Verse. 298 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

اِنَّ اللہَ لَا يَخْفٰى عَلَيْہِ شَيْءٌ فِي الْاَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاۗءِ۝۵ۭ
Inna Allaha la yakhfa AAalayhi shayon fee alardi wala fee alssamai

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن الله لا يخفى عليه شيء» كائن «في الأرض ولا في السماء» لعلمه بما يقع في العالم من كلَّي وجزئي وخصمهما بالذكر لأن الحس لا يتجاوزهما.

5

Tafseer

الرازي

تفسير : إعلم أن هذا الكلام يحتمل وجهين: الاحتمال الأول: أنه تعالى لما ذكر أنه قيوم، والقيوم هو القائم بإصلاح مصالح الخلق ومهماتهم، وكونه كذلك لا يتم إلا بمجموع أمرين أحدهما: أن يكون عالماً بحاجاتهم على جميع وجوه الكمية والكيفية والثاني: أن يكون بحيث متى علم جهات حاجاتهم قدر على دفعها، والأول: لا يتم إلا إذا كان عالماً بجميع المعلومات، والثاني: لا يتم إلا إذا كان قادراً على جميع الممكنات، فقوله {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَىْء فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِى ٱلسَّمَاء } إشارة إلى كمال علمه المتعلق بجميع المعلومات، فحينئذ يكون عالماً لا محالة مقادير الحاجات ومراتب الضرورات، لا يشغله سؤال عن سؤال، ولا يشتبه الأمر عليه بسبب كثرة أسئلة السائلين ثم قوله {هُوَ ٱلَّذِي يُصَوّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء } إشارة إلى كونه تعالى قادراً على جميع الممكنات، وحينئذ يكون قادراً على تحصيل مصالح جميع الخلق ومنافعهم، وعند حصول هذين الأمرين يظهر كونه قائماً بالقسط قيوماً بجميع الممكنات والكائنات، ثم فيه لطيفة أخرى، وهي أن قوله {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَىْء فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِى ٱلسَّمَاء } كما ذكرناه إشارة إلى كمال علمه سبحانه، والطريق إلى إثبات كونه تعالى عالماً لا يجوز أن يكون هو السمع، لأن معرفة صحة السمع موقوفة على العلم بكونه تعالى عالماً بجميع المعلومات، بل الطريق إليه ليس إلا الدليل العقلي، وذلك هو أن نقول: إن أفعال الله تعالى محكمة متقنة، والفعل المحكم المتقن يدل على كون فاعله عالماً، فلما كان دليل كونه تعالى عالماً هو ما ذكرنا، فحين ادعى كونه عالماً بكل المعلومات بقوله {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَىْء فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِى ٱلسَّمَاء } أتبعه بالدليل العقلي الدال على ذلك، وهو أنه هو الذي صور في ظلمات الأرحام هذه البنية العجيبة، والتركيب الغريب، وركبه من أعضاء مختلفة في الشكل والطبع والصفة، فبعضها عظام، وبعضها غضاريف، وبعضها شرايين، وبعضها أوردة، وبعضها عضلات، ثم إنه ضم بعضها إلى بعض على التركيب الأحسن، والتأليف الأكمل، وذلك يدل على كمال قدرته حيث قدر أن يخلق من قطرة من النطفة هذه الأعضاء المختلفة في الطبائع والشكل واللون، ويدل على كونه عالماً من حيث إن الفعل المحكم لا يصدر إلا عن العالم، فكان قوله {هُوَ ٱلَّذِي يُصَوّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء } دالاً على كونه قادراً على كل الممكنات، ودالاً على صحة ما تقدم من قوله {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَىْء فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِى ٱلسَّمَاء } وإذا ثبت أنه تعالى عالم بجميع المعلومات، وقادر على كل الممكنات، ثبت أنه قيوم المحدثات والممكنات، فظهر أن هذا كالتقرير لما ذكره تعالى أولاً من أنه هو الحي القيوم، ومن تأمل في هذه اللطائف علم أنه لا يعقل كلام أكثر فائدة، ولا أحسن ترتيباً، ولا أكثر تأثيراً في القلوب من هذه الكلمات. والاحتمال الثاني: أن تنزل هذه الآيات على سبب نزولها، وذلك لأن النصارى ادعوا إلٰهية عيسى عليه السلام، وعولوا في ذلك على نوعين من الشبه، أحد النوعين شبه مستخرجة من مقدمات مشاهدة، والنوع الثاني: شبه مستخرجة من مقدمات إلزامية. أما النوع الأول من الشبه: فاعتمادهم في ذلك على أمرين أحدهما: يتعلق بالعلم والثاني: يتعلق بالقدرة. أما ما يتعلق بالعلم فهو أن عيسى عليه السلام كان يخبر عن الغيوب، وكان يقول لهذا: أنت أكلت في دارك كذا، ويقول لذاك: إنك صنعت في دارك كذا، فهذا النوع من شبه النصارى يتعلق بالعلم. وأما الأمر الثاني من شبههم، فهو متعلق بالقدرة، وهو أن عيسى عليه السلام كان يحيي الموتى، ويبرىء الأكمه والأبرص، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله، وهذا النوع من شبه النصارى يتعلق بالقدرة، وليس للنصارى شبه في المسألة سوى هذين النوعين، ثم إنه تعالى لما استدل على بطلان قولهم في إلٰهية عيسى وفي التثليث بقوله {أية : ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ } تفسير : [آل عمران: 2] يعني الإلٰه يجب أن يكون حياً قيوماً، وعيسى ما كان حياً قيوماً، لزم القطع إنه ما كان إلٰهاً، فأتبعه بهذه الآية ليقرر فيها ما يكون جواباً عن هاتين الشبهتين: أما الشبهة الأولى: وهي المتعلقة بالعلم، وهي قولهم: إنه أخبر عن الغيوب فوجب أن يكون إلٰهاً، فأجاب الله تعالى عنه بقوله {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَىْء فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِى ٱلسَّمَاء } وتقرير الجواب أنه لا يلزم من كونه عالماً ببعض المغيبات أن يكون إلٰهاً لاحتمال أنه إنما علم ذلك بوحي من الله إليه، وتعليم الله تعالى له ذلك، لكن عدم إحاطته ببعض المغيبات يدل دلالة قاطعة على أنه ليس بإلٰه لأن الإلٰه هو الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء فإن الإلٰه هو الذي يكون خالقاً، والخالق لا بد وأن يكون عالماً بمخلوقه، ومن المعلوم بالضرورة أن عيسى عليه السلام ما كان عالماً بجميع المعلومات والمغيبات، فكيف والنصارى يقولون: إنه أظهر الجزع من الموت فلو كان عالماً بالغيب كله، لعلم أن القوم يريدون أخذه وقتله، وأنه يتأذى بذلك ويتألم، فكان يفر منهم قبل وصولهم إليه، فلما لم يعلم هذا الغيب ظهر أنه ما كان عالماً بجميع المعلومات والمغيبات والإلٰه هو الذي لا يخفى عليه شيء من المعلومات، فوجب القطع بأن عيسى عليه السلام ما كان إلٰهاً فثبت أن الاستدلال بمعرفة بعض الغيب لا يدل على حصول الإلٰهية، وأما الجهل ببعض الغيب يدل قطعاً على عدم الإلٰهية، فهذا هو الجواب عن النوع الأول من الشبه المتعلقة بالعلم. أما النوع الثاني: من الشبه، وهو الشبهة المتعلقة بالقدرة فأجاب الله تعالى عنها بقوله {هُوَ ٱلَّذِي يُصَوّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء } والمعنى أن حصول الإحياء والإماتة على وفق قوله في بعض الصور لا يدل على كونه إلٰهاً، لاحتمال أن الله تعالى أكرمه بذلك الإحياء إظهاراً لمعجزته وإكراماً له. أما العجز عن الإحياء والإماتة في بعض الصور يدل على عدم الإلٰهية، وذلك لأن الإلٰه هو الذي يكون قادراً على أن يصور في الأرحام من قطرة صغيرة من النطفة هذا التركيب العجيب، والتأليف الغريب ومعلوم أن عيسى عليه السلام ما كان قادراً على الإحياء والإماتة على هذا الوجه وكيف، ولو قدر على ذلك لأمات أولئك الذين أخذوه على زعم النصارى وقتلوه، فثبت أن حصول الإحياء والإماتة على وفق قوله في بعض الصور لا يدل على كونه إلٰهاً، أما عدم حصولهما على وفق مراده في سائر الصور يدل على أنه ما كان إلٰهاً، فظهر بما ذكر أن هذه الشبهة الثانية أيضاً ساقطة. وأما النوع الثاني من الشبه: فهي الشبه المبنية على مقدمات إلزامية، وحاصلها يرجع إلى نوعين. النوع الأول: أن النصارى يقولون: أيها المسلمون أنتم توافقوننا على أنه ما كان له أب من البشر، فوجب أن يكون ابناً له فأجاب الله تعالى عنه أيضاً بقوله {هُوَ ٱلَّذِي يُصَوّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء } لأن هذا التصوير لما كان منه فإن شاء صوره من نطفة الأب وإن شاء صوره ابتداء من غير الأب. والنوع الثاني: أن النصارى قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم ألست تقول: إن عيسى روح الله وكلمته، فهذا يدل على أنه ابن الله، فأجاب الله تعالى عنه بأن هذا إلزام لفظي، واللفظ محتمل للحقيقة والمجاز، فإذا ورد اللفظ بحيث يكون ظاهره مخالفاً للدليل العقلي كان من باب المتشابهات، فوجب رده إلى التأويل، وذلك هو المراد بقوله {أية : هُوَ ٱلَّذِى أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ مِنْهُ ءَايَـٰتٌ مُّحْكَمَـٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰتٌ } تفسير : [آل عمران: 7] فظهر بما ذكرنا أن قوله {ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ } إشارة إلى ما يدل على أن المسيح ليس بإلٰه ولا ابن له، وأما قوله {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَىْء فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِى ٱلسَّمَاء } فهو جواب عن الشبهة المتعلقة بالعلم، وقوله {هُوَ ٱلَّذِي يُصَوّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء } جواب عن تمسكهم بقدرته على الإحياء والإماتة، وعن تمسكهم بأنه ما كان له أب من البشر، فوجب أن يكون ابناً لله، وأما قوله {أية : هُوَ ٱلَّذِى أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ } تفسير : [آل عمران: 7] فهو جواب عن تمسكهم بما ورد في القرآن أن عيسى روح الله وكلمته، ومن أحاط علماً بما ذكرناه ولخصناه علم أن هذا الكلام على اختصاره أكثر تحصيلاً من كل ما ذكره المتكلمون في هذا الباب، وأنه ليس في المسألة حجة ولا شبهة ولا سؤال ولا جواب إلا وقد اشتملت هذه الآية عليه، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وأما كلام من قبلنا من المفسرين في تفسير هذه الآيات فلم نذكره لأنه لا حاجة إليه فمن أراد ذلك طالع الكتب، ثم أنه تعالى لما أجاب عن شبههم أعاد كلمة التوحيد زجراً للنصارى عن قولهم بالتثليث، فقال: {لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } فالعزيز إشارة إلى كمال القدرة والحكيم إشارة إلى كمال العلم، وهو تقرير لما تقدم من أن علم المسيح ببعض الغيوب، وقدرته على الإحياء والإماتة في بعض الصور لا يكفي في كونه إلٰهاً فإن الإلٰه لا بد وأن يكون كامل القدرة وهو العزيز، وكامل العلم وهو الحكيم، وبقي في الآية أبحاث لطيفة، أما قوله {لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَىْء فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِى ٱلسَّمَاء } فالمراد أنه لا يخفى عليه شيء. فإن قيل: ما الفائدة في قوله {فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِى ٱلسَّمَاء } مع أنه لو أطلق كان أبلغ. قلنا: الغرض بذلك إفهام العباد كمال علمه، وفهمهم هذا المعنى عند ذكر السمٰوات والأرض أقوى، وذلك لأن الحس يرى عظمة السمٰوات والأرض، فيعين العقل على معرفة عظمة علم الله عزّ وجلّ والحس متى أعان العقل على المطلوب كان الفهم أتم والإدراك أكمل، ولذلك فإن المعاني الدقيقة إذا أُريد إيضاحها ذكر لها مثال، فإن المثال يعين على الفهم. أما قوله {هُوَ ٱلَّذِي يُصَوّرُكُمْ } قال الواحدي: التصوير جعل الشيء على صورة، والصورة هيئة حاصلة للشيء عند إيقاع التأليف بين أجزائه وأصله من صاره يصوره إذا أماله، فهي صورة لأنها مائلة إلى شكل أبويه وتمام الكلام فيه ذكرناه في قوله تعالى: {أية : فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ } تفسير : [البقرة: 260] وأما الأرحام فهي جمع رحم وأصلها من الرحمة، وذلك لأن الاشتراك في الرحم يوجب الرحمة والعطف، فلهذا سمي ذلك العضو رحماً، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : هذا خبر عن علمه تعالى بالأشياء على التفصيل؛ ومثله في القرآن كثير. فهو العالم بما كان وما يكون وما لا يكون؛ فكيف يكون عيسى إلهاً أو ٱبن إله وهو تَخْفى عليه الأشياء!

البيضاوي

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْء فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَاء} أي شيء كائن في العالم كلياً كان أو جزئياً، إيماناً أو كفراً. فعبَّر عنه بالسماء والأرض إِذ الحس لا يتجاوزهما، وإنما قدم الأرض ترقياً من الأدنى إلى الأعلى، ولأن المقصود بالذكر ما اقترف فيها. وهو كالدليل على كونه حياً وقوله: {هُوَ ٱلَّذِي يُصَوّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء} أي من الصور المختلفة، كالدليل على القيومية، والاستدلال على أنه عالم بإتقان فعله في خلق الجنين وتصويره. وقرىء «تصوركم» أي صوركم لنفسه وعبادته. {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} إذ لا يعلم غيره جملة ما يعلمه ولا يقدر على مثل ما يفعله. {ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ } إشارة إلى كمال قدرته وتناهي حكمته. قيل: هذا حجاج على من زعم أن عيسى كان رباً، فإِن وفد نجران لما حاجوا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت السورة، من أولها إلى نيف وثمانين آية تقريراً لما احتج به عليهم وأجاب عن شبههم. {هُوَ ٱلَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ مِنْهُ آيَـٰتٌ مُّحْكَمَـٰتٌ} أحكمت عبارتها بأن حفظت من الإِجمال والاحتمال. {هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ} أصله يرد إليها غيرها والقياس أمهات فأفرد على تأويل كل واحدة، أو على أن الكل بمنزلة آية واحدة. {وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰتٌ} محتملات لا يتضح مقصودها ـ لإِجمال أو مخالفة ظاهر ـ إلا بالفحص والنظر ليظهر فيها فضل العلماء، ويزداد حرصهم على أن يجتهدوا في تدبرها وتحصيل العلوم المتوقف عليها استنباط المراد بها، فينالوا بها ـ وبإتعاب القرائح في استخراج معانيها، والتوفيق بينها وبين المحكمات ـ معالي الدرجات. وأما قوله تعالى: {أية : الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ ءايَـٰتُهُ }تفسير : [هود: 1] فمعناه أنها حفظت من فساد المعنى وركاكة اللفظ، وقوله: {أية : كِتَـٰباً مُّتَشَـٰبِهاً }تفسير : [الزمر: 23] فمعناه أنه يشبه بعضه بعضاً في صحة المعنى وجزالة اللفظ، و {أُخَرُ} جمع أخرى وإنما لم ينصرف لأنه وصف معدول عن الآخر ولا يلزم منه معرفته، لأن معناه أن القياس أن يعرف ولم يعرف لا أنه في معنى المعرف أو عن {أخر} من {فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ } عدول عن الحق كالمبتدعة. {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنْهُ } فيتعلقون بظاهره أو بتأويل باطل {ٱبْتِغَاء ٱلْفِتْنَةِ } طلب أن يفتنوا الناس عن دينهم بالتشكيك والتلبيس ومناقضة المحكم بالمتشابه. {وَٱبْتِغَاء تَأْوِيلِهِ } وطلب أن يؤولوه على ما يشتهونه، ويحتمل أن يكون الداعي إلى الاتباع مجموع الطلبتين، أو كل واحدة منهما على التعاقب. والأول يناسب المعاند والثاني يلائم الجاهل. {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ } الذي يجب أن يحمل عليه. {إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱلرسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ } أي الذين ثبتوا وتمكنوا فيه، ومن وقف على {إِلاَّ ٱللَّهُ } فسر المتشابه بما استأثر الله بعلمه: كمدة بقاء الدنيا، ووقت قيام الساعة، وخواص الأعداد كعدد الزبانية، أو بمبادل القاطع على أن ظاهره غير مراد ولم يدل على ما هو المراد. {يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ} استئناف موضح لحال {الراسخين}، أو حال منهم أو خبر أن جعلته مبتدأ. {بِهِ كُلٌّ مّنْ عِندِ رَبّنَا} أي كل من المتشابه والمحكم من عنده، {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَـٰبِ} مدح للراسخين بجودة الذهن وحسن النظر، وإشارة إلى ما استعدوا به للاهتداء إلى تأويله، وهو تجرد العقل عن غواشي الحس، واتصال الآية بما قبلها من حيث إنها في تصوير الروح بالعلم وتربيته، وما قبلها في تصوير الجسد وتسويته، أو أنها جواب عن تشبث النصارى بنحو قوله تعالى: {أية : وَكَلِمَتُهُ أَلْقَـٰهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مّنْهُ }تفسير : [النساء: 171] كما أنه جواب عن قوله لا أب له غير الله، فتعين أن يكون هو أباه بأنه تعالى مصور الأجنة كيف يشاء فيصور من نطفة أب ومن غيرها، وبأنه صوره في الرحم والمصور لا يكون أب المصور.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى أنه يعلم غيب السموات والأرض، لا يخفى عليه شيء من ذلك، {هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ} أي: يخلقكم في الأرحام كما يشاء من ذكر وأنثى، وحسن وقبيح، وشقي وسعيد، {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} أي: هو الذي خلق، وهو المستحق للإلهية وحده لا شريك له، وله العزة التي لا ترام، والحكمة والأحكام. وهذه الآية فيها تعريض، بل تصريح بأن عيسى بن مريم عبد مخلوق، كما خلق الله سائر البشر، لأن الله صوره في الرحم، وخلقه كما يشاء، فكيف يكون إلهاً كما زعمته النصارى، عليهم لعائن الله، وقد تقلب في الأحشاء، وتنقل من حال إلى حال؟ كما قال تعالى: {يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُـمْ خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ فِى ظُلُمَـٰتٍ ثَلاَثٍ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَىْءٌ } كائن {فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِى ٱلسَّمَاءِ } لعلمه بما يقع في العالم من كُلِّي وجزئيّ وخصهما بالذكر لأنّ الحس لا يتجاوزهما.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ} يعني القرآن. {مِنْهُ ءَايَاتٌ مُّحْكَمَاتُ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} اختلف المفسرون في تأويله على سبعة أقاويل: أحدها: أن المحكم الناسخ، والمتشابه المنسوخ، قاله ابن عباس، وابن مسعود. والثاني: أن المحكم ما أحكم الله بيان حلاله وحرامه فلم تشتبه معانيه، قاله مجاهد. والثالث: أن المحكم ما لم يحتمل من التأويل إلا وجهاً واحداً، والمتشابه ما احتمل أوجهاً، قاله الشافعي ومحمد بن جعفر بن الزبير. والرابع: أن المحكم الذي لم تتكرر ألفاظه، والمتشابه الذي تكررت ألفاظه، قاله ابن زيد. والخامس: أن المحكم الفرائض والوعد والوعيد، والمتشابه القصص والأمثال. والسادس: أن المحكم ما عرف العلماء تأويله وفهموا معناه وتفسيره، والمتشابه ما لم يكن إلى علمه سبيل مما استأثر الله بعلمه، كقيام الساعة، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج عيسى ونحوه، وهذا قول جابر بن عبد الله. والسابع: أن المحكم ما قام بنفسه ولم يحتج إلى استدلال. ويحتمل ثامناً: أن المحكم ما كانت معاني أحكامه معقولة، والمتشابه ما كانت معاني أحكامه غير معقولة، كأعداد الصلوات، واختصاص الصيام بشهر رمضان دون شعبان. وإنما جعله محكماً ومتشابهاً استدعاء للنظر من غير اتكال على الخبر، وقد روى معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : القرآن على ثلاثة أجزاء: حلال فاتبعه، وحرام فاجتنبه، ومتشابه يشكل عليك فَكِلْه إلى عالمه ". تفسير : وأما قوله تعالى: {هُنَّ أُمُّ الْكِتَاِب}. ففيه وجهان: أحدهما: أصل الكتاب. والثاني: معلوم الكتاب. وفيه تأويلان: أحدهما: أنه أراد الآي التي فيها الفرائض والحدود، قاله يحيى بن يعمر. والثاني: أنه أراد فواتح السُّوَر التي يستخرج منها القرآن، وهو قول أبي فاختة. ويحتمل ثالثاً: أن يريد به أنه معقول المعاني لأنه يتفرع عنه ما شاركه في معناه، فيصير الأصل لفروعه كالأم لحدوثها عنه، فلذلك سماه أم الكتاب. {فَأََمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} فيه تأويلان: أحدهما: ميل عن الحق. والثاني: شك، قاله مجاهد. {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنه الأجل الذي أرادت اليهود أن تعرفه من الحروف المقطعة من حساب الجُمّل في انقضاء مدة النبي صلى الله عليه وسلم. والثاني: أنه معرفة عواقب القرآن في العلم بورود النسخ قبل وقته. والثالث: أن ذلك نزل في وفد نجران لمَّا حاجّوا النبي صلى الله عليه وسلم في المسيح، فقالوا: أليس كلمة الله وروحه؟ قال: "حديث : بلى"، تفسير : فقالوا: حسبنا، فأنزل الله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وابْتَغَآءَ تَأْوِيلِهِ} وهو قول الربيع. وفي قوله تعالى: {ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} أربعة تأويلات: أحدها: الشرك، قاله السدي. والثاني: اللّبْس، قاله مجاهد. الثالث: الشبهات التي حاجّ بها وفد نجران. والرابع: إفساد ذات البَيْن. {وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} في التأويل وجهان: أحدهما: أنه التفسير. والثاني: أنه العاقبة المنتظرة. {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: تأويل جميع المتشابه، لأن فيه ما يعلمه الناس، وفيه ما لا يعلمه إلا الله، قاله الحسن. والثاني: أن تأويله يوم القيامة لما فيه من الوعد والوعيد، كما قال الله تعالى: {أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَومَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ} تفسير : [الأعراف: 53] يعني يوم القيامة، قاله ابن عباس. والثالث: تأويله وقت حلوله، قاله بعض المتأخرين. {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} فيه وجهان: أحدهما: يعني الثابتين فيه، العاملين به. والثاني: يعني المستنبطين للعلم والعاملين، وفيهم وجهان: أحدهما: أنهم داخلون في الاستثناء، وتقديره: أن الذي يعلم تأويله الله والراسخون في العلم جميعاً. روى ابن أبي نجيح عن ابن عباس أنه قال: أنا ممن يعلم تأويله. الثاني: أنهم خارجون من الاستثناء، ويكون معنى الكلام: ما يعلم تأويله إلا الله وحده، ثم استأنف فقال: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ}. {يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِندِ رَبِّنَا} يحتمل وجهين: أحدهما: علم ذلك عند ربنا. والثاني: ما فصله من المحكم والمتشابه، فنزل من عند ربنا.

ابن عطية

تفسير : {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَآءِ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ هُوَ الَّذِى أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} هذه الآية خبر عن علم الله تعالى بالأشياء على التفصيل، وهذه صفة لم تكن لعيسى ولا لأحد من المخلوقين، ثم أخبر عن تصويره للبشر في أرحام الأمهات، وهذا أمر لا ينكره عاقل، ولا ينكر أن عيسى وسائر البشر لا يقدرون عليه، ولا ينكر أن عيسى عليه السلام من المصورين في الأرحام، فهذه الآية تعظيم لله تعالى في ضمنها الرد على نصارى نجران، وفي قوله: {إن الله لا يخفى عليه شيء} وعيد ما لهم، فسر بنحو هذا محمد بن جعفر بن الزبير والربيع، وفي قوله: {هو الذي يصوركم} رد على أهل الطبيعة، إذ يجعلونها فاعلة مستبدة، وشرح النبي صلى الله عليه وسلم كيفية التصوير في الحديث الذي رواه ابن مسعود وغيره أن النطفة إذا وقعت في الحرم مكثت نطفة أربعين يوماً ثم تكون علقة أربعين يوماً ثم مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله إليها ملكاً فيقول: يا رب، أذكر أم أنثى؟ أشقي أم سعيد؟ الحديث بطوله على اختلاف ألفاظه، وفي مسند ابن سنجر حديث: إن الله يخلق عظام الجنين وغضاريفه من مني الرجل ولحمه وشحمه وسائر ذلك من مني المرأة، وصور بناء مبالغة من: صار يصور إذا أمال وثنى إلى حال ما، فلما كان التصوير إمالة إلى حال وإثباتاً فيها، جاء بناؤه على المبالغة، والرحم موضع نشأة الجنين، و {كيف يشاء} يعني من طول وقصر ولون وسلامة وعاهة وغير ذلك من الاختلافات. و {العزيز} الغالب و {الحكيم} ذو الحكمة أو المحكم في مخلوقاته وهذا أخص بما ذكر من التصوير. و {الكتاب} في هذه الآية القرآن بإجماع من المتأولين، والمحكمات، المفصلات المبينات الثابتات الأحكام، والمتشابهات هي التي فيها نظر وتحتاج إلى تأويل ويظهر فيها ببادىء النظر إما تعارض مع أخرى أو مع العقل، إلى غير من أنواع التشابه، فهذا الشبه الذي من أجله توصف بــ {متشابهات}، إنما هو بينها وبين المعاني الفاسدة التي يظنها أهل الزيغ ومن لم يمعن النظر، وهذا نحو الحديث الصحيح، عن النبي عليه السلام، الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور متشابهات أي يكون الشيء حراماً في نفسه فيشبه عند من لم يمعن النظر شيئاً حلالاً وكذلك الآية يكون لها في نفسها معنى صحيح فتشبه عند من لم يمعن النظر أو عند الزائغ معنى آخر فاسداً فربما أراد الاعتراض به على كتاب الله، هذا عندي معنى الإحكام والتشابه في هذه الآية، ألا ترى أن نصارى نجران قالوا للنبي عليه السلام، أليس في كتابك أن عيسى كلمة وروح منه؟ قال نعم، قالوا: فحسبنا إذاً. قال الفقيه الإمام أبو محمد: فهذا التشابه، واختلفت عبارة المفسرين في تعيين المحكم والمتشابه المراد بهذه الآية، فقال ابن عباس المحكمات هي قوله تعالى: {أية : قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم} تفسير : [الأنعام: 151] إلى ثلاثة آيات، وقوله في بني إسرائيل {أية : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} تفسير : [الإسراء: 23] وهذا عندي مثال أعطاه في المحكمات، وقال ابن عباس أيضاً: المحكمات ناسخة وحلاله وحرامه وما يؤمن به ويعمل، والمتشابه منسوخة ومقدمه ومؤخره وأمثاله وأقسامه وما يؤمن به ولا يعمل به، وقال ابن مسعود وغيره: المحكمات الناسخات، والمتشابهات المنسوخات. قال الفقيه الإمام: وهذا عندي على جهة التمثيل أي يوجد الإحكام في هذا والتشابه في هذا، لا أنه وقف على هذا النوع من الآيات، وقال بهذا القول قتادة والربيع والضحاك، وقال مجاهد وعكرمة: المحكمات ما فيه الحلال والحرام، وما سوى ذلك فهو متشابه يصدق بعضه بعضاً، وذلك مثل قوله: {أية : وما يضل به إلا الفاسقين} تفسير : [البقرة: 26] وقوله: {أية : كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون} تفسير : [الأنعام: 125]. قال الفقيه أبو محمد: وهذه الأقوال وما ضارعها يضعفها أن أهل الزيغ لا تعلق لهم بنوع مما ذكر دون سواه، وقال محمد بن جعفر بن الزبير: المحكمات هي التي فيهن حجة الرب وعصمة العباد ودفع الخصوم والباطل ليس لها تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه، والمشتابهات لهن تصريف وتحريف وتأويل ابتلى الله فيهن العباد. قال الفقيه الإمام أبو محمد: وهذا أحسن الأقوال في هذه الآية، وقال ابن زيد: المحكم ما أحكم فيه قصص الأنبياء والأمم وبين لمحمد وأمته، والمتشابه هو ما اشتبهت الألفاظ به من قصصهم عند التكرير في السور بعضها باتفاق الألفاظ واختلاف المعاني، وبعضه بعكس ذلك نحو قوله: {أية : حية تسعى} تفسير : [طه: 20] و {أية : ثعبان مبين} تفسير : [الأعراف: 107] ونحو: اسلك يدك، وأدخل يدك، وقالت جماعة من العلماء منهم جابر بن عبد الله بن رئاب وهو مقتضى قول الشعبي وسفيان الثوري، وغيرهما: المحكمات من آي القرآن ما عرف العلماء تأويله وفهمو معناه وتفسيره والمتشابه ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل مما استأثر الله بعلمه دون خلقه قال بعضهم: وذلك مثل وقت قيام الساعة وخروج يأجوج ومأجوج والدجال ونزول عيسى ونحو الحروف المقطعة في أوائل السور. قال القاضي رحمه الله: أما الغيوب التي تأتي فهي من المحكمات، لأن ما يعلم البشر منها محدود وما لا يعلمونه وهو تحديد الوقت محدود أيضاً، وأما أوائل السور فمن المتشابه لأنها معرضة للتأويلات ولذلك اتبعته اليهود وأرادوا أن يفهموا منه مدة أمة محمد عليه السلام، وفي بعض هذه العبارات التي ذكرنا للعلماء اعتراضات، وذلك أن التشابه الذي في هذه الآية مقيد بأنه مما لأهل الزيغ به تعلق، وفي بعض عبارات المفسرين تشابه لا يقتضي لأهل الزيغ تعلقاً. وقوله تعالى: {أم الكتاب} فمعناه الإعلام بأنها معظم الكتاب وعمدة ما فيه إذ المحكم في آيات الله كثير قد فصل ولم يفرط في شيء منه، قال يحيى بن يعمر: هذا كما يقال لمكة -أم القرى- ولمرو أم خراسان، وكما يقال أم الرأس لمجتمع الشؤون إذ هو أخطر مكان، قال المهدوي والنقاش: كل آية محكمة في كتاب الله يقال لها {أم الكتاب}، وهذا مردود بل جميع المحكم هو {أم الكتاب}، وقال النقاش: وذلك كما تقول: كلكم عليَّ أسد ضار. قال الفقيه أبو محمد: وهذا المثال غير محكم، وقال ابن زيد: {أم الكتاب} معناه جماع الكتاب، وحكى الطبري عن أبي فاختة أنه قال: {هن أم الكتاب} يراد به فواتح السور إذ منها يستخرج القرآن {الم ذلك الكتاب} منه استخرجت سورة البقرة {الم الله لا إله إلا هو} منه استخرجت سورة آل عمران، وهذا قول متداع للسقوط مضطرب لم ينظر قائله أول الآية وآخرها ومقصدها وإنما معنى الآية الإنحاء على أهل الزيغ والإشارة بذلك أولاً إلى نصارى نجران وإلى اليهود الذين كانوا معاصرين لمحمد عليه السلام فإنهم كانوا يعترضون معاني القرآن، ثم تعم بعد ذلك كل زائغ، فذكر الله تعالى أنه نزل الكتاب على محمد إفضالاً منه ونعمة، وأن محكمه وبينه الذي لا اعتراض فيه هو معظمه والغالب عليه، وأن متشابهه الذي يحتمل التأويل ويحتاج إلى التفهم هو أقله. ثم إن أهل الزيغ يتركون المحكم الذي فيه غنيتهم ويتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وأن يفسدوا ذات البين ويردوا الناس إلى زيغهم، فهكذا تتوجه المذمة عليهم، و {أخر} جمع أخرى لا ينصرف لأنه صفة، وعدل عن الألف واللام في أنه يثنى ويجمع، وصفات التفضيل كلها إذا عريت عن الألف واللام لم تثن ولم تجمع كأفضل وما جرى مجراه، ولا يفاضل بهذه الصفات بين شيئين إلا وهي منكرة، ومتى دخلت عليه الألف واللام زال معنى التفضيل بين أمرين، وليس عدل {أخر} عن الألف واللام مؤثراً في التعريف كما هو عدل - سحر- بل أخر نكرة، وأما سحر فعدل بأنه زالت الألف واللام وبقي معرفة في قوله، جئت يوم الجمعة سحر، وخلط المهدوي في هذه المسألة وأفسد كلام سيبويه فتأمله. قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ} قوله تعالى: {الذين في قلوبهم زيغ} يعم كل طائفة من كافر وزنديق وجاهل صاحب بدعة، والزيغ الميل، ومنه زاغت الشمس، وزاغت الأبصار، والإشارة بالآية في ذلك الوقت كانت إلى نصارى نجران لتعرضهم للقرآن في أمر عيسى عليه السلام، قاله الربيع، وإلى اليهود، ثم تنسحب على كل ذي بدعة أو كفر، وبالميل عن الهدى فسر الزيغ محمد بن جعفر بن الزبير وابن مسعود وجماعة من الصحابة ومجاهد وغيرهم، و {ما تشابه منه} هو الموصوف آنفاً - بمتشابهات - وقال قتادة في تفسير قوله تعالى : {وأما الذين في قلوبهم زيغ}: إن لم يكونوا الحرورية وأنواع الخوارج، فلا أدري من هم؟ وقالت عائشة: إذا رأيتم الذين يجادلون في القرآن فهم الذي عنى الله فاحذروهم، وقال الطبري: الأشبه أن تكون الآية في الذين جادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مدته ومدة أمته بسبب حروف أوائل السور، وهؤلاء هم اليهود، و {ابتغاء} نصب على المفعول من أجله، ومعناه طلب الفتنة، وقال الربيع، {الفتنة} هنا الشرك، وقال مجاهد: {الفتنة} الشبهات واللبس على المؤمنين، ثم قال: {وابتغاء تأويله} والتأويل هو مرد الكلام ومرجعه والشيء الذي يقف عليه من المعاني، وهو من آل يؤول، إذا رجع، فالمعنى وطلب تأويله على منازعهم الفاسدة. هذا فيما له تأويل حسن وإن كان مما لا يتأول بل يوقف فيه كالكلام في معنى الروح ونحوه، فنفس طلب تأويله هو اتباع ما تشابه. وقال ابن عباس: ابتغوا معرفة مدة محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، ثم قال: {وما يعلم تأويله إلا الله} فهذا على الكمال والتوفية فيما لا يتأول ولا سبيل لأحد إليه كأمر الروح وتعرف وقت قيام الساعة وسائر الأحداث التي أنذر بها الشرع، وفيما يمكن أن يتأوله العلماء ويصح التطرق إليه، فمعنى الآية: وما يعلم تأويله على الكمال إلا الله. واختلف العلماء في قوله تعالى: {والراسخون في العلم} فرأت فرقة، أن رفع {والراسخون} هو بالعطف على اسم الله عز وجل وأنهم داخلون في علم المتشابه في كتاب الله وأنهم مع علمهم به، {يقولون آمنا به} الآية. قال بهذا القول ابن عباس، وقال: أنا ممن يعلم تأويله، وقال مجاهد: والراسخون في العلم يعلمون تأويله ويقولون آمنا به، وقاله الربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير وغيرهم، و {يقولون} على هذا التأويل نصب على الحال، وقالت طائفة أخرى: {والراسخون} رفع بالابتداء وهو مقطوع من الكلام الأول وخبره {يقولون}، والمنفرد بعلم المتشابه هو الله وحده بحسب اللفظ في الآية وفعل الراسخين قولهم {آمنا به} قالته عائشة وابن عباس أيضاً، وقال عروة بن الزبير: إن الراسخين لا يعلمون تأويله ولكنهم يقولون، {آمنا به}، وقال أبو نهيك الأسدي: إنكم تصلون هذه الآية وإنها مقطوعة وما انتهى علم الراسخين إلا إلى قولهم {آمنا به كل من عند ربنا} وقال مثل هذا عمر بن عبد العزيز، وحكى نحوه الطبري عن يونس عن أشهب عن مالك بن أنس. قال القاضي رحمه الله: وهذه المسألة إذا تؤملت قرب الخلاف فيها من الاتفاق، وذلك أن الله تعالى قسم آي الكتاب قسمين: - محكماً ومتشابهاً - فالمحكم هو المتضح المعنى لكل من يفهم كلام العرب لا يحتاج فيه إلى نظر ولا يتعلق به شيء يلبس ويستوي في علمه الراسخ وغيره والمتشابه يتنوع، فمنه ما لا يعلم البتة، كأمر الروح، وآماد المغيبات التي قد أعلم الله بوقوعها إلى سائر ذلك، ومنه ما يحمل وجوه في اللغة ومناح في كلام العرب، فيتأول تأويله المستقيم، ويزال ما فيه مما عسى أن يتعلق به من تأويل غير مستقيم كقوله في عيسى {أية : وروح منه} تفسير : [النساء: 171] إلى غير ذلك، ولا يسمى أحد راسخاً إلا بأن يعلم من هذا النوع كثيراً بحسب ما قدر له، وإلا فمن لا يعلم سوى المحكم فليس يسمى راسخاً، وقوله تعالى: {وما يعلم تأويله} الضمير عائد على جميع متشابه القرآن، وهو نوعان كما ذكرنا، فقوله {الا الله} مقتض ببديهة العقل أنه يعلمه على الكمال والاستيفاء، يعلم نوعيه جميعاً، فإن جعلنا قوله: {والراسخون} عطفاً على اسم الله تعالى، فالمعنى إدخالهم في علم التأويل لا على الكمال، بل علمهم إنما هو في النوع الثاني من المتشابه، وبديهة العقل تقضي بهذا، والكلام مستقيم على فصاحة العرب كما تقول: ما قام لنصرتي إلا فلان وفلان، وأحدهما قد نصرك بأن حارب معك، والآخر إنما أعانك بكلام فقط، إلى كثير من المثل، فالمعنى {وما يعلم} تأويل المتشابه إلا الله {والراسخون} كل بقدره، وما يصلح له، {والراسخون} بحال قول في جميعه {آمنا به}، وإذا تحصل لهم في الذي لا يعلم ولا يتصور عليه تمييزه من غيره فذلك قدر من العلم بتأويله، وإن جعلنا قوله: {والراسخون}، رفعاً بالابتداء مقطوعاً مما قبله، فتسميتهم راسخين يقتضي بأنهم يعلمون أكثر من المحكم الذي يستوي في علمه جميع من يفهم كلام العرب، وفي أي شيء هو رسوخهم، إذا لم يعلموا إلا ما يعلم الجميع، وما الرسوخ إلا المعرفة بتصاريف الكلام وموارد الأحكام، ومواقع المواعظ، وذلك كله بقريحة معدة، فالمعنى {وما يعلم تأويله} على الاستيفاء إلى الله، والقوم الذي يعلمون منه ما يمكن أن يعلم يقولون في جميعه {آمنا به كل من عند ربنا} وهذا القدر هو الذي تعاطى ابن عباس رضي الله عنه، وهو ترجمان القرآن، ولا يتأول عليه أنه علم وقت الساعة وأمر الروح وما شاكله. فإعراب {الراسخون} يحتمل الوجهين، ولذلك قال ابن عباس بهما، والمعنى فيهما يتقارب بهذا النظر الذي سطرناه، فأما من يقول: إن المتشابه إنما هو ما لا سبيل لأحد إلى علمه فيستقيم على قوله إخراج الراسخين من علم تأويله، لكن تخصيصه المتشابهات بهذا النوع غير صحيح، بل الصحيح في ذلك قول من قال: المحكم ما لا يحتمل إلا تأويلاً واحداً والمتشابه ما احتمل من التأويل أوجهاً، وهذا هو متبع أهل الزيغ، وعلى ذلك يترتب النظر الذي ذكرته، ومن قال من العلماء الحذاق بأن الراسخين لا يعلمون تأويل المتشابه فإنما أرادوا هذا النوع وخافوا أن يظن أحد أن الله وصف الراسخين بعلم التأويل على الكمال، وكذلك ذهب الزجاج إلى أن الإشارة بما تشابه منه إنما هي إلى وقت البعث الذي أنكره، وفسر باقي الآية على ذلك، فهذا أيضاً تخصيص لا دليل عليه، وأما من يقول، إن المتشابه هو المنسوخ فيستقيم على قوله إدخال الراسخين في علم التأويل لكن تخصيصه المتشابهات بهذا النوع غير صحيح، ورجح ابن فورك أن الراسخين يعلمون التأويل وأطنب في ذلك، وقرأ أبي بن كعب وابن عباس: "إلا الله ويقول: الراسخون في العلم آمنا به"، وقرأ ابن مسعود "وابتغاء تأويله"، إن تأويله إلا عند الله، - {والراسخون في العلم} يقولون {آمنا به} - والرسوخ الثبوت في الشيء، وأصله في الأجرام أن يرسخ الجبل أو الشجر في الأرض وسئل النبي عليه السلام عن "الراسخين في العلم"، فقال: هو من برت يمينه وصدق لسانه واستقام، وقوله: {كل من عند ربنا} فيه ضمير عائد على كتاب الله، محكمه ومتشابهه، والتقدير، كله من عند ربنا، وحذف الضمير لدلالة لفظ كل عليه، إذ هي لفظة تقتضي الإضافة. ثم قال تعالى: {وما يذكر إلا أولو الألباب} أي ما يقول هذا ويؤمن به ويقف حيث وقف ويدع اتباع المتشابه إلاذو لب، وهو العقل، و {أولو}: جمع ذو.

الثعالبي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَاءِ}: هذه الآية خَبَرٌ عن علْمِ اللَّه تعالى بالأشياء، على التفصيل، وهذه صفةٌ لَمْ تكُنْ لعيسَىٰ، ولا لأحدٍ من المخلوقين، ثم أخبر سبحانه عن تَصْويره للبَشَرِ في أرحامِ الأمَّهاتِ، وهذا أمر لا ينكرُهُ عاقلٌ، ولا ينكر أنَّ عيسَىٰ وسائر البَشَر لا يقْدِرُونَ عليه، ولا ينكر أنَّ عيسَىٰ من المصوَّرِينَ؛ كغيره من سائرِ البَشَر، فهذه الآية تعظيمٌ للَّه جلَّتْ قُدْرته في ضِمْنِها الرَّدُّ على نصارَىٰ نَجْران، وفي قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ}: وعيدٌ، وشرح النبيُّ صلى الله عليه وسلم كيفيَّة التصْويرِ في الحديثِ الَّذي رواه ابنُ مَسْعُودٍ وغيره؛ «حديث : أنَّ النُّطْفَةَ، إِذَا وَقَعَتْ فِي الرَّحِمِ، مَكَثَتْ نُطْفَةً أَرْبَعِينَ يَوْماً، ثُمَّ تَكُونُ عَلَقَةً أَرْبَعِينَ يَوْماً، ثُمَّ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إلَيْهَا مَلَكاً، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، أَذَكَرْ أَمْ أُنْثَىٰ؟ أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ» تفسير : الحديث بطوله على ٱختلافِ ألفاظه، وفي مسندِ ٱبْنِ «سِنْجَر» حديثٌ؛ «حديث : أنَّ اللَّهَ سُبْحَانه يَخْلُقُ عِظَامَ الجَنِينِ وَغَضَارِيفَهُ مِنْ مَنِيِّ الرَّجُلِ، وَلَحْمَهُ وَشَحْمَهُ وَسَائِرَ ذَلِكَ مِنْ مَنِيِّ المَرْأَةِ»تفسير : ، وَصَوَّرَ: بناءُ مبالغةٍ من صَارَ يَصُورُ، إِذا أمال وثنَىٰ إلى حالٍ مَّا، فلما كان التصويرُ إمالةً إلى حال، وإِثباتاً فيها، جاء بناؤه على المُبَالغة، والكتابُ في هذه الآية: القرآن، بإِجماع، والمُحْكَمَاتُ: المفصَّلات المبيَّنات الثابتَاتُ الأحكامِ، والمُتَشَابِهَاتُ: هي التي تحتاجُ إِلى نظر وتأويلٍ، ويظهر فيها ببَادِي النَّظَرِ: إِما تَعَارُضٌ مع أخرَىٰ، وإما مع العَقْل إِلى غير ذلك من أنواع التشابه، فهذا الشَّبَه الذي من أجله تُوصَفُ بمتشابهات، إِنما هو بينها وبيْنَ المعانِي الفاسدة الَّتي يظنُّها أهْلُ الزيغِ، ومَنْ لم يُنْعِمِ النظَرَ، وهذا نحوُ الحديث الصحيح عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : الحَلاَلُ بَيِّنٌ وَالحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ»تفسير : ، أي: يكون الشيء حراماً في نفسه، فَيُشْبِهُ عند من لَمْ يُنْعِمِ النظر شيئاً حلالاً؛ وكذلك الآية: يكونُ لها في نفسها معنًى صحيحٌ، فيشبه عنْد مَنْ لم ينعمِ النظر، أو عند الزائغِ معنًى آخر فاسداً، فربَّما أراد الاِعتراضَ به على كتاب اللَّه، هذا عندي معنَى الإِحكام والتشابُهِ في هذه الآية. قال * ع *: وأحسنُ ما قيل في هذه الآية قولُ محمَّدِ بنِ جَعْفَرِ بنِ الزُّبَيرِ؛ أن المُحْكَمَاتِ هي الَّتِي فيهن حُجَّةُ الربِّ، وعصمةُ العبادِ، ودفْعُ الخصومِ والباطل، ليس لها تصريفٌ ولا تحريفٌ عمَّا وضعْنَ عليه، والمُتَشَابِهَاتُ: لها تصريفٌ وتحريفٌ، وتأويلٌ ٱبْتَلَى اللَّه فيهنَّ العباد، قال ابن الحاجِبِ في «منتهَى الوُصُولِ»: مسألةٌ في القرآن محكمٌ ومتشابهٌ، قال تعالى: {مِنْهُ آيَـٰتٌ مُّحْكَمَـٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰتٌ}، فالمُحُكَمُ: المتَّضِح المعنَىٰ، قال الرهوني: يعني نَصًّا كان أو ظَاهِراً، والمُتَشَابَهُ: مقابله إمَّا لِلٱِشتراك؛ مثل: {أية : ثَلَـٰثَةَ قُرُوءٍ } تفسير : [البقرة:228]، أو للإجمالِ؛ مثلُ: {أية : ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنّكَاحِ} تفسير : [البقرة:237] وما ظاهره التِّشبيهُ؛ مثلُ: {أية : مِن رُّوحِي} تفسير : [ص:72]، و {أية : أَيْدِينَا} تفسير : [يس:71]، و {أية : بِيَدَيَّ} تفسير : [ص:75] و {أية : بِيَمِينِهِ} تفسير : [الزمر:67]، و {أية : يَسْتَهْزِئُ} تفسير : [البقرة:15]، و {أية : مَكْرَ ٱللَّهِ} تفسير : [آل عمران:54] ونحوه، والظاهرُ: الوقْفُ على: {وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ}؛ لأن الخطاب بما لا يُفْهَمُ بعيدٌ. انتهى. قال الرهونيُّ: وسمِّي ما ذكر «مُتَشَابِهاً»؛ لاشتباهه على السامِعِ، قال الرهونيُّ: والحقُّ الوقْفُ علَىٰ: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ}. وهو المرويُّ عن جماعة؛ منهم: ابنُ عبَّاسٍ، وابنُ عمر، وابنْ مسعودٍ، ومالكٌ، وغيرهم، وفي مُصْحَفِ أُبِيٍّ: «وما يعلم تأويلَهُ إلاَّ اللَّه ويقول الراسخونَ [في العلْمِ] آمنا بِه». اهـــ. وقوله تعالى: {هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ}، أي: معظم الكتاب، وعُمْدة ما فيه: إذ المُحْكَم في آياتِ اللَّه كثيرٌ قد فُصِّلَ، ولم يفرَّطْ في شيء منه، قال يَحْيَى بْنُ يَعْمَر: كما يقال لمكَّة أمُّ القُرَىٰ. قال * ع *: وكما يقالُ: أمُّ الرَّأْس لمجتمع الشؤونِ، فجميع المحكَمِ هو أم الكتابِ، ومعنى الآية الإِنْحَاءُ علَىٰ أهل الزيْغِ، والمذمَّةُ لهم، والإِشارة بذلك أولاً إلى نصارَىٰ نَجْرَانَ، وإلى اليهودِ الذين كانوا معاصِرِينَ لمحمَّد صلى الله عليه وسلم، فإِنهم كانوا يعترضُون معانِيَ القُرآن، ثم يعم بعد ذلك كلِّ زائغ، فذكر تعالَىٰ؛ أنه نزَّل الكتابَ على نبيِّه محمد صلى الله عليه وسلم؛ إِفضالاً منه، ونعمةً؛ وأنَّ مُحْكَمَه وبَيِّنَهُ الَّذي لا ٱعتراضَ فيه هو معظمه، والغالِبُ فيه؛ وأنَّ متشابهه الذي يحتملُ التَّأْوِيلَ، ويحتاجُ إِلى التفهُّم هو أقلُّه، ثم إِن أهل الزيغ يتركُونَ المحكَمَ الذي فيه غُنْيَتهم، ويتبعونَ المتشَابِه؛ ٱبتغاء الفِتْنَةِ، وأنْ يفسدوا ذاتَ البَيْن، ويردوا النَّاس إِلى زيغهم. * م *: قال أبو البقاءِ: {وَأُخَرُ}: معطوفٌ على {آيَـٰتٌ}، و {مُتَشَـٰبِهَـٰتٌ}: نعت لـ {أُخَرُ}. وقوله تعالى: {الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ}: يعمُّ كل طائفةٍ من كافرٍ وزنديقٍ وجاهلٍ صاحب بدعةٍ، والزيغُ: المَيْلُ، و {ٱبْتِغَاءَ}: نصبٌ على المفعولِ من أجله، ومعناه: طلبُ الفِتْنَة، قال الربيع: الفِتْنَة هنا الشرْكُ، وقال مجاهدٌ: الفتْنَةُ: الشبهاتُ، واللَّبْسُ على المؤمنين، ثم قال: وٱبتغاءَ تأويلِهِ، والتأويل هو مَرَدُّ الكلامِ، وَمَرْجِعُهُ، والشيء الذي يقفُ علَيْه من المعانِي، وهو من: آلَ يَئولُ، إذا رجع، فالمعنَىٰ: وطَلَبَ تأويلِهِ علَىٰ مَنَازِعِهِمُ الفاسدَةِ، هذا في ما له تأويلٌ حسنٌ، وإن كان ممَّا لا يتأوَّل، بل يوقَفُ فيه، كالكلامِ في معنَى الرُّوح ونحوه، فنَفْسُ طلب تأويله هو ٱتِّباعُ ما تشابه، ثم قال تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ}، أي: وما يعلم تأويله على الكَمَال إلا اللَّه سبحانه. وٱختُلِفَ في قوله: {وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ}، فرأَتْ فرقةٌ أنَّ رفْعَ الراسخين هو بالعطْفِ على اسْمِ اللَّهِ (عَزَّ وجلَّ)؛ وأنه مع علمهم بالمتشابه يقولونَ: {آمَنَّا بِهِ}، وقالتْ طائفةٌ أخرَىٰ: والراسخُونَ: رفْع بالابتداءِ، وهو مقطوعٌ من الكلامِ الأول، وخبره «يَقُولُونَ»، والمنفَردُ بعلْم المتشابه هو اللَّه وحده. قال * ع *: وهذه المسألة إذا تُؤُمِّلَتْ، قَرُبَ الخلافُ فيها من الاِتفاقِ، وذلك أنَّ اللَّه تعالى قسَّم آي الكتابِ قسْمَيْن محكمًا ومتشابهًا، فالمُحْكَم هو المتَّضِحُ المعنَىٰ لكلِّ من يفهم كلامَ العَرَب، لا يحتَاجُ فيه إِلى نظر، ولا يتعلَّق به شيء يلبِّس، ويستوي في علمه الراسخُ وغيره، والمتشابه علَىٰ نوعَيْن، منه: ما لا يُعْلَمُ البتَّةَ؛ كأمر الرُّوح، وآمادِ المغيَّبات التي قد أعْلَمَ اللَّه بوقوعها إِلَىٰ سائر ذلك، ومنه: ما يُحْمَلُ علَىٰ وجوه في اللغة، ومَنَاحٍ في كلامِ العربِ، فَيُتَأوَّلُ، ويُعْلَم تأويله، ولا يسمَّى أحدٌ راسِخاً إلاَّ أنْ يعلم من هذا النوع كثيراً؛ بحَسَب ما قُدِّر له، فمَنْ قال: إن الراسخين يعلمون تأويلَ المتشابِهِ، فمراده النوْعُ الثاني الَّذي ذكرناه، ومَنْ قال: إن الراسخين لا يعلَمُونَ تأويله، فمراده النوع الأول؛ كأمر الرُّوح، ووقْتِ الساعةِ، لكنَّ تخصيصه المتشابه بهذا النوعِ غيرُ صحيحٍ، بل هو نوعانِ؛ كما ذكرنا، والضمير في {تأويله} عائدٌ على جميع متشابه القرآن، وهما نوعانِ؛ كما ذكرنا، والرُّسُوخُ: الثبوتُ في الشيءِ، وسئل النبيُّ صلى الله عليه وسلم عَنِ الرَّاسِخِينَ فِي العِلْمِ، فَقَالَ: «حديث : هُوَ مَنْ بَرَّتْ يَمِينُهُ، وَصَدَقَ لِسَانُهُ، وَٱسْتَقَامَ قَلْبُهُ»تفسير : ، قُلْتُ: ومن «جامعِ العَتَبِيَّةِ»، وسُئِل مالكٌ عن تفسيرِ الراسِخِينَ في العلْمِ، فقال: العالِمُونَ العاملُونَ بما علموا، المتَّبِعُونَ له، قال ابنُ رُشْدٍ: قولُ مالِكٍ هذا هو معنَىٰ ما رُوِيَ من أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ: مَنِ الراسِخُ في العِلْمِ؟ فقالَ: «حديث : مَنْ بَرَّتْ يَمِينُهُ، وصَدَقَ لِسَانُهُ، وٱسْتَقَامَ بِهِ قَلْبُهُ، وعَفَّ بَطْنُهُ، فَذَلِكَ الرَّاسِخُ فِي العِلْمِ»تفسير : ، قال ابنُ رُشْدٍ: ويشهد لصحَّة هذا قولُ اللَّهِ (عز وجل): {أية : إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ} تفسير : [فاطر:28]؛ لأنه كَلاَمٌ يدُلُّ عَلى أنَّ مَنْ لَمْ يَخْشَ اللَّه، فَلَيْسَ بعالمٍ. انتهى. قلت: وقد جاء في فضْلِ العلْمِ آثارٌ كثيرةٌ، فمن أحسنها: ما رواه أبو عُمَرَ بْنُ عبدِ البَرِّ بسنده، عن معاذِ بنِ جَبلٍ، قال: قَالَ رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حديث : تَعَلَّمُوا العِلْمَ؛ فَإِنَّ تَعْلِيمَهُ لِلَّهِ خَشْيَةٌ، وَطَلَبَهُ عِبَادَةٌ، وَمُذَاكَرَتَهُ تَسْبِيحٌ، والبَحْثَ عَنْهُ جِهَادٌ، وتَعْلِيمَهُ لِمَنْ لاَ يَعْلَمُهُ صَدَقَةٌ، وَبَذْلَهُ لأَهْلِهِ قُرْبَةٌ؛ لأَنَّهُ مَعَالِمُ الحَلاَلِ وَالْحَرَامِ، وَمَنَارُ سُبُلِ أَهْلِ الجَنَّةِ، وهو الأنيسُ فِي الوَحْشَةِ، والصَّاحِبُ فِي الغُرْبَةِ، وَالمُحْدِّثُ فِي الخَلْوَةِ، والدَّلِيلُ عَلَى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَالسِّلاَحُ عَلَى الأَعْدَاءِ، وَالزِّيْنُ عِنْدَ الأَخِلاَّءِ، وَيَرْفَعُ اللَّهُ بِهِ أَقْوَاماً فَيَجْعَلُهُمْ فِي الخَيْرِ قَادَةً وَأَئِمَّةً تُقْتَصُّ آثَارُهُمْ، وَيُقْتَدَىٰ بِفِعَالِهِمْ، وَيُنْتَهَىٰ إِلَىٰ رَأْيِهِمْ، وَتَرْغَبُ المَلاَئِكَةُ فِي خُلَّتِهِمْ، وَبِأَجْنِحَتِهَا تَمْسَحُهُمْ، وَيَسْتَغْفِرُ لَهُمْ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ، وَحِيتَانُ البَحْرِ وهَوَامُّهُ، وَسِبَاعُ البَرِّ وأَنْعَامُهُ؛ لأنَّ العِلْمَ حَيَاةُ القُلُوبِ مِنَ الجَهْلِ، وَمَصَابِيحُ الأَبْصَارِ مِنَ الظُّلَمِ، يَبْلُغُ العَبْدُ بَالعِلْمِ مَنَازِلَ الأَخْيَارَ، وَالدَّرَجَاتِ العُلَىٰ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، الفِكْرُ فِيهِ يَعْدِلُ الصِّيَامَ، وَمُدَارَسَتُهُ تَعْدِلُ القِيَامَ، بِهِ تُوصَلُ الأَرْحَامُ، وَبِهِ يُعْرَفُ الحَلاَلُ مِنَ الحَرَامِ، هُوَ إِمَامُ العَمَلِ، وَالعَمَلُ تَابِعُهُ، يُلْهَمُهُ السُّعَدَاءُ، وَيُحْرَمُهُ الأَشْقِيَاءُ»تفسير : ، قال أبو عمر: هكذا حدَّثنيه عُبَيْدُ بْنُ محمَّدٍ مرفوعاً بالإِسناد الَّذِي روَيْناه به عنه، وهو حديثٌ حسنٌ جِدًّا، ولكن ليس له إِسناد قويٌّ، وَرَوَيْنَاهُ من طرقٍ شَتَّىٰ موقوفًا على معاذ. انتهى من كتاب «فَضْل العِلْمِ»، قال الشيخُ العارِفُ أبو القاسِمِ عبْدُ الرحمنِ بْنُ يُوسُفَ اللجائي (رحمه اللَّه)، ومن علامة نورِ العلْمِ، إذا حلَّ بالقلب: المعرفةُ والمراقبةُ والحياءُ والتوبةُ والوَرَعُ والزُّهْد والتوكُّل والصَّبْر والرضَىٰ والأنس والمجاهَدَةُ والصَّمْت والخَوْف والرجاءُ والقَنَاعةُ وذِكْرُ المَوْتِ. اهـــ. وقوله تعالى: {كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا}: فيه ضميرٌ عائدٌ على كتاب اللَّه مُحْكَمِهِ ومتشَابِهِهِ، والتقديرُ: كلُّه من عنْدِ ربِّنا. ثم قال تعالى: {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلألْبَـٰبِ}، أي: ما يقول هذا، ويؤمن ويقفُ حيثُ وُقِّفَ، ويدع ٱتِّبَاعَ المتشابهِ إلاَّ ذُو لُبٍّ، وهو العقْلُ و «أُولُو»: جمع: «ذُو».

ابن عادل

تفسير : هذا الكلام يحتمل وجهَيْنِ: الأول: أن يُنَزَّلَ على سبب النزول؛ وذلك لأن النصارى ادَّعَوُا الإلهيةَ لعيسَى؛ لأمور: أحدها: العلم، فإنه كان يُخْبِر عن الغيوب، ويقول لهذا: إنك أكلت في دارك كذا، ويقول لذلك: إنك صنعت في دارك كذا. الثاني: القدرة، وهي أن عيسى كان يُحْيي الموتَى، ويُبرئ الأكمه والأبرص، ويخلق من الطين كهيئة الطير، ثم ينفخ فيه فيكون طيراً. الثالث: من جهة الإلزام المعنويّ، وهو أنه لم يكن له أبٌ من البشر. الرابع: من جهة الإلزام اللفظي، وهو قولهم لنا: أنتم تقولون: إنه روح الله، وكلمته. فالله تعالى استدل على بطلان قولهم بإلهية عيس، والتثليث بقوله: {ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ}، فالإله يجب أن يكون حيًّا قَيُّوماً، وعيسى ما كان حيًّا قيُّوماً, فلزم القطعُ بأنه لم يكن إلهاً، وأجاب عن شبهتهم بعلم الغيوب بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ}، وكون عيسى عالماً ببعض المغيِّبات، لا يدل على كونه إلهاً؛ لاحتمال أنه عَلِم ذلك بوحي من الله تعالى، فعدم إحاطته بكل المغيَّبات يدل قطعاً على أنه ليس بإله؛ لأن الإله هو الذي لا يَخْفَى عليه شيء في الأرض، ولا في السماء؛ لأنه خالقهما، والخالق لا بد وأن يكون عالماً بمخلوقه، ومن المعلوم بالضرورة أن عيسى ما كان عالماً بجميع المغيَّبات، وكيف والنصارى يقولون: إنه قُتِل، فلو كان يعلم الغيب، لعلمَ بأن القوم يريدون قتله، فكان يفر منهم قبل وصولهم إليه، وأما تعلقهم بقدرته على إحياء الموتى، فأجاب الله تعالى عن ذلك بقوله: {هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ} وتقديره: أن حصول الإحياء لعيسى في بعض الصور لا يدل على كونه إلهاً؛ لاحتمال أنَّ الله تعالى أكرمه بذلك إظهاراً لمعجزته، وعجزه عن الإحياء في بعض الصور يوجب قطعاً عدم إلهيته، لأن الإله هو القادر على أن يُصَوِّرَ في الأرحام من قطرة صغيرة من النطفة هذا التركيب العجيب، فلو كان عيسى قادراً على الإحياء، والإماتة، لأمات أولئك الذين أخذوه وقتلوه - على زعمهم - فثبت أن الإحياء والإماتة في بعض الصور لا تدل على كونه إلهاً، وكذلك عدم حصول الإحياء والإماتة له في كل الصور دليل على أنه ما كان إلهاً. وأما الشبهة الثالثة وهي الإلزام المعنويّ بأنه لم يكن له أب من البشر، فأجاب الله تعالى عنه بقوله: {هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ} فإن شاء صوره من نطفة [الأب]، وإن شاء صوره ابتداء من غير الأب، كما خلق آدم من غير أبٍ أيضاً ولا أمّ. وأما قولهم لنا: أنتم تقولون: إنه روح الله وكلمته، فهذا الإلزام لفظي، وهو محتمل للحقيقة والمجاز، فإذا ورد لفظ يكون ظاهره مخالفاً للدليل العقلي كان من باب المتشابهات، فوجب ردُّه إلى التأويل، وذلك هو المراد بقوله: {أية : هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} تفسير : [آل عمران: 7]، فظهر بما ذكرنا أن قوله: {ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ} يدل على أن المسيح ليس بإله، ولا ابن الإله. وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ} جواب عن تعلُّقهم بالعلم، وقوله: {هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ} جواب عن تمسُّكهم بقدرته على الإحياء والإماته، وعن تمسُّكهم بأنه ما كان له أب من البشر، وقوله: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ} جوابٌ عن تمسُّكهم بما ورد في القرآنِ من أن عيسى روحُ الله وكلمته. الاحتمال الثاني: أنه تعالى لما ذكر أنه قيوم، والقيوم هو القائم بإصلاح مصالح [الخلق]، وذلك لا يتم إلا بأمرين: الأول: أن يكون عالماً بجميع حاجاتهم بالكمية والكيفية. الثاني: أن يكون قادراً على دَفْع حاجاتهم، فالأول لا يتم إلا إذا كان عالماً بجميع المعلومات، والثاني لا يتم إلا إذا كان قادراً على جميع الممكنات، ثم إنه استدل على كونه عالماً بجميع المعلومات بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ} وذلك يدل على كمال علمه، وإثبات كونه عالماً لا يجوز أن يكون بالسمع؛ لأن معرفة صحة السمع موقوفة على العلم بكونه تعالى عالماً ما بجميع المعلومات، وإنما الطريق إليه بالدليل العقلي، وذلك بأن نقول: إن أفعال الله محكمة متقنة والفعل المُحْكَم المتقَن يدل على كون فاعله عالماً، وإذَا كان دليل كونه تعالى عالماً ما ذكرنا، فحين ادعى كونه عالماً بجميع المعلومات بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ} [أتبعه] بالدليل العقلي، وهو أنه يُصَوِّرُ في ظلمات الأرحام هذه البنيةَ العجيبةَ ويركبها تركيباً غريباً من أعضاء مختلفة في الشكل والطبع والصفة، فبعضها أعصاب، وبعضها أوردة، وبعضها شرايين، وبعضها عضلات، ثم إنه ضَمَّ بعضها إلى بعض على أحسن تركيب وأكمل تأليف، وذلك يدل على كمال قدرته، حيث قدر أن يخلق من قطرة من نطفةٍ هذه الاعضاءَ المختلفةَ في الطبع والشكل واللون، فدلَّ هذا الفعلُ المُحْكَم المتقَن على كمال علمه وقدرته. قوله: {فِي ٱلأَرْضِ} يجوز أن يتعلق بـ "يَخْفَىٰ"، وأن يتعلق بمحذوف على أنه صفة لـ "شيء". فصل المراد بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ} أي: لا يخفى عليه شيء. فإن قيل: ما فائدة قوله: {فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ} مع أنه لو أطلق لكان أبلغ؟ فالجواب: أن الغرض منه إفهام العباد كمال علمه، وفهمهم هذا المعنى عند ذكر السموات والأرض أقوى؛ لأن الحس يرى عظمة السموات والأرض، فيُعين العقل على معرفة عظمة علم الله تعالى، والحس متى أعان العقل على المطلوب كان الفهم أتم، والإدراك أكمل، ولذلك فإن المعانيَ الدقيقةَ إذا أريد إيضاحُها ذُكِر لها مثال؛ فإن المثال يُعِين على الفهم. قوله: {هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ} تحتمل هذه الجملة أن تكون مستأنفةً سيقت لمجرد الإخبار بذلك، وأن تكون في محل رفع خبراً ثانياً لإنَّ. قوله: {فِي ٱلأَرْحَامِ} يجوز أن يتعلق بـ "يُصَوِّرُكُمْ" وهو الظاهر، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من مفعول "يُصَوِّرُكُمْ" أي: يصوركم وأنتم في الأرحام مُضَغٌ. وقرأ طاوسُ: تَصَوَّرَكُمْ - فعلاً ماضياً - ومعناه: صوركم لنفسه، ولتعبدوه، وتَفَعَّل يأتي بمعنى فَعَّل، كقولهم: تأثلث مالاً، وأثَّلته، أي: جعلته أثلة أي: أصلاً، والتصوير: تفعيل من صاره، يصوره، أي: أماله وثناه، ومعنى صوره: جعل له صورة مائلة إلى شكل أبويه. والصورة: الهيئة يكون عليها الشيء من تأليف خاص، وتركيب منضبط، قاله الواحدي وغيره. والأرحام: جمع رحم، وأصلها الرحمة، وذلك لأن الاشتراك في الرحم يوجب الرحمة، والعطف، فلهذا سُمِّيَ العُضْوُ رَحِماً. قوله: {كَيْفَ يَشَآءُ} فيه أوجه: أظهرُها: أنَّ "كَيْفَ" للجزاء، وقد جُوزِيَ بها في لسانهم في قولهم: كيف تَصْنَعُ أصنع، وكيف تكونُ أكونُ، إلا أنه لا يُجْزَمُ بهما، وجوابها محذوف؛ لدلالة ما قبلها عليه، وكذلك مفعول "يشاء" لما تقدم أنه لا يُذْكَر إلا لغرابة والتقدير: كيف يشاء تصويركم يصوركم، فحذف تصويركم؛ لأنه مفعول "يَشَاءُ" ويصوركم؛ لدلالة "يُصَوِّرُكُمْ" الأول عليه، ونظيره قولهم: أنت ظالم إن فعلتَ، تقديره: أنت ظالم إن فعلتَ فأنتَ ظالمٌ. وعند مَنْ يُجيز تقديمَ الجزاء في الشرط الصريح يجعل "يُصَوِّرُكُمْ" المتقدم هو الجزاء، و "كَيْفَ" منصوب على الحال بالفعل بعده، والمعنى: على أي حالٍ شاء أن يصوركم صوركم، وتقدم الكلام على ذلك في قوله "كيف تكفرون" ولا جائز أن يكون "كَيْفَ" معمولة "يُصَوِّرُكُمْ"؛ لأن لها صدرَ الكلام، وما له صدر الكلام لا يعمل فيه إلا أحدُ شيئين: إما حرف الجر نحو بمن تمر؟ وإما المضاف نحو غلامُ مَنْ عندَك؟ الثاني: أن يكون "كَيْفَ" ظرفاً لـ "يَشَاءُ" والجملة في محل نصب على الحال من ضمير اسم الله تعالى، تقديره: يصوركم على مشيئته، أي: مُريداً. الثالث: كذلك إلا أنه حال من مفعول "يُصَوِّرُكُمْ" تقديره: يصوركم متقلبين على مشيئته. ذكر الوجهين أبو البقاء، ولما ذكر غيره كونها حالاً من ضمير اسم الله تعالى قدرها بقوله: يصوركم في الأرحام قادراً على تصويركم مالكاً ذلك. الرابع: أن تكون الجملة في موضع المصدر، المعنى: يصوركم في الأرحام تصوير المشيئة كما يشاء قاله الحوفي، وفي قوله: الجملة في موضع المصدر تسامح؛ لأن الجمل لا تقوم مقام المصادر، ومراده أن "كَيْفَ" دالة على ذلك، ولكن لما كانت في ضِمْن الجملة نسب ذلك إلى الجملة. فصل في معنى الآية معنى: {يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ} ذكراً أو أنثى، أبيضَ أو أسودَ، حسناً أو قبيحاً، تاماً أو ناقصاً، وقد ذكرنا أن هذا رَدٌّ على وفد نجران؛ حيث قالوا: عيسى ولد الله وكان يقول: كيف يكون ولده وقد صوره في الرحم؟ ثم إنه لما أجاب عن شبهتهم أعاد كلمة التوحيد؛ زَجْراً للنصارى عن قولهم بالتثليث فقال: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} و "الْعَزِيزُ" إشارة إلى كمال القدرةِ، يعني أن قدرته أكمل من قدرة عيسى على الإماتة والإحياء، و "الْحَكِيمُ" إشارة إلى كمالِ العلم، يعني: أن علمه أكملُ من علم عيسى بالغيوبِ؛ فإن علمَ عيسى ببعض الصُّوَرِ، وقَدرته على بعض الصور لا يدل على كونه إلهاً، وإنما الإله هو الذي يكون قادراً على كل الممكناتِ، عالماً بجميع الجزئيات والكليات. قال عبد الله بن مسعود: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو الصادقُ المصدوقُ - "حديث : إنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ في بطن أمه أرْبَعِينَ يَوْماً نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةٌ مثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةٌ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَل إلَيْهِ المَلَكُ، فَيَنْفُخُ فِيه الرُّوحَ، وَيُؤمَرُ بأرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَعَمَلِهِ، وَأجَلِهِ، وَشَقِيّ أوْ سَعِيد، فَوَالَّذِي لاَ إلَه غَيْرَهُ إنَّ أحدَكُم لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الْجَنَّةِ حَتَى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلاَّ ذِرَاعٌ فَيَسْبقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلَهَا، وَإنَّ أحَدَكُمُ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلاَّ ذِرَاعٌ، فَيَسبقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلَهَا ." تفسير : وعن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يَدْخُلُ الْمَلَكُ عَلَى النُّطْفَةِ بَعْدَ مَا تَسْتَقِرُّ فِي الرَّحم بِأرْبَعِينَ أوْ خَمْسَةٍ وَأرْبَعِينَ يَوْماً، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أشَقِيٌّ أوْ سَعِيدٌ؟ فَيُكْتَبَانِ، فَيَقُول: أيْ رَبِّ أذَكَرٌ أوْ أنْثَى؟ فَيُكْتَبَان، وَيُكْتِبُ عَمَلُهُ، وَأثَرهُ، وَأجَلُهُ، ورِزْقُهُ، ثُمَّ تُطْوَى الصُّحُفُ، فَلاَ يُزَادُ فِيهَا وَلاَ يُنْقَصُ ".

ابو السعود

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَىْء فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِى ٱلسَّمَاء} استئنافُ كلامٍ سيق لبـيان سعةِ علمِه تعالى وإحاطتِه بجميع ما في العالم من الأشياء التي من جملتها ما صدر عنهم من الكفر والفسوقِ سراً وجهراً إثرَ بـيانِ كمالِ قدرتِه وعزته، تربـيةً لما قبله من الوعيد وتنبـيهاً على أن الوقوفَ على بعض المغيبات كما كان في عيسى عليه السلام بمعزل من بلوغ رتبةِ الصفاتِ الإلٰهية وإنما عُبّر عن علمه عز وجل بما ذُكر بعدم خفائِه عليه كما في قوله سبحانه: {أية : وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَىْء فَى ٱلأَرْضِ وَلاَ فِى ٱلسَّمَاء} تفسير : [إبراهيم، الآية 38] إيذاناً بأن علمَه تعالى بمعلوماته وإن كانت في أقصى الغايات الخفيةِ ليس من شأنه أن يكون على وجهُ يمكن أن يقارِنه شائبةُ خفاءٍ بوجه من الوجوه كما في علوم المخلوقين، بل هو غاية في الوضوحِ والجلاءِ، والجملةُ المنفيةُ خبرٍ لإن وتكريرُ الإسنادِ لتقوية الحُكم، وكلمة (في) متعلقة بمحذوف وقع صفةً لشيء مؤكدة لعمومه المستفاد من وقوعه في سياق النفي أي لا يخفى عليه شيء ما كائنٌ في الأرض ولا في السماء أعم من أن يكون ذلك بطريق الاستقرار فيهما أو الجزئية منهما وقيل: متعلقة بـيخفى وإنما عبر بهما عن كل العالم لأنهما قُطراه، وتقديمُ الأرض على السماء لإظهار الاعتناء بشأن أحوالِ أهلِها، وتوسيطُ حرف النفي بـينهما للدَلالة على الترقي من الأدنى إلى الأعلى باعتبار القربِ والبعد منا المستدعِيَـين للتفاوت بالنسبة إلى علومنا وقوله عز وجل: {هُوَ ٱلَّذِي يُصَوّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء} جملة مستأنفةٌ ناطقةٌ ببعض أحكام قيّومَّيتِه تعالى وجَرَيانِ أحوالِ الخلق في أطوار الوجودِ حسب مشيئتِه المبنيةِ على الحِكْمة البالغةِ مقرِّرةٌ لكمال علمِه مع زيادة بـيانٍ لتعلقه بالأشياء قبل دخولِها تحت الوجود ضرورةَ وجوبِ علمِه تعالى بالصور المختلفة المترتبة على التصوير المترتِّب على المشيئة قبل تحقّقِها بمراتب، وكلمةُ في متعلقةٌ بـيصوِّركم، أو بمحذوف وقع حالاً من ضمير المفعول أي يصوركم وأنتم في الأرحام مُضَغٌ، وكيف معمول ليشاءُ والجملةُ في محل النصب على الحالية إما من فاعل يصوركم أي يصورُكم كائناً على مشيئته تعالى أي مُريداً أو من مفعوله أي يصوركم كائنين على مشيئته تعالى تابعين لها في قَبول الأحوالِ المتغايرة من كونكم نُطفاً ثم عَلَقاً ثم مُضَغاً غيرَ مخلّقة ثم مُخلّقة، وفي الاتصاف بالصفات المختلفةِ من الذكورة والأنوثة والحُسن والقُبح وغير ذلك من الصفات وفيه من الدلالة على بطلان زعْم من زَعَم ربوبـيةَ عيسى عليه السلام وهو من جملة أبناءِ النواسيتِ المتقلّبـين في هذه الأطوار على مشيئة الباري عز وجل وكمالِ ركاكةِ عقولِهم ما لا يخفى وقرىء تَصَوَّركم على صيغة الماضي من التفعل أي صوّركم لنفسه وعبادتِه {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} إذ لا يتصف بشيء مما ذُكر من الشؤون العظيمةِ الخاصةِ بالألوهية أحدٌ ليُتَوهَّم ألوهيتُه {ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ} المتناهي في القدرة والحِكمة لذلك يخلقُكم على ما ذكر من النمط البديع.

السلمي

تفسير : قيل: لا يخفى عليه شىء فطالعوا همومكم أن تكون خاليةً عن الأهواءِ والشبهات، فإنه لا يخفى عليه شىء. قال جعفر فى قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ} قال: فلا يطلعنَّ فيرى فى قلبك سواه فيمقتك.

القشيري

تفسير : لا يتنفس عبدٌ نَفَساً إلا والله سبحانه وتعالى مُحْصِيه، ولا تحصل في السماء والأرض ذرة لا وهو سبحانه مُحْدِثهُ ومُبْدِيه، ولا يكون أحد بوصف ولا نعت إلا هو متوليه. هذا على العموم، فأمَّا على الخصوص: فلا رَفَعَ أحدٌ إليه حاجةً إلا وهو قاضيها، ولا رجع أحدٌ إليه في نازلة إلا وهو كافيها.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان الله لا يخفى عليه شىء في الارض ولا فى السماء} اى مدرك الاشياء كلها يعنى هو مطلع على كفر من كفر به وايمان من آمن به وعلى جميع اعمالهم فيجازيهم يوم القيامة.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {إن الله لا يخفى عليه شيء} من أمر خلقه، إيماناً أو كفراناً، طاعة أو عصياناً، أحاط علمه بما في السماوات العلي وما في الأرضين السفلى، كليّاً كان أو جزئيّاً، حسيّاً أو معنوياً، يعلم عدد الحصى والرمال، ومكاييل المياه ومثاقيل الجبال، ويعلم حوادث الضمائر، وهواجس الخواطر، بعلم قديم أزلي، وله قدرة نافذة وحكمة بالغة، فبقدرة صَوَّرَ النُّطَف في الأرحام كيف شاء سبحانه من نقص أو تمام، وأتقنها بحكمته، وأبرزها إلى ما يَسَّرَ لها من رزقه، سبحانه من مدبر عليم، عزيز حكيم، لا يُعجزه شيء، ولا يخرج عن دائرة علمه شيء، لا موجود سواه، ولا نعبد إلا إياه، وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق. الإشارة: مَنْ تحقق أن الله واحدٌ في ملكه، لا شريك له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وأنه أحاط به علماً وسمعاً وبصراً، وأن أمره بين الكاف والنون،{أية : إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}تفسير : [يس: 82] - كيف يشكو ما نزل به منه إلى أحد سواه؟ أم كيف يرفع حوائجه إلى غير مولاه؟ أم كيف يعول هما، وسيدُه من خيره لا ينساه؟ من دبرك في ظلمة الأحشاء، وصوَّرك في الأرحام كيف يشاء، وآتاك كل ما تسأل وتشاء، كيف يَنْساكَ من بره وإحسانه؟ أم كيف يخرجك عن دائرة لطفه وامتنانه؟ وفي ذلك يقول لسان الحقيقة: شعر : تَذَكَّر جَمِيلِي فِيكَ إِذْ كُنْتَ نُطْفَةً وَلا تَنْسَ تَصْوِيرِي لشَخْصِكَ في الْحَشا وَكُنْ وَاثِقاً بِي في أُمُورِكَ كُلِّها سأَكْفِيكَ مِنْهَا ما يُخافُ ويُخْتَشَى وَسَلِّمْ ليّ الأمْرَ واعْلَمْ بأنني أُصَرِّفُ أحْكَامِي وأَفْعَلُ مَا أشا

الطوسي

تفسير : المعنى: لما ذكر الله تعالى الوعيد على الاخلال بمعرفته مع نصب الادلة على توحيده وصفاته اقتضى أنه يذكر أنه لا يخفى عليه شيء في الارض، ولا في السماء، فيكون في ذلك تحذير من الاغترار بالاستسرار بمعصيته، لأن المجازي لا تخفى عليه خافية، فجرى ذلك موصولا بذكر التوحيد في أول السورة، لأنه من الصفات الدالة على ما لا تحق إلا له. فان قيل لم قال: {لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء} ولم يقل لا يخفى عليه شيء على وجه من الوجوه إذ كان أشد مبالغة؟ قيل: ليعلمنا أن الغرض علم ما يستسر به في الأرض أو في السماء. ولأن الافصاح بذكر ذلك أعظم في النفس وأهول في الصدر مع الدلالة على أنه عالم بكل شيء إلا أنه على وجه التصرف في العبارة عن وجوه الدلالة. فان قيل: لم قال {لا يخفى عليه شيء} ولم يقل عالم بكل شيء في الأرض والسماء؟ قيل لأن الوصف بأنه {لا يخفى عليه شيء} يدل على أنه يعلمه من كل وجه يصح أن يعلم منه مع ما فيه من التصرف في العبارة، وإنما قلنا: لا يخفى عليه شيء من حيث كان عالماً لنفسه. والعالم للنفس يجب أن يعلم كل ما يصح أن يكون معلوماً. وما يصح أن يكون معلوماً لا نهاية له، فوجب أن يكون عالماً به وإنما يجوز أن يعلم الشيء من وجه دون وجه، ويخفى عليه شيء من وجه دون وجه من كان عالماً بعلم يستفيده: - العلم حالا بعد حال -. فأما من كان عالماً لنفسه، فلا يجوز أن يخفى عليه شيء بوجه من الوجوه.

الجنابذي

تفسير : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَخْفَىٰ} استئناف فى مقام التّعليل او جواب للسّؤال عن علمه تعالى بهم وبكفرهم كانّه قيل: هل يعلم كفرهم؟ - فقال انّه لا يخفى {عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ} اى فى جملة ما سوى الله لانّ الارض تعمّ العوالم الثّلاثة: عالم الاقدار النّورانيّة والاقدار الظّلمانيّة والاجساد الطّبيعيّة، والسّماء تعمّ الارواح المدبّرة والارواح المجرّدة.

اطفيش

تفسير : {إنَّ اللهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَئٌ فىِ الأرَضِ وَلاَ فىِ السَّماءِ}: ولا فى غيرهما، ظاهراً أو باطناً، كليا أو جزئيا، كفراً أو إيماناً، وخص الأرض والسماء بالذكر، لأنهما يشاهدهما الإنسان، وقدم الأرض لأن المخاطبين فيها، أو علمهم بها أشد من علمهم بالسماء، وتقديمها علىالسماء برق من الأدنى إلى الأعلى. وقوله {إنَّ اللهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَئٌ فىِ الأَرض وَلاَ فىِ السَّماء} دليل على أنه تعالى حى، لأن ذلك من كمال القدرة، ولأهنه يعلم الأشياء مع التنزه عن الحلول فيها والبعد عنها والقرب منها إلاَّ من خلقها، والحياة في صفته تعالى بمعنى الفعل، والقدرة والعلم، لأن ذلك من لوازم الحياة في الحملة، وعيسى يخفى عليه كل شىء إلا ما أظهر الله تعالى له، والآية وعيد على الكفر، لأن الله يعلمهُ فيعاقب عليه.

اطفيش

تفسير : المراد الجنس، السماوات والأرضون، ثم المراد التمثيل والكناية عن كل شىء، أو التجوز بإطلاق اسم البعض على الكل الذى هو العالم بأسره، بناء على عدم اشتراط التركيب في ذلك، فإنه لا يخفى عليه شىء في غيرهما أيضاً، وخصهما بالذكر لمشاهدة هذه الأرض وسمائها، أو السماء ما علا، والأرض ما تحت، فيشمل العرش والكرسى وغيرهما، أى لا يقع الخفاء فيهما، وهو غير متصف بالحلول فيهما، أو لا يخفى عليه شىء ثابت في الأرض ولا في السماء، ولو كان عيسى إلها لم يخف عليه شىء وقومه معترفون بخفاء الأشياء عنه، والآية رد عليهم، ولعى الحكماء في قولهم لا يعلم الله الجزئيات إلا بوجه كلى، وقدم الأرض ترقيا من الأدنى للأعلى، وفي سائر المواضع أخرت، وعمل هنا بالترقى لأنها تربة النبي صلى الله عليه وسلم، وتربته أشرف من العرش والكرسى والسماوات، ولأن المقصود ما اقترف فيهما من المعاصى والطاعات، وليكون الكلام على طريق الاهتمام بشأن أهلها العصاة، وعلى طريق الترقى.

الالوسي

تفسير : استئناف لبيان سعة علمه سبحانه وإحاطته بجميع ما في العالم الذي من جملته إيمان من آمن وكفر من كفر إثر بيان كمال قدرته وعظيم عزته وفي بيان ذلك تربية للوعيد وإشارة إلى دليل كونه حياً وتنبيه على أن الوقوف على بعض المغيبات كما وقع لعيسى عليه السلام بمعزل من بلوغ رتبة الصفات الإلۤهية، والمراد من الأرض والسماء العالم بأسره، وجعله الكثير مجازاً من إطلاق الجزء وإرادة الكل، ومن قال: إنه لا يصح في (كل) كل وجزء بناءاً على اشتراط التركيب الحقيقي وزوال ذلك الكل بزوال ذلك الجزء جعل المذكور كناية لا مجازاً، وتقديم الأرض على السماء إظهاراً للاعتناء بشأن أحوال أهلها واهتماماً بما يشير إلى وعيد ذوي الضلالة منهم وليكون ذكر السماء بعد من باب العروج قيل: ولذا وسط حرف النفي بينهما، والجملة المنفية خبر لأن، وتكرير الإسناد لتقوية الحكم وكلمة ـ في ـ متعلقة بمحذوف وقع صفة لشيء مؤكدة لعمومه المستفاد من وقوعه في سياق النفي أي لا يخفى عليه شيء مّا كائن في العالم بأسره كيفما كانت الظرفية، والتعبير بعدم الخفاء أبلغ من التعبير بالعلم، وجوز أبو البقاء تعلق الظرف ـ بيخفى ـ.

ابن عاشور

تفسير : استئناف يتنزّل منزلة البيان لوصف الحي لأنّ عموم العلم يبيِّن كمال الحياة. وجيء بـ(ـشيء) هنا لأنّه من الأسماء العامة. وقوله: {في الأرض ولا في السماء} قصد منه عمومُ أمكنة الأشياء، فالمراد من الأرض الكرة الأرضية: بما فيها من بحار، والمراد بالسماء جنس السمٰوات: وهي العوالم المتباعدة عن الأرض. وابتدىء في الذكر بالأرض ليتسنَّى التدرّج في العطف إلى الأبعد في الحكم؛ لأنّ أشياء الأرض يعلم كثيراً منها كثيرٌ من الناس، أما أشياءالسماء فلا يعلم أحد بعضها فضلاً عن علم جميعها.

القطان

تفسير : ان الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء مهما كان: صغيراً أو كبيراً، ظاهراً أو باطناً. وكيف يخفى عليّ يا محمد شيء وأنا علاّم الغيوب!! وفي التعبير بعد الخفاء اشارة الى ان علمه لا يوازن بعلوم المخلوقين. والله هو الذي يصوّركم فيجعلكم صورا مختلفة في أرحام أمهاتكم. انه يجعل هذا ذكراً، وهذه انثى، وهذا اسود وهذا أحمر. وكل ذلك يتم على أدق ما يكون، فمن المستحيل ان يكون هذا الخلق قد جاء من قبيل الاتفاق والمصادفة. اما عيسى بن مريم فقد صوّره الله في رحم أمه، ولو كان إلَهاً لما كان ممن اشتملت عليه رحم مخلوقة. ان الله هو المنفرد بالخلق والتصوير، العزيز الذي لا يُغلب على ما قضي به عِلمه، الحكيم الذي يوجِد الأشياء على مقتضى الحكمة.

د. أسعد حومد

تفسير : (5) - يُعْلِمُ اللهُ النَّاسَ أنَّهُ عَلِيمٌ لاَ يَخْفَى عَليهِ شَيءٌ مِنْ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ، وَأنَّهُ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَجَهْرَهُمْ، فَلاَ يَخْفَى عَلَيهِ حَالُ الصَّادِقِ فِي إِيمَانِهِ، وَلاَ حَالُ الكَافِرِ، وَلاَ حَالُ المُنَافِقِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : انظروا إلى خدمة الآية لكل الأغراض التي سبقتها، ما دام قيُّوماً وقائماً بأمور الخلق، فلابد أن يعلم كل شيء عن الخلق، فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وما دام سيفرق بين الحق والباطل وينزل بالكفار عذاباً شديداً فلا يخفى عليه شيء. إن الآية تخدم كل الأغراض، وهو سبحانه يعلم كل الأغراض، فحين يقنن بقيوميته، فهو يقنن بلا استدراك عليه، وحين يخرج أحد عن منهجه لا يخفى عليه. إذن فالآية حصاد على التشريع وعلى الجزاء {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ} [آل عمران: 5]. وبعد ذلك يتكلم الحق عن مظهر القيوميّة الأول بالنسبة للإنسان فيقول: {هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ ...}.