يتعلق بتقرير النبوّة أتبع ذلك بالوعيد زجراً للمعرضين عن هذه الدلائل الباهرة فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأيَـٰتِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنتِقَامٍ }. واعلم أن بعض المفسرين خصص ذلك بالنصارى، فقصر اللفظ العام على سبب نزوله، والمحققون من المفسرين قالوا: خصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ، فهو يتناول كل من أعرض عن دلائل الله تعالى. ثم قال: {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنتِقَامٍ }. والعزيز الغالب الذي لا يغلب والانتقام العقوبة، يقال انتقم منه انتقاماً أي عاقبه، وقال الليث يقال: لم أرض عنه حتى نقمت منه وانتقمت إذا كافأه عقوب بما صنع، والعزيز إشار إلى القدرة التامة على العقاب، وذو الانتقام إشارة إلى كونه فاعلاً للعقاب، فالأول: صفة الذات، والثاني: صفة الفعل، والله أعلم.
البيضاوي
تفسير : {مِن قَبْلُ} من قبل تنزيل القرآن. {هُدًى لّلنَّاسِ} على العموم إن قلنا إنا متعبدون بشرع من قبلنا، وإلا فالمراد به قومهما. {وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ } يريد به جنس الكتب الإِلهية، فإنّها فارقة بين الحق والباطل. ذكر ذلك بعد ذكر الكتب الثلاثة ليعم ما عداها، كأنه قال: وأنزل سائر ما يفرق به بين الحق والباطل، أو الزبور أو القرآن. وكرر ذكره بما هو نعت له مدحا وتعظيماً، وإظهاراً لفضله من حيث إنه يشاركهما في كونه وحياً منزلاً ويتميز بأنه معجز يفرق بين المحق والمبطل، أو المعجزات {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأيَـٰتِ ٱللَّهِ} من كتبه المنزلة وغيرها. {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} بسبب كفرهم. {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ } غالب لا يمنع من التعذيب. {ذُو ٱنتِقَامٍ} لا يقدر على مثله منتقم، والنقمة عقوبة المجرم والفعل منه نقم بالفتح والكسر، وهو وعيد جيء به بعد تقرير التوحيد والإِشارة إلى ما هو العمدة في إثبات النبوة تعظيماً للأمر، وزجراً عن الإِعراض عنه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {مِن قَبْلُ } أي قبل تنزيله {هُدًى } حال بمعنى هاديَيْن من الضلالة {لِلنَّاسِ } ممن تبعهما وعبر فيهما بـ (أنزل) وفي القرآن بـ(نزَّل) المقتضي للتكرير لأنهما أنزلا دفعة واحدة بخلافه {وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ } بمعنى الكتب الفارقة بين الحق والباطل وذِكْرُهُ بعد ذكر الثلاثة ليعم ما عداها {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِئَايَٰتِ ٱللَّهِ } القرآن وغيره {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ } غالب على أمره فلا يمنعه شيء من إنجاز وعده ووعيده {ذُو ٱنتِقَامٍ } عقوبة شديدة ممن عصاه لا يقدر على مثلها أحد.
التستري
تفسير : قوله: {وَأَنْزَلَ ٱلْفُرْقَانَ}[4] يعني القرآن فيه المخرج من الشبهة والضلالة.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} [الآية: 4]. قال أبو سعيد الخراز: بإظهار كرامةِ اللهِ تعالى على أوليائه، لهم عذاب شديد بتعجيزهم الحق عن ذلك، واللهُ عزيزٌ يعز بولايتهِ وإظهار الكرامة على من يشاء من عباده ذو انتقام ممن يجحدُ ذلك. وقال الواسطى: عزيز عن أن يخالف إرادته أحد، بل ينتقم بما يجرى. نفى أن تكون عقوبته مقابلةً للأفعال المحدثة.
اسماعيل حقي
تفسير : {من قبل} اى انزلهما جملة على موسى وعيسى عليهما السلام ومن قبل تنزيل الكتاب والتصريح به مع ظهور الامر للمبالغة في البيان {هدى للناس} علة للانزال اى انزلهما لهداية الناس وفيه لف بدون النشر لعدم اللبس لان كون التوراة هدى للناس فى زمان موسى وكون الانجيل هدى لهم فى زمان عيسى معلوم فاختصر لذلك {وانزل الفرقان} اى جنس الكتب السماوية لان كلها فرقان يفرق بين الحق والباطل او هو القرآن كرر ذكرة تعظيما لشانه واظهارا لفضله {ان الذين كفروا بآيات الله} اى بالقرآن ومعجزات النبي عليه السلام {لهم} بسبب كفرهم بها {عذاب شديد} لا يقادر قدره {والله عزيز} لا يغالب يفعل ويحكم ما يريد {ذو انتقام} عظيم لا يقدر على مثله منتقم.
الطوسي
تفسير : المعنى: قوله: {من قبل} أي من قبل إنزال الكتاب فاما قطعه عن الاضافة نبأه على الضم. وقوله: {هدى للناس} أي بياناً ودلالة لهم، وفي ذلك دلالة على أن الله تعالى هدى الكافر إلى الايمان، كما هدى المؤمن بقوله {للناس}، بخلاف ما تقوله المجبرة: إن الله ما هدى الكافر، وموضع {هدى} نصب على الحال من الكتاب وقوله: {وأنزل الفرقان} يعني به القرآن وإنما كرر ذلك لما اختلفت دلالات صفاته وإن كانت لموصوف واحد لأن لكل صفة منها فائدة غير الأخرى لأن الفرقان هو الذي يفرق به بين الحق والباطل فيما يحتاج إليه من أمور الدين في الحجج، والاحكام، وذلك كله في القرآن وقيل أراد بالفرقان النصر ووصفه بالكتاب يفيد ان من شأنه أن يكتب. وقد بينا لذلك نظائر في الشعر وغيره في ما تقدم. وقوله: {إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد} قرن بالوعيد لما بين الله الحجج الدالة على توحيده، وصفاته: أعقب ذلك بوعيد من يخالف في ذلك ويجحده ليتكامل به التكليف. وقوله: {والله عزيز ذو انتقام} معناه أنه قادر لا يتمكن أحد من منعه من عذاب من يريد عذابه لأنه {عزيز ذو انتقام} وإنما كان منيعاً لأنه قادر لنفسه لا يعجزه شيء. اللغة: وأصل الاعزاز الامتناع، ومنه أرض عزاز ممتنعة السكون لصعوبتها، ومنه قولهم من عز، بز: أي من غلب سلب لأن الغالب يمتنع من الضيم، والنقمة، العقوبة: نقم ينقم نقماً ونقمة ويقال نقمت، ونقمت عليه أي أردت له عقوبة، وانتقم منه انتقاماً أي عاقبه عاقباً وأصل الباب: العقوبة. ومنه النعمة خلاف النقمة.
الجنابذي
تفسير : {مِن قَبْلُ} اى قبل القرآن او هذا الزّمان {هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ} أى القرآن، ويعلم من هذا انّ المراد بالكتاب فى اوّل الآية جملة الكتاب الّتى نزلت على قلبه (ص) فى ليلة القدر، او جملة احكام الرّسالة، او آثار الولاية الّتى فصّلت بالتّنزيل على مقام صدره وبالتّعبير بالعبارات النّفسيّة واللّفظيّة بالفاظ الكتاب الالهىّ والاخبار القدسيّة والنّبويّة فعلى هذا يكون الفرقان مصدراً بمعنى المفروق المفصّل او بمعنى الفارق المفصّل وقد فسّر فى اخبار كثيرة القرآن بجملة الكتاب، والفرقان بالمحكم الواجب العمل به؛ وهو يشعر بما ذكرنا وقد مضى بيانٌ للقرآن والفرقان ويستنبط ممّا ذكر وجه التّعبير بالتّنزيل فى تنزيل الكتاب وبالانزال فى انزال التّوراة والانجيل والفرقان؛ فانّ نزول الكتاب كان من مقام الاطلاق الى مقام التّقييد وكان محتاجاً الى كثير تعمّل من جانب القابل المستعدّ لنزوله بخلاف نزول التّوراة والانجيل والفرقان فانّها نزلت من مقام التّقييد الاجمالىّ الى مقام التّقييد التّفصيلىّ فلم تكن محتاجة الى كثير تعمّل ولذلك لم يأت فيها بالتّنزيل الدّالّ على المبالغة ولمّا صار المقام مقام السّؤال عن حال من كفر بالكتب اجاب تعالى بقوله {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} مؤكّداً بالتّأكيدات، والآيات اعمّ من الآيات الانفسيّة والآفاقيّة والتّدوينيّة فانّ شؤنات النّفوس ووارداتها الجسمانيّة والنّفسانيّة وموجودات العالم الكبير كلّها آيات جماله وجلاله تعالى، والمراد بالكفر بالآيات الكفر بها من حيث كونها آياتٍ لا من حيث ذواتها فى انفسها فانّ كثيراً من الكافرين بالآيات مشاهدون لذواتها غير ساترين لها مع انّهم كافرون بها من حيث انّها آيات {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ} جملة حاليّة او معطوفة فى مقام التّعليل والتّأكيد ومعنى عزّته تعالى انّه لا يمنعه مانع من مراده {ذُو ٱنْتِقَامٍ} من شأنه الانتقام ممّن خالفه وعصاه.
اطفيش
تفسير : {مِنْ قَبْلُ}: أى من قبل الكتاب أو من تبيينه. {هُدىً}: حال بمعنى هادياً أو ذى هدى من ضمير أنزل، أو حال من التوراة والإنجيل، أى هاديين أو ذوى هدى، أو مفعول لأجله. {للِنَّاسِ}: الكائنين قبل نزول القرآن، وأما بعد نزوله، مما كان فى القرآن مخالفاً لهما، فالعمل بما فيه مأما ما لم يذكر فيه فقيل: تعبدتا بهما، وقيل: لا. ويدل على الثانى: هؤلاء محرفون لا نعلم بما فى أيديهم، إلا أن وافق القرآن، أو كان على عهد سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - فأجازه. {وأَنْزَلَ الفُرْقَانَ}: وهو تكرير لقوله نزل عليك الكتاب، مع زيادة معنى آخر: وهو الوصف بأنه معجز، يفرق بين المحق والمبطل، وذلك تعظيم للقرآن، وإظهار لمزيته، إذ شارك الكتب، فى كونه وحياً منزلا وتميز عنه بالإعجاز، وليدل على الفرق بين ما اختلف فيه اليهود والنصارى فى أمر عيسى، وقيل: المراد الكتب الثلاثة، التوراة والإنجيل والقرآن. وقال السدى: الأصل وأنزل التوراة، والإنجيل، وأنزل الفرقان هدى للناس، فالهدى رابع الكتب الثلاثة، وقيل: الفرقان الزبور، واعترض بأن الزبور مواضع لا أحكام وشرائع، وقيل: كتب الله فإنها فارقة بين الحق والباطل، وذلك عموم بعد تخصيص، وقيل: المعجزات للرسل كلهم. وإنزالها: إيجادها من السماء أو الأرض أو غيرهما. {إنَّ الذينَ كَفَرُوا بِآياتِ الله}: كتُبه، وهو المشركون، وأهل الكتاب الجاحدون للتوراة أو الإنجيل أو الفرقان أو غيرهم، أو سائر الوحى والمعجزات. {لهُم عَذابٌ شَدِيدٌ}: فى الآخرة لكفرهم. {واللهُ عَزِيزٌ}: غالب لا يرد عما أراد من التعذيب، كما لا يرد عن كل ما أراد. {ذُو انْتِقامٍ}: شديد لا يطاق، ولا يقدر منتقم على أن ينتقم مثله. والانتقام عقوبة المجرم، والفعل الثلاثى (نقم)، بفتح القاف وكسرها، والفتح أفصح. وقوله: إن الذين كفروا وعيد جىء به بعد تقرير التوحيد، بقوله: الله لا إله إلا هو الحىّ القيوّم، وبعد الإشارة إلى العمدة فى إثبات رسالة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - بقوله تعالى: نزل عليك الكتاب، تعظيما لرسالته، وزجرا عن إنكارها، وسبب نزول أول السورة إلى قوله: {أية : فقل تعالوا ندعُ أبْنَاءَنَا وأبناءكم.. }تفسير : الآية، حديث : أنه قدم وفد نجران، رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم ستون راكباً، فيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم، وثلاثة من أكابر القوم، إليهم يؤول أمرهم: العاقب أميرهم، وذو آرائهم واسمه عبد المسيح، والسيد واسمه الأيهم صاحب طعامهم وشرابهم ورحلهم، وأبو حارثة أثقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحب مدارستهم وكان ملوك الروم، قد شرفوه ومولوه، وبنوا له الكنائس، وبسطوا عليهِ الكرامات، لما رأوا من اجتهاده فى دينهم، ولما وجهوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من نجران، جلس أبو حارثة على بغلته، وإلى جنبه أخ له يقال له: كوز، فعترت بغلة أبى حارثة، فقال كوز: تعسر الأبعد يدعو بذلك على النبى - صلى الله عليهِ وسلم - فقال له أبو حارثة: بل أنت تعست. وقيل، قال: بل تَعِسَتْ أمك، قال: ويا أخى، فقال: إنه النبى الذى كنا ننتظر.. فقال لهُ كوز: وما يمنعك منه وأن تعلم هذا؟ قال: ما صنع هؤلاء القوم، شرفونا ومولونا وأكرمونا وقد أبوا إلا خلافه! فلو فعلت، نزعوا منا كلما ترى، فأضمر علتها منه أخوه كوز حتى أسلم بعد ذلك، فهو كان يحدث عنه هذا الحديث، ولما وصلوا المدينة دخلوا مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقت العصر، وعليهم ثياب الخيرات وأردية فى جمال، وكان الحارث بن كعب يقول: من رآهم ما رأينا وفداً مثلهم، وقد حانت صلاتهم، فقاموا للصلاة فى مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "دعوهم.." فصلوا إلى الشرق، ولما فرغوا كلم السيد والعاقب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهما: "اسْلَما.. اسلما" قالا: فإذا أسلمنا قبلك قال: "كذبتما يمنعكما من الإسلام، دعوا كما لله ولدا، وعبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير"، قالا: إن لم يكن عيسى ولد الله فمن أبوه؟ فخاصموه فى عيسى جميعاً، فقال النبى صلى الله عليه وسلم "ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا يشبه أباه؟" قالوا: بلى.. قال: "ألستم تعلمون أن ربنا حى لا يموت، وأن عيسى يأتى عليه الموت"، قالوا: بلى. قال: "ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شىء يحفظه ويرزقه؟". قالوا: بلى. قال: "فهل يملك عيسى من ذلك شيئاً؟" قالوا: لا. قال: "ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا فى السماء؟" قالوا: بلى. قال: "فهل يملك عيسى من ذلك شيئاً إلا ما علم؟" قالوا: لا. قال: "ألستم تعلمون أن ربنا صور عيسى فى الرحم كيف شاء؟ وربنا لا يأكل ولا يشرب؟" قالوا: بلى، قال: "ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة، ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها، ثم غذى كما يغذى الصبى ثم كان يطعم ويحدث ويشرب؟" قالوا: بلى. قال: "فكيف يكون إلهاً كما زعمتم" فسكتوا، فأنزل الله سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية زاد بعضهم فقالوا: يا محمد.. ألست تزعم أن عيسى كلمة الله وروح منه؟ قال "بلى" قالوا: حسبنا. ثم أبوا إلا جحوداً فأنزل الله سبحانه وتعالى: بسم الله الرحمن الرحيم {آلم اللهُ لاَ إلهَ إلاَّ هُوَ الحىُّ القيّومُ} تفسير : إلى بضع وثمانين آية بين أنه لا يستحق العبادة سواه وانه القائم لمصالح خلقه، ولما دعاهم بالملاعنة، قالوا: يا أبا القاسم دعنا ننظر فى أمرنا ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه، فانصرفوا عنه ثم خلوا بالعاقب، وكان ذا رأيهم، فقالوا: يا عبد المسيح ما ترى؟ فقال: والله يا معشر النصارى، لقد علمتم أن محمداً نبى مرسل، ولقد جاءكم من خبر صاحبكم بالحق، ولقد علمتم أنه ما لا عن قوم نبيا فبقى كبيرهم، ولا خبت صغيرهم، وأنه للاستيصال منكم إن فعلتم فإن كنتم قد أبيتم إلاّ إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليهِ من القول فى صاحبكم فوادعوا الرجل، ثم انصرفوا إلى بلادكم، فأتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: يا أبا القاسم، قد رأينا أن لا نلاعنك، وأن نبقى على ديننا وصالحوه على أموال، وقالوا: ابعث معنا رجلا من أصحابك ترضاه ليحكم بيننا فى أشياء قد اختلفنا فيها من أموالنا. فإنكم عندنا رضى، فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح - رضي الله عنه - وقال: اخرج معهم واقض بينهم بالحق، فيما اختلفوا فيه، وكانوا على خلاف دينهم، فقائل: عيسى هو الله، وقائل: ابن الله، وقائل: ثالث ثلاثة، وتجد الرجل الواحد أيضاً تارة يقول بهذا، وتارة بهذا، واحتجوا على أنه هو الله بكونه يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، ويخلق من الطين كهيئة الطير. وعلى أنه ابنه بكونه لا أب له، وعلى أنه ثالث ثلاثة، بكونه يقول: نقول، وقلنا، ونفعل، وفعلنا، ولو كان واحداً لقال: قلت وأقول، وفعلت وأفعل، ورد الله تعالى عليهم بأن الله حى قيوم، ومن كان يأكل ويحدث، لا يكون حيا قيوماً، وعيسى يأكل ويحدث، وعالم بأشياء من غيب، يحدثهم بما يأكلون وما يدخرون، لا بالغيب كله ولم يقدر على دفع القتل، على زعمهم أنه مقتول، ولا يقدر أن يصور ما فى الرحم إنساناً، والله يفعل ذلك. وما وقع على يده من إحياء ميت، والخلق لهيئة الطير حية معجزة.
اطفيش
تفسير : {مِنْ قَبْلُ} من قبل تنزيل القرآن أو من قبلك، ومعلوم أنه قبل، ولكن ذكر مبالغة في البيان، أو ذكر تلويحا بأنه أنزلهما قبل إرهاضا لك كما قال {هُدًى لِلنَّاسِ} من الجهالة، ولو غير بنى إسرائيل، لأن فيهما التوحيد والإنكار على من يجعل المخلوق خالقا، أو يصف الله بالولادة، وفيهما التبشير بالنبى صلى الله عليه وسلم {وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ} سائر الكتب للفرقة بين الحق والباطل، أو تعميم بعد تخصيص، أو القرآن فيكون ذكر أولا باعتبار تنزيله منجما، كما قال نزل بالتشديد، وذكره الآن باعتبار إنزاله جملة إلى السماء الدنيا، أو باعتبار وصفه، وهو الفرق بين الحق والباطل، أو بعض الآيات منه وهى التى فيها الفرق أو الزبور لأنه ولو لم يكن إلا وعظا، كما جاء به أثر، لكن الوعظ أيضاً فارق، أو المعجزات لأنها فارقة بين من يدعى النبوءة محقا ومن يدعيها مبطلا {إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} من اليهود والنصارى وغيرهم، أو المراد من نزلت فيهم الآيات {بِآيَآتِ اللهِ} القرآن أو غيره من المعجزات، أو القرآن {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} با قتل ونحوه، ونار الآخرة لكفرهم {وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انتقِامٍ} عظم لا يمنع من مراده، ولا يطلق انتقامه، والانتقام الإضرار جزاء، سواء كان حقا كما هنا، أم باطلا، كما في قوله تعالى: {وما نقموا منهم...} الآية، فإنهم أضروهم جزاء لإيمانهم، إذ حسبوا الإيمان سواء، وهو تأكيد للمدح بطريق الذم، ولم يقل منتقم مع أنه مختصر للفاصلة، ولأنه إنما يقال: صاحب سيف لمن يكثر القتل، لا لمن معه سيف مطلقا.
الالوسي
تفسير : {مِن قَبْلُ } متعلق ـ بـ {أية : وَأَنزَلَ} تفسير : ـ [آل عمران: 3] أي أنزلهما من قبل تنزيل الكتاب، وقيل: من قبلك والتصريح به مع ظهور الأمر للمبالغة في البيان كذا قالوا برمتهم، وأنا أقول التصريح به للرمز إلى أن إنزالهما متضمن للإرهاص لبعثته صلى الله عليه وسلم حيث قيد الإنزال المقيد بمن قبل بقوله سبحانه: {هُدًى لّلنَّاسِ } أي أنزلهما كذلك لأجل هداية الناس الذين أنزلا عليهم إلى الحق الذي من جملته الإيمان به صلى الله عليه وسلم واتباعه حيث يبعث لما اشتملتا عليه من البشارة به والحث على طاعته عليه الصلاة والسلام والهداية بهما بعد نسخ أحكامهما بالقرآن إنما هي من هذا الوجه لا غير، والقول بأنه يهتدى بهما أيضاً فيما عدا الشرائع المنسوخة من الأمور التي يصدقها القرآن ـ ليس بشيء لأن الهداية إذ ذاك بالقرآن المصدق لا بهما كما لا يخفى على المنصف، ويجوز أن ينتصب (هدى) على أنه حال منهما والإفراد لما أنه مصدر جعلا نفس الهدى مبالغة أو حذف منه المضاف أي ذوي هدى، وجعله حالاً من {أية : ٱلْكِتَـٰبِ }تفسير : [آل عمران: 3] مما لا ينبغي أن يرتكب فيه. {وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ } أخرج عبد بن حميد عن قتادة أنه القرآن فرق به بين الحق والباطل فأحل فيه حلاله وحرم حرامه وشرع شرائعه وحد حدوده وفرائضه وبين بيانه وأمر بطاعته ونهى عن معصيته، وذكر بهذا العنوان بعد ذكره باسم الجنس تعظيماً لشأنه ورفعاً لمكانه، وأخرج ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير أنه الفاصل بين الحق والباطل فيما اختلف فيه الأحزاب من أمر عيسى عليه السلام وغيره، وأيد هذا بأن صدر السورة كما قدمنا نزلت في محاجة النصارى للنبـي صلى الله عليه وسلم في أمر أخيه عيسى عليه السلام وعليه يكون المراد ـ بالفرقان ـ بعض القرآن ولم يكتف باندراجه في ضمن الكل اعتناءاً به، ومثل هذا القول ما روي عن أبـي عبد الله رضي الله تعالى عنه أن المراد به كل آية محكمة، وقيل: المراد به جنس الكتب الإلهية عبر عنها بوصف شامل لما ذكر منها وما لم يذكر على طريق التتميم بالتعميم إثر تخصيص بعض مشاهيرها بالذكر، وقيل: نفس الكتب المذكورة أعيد ذكرها بوصف خاص لم يذكر فيما سبق على طريق العطف بتكرير لفظ الإنزال تنزيلاً للتغاير الوصفي منزلة التغاير الذاتي، وقيل: المراد به الزبور وتقديم الإنجيل عليه مع تأخره عنه نزولاً لقوة مناسبته للتوراة في الاشتمال على الأحكام وشيوع اقترانهما في الذكر، واعترض بأن الزبور مواعظ فليس فيه ما يفرق بين الحق والباطل من الأحكام، وأجيب بأن المواعظ لما فيها من الزجر والترغيب فارقة أيضاً ولخفاء الفرق فيها خصت بالتوصيف به، وأورد عليه بأن ذكر الوصف دون الموصوف يقتضي شهرته به حتى يغني عن ذكر موصوفه والخفاء إنما يقتضي إثبات الوصف دون التعبير به، وقيل: المراد به المعجزات المقرونة بإنزال الكتب المذكورة الفارقة بين المحق/ والمبطل، وعلى أي تقدير كان فهو مصدر في الأصل كالغفران أطلق على الفاعل مبالغة. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأيَـٰتِ ٱللَّهِ } يحتمل أن تكون الإضافة للعهد إشارة إلى ما تقدم من آيات الكتب المنزلة، ويحتمل أن تكون للجنس فتصدق الآيات على ما يتحقق في ضمن ما تقدم وعلى غيره كالمعجزات وأضافها إلى الاسم الجليل تعييناً لحيثية كفرهم وتهويلاً لأمرهم وتأكيداً لاستحقاقهم العذاب، والمراد بالموصول إما من تقدم في سبب النزول أو أهل الكتابين أو جنس الكفرة وعلى التقديرين يدخل أولئك فيه دخولاً أولياً {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } ابتداء وخبر في موضع خبر إن ويجوز أن يرتفع العذاب بالظرف والتنكير للتفخيم ففيه إشارة إلى أنه لا يقدر قدره وهو مناط الحصر المستفاد من تقديم الظرف والتعليق بالموصول الذي هو في حكم المشتق يشعر بالعلية وهو معنى تضمنه الشرط وترك فيه الفاء لظهوره فهو أبلغ إذا اقتضاه المقام. {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ } أي غالب على أمره يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد {ذُو ٱنتِقَامٍ } افتعال من النقمة وهي السطوة والتسلط يقال: انتقم منه إذا عاقبه بجنايته، ومجرده ـ نقم ـ بالفتح والكسر وجعله بعضهم بمعنى كره لا غير والتنوين للتفخيم، واختار هذا التركيب على منتقم مع اختصاره لأنه أبلغ منه إذ لا يقال صاحب سيف إلا لمن يكثر القتل لا لمن معه السيف مطلقاً، والجملة اعتراض تذييلي مقرر للوعيد مؤكد له.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 4- أنزلهما قبل القرآن لهداية الناس، فلمَّا انحرفوا أنزل القرآن فارقاً بين الحق والباطل، ومبيِّناً الرشد من الغى، فهو الكتاب الصادق الدائم، وكل من ترك ما أنزله الله فيه وكفر بآياته فله عذاب شديد، والله قادر لا يغلبه شئ، منتقم ممن يستحق الانتقام. 5- إن الله عليم بكل شئ، فهو لا يخفى عليه شئ فى الأرض ولا فى السماء، صغيراً كان أو كبيراً، ظاهراً أو باطناً. 6- وهو الذى يصوركم وأنتم أجنة فى الأرحام بصور مختلفة حسبما يريد، لا إله إلا هو العزيز فى ملكه، الحكيم فى صنعه. 7- وهو الذى أنزل عليك القرآن، وكان من حكمته أن جعل منه آيات محكمات محددة المعنى بيِّنة المقاصد، هى الأصل وإليها المرجع، وأخر متشابهات يدق معناها على أذهان كثير من الناس، وتشتبه على غير الراسخين فى العلم، وقد نزلت هذه المتشابهات لتبعث العلماء على العلم والنظر ودقة الفكر فى الاجتهاد، وفى البحث فى الدين، وشأن الزائغين عن الحق أن يتتبعوا ما تشابه من القرآن رغبة فى إثارة الفتنة، ويؤوِّلوها حسب أهوائهم. وهذه الآيات لا يعلم تأويلها الحق إلا الله والذين تثبتوا فى العلم وتمكنوا منه، وأولئك المتمكنون منه يقولون: إنا نوقن بأن ذلك من عند الله، لا نفرق فى الإيمان بالقرآن بين محكمه ومتشابهه، وما يعقل ذلك إلا أصحاب العقول السليمة التى لا تخضع للهوى والشهوة.
د. أسعد حومد
تفسير : (4) - وَقَدْ أنْزَلَهُمَا اللهُ مِنْ قَبلِ هذا القُرآنِ لِهدَايَةِ النَّاسِ إلى الحَقِّ، وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ الإِيمَانُ بِمُحَمَّدٍ وَرِسَالَتِهِ، حِينَ يُبْعَثُ. وَأنْزَلَ الفُرْقَانَ - وَهُوَ مَا يُفْرَقُ بِهِ بَيْنَ الهُدَى والضَّلاَلَةِ، وَالحَقِّ وَالبَاطِلِ، بِمَا يَذْكُرُهُ اللهُ مِنَ الحُجَجِ وَالبَيِّنَاتِ القَاطِعَاتِ - (وَيَرَى بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُرَادَ بِالفُرْقَانِ (التَوْرَاةُ). وَإنَّ الذِينَ كَفَروا، وَجَحَدُوا بِآيَاتِ اللهِ النَّاطِقَةِ بِتَوْحِيدِهِ، وَتَنْزِيهِهِ عَمَّا لاَ يَلِيِقُ بِعِزَّةِ جَلاَلِهِ، فَكَذَّبُوا بِالقُرْآنِ، ثُمَّ بِسَائِرِ الكُتُبِ تَبْعاً لِذَلِكَ، وَأنْكَرُوها، لَهُمْ عَذَابٌ شَديدٌ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَاللهُ مَنيعٌ، عَزِيزُ الجَانِبِ، يَنْتَقِمُ مِمَّنْ جَحَدَ بِآيَاتِهِ، وَكَذَّبَ رَسُلَهُ. الفُرْقَانَ - مَا يَفْرُقُ بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ويأتي القول الفصل في: {وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ} [آل عمران: 4]. هنا الجمع بين "نزل" و"أنزل". وساعة يقول الحق عن القرآن: {أية : مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} تفسير : [آل عمران: 3] فمعنى ذلك أن القرآن يوضح المتجه؛ إنه مصدق لما قبله ولما سبقه، إنه مصدق للقضايا العقدية الإيمانية التي لا يختلف فيها دين عن دين؛ لأن الديانات إن اختلفت فإنما تختلف في بعض الأحكام، فهناك حكم يناسب زمناً وحكم آخر لا يناسب ذلك الزمن. أما العقائد فهي لا تتغير ولا تتبدل، وكذلك الأخبار وتاريخ الرسل، فليس في تلك الأمور تغيير. ومعنى "مصدق" أي أن يطابق الخبر الواقع، وهذا ما نسميه "الصدق". وإن لم يطابق الخبر الواقع فإننا نسميه "كذباً". إذن، فالواقع هو الذي يحكم. ولذلك قلنا من قبل: إن الصادق هو الذي لا تختلف روايته للأحداث؛ لأنه يستوحي واقعاً، وكلما روى الحادثة فإنه يرويها نفسها بكلماتها وتفاصيلها، أما الكاذب فلا يوجد له واقع يحكي عنه، لذلك يُنشئ في كل حديث واقعاً جديداً، ولذلك يقول الناس: "إن كنت كذوباً فكن ذكوراً". أي إن كنت تكذب - والعياذ بالله - فتذكر ما قلت؛ حتى لا تناقضه بعد ذلك. فالصادق هو من يستقرئ الواقع، وما دام يروي عن صدق فهو يروي عن أمر ثابت لا تلويه الأهواء، فلا يحكي مرة بهوى، ومرة بهوى آخر. وما دام الخبر صادقاً فإنه يصبح حقاً؛ لأن الحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير وسبحانه يقول هنا: {نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ * مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ} [آل عمران: 3-4]. وقد تكلمنا من قبل عن التوراة، وقلنا: إن بعضاً من العلماء حين يتعرض للفظ من الألفاظ فهو يحاول أن يجعله من اللغة العربية، ويحاول أن يعثر له على وزن من الأوزان العربية، وأن يأتي له بصفة من الصفات العربية، فقال بعضهم من التوراة: إنها من "الوَرْى" - بسكون الراء - وكان الناس قديماً يشعلون النار بضرب عود في عود آخر، ويقولون: "الزَّند قد ورى"، أي قد خرجت ناره. وقال بعض العلماء أيضاً: إن الإنجيل من "النجْل"، وهو الزيادة. وأقول لهؤلاء العلماء: لقد نظرتم إلى هذه الألفاظ على أنها ألفاظ عربية، لكن التوراة لفظ عبري، والإنجيل لفظ سرياني أو لفظ يوناني، وصارت تلك الكلمات علماً على تلك الكتب وجاءت إلى لغتنا. ولا تظنوا أن القرآن ما دام قد نزل عربياً فكل ألفاظه عربية، لا. صحيح أن القرآن عربي، وصحيح أيضاً أنه قد جاء وهذه الألفاظ دائرة على لسان العرب، وإذا تم النطق بها يُفهم معناها. والمثال على ذلك أننا في العصر الحديث أدخلنا في اللغة كلمة "بنك" وتكلمنا بها، فأصبحت عربية؛ لأنها تدور على اللسان العربي، فمعنى أن القرآن عربي أن الله حينما خاطب العرب خاطبهم بألفاظ يفهمونها، وهي دائرة في ألسنتهم، وإن لم تكن في أصلها عربية. وحينما تكلم الحق عن التوراة والإنجيل وقال: إن القرآن جاء مصدقاً لهما قال - جل شأنه -: {مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ} [آل عمران: 4]. فأي ناس هؤلاء الذين قال عنهم: {هُدًى لِّلنَّاسِ} [آل عمران: 4]؟ لا شك أنهم الناس الذين عاصروا الدعوة لتلك الكتب. وإذا كان القرآن قد جاء مصدقاً لما في التوراة والإنجيل ألا تكون هذه الكتب هداية لنا أيضاً؟ نعم هي هداية لنا، ولكن الهداية إنما تكون بتصديق القرآن لهما، حتى لا يكون كل ما جاء فيهما ومنسوباً إليهما حجة علينا. فالذي يصدقه القرآن هو الحجة علينا، فيكون {هُدًى لِّلنَّاسِ} [آل عمران: 4] معناها: الذين عاصروا هذه الديانات وهذه الكتب ، ونحن مؤمنون بما فيها بتصديق القرآن لها. وحين يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ} [آل عمران: 4] يدل على أن الكتاب - أي القرآن - سيعاصر مهمة صعبة؛ فكلمة "الفرقان" لا تأتي إلا في وجود معركة، ونريد أن نفرق بين أمرين: هدى وضلال، حق وباطل، شقاء وسعادة، استقامة وانحراف، إذن فكلمة "الفرقان" تدل على أن القرآن إنما جاء ليباشر مهمة صعبة وهو أنه يفرق بين الخير والشر، وما دام يفرق بين الخير والشر إذن ففيه خير وله معسكر، وفيه شر وله معسكر، إذن ففيه فريقان. ويأتي للفريق الذي يدافع عن الحق نضالاً وجهاداً بما يفرق له ويميز به بين الحق والباطل ويختم الحق هذه الآية بقوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ} [آل عمران: 4]. ولماذا جاء هذا التذييل على هذه الصورة في هذه الآية؟ أي ما دام القرآن فرقاناً فلابد أن يفرق بين حق وباطل، والحق له جنوده، وهم المؤمنون، والباطل له جنوده وهم الكافرون، والشر قد جاء من الكافرين فلابد أن يتكلم عن الذين كفروا {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} [آل عمران: 4]. والعذاب إيلام، ويختلف قُوّة وضعفاً باعتبار المؤلم المباشر للعذاب. فصفعة طفل غير صفعة شاب غير صفعة رجل قوي، كل واحد يوجه الصفعة بما يناسب قوّته، فإذا كان العذاب صادراً من قوة القوي وهو الله، إذن فلابد أنه عذاب لا يطاق. {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ} [آل عمران: 4] أي لا يُغلب على أمره، ولا توجد قوة أخرى ضده، وانتقامه لن يستطيع أحد أن يرده. وقوله الحق سبحانه وتعالى: إنه "قيّوم" أي يقوم بشئون خلقه إيجاداً وإمداداً، بناء مادة وإيجاد قيم، لابد أن يتفرع من ذلك أنه يعلم كل الخلق ويعلم الخبايا، ولذلك يضع التقنين المناسب لكل ما يجري لهم، والتقنينات التي تأتي من البشر تختلف عن التقنينات الموجودة من الله، لماذا؟ لأن الله حين يقنن بكتاب ينزله على رسوله ليبلغ حكم الله فيه فهو سبحانه يقنن لما يعلم، وما يعلمه سبحانه قد يعلمه خلقه وقد لا يعلمونه، وقد تأتي الأحداث بما لم يكن في بال المشرع البشري المقنن حين يقنن، ولذلك يضطرون عادة إلى تغيير القانون؛ لأنه قد جدّت أحداث لم يلتفت إليها المشرع البشري. ولماذا لم يلتفت إليها المشرع البشري؟ لأن علمه مقصور على المرئيات التي توجد في عصره وغير معاصر للأشياء التي تحدث بعد عصره، وأيضاً يقنن لملكات خفية عنه. إن الحق سبحانه وتعالى لكونه قيّوماً ويُنزل ما يفرق بين الحق والباطل، فهو - سبحانه - يعلم علماً واسعاً، بحيث لا يُستدرك عليه، ولذلك فالذين يحاولون أن يقولوا: إن هذا الحكم غير ملائم للعصر، نقول لهم: أتستدركون على الله؟! كأنكم تقولون: إن الله قد فاته مثل هذه الحكاية ونريد أن نصححها له!. لا، لا تستدركوا على الله، وخذوا حكم الله هكذا؛ لأن هذا هو الحكم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ لأنه حكم من عالم لا يتجدد علمه، ولا يطرأ شيء على علمه، وفوق كل ذلك فهو سبحانه لا ينتفع بما يقنن، وهو سبحانه يقول: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):