Verse. 299 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

ھُوَالَّذِيْ يُصَوِّرُكُمْ فِي الْاَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاۗءُ۝۰ۭ لَاۗ اِلٰہَ اِلَّا ھُوَالْعَزِيْزُ الْحَكِيْمُ۝۶
Huwa allathee yusawwirukum fee alarhami kayfa yashao la ilaha illa huwa alAAazeezu alhakeemu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء» من ذكورة وأنوثة وبياض وسواد وغير ذلك «لا إله إلا هو العزيز» في ملكه «الحكيم» في صنعه.

6

Tafseer

القرطبي

تفسير : فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ} أخبر تعالى: عن تصويره للبشر في أرحام الأُمهات. وأصل الرحِم من الرّحْمة، لأنها مما يُتَراحَم به. وٱشتقاق الصُّورَة من صاره إلى كذا إذا أماله؛ فالصورة مائلة إلى شَبَهٍ وهَيْئة. وهذه الآية تعظيم لله تعالى، وفي ضمنها الرد على نصارى نَجْران، وأنّ عيسى من المَصوَّرين، وذلك مما لا ينكره عاقل. وأشار تعالى إلى شرح التّصْوير في سورة «الحج» و «المؤمنون». وكذا شرحه النبيّ صلى الله عليه وسلم في حديث ٱبن مسعود، على ما يأتي هناك بيانه إن شاء الله تعالىٰ. وفيها الردّ على الطبائعيين أيضاً إذْ يجعلونها فاعلةً مستبِدّة. وقد مضى الردّ عليهم في آية التوحيد وفي مسند ٱبن سنجر ـ وٱسمه محمد بن سنْجر ـ حديث: «حديث : إن الله تعالى يخلق عِظام الجنين وغَضارِيفه من مَنِى الرجل وشحمه ولحمه من مَنِى المرأة»تفسير : . وفي هذا أدَلُّ دليل على أن الولد يكون من ماء الرجل والمرأة، وهو صريح في قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ} تفسير : [الحجرات: 13] وفي صحيح مسلم من حديث ثوبان وفيه: أنّ اليهودي قال للنبي صلى الله عليه وسلم: وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان. قال: «ينفعك إن حدّثتك»؟. قال: أسمعُ بأُذُنيّ، قال: جئتك أسألك عن الولد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : ماء الرجل أبيضُ وماء المرأة أصفر فإذا ٱجتمعا فَعَلا مَنىُّ الرجل مَنيَّ المرأة أذكَرا بإذْن الله تعالى وإذا عَلاَ مَنىُّ المرأة مَنىَّ الرجلِ آنَثَا بإذن الله» تفسير : الحديث. وسيأتي بيانه آخر «الشّورَى» إن شاء الله تعالى. الثانية: قوله تعالى: {كَيْفَ يَشَآءُ} يعني من حُسْن وقُبْح وسواد وبَيَاض وطُول وقِصَر وسَلامة وعاهة، إلى غير ذلك من الشقاء والسعادة. وذُكر عن إبراهيم بن أدْهم أنّ القرّاء ٱجتمعوا إليه ليسمعوا ما عنده من الأحاديث، فقال لهم: إني مشغول عنكم بأربعة أشياء، فلا أتفرّغ لرواية الحديث. فقيل له: وما ذاك الشغل؟ قال: أحدها أنِّي أتفكر في يوم المِيثاق حيث قال: «هؤلاء في الجنة ولا أُبَالي وهؤلاء في النار ولا أُبَالي» فلا أدري من أي الفريقين كنتُ في ذلك الوقت. والثاني حيث صُوِّرتُ في الرَّحِم فقال الملك الذي هو موكلّ على الأرحام: «يا ربِّ شَقِيُّ هو أم سعيد» فلا أدري كيف كان الجواب في ذلك الوقت. والثالث حين يقبِضُ ملكُ الموت روحي فيقول: «ياربِّ مع الكفر أم مع الإيمان » فلا أدري كيف يخرج الجواب. والرابع حيث يقول: {أية : وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ} تفسير : [يسۤ: 59] فلا أدري في أيِّ الفريقين أكونُ. ثم قال تعالى: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} أي لا خالق ولا مصوّر سواه؛ وذلك دليل على وحدانيته، فكيف يكون عيسى إلهاً مُصوِّراً وهو مُصوَّرٌ. {ٱلْعَزِيزُ} الذي لا يغالب. {ٱلْحَكِيمُ} ذو الحكمة أو المُحْكِم، وهذا أخص بما ذكر من التصوير.

المحلي و السيوطي

تفسير : {هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ } من ذكورة وأنوثة وبياض وسواد وغير ذلك {لاَ إِلَٰهَ إِلاَّ هُوَ } في ملكه {ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ } في صنعه.

البقاعي

تفسير : ولما قرر سبحانه وتعالى شمول علمه أتبعه دليله من تمام قدرته فقال: ـ وقال الحرالي: ولما كان كل تفصيل يتقدمه بالرتبة مجمل جامع، وكانت تراجم السورة موضع الإجمال ليكون تفصيلها موضع التفاصيل، وكان من المذكور في سورة الكتاب ما وقع من اللبس كذلك كان في هذه السورة التي ترجمها جوامع إلهية ما وقع من اللبس في أمر الإلهية في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام، فكان في هذه الآيه الجامعة توطئة لبيان الأمر في شأنه عليه السلام من حيث إنه مما صور في الرحم وحملته الأنثى ووضعته، وأن جميع ما حوته السماء والأرض لا ينبغي أن يقع فيه لبس في أمر الإلهية؛ انتهى ـ فقال مبيناً أمر قدرته بما لا يقدر عليه عيسى عليه الصلاة والسلام ولا غيره: {هو} أي وحده {الذي} وقرعهم بصرف القول من الغيبه إلى الخطاب ليعظم تنبههم على ما هم فيه من قهر المصور لهم على ما أوجدهم عليه مما يشتهونه ولا يفقهونه فقال: {يصوركم} أي أن كنتم نطفاً من التصوير وهو إقامه الصورة. وهي تمام البادي التي يقع عليها حس الناظر لظهورها، فصورة كل شيء تمام بدوه ـ قال الحرالي: {في الأرحام} أي التي لا اطلاع لكم عليها بوجه، ولما كان التصوير في نفسه أمراً معجباً وشيناً للعقل إذا تأمله وإن كان قد هان لكثرة الإلف باهراً فكيف بأحواله المتباينه وأشكاله المتخالفة المتباينة أشار إلى التعجب من أمره وجليل سره بآلة الاستفهام وإن قالوا: إنها في هذا الوطن شرط، فقال: {كيف} أي كما {يشاء} أي على أي حالة أراد، سواء عنده كونكم من نطفتي ذكر وأنثى أو نطفة أنثى وحدها دليلاً على كمال العلم والقيومية، وإيماء إلى أن من صور في الأرحام كغيره من العبيد لا يكون إلا عبداً، إذ الإله متعال عن ذلك لما فيه من أنواع الاحتياج والنقص. وقال الحرالي: فكان في إلاحة هذه الآية توزيع أمر الإظهار على ثلاثة وجوه تناظر وجوه التقدير الثلاثة التي في فاتحة سورة البقرة، فينتج هدى وإضلالاً وإلباساً أكمل الله به وحيه، كما أقام بتقدير الإيمان والكفر والنفاق خلقه فطابق الأمر الخلق فأقام الله سبحانه وتعالى بذلك قائم خلقه وأمره، فكان في انتظام هذه الإفهامات أن بادي الأحوال الظاهرة عند انتهاء الخلق إنما ظهرت لأنها مودعة في أصل التصوير فصورة نورانية يهتدي بها وصورة ظلمانية يكفر لأجلها، وصورة ملتبسة عيشية علمية يفتتن ويقع الإلباس والالتباس من جهتها، مما لا يفي ببيانها إلا الفرقان المنزل على هذه الأمه، ولا تتم إحاطة جميعها إلا في القرآن المخصوصة به أئمة هذه الأمه ـ انتهى. فقد علم أن التصوير في الرحم أدق شيء علماً وقدرة، فعلم فاعله بغيره والقدرة عليه من باب الأولى فثبت أنه لا كفوء له؛ فلذلك وصل به كلمه الإخلاص ـ وقال الحرالي: ولما تضمنت إلاحة هذه الآية ما تضمنته من الإلباس والتكفير أظهر سبحانه وتعالى كلمه الإخلاص ليظهر نورها أرجاس تلك الإلباسات وتلك التكفيرات فقال: {لا إله إلا هو} إيذاناً بما هي له الإلباس والتكفير من وقوع الإشراك بالإلهية والكفر فيها والتلبس والإلتباس في أمرها؛ فكان في طي هذا التهليل بشرى بنصرة أهل الفرقان وأهل القرآن على أهل الالتباس والكفران وخصوصاً على أهل الإنجيل الذين ذكرت كتبهم صريحاً في هذا التنزيل بل يؤيد إلاحته في التهليل إظهار الختم في هذه الآية بصفتي العزة المقتضية للانتقام من أهل عداوته والحكمة المقتضية لإكرام أهل ولايته؛ انتهى ـ فقال: {العزيز} أي الغالب غلبة لا يجد معها المغلوب وجه مدافعة ولا انفلات، ولا معجز له في إنفاذ شيء من أحكامه {الحكيم *} أي الحاكم بالحكمة، فالحكم المنع عما يترامى إليه المحكوم عليه وحمله على ما يمتنع منه من جميع أنواع الصبر ظاهراً بالسياسة العالية نظراً له، والحكمة العلم بالأمر الذي لأجله وجب الحكم من قوام أمر العاجله وحسن العقبى في الآجلة؛ ففي ظاهر ذلك الجهد، وفي باطنه الرفق، وفي عاجله الكره، وفي آجله الرضى والروح؛ ولايتم الحكم وتستوي الحكمة إلا بحسب سعة العلم، فبذلك يكون تنزيل أمر العزة على وزن الحكمة ـ قاله الحرالي بالمعنى. ولما ختم سبحانه وتعالى بوصف العزة الدالة على الغلبة الدالة على كمال القدرة والحكمة المقتضي لوضع كل شيء في أحسن محاله وأكملها المستلزم لكمال العلم، تقديراً لما مر من التصوير وغيره، وكان هذا الكتاب أكمل مسموعات العباد لنزوله على وجه هو أعلى الوجوه، ونظمه على أسلوب أعجز الفصحاء وأبكم البلغاء ـ إلى غير ذلك من الأمور الباهرة والأسرار الظاهرة، وعلى عبد هو أكمل الخلق؛ أعقب الوصفين بقوله بياناً لتمام علمه وشمول قدرته: {هو} أي وحده {الذي} ولما فصل أمر المنزل إلى المحكم والتشابه نظر إليه جملة كما اقتضاه التعبير بالكتاب فعبر بالإنزال دون التنزيل فقال: {أنزل عليك} أي خاصة {الكتاب} أي القرآن، وقصر الخطاب على النبي صلى الله عليه وسلم لأن هذا موضع الراسخين وهو رأسهم دلالة على أنه لا يفهم هذا حق فهمه من الخلق غيره. قال الحرالي: ولما كانت هذه السورة فيما اختصت به من علن أمر الله سبحانه وتعالى مناظرة بسورة البقرة فيما أنزلت من إظهار كتاب الله سبحانه وتعالى كان المنتظم بمنزل فاتحتها ما يناظر المنتظم بفاتحة سورة البقرة، فلما كانت سورة البقرة منزل كتاب هو الوحي انتظم بترجمتها الإعلام بأمر كتاب الخلق الذي هو القدر، فكما بين في أول سورة البقرة كتاب تقدير الذي قدره وكتبه في ذوات من مؤمن وكافر ومردد بينهما هو المنافق فتنزلت سورة كتاب للوحي إلى بيان قدر الكتاب الخلقي لذلك كان متنزل هذا الافتتاح الإلهي إلى أصل منزل الكتاب الوحي؛ ولما بين أمر الخلق أن منهم من فطره على الإيمان ومنهم من جبله على الكفر ومنهم من أناسه بين الخلقين، بين في الكتاب أن منه ما أنزله على الإحكام ومنه ما أنزله على الاشتباه؛ وفي إفهامه ما أنزله على الافتنان والإضلال بمنزله ختم الكفار؛ انتهى ـ فقال: {منه آيات محكمات} أي لا خفاء بها. قال الحرالي: وهي التي أبرم حكمها فلم ينبتر كما يبرم الحبل الذي يتخذ حكمة أي زماماً يزم به الشيء الذي يخاف خروجه على الانضباط، كأن الآيه المحكمة تحكم النفس عن جولانها وتمنعها من جماحها وتضبطها إلى محال مصالحها، ثم قال: فهي آي التعبد من الخلق للخلق اللائي لم يتغير حكمهن في كتاب من هذه الكتب الثلاث المذكورة، فهن لذلك أم ـ انتهى. ولما كان الإحكام في غاية البيان فكان في تكامله ورد بعض معانيه إلى بعض كالشيء الواحد، وكان رد المتشابه إليه في غايه السهولة لمن رسخ إيمانه وصح قصده واتسع علمه ليصير الكل شيئاً واحداً أخبر عن الجمع بالمفرد فقال: {هن أم الكتاب} والأم الأمر الجامع الذي يؤم أي يقصد، وقال الحرالي: هي الأصل المقتبس منه الشيء في الروحانيات والنابت منه أو فيه في الجسمانيات {وأخر} أي منه {متشابهات} قال الحرالي: والتشابه تراد التشبه في ظاهر أمرين لشبه كل واحد منهما بالآخر بحيث يخفى خصوص كل واحد منهما؛ ثم قال: وهن الآي التي أخبر الحق سبحانه وتعالى فيهن عن نفسه وتنزلات تجلياته ووجوه إعانته لخلقه وتوفيقه وإجرائه ما أجرى من اقتداره وقدرته في بادئ ما أجراه عليهم، فهن لذلك متشبهات من حيث إن نبأ الحق عن نفسه لا تناله عقول الخلق، ولا تدركه أبصارهم، وتعرف لهم فيما تعرف بمثل أنفسهم، فكأن المحكم للعمل والمتشابه لظهور العجز، فكان لذلك حرف المحكم أثبت الحروف عملاً، وحرف المتشابه أثبت الحروف إيماناً، واجتمعت على إقامته الكتب الثلاث، واختلفت في الأربع اختلافاً كثيراً فاختلف حلالها وحرامها وأمرها ونهيها، واتفق على محكمها ومتشابهها ـ انتهى. فبين سبحانه وتعالى بهذا أنه كما يفعل الأفعال المتشابهه ـ مثل تصوير عيسى عليه الصلاة والسلام من غير نطفة ذكر، مع إظهار الخوارق على يديه لتبين الراسخ في الدين من غيره ـ كذلك يقول الأقوال المتشابهه، وأنه فعل في هذا الكتاب ما فعل في غيره من كتبه من تقسيم آياته إلى محكم ومتشابه ابتلاء لعباده ليبين فضل العلماء الراسخين الموقنين بأنه من عنده، وأن كل ما كان من عند الله سبحانه وتعالى فلا اختلاف فيه في نفس الأمر، لأن سبب الاختلاف الجهل أو العجز، وهو سبحانه وتعالى متعال جده منزه قدره عن شيء من ذلك، فبين فضلهم بأنهم يؤمنون به، ولا يزالون يستنصرون منه سبحانه وتعالى فتح المنغلق وبيان المشكل حتى يفتحه عليهم بما يرده إلى المحكم، وهذا على وجه يشير إلى المهمة الذي تاه فيه النصارى، والتيه الذي ضلوا فيه عن المنهج، واللج الذي أغرق جماعاتهم، وهو المتشابه الذي منه أنهم زعموا أن عيسى عليه الصلاة والسلام كان يقول له القائل: يا رب! افعل لي كذا ـ ويسجد له، فيقره على ذلك ويجيب سؤاله، فدل ذلك على أنه إله، ومنه إطلاقه على الله سبحانه وتعالى أباً وعلى نفسه أنه ابنه، فابتغوا الفتنه فيه واعتقدوا الأبوة والنبوة على حقيقتهما ولم يردوا ذلك إلى المحكم الذي قاله لهم فأكثر منه، كما أخبر عنه أصدق القائلين سبحانه وتعالى في الكتاب المتواتر الذي حفظه من التحريف والتبديل: {أية : لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه}تفسير : [فصلت: 42]، وهو {أية : إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً وجعلني مباركاً أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً}تفسير : [مريم: 30، 31] {أية : ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم}تفسير : [المائدة: 117] {أية : إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم }تفسير : [مريم: 51]، هذا مما ورد في كتابنا الذي لم يغيروا ما عندهم فإن كانوا قد بدلوه فقد ـ ولله الحمد ـ منه في الأناجيل الأربعة التي بين أظهرهم الآن في أواخر هذا القرن التاسع من المحكم ما يكفي في رد المتشابه إليه، ففي إنجيل لوقا أن جبريل عليه الصلاة والسلام ملاك الرب لما تبدى لمريم مبشراً بالمسيح عليه السلام وخافت منه قال لها: لا تخافي يا مريم ظفرت بنعمة من عند الله سبحانه وتعالى، وأنت تقبلين حبلاً وتلدين ابناً يدعى يسوع، يكون عظيماً، وابن العذراء يدعى؛ ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه؛ وفي إنجيله أيضاً وإنجيل متى أن عيسى عليه الصلاة والسلام قال ـ وقد أمره إبليس أن يجرب قدره عند الله بأن يطرح نفسه من شاهق: مكتوب: لا تجرب الرب إلهك، وقال ـ وقد أمره أن يسجد له: مكتوب: للرب إلهك اسجد، وإياه وحده اعبد، وصرح أن الله سبحانه وتعالى واحد في غير موضع؛ وفي إنجيل لوقا أنه دفع إلى المسيح سفر أشعيا النبي فلما فتحه وجد الموضع الذي فيه مكتوب: روح الرب عليّ، من أجل هذا مسحني وأرسلني لأبشر المساكين وأبشر بالسنة المقبولة للرب، والأيام التي أعطانا إلهنا، ثم طوى السفر ودفعه إلى الخادم؛ وفيه وفي غيره من أناجيلهم: من قبل هذا فقد قبلني، ومن قبلني فقد قبل الذي أرسلني، ومن سمع منكم فقد سمع مني، ومن جحدكم فقد جحدني، ومن جحدني فقد شتم الذي أرسلني ومن أنكرني قدام الناس أنكرته قدام الناس، أنكرته قدام ملائكة الله، وفي إنجيل يوحنا أنه قال عن نفسه عليه الصلاة والسلام: الذي أرسله الله إنما ينطق بكلام الله لأنه ليس بالكيس، أعطاه الله الروح، وقال: قد سأله تلاميذه أن بأكل فقال لهم: طعامي أن أعمل مسرة من أرسلني وأتم عمله؛ وفيه في موضع آخر: الحق الحق أقول لكم! أن من يسمع كلامي وآمن بمن أرسلني وجبت له الحياة المؤبده، لست أقدر أعمل شيئاً من ذات نفسي، وإنما أحكم بما أسمع، وديني عدل لأني لست أطلب مسرتي بل مسرة من أرسلني؛ وفي إنجيل مرقس أنه قال لناس: تعلمتم وصايا الناس وتركتم وصايا الله، وزجر بعض من اتبعه فقال: اذهب يا شيطان! فإنك لم تفكر في ذات الله، وتفكر في ذات الناس؛ فقد جعل الله إلهه وربه ومعبوده، واعترف له بالوحدانيه وجعل ذاته مبايناً لذات الناس الذي هو منهم؛ وفي جميع أناجيلهم نحو هذا، وأنه كان يصوم ويصلي لله ويأمر تلاميذه بذلك، ففي إنجيل لوقا أنهم قالوا له: يا رب! علمنا نصلي كما علم يوحنا تلاميذه، فقال لهم: إذا صليتم فقولوا: أبانا الذي في السماوات يتقدس اسمك! كفافنا أعطنا في كل يوم، واغفر لنا خطايانا لأنا نغفر لمن لنا عليه، ولا تدخلنا في التجارب، لكن نجنا من الشرير؛ ولما دخل الهيكل بدأ يخرج الذين يبيعون ويشترون فيه، فقال لهم: مكتوب أن بيتي هو بيت الصلاة وأنتم جعلتموه مفازة اللصوص! فعلم من هذا كله أن إطلاق اسم الرب عليه لأن الله سبحانه وتعالى أذن له أن يفعل بعض أفعاله التي ليست في قدرة البشر، والرب يطلق على السيد أيضاً، كما قال يوسف عليه الصلاة والسلام: {أية : اذكرني عند ربك}تفسير : [يوسف: 42]. ثم وجدت في أوائل إنجيل يوحنا أن الرب تأويله العلم، ولو ردوا أيضاً الأب والابن إلى هذا المحكم وأمثاله ـ وهي كثيرة في جميع أناجيلهم ـ لعلموا بلا شبهة أن معناه أن الله سبحانه وتعالى يفعل معه ما يفعل الوالد مع ولده من الترية والحياطة والنصرة والتعظيم والإجلال، كما لزمهم حتماً أن يأولوا قوله فيما قدمته: أبانا الذي في السماوات، وقوله في إنجيل متى لتلاميذه: هكذا فليضىء نوركم قدام الناس ليروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السماوات، وقال: وأحسنوا إلى من أبغضكم، وصلوا على من يطردكم ويخزيكم لكيما تكونوا بني أبيكم الذي في السماوات، لأنه المشرق شمسه على الأخيار والأشرار، والممطر على الصديقين والظالمين، انظروا! لا تصنعوا أمراً حكم قدام الناس لكي يروكم، فليس لكم أجر عند أبيكم الذي في السماوات، وإذا صنعت رحمة فلا تضرب قدامك بالبوق، ولا تصنع كما يصنع المراؤون في المجامع وفي الأسواق لكي يمجدوا من الناس، الحق أقول لكم! لقد أخذوا أجرهم؛ وأنت إذا صنعت رحمة لا تعلم شمالك ما صنعته يمينك، لتكون صدقة في خفية، وأبوك الذي يرى الخفية يعطيك على نية؛ وقل في الفصل العاشر منه: وصل لأبيك سراً، وأبوك يرى السر فيعطيك علانية. وهكذا في جميع آيات الأحكام من الإنجيل كرر لهم هذه اللفظة تكريراً كثيراً، فكما تأول لها النصارى بأن المراد منها تعظيمهم له أشد من تعظيمهم لآبائهم ليعتني بهم أكثر من اعتناء الوالد بالولد فكذلك يأولون ما في إنجيل لوقا وغيره أن أم عيسى وإخواته أتوا اليه فلم يقدروا لكثره الجمع على الوصول إليه فقالوا له أملك وإخواتك خارجاً يريدون أن ينظروا إليك، فأجاب: أمي وأخوتي الذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها؛ فكذلك يلزمهم تأويلها في حق عيسى عليه الصلاة والسلام لذلك ليرد المتشابه إلى المحكم. وإن لم يأولوا ذلك في حق أنفسهم وحملوه على الظاهر ـ كما هو ظاهر قوله سبحانه وتعالى: {أية : وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه}تفسير : [المائدة: 18] كانوا مكابرين في المحسوس بلا شبهة، فإن كل أحد منهم مساو لجميع الناس وللبهائم في أن له أبوين، وكانت دعواهم هذة ساقطة لا يردها عليهم إلا من تبرع بإلزامهم بمحسوس آخر هم به يعترفون، وقد أقام هو نفسه عليه الصلاة والسلام أدلة على صرفها عن ظاهرها، منها غير ما تقدم أنه كثيراً ما كان يخبر عن نفسه فيقول: ابن الإنسان يفعل كذا، ابن البشر قال كذا يعني نفسه الكريمة، فحيث نسب نفسه إلى البشر كان مريداً للحقيقة، لأنه ابن امرأة منهم، وهو مثلهم في الجسد، والمعاني حيث نسبها إلى الله سبحانه وتعالى كان على المجاز ـ كما تقدم. وأما السجود فقد ورد في التوراة كثيراً لأحاد الناس من غير نكير، فكأنه كان جائزاً في شرائعهم فعله لغير الله سبحانه وتعالى على وجه التعظيم ـ والله سبحانه وتعالى أعلم، وأما نحن فلا يجوز فعله لغير الله، ولا يجوز في شريعتنا أصلاً إطلاق الأب ولا الابن بالنسبة إليه سبحانه وتعالى، وكذا كل لفظ أوهم نقصاً سواء صح أن ذلك كان جائزاً في شرعهم أم لا، وإذا راجعت تفسير البيضاوي لقوله سبحانه وتعالى في البقرة {أية : إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون}تفسير : [ البقرة: 117] زادك بصيرة فيما هنا؛ والحاصل أنهم لم يصرفوا ذلك في حق عيسى عليه الصلاة والسلام عن ظاهره وحقيقته وتحكموا بأن المراد منه المجاز وهو هنا إطلاق اسم الملزوم على اللازم، وكذا غيره من متشابه الإنجيل، كما فعلنا نحن بمعونة الله سبحانه وتعالى في وصف الله سبحانه وتعالى بالرضى والغضب والرحمة والضحك وغير ذلك مما يستلزم حمله على الظاهر وصفات المحدثين، وكذا ذكر اليد والكف والعين ونحو ذلك فحملنا ذلك كله على أن المراد منه لوازمه وغاياته مما يليق بجلاله سبحانه وتعالى مع تنزيهنا له سبحانه وتعالى عن كل نقص وإثباتنا له كل كمال، فإن الله سبحانه وتعالى عزه وجده وجل قدره ومجده أنزل حرف المتشابه ابتلاء لعباده لتبين الثابت من الطائش والموقن من الشاك. قال الحرالي في كتابه عروة المفتاح: وجه إنزال هذا الحرف تعرف الحق للخلق بمعتبر ما خلقهم عليه ليلفتوا عنه وليفهموا خطابه، وليتضح لهم نزول رتبهم عن علو ما تعرف به لهم، وليختم بعجزهم عن إدراك هذا الحرف علمهم بالأربعة يعني الأمر و النهي والحلال والحرام، وحبسهم بالخامس وتوقفهم عنه والاكتفاء بالإيمان منه ما تقدم من عملهم بالأربعة، واتصافهم بالخامس ليتم لهم العبادة بالوجهين من العمل والوقوف والإدراك والعجز {أية : فارجع البصر هل ترى من فطور}تفسير : [الملك: 3]علماً وحساً {أية : ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير}تفسير : [الملك: 4] عجزاً، أعلمهم بحظ من علم أنفسهم وغيرهم بعد أن أخرجهم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئاً ثم أعجزهم عن علم أمره وأيامه الماضية والآتية وغائب الحاضرة ليسلموا له اختيار فيرزقهم اليقين بأمره وغائب أيامه، كما أسلموا له في الصغر اضطراراً، فرزقهم حظاً من علم خلقه، فمن لم يوقفه في حد الإيمان اشتباه خطابه سبحانه وتعالى عن نفسه وما بينه وبين خلقه وحاول تدركه بدليل أو فكر أو تأويل حرم اليقين بعلي الأمر والتحقيق في علم الخلق، وأوخذ بما أضاع من محكم ذلك المتشابه حين اشتغل لما يعنيه من حال نفسه بما لا يعنيه من أمر ربه، فكان كالمتشاغل بالنظر في ذي الملك، وتنظره يرمي نفسه عن مراقبة ما يلزمه من تفهم حدوده وتذلـلـه لحرمته؛ وجوامع منزل هذا الحرف في رتبتين: مبهمة ومفصلة، أما انبهامه فلوقوف العلم به على تعريف الله سبحانه وتعالى من غير واسطة من وسائط النفس من فكر ولا استدلال، وليتدرب المخاطب بتوقفه على المبهم على توقفه عن مفصله ومبهمه، وهو جامع الحروف المنزلة في أوائل السور التسع والعشرين من سوره وبه افتتح الترتيب في القرآن، ليتلقى الخلق بادي أمر الله بالعجز والوقوف والاستسلام إلى أن يمن الله سبحانه وتعالى بعلمه بفتح من لدنه، ولذلك لم يكن في تنزيله في هذه الرتبة ريب لمن علمه الله سبحانه وتعالى كنهه من حيث لم يكن للنفس مدخل في علمه، وذلك قوله سبحانه وتعالى: {أية : آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه }تفسير : [البقرة: 1، 2] لمن علمه الله إياه {أية : هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب}تفسير : [البقرة: 2، 3] وقوفاً عن محاولة علم ما ليس في وسع الخلق علمه، حتى تلحقه العنايه من ربه فعلمه ما لم يكن في علمه؛ وأما الرتبة الثانية فمتشابه الخطاب المفصل المشتمل على إخبار الله عن نفسه وتنزيلات أمره، ورتب إقامات خلقه بإبداع كلمته وتصيير حكمته وباطن ملكوته وعزيز جبروته وأحوال أيامه؛ وأول ذلك في ترتيب القرآن إخباره عن استوائه في قوله: {أية : ثم استوى إلى السماء}تفسير : [البقرة: 29] إلى قوله سبحانه وتعالى {أية : فأينما تولوا فثم وجه الله} تفسير : [لبقرة: 115] ـ إلى سائر ما أخبر عنه من عظم شأنه في جملة آيات متعددات لقوله سبحانه وتعالى {أية : إلا لنعلم من يتبع الرسول}تفسير : [البقرة: 143]، {أية : فإني قريب}تفسير : [البقرة: 186] {أية : هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظل من الغمام والملائكة} تفسير : [البقرة: 210]، {أية : الله لا إله إلا هو الحي القيوم}تفسير : [البقرة: 255] {أية : فأذنوا بحرب من الله ورسوله}تفسير : [البقرة: 279]، {هو الذي يصوركم في الأرحام} [آل عمران: 6]، {أية : ويحذركم الله نفسه}تفسير : [آل عمران: 128]، {أية : ولله ملك السماوات والأرض}تفسير : [آل عمران: 189]، {أية : والله على كل شيء قدير}تفسير : [البقرة: 284]، {أية : وكان الله سميعاً بصيراً}تفسير : [النساء: 85]، {أية : بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء}تفسير : [المائده: 64]، {أية : وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم}تفسير : [الأنعام: 3]، {أية : خلق السماوات والأرض}تفسير : [الأعراف: 54]، {أية : ثم استوى على العرش}تفسير : [الأعراف: 54]، {أية : ولتصنع على عيني}تفسير : [طه: 39]، {أية : قل من بيده ملكوت كل شيء}تفسير : [المؤمنون: 88]، {أية : فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله}تفسير : [القصص: 30]، {أية : كل شيء هالك إلا وجهه}تفسير : [القصص: 88]، {أية : هو الذي يصلي عليكم وملائكته}تفسير : [الأحزاب: 43]، {أية : إن الله وملائكته يصلون علىالنبي}تفسير : [الأحزاب: 56]، {أية : ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي}تفسير : [الأعراف: 12]، {أية : وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله} تفسير : [الزخرف: 84]، {أية : وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه}تفسير : [الجاثيه: 13]، {أية : وله الكبرياء في السماوات والأرض}تفسير : [الجاثيه: 37]، {أية : كل من عليها فان ويبقى وجه ربك}تفسير : [الرحمن: 26، 27]، {أية : هو الأول والآخر والظاهر والباطن}تفسير : [الحديد: 3]، {أية : وهو معكم أين ما كنتم}تفسير : [الحديد: 4]، {أية : ما يكون من نجوى ثلاثه إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا} تفسير : [المجادلة: 7]، {أية : فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا}تفسير : [الحشر: 2]، {أية : تبارك الذي بيده الملك}تفسير : [الملك: 1]، {أية : تعرج الملائكة والروح إليه}تفسير : [المعارج:4]، {أية : وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة}تفسير : [القيامة: 22، 23]، {أية : وما تشاؤون إلا أن يشاء الله}تفسير : [الإنسان:30]، {أية : وجاء ربك والملك صفاً صفاً}تفسير : [الفجر: 22] إلى سائر ما أخبر فيه عن تنزلات أمره وتسوية خلقه وما أخبرعنه حبيبه صلى الله عليه وسلم من محفوظ الأحاديث التي عرف بها أمته ما يحملهم في عبادتهم على الانكماش والجد والخشية والوجل والإشفاق وسائر الأحوال المشار إليها في حرف المحكم من نحو حديث النزول والقدمين والصورة والضحك والكف والأنامل، وحديث عناية لزوم التقرب بالنوافل وغير ذلك من الأحاديث التي ورد بعضها في الصحيحين، واعتنى بجمعها الحافظ المتقن أبو الحسن الدارقطني رحمه الله تعالى، ودوَّن بعض المتكلمين جملة منها لقصد التأويل، وشدد النكير في ذلك أئمة المحدثين، يؤثر عن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه ورحمة أنه قال: آيات الصفات وأحاديث الصفات صناديق مقفلة مفاتيحها بيد الله سبحانه وتعالى، تأويلها تلاوتها، ولذلك أئمة الفقهاء وفتياهم لعامة المؤمنين والذي اجتمعت عليه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ولقنته العرب كلها أن ورود ذلك عن الله ومن رسوله ومن الأئمة إنما هو لمقصد الإفهام، لا لمقصد الإعلام، فلذلك لم يستشكل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم شيئاً قط، بل كلما كان وارده عليهم أكثر كانوا به أفرح، وللخطاب به أفهم، حتى قال بعضهم لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله تعالى يضحك من عبده: لا نعدم الخير من رب يضحك" تفسير : وهم وسائر العلماء بعدهم صنفان: إما متوقف عنه في حد الإيمان، قانع بما أفاد من الإفهام، وإما مفتوح عليه بما هو في صفاء الإيقان، وذلك أن الله سبحانه وتعالى تعرف لعباده في الأفعال والآثار في الآفاق وفي أنفسهم تعليماً، وتعرف للخاصة منهم بالأوصاف العليا والأسماء الحسنى مما يمكنهم اعتباره تعجيزاً، فجاوزوا حدود التعلم بالإعلام إلى عجز الإدراك فعرفوا أن لا معرفة لهم، وذلك هو حد العرفان وإحكام قراءة هذا الحرف المتشابه في منزل القرآن، وتحققوا أن {أية : ليس كمثله شيء}تفسير : [الشورى: 11] و {أية : لم يكن له كفواً أحد}تفسير : [الإخلاص: 4] فتهدفوا بذلك لما يفتحه الله على من يحبه من صفاء الإيقان، والله يحب المحسنين. ثم قال فيما به تحصل قراءة هذا الحرف: اعلم أن تحقيق الإسلام بقراءة حرف المحكم لا يتم إلا بكمال الإيمان بقراءة حرف المتشابه تماماً لأن حرف المحكم حال يتحقق للعبد. ولما كان حرف المتشابه إخباراً عن نفسه سبحانه وتعالى بما يتعرف به لخلقه من أسماء وأوصاف كانت قراءته بتحقق العبد أن تلك الأسماء والأوصاف ليست مما تدركه حواس الخلق ولا ما تناله عقولهم، وإن أجرى على تلك الاسماء والأوصاف على الخلق فيوجه، لا يلحق أسماء الحق ولا أوصافه منها تشبيه في وهم ولا تمثيل في عقل {أية : ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}تفسير : [الشورى: 11]، {أية : ولم يكن له كفواً أحد}تفسير : [الإخلاص: 4]، فلاذي يصح به قراءة هذا الحرف أما من جهة القلب فالمعرفة بأن جميع أسماء الحق وأوصافه تعجز عن معرفتها إدراكات الخلق وتقف عن تأويلها إجلالاً وإعظاماً معلوماتُهم، وأن حسبها معرفتها بأنها لا تعرفها، وأما من جهة حال النفس والاستكانة لما يوجبه تعرف الحق بتلك الأسماء والأوصاف من التحقق بما يقابلها والبراءة من الاتصاف بها لأن ما صلح للسيد حرم على العبد لتحقق فقر الخلق من تسمي الحق بالغنى، ولا يتسمى بالغنى فيقدح في هداه، فيهلك باسمه ودعواه، ولتحقق ذلهم من تسميته تعالى بالعزة وعجزهم عن تسميته بالقدرة، واستحقاق تخليهم من جميع ما تعرف به من أوصاف الملك والسلطان والغضب والرضى والوعد والوعيد والترغيب والترهيب ـ إلى سائر ما تسمى به في جميع تصرفاته مما ذكر في المتشابه من الآي، وأشير إليه من الأحاديث، وما عليه اشتملت "واردات الأخبار" في جميع الصحف والكتب، ومرائي الصالحين ومواقف المحدثين ومواجد المروّعين؛ وأما من جهة العمل فحفظ اللسان عن إطلاق ألفاظ التمثيل والتشبيه تحقيقاً لما في مضمون قوله سبحانه وتعالى {أية : ولم يكن له كفواً أحد}تفسير : [الإخلاص: 4] لأن مقتضاها الرد على المشبه من هذه الأمة، وليس لعمل الجوارح في هذا الحرف مظهر سوى ما ذكر من لفظ اللسان، فقراءته كالتوطئة لتخليص العبادة بالقلب في قراءة مفرد حرف الأمثال؛ والله العلي الكبير ـ انتهى. وقد تقدم حرف الأمثال عند قوله تعالى {أية : مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً}تفسير : [البقرة: 7] وقد بين سبحانه وتعالى أنه لا يضل بحرف المتشابه إلا ذوو الطبع العوج الذين لم ترسخ أقدامهم في الدين ولا استنارت معارفهم في العلم فقال: {فأما الذين في قلوبهم زيغ} أي اعوجاج عدلوا به عن الحق. وقال الحرالي: هو ميل المائل إلى ما يزين لنفسه الميل إليه، والمراد هنا أشد الميل الذي هو ميل القلب عن جادة الاستواء وفي إشعاره ما يلحق بزيغ القلوب من سيىء الأحوال في الأنفس وزلل الأفعال في الأعمال، فأنبأ تعالى عما هو الأشد وأبهم ما هو الأضعف: {فيتبعون} في إشعار هذه الصيغة بما تنبئ عنه من تكلف المتابعه بأن من وقع له الميل فلفته لم تلحقه مذمه هذا الخطاب، فإذا وقع الزلل ولم يتتابع حتى يكون اتباعاً سلم من حد الفتنة بمعالجة التوبة {ما تشابه منه} فأبهمه إبهاماً يشعر بما جرت به الكليات فيما يقع نبأ عن الحق وعن الخلق من نحو أوصاف النفس كالتعليم والحكيم وسائر أزواج الأوصاف كالغضب والرضى بناء على الخلق في بادئ الصورة من نحو العين واليد والرجل والوجه وسائر بوادي الصورة، كل ذلك مما أنه متشابهات أنزلها الله تعالى ليتعرف للخلق بما جبلهم عليه مما لو لم يتعرف لهم به لم يعرفوه، ففقائدة إنزالها التعرف بما يقع به الامتحان بإحجام الفكر عنه والإقدام على التعبد له، ففائدة إنزاله عملاً في المحكم وفائدة إنزاله فيه توقفاً عنه ليقع الابتلاء بالوجهين: عملاً بالمحكم ووقوفاً عن المتشابه، قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : لا تتفكروا في الله"تفسير : وقال علي رضي الله عنه: من تفكر في ذات الله تزندق ووافق العلماء إنكار الخلق عن التصرف في تكييف شيء منه، كما ذكر عن مالك رحمه الله تعالى في قوله: الكيف مجهول والسؤال عنه بدعة، فالخوض في المتشابه بدعة، والوقوف عنه سنة؛ وأفهم عنه الإمام أحمد يعني فيما تقدم في آيات الصفات من أن تأويلها تلاوتها، هذا هو حد الإيمان وموقفه، وإليه أذعن الراسخون في العلم، وهم الذين تحققوا في أعلام العلم، ولم يصغوا إلى وهم التخييل والتمثل به في شيء مما أنبأ الله سبحانه وتعالى به نفسه ولا في شيء مما بينه وبين خلقه وكان في توقفهم عن الخوض في المتشابه تفرغهم للعمل في المحكم، لأن المحكم واضح وجداني، متفقه عليه مدارك الفطن وإذعان الجبلات ومنزلات الكتب، لم يقع فيه اختلاف بوجه حتى كان لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، للزوم الواجب من العمل بالمحكم في إذعان النفس، فكما لا يصلح العراء عن الاتصاف بالمحكم لا يصلح الترامي إلى شيء من الخوض في المتشابه لأحد من أهل العلم والإيمان أهل الدرجات، لأن الله سبحانه وتعالى جبل الخلق وفطرهم على إدراك حظ من أنفسهم من أحوالهم، وأوقفهم عن إدراك ما هو راجع إليه، فأمر الله وتجلياته لا تنال إلا بعنايه منه، يزج العبد زجه يقطع به الحجب الظلمانية والنورانية التي فيها مواقف العلماء؛ فليس في هذا الحرف المتشابه إلا أخذ لسانين: لسان وقفة عن حد الإيمان للراسخين في العلم المشتغلين بالاتصاف بالتذلل والتواضع والتقوى والبر الذي أمر صلى الله عليه وسلم أن يتبع فيه حتى ينتهي العبد إلى أن يحبه الله، فيرفع عنه عجز الوقفه عن المتشابه، وينقذه من حجاب النورانية، فلا يشكل عليه دقيق ولا يعييه خفي بما أحبه الله، وما بين ذلك من خوض دون إنقاذ هذه العناية فنقص عن حد رتبة الإيمان والرسوخ في العلم، فكل خائض فيه ناقص من حيث يحب أن يزيد، فهو إما عجز إيماني من حيث الفطر الخلقي، وإما تحقق إيقاني توجبه العناية والمحبة ـ انتهى. ولما ذكر سبحانه وتعالى اتباعهم له ذكر علته فقال: {ابتغاء الفتنة} أي تمييل الناس عن عقائدهم بالشكوك {وابتغاء تأويله} أي ترجيعه إلى ما يشتهونه وتدعوا إليه نفوسهم المائلة وأهويتهم الباطلة بادعاء أنه مآله. قال الحرالي: والابتغاء افتعال: تكلف البغي، وهو شدة الطلب، وجعله تعالى ابتغاءين لاختلاف وجهيه، فجعل الأول فتنة لتعلقه بالغير وجعل الثاني تأويلاً أي طلباً للمآل عنده، لاقتصاره على نفسه، فكان أهون الزيغين ـ انتهى. ولما بين زيغهم بين أن نسبة خوضهم فيما لا يمكنهم علمه فقال: {وما} أي والحال أنه ما {يعلم} في الحال وعلى القطع {تأويله} قال الحرالي: هو ما يؤول إليه أمر الشيء في مآله إلى معاده {إلا الله} أي المحيط قدرة وعلماً، قال: ولكل باد من الخلق مآل كما أن الآخرة مآل الدنيا {أية : يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق} تفسير : [الأعراف: 53] لذلك كل يوم من أيام الآخرة مآل للذي قبله، فيوم الخلود مآل يوم الجزاء، ومآل الأبد مآل يوم الخلود؛ وأبد الأبد مآل الأبد، وكذلك كل الخلق له مآل من الأمر, فأمر الله مآل خلقه وكذلك الأمر، كل تنزيل أعلى منه مآل التنزيل الأدنى إلى كمال الأمر، وكل أمر الله مآل من أسمائه وتجلياته، وكل تجل أجلى مآل لما دونه من تجل أخفى، قال عيه الصلاة والسلام: "حديث : فيأتيهم ربهم في غير الصورة التي يعرفونها ـ الحديث إلى قوله: أنت ربنا" تفسير : فكان تجليه الأظهر لهم مآل تجليه الأخفى عنهم؛ فكان كل أقرب للخلق من غيب خلق وقائم أمر وعلى تجل إبلاغاً إلى ما وراءه ـ فكان تأويله، فلم تكن الإحاطة بالتأويل المحيط إلا لله سبحانه وتعالى. ولما ذكر الزائغين ذكر الثابتين فقال: {والراسخون في العلم} قال الحرالي: وهم المتحققون في أعلام العلم من حيث إن الرسوخ ـ النزول بالثقل في الشيء الرخو ـ ليس الظهورعلى الشيء، فلرسوخهم كانوا أهل إيمان، ولو أنهم كانوا ظاهرين على العلم كانوا أهل إيقان، لكنهم راسخون في العلم لم يظهروا بصفاء الإيقان على نور العلم، فثبتهم الله سبحانه وتعالى عند حد التوقف فكانوا دائمين على الإيمان بقوله: {يقولون آمنا به} بصيغة الدوام ـ انتهى أي هذا حالهم في رسوخهم. ولما كان هذا قسيماً لقوله: {وأما الذين في قلوبهم زيغ} كان ذلك واضحاً في كونه ابتداء وأن الوقوف على ما قبله، ولما كان هذا الضمير محتملاً للمحكم فقط قال: {كل} أي من المحكم والمتشابه. قال الحرالي: وهذه الكلمة معرفة بتعريف الإحاطة التي أهل النحاة ذكرها في وجوه التعريف إلا من ألاح معناها منهم فلم يلقن ولم ينقل جماعتهم ذلك؛ وهو من أكمل وجوه التعريف، لأن حقيقة التعريف التعين بعيان أو عقل، وهي إشارة إلى إحاطة ما أنزله على إبهامه، فكان مرجع المتشابه والمحكم عندهم مرجعاً واحداً، آمنوا بمحل اجتماعه الذي منه نشأ فرقانه، لأن كل مفترق بالحقيقة إنما هو معروج من حد اجتماع، فما رجع إليه الإيمان في قلولهم: آمنا به، هو محل اجتماع المحكم والمتشابه في إحاطة الكتاب قبل تفصيله ـ انتهى. {من عند ربنا} أي المحسن إلينا بكل اعتبار، ولعله عبر بعند وهي بالأمر الظاهر بخلاف لدن إشارة إلى ظهور ذلك عند التأمل، وعبروه عن الاشتباه. ولما كان مع كل مشتبه أمر إذا دقق النظر فيه رجع إلى مثال حاضر للعقل إما محسوس وإما في حد ظهور المحسوس قال ـ معمماً لمدح المتأملين على دقة الأمر وشدة عموضه بإدغام تاء التفعل مشيراً إلى أنهم تأهلوا بالرسوخ إلى الارتقاء عن رتبته، ملوحاً إلى أنه لا فهم لغيرهم عاطفاً على ما تقديره: فذكرهم الله من معاني المتشابه ببركه إيمانهم وتسليمهم بما نصبه من الآيات في الآفاق وفي أنفسهم ما يمكن أن يكون إرادة منه سبحانه وتعالى وإن لم يكن على القطع بأنه إرادة: {وما يذكر} أي من الراسخين بما سمع من المتشابه ما في حسه وعقله من أمثال ذلك {إلا أولوا الألباب*} قال الحرالي: الذين لهم لب العقل الذي للراسخين في العلم ظاهره، فكان بين أهل الزيغ وأهل التذكر مقابلة بعيدة، فمنهم متذكر ينتهي إلى إيقان، وراسخ في العلم يقف عند حد إيمان، ومتأول يركن إلى لبس بدعة، وفاتن يتبع هوى؛ فأنبأ جملة هذا البيان عن أحوال الخلق بالنظر إلى تلقي الكتاب كما أنبأ بيان سورة البقرة عن جهات تلقيهم للأحكام ـ انتهى.

السلمي

تفسير : قولاه تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ} [الآية: 6]. قيل: يُصورُكم عالمًا به وعالمًا بصفاته وعالمًا بأوامره وجاحدًا له فمن يصحبه حُزن ما قدر عليه فى وقت تصويره من الشقاوة والسعادة فهو الجاهلُ بهِ والآمنُ مكره. قال محمد بن على: {هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ} من الأنوار والظلمات. قال النبى صلى الله عليه وسلم: " حديث : إنَّ الله تعالى خلق الخلق فى ظلمةٍ، وألقى عليهم من نوره فمن أصاب ذلك النورُ اهتدى، ومن أخطأهُ ضَلّ ". تفسير : قال الحسين: خصوصية تصويره إياك قومك وسواك وعدلك وأنزلك منزلة المخاطبين.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ}. هذا فيما لا يزال من حيث الخلقة، وهو الذي قدَّر أحوالكم في الأزل كيف شاء، وهذا فيما لم يزل من حيث القضاء والقسمة. {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}. فلا يُعَقَّبُ حكمهُ بالنقض، أو يُعَارَضُ تقديره بالإهمال والرفض.

البقلي

تفسير : {هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ} اى الذى يلبسكم فى الارحام نور جمال القدرة ويزينكم بحسن عكس المشاهدة وليس الناظر اذا نطر الى وجوهكم بادراك حسن ابداعه واظهار جلال ربوبيته فى وجوهكم كما قال تعالى لكليمه والقيت عليك محبة منى وايضا هى الذى يصوركم فى الارحام على استعداد الولاية والهداية وايضا يصوركم بانين فى علوم المعارف او مطمئنين فى كشف نور الحقائق او المخبتين تحت اثقال المعاملات والمحسنين فى شرق المقامات كما كان فى علم ازليته وقيل بصوركم عالما به وعالما بصفاته وعالما باوامره وجاهدا له فمن لم يصحيه حزن ما قدر عليه فى وقت تصويره من السعادة والشقاوة فهو الجاهل به والامن من مكره وقال محمد بن على هو الذى يصروكم فى الارحام كيف يشاء من الانوار والظلمات قال النبي صلى الله عليه وسلم ان الله خلق الخلق فى ظلمة والقى عليهم من نوره فمن اصابه ذلك نور اهتدى ومن اخطاه ضل وقال الحسين خصوصية تصويره اياك قمك فسواك وعدلك وانزلك منزلة المخاطبين.

اسماعيل حقي

تفسير : {هو الذى يصوركم فى الارحام كيف يشاء} اي يجعلكم على هيئة مخصوصة فى ارحام امهاتكم من ذكر وانثى واسود وأبيض وتام وناقص وطويل وقصير وحسن وقبيح وهو رد على الذين قالوا عيسى الله وابن الله لان من صور فى الرحم يمتنع ان يكون الها أو ولد الله لكونه مركبا وحالا فى المركب وفى عرض الفناء والزوال {لا اله الا هو} نزه نفسه ان يكون عيسى ابنا له {العزيز الحكيم} المتناهى في القدرة والحكمة فربكم يخلقكم على النمط البديع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : "ان خلق احدكم يجمع في بطن امه اربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله اليه الملك باربع كلمات فيكتب رزقه وعمله واجله وشقى او سعيد" قال "وان احدكم ليعمل بعمل اهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل اهل النار فيدخلها وان احدكم ليعمل بعمل اهل النار حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها""تفسير : وقال عليه السلام " حديث : يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر فى الرحم باربعين او بخمس واربعين ليلة فيقول يارب أشقى او سعيد فيكتبان فيقول اى رب أذكر أو انثى فيكتبان ويكتب عمله واثره واجله ورزقه ثم تطوى الصحف فلا يزاد فيها لا ينقص ثم يقول الملك يارب ما اصنع بهذا الكتاب فيقول علقه في عنقه الى قضائى عليه فذلك قوله تعالى {وكل انسان ألزمناه طائره فى عنقه} ".تفسير : اى علمه من خير وشر صادر عنه باختياره حسبما قدر له كأنه طار اليه من وكر الغيب والقدر. قال القاضى المراد بكتبه هذه الاشياء اظهارها للملك وإلا فقضاءه تعالى سابق على ذلك وكل ميسر لما خلق له فعلى العاقل ان لا يتكاسل عن الاعمال في جميع الاحوال ولا يفوت ايام الفرصة والليال شعر : خبردارى اى استخوانى قفس كه جان تومر غيست نامش نفس جو مرغ ازقفس رفت وبكسس قيد دكر ره نكردد بسعى تو صيد نكه دار فرصت كه عالم دميست دمى ييش دانا به از عالميست تفسير : والاشارة ان الله تعالى كما يصور الجنين بصورة الانسانية على نطفة سقطت في الرحم بتدبير الاربعينات فكذلك اذا سقطت من صلب ولاية رجل من رجاله نطفة ارادة فى رحم قلب مريد صادق والمريد يستسلم لتصرفات ولاية الشيخ وهى بمثابة ملك الارحام ويضبط احوال ظاهرة وباطنة على وفق امر الشيخ ويختار الخلوة والعزلة يلا يصدر منه حركة عنيفة او يجد رايحة غريبة يلزم منها سقوط النطفة وفسادها ويقعد بامر الشيخ وتدبيره فالله تعالى يصرف ولاية الشيخ المؤيد بتأييد الحق بمرور كل اربعين عليه بشرائطها يحولها من حال الى حال وينقلها من مقام الى مقام الى ان يرجع الى حظائر القدس ورياض الانس التي منها صدر الى عالم الانس بقدم الاربعينات الاولى فلما وصل الى مقامة الاول ايضا بقدم الاربعينات كما جاءتم خلق الجنين فى رحم القلب وهو يجعل خليفة الله فى ارضه فيستحق الآن ان ينفخ فيه الروح المخصوص بابناء اوليائه وهو روح القدس الذى هو متولى القائه كقوله تعالى {أية : يلقى الروح من أمره على من يشاء من عباده}تفسير : [غافر: 15]. وقال {أية : كتب فى قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه}تفسير : [المجادلة: 22]. ولهذا الفائدة العظيمة والنعمة الجسيمة اهبط الارواح من اعلى عليين القرب الى اسفل سافلين كما قال {أية : اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم منى هدى فمن تبع هداى فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون}تفسير : [البقرة: 38]. فاذا نفخ فيه الروح يكون آدم وقته فيسجد له بالخلافة الملائكة كلهم اجمعون فاحفظه تفهم ان شاء الله تعالى كذا في تأويلات الشيخ الكامل نجم الدين الكبرى افاض الله علينا من سجال معارفه وحقائقه ولطائفه آمين.

الطوسي

تفسير : اللغة: التصوير: جعل الشيء على صورة لم يكن عليها. والصورة: هيئة يكون عليها الشيء بالتأليف. والفرق بين الصورة والصيغة أن الصيغة: عبارة عما وضع في اللغة لتدل على أمر من الأمور، وليس كذلك الصورة، لأن دلالتها على جعل جاعل قياسية. والارحام: جمع رحم وأصله: الرحمة، وذلك لأنها مما يتراحم به ويتعاطف يقولون: وصلتك رحم. وأصل الصورة: الميل يقولون صاره يصوره: إذا أماله، فهي صورة لأنها مائلة إلى بنية بالشبه لها. المعنى: وقوله: {كيف يشاء} معناه كيف يريد والمشيئة هي الارادة ومعنى {يصوركم في الأرحام كيف يشاء} من ذكر أو أنثى أو أبيض أو أسود أو تام أو ناقص إلى غير ذلك ما تختلف به الصور، وفيه حجة على النصارى في ادعائهم إلهية المسيح وذلك أن الله تعالى صوره في الرحم كما شاء، فهو لذلك عبد مربوب وقوله: {لا إله إلا هو العزيز الحكيم} معناه أنه تعالى لما ذكر ما يدل عليه من قوله: {هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء} ذكر الدليل والمدلول عليه وإنما ذكر {العزيز الحكيم} تحذيراً بعد ذكر الدليل ليعلم أنه عزيز لا يتهيأ لأحد منعه من عقوبة من يريد عقابه حكيم في فعل العقاب وفي جميع أفعاله.

الجنابذي

تفسير : {هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ} حال او مستأنف جواب لسؤالٍ تقديره؛ هل يعلم بواطن الاشياء فيهما؟ - او جواب لسؤالٍ عن علّة اثبات الحكم يعنى انّه يعلم ظواهر ما فى العالم لانّه هو الّذى يصوّركم {فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ} فهو يعلم بواطن الاشياء وما لم يوجد بعد فكيف لا يعلم ظواهرها الّتى وجدت فى العالم، ولا اختصاص للارحام بأرحام الامّهات الجسمانيّة فانّ النّفوس الحيوانيّة والبشريّه ارحام للّطيفة السيّارة الانسانيّة الّتى يكون خطاب الله متوجّهاً اليها بل الموادّ البعيدة من الحبوب واللّحوم والبقول والفواكه الّتى تصير اغذية الاناسىّ والكيلوس والكيموس والدّماء الجارية فى العروق والاعضاء والدّماء المتشبّهة بالاعضاء ارحام للنّطف الّتى هى فى المراتب الجنينيّة ارحام للنّفوس الحيوانيّة والبشريّة واللّطيفة الانسانيّة والمراتب العالية للنّفس الانسانيّة كلّ بوجه رحم للاعلى منها ولذلك فسّر البطن فيما ورد من، انّ السّعيد سعيد فى بطن امّه؛ بالولاية، فانّ الانسان ما لم يدخل تحت الولاية التّكليفيّة بالبيعة الخاصّة الولويّة وقبول الدّعوة الباطنة حاله حال النّطفة فى صلب الرّجل وبعد الدّخول فى الولاية بالبيعة الخاصّة حاله حال النّطفة المستقرّة فى الرّحم ولا يظهر السّعادة والشّقاوة الاّ بعد الدّخول فى الولاية، ولذلك كان علىّ (ع) قسيم الجنّة والنّار، ومن لم يدخل فى الولاية لا يخرج من الدّنيا الاّ بعد عرض الولاية عليه وظهور علىٍّ (ع) لديه حتّى ينكر او يقبل؛ فيشقى او يسعد، روى عن الصّادق(ع): انّ الله اذا اراد ان يخلق خلقاً جمع كلّ صورة بينه وبين آدم (ع) ثمّ خلقه على صورة احداهن فلا يقولنّ احد هذا لا يشبهنى ولا يشبه شيئاً من آبائى، وفى حديث خلق الانسان وتصويره فى الرّحم؛ ثمّ يبعث الله ملكين خلاّقين يخلقان فى الارحام ما يشاء الله يقتحمان فى بطن المرأة من فم المرأة فيصلان الى الرّحم وفيها يعنى فى النّطفة الرّوح القديمة المنقولة فى اصلاب الرّجال وارحام النّساء فينفخان فيها روح الحياة والبقاء ويشقّان له السّمع والبصر وجميع الجوارح وجميع ما فى البطن باذن الله تعالى ثمّ يوحى الله الى الملكين: اكتبا عليه قضائى وقدرى ونافذا أمرى واشترطا لى البداء فيما تكتبان، فيقولان: يا ربّ ما نكتب؟ - قال: فيوحى الله عزّ وجلّ اليهما: ان ارفعا رؤسكما الى رأس أمّه فيرفعان رؤسهما فاذا اللّوح يقرع جبهة امّه فينظران فيه فيجدان فى اللّوح صورته وزينته واجله وميثاقه شقيّاً او سعيداً وجميع شأنه، قال: فيملى احدهما على صاحبه فيكتبان جميع ما فى اللّوح ويشترطان فيه البداء فيما يكتبان ثمّ يختمان الكتاب ويجعلانه بين عينيه ثمّ يقيمانه قائماً فى بطن امّه قال: فربّما عتا فانقلب ولا يكون ذلك الاّ فى كلّ عاتٍ او ماردٍ، واذا بلغ او ان خروج الولد (الى ان قال) فيزجره الملك زجرة فيفزع منها الولد فينقلب فيصير رجلاه فوق رأسه ورأسه فى اسفل البطن ليسهّل الله على المرأة وعلى الولد الخروج؛ الى آخر الحديث. واقتحام الملكين من فم المرأة كناية عن دخولهما عن الجهة الّتى بها بقاء الامّ وهى الجهة الغيبيّة والاّ فلا جهة لدخول الملك وخروجه فى عالم الطّبع لانّه خارج عن الجهات فلا يتحدّد بالجهات، وكتابة القضاء والقدر من اللّوح القارع جبهة الامّ كناية عن استنباط احوال ما بالقوّة عن المحلّ الّذى تلك القوّة فيه وتأثّر ما بالقوّة عن المحلّ بآثاره، واشتراط البداء لكون ما بالقوّة قد يتأثّر من الاسباب الخارجة عن المحلّ {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} حال او مستأنف فى موضع التّعليل {ٱلْعَزِيزُ} الّذى لا يمنعه مانعٌ عن تصوير ما يشاء فى الرّحم {ٱلْحَكِيمُ} الّذى لا يصوّره الاّ بصورة اقتضاها استعداده وتستعقب مصالح عائدة اليها او الى العالم.

الأعقم

تفسير : {هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء} الصور المتفاوتة المختلفة من ذكر وأنثى، وأبيض وأسود، وقصير وطويل، وتام وناقص {لا إله إلا هو} لما ذكر الدلالة عقبه بذكر المدلول عليه وهو الله عز وجل لا إله إلا هو، وهو {العزيز} الذي لا يمتنع عليه شيء {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب} هو الذي أنزل عليك يا محمد الكتاب، وهو القرآن هن أم القرآن المحكم، كقوله تعالى: {أية : ألر كتاب أحكمت آياته} تفسير : [هود: 1] أي أحكمت بالنظم العجيب، وقيل: أحكمت عباراتها بأن حفظت، قوله تعالى: {هن أم الكتاب} أي هن أصل الكتاب بحمل المتشابهات عليها ولردها إليها {وأخر متشابهات} يعني أن بعضه يشبه بعضاً، كقوله تعالى: {أية : الله نزّل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً} تفسير : [الزمر: 23] أي يشبه بعضه بعضاً في جزالة الألفاظ وجودة المعاني لا تناقص فيه ولا فساد، وروي في الكشاف أن المتشابه مثل قوله تعالى: {أية : لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار}تفسير : [الأنعام: 103] {أية : وإلى ربها ناظرة}تفسير : [القيامة: 23] و {أية : لا يأمر بالفحشاء}تفسير : [الأعراف: 28] {أية : أمرنا مترفيها} تفسير : [الإسراء: 16] {فأما الذين في قلوبهم زيغ} نزلت في المنافقين، وقيل: في وفد نجران، زيغ: قيل: شك، وقيل: ميل، وهم أهل البدع والعقائد الفاسدة، قوله: {فيتبعون ما تشابه منه} يعني يتعلقون بالمتشابه {ابتغاء الفتنة} أي طلب أن يفتنوا الناس عن دينهم ويضلونهم {وابتغاء تأويله} أي وطلب أن يتأولونه التأويل الذي يشتهونه {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم} أي لا يهتدي إلى تأويل الحق الذي يجب أن يحمل عليه إلا الله سبحانه وعباده الذين سبحوا في العلم يقولون ويفسرون المتشابه {كل من عند ربنا} أي يقولون أن محكمه ومتشابهه من عند ربنا {ربنا لا تزغ قلوبنا} أي لا تبلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا {بعد إذ هديتنا} وأرشدتنا لدينك، ولا تمنعنا ألطافك بعد إذ لطفت بنا، {إن الذين كفروا} يعني من كفر برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)، وقيل: بنو قريظة وبني النضير، {لن تغني عنهم أموالهم} لا تنفعهم ولا تكفّر عنهم شيئاً من عذاب الله تعالى {كدأب آل فرعون} يعني دأب هؤلاء الكفار، كدأب آل فرعون وغيرهم حلّ بهم العقاب، والدأب العادة، وقيل: كعادة الله عزّ وجل في آل فرعون أنزل بهم العذاب لما سلف من إجرامهم {والذين من قبلهم} كفار الأُمم الماضية {كذبوا بآياتنا فأخذهم الله} أي عاقبهم الله تعالى {بذنوبهم} أي بإجرامهم ومعاصيهم {والله شديد العقاب} لمن يعاقبه، فاحذروا عقابه {قل للذين كفروا ستغلبون} الآية نزلت في اليهود، وقيل: لما هلكت قريش يوم بدر جمع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اليهود بسوق بني قينقاع فدعاهم إلى الإسلام وحذّرهم ما نزل بقريش من الإِنتقام، فأبوا وقالوا ألسنا كقريش الأغمار الذين لا يعرفون القتال، لو حاربتنا لتعرف الناس فنزلت الآية، وقيل: نزلت في مشركي قريش يوم بدر.

اطفيش

تفسير : {هُوَ الَّذي يُصَورُكُمْ فِى الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ}: على الحالة التى أرادها من رقة وغلظة، وطول وقصر، وبياض وسواد، وذكورة وأنوثة، وحسن أو قبح أو غير ذلك، وهو الذى صور عيسى فى بطن أمه مريم، فكيف يكون إلهاً؟ وكيف يكون أباً له؟ وإنما صوره تصويرا وخلقه، وذلك دليل على أنه قيوم، لأنه كناية عن كونه قادراً عل جميع الممكنات، ومنها تحصيل مصالح الخلق، ومنافعهم، ودليل على كمال إتقانه لأفعاله وكمال علمه، والتصوير: خلق الصورة من صار يصور، أى مال والتصوير إمالة الرجال، قال عبد الله بن مسعود: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : هو الصادق المصدق إن خلق أحدكم، يجمع فى بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة، مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكاً بأربع كلمات، يكتب رزقه وأجله وعمله، وشق أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فوالذى لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وأن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل الجنة، فيدخلها"تفسير : وهو حديث مشهور مذكور فى شرح العقيدة، لأبى سليمان الثلاثى، وفى مسلم والبخارى وغير ذلك على اختلاف فى ألفاظ. وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : وكل الله بالرحم ملكاً، فيقول: أى ربى نطفة، أى ربى علقة، أى ربى مضغة، فإذا أراد الله أن يقضى خلقها، قال يا رب أذكر أم أنثى؟ أشقى أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيكتب ذلك له فى بطن أمه"تفسير : . وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : سبحانه يخلق عظام الجنين وغضاريفه من منى الرجل، ولحمه وشحمه وسائره من منى المرأة"تفسير : وذكر الشيخ هود رحمه الله عن بعض المفسرين أنه يشبه الرجل الرجل، ليس بينهما قرابة إلا من قبل الأب والأكبر آدم. وقرأ طاوس: وتصوركم - بمثناة فوقية مفتوحة وفتح الصاد والواو والراء - أى جعل صوركم لنفسه لتعبدوه، ونفع ذلك لكم والله غنى حميد. {لاَ إلَهَ إلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}: لا يكون غيره إلهاً، لأنه لا يقدر غيره على ما يقدر عليه، فهو العزيز فى ملكه ونقمته، الحكيم صنعه وأمره.

اطفيش

تفسير : {هُوَ الَّذِى يُصَوِّرُكُمْ} التصوير جعل الشىء على صورة لم يكن عليها، والصورة هيئة يكون عليها الشىء بالتأليف {فِى الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآء} أى على أى حال شاء أن يصوركم، فالله حي، إذ لا يفعل إلا الحى، ولا سيما أنه عالم بكل شىء فلا بد أن يكون حيا، والسياق إنا هو للوعيد والتحذير من عقاب من هو مطلع عليهم، إذ هو الذى يصور الصور المختلفة بالذكورة والأنوثة، والحسن والقبح، والسواد والبياض، والطول والقصر، والكبر والصغر، وغير ذلك، وليس من التصوير السعادة والشقاوة وكونهم نطفا أو علقا أو نحو ذلك، ولو كان عيسى إلها لم يصور في الأرحام، وينتقل من طور إلى طور، فهو من جملة من خلق الله، والمخلوق لا يكون خالقاً، وكان عليه السلام يصو صورة خفاش، ويقول، يا حى يا قيوم، أحيها، فيحيا، وفي إثبات المشيئة رد على الفلاسفة القائلين بالطبع، وأيضا الطبع يحتاج إلى طابع، فيتسلسل أو يدور، وتصويره في الأرحام من جملة القيومية، وكيف حال من ضمير يصور، أو مفعول مطلق، أى تصوير {لآ إِلَة إلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الحَكِيمُ} فهو متقن لفعله، لأن الغلبة تقتضى القدرة التامة، والجملة تأكيد لما قبلها، ومبالغة في الرد على مثبت ألوهية عيسى، إذ لا عزة له يستقل بها، ولا قدرة ولا علم تامين.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي يُصَوّرُكُمْ فِي ٱلأْرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء} جملة مستأنفة على الصحيح ناطقة ببعض أحكام قيوميته تعالى مشيرة إلى تقرير علمه مع زيادة بيان لتعلقه بالأشياء قبل وجودها، و ـ التصوير ـ جعل الشيء على صورة لم يكن عليها، والصورة هيئة يكون عليها الشيء بالتأليف، والأرحام جمع رحم وهي معلومة وكأنها أخذت من الرحمة لأنها مما يتراحم بها ويتعاطف، وكلمة {فِي} متعلقة ـ بيصور ـ وجوز أن يكون حالاً من المفعول أي يصوركم وأنتم في الأرحام مضغ، و {كَيْفَ} في موضع نصب ـ بيشاء ـ وهو حال، والمفعول محذوف تقديره يشاء تصويركم، وقيل: {كَيْفَ } ظرف ـ ليشاء ـ والجملة في موضع الحال أي: يصوركم على مشيئته أي مريداً إن كان الحال من الفاعل أو يصوركم متقلبين على مشيئته تابعين لها في قبول الأحوال المتغايرة من كونكم نطفاً ثم علقاً ثم مضغاً ـ ثم، وثم ـ وفي الاتصاف بالصفات المختلفة من الذكورة والأنوثة والحسن/ والقبح وغير ذلك، وفيه من الدلالة على بطلان زعم من زعم ربوبية عيسى عليه السلام مع تقلبه في الأطوار ودوره في فلك هذه الأدوار حسبما شاءه الملك القهار وركاكة عقولهم ما لا يخفى، وقرأ طاوس ـ تصوركم ـ على صيغة الماضي من التفعل أي اتخذ صوركم لنفسه وعبادته فهو من باب توسد التراب أي اتخذه وسادة فما قيل: كأنه من تصورت الشيء بمعنى توهمت صورته فالتصديق أنه توهم محض. {لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} كرر الجملة الدالة على نفي الإلهية عن غيره تعالى وانحصارها فيه توكيداً لما قبلها ومبالغة في الرد على من ادعى إلهية عيسى عليه السلام وناسب مجيئها بعد الوصفين السابقين من العلم والقدرة إذ من هذان الوصفان له هو المتصف بالألوهية لا غيره ثم أتى بوصف العزة الدالة على عدم النظير أو التناهي في القدرة والحكمة لأن خلقهم على ما ذكر من النمط البديع أثر من آثار ذلك.

ابن عاشور

تفسير : استئناف ثان يبيّن شيئاً من معنى القيّومية، فهو كبدل البعض من الكل، وخصّ من بين شؤون القيّومية تصويرُ البشر لأنّه من أعجب مظاهر القدرة؛ ولأنّ فيه تعريضاً بالرد على النصارى في اعتقادهم إلاهية عيسى من أجل أنّ الله صوّره بكيفية غير معتادة فبيّن لهم أنّ الكيفيات العارضة للموجودات كلّها مِن صنع الله وتصويره: سواء المعتاد، وغيرُ المعتاد. هنا ليس فيها معنى الاستفهام، بل هي دالة على مجرّد معنى الكيفية؛ أي الحالة، فهي هنا مستعملة في أصلها الموضوعة له في اللغة؛ إذ لا ريب في أنّ (كيف) مشتملة على حروف مادة الكيفية، والتكيّف، وهو الحالة والهيئة، وإن كان الأكثر في الاستعمال أن تكون اسم استفهام، وليست (كيف) فعلاً؛ لأنّها لا دلالةَ فيها على الزمان، ولا حرفاً لاشتمالها على مادة اشتقاق. وقد تجيء (كيف) اسم شرط إذا اتّصلت بها ما الزائدة وفي كلّ ذلك لا تفارقها الدلالة على الحالة، ولا يفارقها إيلاء الجملة الفعلية إياها إلاّ ما شذّ من قولهم: كيف أنت. فإذا كانت استفهاماً فالجملة بعدها هي المستفهم عنه فتكون معمولة للفعل الذي بعدها، ملتزماً تقديمُها عليه؛ لأنّ للاستفهام الصدارة، وإذا جرّدت عن الاستفهام كان موقعها من الإعراب على حسب ما يطلبه الكلام الواقعة هي فيه من العوامل كسائر الأسماء. وأمّا الجملة التي بعدها - حينئذ - فالأظهر أن تعتبر مضافاً إليها اسم كيف ويعتبر كيف من الأسماء الملازمة للإضافة. وجرى في كلام بعض أهل العربية أنّ فتحة(كيف) فتحة بناء. والأظهر عندي أنّ فتحة كيف فتحة نصب لزِمَتْها لأنّها دائماً متّصلة بالفعل فهي معمولة له على الحالية أو نحوِها، فلملازمة ذلك الفتح إياها أشبهت فتحة البناء. فكيف في قوله هنا {كيف يشاء} يعرب مفعولاً مطلقاً «ليصوِّرُكُم»، إذ التقدير: حال تصوير يشاؤها كما قاله ابن هشام في قوله تعالى: {أية : كيف فعل ربك}تفسير : [الفجر: 6]. وجوّز صاحب «المغني» أن تكون شرطية، والجواب محذوف لدلالة قوله: {يصوركم} عليه وهو بعيد؛ لأنّها لا تأتي في الشرط إلاّ مقترنة بمَا. وأما قول الناس: "كيف شاء فعل" فلحن. وكذلك جزم الفعل بعدها قد عُدّ لحناً عند جمهور أئمّة العربية. ودلَّ تعريف الجزأين على قصر صفة التصوير عليه تعالى وهو قصر حقيقي لأنّه كذلك في الواقع؛ إذ هو مكّون أسباب ذلك التصوير وهذا إيماء إلى كشف شبهة النصارى إذ توهّموا أن تخلّق عيسى بدون ماء أب دليل على أنّه غير بشر وأنّه إله وجهلوا أنّ التصوير في الأرحام وإن اختلفت كيفياته لا يخرج عن كونه خلقاً لما كان معدوماً فكيف يكون ذلك المخلوق المصوّر في الرحم إلهاً. {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}. تذييل لتقرير الأحكام المتقدّمة. وتقدم معنى العزيز الحكيم في قوله تعالى: {فاعلموا أن اللَّه عزيز حكيم} وفي افتتاح السورة بهذه الآيات براعة استهلال لنزولها في مجادلة نصارى نجران، ولذلك تكرّر في هذا الطالع قصْر الإلهية على الله تعالى في قوله: {الله لا إلٰه إلا هو} وقوله: {هو الذي يصوركم} وقوله: لا إلٰه إلا هو.

د. أسعد حومد

تفسير : (6) - وَاللهُ تَعَالى هُوَ الذِي يَخْلُقُكُمْ فِي الأرْحَامِ، وَيَجْعَلُكُمْ عَلَى صُوَرٍ مُتَغَايرَةٍ: مِنَ النُّطَفِ إلى العَلَقِ إلى المُضَغِ ... وَمِنْ ذَكَرٍ وَأنْثَى، وَجَميلٍ وَقبيحٍ، وَشَقيٍّ وَسَعِيدٍ.. لاَ إلهَ إلاَّ هُوَ، وَلاَ رَبَّ غَيْرُهُ، وَهُوَ العَزِيزُ الذِي لاَ شَرِيكَ لَهُ، المُتَفَرِّدُ بِالخَلْقِ وَالتَّصْوِيرِ، وَهُوَ الحَكِيمُ فِي تَدْبِيرِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والتصوير في الرحم هو إيجاد المادة التي سيوجد منها الإنسان على هيئة خاصة؛ هذه الهيئة تختلف نوعيتها: ذكورة وأنوثة. والذكورة والأنوثة تختلفان أشكالاً؛ بيضاء وسمراء وقمحية وخمرية وقصيرة وطويلة، هذه الأشكال والتي يوجد عليها الخلق والتي منها: {أية : وَٱخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ..}تفسير : [الروم: 22]. هذا الاختلاف في الألوان والألسنة والأشياء المتعددة يَدُل على أنها ليست من إنتاج مصنع يصنع قالباً ثم يشكل عليه، لا؛ فكل إنسان يولد يصنع بيد قديرة بقدرة ذاتية. إن الصانع الآن إذا أردت أن يصنع لك كوباً يصنع قالباً ويكرره، لكن في الخلق البشري كل واحد بقالبه الخاص، وكل واحد بشكله المخصوص، وكل واحد بصوته الذي ثبت أن له بصمة كبصمة اليد، وكل واحد بلون، إذن فهي من الآيات، وهذا دليل على طلاقة القدرة، وفوق كل هذا هو الخلق الذي لا يحتاج إلى عملية علاج، معنى عملية علاج أي يجعل قالباً واحداً ليصب فيه مادته. لا، هو - جل شأنه - يقول: {أية : بَدِيعُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}تفسير : [البقرة: 117]. إن الأب والأم قد يتحدان في اللون ولكن الابن قد ينشأ بلون مختلف، ويخلق الله معظم الناس خلقاً سوياً، ويخلق قلة من الناس خلقاً غير سوي؛ فقد يولد طفل أعمى أو مصاب بعاهة ما أو بأصبع زائدة أو إصبعين .. وهذا الشذوذ أراده الله في الخلق ليلفتنا الحق إلى حسن وجمال خلقه. لأن من يرى - وهو السويّ - إنساناً آخر معوَّقاً عن الحركة فإنه يحمد الله على كمال خلقه. وحين يرى إنسان له في كل يد خمس أصابع إنساناً آخر له إصبع زائدة يعوق حركة يده، يعْرف حكمة وجود الأصابع الخمس، فالجمال لا يثبت إلا بوجود القبح، وبضدها تتمايز الأشياء، الإنسان الذي له سبع أصابع في يد واحدة، يضع الطب أمام مهمة يجند نفسه لها؛ حتى يستطيع الطبيب أن يستأصل الزائد عن حاجة الإنسان الطبيعي. ولو خلق الله الإنسان بثلاث أصابع لما استطاع ذلك الإنسان أن يتحكم عند استعماله الأشياء الدقيقة. إن الإنسان العادي في حركته اليومية لا يدرك جمال استواء خلقه إلا إذا رأى فرداً من أفراد الشذوذ. والحق يلفت الناس الساهين عن نعم الله عليهم لرتابتها فيهم بفقدها في غيرهم. فساعة أن يرى مبصرٌ مكفوفاً يسير بعكاز، يفطن إلى نعمة البصر التي وهبها له الله فيشعر بنعمة الله عليه. إن الشذوذ في الخلق هو نماذج إيضاحية تلفت الناس إلى نعم الله التي أنعم الله عليهم بها. هذه المُثُل في الكون تلفت الناس إلى نعم الله فيهم، ولذلك تجدها أمامك، وأيضاً كي لا تستدرك على خالقك، ولا تقل ما ذنب هذا الإنسان أن يكون مخلوقاً هكذا؟ فهو سبحانه سيعوضه في ناحية أخرى؛ فقد يعطيه عبقرية تفوق إمكانات المبصر. ونضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - عن الذي ساح في الدنيا "تيمور لنك الأعرج" وهو القائد الذي أذهل الدنيا شجاعة، إن الله قد أعطاه موهبة التخطيط والقتال تعويضاً له عن العرج. ونحن نجد العبقريات تتفجر في الشواذ غالباً، لماذا؟ لأن الله يجعل للعاجز عجزاً معيناً همةً تحاول أن تعوض ما افتقده في شيء آخر، فيأتي النبوغ. إذن فـ {هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ} [آل عمران: 6] وكل تصوير له حكمة. وما دام كل تصوير له حكمة فكل خلق الله جميل. عليك ألاّ تأخذ الخلق مفصولاً عن حكمة خالقه، بل خُذ كل خلق مع حكمته. إن الذي يجعلك تقول: هذا قبيح، إنك تفصل المخلوق عن حكمته، ومثال ذلك: التلميذ الذي يرسب قد يحزن والده، ولكن لماذا يأخذ الرسوب بعيداً عن حكمته؟ لقد رسب حتى يتعلم معنى الجدية في الاستذكار، فلو نجح مع لعبه ماذا سيحدث؟ كل أقرانه الذين عرفوا أنه لعب ونجح سيلعبون ويقولون: هذا لعب ونجح .. إذن فلا بد أن تأخذ كل عمل ومعه حكمة وجوده. كذلك لا تأخذ العقوبة منفصلة عن الجريمة، فكل عقوبة علينا أن نأخذها ملتصقة بجريمتها، فساعة ترى واحداً مثلاً سيحكمون عليه بالإعدام تأخذك الرحمة به وتحزن، هنا نقول لك: أنت فصلت إعدامه عن القتل الذي ارتكبه سابقاً، إنما لو استحضرت جريمته لوجدته يُقتَلُ عدالة وقصاصاً فقد قُتُل غيره ظلماً، فلا تبعد هذه عن هذه. {هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} [آل عمران: 6] ومعنى "لا إله إلا هو" أي سيُصوِّر وهو عالم أن ما يصوِّره سيكون على هذه الصورة؛ لأنه لا يوجد إله آخر يقول له: هذه لا تعجبني وسأصور صورة أخرى، لا؛ لأن الذي يفعل ذلك عزيز، أي لا يُغلب على أمر، وكل ما يريده يحدث وكل أمر عنده لحكمة، لأنه عندما يقول: {يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ} [آل عمران: 6] قد يقول أحدٌ من الناس: إن هناك صوراً شاذة وصوراً غير طبيعية. وهو سبحانه يقول لك: أنا حكيم، وأفعلها لحكمة فلا تفصل الحدث عن حكمته، خُذ الحدث بحكمته، وإذا أردت الحدث بحكمته تجده الجمال عينه، وهو سبحانه المصوّر في الرحم كيف يشاء، هذا من ناحية مادته. وهو سبحانه يوضح: فلن يترك المادة هكذا بل سيجعل لهذه المادة قيماً كي تنسجم حركة الوجود مع بعضها يقول سبحانه: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ...}.

الأندلسي

تفسير : {هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ} أي على ما يشاء من الهيآت ودل على كمال العلم والقدرة ودل على كينونة عيسى عليه السلام من الذين صورهم في الأرحام فانتفت عنه الإِلهية وفيه رد على الطبيعيين إذ يجعلون لطبيعة فاعلة مستبدة كيف يشاء مفعول يشاء محذوف وكيف جزاء وفعل الشرط محذوف والتقدير على أي هيئة شاء أن يصوركم صوركم وكيف منصوب على الحال وحذف صوركم هنا لحذف الجزاء في نحو أنت ظالم إن فعلت أي إن فعلت فأنت ظالم ولا محل للجملة في مثل هذا وان كان لها تعلق بما قبلها من حيث المعنى وتفكيك مثل هذا التركيب لا يهتدي إليه إلا بعد تمرن في الاعراب واستحضار للطائف النحو وقد خبطوا في إعراب هذه الجملة بما يوقف عليه في الهجر. {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} تأكيد لما قبلها من الإِنفراد بالإِلهية والغلبة والحكمة وفي ذكر الحكيم إشارة إلى التصوير وضع الأشياء على ما اقتضته الحكمة ولما كان أولئك الوفد قد ذكروا للرسول صلى الله عليه وسلم ان في كتابه وروح منه أي في حق عيسى أخبر تعالى أن آيات الكتاب منها محكمة ومتشابهة والمحكم ما لم يتشابه كآيات الحلال والحرام ولا يحتمل إلا وجهاً واحداً والمتشابهة ما احتمل من التأويل وجوهاً. {هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ} أي الأصل الذي يرجع إليه. {وَأُخَرُ} أي وآيات أخر أي غير تلك. {مُتَشَابِهَاتٌ} وقد اختلف المفسرون في المحكم والمتشابه اختلافاً كثيراً وارتفع آيات على الفاعلية إذ المجرور معتمد أو على الابتداء. {فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} أي ميل عن الحق كالنصارى واليهود من صرف كلام الله ممن ينتمي إلى ملة الإِسلام كالإِباحية والقائلين بالتناسخ وعلم الحروف والمجسمة وغلاة الباطنية والقائلين بالحلول والوحدة من المتظاهرين بذلك في كتبهم وكل من زاغ عن الحق بالتعلق بشيء من المتشابه وعلل اتباع أهل الزيغ المشابه بعلتين إحداهما. {ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ} أي فتنة أهل الإِسلام بالاضطراب والثانية. {وَٱبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} وكلاهما مذموم ثم ذكر تأويله المتشابه فقال: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ} بالوقف على لفظ الجلالة وهذا هو الظاهر فيكون قوله: {وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ} إبتداء كلام وخبره قوله: {يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} ومن عطف والراسخون على الجلالة فجعلهم يعلمون التأويل فليس بظاهر وعلى قولهم يكون يقولون جملة في موضع الحال من الراسخين والضمير في به عائد في الظاهر على التأويل ويجوز أن يعود على الكتاب محكمة ومتشابهة لأن الإِيمان بهما حاصل وقوله: {كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} أي كل من المحكم والمتشابه. {وَمَا يَذَّكَّرُ} أي ما يتعظ بالمحكم والمتشابه. {إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} أي ذوو العقول السليمة الناظرون في وجوه التأويلات والاحتمالات الحاملون ذلك على ما اقتضاه لسان العرب من الحقيقة والمجاز والنظر فيما يجوز وما يجب وما يستحيل وانتصاب. {رَبَّنَا} على النداء فجاز أن يكون من قول الراسخين وجاز أن يكون على إضمار قولوا ربنا ويكون قوله: {لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا} أي لا تجعلنا من الذين في قلوبهم زيغ. {بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} وأضاف بعد إلى إذ وإذا إلى الجملة بعدها والمعنى بعد وقت هدايتك إيانا وختم بقوله: {إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْوَهَّابُ} إشارة بأن جميع ما يحصل من الخيرات هو هبة من الله لهم وجاء بصيغة المبالغة ليدل على كثرة هباته تعالى وناسب الفواصل في قوله قبل الألباب وقرىء: لا تزغ قلوبنا، مبيناً للفاعل بتاء المضارعة ويائها لما سألوه تعالى أن لا يزيغ قلوبهم بعد الهداية وكانت ثمرة انتفاء الزيغ والهداية إنما تظهر في يوم القيامة أخبروا أنهم موقنون بيوم القيامة والبعث فيه للمجازاة وان اعتقاد صحة الوعد به هو الذي حملهم على سؤال ان لا تزيغ قلوبهم. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ} عدل من ضمير الخطاب إلى الاسم الظاهر وهو الله ولم يأت التركيب إنك لا تخلف الميعاد دلالة على الاستئناف وأنه من كلام الله تعالى لا من كلام الراسخين وقد يكون قوله: "ان الله" من باب الالتفات عدلوا من الخطاب إلى الغيبة لما في ذكره باسمه الأعظم من التفخيم والتعظيم والهيبة. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} عام في الكفار من وفد نجران وغيرهم. {مِّنَ ٱللَّهِ} أي من عذابه وكانوا يتكاثرون بأموالهم وأولادهم ثم ذكر مآلهم في قوله: {وَأُولَـٰئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ}. جعلهم كالوقود الذي يضرم به النار. قال الزمخشري: من الله شيئاً مثله في قوله ان الظن لا يغني من الحق شيئاً، والمعنى: لن تغني عنهم من رحمة الله أو من طاعة الله شيئاً، أي بدل رحمة الله وطاعة وبدل الحق ومنه ولا ينفع ذا الجد منك الجد أي لا ينفعه جده وحظه من الدنيا بذلك أي بدل طاعتك وعبادتك وما عندك وفي معناه قوله تعالى: {أية : وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ} تفسير : [سبأ: 37] انتهى. وإثبات البدلية بمنى فيه خلاف أصحابنا ينكرونه وغيرهم قد أثبته وزعم أنها تأتي بمعنى البدل واستدل بقوله تعالى: {أية : أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلآخِرَةِ} تفسير : [التوبة: 38] لجعلنا منكم ملائكة أي بدل الآخرة وبدلكم وقال الشاعر: شعر : أخذوا المخاض من الفصيل غلبة تفسير : ظلماً ويكتسب للأميرا فالا أي بدل الفصيل وانتصاب شيئاً على المصدر أي شيئاً من الاغناء وقرىء: لن تغني بسكون الياء وهي لغة كثيرة في الشعر وقرىء: لن يغني وانتقل من الأموال إلى الأولاد لأن الأولاد بهم التناصر والكثرة والعزة. {وَأُولَـٰئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ} معطوف على خبر ان وهو لن تغني أو مستأنف وقرىء: وقود بضم الواو مصدر وقد يقد وقد نقل ان الوقود بفتح الواو مصدر كالوقود بضمها. {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ} أي كدأب الكفار المتقدم ذكرهم في مآلهم إلى النار مثل آل فرعون إلى النار فهو خبر مبتدأ محذوف أي دأبهم كدأب آل فرعون والمكذبين ونص على آل فرعون لعظيم مرتكبه في دعوى الإِلهية ولمعرفة بني إسرائيل بما جرى له. {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} كأمة شعيب وصالح وهود نوح. {كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} تفسير لدأبهم كتكذيب كفار معاصري رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقال: دأب ودأب ومعناه العادة. {قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ} هم معاصروه عليه السلام وفي سبب نزولها اختلاف قيل أن يهود بني قينقاع قالوا بعد وقعة بدر ان: قريشاً كانوا أغمار ولو حاربتنا لرأيت رجالاً وناسب ما سبق من الوعد الصادق في قوله فيما آله إليه الكفار السابق ذكرهم في أخذ الله إياهم ومآلهم إلى النار هذا الوعد الصادق في قوله: {سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ} الآية، وقرىء: بالتاء وبالياء فيهما والمخصوص بالذم محذوف أي وبئس المهاد جهنم والخطاب في قوله: {قَدْ كَانَ لَكُمْ} للمؤمنين والآية العلامة التي قد ظهرت في وقعة بدر وهي غلبة المؤمنين للكافرين حسب الوعد الصادق في قوله: "ستغلبون". والفئة الجماعة من فاء يفيء رجع و: {ٱلْتَقَتَا} جملة في موضع الصفة للفئتين ثم فصل الفئتين في قوله: {فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} وصح الابتداء بالنكرة لأنه في موضع تفصيل وثم صفة محذوفة تقديرها فئة مؤمنة تقاتل في سبيل الله. {وَأُخْرَىٰ} معطوف على فئة وثم صفة محذوفة تقديرها وأخرى كافرة تقاتل في سبيل الطاغوت كما قال: {أية : ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱلطَّٰغُوتِ} تفسير : [النساء: 76]. فحذف من الجملة الأولى ما أثبت مقابلة في الجملة الثانية ومن الثانية ما أثبت مقابله في الأولى وقرىء فئة بالجر على البدل من الفئتين وهو بدل تفصيل وقرىء: فئة بالنصب على المدح أي أمدح فئة وأخرى كافرة بالنصب على الذم أي وأذم أخرى وزعم الزمخشري أي نصب فئة على الانتقاص وليس بجيد لأن المنصوب على الاختصاص لا يكون نكرة ولا مبهماً وأجاز هو وغيره قبله كالزجاج أن ينتصب فئة الحال من الضمير وهي حال موطئة وقرىء يقاتل بالياء على تذكير الفئة لأن معناها القوم وقرىء: {ترونهم} بالتاء وبالياء مفتوحتين ومضمومتين فضمير الرفع للمؤمنين وضمير النصب للكافرين وكذلك ضمير الجر في. {مِّثْلَيْهِمْ} أي يرى المؤمنون الكافرين مثل الكافرين فالمؤمنون أقل من الكافرين ومع ذلك وقع النصر كما قال تعالى: {أية : كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً} تفسير : [البقرة: 249] ويدل على هذا قوله: {وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ} والرؤية هنا من رؤية البصر يدل عليه قوله: {رَأْيَ ٱلْعَيْنِ} والتأييد التقوية وكان المسلمون في وقعة بدر ثلاثمائة عشر وثلاثة عشر والكفار نحو الألف. {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} أي في تلك الآية، من غلبة المؤمنين على قلتهم للكافرين على كثرتهم. {لَعِبْرَةً} أي لاتعاظاً و: {ٱلأَبْصَارِ} قد تكون من بصر العين أو من بصيرة القلب ومفعول يشاء محذوف أي من يشاء نصره وقرىء: {زُيِّنَ} مبنياً للفاعل وهو عائد على الله تعالى ذكر تعالى ما جبل عليه طباع الناس من حب الدنيا وما فيها من متاعها وأضاف. {حُبُّ} وهو مصدر إلى المفعول وهو. {ٱلشَّهَوَاتِ} والفاعل محذوف أي حبهم للشهوات والشهوة مسترذلة يذم متبعها والشهوات عام بينت بما بعدها فبدأ بالنساء ولا شيء أعظم منهن في الشهوة ثم بما يتولد منهم وهم البنون ثم بما يتم به حال المشتهي من الذهب والفضة ثم بالخيل لأنه فيها عزة وقدرة على الامتناع ثم بالانعام لأنها كانت أكثر مراكبهم وأكثر مشروبهم منها ثم بالحرث إذ فيه تحصيل أقواتهم والقنطار مختلف في عدده والظاهر المبالغة فيما يملكه الانسان من العينين والمقنطرة صفة للقناطير ويراد به الكثرة وجاء هذا التركيب في أحسن أسلوب من تعلق النفس بما ذكر والإِشارة بقوله: {ذٰلِكَ} إلى ما تقدم ذكره من المحبوبات. و{مَتَاعُ} أي ما يتمتع به ثم يزول. و {ٱلْمَآبِ} المرجع وهو الجنة للمؤمنين. {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذٰلِكُمْ} أي بخير مما تقدم ذكره من متاع الدنيا لأن ذلك فان وهذا باق لما أبهم في قوله بخير من ذلكم عين جهة الخيرية بقوله: {لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ} وقرىء: بخفض جنات فجاز أن يكون بدلاً من قوله: {بِخَيْرٍ} ويكون قوله: {لِلَّذِينَ} متعلقاً بقوله بخير فلا يكون استئناف كلام بخلاف رفع جنات فإِنه مبتدأ وللذين خبره والكلام مستأنف جواب كلام مقدر كأنه قيل ما الخير فقيل للذين اتقوا عند ربهم جنات ونبأ هنا تعدت إلى اثنين أحدهما بنفسه والآخر بحرف الجر وبدأ بمقر المتقين وهي جنات وذكر من صفاتها أنها تجري من تحتها الأنهار ثم بالأزواج اللائي هن من أعظم الشهوات إذ ذكر في الآية قبلها حب الشهوات من النساء ووصفهن بالتطهير من دم الحيض وغيره واتبع ذلك بأعظم الأشياء وهو رضاه عنهم فانتقل من عال إلى أعلى منه. {بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ} أي مطلع على أعمالهم فيجازى كلاً بعمله ولما ذكر المتقين ذكر شيئاً من صفاتهم فبدأ بالإِيمان الذي هو رأس التقوى ورتب سؤال المغفرة عليه والوقاية من النار ولما ذكر الإِيمان بالقول أخبر بالوصف الدال على حبس النفس على ما هو شاق عليها من التكاليف. {وَٱلْمُنْفِقِينَ} أموالهم في الطاعات. {وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ} الله لذنوبهم. {بِٱلأَسْحَارِ} وهي أوقات الإِجابة ألا ترى إلى قوله سبحانه وتعالى: "حديث : من يدعوني فأستجيب له" تفسير : في حديث النزول قال الزمخشري: والواو المتوسطة بين الصفات للدلالة على كمالهم في كل واحدة منها "انتهى". ولا نعلم العطف في الصفة بالواو ويدل على الكمال.