Verse. 300 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

ھُوَالَّذِيْۗ اَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتٰبَ مِنْہُ اٰيٰتٌ مُّحْكَمٰتٌ ھُنَّ اُمُّ الْكِتٰبِ وَاُخَرُ مُتَشٰبِہٰتٌ۝۰ۭ فَاَمَّا الَّذِيْنَ فِيْ قُلُوْبِہِمْ زَيْـغٌ فَيَتَّبِعُوْنَ مَا تَشَابَہَ مِنْہُ ابْتِغَاۗءَ الْفِتْنَۃِ وَابْتِغَاۗءَ تَاْوِيْلِہٖ۝۰ۚ۬ وَمَا يَعْلَمُ تَاْوِيْلَہٗۗ اِلَّا اؙ۝۰ۘؔ وَ الرّٰسِخُوْنَ فِي الْعِلْمِ يَقُوْلُوْنَ اٰمَنَّا بِہٖ۝۰ۙ كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ رَبِّنَا۝۰ۚ وَمَا يَذَّكَّرُ اِلَّاۗ اُولُوا الْاَلْبَابِ۝۷
Huwa allathee anzala AAalayka alkitaba minhu ayatun muhkamatun hunna ommu alkitabi waokharu mutashabihatun faamma allatheena fee quloobihim zayghun fayattabiAAoona ma tashabaha minhu ibtighaa alfitnati waibtighaa taweelihi wama yaAAlamu taweelahu illa Allahu waalrrasikhoona fee alAAilmi yaqooloona amanna bihi kullun min AAindi rabbina wama yaththakkaru illa oloo alalbabi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

(هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات) واضحات الدلالة (هن أم الكتاب) أصله المعتمد عليه في الأحكام (و أخر متشابهات) لا تفهم معانيها كأوائل السور وجعله كله محكما في قوله "" أحكمت آياته "" بمعنى أنه ليس فيه عيب، ومتشابهًا في قوله (كتابا متشابهًا) بمعنى أنه يشبه بعضه بعضا في الحسن والصدق (فأما الذين في قلوبهم زيغ) ميل عن الحق (فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء) طلب (الفتنة) لجهالهم بوقوعهم في الشبهات واللبس (وابتغاء تأويله) تفسيره (وما يعلم تأويله) تفسيره (إلا الله) وحده (والراسخون) الثابتون المتمكنون (في العلم) مبتدأ خبره (يقولون آمنا به) أي بالمتشابه أنه من عند الله ولا نعلم معناه (كل) من المحكم والمتشابه (من عند ربنا وما يذكر) بادغام التاء في الأصل في الذال أي يتعظ (إلا أولوا الألباب) أصحاب العقول ويقولون أيضا إذا رأوا من يتبعه.

7

Tafseer

الرازي

تفسير : إعلم أن في هذه الآية مسائل: المسألة الأولى: قد ذكرنا في اتصال قوله {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَىْء فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِى ٱلسَّمَاء } بما قبله احتمالين أحدهما: أن ذلك كالتقرير لكونه قيوماً والثاني: أن ذلك الجواب عن شبه النصارى، فأما على الاحتمال الأول فنقول: إنه تعالى أراد أن يبين أنه قيوم وقائم بمصالح الخلق ومصالح الخلق قسمان: جسمانية وروحانية، أما الجسمانية فأشرفها تعديل البنية، وتسوية المزاج على أحسن الصور وأكمل الأشكال، وهو المراد بقوله {أية : هُوَ ٱلَّذِي يُصَوّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ } تفسير : [آل عمران: 6] وأما الروحانية فأشرفها العلم الذي تصير الروح معه كالمرآة المجلوة التي تجلت صور جميع الموجودات فيها وهو المراد بقوله {هُوَ ٱلَّذِى أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ } وأما على الاحتمال الثاني فقد ذكرنا أن من جملة شبه النصارى تمسكهم بما جاء في القرآن من قوله تعالى في صفة عيسى عليه السلام: إنه روح الله وكلمته، فبيّن الله تعالى بهذه الآية أن القرآن مشتمل على محكم وعلى متشابه، والتمسك بالمتشابهات غير جائز فهذا ما يتعلق بكيفية النظم، هو في غاية الحسن والاستقامة. المسألة الثانية: إعلم أن القرآن دل على أنه بكليته محكم، ودل على أنه بكليته متشابه، ودل على أن بعضه محكم، وبعضه متشابه. أما ما دل على أنه بكليته محكم، فهو قوله {أية : الر تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْحَكِيمِ } تفسير : [يونس: 1] {أية : الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ ءَايَـٰتُهُ } تفسير : [هود: 1] فذكر في هاتين الآيتين أن جميعه محكم، والمراد من المحكم بهذا المعنى كونه كلاماً حقاً فصيح الألفاظ صحيح المعاني وكل قول وكلام يوجد كان القرآن أفضل منه في فصاحة اللفظ وقوة المعنى ولا يتمكن أحد من إتيان كلام يساوي القرآن في هذين الوصفين، والعرب تقول في البناء الوثيق والعقد الوثيق الذي لا يمكن حله: محكم، فهذا معنى وصف جميعه بأنه محكم. وأما ما دل على أنه بكليته متشابه، فهو قوله تعالى: {أية : كِتَـٰباً مُّتَشَـٰبِهاً مَّثَانِيَ } تفسير : [الزمر: 23] والمعنى أنه يشبه بعضه بعضاً في الحسن ويصدق بعضه بعضاً، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {أية : وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفاً كَثِيراً } تفسير : [النساء: 82] أي لكان بعضه وارداً على نقيض الآخر، ولتفاوت نسق الكلام في الفصاحة والركاكة. وأما ما دل على أن بعضه محكم وبعضه متشابه، فهو هذه الآية التي نحن في تفسيرها، ولا بد لنا من تفسير المحكم والمتشابه بحسب أصل اللغة، ثم من تفسيرهما في عرف الشريعة: أما المحكم فالعرب تقول: حاكمت وحكمت وأحكمت بمعنى رددت، ومنعت، والحاكم يمنع الظالم عن الظلم وحكمة اللجام التي هي تمنع الفرس عن الاضطراب، وفي حديث النخعي: احكم اليتيم كما تحكم ولدك أي امنعه عن الفساد، وقال جرير: أحكموا سفهاءكم، أي امنعوهم، وبناء محكم أي وثيق يمنع من تعرض له، وسميت الحكمة حكمة لأنها تمنع عما لا ينبغي، وأما المتشابه فهو أن يكون أحد الشيئين مشابهاً للآخر بحيث يعجز الذهن عن التمييز، قال الله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلبَقَرَ تَشَـٰبَهَ عَلَيْنَا } تفسير : [البقرة: 70] وقال في وصف ثمار الجنة {أية : وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَـٰبِهاً } تفسير : [البقرة: 25] أي متفق المنظر مختلف الطعوم، وقال الله تعالى: {أية : تَشَـٰبَهَتْ قُلُوبُهُمْ } تفسير : [البقرة: 118] ومنه يقال: اشتبه علي الأمران إذا لم يفرق بينهما، ويقال لأصحاب المخاريق: أصحاب الشبه، وقال عليه السلام: «حديث : الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور متشابهات» تفسير : وفي رواية أخرى مشتبهات. ثم لما كان من شأن المتشابهين عجز الإنسان عن التمييز بينهما سمي كل ما لا يهتدي الإنسان إليه بالمتشابه، إطلاقاً لاسم السبب على المسبب، ونظيره المشكل سمي بذلك، لأنه أشكل، أي دخل في شكل غيره فأشبهه وشابهه، ثم يقال لكل ما غمض وإن لم يكن غموضه من هذه الجهة مشكل، ويحتمل أن يقال: إنه الذي لا يعرف أن الحق ثبوته أو عدمه، وكان الحكم بثبوته مساوياً للحكم بعدمه في العقل والذهن، ومشابهاً له، وغير متميز أحدهما عن الآخر بمزيد رجحان، فلا جرم سمي غير المعلوم بأنه متشابه، فهذا تحقيق القول في المحكم والمتشابه بحسب أصل اللغة، فنقول: الناس قد أكثروا من الوجوه في تفسير المحكم والمتشابه، ونحن نذكر الوجه الملخص الذي عليه أكثر المحققين، ثم نذكر عقيبه أقوال الناس فيه فنقول: اللفظ الذي جعل موضوعاً لمعنى، فإما أن يكون محتملاً لغير ذلك المعنى، وإما أن لا يكون فإذا كان اللفظ موضوعاً لمعنى ولا يكون محتملاً لغيره فهذا هو النص، وأما إن كان محتملاً لغيره فلا يخلو إما أن يكون احتماله لأحدهما راجحاً على الآخر، وإما أن لا يكون كذلك بل يكون احتماله لهما على السواء، فإن كان احتماله لأحدهما راجحاً على الآخر سمي ذلك اللفظ بالنسبة إلى الراجح ظاهراً، وبالنسبة إلى المرجوح مؤولاً، وأما إن كان احتماله لهما على السوية كان اللفظ بالنسبة إليهما معاً مشتركاً، وبالنسبة إلى كل واحد منهما على التعيين مجملاً، فقد خرج من التقسيم الذي ذكرناه أن اللفظ إما أن يكون نصاً، أو ظاهراً، أو مؤولاً، أو مشتركاً، أو مجملاً، أما النص والظاهر فيشتركان في حصول الترجيح، إلا أن النص راجح مانع من الغير، والظاهر راجح غير مانع من الغير، فهذا القدر المشترك هو المسمى بالمحكم. وأما المجمل والمؤول فهما مشتركان في أن دلالة اللفظ عليه غير راجحة، وإن لم يكن راجحاً لكنه غير مرجوح، والمؤول مع أنه غير راجح فهو مرجوح لا بحسب الدليل المنفرد، فهذا القدر المشترك هو المسمى بالمتشابه، لأن عدم الفهم حاصل في القسمين جميعاً وقد بينا أن ذلك يسمى متشابهاً إما لأن الذي لا يعلم يكون النفي فيه مشابهاً للإثبات في الذهن، وإما لأجل أن الذي يحصل فيه التشابه يصير غير معلوم، فأطلق لفظ المتشابه على ما لا يعلم إطلاقاً لاسم السبب على المسبب، فهذا هو الكلام المحصل في المحكم والمتشابه، ثم اعلم أن اللفظ إذا كان بالنسبة إلى المفهومين على السوية، فههنا يتوقف الذهن، مثل: القرء، بالنسبة إلى الحيض والطهر، إنما المشكل بأن يكون اللفظ بأصل وضعه راجحاً في أحد المعنيين، ومرجوحاً في الآخر، ثم كان الراجح باطلاً، والمرجوح حقاً، ومثاله من القرآن قوله تعالى: {أية : وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ } تفسير : [الإسراء: 16] فظاهر هذا الكلام أنهم يؤمرون بأن يفسقوا، ومحكمه قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَاء } تفسير : [الأعراف: 28] رداً على الكفار فيما حكى عنهم {أية : وَإِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا ءَابَاءنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا } تفسير : [الأعراف: 28] وكذلك قوله تعالى: {أية : نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ } تفسير : [التوبة: 67] وظاهر النسيان ما يكون ضداً للعلم، ومرجوحه الترك والآية المحكمة فيه قوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً } تفسير : [مريم: 64] وقوله تعالى: {أية : لاَ يَضِلُّ رَبّى وَلاَ يَنسَى } تفسير : [طه: 52]. واعلم أن هذا موضع عظيم فنقول: إن كل واحد من أصحاب المذاهب يدعي أن الآيات الموافقة لمذهبه محكمة، وأن الآيات الموافقة لقول خصمه متشابهة، فالمعتزلي يقول قوله {أية : فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ } تفسير : [الكهف: 29] محكم، وقوله{أية : وَمَا تَشَاءونَ إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [التكوير: 29] متشابه والسني يقلب الأمر في ذلك فلا بد ههنا من قانون يرجع إليه في هذا الباب فنقول: اللفظ إذا كان محتملاً لمعنيين وكان بالنسبة إلى أحدهما راجحاً، وبالنسبة إلى الآخر مرجوحاً، فإن حملناه على الراجح ولم نحمله على المرجوح، فهذا هو المحكم وأما إن حملناه على المرجوح ولم نحمله على الراجح، فهذا هو المتشابه فنقول: صرف اللفظ عن الراجح إلى المرجوح لا بد فيه من دليل منفصل، وذلك الدليل المنفصل إما أن يكون لفظياً وإما أن يكون عقلياً. أما القسم الأول: فنقول: هذا إنما يتم إذا حصل بين ذينك الدليلين اللفظيين تعارض وإذا وقع التعارض بينهما فليس ترك ظاهر أحدهما رعاية لظاهر الآخر أولى من العكس، اللّهم إلا أن يقال: إن أحدهما قاطع في دلالته والآخر غير قاطع فحينئذ يحصل الرجحان، أو يقال: كل واحد منهما وإن كان راجحاً إلا أن أحدهما يكون أرجح، وحينئذ يحصل الرجحان إلا أنا نقول: أما الأول فباطل، لأن الدلائل اللفظية لا تكون قاطعة ألبتة، لأن كل دليل لفظي فإنه موقوف على نقل اللغات، ونقل وجوه النحو والتصريف، وموقوف على عدم الاشتراك وعدم المجاز، وعدم التخصيص، وعدم الإضمار، وعدم المعارض النقلي والعقلي، وكان ذلك مظنون، والموقوف على المظنون أولى أن يكون مظنوناً، فثبت أن شيئاً من الدلائل اللفظية لا يكون قاطعاً. وأما الثاني وهو أن يقال: أحد الدليلين أقوى من الدليل الثاني وإن كان أصل الاحتمال قائماً فيهما معاً، فهذا صحيح، ولكن على هذا التقدير يصير صرف الدليل اللفظي عن ظاهره إلى المعنى المرجوح ظنياً، ومثل هذا لا يجوز التعويل عليه في المسائل الأصولية، بل يجوز التعويل عليه في المسائل الفقهيه فثبت بما ذكرناه أن صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجوح في المسائل القطعية لا يجوز إلا عند قيام الدليل القطعي العقلي على أن ما أشعر به ظاهر اللفظ محال، وقد علمنا في الجملة أن استعمال اللفظ في معناه المرجوح جائز عند تعذر حمله على ظاهره، فعنذ هذا يتعين التأويل، فظهر أنه لا سبيل إلى صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجوح إلا بواسطة إقامة الدلالة العقلية القاطعة على أن معناه الراجح محال عقلاً ثم إذا أقامت هذه الدلالة وعرف المكلف أنه ليس مراد الله تعالى من هذا اللفظ ما أشعر به ظاهره، فعند هذا لا يحتاج إلى أن يعرف أن ذلك المرجوح الذي هو المراد ماذا لأن السبيل إلى ذلك إنما يكون بترجيح مجاز على مجاز وترجيح تأويل على تأويل، وذلك الترجيح لا يمكن إلا بالدلائل اللفظية والدلائل اللفظية على ما بينا ظنية لا سيما الدلائل المستعملة في ترجيح مرجوح على مرجوح آخر يكون في غاية الضعف، وكل هذا لا يفيد إلا الظن الضعيف والتعويل على مثل هذه الدلائل في المسائل القطعية محال فلهذا التحقيق المتين مذهباً أن بعد إقامة الدلائل القطعية على أن حمل اللفظ على الظاهر محال لا يجوز الخوض في تعيين التأويل، فهذا منتهى ما حصلناه في هذا الباب، والله ولي الهداية والرشاد. المسألة الثالثة: في حكاية أقوال الناس في المحكم والمتشابه فالأول: ما نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: المحكمات هي الثلاث آيات التي في سورة الأنعام {أية : قُلْ تَعَالَوْاْ } تفسير : [الأنعام: 151] إلى آخر الآيات الثلاث، والمتشابهات هي التي تشابهت على اليهود، وهي أسماء حروف الهجاء المذكور في أوائل السور، وذلك أنهم أولوها على حساب الجمل فطلبوا أن يستخرجوا منها مدة بقاء هذه الأمة فاختلط الأمر عليهم واشتبه، وأقول: التكاليف الواردة من الله تعالى تنقسم إلى قسمين منها ما لا يجوز أن يتغير بشرع وشرع، وذلك كالأمر بطاعة الله تعالى، والاحتراز عن الظلم والكذب والجهل وقتل النفس بغير حق، ومنها ما يختلف بشرع وشرع كأعداد الصلوات ومقادير الزكوات وشرائط البيع والنكاح وغير ذلك، فالقسم الأول هو المسمى بالمحكم عند ابن عباس، لأن الآيات الثلاث في سورة الأنعام مشتملة على هذا القسم. وأما المتشابه فهو الذي سميناه بالمجمل، وهو ما يكون دلالة اللفظ بالنسبة إليه وإلى غيره على السوية، فإن دلالة هذه الألفاظ على جميع الوجوه التي تفسر هذه الألفاظ بها على السوية لا بدليل منفصل على ما لخصناه في أول سورة البقرة. القول الثاني: وهو أيضاً مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المحكم هو الناسخ، والمتشابه هو المنسوخ. والقول الثالث: قال الأصم: المحكم هو الذي يكون دليله واضحاً لائحاً، مثل ما أخبر الله تعالى به من إنشاء الخلق في قوله تعالى: {أية : ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً } تفسير : [المؤمنون: 14] وقوله {أية : وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَاء كُلَّ شَىْء حَىّ } تفسير : [الأنبياء: 30] وقوله {أية : وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ } تفسير : [البقرة: 22] والمتشابه ما يحتاج في معرفته إلى التدبر والتأمل نحو الحكم بأنه تعالى يبعثهم بعد أن صاروا تراباً ولو تأملوا لصار المتشابه عندهم محكماً لأن من قدر على الإنشاء أو لا قدر على الإعادة ثانياً. واعلم أن كلام الأصم غير ملخص، فإنه إن عنى بقوله: المحكم ما يكون دلائله واضحة أن المحكم هو الذي يكون دلالة لفظه على معناه متعينة راجحة، والمتشابه ما لا يكون كذلك، وهو إما المجمل المتساوي، أو المؤول المرجوح، فهذا هو الذي ذكرناه أولاً، وإن عنى به أن المحكم هو الذي يعرف صحة معناه من غير دليل، فيصير المحكم على قوله ما يعلم صحته بضرورة العقل، والمتشابه ما يعلم صحته بدليل العقل، وعلى هذا يصير جملة القرآن متشابهاً، لأن قوله {فَخَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً } أمر يحتاج في معرفة صحته إلى الدلائل العقلية، وإن أهل الطبيعة يقولون: السبب في ذلك الطبائع والفصول، أو تأثيرات الكواكب، وتركيبات العناصر وامتزاجاتها، فكما أن إثبات الحشر والنشر مفتقر إلى الدليل، فكذلك إسناد هذه الحوادث إلى الله تعالى مفتقر إلى الدليل، ولعلّ الأصم يقول: هذه الأشياء وإن كانت كلها مفتقرة إلى الدليل، إلا أنها تنقسم إلى ما يكون الدليل فيه ظاهراً بحيث تكون مقدماته قليلة مرتبة مبينة يؤمن الغلط معها إلا نادراً، ومنها ما يكون الدليل فيه خفياً كثير المقدمات غير مرتبة فالقسم الأول: هو المحكم والثاني: هو المتشابه. القول الرابع: أن كل ما أمكن تحصيل العلم به سواء كان ذلك بدليل جلي، أو بدليل خفي، فذاك هو المحكم، وكل ما لا سبيل إلى معرفته فذاك هو المتشابه، وذلك كالعلم بوقت قيام الساعة، والعلم بمقادير الثواب والعقاب في حق المكلفين، ونظيره قوله تعالى: {أية : يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَـٰهَا } تفسير : [الأعراف: 187] [النازعات: 42]. المسألة الرابعة: في الفوائد التي لأجلها جعل بعض القرآن محكماً وبعضه متشابهاً. إعلم أن من الملحدة من طعن في القرآن لأجل اشتماله على المتشابهات، وقال: إنكم تقولون إن تكاليف الخلق مرتبطة بهذا القرآن إلى قيام الساعة، ثم إنا نراه بحيث يتمسك به كل صاحب مذهب على مذهبه، فالجبري يتمسك بآيات الجبر، كقوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِى ءَاذَانِهِمْ وَقْراً } تفسير : [الأنعام: 25] والقدري يقول: بل هذا مذهب الكفار، بدليل أنه تعالى حكى ذلك عن الكفار في معرض الذم لهم في قوله {أية : وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ } تفسير : [فصلت: 5] وفي موضع آخر {أية : وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ } تفسير : [البقرة: 88] وأيضاً مثبت الرؤية يتمسك بقوله {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبّهَا نَاظِرَةٌ } تفسير : [القيامة: 22، 23] والنافي يتمسك بقوله {أية : لاَ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ } تفسير : [الأنعام: 103] ومثبت الجهة يتمسك بقوله {أية : يَخَـٰفُونَ رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ } تفسير : [النحل: 50] وبقوله {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ } تفسير : [طه: 5] والنافي يتمسك بقوله {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء } تفسير : [الشورى: 11] ثم إن كل واحد يسمي الآيات الموافقة لمذهبه: محكمة، والآيات المخالفة لمذهبه: متشابهة وربما آل الأمر في ترجيح بعضها على بعض إلى ترجيحات خفية، ووجوه ضعيفة، فكيف يليق بالحكيم أن يجعل الكتاب الذي هو المرجوع إليه في كل الدين إلى قيام الساعة هكذا، أليس أنه لو جعله ظاهراً جلياً نقياً عن هذه المتشابهات كان أقرب إلى حصول الغرض. واعلم أن العلماء ذكروا في فوائد المتشابهات وجوهاً: الوجه الأول: أنه متى كانت المتشابهات موجودة، كان الوصول إلى الحق أصعب وأشق وزيادة المشقة توجب مزيد الثواب، قال الله تعالى: {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّـٰبِرِينَ } تفسير : [آل عمران: 142]. الوجه الثاني: لو كان القرآن محكماً بالكلية لما كان مطابقاً إلا لمذهب واحد، وكان تصريحه مبطلاً لكل ما سوى ذلك المذهب، وذلك مما ينفر أرباب المذاهب عن قبوله وعن النظر فيه، فالانتفاع به إنما حصل لما كان مشتملاً على المحكم وعلى المتشابه، فحينئذ يطمع صاحب كل مذهب أن يجد فيه ما يقوي مذهبه، ويؤثر مقالته، فحينئذ ينظر فيه جميع أرباب المذاهب، ويجتهد في التأمل فيه كل صاحب مذهب، فإذا بالغوا في ذلك صارت المحكمات مفسرة للمتشابهات، فبهذا الطريق يتخلص المبطل عن باطله ويصل إلى الحق. الوجه الثالث: أن القرآن إذا كان مشتملاً على المحكم والمتشابه افتقر الناظر فيه إلى الاستعانة بدليل العقل، وحينئذ يتخلص عن ظلمة التقليد، ويصل إلى ضياء الاستدلال والبينة، أما لو كان كله محكماً لم يفتقر إلى التمسك بالدلائل العقلية فحينئذ كان يبقى في الجهل والتقليد. الوجه الرابع: لما كان القرآن مشتملاً على المحكم والمتشابه، افتقروا إلى تعلم طرق التأويلات وترجيح بعضها على بعض، وافتقر تعلم ذلك إلى تحصيل علوم كثيرة من علم اللغة والنحو وعلم أصول الفقه، ولو لم يكن الأمر كذلك ما كان يحتاج الإنسان إلى تحصيل هذه العلوم الكثيرة، فكان إيراد هذه المتشابهات لأجل هذه الفوائد الكثيرة. الوجه الخامس: وهو السبب الأقوى في هذا الباب أن القرآن كتاب مشتمل على دعوة الخواص والعوام بالكلية، وطبائع العوام تنبو في أكثر الأمر عن إدراك الحقائق، فمن سمع من العوام في أول الأمر إثبات موجود ليس بجسم ولا بمتحيز ولا مشار إليه، ظن أن هذا عدم ونفي فوقع في التعطيل، فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالة على بعض ما يناسب ما يتوهمونه ويتخيلونه، ويكون ذلك مخلوطاً بما يدل على الحق الصريح، فالقسم الأول وهو الذي يخاطبون به في أول الأمر يكون من باب المتشابهات، والقسم الثاني وهو الذي يكشف لهم في آخر الأمر هو المحكمات، فهذا ما حضرنا في هذا الباب والله أعلم بمراده. وإذا عرفت هذه المباحث فلنرجع إلى التفسير. أما قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِى أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ } فالمراد به هو القرآن {مِنْهُ آيَـٰتٌ مُّحْكَمَـٰتٌ } وهي التي يكون مدلولاتها متأكدة إما بالدلائل العقلية القاطعة وذلك في المسائل القطعية، أو يكون مدلولاتها خالية عن معارضات أقوى منها. ثم قال: {هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ } وفيه سؤالان: السؤال الأول: ما معنى كون المحكم أماً للمتشابه؟. الجواب: الأم في حقيقة اللغة الأصل الذي منه يكون الشيء، فلما كانت المحكمات مفهومة بذواتها، والمتشابهات إنما تصير مفهومة بإعانة المحكمات، لا جرم صارت المحكمات كالأم للمتشابهات وقيل: أن ما جرى في الإنجيل من ذكر الأب، وهو أنه قال: إن الباري القديم المكون للأشياء الذي به قامت الخلائق وبه ثبتت إلى أن يبعثها، فعبّر عن هذا المعنى بلفظ الأب من جهة أن الأب هو الذي حصل منه تكوين الإبن، ثم وقع في الترجمة ما أوهم الأبوة الواقعة من جهة الولادة، فكان قوله {أية : مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ } تفسير : [مريم: 35] محكماً لأن معناه متأكد بالدلائل العقلية القطعية، وكان قوله: عيسى روح الله وكلمته من المتشابهات التي يجب ردها إلى ذلك المحكم. السؤال الثاني: لم قال: {أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ } ولم يقل: أمهات الكتاب؟. الجواب: أن مجموع المحكمات في تقدير شيء واحد، ومجموع المتشابهات في تقدير شيء آخر وأحدهما أم الآخر، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ ءَايَةً } تفسير : [المؤمنون: 50] ولم يقل آيتين، وإنما قال ذلك على معنى أن مجموعهما آية واحدة، فكذلك ههنا. ثم قال: {وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰتٌ } وقد عرفت حقيقة المتشابهات، قال الخليل وسيبويه: أن {أُخر} فارقت أخواتها في حكم واحد، وذلك لأن أُخر جمع أخرى وأخرى تأنيث آخر وأُخر على وزن أفعل وما كان على وزن أفعل فإنه يستعمل مع من أو بالألف واللام، فيقال: زيد أفضل من عمرو، وزيد الأفضل فالألف واللام معقبتان لمن في باب أفعل، فكان القياس أن يقال: زيد آخر من عمرو، أو يقال: زيد الآخر إلا أنهم حذفوا منه لفظ من لأن لفظه اقتضى معنى من فاسقطوها اكتفاء بدلالة اللفظ عليه والألف واللام معاقبتان لمن، فسقط الألف واللام أيضاً فلما جاز استعماله بغير الألف واللام صار أُخر فأخر جمعه، فصارت هذه اللفظة معدولة عن حكم نظائرها في سقوط الألف واللام عن جمعها ووحدانها. ثم قال: {فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ } إعلم أنه تعالى لما بيّن أن الكتاب ينقسم إلى قسمين منه محكم ومنه متشابه، بيّن أن أهل الزيغ لا يتمسكون إلا بالمتشابه، والزيغ الميل عن الحق، يقال: زاغ زيغاً: أي مال ميلاً واختلفوا في هؤلاء الذين أُريدوا بقوله {فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ } فقال الربيع: هم وفد نجران لما حاجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسيح فقالوا: أليس هو كلمة الله وروح منه قال: بلى. فقالوا: حسبنا. فأنزل الله هذه الآية، ثم أنزل{أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ } تفسير : [آل عمران: 59] وقال الكلبي: هم اليهود طلبوا علم مدة بقاء هذه الأمة واستخراجه من الحروف المقطعة في أوائل السور وقال قتادة والزجاج: هم الكفار الذين ينكرون البعث، لأنه قال في آخر الآية {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ } وما ذاك إلا وقت القيامة لأنه تعالى أخفاه عن كل الخلق حتى عن الملائكة والأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وقال المحققون: إن هذا يعم جميع المبطلين، وكل من احتج لباطله بالمتشابه، لأن اللفظ عام، وخصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ ويدخل فيه كل ما فيه لبس واشتباه ومن جملته ما وعد الله به الرسول من النصرة وما أوعد الكفار من النقمة ويقولون {أية : ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ } تفسير : [العنكبوت: 29] {أية : ومتى تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ } تفسير : [سبأ: 3] {أية : لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلَـٰئِكَةِ } تفسير : [الحجر: 7] فموهوا الأمر على الضعفة، ويدخل في هذا الباب استدلال المشبهة بقوله تعالى: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ } تفسير : [طه: 5] فإنه لما ثبت بصريح العقل أن كل ما كان مختصاً بالحيز فإما أن يكون في الصغر كالجزء الذي لا يتجزأ وهو باطل بالاتفاق وإما أن يكون أكبر فيكون منقسماً مركباً وكل مركب فإنه ممكن ومحدث، فبهذا الدليل الظاهر يمتنع أن يكون الإلٰه في مكان، فيكون قوله {ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ } متشابهاً، فمن تمسك به كان متمسكاً بالمتشابهات ومن جملة ذلك استدلال المعتزلة بالظواهر الدالة على تفويض الفعل بالكلية إلى العبد، فإنه لما ثبت بالبرهان العقلي أن صدور الفعل يتوقف على حصول الداعي، وثبت أن حصول ذلك الداعي من الله تعالى، وثبت متى كان الأمر كذلك كان حصول الفعل عند تلك الداعية واجباً، وعدمه عند عدم هذه الداعية واجباً، فحينئذ يبطل ذلك التفويض، وثبت أن الكل بقضاء الله تعالى وقدره ومشيئته، فيصير استدلال المعتزلة بتلك الظواهر وإن كثرت استدلالاً بالمتشابهات، فبيّن الله تعالى في كل هؤلاء الذين يعرضون عن الدلائل القاطعة ويقتصرون على الظواهر الموهمة أنهم يتمسكون بالمتشابهات لأجل أن في قلوبهم زيغاً عن الحق وطلباً لتقرير الباطل. واعلم أنك لا ترى طائفة في الدنيا إلا وتسمي الآيات المطابقة لمذهبهم محكمة، والآيات المطابقة لمذهب خصمهم متشابهة ثم هو الأمر في ذلك ألا ترى إلى الجبائي فإنه يقوله: المجبرة الذين يضيفون الظلم والكذب، وتكليف ما لا يطاق إلى الله تعالى هم المتمسكون بالمتشابهات. وقال أبو مسلم الأصفهاني: الزائغ الطالب للفتنة هو من يتعلق بآيات الضلال، ولا يتأوله على المحكم الذي بيّنه الله تعالى بقوله {أية : وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِىُّ } تفسير : [طه: 85] {أية : وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ } تفسير : [طه: 79] {أية : وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَـٰسِقِينَ} تفسير : [البقرة: 26] وفسروا أيضاً قوله{أية : وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا } تفسير : [الإسراء: 16] على أنه تعالى أهلكهم وأراد فسقهم، وأن الله تعالى يطلب العلل على خلقه ليهلكهم مع أنه تعالى قال: {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ } تفسير : [البقرة: 185] {أية : وَيُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ } تفسير : [النساء: 26] وتأولوا قوله تعالى: {أية : زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَـٰلَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ } تفسير : [النمل: 4] على أنه تعالى زين لهم النعمة ونقضوا بذلك ما في القرآن كقوله تعالى: {أية : إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ } تفسير : [الرعد: 11] {أية : وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى ٱلْقُرَىٰ إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَـٰلِمُونَ } تفسير : [القصص: 59] وقال: {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَـٰهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ } تفسير : [فصلت: 17] وقال: {أية : فَمَنُ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ } تفسير : [يونس: 108] وقال: {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإيمَـٰنَ وَزَيَّنَهُ فِى قُلُوبِكُمْ } تفسير : [الحجرات: 7] فكيف يزين النعمة؟ فهذا ما قاله أبو مسلم، وليت شعري لم حكم على الآيات الموافقة لمذهبه بأنها محكمات، وعلى الآيات المخالفة لمذهبه بأنها متشابهات؟ ولم أوجب في تلك الآيات المطابقة لمذهبه إجرائها على الظاهر، وفي الآيات المخالفة لمذهبه صرفها عن الظاهر؟ ومعلوم أن ذلك لا يتم إلا بالرجوع إلى الدلائل العقلية الباهرة، فإذا دلّ على بطلان مذهب المعتزلة الأدلة العقلية، فإن مذهبهم لا يتم إلا إذا قلنا بأنه صدر عن أحد الفعلين دون الثاني من غير مرجح، وذلك تصريح بنفي الصانع، ولا يتم إلا إذا قلنا بأن صدور الفعل المحكم المتقن عن العبد لا يدل على علم فاعله به، فحينئذ يكون قد تخصص ذلك العدد بالوقوع دون الأزيد والأنقص لا لمخصص، وذلك نفي للصانع، ولزم منه أيضاً أن لا يدل صدور الفعل المحكم على كون الفاعل عالماً وحينئذ ينسد باب الاستدلال بأحكام أفعال الله تعالى على كون فاعلها عالماً، ولو أن أهل السمٰوات والأرض اجتمعوا على هذه الدلائل لم يقدروا على دفعها، فإذا لاحت هذه الدلائل العقلية الباهرة فكيف يجوز لعاقل أن يسمي الآيات الدالة على القضاء والقدر بالمتشابه، فظهر بما ذكرناه أن القانون المستمر عند جمهور الناس أن كل آية توافق مذهبهم فهي المحكمة وكل آية تخالفهم فهي المتشابهة. وأما المحقق المنصف، فإنه يحمل الأمر في الآيات على أقسام ثلاثة أحدها: ما يتأكد ظاهرها بالدلائل العقلية، فذاك هو المحكم حقاً وثانيها: الذي قامت الدلائل القاطعة على امتناع ظواهرها، فذاك هو الذي يحكم فيه بأن مراد الله تعالى غير ظاهره وثالثها: الذي لا يوجد مثل هذه الدلائل على طرفي ثبوته وانتفائه، فيكون من حقه التوقف فيه، ويكون ذلك متشابهاً بمعنى أن الأمر اشتبه فيه، ولم يتميز أحد الجانبين عن الآخر، إلا أن الظن الراجح حاصل في إجرائها على ظواهرها فهذا ما عندي في هذا الباب والله أعلم بمراده. واعلم أنه تعالى لما بيّن أن الزائغين يتبعون المتشابه، بيّن أن لهم فيه غرضين، فالأول: هو قوله تعالى: {ٱبْتِغَاء ٱلْفِتْنَةِ } والثاني: هو قوله {وَٱبْتِغَاء تَأْوِيلِهِ }. فأما الأول: فاعلم أن الفتنة في اللغة الاستهتار بالشيء والغلو فيه، يقال: فلان مفتون بطلب الدنيا، أي قد غلا في طلبها وتجاوز القدر، وذكر المفسرون في تفسير هذه الفتنة وجوهاً: أولها: قال الأصم: إنهم متى أوقعوا تلك المتشابهات في الدين، صار بعضهم مخالفاً للبعض في الدين، وذلك يفضي إلى التقاتل والهرج والمرج فذاك هو الفتنة وثانيها: أن التمسك بذلك المتشابه يقرر البدعة والباطل في قلبه فيصير مفتوناً بذلك الباطل عاكفاً عليه لا ينقلع عنه بحيلة ألبتة وثالثها: أن الفتنة في الدين هو الضلال عنه ومعلوم أنه لا فتنة ولا فساد أعظم من الفتنة في الدين والفساد فيه. وأما الغرض الثاني لهم: وهو قوله تعالى: {وَٱبْتِغَاء تَأْوِيلِهِ } فاعلم أن التأويل هو التفسير وأصله في اللغة المرجع والمصير، من قولك آل الأمر إلى كذا إذا صار إليه، وأولته تأويلاً إذا صيرته إليه، هذا معنى التأويل في اللغة، ثم يسمى التفسير تأويلاً، قال تعالى: {أية : سَأُنَبّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً } تفسير : [الكهف: 78] وقال تعالى: {أية : وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } تفسير : [النساء: 59] وذلك أنه إخبار عما يرجع إليه اللفظ من المعنى، واعلم أن المراد منه أنهم يطلبون التأويل الذي ليس في كتاب الله عليه دليل ولا بيان، مثل طلبهم أن الساعة متى تقوم؟ وأن مقادير الثواب والعقاب لكل مطيع وعاص كم تكون؟ قال القاضي: هؤلاء الزائغون قد ابتغوا المتشابه من وجهين أحدهما: أن يحملوه على غير الحق: وهو المراد من قوله {ٱبْتِغَاء ٱلْفِتْنَةِ } والثاني: أن يحكموا بحكم في الموضع الذي لا دليل فيه، وهو المراد من قوله {وَٱبْتِغَاء تَأْوِيلِهِ } ثم بيّن تعالى ما يكون زيادة في ذم طريقة هؤلاء الزائغين فقال: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ } واختلف الناس في هذا الموضع، فمنهم من قال: تم الكلام ههنا، ثم الواو في قوله {وَٱلرٰسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ } واو الابتداء، وعلى هذا القول: لا يعلم المتشابه إلا الله، وهذا قول ابن عباس وعائشة ومالك بن أنس والكسائي والفرّاء، ومن المعتزلة قول أبي علي الجبائي وهو المختار عندنا. والقول الثاني: أن الكلام إنما يتم عند قوله {وَٱلرسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ } وعلى هذا القول يكون العلم بالمتشابه حاصلاً عند الله تعالى وعند الراسخين في العلم وهذا القول أيضاً مروي عن ابن عباس ومجاهد والربيع بن أنس وأكثر المتكلمين والذي يدل على صحة القول الأول وجوه: الحجة الأولى: أن اللفظ إذا كان له معنى راجح، ثم دل دليل أقوى منه على أن ذلك الظاهر غير مراد، علمنا أن مراد الله تعالى بعض مجازات تلك الحقيقة، وفي المجازات كثرة، وترجيح البعض على البعض لا يكون إلا بالترجيحات اللغوية، والترجيحات اللغوية لا تفيد إلا الظن الضعيف، فإذا كانت المسألة قطعية يقينية، كان القول فيها بالدلائل الظنية الضعيفة غير جائز، مثاله قال الله تعالى: {أية : لا يُكَلّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } تفسير : [البقرة: 286] ثم قال الدليل القاطع على أن مثل هذا التكليف قد وجد على ما بينا في البراهين الخمسة في تفسير هذه الآية فعلمنا أن مراد الله تعالى ليس ما يدل عليه ظاهر هذه الآية، فلا بد من صرف اللفظ إلى بعض المجازات، وفي المجازات كثرة وترجيح بعضها على بعض لا يكون إلا بالترجيحات اللغوية، وأنها لا تفيد إلا الظن الضعيف، وهذه المسألة ليست من المسائل الظنية، فوجب أن يكون القول فيها بالدلائل الظنية باطلاً، وأيضاً قال الله تعالى: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ }تفسير : [طه: 5] دلّ الدليل على أنه يمتنع أن يكون الإلٰه في المكان، فعرفنا أنه ليس مراد الله تعالى من هذه الآية ما أشعر به ظاهرها، إلا أن في مجازات هذه اللفظة كثرة فصرف اللفظ إلى البعض دون البعض لا يكون إلا بالترجيحات اللغوية الظنية، والقول بالظن في ذات الله تعالى وصفاته غير جائز بإجماع المسلمين، وهذه حجة قاطعة في المسألة والقلب الخالي عن التعصب يميل إليه، والفطرة الأصلية تشهد بصحته، وبالله التوفيق. الحجة الثانية: وهو أن ما قبل هذه الآية يدل على أن طلب تأويل المتشابه مذموم، حيث قال: {فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَاء ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَاء تَأْوِيلِهِ } ولو كان طلب تأويل المتشابه جائزاً لما ذم الله تعالى ذلك. فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد منه طلب وقت قيام الساعة، كما في قوله {أية : يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَـٰهَا، قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبّي } تفسير : [الأعراف: 178] وأيضاً طلب مقادير الثواب والعقاب، وطلب ظهور الفتح والنصرة كما قالوا{أية : لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلَـٰئِكَةِ } تفسير : [الحجر: 7]. قلنا: إنه تعالى لما قسم الكتاب إلى قسمين محكم ومتشابه، ودلّ العقل على صحة هذه القسمة من حيث إن حمل اللفظ على معناه الراجح هو المحكم، وحمله على معناه الذي ليس براجح هو المتشابه، ثم أنه تعالى ذم طريقة من طلب تأويل المتشابه كان تخصيص ذلك ببعض المتشابهات دون البعض تركاً للظاهر، وأنه لا يجوز. الحجة الثالثة: أن الله مدح الراسخين في العلم بأنهم يقولون آمنا به، وقال في أول سورة البقرة {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ } فهؤلاء الراسخون لو كانوا عالمين بتأويل ذلك المتشابه على التفصيل لما كان لهم في الإيمان به مدح، لأن كل من عرف شيئاً على سبيل التفصيل فإنه لا بد وأن يؤمن به، إنما الراسخون في العلم هم الذين علموا بالدلائل القطعية أن الله تعالى عالم بالمعلومات التي لا نهاية لها، وعلموا أن القرآن كلام الله تعالى، وعلموا أنه لا يتكلم بالباطل والعبث، فإذا سمعوا آية ودلّت الدلائل القطعية على أنه لا يجوز أن يكون ظاهرها مراد الله تعالى، بل مراده منه غير ذلك الظاهر، ثم فوضوا تعيين ذلك المراد إلى علمه، وقطعوا بأن ذلك المعنى أي شيء كان فهو الحق والصواب، فهؤلاء هم الراسخون في العلم بالله حيث لم يزعزعهم قطعهم بترك الظاهر، ولا عدم علمهم بالمراد على التعيين عن الإيمان بالله والجزم بصحة القرآن. الحجة الرابعة: لو كان قوله {وَٱلرٰسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ } معطوفاً على قوله {إِلاَّ ٱللَّهُ } لصار قوله {يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ } ابتداء، وأنه بعيد عن ذوق الفصاحة، بل كان الأولى أن يقال: وهم يقولون آمنا به، أو يقال: ويقولون آمنا به. فإن قيل: في تصحيحه وجهان الأول: أن قوله {يَقُولُونَ } كلام مبتدأ، والتقدير: هؤلاء العالمون بالتأويل يقولون آمنا به والثاني: أن يكون {يَقُولُونَ } حالا من الراسخين. قلنا: أما الأول فمدفوع، لأن تفسير كلام الله تعالى بما لا يحتاج معه إلى الاضمار أولى من تفسيره بما يحتاج معه إلى الاضمار والثاني: أن ذا الحال هو الذي تقدم ذكره، وههنا قد تقدم ذكر الله تعالى وذكر الراسخين في العلم فوجب أن يجعل قوله {يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ } حالا من الراسخين لا من الله تعالى، فيكون ذلك تركاً للظاهر، فثبت أن ذلك المذهب لا يتم إلا بالعدول عن الظاهر ومذهبنا لا يحتاج إليه، فكان هذا القول أولى. الحجة الخامسة: قوله تعالى: {كُلٌّ مّنْ عِندِ رَبّنَا } يعني أنهم آمنوا بما عرفوه على التفصيل، وبما لم يعرفوا تفصيله وتأويله، فلو كانوا عالمين بالتفصيل في الكل لم يبق لهذا الكلام فائدة. الحجة السادسة: نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: تفسير القرآن على أربعة أوجه: تفسير لا يسع أحداً جهله، وتفسير تعرفه العرب بألسنتها، وتفسير تعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى. وسئل مالك بن أنس رحمه الله عن الاستواء، فقال: الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والإيمان به واجب، والسؤال عند بدعة، وقد ذكرنا بعض هذه المسألة في أول سورة البقرة، فإذا ضم ما ذكرناه ههنا إلى ما ذكرنا هناك تم الكلام في هذه المسألة، وبالله التوفيق. ثم قال تعالى: {وَٱلرٰسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مّنْ عِندِ رَبّنَا } وفيه مسائل: المسألة الأولى: الرسوخ في اللغة الثبوت في الشيء. واعلم أن الراسخ في العلم هو الذي عرف ذات الله وصفاته بالدلائل اليقينية القطعية، وعرف أن القرآن كلام الله تعالى بالدلائل اليقينية، فإذا رأى شيئاً متشابهاً، ودل القطعي على أن الظاهر ليس مراد الله تعالى، علم حينئذ قطعاً أن مراد الله شيء آخر سوى ما دلّ عليه ظاهره، وأن ذلك المراد حق، ولا يصير كون ظاهره مردوداً شبهة في الطعن في صحة القرآن. ثم حكي عنهم أيضاً أنهم يقولون {كُلٌّ مّنْ عِندِ رَبّنَا } والمعنى: أن كل واحد من المحكم والمتشابه من عند ربنا، وفيه سؤالان: السؤال الأول: لو قال: كل من ربنا كان صحيحاً، فما الفائدة في لفظ {عِندَ }؟. الجواب؛ الإيمان بالمتشابه يحتاج فيه إلى مزيد التأكيد، فذكر كلمة {عِندَ } لمزيد التأكيد. السؤال الثاني: لم جاز حذف المضاف إليه من {كُلٌّ }؟. الجواب: لأن دلالة المضاف عليه قوية، فبعد الحذف الأمن من اللبس حاصل. ثم قال: {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَـٰبِ } وهذا ثناء من الله تعالى على الذين قالوا آمنا به، ومعناه: ما يتعظ بما في القرآن إلا ذوو العقول الكاملة، فصار هذا اللفظ كالدلالة على أنهم يستعملون عقولهم في فهم القرآن، فيعلمون الذي يطابق ظاهره دلائل العقول فيكون محكماً، وأما الذي يخالف ظاهره دلائل العقول فيكون متشابهاً، ثم يعلمون أن الكل كلام من لا يجوز في كلامه التناقض والباطل، فيعلمون أن ذلك المتشابه لا بد وأن يكون له معنى صحيح عند الله تعالى، وهذه الآية دالة على علو شأن المتكلمين الذين يبحثون عن الدلائل العقلية، ويتوسلون بها إلى معرفة ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله، ولا يفسرون القرآن إلا بما يطابق دلائل العقول، وتوافق اللغة والإعراب. واعلم أن الشيء كلما كان أشرف كان ضده أخس، فكذلك مفسر القرآن متى كان موصوفاً بهذه الصفة كانت درجته هذه الدرجة العظمى التي عظم الله الثناء عليه، ومتى تكلم في القرآن من غير أن يكون متبحراً في علم الأصول، وفي علم اللغة والنحو كان في غاية البعد عن الله، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار».تفسير :

القرطبي

تفسير : فيه تسع مسائل: الأولى: خرّج مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا رأيتم الذين يتّبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سماهم الله فٱحذروهم»تفسير : وعن أبي غالب قال: كنت أمشي مع أبي أُمَامة وهو على حمارٍ له، حتى إذا ٱنتهى إلى دَرَج مسجد دمشق فإذا رؤوس منصوبة؛ فقال: ما هذه الرُّؤوس؟ قيل: هذه رؤوس خوارج يجاء بهم من العراق. فقال أبو أُمامة: كِلابُ النار كِلابُ النار كلابُ النارٰ شرُّ قتلى تحت ظل السماء، طوبى لمن قتلهم وقتلوه ـ يقولها ثلاثاً ـ ثم بكى. فقلت: ما يبكيك يا أبا أُمَامة؟ قال: رحمةً لهم، إنهم كانوا من أهل الإسلام فخرجوا منه؛ ثم قرأ {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ} إلى آخر الآيات. ثم قرأ {أية : وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ} تفسير : [آل عمران: 105]. فقلت: يا أبا أُمَامة، هُمْ هؤلاء؟ قال نعم. قلتُ: أشيء تقوله برأيك أم شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: إني إذَّاً لَجَريءٌ إني إذا لَجريءٰ بل سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث ولا أربع ولا خمسٍ ولا ست ولا سبع، ووضع أصبعيْه في أُذُنَيْه، قال: وإلاّ فصُمَّتا ـ قالها ثلاثاً ـ ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:«حديث : تفرقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقةً واحدةٌ في الجنة وسائرهم في النار ولتَزيدنّ عليهم هذه الأمة واحدة واحدةٌ في الجنة وسائرُهم في النار».تفسير : الثانية: ٱختلف العلماء في المحكمات والمتشابهات على أقوال عديدة، فقال جابر بن عبد الله، وهو مقتضى قول الشعبي وسفيان الثوري وغيرهما: المحكمات من آي القرآن ما عرِف تأويله وفهم معناه وتفسيره. والمتشابه ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل مما ٱستأثر الله تعالى بعلمه دون خلقه. قال بعضهم: وذلك مِثل وقت قيام الساعة، وخروج يأجوج ومأجوج والدجال وعيسى، ونحو الحروف المقطعة في أوائل السور. قلت: هذا أحسن ما قيل في المتشابه. وقد قدّمنا في أوائل سورة البقرة عن الربيع بن خيثم أنّ الله تعالى أنزل القرآن فاستأثر منه بعلم ما شاء؛ الحديث. وقال أبو عثمان؛ المحكم فاتحة الكتاب التي لا تجزىء الصلاة إلا بها. وقال محمد بن الفضل: سورة الإخلاص، لأنه ليس فيها إلا التوحيد فقط. وقد قيل: القرأن كله محكم: لقوله تعالى: {أية : كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} تفسير : [هود: 1] وقيل: كله متشابه؛ لقوله: {أية : كِتَاباً مُّتَشَابِهاً} تفسير : [الزمر: 23]. قلت: وليس هذا من معنى الآية في شيء؛ فإن قوله تعالى {أية : كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} تفسير : [هود: 1] أي في النظم والرصْف وأنه حق من عند الله. ومعنى «كتاباً مُتَشَابِهاً»، أي يشبه بعضه بعضا ويصدق بعضه بعضا. وليس المراد بقوله «آيَاتٌ مُحُكَمَاتٌ» «وأُخَرُ مُتَشَابِهاتٌ» هذا المعنى؛ وإنما المتشابه في هذه الآية من باب الاحتمال والاشتباه، من قوله {أية : إِنَّ ٱلبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} تفسير : [البقرة: 70] أي ٱلتبس علينا، أي يحتمل أنواعاً كثيرة من البقر. والمراد بالمحكم ما في مقابلة هذا، وهو ما لا التباس فيه ولا يحتمل إلا وجها واحداً. وقيل: إن المتشابه ما يحتمل وجوها، ثم إذا رُدَّتْ الوجوه إلى وجه واحد وأبطِل الباقي صار المتشابه محكماً. فالمحكم أبداً أصل تردّ إليه الفروع، والمتشابه هو الفرع. وقال ٱبن عباس: المحكمات هو قوله في سورة الأنعام {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 151] إلى ثلاث آيات، وقوله في بني إسرائيل {أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} تفسير : [الإسراء: 23] قال ٱبن عطية: وهذا عندي مثال أعطاه في المحكمات. وقال ٱبن عباس أيضاً؛ المحكمات ناسخه وحرامه وفرائضه وما يؤمن به ويعمل به، والمتشابهات المنسوخات ومقدّمه ومؤخّره وأمثالُه وأقسامه وما يؤمن به ولا يعمل به، وقال ٱبن مسعود وغيره: المحكمات الناسخات، والمتشابهات المنسوخات، وقاله قتادة والربيع والضحاك. وقال محمد بن جعفر بن الزبير: المحكمات هي التي فيها حجة الرب وعصمة العباد ودفع الخُصُوم والباطل، ليس لها تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه. والمتشابهات لهنّ تصريف وتحريف وتأويل، ٱبتلى الله فيهنّ العباد؛ وقاله مجاهد وٱبن إسحاق. قال ٱبن عطية: وهذا أحسن الأقوال في هذه الآية. قال النحاس: أحسن ما قيل في المحكمات، والمتشابهات أنّ المحكمات ما كان قائماً بنفسه لا يحتاج أن يرجع فيه إلى غيره؛ نحو {أية : وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} تفسير : [الإخلاص: 4] {أية : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ} تفسير : [طه: 82] والمتشابهات نحو {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً} تفسير : [الزمر: 53] يرجع فيه إلى قوله جل وعلا: {أية : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ}تفسير : [طه: 82] وإلى قوله عز وجل؛ {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ}تفسير : [النساء: 48]. قلت: ما قاله النحاس يبين ما ٱختاره ٱبنُ عطية، وهو الجاري على وَضْع اللسان؛ وذلك أن المحْكَم آسم مفعول من أحْكِم، والإحكام الإتْقان؛ ولا شك في أن ما كان واضح المعنى لا إشكال فيه ولا تردد، إنما يكون كذلك لوضوح مفردات كلماته وإتقان تركيبها؛ ومتى ٱخْتَلّ أحد الأمرين جاء التشابه والإشكال. والله أعلم. وقال ٱبن خويزِمَنْدَاد: للمتشابه وجوهٌ، والذي يتعلق به الحكم ما ٱختلف فيه العلماء أيّ الآيتين نسخت الأُخرى؛ كقول عليّ وابن عباس في الحامل المتوفى عنها زوجها تعتدّ أقْصَى الأجلين. فكان عمر وزيد بن ثابت وٱبن مسعود وغيرهم يقولون وضع الحمل، ويقولون: سورة النساء القصرى نسختْ أربعة أشهر وعَشْراً. وكان عليّ وابن عباس يقولان لم تنسخ. وكٱختلافهم في الوصية للوارث هل نُسخت أم لم تُنْسَخ. وكتعارض الآيتين أيهما أولى أن تقدّم إذا لم يعرف النسخ ولم توجد شرائطه؛ كقوله تعالى: {أية : وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} تفسير : [النساء: 24] يقتضي الجمع بين الأقارب من مِلك اليمين، وقوله تعالى: {أية : وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ}تفسير : [النساء: 23] يمنع ذلك. ومنه أيضاً تعارض الأخبار عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وتعارض الأقْيسَة، فذلك المتشابه. وليس من المتشابه أن تقرأ الآية بقراءتين ويكون الاسم محتملاً أو مجملاً يحتاج إلى تفسير؛ لأن الواجب منه قدر ما يتناوله الاسم أو جميعه. والقراءتان كالآيتين يجب العمل بموجبهما جميعاً؛ كما قرىء: {أية : وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} تفسير : [المائدة: 6] بالفتح والكسر، على ما يأتي بيانه «في المائدة» إن شاء الله تعالى. الثالثة: روى البخاريّ عن سعيد بن جبير قال: قال رجل لابن عباس: إني أجد في القرآن أشياءَ تختلفُ عليّ. قال: ما هو؟ قال: {أية : فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ} تفسير : [المؤمنون: 101] وقال: {أية : وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ} تفسير : [الصافات: 27] وقال: {أية : وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً} تفسير : [النساء: 42] وقال: {أية : وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 23] فقد كتموا في هذه الآية. وفي النازعات {أية : أَمِ ٱلسَّمَآءُ بَنَاهَا} {أية : وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا } تفسير : [النازعات: 27 ـ 30] فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض، ثم قال {أية : أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ } تفسير : [فصلت: 9 ـ 11] فذكر في هذا خلق الأرض قبل خلق السماء. وقال: {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}تفسير : [الفتح:14]. {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً} تفسير : [الفتح:7]. {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً}تفسير : [النساء: 134] فكأنه كان ثم مضى. فقال ٱبن عباس: «فَلاَ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ» في النفخة الأُولى، ثم ينفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون؛ ثم في النفخة الآخرة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون. وأمّا قوله: {مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} {وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً} فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، وقال المشركون: تعالوا نقول: لم نكن مشركين؛ فختم الله على أفواههم فتنطق جوارحهم بأعمالهم؛ فعند ذلك عرف أن الله لا يكتم حديثاً، وعنده يودّ الذين كفروا لو كانوا مسلمين. وخلق الله الأرض في يومين، ثم ٱستوى إلى السماء فسوّاهن سبع سماوات في يومين، ثم دحا الأرض أي بسطها فأخرج منها الماء والمرعى، وخلق فيها الجبال والأشجار والآكام وما بينها في يومين آخرين؛ فذلك قوله: {أية : وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} تفسير : [النازعات: 30]. فخلقت الأرض وما فيها في أربعة أيام، وخلقت السماء في يومين. وقوله: {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} يعني نفسه ذلك، أي لم يزل ولا يزال كذلك؛ فإن الله لم يرِد شيئاً إلا أصاب به الذي أراد. ويحك! فلا يختلِف عليك القرآن؛ فإن كلا من عند الله. الرابعة: قوله تعالى: {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} لم تصرف «أُخَرُ» لأنها عدِلت عن الألف واللام؛ لأن أصلها أن تكون صفة بالألف واللام كالكبر والصغر؛ فلما عدلت عن مجرى الألف واللام منِعت الصرف. أبو عبيد: لم يصرِفوها لأن واحدها لا ينصرف في معرفة ولا نكرة. وأنكر ذلك المبرد وقال: يجب على هذا ألا ينصرف غضاب وعطاش الكسائيّ: لم تنصرف لأنها صفة. وأنكره المبرد أيضاً وقال: إن لبدا وحطما صفتان وهما منصرفان. سيبويه: لا يجوز أن تكون أخَرُ معدولة عن الألف واللام؛ لأنها لو كانت معدولة عن الألف واللام لكان معرفة، ألا ترى أن سَحَرَ معرفة في جميع الأقاويل لما كانت معدولة عن السحر، وَأَمْسِ في قول من قال: ذهب أمسِ معدولاً عن الأمس؛ فلو كان أخر معدولاً أيضاً عن الألف واللام لكان معرفة، وقد وصفه الله تعالى بالنكرة. الخامسة: قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} الذين رفع بالابتداء، والخبر «فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ». والزيغ الميل؛ ومنه زاغت الشمس، وزاغت الأبصار. ويقال: زاغ يزيغ زيغاً إذا ترك القصد؛ ومنه قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ} تفسير : [الصف: 5]. وهذه الآية تعمّ كل طائفة من كافر وزِنديق وجاهل وصاحب بِدعة، وإن كانت الإشارة بها في ذلك الوقت إلى نصارى نجران. وقال قتادة في تفسير قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ}: إن لم يكونوا الحرورية وأنواع الخوارج فلا أدري من هم. قلت: قد مرّ هذا التفسير عن أبي أمامة مرفوعاً، وحسبك. السادسة: قوله تعالى: {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} قال شيخنا أبو العباس رحمة الله عليه: متبِعو المتشابه لا يخلو أن يتبعوه ويجمعوه طلباً للتشكيك في القرآن وإضلالِ العوامّ، كما فعلته الزنادقة والقرامِطة الطاعنون في القرآن؛ أو طلباً لاعتقاد ظواهر المتشابه، كما فعلته المجسِّمة الذِين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما ظاهره الجِسمية حتى ٱعتقدوا أن البارىء تعالى جسم مجسم وصورة مصوّرة ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وأصبع، تعالى الله عن ذلكٰ؛ أو يتبعوه على جهة إبداء تأويلاتها وإيضاح معانيها، أو كما فعل صبِيغ حين أكثر على عمر فيه السؤال. فهذه أربعة أقسام: الأوّل: لا شك في كفرهم، وأن حكم الله فيهم القتل من غير ٱستتابة. الثاني: الصحيح القول بتكفيرهم، إذ لا فرق بينهم وبين عباد الأصنام والصور، ويستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا كما يفعل بمن ٱرتدّ. الثالث: ٱختلفوا في جواز ذلك بناء على الخلاف في جواز تأويلها. وقد عرف أنّ مذهب السلف ترك التعرّض لتأويلها مع قطعهم بٱستحالة ظواهرها، فيقولون أمِرّوها كما جاءت. وذهب بعضهم إلى إبداء تأويلاتها وحملِها على ما يصح حمله في اللسان عليها من غير قطع بتعيين مجمل منها. الرابع: الحكم فيه الأدب البليغ، كما فعله عمر بصبيغ. وقال أبو بكر الأنباريّ: وقد كان الأئمة من السلف يعاقبون من يسأل عن تفسير الحروف المشكلات في القرآن، لأن السائل إن كان يبغي بسؤاله تخليد البدعة وإثارة الفتنة فهو حقيق بالنكير وأعظم التعزير، وإن لم يكن ذلك مقصده فقد ٱستحق العتب بما ٱجترم من الذنب، إذ أوجد للمنافقين الملحدين في ذلك الوقت سبيلاً إلى أن يقصدوا ضَعَفَة المسلمين بالتشكيك والتضليل في تحريف القرآن عن مناهج التنزيل وحقائق التأويل. فمن ذلك ما حدّثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي أنبأنا سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن زيد بن حازم عن سليمان بن يسار أن صبِيغ بن عِسل قدِم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن وعن أشياء؛ فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فبعث إليه عمر فأحضره وقد أعدّ له عراجين من عراجين النخل. فلما حضر قال له عمر: من أنت؟ قال: أنا عبد الله صبِيغ. فقال عمر رضي الله عنه: وأنا عبد الله عمر؛ ثم قام إليه فضرب رأسه بعرجون فشَجّه، ثم تابع ضربه حتى سال دمه على وجهه، فقال: حسبك يا أمير المؤمنين! فقد والله ذهب ما كنت أجدُ في رأسي. وقد ٱختلفت الروايات في أدبه، وسيأتي ذكرها في «الذاريات». ثم إن الله تعالى ألهمه التوبة وقذفها في قلبه فتاب وحسنت توبته. ومعنى {ٱبْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} طلب الشبهات واللبس على المؤمنين حتى يفسدوا ذات بينهم، ويردّوا الناس إلى زيغِهم. وقال أبو إسحاق الزجاج: معنى {ٱبتغاء تأويله} أنهم طلبوا تأويل بعثِهم وإحيائهم، فأعلم الله جل وعز أن تأويل ذلك ووقته لا يعلمه إلا الله. قال: والدليل على ذلك قوله تعالى: {أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ} تفسير : [الأعراف: 53] ـ أي يوم يرون ما يوعدون من البعث والنشور والعذاب ـ {يَقُولُ الَّذينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ} ـ أي تركوه ـ {أية : قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ} تفسير : [الأعراف: 53] أي قد رأينا تأويل ما أنبأتنا به الرّسل. قال: فالوقف على قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ} أي لا يعلم أحد متى البعث إلا الله. السابعة: قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ} يقال: إن جماعة من اليهود منهم حيي بن أخطب دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: بلغنا أنه نزل عليك {الۤمۤ}، فإن كنت صادقاً في مقالتك فإن ملك أُمّتك يكون إحدى وسبعين سنة؛ لأن الألِف في حساب الجّمل واحد، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فنزل {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ}. والتأويل يكون بمعنى التفسير، كقولك: تأويل هذه الكلمة على كذا. ويكون بمعنى ما يؤول الأمر إليه. وٱشتقاقه من آل الأمر إلى كذا يؤول إليه، أي صار. وأوّلته تأويلاً أي صيرته. وقد حدّه بعض الفقهاء فقالوا: هو إبداء ٱحتمالٍ في اللفظ مقصود بدليل خارج عنه. فالتفسير بيان اللفظ؛ كقوله {أية : لاَ رَيْبَ فِيهِ} تفسير : [البقرة: 1] أي لا شك. وأصله من الفسر وهو البيان؛ يقال: فسرت الشيء (مخففاً) أفْسِره (بالكسر) فَسْراً. والتأويل بيان المعنى؛ كقوله لا شك فيه عند المؤمنين. أو لأنه حق في نفسه فلا يقبل ذاته الشك وإنما الشك وصف الشاك. وكقول ٱبن عباس في الجد أبا؛ لأنه تأوّل قول الله عز وجل: {أية : يَابَنِيۤ آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ }تفسير : [الأعراف: 26]. الثامنة: قوله تعالى: {وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ} ٱختلف العلماء في {والرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم} هل هو ٱبتداء كلامٍ مقطوع مما قبله، أو هو معطوف على ما قبله فتكون الواو للجمع. فالذي عليه الأكثر أنه مقطوع مما قبله، وأنّ الكلام تَمّ عند قوله {إِلاَّ ٱللَّهُ} هذا قول ابن عمرو بن عباس وعائشة وعروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز وغيرهم، وهو مذهب الكِسائيّ والأخفش والفرّاء وأبي عبيد وغيرهم. قال أبو نهِيك الأسديّ: إنكم تصِلون هذه الآية وإنها مقطوعة. وما انتهى علم الراسخين إلا إلى قولهم {آمَنَّا به كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا}. وقال مثل هذا عمر بن عبد العزيز، وحكى الطبريّ نحوه عن يونس عن أشهب عن مالك بن أنس. و {يقولون} على هذا خبر {الراسخون}. قال الخطابيّ: وقد جعل الله تعالى آيات كتابه الذي أمرنا بالإيمان به والتصديق بما فيه قسمين: محكماً ومتشابِهاً؛ فقال عز من قائل: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ - إلى قوله - كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} فأعْلَمَ أنّ المتشابه من الكتاب قد ٱستأثر الله بعلمه، فلا يعلم تأويله أحَدٌ غيره، ثم أثنى الله عز وجل على الراسخين في العلم بأنهم يقولون آمنا به. ولولا صحة الإيمان منهم لم يستحقوا الثناء عليه. ومذهب أكثر العلماء أن الوقف التّام في هذه الآية إنما هو عند قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ} وأن ما بعده ٱستئناف كلامٍ آخر، وهو قوله {وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ}. وروي ذلك عن ٱبن مسعود وأُبيّ بن كعب وٱبن عباس وعائشة. وإنما روى عن مجاهد أنه نَسَق {الراسخون} على ما قبله وزعم أنهم يعلمونه. وٱحتج له بعض أهل اللغة فقال: معناه والراسخون في العلم يعلمونه قائلين آمنا؛ وزعم أن موضع {يقولون} نصب على الحال. وعامة أهل اللغة ينكرونه ويستبعدونه؛ لأن العرب لا تضمر الفعل والمفعول معاً، ولا تذكر حالاً إلا مع ظهور الفعل؛ فإذا لم يظهر فعل فلا يكون حال؛ ولو جاز ذلك لجاز أن يقال: عبد الله راكباً، بمعنى أقبل عبد الله راكباً؛ وإنما يجوز ذلك مع ذكر الفعل كقوله: عبد الله يتكلم يصلح بين الناس؛ فكان يصلح حالاً له؛ كقول الشاعر ـ أنشدنيه أبو عمر قال أنشدنا أبو العباس ثعلب ـ: شعر : أرسلتُ فيها قَطِماً لُكَالِكَا يَقْصُر يَمْشِي ويطول بَارِكا تفسير : أي يقصر ماشياً؛ فكان قول عامة العلماء مع مساعدة مذاهب النحويين له أولى من قول مجاهد وحده، وأيضاً فإنه لا يجوز أن ينفى الله سبحانه شيئاً عن الخلق ويثبته لنفسه ثم يكون له في ذلك شريك. ألا ترى قوله عز وجل: {أية : قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَاواتِ وٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ} تفسير : [النمل: 65] وقوله: {أية : لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [الأعراف: 187] وقوله: {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ}تفسير : [القصص: 88]، فكان هذا كله مما ٱستأثر الله سبحانه بعلمه لا يُشْرِكه فيه غيره. وكذلك قوله تبارك وتعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ}. ولو كانت الواو في قوله: {وَٱلرَّاسِخُونَ} للنسق لم يكن لقوله: {كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} فائدة. والله أعلم. قلت: ما حكاه الخطابيّ من أنه لم يقل بقول مجاهد غيره فقد روي عن ٱبن عباس أن الراسخين معطوف على ٱسم الله عز وجل، وأنهم داخلون في علم المتشابه، وأنهم مع علمهم به يقولون آمنا به؛ وقاله الربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير والقاسم بن محمد وغيرهم. و {يقولون} على هذا التأويل نصب على الحال من الراسخين؛ كما قال:شعر : الريحُ تَبْكِـي شَجْـوَها والبرقُ يلْمَـع في الغَمامَـهْ تفسير : وهذا البيت يحتمل المعنيين؛ فيجوز أن يكون «والبرق» مبتدأ، والخبر «يلمع» على التأويل الأوّل، فيكون مقطوعاً مما قبله. ويجوز أن يكون معطوفاً على الريح، و «يلمع» في موضع الحال على التأويل الثاني أي لامِعاً. وٱحتجّ قائلو هذه المقالة أيضاً بأن الله سبحانه مدحهم بالرسوخ في العلم؛ فكيف يمدحهم وهم جهّال! وقد قال ٱبن عباس: أنا ممن يعلم تأويله. وقرأ مجاهد هذه الآية وقال: أنا ممن يعلم تأويله؛ حكاه عنه إمام الحرمين أبو المعالي. قلت: وقد ردّ بعض العلماء هذا القول إلى القول الأوّل فقال: وتقدير تمام الكلام {عِند اللَّهِ} أن معناه وما يعلم تأويلَه إلا الله يعني تأويلَ المتشابهات، والراسخون في العلم يعلمون بعضه قائلين آمنّا به كلٌّ من عند ربنا بما نُصِب من الدلائل في المُحْكَم ومكّن من ردّه إليه. فإذا علموا تأويل بعضه ولم يعلموا البعض قالوا آمنا بالجميع كلٌّ من عند ربنا، وما لم يحِط به علمنا من الخفايا مما في شرعه الصّالح فعلمه عند ربِّنا. فإن قال قائل: قد أشكل على الراسخين بعض تفسيره حتى قال ٱبن عباس: لا أدري ما الأوّاهُ ولا ما غِسْلِين، قيل له: هذا لا يلزم؛ لأن ٱبن عباس قد علم بعد ذلك ففسر ما وقف عليه. وجوابٌ أقطع من هذا وهو أنه سبحانه لم يقل وكل راسخ فيجب هذا، فإذا لم يعلمه أحد علمه الآخر. ورجّح ٱبن فورك أنّ الراسخين يعلمون التأويل وأطنب في ذلك؛ وفي قوله عليه السلام لابن عباس: «حديث : اللَّهمّ فقهه في الدين وعلمه التأويل»تفسير : ما يبين لك ذلك، أي علمه معاني كتابك. والوقف على هذا يكون عند قوله {والرّاسِخُونَ في الْعِلْم}. قال شيخنا أبو العباس أحمد بن عمر: وهو الصحيح؛ فإن تسميتهم راسخين يقتضي أنهم يعلمون أكثر من المُحْكَم الذي يستوي في علمه جميع من يفهم كلام العرب. وفي أيّ شيء هو رسوخهم إذا لم يعلموا إلا ما يعلم الجميع!. لكن المتشابه يتنوّع، فمنه ما لا يعلم أَلبتّة كأمر الرُّوح والساعة مما ٱستأثر الله بغيبه، وهذا لا يتعاطى عِلمه أحد لا ٱبن عباس ولا غيره. فمن قال من العلماء الحُذَّاق بأن الراسخين لا يعلمون علم المتشابه فإنما أراد هذا النوع، وأما ما يمكن حمله على وجوه في اللغة ومَنَاحٍ في كلام العرب فيُتأوّل ويُعلم تأويله المستقيم، ويُزال ما فيه مما عسى أن يتعلق من تأويل غير مستقيم؛ كقوله في عيسى: {أية : وَرُوحٌ مِّنْهُ} تفسير : [النساء: 171] إلى غير ذلك. فلا يُسمّى أحدٌ راسخاً إلا بأن يعلم من هذا النوع كثيراً بحسب ما قُدّر له. وأمّا من يقول: إن المتشابه هو المنسوخ فيستقيم على قوله إدخالُ الراسخين في علم التأويل؛ لكن تخصيصه المتشابهات بهذا النوع غير صحيح. والرسوخ: الثبوت في الشيء، وكل ثابت راسخ. وأصله في الأجرام أن يرسخ الجبل والشجر في الأرض؛ قال الشاعر:شعر : لقد رَسَختْ في الصّدْر مِنِّي مودّةٌ لِلَيْلَى أبَتْ آياتُها أنْ تَغَيَّرا تفسير : ورسَخ الإيمان في قلب فلان يَرْسَخ رسوخاً. وحكى بعضهم: رسخ الغَدِيرُ: نَضَب ماؤه؛ حكاه ٱبن فارس فهو من الأضداد. ورَسَخ ورَضَخ ورَصُن ورسَب كله ثبت فيه. وسئل النبيّ صلى الله عليه وسلم عن الراسخين في العلم فقال: «حديث : هو مَنْ بَرّتْ يمينُه وصدَق لسانُه وٱستقام قلبه»تفسير : . فإن قيل: كيف كان في القرآن متشابه والله يقول: {أية : وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} تفسير : [النحل: 44] فكيف لم يجعله كله واضحاً؟ قيل له: الحكمة في ذلك ـ والله أعلم ـ أن يظهر فضل العلماء، لأنه لو كان كله واضحاً لم يظهر فضلُ بعضهم على بعض. وهكذا يفعل من يصنِّف تصنيفاً يجعل بعضه واضحاً وبعضه مشكلاً، ويترك للجُثْوَة موضعاً؛ لأن ما هان وجودُه قلّ بهاؤه. والله أعلم. التاسعة: قوله تعالى: {كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} فيه ضمير عائد على كتاب الله تعالى مُحكمِه ومُتشابهه؛ والتقدير: كله من عند ربنا. وحذف الضمير لدلالة {كلّ} عليه؛ إذْ هي لفظة تقتضي الإضافة. ثم قال: {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} أي ما يقول هذا ويُؤمنُ ويقفُ حيث وقَفَ ويَدَع ٱتّباع المتشابه إلا ذو لُبٍّ، وهو العقل. ولُبّ كل شيء خالصه؛ فلذلك قيل للعقل لُبّ. و {أولوا} جمع ذو.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى أن في القرآن آيات محكمات، هن أم الكتاب، أي: بينات واضحات الدلالة، لا التباس فيها على أحد، ومنه آيات أخر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس، أو بعضهم، فمن رد ما اشتبه إلى الواضح منه، وحكم محكمه على متشابهه عنده، فقد اهتدى، ومن عكس، انعكس، ولهذا قال تعالى: {هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ} أي: أصله الذي يرجع إليه عند الاشتباه {وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰتٌ} أي: تحتمل دلالتها موافقة المحكم، وقد تحتمل شيئاً آخر من حيث اللفظ والتركيب، لا من حيث المراد. وقد اختلفوا في المحكم والمتشابه، فروي عن السلف عبارات كثيرة، فقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس رضي الله عنهما: المحكمات: ناسخه، وحلاله وحرامه، وأحكامه وحدوده وفرائضه، وما يؤمر به، ويعمل به. وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: المحكمات قوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً} والآيات بعدها. وقوله تعالى: {أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّـٰهُ} تفسير : [الإسراء: 23] إلى ثلاث آيات بعدها. ورواه ابن أبي حاتم، وحكاه عن سعيد بن جبير، به قال: حدثنا أبي، حدّثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن إسحاق بن سويد أن يحيى بن يعمر، وأبا فاختة، تراجعا في هذه الآية، وهي: {هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰتٌ} فقال أبو فاختة: فواتح السور، وقال يحيى بن يعمر: الفرائض، والأمر والنهي، والحلال والحرام. وقال ابن لهيعة عن عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير: هنّ أمّ الكتاب، يقول: أصل الكتاب، وإنما سمّاهنّ أمّ الكتاب لأنهنّ مكتوبات في جميع الكتب. وقال مقاتل بن حيان: لأنه ليس من أهل دين إلا يرضى بهنّ. وقيل في المتشابهات: إنهن المنسوخة، والمقدم منه والمؤخر، والأمثال فيه، والأقسام، وما يؤمن به ولا يعمل به، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. وقيل: هي الحروف المقطعة في أوائل السور، قاله مقاتل بن حيان، وعن مجاهد: المتشابهات يصدق بعضها بعضاً. وهذا إنما هو في تفسير قوله:{أية : ٱلْحَدِيثِ كِتَـٰباً مُّتَشَـٰبِهاً مَّثَانِيَ}تفسير : [الزمر: 23] هناك ذكروا أن المتشابه هو الكلام الذي يكون في سياق واحد، والمثاني هو الكلام في شيئين متقابلين؛ كصفة الجنة وصفة النار، وذكر حال الأبرار وحال الفجار، ونحو ذلك. وأما ههنا، فالمتشابه هو الذي يقابل المحكم، وأحسن ما قيل فيه هو الذي قدمنا، وهو الذي نص عليه محمد بن إسحاق بن يسار رحمه الله حيث قال: منه آيات محكمات، فهن حجة الرب، وعصمة العباد، ودفع الخصوم والباطل، ليس لهن تصريف عما وضعن عليه، قال: والمتشابهات في الصدق، ليس لهن تصريف وتحريف وتأويل، ابتلى الله فيهن العباد؛ كما ابتلاهم في الحلال والحرام ألا يصرفن إلى الباطل، ولا يحرفن عن الحق. ولهذا قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} أي: ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنْهُ} أي: إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرّفوه إلى مقاصدهم الفاسدة، وينزلوه عليها؛ لاحتمال لفظه لما يصرفونه، فأما المحكم، فلا نصيب لهم فيه؛ لأنه دامغ لهم، وحجة عليهم، ولهذا قال الله تعالى: {ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ} أي: الإضلال لأتباعهم إيهاماً لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن، وهو حجة عليهم لا لهم؛ كما لو احتج النصارى بأن القرآن قد نطق بأن عيسى روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وتركوا الاحتجاج بقوله: {أية : إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَـٰهُ مَثَلاً لِّبَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ }تفسير : [الزخرف: 59] وبقوله: {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}تفسير : [آل عمران: 59] وغير ذلك من الآيات المحكمة المصرحة بأنه خلق من مخلوقات الله، وعبد ورسول من رسل الله. وقوله تعالى: {وَٱبْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِ} أي: تحريفه على ما يريدون. وقال مقاتل بن حيان والسدي: يبتغون أن يعلموا ما يكون وما عواقب الأشياء من القرآن. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {هُوَ ٱلَّذِىۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ مِنْهُ آيَـٰتٌ مُّحْكَمَـٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰتٌ} إلى قوله: {إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَـٰبِ} فقال: «حديث : إذا رأيتم الذين يجادلون فيه، فهم الذين عنى الله، فاحذروهم»تفسير : هكذا وقع الحديث في مسند الإمام أحمد من رواية ابن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها، ليس بينهما أحد، وهكذا رواه ابن ماجه من طريق إسماعيل بن علية وعبد الوهاب الثقفي، كلاهما عن أيوب عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة عنها، ورواه محمد بن يحيى العبدي في مسنده عن عبد الوهاب الثقفي عن أيوب به، وكذا رواه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب، وكذا رواه غير واحد عن أيوب، وقد رواه ابن حبان في صحيحه من حديث أيوب به، ورواه أبو بكر بن المنذر في تفسيره من طريقين عن النعمان بن محمد بن الفضل السدوسي، ولقبه عارم: حدثنا حماد بن زيد، حدثنا أيوب عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، به، وتابع أيوب أبو عامر الخراز وغيره عن ابن أبي مليكة فرواه الترمذي عن بندار، عن أبي داود الطيالسي، عن أبي عامر الخراز، فذكره، وهكذا رواه سعيد بن منصور في سننه عن حماد بن يحيى الأبح، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عائشة. ورواه ابن جرير من حديث روح بن القاسم ونافع بن عمر الجمحي، كلاهما عن ابن أبي مليكة، عن عائشة به. وقال نافع في روايته: عن ابن أبي مليكة، حدثتني عائشة، فذكره. وقد روى هذا الحديث البخاري عند تفسير هذه الآية، ومسلم في كتاب القدر من صحيحه، وأبو داود في السنة من سننه، ثلاثتهم عن القعنبي، عن يزيد بن إبراهيم التستري، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {هُوَ ٱلَّذِىۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ مِنْهُ آيَـٰتٌ مُّحْكَمَـٰتٌ} إلى قوله: {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَـٰبِ} قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه؛ فأولئك الذين سمى الله، فاحذروهم»تفسير : لفظ البخاري. وكذا رواه الترمذي أيضاً، عن بندار عن أبي داود الطيالسي، عن يزيد بن إبراهيم التستري به؛ وقال: حسن صحيح؛ وذكر أن يزيد بن إبراهيم التستري تفرد بذكر القاسم في هذا الإسناد. وقد رواه غير واحد عن ابن أبي مليكة عن عائشة، ولم يذكروا القاسم؛ كذا قال. وقد رواه ابن أبي حاتم فقال: حدثنا أبي، حدثنا أبو الوليد الطيالسي، حدثنا يزيد بن إبراهيم التستري وحماد بن سلمة، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنْهُ}؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله، فاحذروهم»تفسير : وقال ابن جرير: حدثنا علي بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم، عن حماد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: نزع رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الآية: {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ}، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : قد حذركم الله، فإذا رأيتموهم فاحذروهم»تفسير : ورواه ابن مردويه من طريق أخرى عن القاسم عن عائشة به، وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو كامل، حدثنا حماد عن أبي غالب، قال: سمعت أبا أمامة يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنْهُ} قال: «حديث : هم الخوارج»تفسير : . وفي قوله تعالى: {أية : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ}تفسير : [آل عمران: 106] قال: «حديث : هم الخوارج»تفسير : وقد رواه ابن مردويه من غير وجه، عن أبي غالب، عن أبي أمامة مرفوعاً، فذكره، وهذا الحديث أقل أقسامه أن يكون موقوفاً من كلام الصحابي، ومعناه صحيح، فإن أول بدعة وقعت في الإسلام فتنة الخوارج، وكان مبدؤهم بسبب الدنيا حين قسم النبي صلى الله عليه وسلم غنائم حنين، فكأنهم رأوا في عقولهم الفاسدة أنه لم يعدل في القسمة، ففاجؤوه بهذه المقالة، فقال قائلهم، وهو ذو الخويصرة: بقر الله خاصرته: اعدل، فإنك لم تعدل، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل، أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني»تفسير : . فلما قفّى الرجل، استأذن عمر بن الخطاب، وفي رواية: خالد بن الوليد في قتله، فقال: «حديث : دعه؛ فإنه يخرج من ضئضىء هذا، أي: من جنسه، قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وقراءته مع قراءتهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم»تفسير : ثم كان ظهورهم أيام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقتلهم بالنهروان، ثم تشعبت منهم شعوب، وقبائل وآراء، وأهواء، ومقالات، ونحل كثيرة منتشرة، ثم نبعت القدرية، ثم المعتزلة، ثم الجهمية، وغير ذلك من البدع التي أخبر عنها الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم في قوله: «حديث : وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة»تفسير : قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: «حديث : من كان على ما أنا عليه وأصحابي»تفسير : ، أخرجه الحاكم في مستدركه بهذه الزيادة. وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو موسى، حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا المعتمر عن أبيه، عن قتادة، عن الحسن بن جندب بن عبد الله، أنه بلغه عن حذيفة، أو سمعه منه، يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ذكر: «حديث : إن في أمتي قوماً يقرؤون القرآن، ينثرونه نثر الدقل، يتأولونه على غير تأويله»تفسير : لم يخرجوه. وقوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ} اختلف القراء في الوقف ههنا.، فقيل: على الجلالة؛ كما تقدم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: التفسير على أربعة أنحاء: فتفسير لا يعذر أحد في فهمه، وتفسير تعرفه العرب من لغاتها، وتفسير يعلمه الراسخون في العلم، وتفسير لا يعلمه إلا الله، ويروى هذا القول عن عائشة وعروة وأبي الشعثاء وأبي نَهيك وغيرهم. وقد قال الحافظ أبو القاسم في المعجم الكبير: حدثنا هاشم بن مزيد، حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : لا أخاف على أمتي إلا ثلاث خلال: أن يكثر لهم المال، فيتحاسدوا فيقتتلوا، وأن يفتح لهم الكتاب، فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱلرَٰسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ} الآية، وأن يزداد علمهم فيضيعوه ولا يبالون عليه»تفسير : غريب جداً. وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا أحمد بن عمرو، أخبرنا هشام بن عمار، حدثنا ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن ابن العاص، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضاً، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه منه فآمنوا به»تفسير : وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه، قال: كان ابن عباس يقرأ: وما يعلم تأويله إلا الله، ويقول الراسخون: آمنا به، وكذا رواه ابن جرير عن عمر بن عبد العزيز ومالك بن أنس أنهم يؤمنون به، ولا يعلمون تأويله. وحكى ابن جرير أن في قراءة عبد الله بن مسعود: إن تأويله إلا عند الله، والراسخون في العلم يقولون: آمنا به، وكذا عن أبي بن كعب، واختار ابن جرير هذا القول. ومنهم من يقف على قوله: {وَٱلرَٰسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ}، وتبعهم كثير من المفسرين وأهل الأصول، وقالوا: الخطاب بما لا يفهم بعيد، وقد روى ابن أبي نجيح عن مجاهد، عن ابن عباس أنه قال: أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله. وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: والراسخون في العلم يعلمون تأويله، ويقولون: آمنا به، وكذا قال الربيع بن أنس، وقال محمد بن إسحاق: عن محمد بن جعفر بن الزبير: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ} الذي أراد ما أراد {إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱلرَٰسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ}، ثم ردوا تأويل المتشابهات على ما عرفوا من تأويل المحكمة التي لا تأويل لأحد فيها إلا تأويل واحد، فاتسق بقولهم الكتاب، وصدق بعضه بعضاً، فنفذت الحجة، وظهر به العذر، وزاح به الباطل، ودفع به الكفر. وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لابن عباس، فقال: «حديث : اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل»تفسير : ومن العلماء من فصل في هذا المقام وقال: التأويل يطلق، ويراد به في القرآن معنيان: أحدهما التأويل بمعنى حقيقة الشيء وما يؤول أمره إليه، ومنه قوله تعالى: {أية : وَقَالَ يٰأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَـٰىۤ مِن قَبْلُ}تفسير : [يوسف: 100] وقوله: {أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ}تفسير : [الأعراف: 53] أي: حقيقة ما أخبروا به من أمر المعاد، فإن أريد بالتأويل هذا، فالوقف على الجلالة؛ لأن حقائق الأمور وكنهها لا يعلمه على الجلية إلا الله عز وجل، ويكون قوله: {وَٱلرَٰسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ} مبتدأ و {يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ} خبره، وأما إن أريد بالتأويل المعنى الآخر، وهو التفسير والبيان، والتعبير عن الشيء؛ كقوله: {أية : نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ}تفسير : [يوسف: 36] أي: بتفسيره، فإن أريد به هذا المعنى، فالوقف على: {وَٱلرَٰسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ}؛ لأنهم يعلمون ويفهمون ما خوطبوا به بهذا الاعتبار، وإن لم يحيطوا علماً بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه، وعلى هذا يكون قوله: {يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ} حالاً منهم، وساغ هذا، وهو أن يكون من المعطوف دون المعطوف عليه، كقوله: {لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَـٰجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَأَمْوَٰلِهِمْ} إلى قوله {رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا} الآية، وقوله تعالى: {أية : وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً }تفسير : [الفجر: 22] أي: وجاء الملائكة صفوفاً صفوفاً. وقوله إخباراً عنهم: {يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ}، أي: المتشابه، {كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} أي: الجميع من المحكم والمتشابه حق وصدق، وكل واحد منهما يصدق الآخر ويشهد له؛ لأن الجميع من عند الله، وليس شيء من عند الله بمختلف ولا متضاد، كقوله: {أية : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفاً كَثِيراً}تفسير : [النساء: 82]، ولهذا قال تعالى: {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَـٰبِ} أي: إنما يفهم ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها أولو العقول السليمة والفهوم المستقيمة. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا فياض الرقي، حدثنا عبد الله بن يزيد، وكان قد أدرك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنساً وأبا أمامة وأبا الدرداء رضي الله عنهم، قال: حدثنا أبو الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الراسخين في العلم، فقال: «حديث : من برت يمينه، وصدق لسانه، واستقام قلبه، ومن أعفّ بطنه وفرجه، فذلك من الراسخين في العلم»تفسير : ، وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن الزهري، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، قال: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قوماً يتدارؤون، فقال: «حديث : إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما أنزل كتاب الله يصدق بعضه بعضاً، فلا تكذبوا بعضه ببعض، فما علمتم منه فقولوا، وما جهلتم فكلوه إلى عالمه»تفسير : وتقدم رواية ابن مردويه لهذا الحديث من طريق هشام بن عمار، عن ابن أبي حازم، عن أبيه، عن عمرو بن شعيب به، وقد قال الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي في مسنده: حدثنا زهير بن حرب، حدثنا أنس بن عياض، عن أبي حازم، عن أبي سلمة، قال: لا أعلمه إلا عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : نزل القرآن على سبعة أحرف، والمراء في القرآن كفر ــــ قالها ثلاثاً ــــ ما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه جل جلاله»تفسير : وهذا إسناد صحيح، ولكن فيه علة بسبب قول الراوي: (لا أعلمه إلا عن أبي هريرة)، وقال ابن المنذر في تفسيره: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني نافع بن يزيد، قال: يقال: الراسخون في العلم المتواضعون لله، المتذللون لله في مرضاته، لا يتعاظمون على من فوقهم، ولا يحقرون من دونهم. ثم قال تعالى عنهم مخبراً أنهم دعوا ربهم قائلين: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا}، أي: لا تملها عن الهدى بعد إذ أقمتها عليه، ولا تجعلنا كالذين في قلوبهم زيغ، الذين يتبعون ما تشابه من القرآن، ولكن ثبتنا على صراطك المستقيم، ودينك القويم، {وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ} أي: من عندك {رَحْمَةً} تثبت بها قلوبنا، وتجمع بها شملنا، وتزيدنا بها إيماناً وإيقاناً، {إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ}. قال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي، وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، قالا جميعاً: حدثنا وكيع عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «حديث : يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك»تفسير : ثم قرأ: {، ورواه ابن مردويه من طريق محمد بن بكار، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة، وهي أسماء بنت يزيد بن السكن، سمعها تحدث: أن رسول الله، كان يكثر من دعائه: اللهم مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك قالت: قلت: يا رسول الله وإن القلب ليتقلب؟ قال: نعم، ماخلق الله من بني آدم من بشر إلا قلبه بين أصبعين من أصابع الله عز وجل، فإن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه فنسأل الله ربنا أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب. وهكذا رواه ابن جرير من حديث أسد بن موسى، عن عبد الحميد بن بهرام به مثله، ورواه أيضاً عن المثنى عن الحجاج بن منهال عن عبد الحميد بن بهرام به مثله، وزاد: قلت: يا رسول الله ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي؟ قال: بلى، قولي: اللهم رب النبي محمد اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات الفتن، ثم قال ابن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا محمد بن هارون بن بكار الدمشقي، حدثنا العباس بن الوليد الخلال، أخبرنا يزيد بن يحيى بن عبيد الله، أخبرنا سعيد بن بشير عن قتادة، عن حسان الأعرج، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله كثيراً ما يدعو: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك قلت: يا رسول الله ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء فقال: ليس من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن، إذا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه، أما تسمعين قوله: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ}»؟ غريب من هذا الوجه، ولكن أصله ثابت في الصحيحين وغيرهما من طرق كثيرة بدون زيادة ذكر هذه الآية الكريمة، وقد رواه أبو داود والنسائي وابن مردويه من حديث أبي عبد الرحمن المقري، زاد النسائي وابن حبان وعبد الله بن وهب كلاهما عن سعيد بن أبي أيوب: حدثني عبد الله بن الوليد التجيبي عن سعيد بن المسيب، عن عائشة رضي الله عنها. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استقيظ من الليل قال: «حديث : لا إله إلا أنت، سبحانك، اللهم إني أستغفرك لذنبي، وأسألك رحمة، اللهم زدني علماً، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب»تفسير : لفظ ابن مردويه. وقال عبد الرزاق: عن مالك، عن أبي عبيد مولى سليمان بن عبد الملك، عن عبادة بن نسي: أنه أخبره أنه سمع قيس بن الحارث يقول: أخبرني أبو عبد الله الصنابحي أنه صلى وراء أبي بكر الصديق رضي الله عنه المغرب، فقرأ أبو بكر في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورتين من قصار المفصل، وقرأ في الركعة الثالثة، قال: فدنوت منه حتى إن ثيابي لتكاد تمس ثيابه، فسمعته يقرأ بأم القرآن وهذه الآية: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} الآية. قال أبو عبيد: وأخبرني عبادة بن نسي أنه كان عند عمر بن عبد العزيز في خلافته، فقال عمر لقيس: كيف أخبرتني عن أبي عبد الله؟ قال عمر: فما تركناها منذ سمعناها منه، وإن كنت قبل ذلك لعلى غير ذلك، فقال له رجل: على أي شيء كان أمير المؤمنين قبل ذلك، قال: كنت أقرأ: {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} تفسير : [الإخلاص: 1]، وقد روى هذا الأثر الوليد بن مسلم عن مالك والأوزاعي، كلاهما عن أبي عبيد، به، وروى هذا الأثر الوليد أيضاً عن ابن جابر، عن يحيى بن يحيى الغساني، عن محمود بن لبيد، عن الصنابحي، أنه صلى خلف أبي بكر المغرب، فقرأ في الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة قصيرة يجهر بالقراءة، فلما قام إلى الثالثة، ابتدأ القراءة، فدنوت منه حتى إن ثيابي لتمس ثيابه، فقرأ هذه الآية: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا} الآية. وقوله: {رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ} أي: يقولون في دعائهم: إنك يا ربنا ستجمع بين خلقك يوم معادهم، وتفصل بينهم، وتحكم فيهم فيما اختلفوا فيه، وتجزي كلاً بعمله وما كان عليه في الدنيا من خير وشر.

المحلي و السيوطي

تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ مِنْهُ ءَايَٰتٌ مُّحْكَمَٰتٌ } واضحات الدلالة {هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَٰبِ } أصله المعتمد عليه في الأحكام {وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٌ } لا تفهم معانيها كأوائل السور وجعله كله محكماً في قوله { أية : أُحْكِمَتْ آياته } تفسير : [1:11] بمعنى أنه ليس فيه عيب ومتشابهاً في قوله { أية : كِتَابَاً مَّتَشَابِهاً } تفسير : [23:39] بمعنى أنه يشبه بعضه بعضاً في الحسن والصدق {فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ } ميل عن الحق {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَاء } طلب {ٱلْفِتْنِةِ } لجُهَّالهم بوقوعهم في الشبهات واللبس {وَٱبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ } تفسيره {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ } تفسيره {إِلاَّ ٱللَّهُ } وحده {وَٱلرَّاسِخُونَ } الثابتون المتمكنون {فِى ٱلْعِلْمِ } مبتدأ خبره {يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ } أي بالمتشابه أنه من عند الله ولا نعلم معناه {كُلٌّ } من المحكم والمتشابه {مّنْ عِندِ رَبّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ } بإدغام التاء في الأصل في الذال أي يتعظ {إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَٰبِ } أصحاب العقول ويقولون أيضاً إذا رأوا من يتبعه.

الشوكاني

تفسير : {الكتاب} هو: القرآن، فاللام للعهد، وقدم الظرف، وهو {عليك} لما يفيده من الاختصاص. وقوله: {مِنْهُ آيَـٰتٌ مُّحْكَمَـٰتٌ } الموافق لقواعد العربية أن يكون الظرف خبراً مقدّماً، والأولى بالمعنى أن يكون مبتدأ تقديره: من الكتاب آيات بينات، على نحو ما تقدّم في قوله: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ } تفسير : [البقرة: 8] وإنما كان أولى؛ لأن المقصود انقسام الكتاب إلى القسمين المذكورين لا مجرّد الإخبار عنهما بأنهما من الكتاب، والجملة حالية في محل نصب، أو مستأنفة لا محل لها. وقد اختلف العلماء في تفسير المحكمات، والمتشابهات على أقوال: فقيل: إن المحكم: ما عرف تأويله، وفهم معناه، وتفسيره، والمتشابه: ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل؛ ومن القائلين بهذا جابر بن عبد الله، والشعبي، وسفيان الثوري، قالوا: وذلك بجر الحروف المقطعة في أوائل السور. وقيل: المحكم: ما لا يحتمل إلا وجهاً واحداً، والمتشابه ما يحتمل وجوهاً، فإذا ردّت إلى وجه واحد، وأبطل الباقي صار المتشابه محكماً، وقيل: إن المحكم ناسخه، وحرامه، وحلاله، وفرائضه، وما نؤمن به، ونعمل عليه، والمتشابه: منسوخه، وأمثاله، وأقسامه وما نؤمن به، ولا نعمل به. روى هذا عن ابن عباس، وقيل: المحكم: الناسخ، والمتشابه: المنسوخ، روي عن ابن مسعود، وقتادة، والربيع، والضحاك؛ وقيل: المحكم: الذي ليس فيه تصريف، ولا تحريف عما وضع له، والمتشابه: ما فيه تصريف، وتحريف، وتأويل قاله مجاهد، وابن إسحاق. قال ابن عطية: وهذا أحسن الأقوال، وقيل: المحكم: ما كان قائماً بنفسه لا يحتاج إلى أن يرجع فيه إلى غيره، والمتشابه: ما يرجع فيه إلى غيره. قال النحاس: وهذا أحسن ما قيل في المحكمات، والمتشابهات. قال القرطبي ما قاله النحاس يبين ما اختاره ابن عطية، وهو الجاري على وضع اللسان، وذلك أن المحكم اسم مفعول من أحكم، والإحكام: الإتقان، ولا شك في أن ما كان واضح المعنى لا إشكال فيه، ولا تردّد، إنما يكون كذلك لوضوح مفردات كلماته، وإتقان تركيبها، ومتى اختلّ أحد الأمرين جاء التشابه، والإشكال. وقال ابن خويز منداد: للمتشابه وجوه: ما اختلف فيه العلماء: أيّ الآيتين نسخت الأخرى، كما في الحامل المتوفى عنها زوجها، فإن من الصحابة من قال: إن آية وضع الحمل نسخت آية الأربعة الأشهر، والعشر، ومنهم من قال بالعكس. وكاختلافهم في الوصية للوارث، وكتعارض الآيتين أيهما أولى أن يقدّم إذا لم يعرف النسخ، ولم توجد شرائطه، وكتعارض الأخبار، وتعارض الأقيسة، هذا معنى كلامه. والأولى أن يقال: إن المحكم هو: الواضح المعنى الظاهر الدلالة، إما باعتبار نفسه، أو باعتبار غيره، والمتشابه ما لا يتضح معناه، أو لا تظهر دلالته لا باعتبار نفسه، ولا باعتبار غيره. وإذا عرفت هذا عرفت أن هذا الاختلاف الذي قدّمناه ليس كما ينبغي، وذلك لأن أهل كل قول عرفوا المحكم ببعض صفاته، وعرفوا المتشابه بما يقابلها. وبيان ذلك أن أهل القول الأول جعلوا المحكم ما وجد إلى علمه سبيل، والمتشابه ما لا سبيل إلى علمه، ولا شك أن مفهوم المحكم، والمتشابه أوسع دائرة مما ذكروه، فإن مجرد الخفاء، أو عدم الظهور، أو الإحتمال، أو التردّد يوجب التشابه؛ وأهل القول الثاني: خصوا المحكم بما ليس فيه احتمال، والمتشابه بما فيه احتمال، ولا شك أن هذا بعض أوصاف المحكم، والمتشابه لا كلها، وهكذا أهل القول الثالث، فإنهم خصوا كل واحد من القسمين بتلك الأوصاف المعينة دون غيرها؛ وأهل القول الرابع خصوا كل واحد منهما ببعض الأوصاف التي ذكرها أهل القول الثالث، والأمر أوسع مما قالوه جميعاً، وأهل القول الخامس خصوا المحكم بوصف عدم التصريف، والتحريف، وجعلوا المتشابه مقابله، وأهملوا ما هو أهمّ من ذلك مما لا سبيل إلى علمه من دون تصريف، وتحريف كفواتح السور المقطعة، وأهل القول السادس خصوا المحكم بما يقوم بنفسه، والمتشابه بما لا يقوم بها، وأن هذا هو بعض أوصافهما، وصاحب القول السابع، وهو ابن خويز منداد عمد إلى صورة الوفاق، فجعلها محكماً، وإلى صورة الخلاف، والتعارض، فجعلها متشابهاً، فأهمل ما هو أخص أوصاف كل واحد منهما من كونه باعتبار نفسه مفهوم المعنى، أو غير مفهوم. قوله: {هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ } أي: أصله الذي يعتمد عليه، ويردّ ما خالفه إليه، وهذه الجملة صفة لما قبلها. قوله: {وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰتٌ } وصف لمحذوف مقدر، أي: وآيات أخر متشابهات، وهي جمع أخرى، وإنما لم ينصرف؛ لأنه عدل بها عن الآخر؛ لأن أصلها أن يكون كذلك. وقال أبو عبيد: لم ينصرف؛ لأن واحدها لا ينصرف في معرفة، ولا نكرة، وأنكر ذلك المبرّد. وقال الكسائي: لم تنصرف؛ لأنها صفة، وأنكره أيضاً المبرّد. وقال سيبويه: لا يجوز أن يكون {أخر} معدولة عن الألف، واللام؛ لأنها لو كانت معدولة عنها لكان معرفة، ألا ترى أن "سحر" معرفة في جميع الأقاويل لما كانت معدولة. قوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ } الزيغ: الميل: ومنه زاغت الشمس، وزاغت الأبصار؛ ويقال: زاغ يزيغ زيغاً: إذا ترك القصد، ومنه قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ }تفسير : [الصف: 5] وهذه الآية تعمّ كل طائفة من الطوائف الخارجة عن الحق. وسبب النزول نصارى نجران، كما تقدّم، وسيأتي. قوله: {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنْهُ } أي: يتعلقون بالمتشابه من الكتاب، فيشككون به على المؤمنين، ويجعلونه دليلاً على ما هم فيه من البدعة المائلة عن الحق، كما تجده في كل طائفة من طوائف البدعة، فإنهم يتلاعبون بكتاب الله تلاعباً شديداً، ويوردون منه لتنفيق جهلهم ما ليس من الدلالة في شيء. قوله: {ٱبْتِغَاء ٱلْفِتْنَةِ } أي: طلباً منهم لفتنة الناس في دينهم، والتلبيس عليهم، وإفساد ذات بينهم {وَٱبْتِغَاء تَأْوِيلِهِ } أي: طلباً لتأويله على الوجه الذي يريدونه، ويوافق مذاهبهم الفاسدة. قال الزجاج: معنى ابتغائهم تأويله: أنهم طلبوا تأويل بعثهم، وإحيائهم، فأعلم الله عز وجلّ أن تأويل ذلك، ووقته لا يعلمه إلا الله. قال: والدليل على ذلك قوله: {أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ }تفسير : [الأعراف: 53] أي: يوم يرون ما يوعدون من البعث، والنشور، والعذاب {أية : يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ }تفسير : [الأعراف: 53] أي تركوه {أية : قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبّنَا بِٱلْحَقّ }تفسير : [الأعراف: 53] أي: قد رأينا تأويل ما أنبأتنا به الرسل. قوله: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ } التأويل يكون بمعنى التفسير، كقولهم: تأويل هذه الكلمة على كذا، أي: تفسيرها، ويكون بمعنى ما يئول الأمر إليه، واشتقاقه من آل الأمر إلى كذا يئول إليه، أي: صار، وأوّلته تأويلاً، أي: صيرته، وهذه الجملة حالية، أي: يتبعون المتشابه لابتغاء تأويله، والحال أن ما يعلم تأويله إلا الله. وقد اختلف أهل العلم في قوله: {وَٱلرسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ } هل هو كلام مقطوع، عما قبله، أو معطوف على ما قبله؟ فتكون الواو للجمع، فالذي عليه الأكثر أنه مقطوع عما قبله، وأن الكلام تمّ عند قوله: {إِلاَّ ٱللَّهُ } هذا قول ابن عمر، وابن عباس، وعائشة، وعروة بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، وأبي الشعثاء، وأبي نهيك، وغيرهم، وهو مذهب الكسائي، والفراء، والأخفش، وأبي عبيد، وحكاه ابن جرير الطبري، عن مالك، واختاره، وحكاه الخطابي، عن ابن مسعود، وأبيّ بن كعب قال: وإنما روي عن مجاهد أنه نسق الراسخين على ما قبله، وزعم أنهم يعلمونه، قال: واحتج له بعض أهل اللغة، فقال: معناه: والراسخون في العلم يعلمونه قائلين {آمنا به} وزعم أن موضع {يَقُولُونَ } نصب على الحال، وعامة أهل اللغة ينكرونه، ويستبعدونه؛ لأن العرب لا تضمر الفعل، والمفعول معاً، ولا تذكر حالاً إلا مع ظهور الفعل، فإذا لم يظهر فعل لم يكن حالاً، ولو جاز ذلك لجاز أن يقال: عبْد الله راكباً، يعني: أقبل عبد الله راكباً، وإنما يجوز ذلك مع ذكر الفعل كقوله: عبد الله يتكلم يصلح بين الناس، فكان يصلح حالاً كقول الشاعر: أنشدنيه أبو عمرو. قال: أنشدنا أبو العباس ثعلب:شعر : أرسَلْتُ فِيها رَجلاً لَكُالِكا يَقْصُر يَمْشِي وَيَطول بَارِكاً تفسير : فكان قول عامة العلماء مع مساعدة مذاهب النحويين له أولى من قول مجاهد وحده. وأيضاً، فإنه لا يجوز أن ينفي الله سبحانه شيئاً عن الخلق، وينسبه لنفسه، فيكون له في ذلك شريك، ألا ترى قوله عزّ وجلّ: {أية : قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ } تفسير : [النمل: 65]، وقوله: {أية : لاَ يُجَلّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ } تفسير : [الأعراف: 187]، وقوله: {أية : كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } تفسير : [القصص: 88] فكان هذا كله مما استأثر الله سبحانه به لا يشركه فيه غيره، وكذلك قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ } ولو كانت الواو في قوله: {وَٱلرسِخُونَ } للنسق لم يكن لقوله: {كُلٌّ مّنْ عِندِ رَبّنَا } فائدة. انتهى. قال القرطبي: ما حكاه الخطابي من أنه لم يقل بقول مجاهد غيره. فقد روي عن ابن عباس: أن الراسخين معطوف على اسم الله عزّ وجلّ، وأنهم داخلون في علم المتشابه، وأنهم مع علمهم به يقولون آمنا به. وقاله الربيع، ومحمد بن جعفر بن الزبير، والقاسم بن محمد، وغيرهم، و {يَقُولُونَ } على هذا التأويل نصب على الحال من الراسخون كما قال:شعر : الرِيحُ يَبْكِي شَجْوه والبرقُ يَلْمَعُ في الغَمَامَهْ تفسير : وهذا البيت يحتمل المعنيين، فيجوز أن يكون، و"البرق" مبتدأ، والخبر "يلمع" على التأويل الأوّل، فيكون مقطوعاً مما قبله، ويجوز أن يكون معطوفاً على الريح، ويلمع في موضع الحال على التأويل الثاني أي: لامعاً. انتهى. ولا يخفاك أن ما قاله الخطابي في وجه امتناع كون قوله: {يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ } حالاً مع أن العرب لا تذكر حالاً إلا مع ظهور الفعل إلى آخر كلامه لا يتم إلا على فرض أنه لا فعل هنا، وليس الأمر كذلك، فالفعل مذكور، وهو قوله: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ } ولكنه جاء الحال من المعطوف، وهو قوله: {وَٱلرسِخُونَ } دون المعطوف عليه، وهو قوله: {إِلاَّ ٱللَّهُ } وذلك جائز في اللغة العربية. وقد جاء مثله في الكتاب العزيز. ومنه قوله تعالى: {أية : لِلْفُقَرَاء الْمُهَـٰجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ } تفسير : [الحشر: 8] إلى قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ جَاءوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا } تفسير : الآية [الحشر: 10]، وكقوله: {أية : وَجَاء رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً } تفسير : [الفجر: 22] أي: وجاءت الملائكة صفا صفا، ولكن ها هنا مانع آخر من جعل ذلك حالاً، وهو أن تقييد علمهم بتأويله بحال كونهم قائلين آمنا به ليس بصحيح، فإن الراسخين في العلم على القول بصحة العطف على الإسم الشريف يعلمونه في كل حال من الأحوال لا في هذه الحالة الخاصة، فاقتضى هذا أن جعل قوله: {يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ } حالاً غير صحيح، فتعين المصير إلى الاستئناف والجزم بأن قوله: {وَٱلرسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ } مبتدأ خبره {يَقُولُونَ }، ومن جملة ما استدل به القائلون بالعطف أن الله سبحانه وصفهم بالرسوخ في العلم، فكيف يمدحهم، وهم لا يعلمون ذلك؟ ويجاب عن هذا: بأن تركهم لطلب علم ما لم يأذن الله به، ولا جعل لخلقه إلى علمه سبيلاً هو من رسوخهم؛ لأنهم علموا أن ذلك مما استأثر الله بعلمه، وأن الذين يتبعونه هم الذين في قلوبهم زيغ، وناهيك بهذا من رسوخ. وأصل الرسوخ في لغة العرب: الثبوت في الشيء، وكل ثابت راسخ، وأصله في الأجرام أن ترسخ الخيل، أو الشجر في الأرض، ومنه قول الشاعر:شعر : لَقَدْ رَسَخَتْ فِي الصَّدْر مِنى مَوَدةٌ لِلَيْلى أبَتْ آياتُها أن تُغيَّرا تفسير : فهؤلاء ثبتوا في امتثال ما جاءهم عن الله من ترك اتباع المتشابه، وإرجاع علمه إلى الله سبحانه. ومن أهل العلم من توسط بين المقامين فقال: التأويل يطلق ويراد به في القرآن شيئان: أحدهما التأويل بمعنى حقيقة الشيء، وما يئول أمره إليه، ومنه قوله: {أية : هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَـٰى }تفسير : [يوسف: 100]، وقوله: {أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ } تفسير : [الأعراف: 53] أي: حقيقة ما أخبروا به من أمر المعاد، فإن أريد بالتأويل هذا، فالوقف على الجلالة؛ لأن حقائق الأمور، وكنهها لا يعلمه إلا الله عزّ وجلّ، ويكون قوله: {وَٱلرسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ } مبتدأ، و {يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ } خبره. وأما إن أريد بالتأويل المعنى الآخر، وهو: التفسير، والبيان، والتعبير عن الشيء، كقوله: {أية : نَبّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ }تفسير : [يوسف: 36] أي بتفسيره فالوقف على {وَٱلرسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ } لأنهم يعلمون، ويفهمون ما خوطبوا به بهذا الاعتبار، وإن لم يحيطوا علماً بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه، وعلى هذا، فيكون {يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ } حالاً منهم، ورجح ابن فورك أن الراسخين يعلمون تأويله، وأطنب في ذلك، وهكذا جماعة من محققي المفسرين رجحوا ذلك. قال القرطبي: قال شيخنا أبو العباس أحمد بن عمر: وهو: الصحيح، فإن تسميتهم راسخين تقضي بأنهم يعلمون أكثر من المحكم الذي يستوي في علمه جميع من يفهم كلام العرب، وفي أي شيء هو رسوخهم إذا لم يعلموا إلا ما يعلم الجميع، لكن المتشابه يتنوع، فمنه ما لا يعلم ألبتة كأمر الروح، والساعة مما استأثر الله بعلمه، وهذا لا يتعاطى علمه أحد، فمن قال من العلماء الحذاق بأن الراسخين لا يعلمون علم المتشابه، فإنما أراد هذا النوع. وأما ما يمكن حمله على وجوه في اللغة، فيتأول، ويعلم تأويله المستقيم، ويزال ما فيه من تأويل غير مستقيم. انتهى. واعلم أن هذا الاضطراب الواقع في مقالات أهل العلم أعظم أسبابه اختلاف أقوالهم في تحقيق معنى المحكم، والمتشابه؛ وقد قدّمنا لك ما هو الصواب في تحقيقهما، ونزيدك ها هنا إيضاحاً، وبياناً، فنقول: إن من جملة ما يصدق عليه تفسير المتشابه الذي قدّمناه فواتح السور، فإنها غير متضحة المعنى، ولا ظاهرة الدلالة، لا بالنسبة إلى أنفسها؛ لأنه لا يدري من يعلم بلغة العرب، ويعرف عرف الشرع ما معنى آلم، آلمر، حمۤ، طسۤ، طسمۤ ونحوها؛ لأنه لا يجد بيانها في شيء من كلام العرب، ولا من كلام الشرع، فهي غير متضحة المعنى، لا باعتبارها نفسها، ولا باعتبار أمر آخر يفسرها، ويوضحها، ومثل ذلك الألفاظ المنقولة عن لغة العجم، والألفاظ الغريبة التي لا يوجد في لغة العرب، ولا في عرف الشرع ما يوضحها، وهكذا ما استأثر الله بعلمه كالروح، وما في قوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ } تفسير : إلى الآخر الآية [لقمان: 34]، ونحو ذلك، وهكذا ما كانت دلالته غير ظاهرة لا باعتبار نفسه، ولا باعتبار غيره، كورود الشيء محتملاً لأمرين احتمالاً لا يترجح أحدهما على الآخر باعتبار ذلك الشيء في نفسه، وذلك كالألفاظ المشتركة مع عدم ورود ما يبين المراد من معنى ذلك المشترك من الأمور الخارجة، وكذلك ورود دليلين متعارضين تعارضاً كلياً بحيث لا يمكن ترجيح أحدهما على الآخر، لا باعتبار نفسه، ولا باعتبار أمر آخر يرجحه. وأما ما كان واضح المعنى باعتبار نفسه بأن يكون معروفاً في لغة العرب، أو في عرف الشرع، أو باعتبار غيره، وذلك كالأمور المجملة التي ورد بيانها في موضع آخر من الكتاب العزيز، أو في السنة المطهرة، أو الأمور التي تعارضت دلالتها، ثم ورد ما يبين راجحها من مرجوحها في موضع آخر من الكتاب، أو السنة، أو سائر المرجحات المعروفة عند أهل الأصول المقبولة عند أهل الإنصاف، فلا شك، ولا ريب أن هذه من المحكم لا من المتشابه، ومن زعم أنها من المتشابه، فقد اشتبه عليه الصواب، فاشدد يديك على هذا فإنك تنجو به من مضايق، ومزالق وقعت للناس في هذا المقام حتى صارت كل طائفة تسمى ما دل لما ذهب إليه محكماً، وما دل على ما يذهب إليه من يخالفها متشابهاً: سيما أهل علم الكلام، ومن أنكر هذا، فعليه بمؤلفاتهم. واعلم أنه قد ورد في الكتاب العزيز ما يدل على أنه جميعه محكم، ولكن لا بهذا المعنى الوارد في هذه الآية بل بمعنى آخر، ومن ذلك قوله تعالى: {أية : كِتَابٌ أُحْكِمَتْ ءايَـٰتُهُ } تفسير : [هود: 1] وقوله: {أية : تِلْكَ ءايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْحَكِيمِ }تفسير : [يونس: 1]والمراد بالمحكم بهذا المعنى: أنه صحيح الألفاظ قويم المعاني فائق في البلاغة، والفصاحة على كل كلام. وورد أيضاً ما يدل على أنه جميعه متشابه لكن لا بهذا المعنى الوارد في هذه الآية التي نحن بصدد تفسيرها بل بمعنى آخر، ومنه قوله تعالى: {أية : كِتَـٰباً مُّتَشَـٰبِهاً }تفسير : [الزمر: 23] والمراد بالمتشابه بهذا المعنى: أنه يشبه بعضه بعضاً في الصحة، والفصاحة، والحسن، والبلاغة. وقد ذكر أهل العلم لورود المتشابه في القرآن فوائد: منها: أنه يكون في الوصول إلى الحق مع وجودها فيه مزيد صعوبة، ومشقة، وذلك يوجب مزيد الثواب للمستخرجين للحق، وهم الأئمة المجتهدون، وقد ذكر الزمخشري، والرازي، وغيرهما وجوهاً هذا أحسنها، وبقيتها لا تستحق الذكر ها هنا. قوله: {كُلٌّ مّنْ عِندِ رَبّنَا } فيه ضمير مقدر عائد على مسمى المحكم، والمتشابه، أي: كله، أو المحذوف غير ضمير، أي: كل واحد منهما، وهذا من تمام المقول المذكور قبله. وقوله: {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلألْبَـٰبِ } أي: العقول الخالصة: وهم الراسخون في العلم، الواقفون عند متشابهه، العالمون بمحكمه العاملون بما أرشدهم الله إليه في هذه الآية. وقوله: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ } الخ من تمام ما يقوله الراسخون، أي: يقولون آمنا به كل من عند ربنا، ويقولون: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا } قال ابن كيسان: سألوا ألا يزيغوا، فتزيغ قلوبهم نحو قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ } تفسير : [الصف: 5] كأنهم لما سمعوا قوله سبحانه: {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنْهُ } قالوا: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا } باتباع المتشابه: {بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا } إلى الحق بما أذنت لنا من العمل بالآيات المحكمات، والظرف، وهو قوله: {بعد} منتصب بقوله: لا تزغ. قوله: {وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً } أي: كائنة من عندك، و"من" لابتداء الغاية و"لدن" بفتح اللام، وضم الدال، وسكون النون، وفيه لغات أخر هذه أفصحها، وهو ظرف مكان، وقد يضاف إلى الزمان، وتنكير {رحمة} للتعظيم أي: رحمة عظيمة واسعة. وقوله: {إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ } تعليل للسؤال، أو لإعطاء المسئول. وقوله: {رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ } أي: باعثهم ومحييهم بعد تفرّقهم {لِيَوْمٍ } هو يوم القيامة أي: لحساب يوم، أو لجزاء يوم، على تقدير حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه. قوله: {لاَ رَيْبَ فِيهِ } أي: في وقوعه ووقوع ما فيه من الحساب، والجزاء، وقد تقدم تفسير الريب، وجملة قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ } للتعليل لمضمون ما قبلها، أي: أن الوفاء بالوعد شأن الإله سبحانه، وخلفه يخالف الألوهية، كما أنها تنافيه، وتباينه. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: المحكمات ناسخه، وحلاله، وحرامه، وحدوده، وفرائضه، وما نؤمن به، ونعمل به. والمتشابهات منسوخه، ومقدّمه، ومؤخره، وأمثاله، وأقسامه، وما نؤمن به، ولا نعمل به. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن ابن عباس قال في قوله: {مِنْهُ آيَـٰتٌ مُّحْكَمَـٰتٌ } قال: الثلاث آيات من آخر سورة الأنعام محكمات: {أية : قُلْ تَعَالَوْاْ } تفسير : [الأنعام: 151] والآيتان بعدها. وفي رواية عنه أخرجها عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم في قوله: {آيَـٰتٌ مُّحْكَمَـٰتٌ } قال: من هنا {قُلْ تَعَالَوْاْ } إلى ثلاث آيات، ومن هنا {أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّـٰهُ } تفسير : [الإسراء: 23] إلى ثلاث آيات بعدها. وأقول: رحم الله ابن عباس ما أقل جدوى هذا الكلام المنقول عنه. فإن تعيين ثلاث آيات، أو عشر، أو مائة من جميع آيات القرآن، ووصفها بأنها محكمة ليس تحته من الفائدة شيء، فالمحكمات هي أكثر القرآن على جميع الأقوال حتى على قوله المنقول عنه قريباً من أن المحكمات ناسخه، وحلاله الخ، فما معنى تعيين تلك الآيات من آخر سورة الأنعام؟. وأخرج عبد بن حميد، عنه قال: المحكمات: الحلال والحرام، وللسلف أقوال كثيرة هي راجعة إلى ما قدّمنا في أوّل هذا البحث. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: {فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ } يعني: أهل الشك، فيحملون المحكم على المتشابه، والمتشابه على المحكم، ويلبسون، فلبس الله عليهم: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ } قال: تأويله يوم القيامة لا يعلمه إلا الله. وأخرج ابن جرير، عن ابن مسعود {زَيْغٌ } قال: شك. وفي الصحيحين، وغيرهما، عن عائشة قالت «تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {هُوَ ٱلَّذِى أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ } إلى قوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ } إلى قوله: {أُوْلُواْ ٱلالْبَـٰبِ } قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إذا رأيتم الذين يجادلون فيه، فهم الذين عني، فاحذروهم»تفسير : . وفي لفظ «فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذي سماهم الله، فاحذروهم» هذا لفظ البخاري، ولفظ ابن جرير، وغيره «فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، والذين يجادلون فيه، فهم الذين عنى الله، فلا تجالسوهم» وأخرج عبد بن حميد، وعبد الرزاق، وأحمد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنْهُ } قال: هم الخوارج. وأخرج ابن جرير، والحاكم وصححه، عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كان الكتاب الأوّل ينزل من باب واحد على حرف واحد، ونزل القرآن على سبعة أحرف: زاجر، وآمر، وحلال وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال، فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا آمنا به كل من عند ربنا»تفسير : وأخرجه ابن أبي حاتم، عن ابن مسعود موقوفاً. وأخرج الطبراني، عن عمر بن أبي سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن مسعود، فذكر نحوه، وأخرج البخاري في التاريخ عن علي مرفوعاً بإسناد ضعيف نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي داود في المصاحف، عن ابن مسعود نحوه. وأخرج ابن جرير، وأبو يعلى، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : نزل القرآن على سبعة أحرف، والمراء في القرآن كفر، ما عرفتم، فاعملوا به، وما جهلتم منه، فردوه إلى عالمه»تفسير : وإسناده صحيح. وأخرج البيهقي في الشعب، عن أبي هريرة مرفوعاً، وفيه: «حديث : واتبعوا المحكم وآمنوا بالمتشابه»تفسير : . وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، عن طاوس قال: كان ابن عباس يقرؤها: "وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ وَيَقُولُ ٱلرَّاسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ آمنا بِهِ" وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش قال في قراءة عبد الله: وإن حقيقة تأويله إلا عند الله، والراسخون في العلم يقولون: آمنا به. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي الشعثاء، وأبي نهيك قال: إنكم تصلون هذه الآية، وهي مقطوعة: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱلرسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ كُلٌّ مّنْ عِندِ رَبّنَا } فانتهى علمهم إلى قولهم الذي قالوا. وأخرج ابن جرير، عن عروة. قال: الراسخون في العلم لا يعلمون تأويله، ولكنهم يقولون آمنا به كلّ من عند ربنا. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن عمر بن عبد العزيز نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، عن أبيّ قال: كتاب الله ما استبان، فاعمل به، وما اشتبه عليك، فآمِن به، وكله إلى عالمه. وأخرج أيضاً، عن ابن مسعود قال: إن للقرآن مناراً، كمنار الطريق، فما عرفتم، فتمسكوا به، وما اشتبه عليكم، فذروه. وأخرج أيضاً، عن معاذ نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس قال: تفسير القرآن على أربعة وجوه: تفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعذر الناس بجهالته من حلال، أو حرام، وتفسير تعرفه العرب بلغتها، وتفسير لا يعلم تأويله إلا الله، من ادعى علمه، فهو كذاب. وأخرج ابن جرير عنه قال: أنزل القرآن على سبعة أحرف: حلال وحرام لا يعذر أحد بالجهالة به، وتفسير تفسره العرب، وتفسير تفسره العلماء، ومتشابه لا يعلمه إلا الله، ومن ادّعى علمه سوى الله، فهو كاذب. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه قال: أنا ممن يعلم تأويله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق عطية العوفي عنه في قوله: {يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ } نؤمن بالمحكم، وندين به، ونؤمن بالمتشابه، ولا ندين به، وهو من عند الله كله. وأخرج الدارمي في مسنده، ونصر المقدسي في الحجة، عن سليمان بن يسار: أن رجلاً يقال له ضبيع قدم المدينة، فجعل يسأل عن متشابه القرآن. فأرسل إليه عمر، وقد أعدّ له عراجين النخل، فقال: من أنت؟ فقال: أنا عبد الله ضبيع، فقال: وأنا عبد الله عمر، فأخذ عمر عرجوناً من تلك العراجين، فضربه حتى دمى رأسه، فقال: يا أمير المؤمنين حسبك قد ذهب الذي كنت أجد في رأسي. وأخرجه الدارمي أيضاً من وجه آخر، وفيه: أنه ضربه ثلاث مرات يتركه في كل مرة حتى يبرأ، ثم يضربه. وأخرج أصل القصة ابن عساكر في تاريخه، عن أنس. وأخرج الدارمي، وابن عساكر: أن عمر كتب إلى أهل البصرة أن لا يجالسوا ضبيعاً، وقد أخرج هذه القصة جماعة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، عن أنس، وأبي أمامة، وواثلة بن الأسقع، وأبي الدرداء؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الراسخين في العلم؟ فقال:«حديث : من برّت يمينه، وصدق لسانه، واستقام قلبه، ومن عفّ بطنه، وفرجه، فذلك من الراسخين في العلم»تفسير : وأخرج ابن عساكر من طريق عبد الله بن يزيد الأزدي عن أنس مرفوعاً نحوه. وأخرج أبو داود، والحاكم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الجدال في القرآن كفر»تفسير : . وأخرج نصر المقدسي في الحجة، عن ابن عمر قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن وراء حجرته قوم يتجادلون بالقرآن، فخرج محمرة وجنتاه، كأنما يقطران دماً، فقال: حديث : يا قوم لا تجادلوا بالقرآن، فإنما ضل من كان قبلكم بجدالهم، إن القرآن لم ينزل، ليكذب بعضه بعضاً، ولكن نزل ليصدق بعضه بعضاً، فما كان من محكمه، فاعملوا به، وما كان من متشابهه، فآمنوا به»تفسير : . وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أم سلمة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول حديث : يا مقلب القلوب ثبت قلبي علي دينك، ثم قرأ: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا } الآية»تفسير : . وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، والترمذي، وابن جرير، والطبراني، وابن مردويه عنها مرفوعاً نحوه بأطول منه. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وابن مردويه، عن عائشة مرفوعاً نحوه. وقد ورد نحوه من طرق أخر. وأخرج ابن النجار في تاريخه في قوله: {رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ } الآية. عن جعفر بن محمد الخلدي قال: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن: «حديث : من قرأ هذه الآية على شيء ضاع منه ردّه الله عليه، ويقول بعد قراءتها: يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه اجمع بيني وبين مالي إنك على كل شيء قدير».

ابن عبد السلام

تفسير : {مًّحْكَمَاتٌ} المحكم: الناسخ، والمتشابه: المنسوخ، أو المحكم: ما أحكم بيان حلاله وحرامه فلم يشتبه، والمتشابه: ما اشتبهت معانيه، أو المحكم: ما لا يحتمل إلا وجهاً واحداً والمتشابه: ما احتمل أوجهاً، أو المحكم: ما لم يتكرر لفظه، والمتشابه ما تكرر لفظه، أو المحكم: ما فهمه العلماء، والمتشابه ما لا طريق لهم إلى فهمه، كقيام الساعة، ونزول عيسى عليه الصلاة والسلام، وطلوع الشمس من مغربها، وجعله محكماً ومتشابهاً استدعاء للنظر من غير اتكال على الخبر. {أُمُّ الْكِتَابِ} آيات الفرائض والحدود، أو فواتح السور التي يستخرج منها القرآن. {زَيْغٌ} ميل عن الحق، أو شك. {مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} الأجل الذي أرادت اليهود [أن] تعرفه من حساب الجُمَّل، أو معرفة عواقب القرآن في العلم بورود النسخ قبل وقته، أو نزلت في حديث : وفد نجران حاجوا الرسول صلى الله عليه وسلم في المسيح عليه الصلاة والسلام فقالوا للرسول: أليس هو كلمة الله ـ تعالى ـ وروحه، فقال: "بلى" تفسير : فقالوا: حسبنا. {الْفِتْنَةٍ} الشرك، أو اللبس، أو الشبهة التي حاج بها وفد نجران. {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ} تأويل جميع المتشابه، لأن في الناس من يعلم تأويل بعضه، أو يوم القيامة لما فيه من الوعد والوعيد. {الرَّاسِخُونَ} الثابتون العاملون.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {هو الذي أنزل عليك الكتاب} يعني القرآن {منه آيات محكمات} يعني مبينات مفصلات أحكمت عبارتها من احتمال التأويل والاشتباه سميت محكمة من الإحكام كأنه تعالى أحكمها فمنع الخلق من التصرف فيها لظهورها ووضوح معناها {هن أم الكتاب} يعني هن أصل الكتاب الذي يعول عليه من الأحكام، ويعمل به في الحلال والحرام فإن قلت: كيف قال هن أم الكتاب ولم يقل أمهات الكتاب؟ قلت: لأن الآيات في اجتماعها وتكاملها كالآية الواحدة وكلام الله كله شيء واحد. وقيل: إن كل آية منهن أم الكتاب كما قال وجعلنا ابن مريم وأمه آية يعني أن كل واحد منهما آية {وأخر} جمع أخرى {متشابهات} يعني أن لفظه يشبه لفظ غيره ومعناه يخالف معناه. فإن قلت: قد جعله هنا محكماً ومتشابهاً وجعله في موضع آخر كله محكماً فقال في أول هود {أية : الر كتاب أحكمت آياته} تفسير : [هود: 1] وجعله في موضع آخر كله متشابهاً. فقال تعالى في الزمر: {أية : الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً} تفسير : [الزمر: 23] فكيف الجمع بين هذه الآيات. قلت: حيث جعله كله محكماً أراد أنه كله حق وصدق ليس فيه عبث ولا هزل وحيث جعله كله متشابهاً أراد أن بعضه يشبه بعضاً في الحسن والحق والصدق، وحيث جعله هنا بعضه محكماً وبعضه متشابهاً فقد اختلفت عبارات العلماء فيه فقال ابن عباس: المحكمات الثلاث الآيات التي في آخر سورة الأنعام وهي قوله تعالى: {أية : قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم} تفسير : [الأَنعام: 151] ونظيرها في بني إسرائيل {وقضى ربك أن لا تعبدوا إلاّ إياه} الآيات. وعنه أن الآيات المحكمة هي الناسخ والمتشابهات هي الآيات المنسوخة وبه قال ابن مسعود وقتادة والسدي وقيل إن المحكمات ما فيه أحكام الحلال والحرام والمتشابهات ما سوى ذلك يشبه بعضه بعضاً ويصدق بعضه بعضاً وقيل: إن المحكمات ما طلع الله عباده على معناه والمتشابه ما استأثر الله بعلمه فلا سبيل لأحد إلى معرفته نحو الخبر عن أشراط الساعة مثل الدجال ويأجوج ومأجوج ونزول عيسى عليه السلام وطلوع الشمس من مغربها وفناء الدنيا وقيام الساعة فجميع هذا مما استأثر الله بعلمه وقيل: إن المحكم ما لا يحتمل من التأويل إلاّ وجهاً واحداً والمتشابه ما يحتمل أوجهاً وروي ذلك عن الشافعي وقيل إن المحكم سائر القرآن والمتشابه هي الحروف المقطعة في أوائل السور. قال ابن عباس إن رهطاً من اليهود منهم حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف ونظراؤهما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال له حيي بلغنا: أنك أنزل عليك الم فأنشدك الله أأنزل عليك قال نعم. قال: إن كان ذلك حقاً فإني أعلم مدة ملك أمتك هي إحدى وسبعون سنة فهل أنزل عليك غيرها؟ قال: نعم آلمص قال: فهذه أكثر هي إحدى وستون ومائة فهل أنزل عليك غيرها؟ قال نعم آلر قال: هذه أكثر هي مائتان وإحدى وثلاثون سنة فهل من غيرها؟ قال: نعم آلمر قال هذه أكثر هي مائتان وإحدى وسبعون سنة. وقد اختلط علينا فلا ندري أبكثيره نأخذ أم بقليله ونحن ممن لا يؤمن بهذا. فأنزل الله هذه الآية قوله تعالى. {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه} وقيل: إن المحكم ما لم تتكرر ألفاظه والمتشابه ما تكررت ألفاظه وقيل: إن المحكم ما استقل بنفسه ولم يحتج إلى بيان. والمتشابه ما احتاج إلى بيان وقيل: إن المحكم هو الأمر والنهي والوعد والوعيد والمتشابه هو القصص والأمثال. فإن قلت: إنما نزل القرآن لبيان الدين وإرشاد العباد وهدايتهم فما فائدة المتشابه وهلا كان كله محكماً؟ قلت: ذكر العلماء عن هذا السؤال أجوبة أحدها. أن القرآن أنزل بألفاظ العرب ولغاتهم وكلام العرب على ضربين أحدهما: الإيجاز للاختصار والموجز الذي لا يخفى على سامعه لا يحتمل غير ظاهره، والإطالة لبيان المراد والتوكيد. الضرب الثاني: المجاز والكنايات والإشارات والتلويحات وإغماض بعض المعاني، وهذا الضرب هو المستحسن عند العرب والبديع في كلامهم فأنزل الله تعالى على هذين الضربين ليتحقق عجزهم عن الإتيان بمثله فكأنه قال: عارضوه بأي الضربين شئتم، ولو نزل كله محكماً واضحاً لقالوا: هلا أنزل بالضرب المستحسن عند الجواب الثاني أن الله تعالى أنزل المتشابه لفائدة عظيمة، وهي أن يشتغل أهل العلم والنظر بردهم المتشابه إلى المحكم فيطول بذلك فكرهم ويتصل بالبحث عن معانيه اهتمامهم فيثابون على تعبهم كما أثبتوا على عباداتهم. ولو أنزل القرآن كله محكماً لاستوى في معرفته العالم والجاهل ولم يفضل العالم على غيره ولماتت الخواطر وخمدت الفكرة، ومع الغموض تقع الحاجة إلى الفكرة والحيلة إلى استخراج المعاني. وقد قيل في عيب الغنى إنه يورث البلادة وفي فضيلة الفقر إنه يورث الفطنة. وقيل: إنه يبعث على الحيلة لأنه إذا احتاج احتال. الجواب الثالث: أن أهل كل علم يجعلون في علومهم معاني غامضة ومسائل دقيقة ليختبروا بذلك أذهان المتعلمين منهم على انتزاع الجواب لأنهم إذ قدروا على انتزاع المعاني الغامضة كانوا على الواضح أقدر، فلما كان ذلك حسناً عند العلماء جاز أن يكون ما أنزل الله تعالى من المتشابه على هذا النحو. الجواب الرابع: أن الله تعالى أنزل المتشابه في كتابه مختبراً به عباده ليقف المؤمن عنده ويرد علمه إلى عالمه فيعظم بذلك ثوابه، ويرتاب به المنافق فيداخله الزيغ فيستحق بذلك العقوبة كما ابتلى بنو إسرائيل بالنهر والله أعلم بمراده. وقوله تعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيغ} أي ميل عن الحق وقيل: الزيغ الشك واختلفوا في المعنى بهم والمشار إليهم فقيل هم وفد نجران الذين خاصموا رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيسى عليه السلام وقالوا: ألست تزعم أن عيسى روح الله وكلمته؟ قال: بلى قالوا: حسبنا فأنزل الله هذه الآية. وقيل: هم اليهود لأنهم طلبوا معرفة مدة بقاء هذه الأمة واستخراجه بحساب الجميل من الحروف المقطعة في أوائل السور. وقيل: هم المنافقون وقيل: هم الخوارج وكان قتادة يقول: إن لم يكونوا الحرورية والسبئية فلا أدري من هم. وقيل هم جميع المبتدعة {فيتبعون ما تشابه منه} يعني يحيلون المحكم على المتشابه والمتشابه على المحكم، ويقولون: ما بال هذه الآية عمل بها كذا وكذا ثم نسخت. وقيل كل من احتج لباطله بالمتشابه فهو المعنى بهذه الآية. (ق) عن عائشة رضي الله عنها قالت: "تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات ـ إلى ـ وما يذكر إلاّ أولو الألباب} فقال: "حديث : إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سماهم الله فاحذروهم" تفسير : وقوله تعالى: {ابتغاء الفتنة} أي طلب الشرك والكفر. وقيل: طلب الشبهات واللبس ليضلوا بها جهالهم وقيل: طلب إفساد ذات البين {وابتغاء تأويله} أي تفسيره. وأصل التأويل في اللغة: المرجع والمصير تقول: آل الأمر إلى كذا إذا رجع إليه وتسمى العاقبة تأويلاً لأن الأمر يصير إليه. قال ابن عباس في قوله: وابتغاء تأويله أي طلب بقاء ملك محمد صلى الله عليه وسلم وقيل: المراد بهم الكفار طلبوا متى يبعثون وكيف أحياهم بعد الموت وقيل هو طلب تفسير المتشابه وعلمه {وما يعلم تأويله إلاّ الله} يعني تأويل المتشابه وقيل: لا يعلم انقضاء ملك هذه الأمة إلاّ الله تعالى لأن انقضاء ملكها مع قيام الساعة. ولا يعلم ذلك إلاّ الله وقيل: يجوز أن يكون للقرآن تأويل استأثر الله بعلمه ولم يطلع عليه أحداً من خلقه كعلم قيام الساعة ووقت طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم، وعلم الحروف المقطعة، وأشباه ذلك مما استأثر الله بعلمه فالإيمان به واجب وحقائق علومه مفوضة إلى الله تعالى، وهذا قول أكثر المفسرين وهو مذهب ابن مسعود وابن عباس في رواية عنه، وأبي كعب وعائشة وأكثر التابعين فعلى هذا القول تم الكلام عند قوله: {إلاّ الله} فيوقف عليه ثم ابتدأ فقال عز من قائل {والراسخون في العلم} أي الثابتون في العلم وهم الذين أتقنوا علمهم بحيث لا يدخل في علمهم شك {يقولون آمنا به} قال ابن عباس: سماهم راسخين في العلم بقولهم آمنا به فرسوخهم في العلم هو الإيمان به. وقال عمر بن عبدالعزيز في هذه الآية انتهى علم الراسخين في العلم بتأويل القرآن إلى أن قالوا آمنا به {كل من عند ربنا} يعني المحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ وما علمنا منه وما لم نعلم ونحن معتبدون في المتشابه بالإيمان به، ونكل معرفته إلى الله تعالى. وفي المحكم يجب علينا الإيمان به والعمل بمقتضاه. وروي عن ابن عباس أنه قال تفسير القرآن على أربعة أوجه فمنه تفسير لا يسع أحداً جهله، وتفسير تعرفه العرب بألسنتها، وتفسير تعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلاّ الله. وقيل: إن الواو في قوله والراسخون في العلم واو عطف يعني أن تأويل المتشابه يعلمه الله ويعلمه الراسخون في العلم وهم مع علمهم يقولون آمنا به. روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول: أنا من الراسخين في العلم وعن مجاهد عنه أنا ممن يعلم تأويله. ووجه هذا القول أن الله تعالى أنزل كتابه لينتفع به عباده ولا يجوز أن يكون في القرآن شيء لا يعرفه أحد من الأمة وفي المراد بالراسخين في العلم هنا قولان أحدهما: أنهم مؤمنوا أهل الكتاب مثل عبدالله بن سلام وأصحابه دليله قوله تعالى: {أية : لكن الراسخون في العلم منهم}تفسير : [النساء: 162]. والقول الثاني: أن الراسخين هم العلماء العاملون بعلمهم. سئل أنس بن مالك عن الراسخين في العلم فقال: العالم العامل بما علم المتبع له وقيل، الراسخ في العلم من وجد في علمه أربعة أشياء التقوى فيما بينه وبين الله تعالى، والتواضع فيما بينه وبين الناس، والزهد فيما بينه وبين الدنيا، والمجاهدة فيما بينه وبين النفس {وما يذكر إلاّ أولو الألباب} أي وما يتعظ بما في القرآن إلاّ ذوو العقول وهذا ثناء من الله عز وجل على الذين قالوا آمنا به كل من عند ربنا.

ابن عادل

تفسير : وَجه النَّظْمِ على الاحتمال الأول في الآية المتقدمة أن النصارى تمسكوا - في بعض شُبَهِهِمْ - بما جاء في القرآن من صفة عيسى عليه السلام أنه روحُ اللهِ وكلمتُه، فبَيَّن الله تعالى بهذه الآيةِ أن القرآن مشتمل على مُحْكَم ومتشابه، و التمسّك بالمتشابهاتِ غيرُ جائزٍ - هذا على الاحتمال الأول في الآيةِ المتقدمةِ، وعلى الثاني - أنه تعالى لما بين أنه قيوم، وهو القائم بمصالح الخلق، والمصالح قسمان: جسمانية، وروحانية، فالجسمانية أشرفها تعديل البنية على أحسن شكل، وهو المراد بقوله: {أية : هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ} تفسير : [آل عمران: 6] وأما الروحانية فِأشرفُها العِلْمُ، وهو المراد بقوله: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ}. قوله: {مِنْهُ آيَاتٌ} يجوز أن تكون "آيَاتٌ" رَفْعاً بالابتداء، والجار خبره، وفي الجملة على هذا وجهانِ: أحدهما: أنها مستأنفة. والثاني: أنها في محل نصب على الحال من "الْكِتَابِ" أي: هو الذي أنزل الكتاب في هذه الحال، أي: منقسماً إلى محكم ومتشابهٍ. ويجوز أن يكون "منه" هو الحال - وحده - وآيات: رفع [به] - على الفاعلية. و {هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ} يجوز أن تكون الجملةُ صفةٌ للنَّكِرَةِ قَبْلَهَا، ويجوز أن تكونَ مستأنفةً. وأخْبَرَ بلفظ الواحد "أمُّ" عن جمع "هُنَّ" إمَّا لأن المرادَ أن كل واحدةٍ منه أمٌّ، وإمَّا لأن المجموعَ بمنزلة آية واحدةٍ، كقوله: {أية : وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً}تفسير : [المؤمنون: 50]، وإما لأنه مفرد واقع موقع الجمع، كقوله: {أية : وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ} تفسير : [البقرة: 7]. وقوله: [الوافر] شعر : 1322 - كُلُوا فِي بَعْضِ بَطْنِكُمُ تَعِفُّوا .............................. تفسير : وقوله: [الطويل] شعر : 1323 - بِهَا جِيَفُ الْحَسْرَى فَأمَّا عِظَامُهَا فَبِيضٌ وَأمّا جِلدُهَا فَصَلِيبُ تفسير : وقال الأخفش: وَحَّد "أمُّ الْكِتَابِ" بالحكاية على تقدير الجواب، كأنه قيل: ما أمُّ الكتاب؟ فقال: هن أم الكتاب، كما يقال: مَن نظيرُ زَيْدٍ؟ فيقول قوم: نحن نظيره، كأنهم حكوا ذلك اللفظ، وهذا على قولهم: دعني من تمرتان، أي: مما يُقَال له: تمرتان. قال ابنُ الأنباري: "وهذا بعيد من الصواب في الآية؛ لأن الإضمار لم يقم عليه دليل، ولم تدع إليه حاجةٌ". وقيل: لأنه بمعنى أصْل الكتاب، والأصْل يُوَحَّد. قوله: "وأُخَر" نسق على "آيات" و "متشابهات" نعت لـ "أخر"، وفي الحقيقة "أخر" نعت لمحذوف تقديره: وآيات أخر متشابهات. قال أبو البقاء: فإن قيل: واحدة [متشابهات: متشابهة، وواحدة أخر: أخرى، والواحد هنا - لا يصح أن يُوصَف بهذا الواحد -، فلا يقال: أخرى متشابهة]، إلا أن يكون بعض الواحدة يشبه بعضاً، وليس المعنى على ذلك، إنما المعنى أن كل آية تشبه آيةٌ أخرى، فكيف صح وصف هذا الجمع بهذا الجمع ولم يصح وصْف مفردِه بمفردِه؟ قيل: التشابهُ لا يكون إلا بين اثنين فصاعداً، فإذا اجتمعت الأشياء المتشابهة كان كل واحدٍ منها مشابهاً للآخر، فلما لم يصح التشابه إلا في حالةِ الاجتماعِ وُصِفَ الجمعُ بالجمعِ؛ لأن كل واحد منها يشابه باقيها، فأما الواحد فلا يصح فيه هذا المعنى، ونظيره قوله: {أية : فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ} تفسير : [القصص: 15] فثنَّى الضمير، وإن كان الواحد لا يقتتل، يعني أنه ليس من شرط صحة الوصف في التثنية أو الجمع صحة انبساط مفردات الأوصاف على مفردات الموصوفات، وإن كان الأصل ذلك كما أنه لا يُشترط في إسناد الفعل إلى المثنى والمجموع صحة إسناده إلى كل واحد على حدته، وقريب من ذلك قوله: {أية : حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ} تفسير : [الزمر: 75]، وقيل: ليس لـِ "حَافينَ" مفرد؛ لأنه ولو قيل: حافّ لم يَصِحّ؛ إذ لا يتحقق الحفوف في واحد فقط، إنما يتحقق بجمع يُحيطون بذلك الشيءِ المحفوفِ [وسيأتي بيان ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى]. فصل اعلم أن القرآن الكريمَ كلَّه مُحْكَمٌ من جهة الإحكام والإتقان والفصاحة وصحة المعاني، وكونه كلاماً حقًّا؛ لقوله تعالى: {أية : كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} تفسير : [هود: 1]، وقوله: {أية : تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ} تفسير : [يونس: 1] فهو أفضل من كل كلام يُوجَد في هذه المعاني، ولا يمكن أحد أن يأتي بكلام يساويه فيها، والعرب تقول في البناء الوثيق، والعقد الوثيق الذي لا يمكن حَلُّه: مُحْكَم، وكلُّه متشابه من حيث إنه يشبه بعضهُ بعضاً في الحُسن، ويصدِّقُ بعضُهُ بعضاً؛ لقوله تعالى: {أية : كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ} تفسير : [الزمر: 23]. وذكر في هذه الآيةِ أن بعضه مُحْكَمٌ، وبعضه متشابه. واختلف المفسّرون في المحكم - هنا - والمتشابه، فقال ابنُ عباس: المحكمات هي الآيات الثلاث في سورة الانعام، {أية : قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} تفسير : [الأنعام: 151] الآيات، ونظيرها في بني إسرائيل {أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ} تفسير : [الإسراء: 23]. وعنه أنه قال: المتشابهات: حروف التهجي في أوائل السور. وقال مجاهد وعكرمة: المحكم: ما فيه الحلال والحرام، وما سوى ذلك متشابه، يشبه بعضه بعضاً في الحق، ويصدق بعضه بعضاً، كقوله: {أية : وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَاسِقِينَ} تفسير : [البقرة: 26]، وقوله: {أية : وَيَجْعَلُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} تفسير : [يونس: 100]. وقال قتادة والضحاك والسُّديُّ: المحكم: الناسخ الذي يُعْمَل به، والمتشابه: المنسوخ الذي لا يُعْمَل به ويؤمن به، ورَوَى علي بن أبي طلحةَ عن ابن عباس قال: محكمات القرآن: ناسخه، وحلالُه، وحرامُه، وحدودُه، وفرائضُه، وما يؤمن به ولا يُعْمَل به. وقيل المحكمات: ما أوقف الله الخلقَ على معناها، والمتشابه: ما استأثر الله بعلمه، ولا سبيل لأحد إلى علمه نحو الخبر عن أشراط الساعة من خروج الدجالِ، ونزول عيسى عليه السلام وطلوع الشمس من مغربها وقيام الساعة، وفناء الدنيا. وقال محمد بن جعفر بن الزبير: المُحْكَم ما لا يَحْتَمل من التأويل غير وجه، والمتشابه ما احتمل أوجهاً. وقيل: المحكم: ما يعرف معناه، وتكون حُجَجُه واضحةً، ولا تشتبه دلائله، والمتشابه: هو الذي يُدرك علمه بالنظر، ولا يَعْرِفُ العوامُّ تفصيلَ الحق فيه من الباطل، وقيل المحكم: ما يستقل بنفسه في المعنى، والمتشابه: ما لا يستقل بنفسه بل يُرَدّ إلى غيره. فصل "في تفسير المحكم في أصل اللغةِ": العرب تقول: أحكمتُ وحكمتُ بمعنى رددتُ، ومنعت، والحاكم يمنع الظالمَ عن الظلم، وحَكَمَةُ اللجامِ هي التي تمنعُ الفرسَ عن الاضطرابِ، وفي حديث النَّخَعِيِّ: أحْكم اليتيم كما تُحْكِمُ وَلدَك، أي: امنعه من الفساد. وقال جَرير: [الطويل] شعر : 1324 - أبَنِي حَنِيفَةَ أحْكِمُوا سُفَهَاءَكُم ........................ تفسير : أي: امنعوهم. وبناءٌ مُحْكَم: أي: وثيق، يمنع مَنْ تعرَّض له، وسُمِّيت الحكمةُ حكمةً؛ لأنها تمنعُ عما لا ينبغي. والمتشابه: هو أن يكون أحد الشيئين مشابهاً للآخر، بحيث يعجز الذهن عن التمييز [بينهما]، قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} تفسير : [البقرة: 70]، وقال في وصف ثمارِ الجنةِ: {أية : وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِها} تفسير : [البقرة: 25] أي: مُتَّفِق المنظر، وقال تعالى: {أية : تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُم} تفسير : [البقرة: 118]، ويقال: أشبه عليَّ الأمر إذا لم يَظْهَر له الفرق ويقال لأصحاب المخاريق: أصحاب الشبه، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الْحَلاَلُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أمُورٌ مُتَشابِهَاتٌ" تفسير : وفي رواية مشتبهات، ثم لما كان من شأن المتشابهَيْن عَجْزُ الإنسانِ عن التمييز بينهما، سمِّي كلُّ ما لا يَهْتَدِي إليه الإنسان بالمتشابه؛ إطلاقاً لاسم السبب على المسبَّب، ونظيره المشكل، سُمِّي بذلك؛ لأنه أشكل أي: دخل في شكل غيره، فأشبهه وشَاكَله، ثُمَّ يقال لكل ما غَمُضَ - وإن لم يكن غموضُه من هذه الجهةِ - مشكلاً، ولهذا يُحْتَمَل أن يقال للذي لا يُعْرَف ثبوتُه أو عدمُه، وكان الحكم بثبوته مساوياً للحكم بعدمه في العقل والذهن ومشابهاً [له]، ولم يتميز أحدُهما عن الآخر بمزيد رُجْحَان، فلا جرم يُسَمَّى غير المعلوم بأنه متشابه. قال ابن الخطيبِ: "فهذا تحقيق القول في المحكم والمتشابه بحسب أصل اللغةِ، والناس قد أكثروا في تفسير المحكَم والمتشابه، ونحن نذكر الوجهَ الملخص الذي عليه أكثر المحققين ثم نذكر عقيبه أقوال الناس فيه فنقول: إذا وُضِعَ اللفظ لمعنى فإما أن يحتمل غيره أو لا، فإن كان لا يحتمل غيره فهو النص، وإن احتمل غيرَه فإما أن يكونَ احتماله لأحدهما راجحاً على الآخر، فيكون بالنسبة إلى الراجح ظاهراً، وبالنسبة إلى المرجوح مؤولاً، وإن كان احتماله لهما على السوية، فيكون اللفظ بالنسبة إليهما معاً مشتركاً، وبالنسبة إلى كل واحد منهما على التعيين مجملاً، فحصل من هذا التقسيم أن اللفظ، إما أن يكون نصاً، أو ظاهراً، أو مؤولاً، أو مشتركاً، والنص والظاهر يشتركان في حصول الترجيح، إلا أن النص راجح مانع من الغير، فهذا القدر المشترك هو المسمَّى بالمحكَم، أما المجمل والمؤول، فهما يشتركان في أن دلالة اللفظ عليه غير راجحة [وإن لم يكن راجحاً، أو غير مرجوح، والمؤوَّل - مع أنه غير راجح - فهو مرجوح، لا بحسب الدليل المنفرد]، فهذا القدر المشترك هو المسمَّى المتشابه؛ لأن عدم الفهم حاصل في القسمين جميعاً، وقد بينَّا أن ذلك يسمى متشابهاً، إما لأن الذي لا يُعْلَمُ يكون النفي فيه مشابهاً للإثبات في الذهن، وإما لأجل أن الذي [يحصل] فيه التشابه يصير غير معلوم، فيطلق لفظ "المتشابه" على ما لا يُعْلَم؛ إطلاقاً لاسم السبب على المسبب فهذا هو الكلام المحصَّل في المحكَم والمتشابه. فصل روى البخاري عن سعيد بن جبيرٍ قال: قال رجلٌ لابن عباس: إني أجد في القرآن أشياء تختلف عليّ، قال: ما هي؟ قال: قوله: {أية : فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ}تفسير : [المؤمنون: 101] وقال: {أية : فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ} تفسير : [الصافات: 50]، وقوله: {أية : وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً} تفسير : [النساء: 42] مع قولهم: {أية : وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 23] فقد كتموا في هذه الآية وفي "النازعات" قال: {أية : أَمِ ٱلسَّمَآءُ بَنَاهَا} تفسير : [النازعات: 27] إلى قوله: {أية : وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} تفسير : [النازعات:30] فذكر خلق السماء قبل الأرض، وقال {أية : قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ} تفسير : [فصلت: 9] إلى: "أية : طَآئِعِينَ" تفسير : [فصلت:11] فذكر خلق الأرض قبل السماء وقال: {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} تفسير : [النساء: 100] {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً} تفسير : [النساء: 158] {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً} تفسير : [النساء: 134] فكأنه كان ثم مضى. فقال ابن عباس: معنى قوله: {فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُم} النفخة الأولى ثم يُنْفَخُ في الصور فيُصْعَق مَن في السموات ومن في الأرض إلا مَنْ شَاءَ الله، فلا أنساب بينهم عند ذلك، وفي النفخة الأخيرة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون. أما قولهم: {مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} أي: أن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، فيقول المشركون: تعالوا نقول: ما كنا مشركين، فيختم الله على أفواههم، وتنطق جوارحُهم بأعمالهم، فعند ذلك لا يكتمون الله حديثاً، وعنده {أية : رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ} تفسير : [الحجر: 2]، وخلق الأرض في يومين ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات، ثم دَحا الأرض، بسطها فأخرج منها الماء والمرعى، وخلق فيها الأشجار والجبال [والآكام] وما بينهما في يومين آخرين، وذلك قوله: {أية : وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} تفسير : [النازعات:27] فخلق الأرض وما فيها في أربعة أيام وخلق السماء في يومين. وقوله: {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} يعني نفسه، أي: لم يزل، ولا يزال كذلك، وأن الله لم يرد شيئاً إلا أصاب به الذي أراده ويحك، فلا يختلف عليك القرآنُ، فإن كُلاًّ من عند الله. فصل في الفوائد التي لأجلها جُعِل بَعْضُ القرآن محْكَماً، وبعضهُ متشابهاً. قال ابن الخطيبِ: "طعن بعضُ الملحدة في القرآن؛ لأجل اشتماله على المتشابهات، وقالوا: إنكم تقولون: إن تكاليف الخلق مرتبطة بهذا القرآن إلى يوم القيامة، ثم إنا نراه بحيث يتمسك به كل صاحب مذهب على مذهبه، فالجبري يتمسك بآيات الجبر كقوله: {أية : وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِيۤ آذَانِهِمْ وَقْراً}تفسير : [الأنعام: 25]، والقدَريُّ يقول: بل هذا مذهب الكفار؛ بدليل أنه تعالى حكى ذلك عن الكفار في معرض الذم لهم في قوله: {أية : وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْف} تفسير : [البقرة: 88]، وأيضاً مثبت الرؤية يتمسك بقوله: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}تفسير : [القيامة:22, 23]، والنافي يتمسك بقوله: {أية : لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَار} تفسير : [الأنعام: 103]، ومثبت الجهة يتمسك بقوله: {أية : يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِم} تفسير : [النحل: 50] وقوله: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ}تفسير : [طه: 5] والنافي يتمسك بقوله: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} تفسير : [الشورى: 11] ثم إن كل واحد يسمي الآيات الموافقة لمذهبه محكمة، والآيات المخالفة لمذهبه متشابهة، وإنما يُرْجَع في ترجيح بعضها على البعض إلى ترجيحات خفية، ووجوه ضعيفة، فكيف يليق بالحكيم أن يجعل الكتاب الذي هو المرجوع إليه في كل الدين إلى قيام القيامة هكذا أليس أنه لو جعله ظاهراً جلياً خالياً عن هذه المتشابهات كان أقرب إلى حصول الغرض؟ فذكر العلماء في فوائد المتشابهات وجوهاً: الأول: أنه متى كانت المتشابهات موجودة كان الوصول إلى الحق أصعب وأشق، وزيادة المشقة توجب مزيد الثواب. الثاني: أن القرآن إذا كان مشتملاً على المحكَم والمتشابه افتقر الناظر إلى الاستعانة بدليل العقل، وحينئذ يتخلص عن ظلمة التقليد، ويصل إلى ضياء الاستدلال، ولو كان كله محكماً لم يفتقر إلى التمسك بالدلائل العقلية، وكان يبقى - حينئذٍ - في الجهل والتقليد. الثالث: أن القرآن لما كان مشتملاً على المحكم والمتشابه افتقر إلى تعلم طرق التأويلات، وترجيح بعضها على بعض، وافتقر في تعلم ذلك إلى تحصيل علوم كثيرة من علوم اللغة، والنحو، وأصول الفقه، ولو لم يكن الأمر كذلك لما كان الإنسان يحتاج إلى تحصيل هذه العلوم الكثيرة، فكان في إيراد هذه المتشابهات هذه الفوائد. الرابع: أن القرآن يشتمل على دعوة الخواص، والعوامّ بالكلية، وطباع العوام تنبو - في أكثر الأمر - عن إدراك الحقائق، فمن سمع من العوام - في أول الأمر - إثبات موجود ليس بجسم ولا متحرك ولا يشار إليه ظَنَّ بأن هذا عَدَم ونَفْي، فوقع في التعطيل، فكان الأصلح أن يخاطَبوا بألفاظ دالة على بعض ما يناسب ما توهموه، وتخيلوه، ويكون ذلك مخلوطاً بما يدل على الحق الصريح فالمخاطبة في أولِ الأمرِ تكون من أبواب المتشابهات، والثاني وهو الذي انكشف لهم في آخر الأمر هو المحكم. الخامس: [لو كان القرآن محكماً بالكلية لما كان مطابقاً إلا لمذهب واحد، وكان تصريحه مبطلاً لكل ما سوى ذلك المذهب، وذلك مما يُنَفِّر أربابَ المذاهب عن قبوله، وعن النظر فيه، فالانتفاع به إنما حصل لما كان مشتملاً على المحكَم والمتشابه، فحينئذ يطمع صاحب كلِّ مذهب أن يجدَ فيه ما يقوي له حكمه ويُؤثِرُ مقالته، فحينئذ ينظر فيه جميعً أرباب المذاهب، ويجتهد في التأمل فيه كلُّ صاحب مذهب، فإذا بالغوا في ذلك صارت المحكمات مفسرة للمتشابهات، فبهذا الطريق يتخلص المبطل عن باطله، ويصل إلى الحق، والله أعلم]. قوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} يجوز أن يرتفع "زيغ" بالفاعلية؛ لأن الجار قبله صلة لموصول، ويجوز أن يكون مبتدأ، وخبره الجار قبله. قوله "الزيغ" قيل: المَيْل [مطلقاً]، وقال بعضهم: هو أخَصُّ من مطلق الميل؛ فإن الزيع لا يقال إلا لما كان من حق إلى باطل. قال الراغب: "الزيغُ: الميلُ عن الاستقامة إلى أحد الجانبين، وزاغَ وزالَ ومالَ متقاربٌ، لكن زاغ لا يقال إلا فيما كان من حق إلى باطل" انتهى. يقال: زاغ يَزيغُ زَيْغاً، وزَيْغُوغَةً وزَيغَاناً، وزُيوغاً. قال الفراء: والعرب تقول في عامة ذواتِ الياء - فيما يُشْبه زِغْت - مثل: سِرْتُ، وصِرْتُ، وطِرْتُ: سَيْرورة، وصَيْرورة، وطَيْرُورة، وحِدت حَيْدودة، ومِلت ميلولة.. لا أحصي ذلك، فأما ذواتُ الواوِ مثل قُلْت، ورُضْت، فإنهم لم يقولوا ذلك إلا في أربعة ألفاظٍ: الكَيْنُونة والدَّيْمومة - من دام والهَيْعُوعَة - من الهُوَاع، والسَّيْدودَة - من سُدت -، ثم ذكر كلاماً كثيراً غير متعلق بما نحن فيه. وقد تقدم الكلام على هذا المصدر، وأنه قد سمع في هذا المصدرِ الأصل - وهو كَينُونة - في قول الشاعر: [الرجز] شعر : 1325 - يَا لَيْتَنَا قَدْ ضَمَّنَا سَفِينَهْ حَتَّى يَعُودَ الوَصل كَيَّنُونَهْ تفسير : قوله: "ما تشابه" مفعول الاتباع، وهي موصولة، أو موصوفة، ولا تكون مصدريةً؛ لعَوْد الضمير من "تشابه" عليها، إلا على رأيٍ ضعيفٍ، و "مِنه" حال من فاعل "تَشَابه" أي تشابه حال كونه بعضه. قوله: "ابْتِغَاءَ" منصوب على المفعول له، أي: لأجل الابتغاء، وهو مصدر مضاف لمفعوله. والتأويل: مصدر أوَّل يُؤوِّلُ، وفي اشتقاقه قولان: أحدهما: أنه من آل يَئُولُ أوْلاً، ومآلاً، أي: عَادَ، ورجع، وآلُ الرجلِ من هذا - عند بعضهم إلا أنهم يرجعون إليه في مُهِمَّاتِهِم ويقولون: أولتُ الشيء: أَي: صرفته لوجهٍ لائقٍ به فانصرف، قال الشاعر: [السريع] شعر : 1326 - أؤَوِّلُ الْحُكْمَ عَلَى وَجْهِهِ لَيْسَ قَضَائِي بِالْهَوَى الْجَائِرِ تفسير : وقال بعضهم: أوَّلت الشيء، فتأول، فجعل مطاوعه تفعل، وعلى الأول مطاوعه فعل، وأنشد الأعشى: [الطويل] شعر : 1327 - عَلَى أنَّهَا كَانَتْ تَأوَّلُ حُبَّهَا تَأوُّلَ رِبْعِيِّ السِّقَابِ فأصْحَبَا تفسير : أي: يعني أن حبها كان صغيراً، قليلاً، فآل إلى العِظَم كما يَئُول السَّقْبُ إلى الكِبر، ثم قد يُطْلَق على العاقبة، والمردِّ؛ لأنَّ الأمر يصير إليهما. الثاني: أنه مشتق من الإيَالَةِ، وهي السياسةُ، تقول العرب: قَدْ ألْنَا وَإيلَ عَلَيْنَا، أي: سُسْنَا وساسَنا غيرُنا، وكأن المؤوِّلَ للكلام سايسهُ، والقادر عليه، وواضِعه موضعَه، نُقِل ذلك عن النضر بن شميل. وفرق الناس بين التفسير والتأويل في الاصطلاح بأن التفسير مقتصر به على ما لا يُعْلَم إلاَّ بالتوقيف كأسباب النزول، ومدلولات الألفاظ، وليس للرأي فيه مَدْخَل، والتأويل يجوز لمن حصلت عنده صفة أهلِ العلمِ، وأدواتٌ يقدر أن يتكلم بها إذا رجع بها إلى أصولٍ وقواعدَ. فصل روى ابنُ عباسٍ: حديث : أن رَهْطاً من اليهود منهم حُيَيّ بنُ أخْطَبَ، وكعبُ بنُ الأشرف ونظراؤهما أتوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال له حُيَيّ: بلغنا أنه نزلَ عليك الم، فننشدك الله، أنزل عليك؟ قال: نَعَمْ، قال: فإن كان ذلك حقاً فأنا أعلم مدّة مُلْك أمتك، هي إحْدى وسبعون سنة فهل أنزل غيرُها؟ قال: نعم، المص، قال: هذه أكثر، هي مائة وإحدى وثلاثون سنة، فهل أنزل غيرها؟ قال: نعم، المر، قال: هذه أكثر، هي مائتان وإحدى وسبعون سنة، وقد خَلَّطتَ علينا، فلا ندري ابكثيره نأخذ، أم بقليله ونحن ممن لا يُؤمن بهذا؟ فأنزلَ الله {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ}. تفسير : وقال الربيع: هم وَفْدُ نجرانَ، خاصموا النبيَّ صلى الله عليه وسلم في عيسى، وقالوا: ألست تزعم أنه كلمةُ الله وروح منه؟ قال: بلى، قالوا: حَسْبُنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ثم أنزل: {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ} تفسير : [آل عمران: 59]. قال ابن جريج: هم المنافقون. وقال الحسن: هم الخوارج، وكان قتادة إذا قرأ هذه الآية {فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} قال: إن لم يكونوا الحرورية والسبئية فلا أدري مَنْ هُمْ، وقال المحققون: إن هذا يَعُم جميعَ المبطلين، قالت عائشة: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآيةَ منه آيات محكمة هي أم الكتاب وأخر متشابهات إلى قوله: أولي الألباب {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ} فقال رسول الله: "حديث : فَإذَا رَأيْتَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأولَئِكَ الذين سمى الله فاحذرهم"تفسير : . وعن أبي غالب قال: "كنت أمشي مع أبي أمامة، وهو على حمار حتى إذا انتهى إلى درج مسجد دمشق، فإذا رؤوسٌ منصوبة، فقال: ما هذه الرؤوس؟ قيل: هذه رؤوس يُجاء بهم من العراق، فقال أبو أمامة: كلابُ النار، كلابُ النار، [كلابُ النار] أو قتلى تحت ظل السماء، طوبى لمن قَتَلهم وقتلوه - يقولها ثلاثاً - ثم بكى، فقلت: ما يُبْكيك يا أبا أمامة؟ قال: رحمةً لهم؛ إنهم كانوا من أهل الإسلام، فخرجوا منه، ثم قرأ: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ} الآية، ثم قرأ: {أية : وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَات}تفسير : [آل عمران: 105]، فقلت: يا أبا أمامة، هم هؤلاء؟ قال: نعم، قلت: أشيء تقوله برأيك، أم شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: إني إذَنْ لَجرِيء، إني إذاً لَجَريءٌ، بل سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم غيرَ مرةٍ ولا مرتين، ولا ثلاث، ولا أربع، ولا خمس، ولا ست، ولا سبع، ووضع أصبعيه في أذنيه، قال: وإلا فَصُمَّتَا، قالها ثلاثاً - ثم قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول حديث : تَفرَّقَتْ بَنو إسرائيلَ على إحْدَى وسبعينَ فرقةً، واحدةٌ في الجَنَّةِ، وَسَائِرَهُم في النَّارِ، ولتزيدَنَّ عليهم هَذِهِ الأمةُ واحدةً، واحدةٌ في الجنَّة وسائرُهم في النّار . تفسير : فصل لما بيَّنَ الله تعالى أن الزائغِين يتَّبعون المتشابهِ بيَّن أنّ لهم فيه غرضَيْنِ: الأول: ابتغاء الفتنة. والثاني: ابتغاء التأويل. أما الفتنة فقال الربيع والسدي: الفتنة: طلب الشرك. وقال مجاهد: ابتغاء الشبهات واللَّبْس، ليضلوا بها جُهَّالهم. وقال الأصم: متى وقعوا في المتشابهات، صَارَ بعضهم مخالفاً للبعض في الدين، وذلك يفضِي إلى التقاتل، والهَرْج والمَرْج. وقيل: المتمسك بالمتشابه يُقَرِّر البِدَع والأباطيل في قلبه، فيصير مفتوناً بذلك الباطلِ، عاكفاً عليه، لا يقلع عنه بحيلة ألبتة لأن الفتنة في اللغة: التوغُّل في محبة الشيء، يقال: فلان مفتون بطلب الدنيا، أي: مُوغِل في طلبها. وقيل: الفتنة في الدين هي الضلال عنه، [ومعلوم أنه لا فتنة، ولا فساد أعظم من الفتنة في الدين والفساد فيه]. وأما التأويل فقد ذكرنا تفسيره في اللغة، والفرق بينه وبين التفسير. قد يسمى التفسيرُ تأويلاً قال تعالى: {أية : سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً} تفسير : [الكهف: 78]، وقال: {أية : ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} تفسير : [الإسراء: 35]، وذلك لأنه إخبار عما يرجع إليه اللفظ من المعنى، والمراد منه: أنهم يطلبون التأويل الذي ليس عليه دليل من كتاب الله تعالى ولا بيان، كطلبهم أن الساعة متى تقوم؟ وأن مقادير الثواب والعقاب للمطيع والعاصي كم تكون؟ وقيل: ابتغاء التأويل: طلب عاقبته، وطَلَبُ أجَل هذه الأمة من حساب الجُمل؛ لقوله تعالى: {أية : ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} تفسير : [الإسراء: 35] أي: عاقبةً. وقول: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ} اختلف الناسُ في هذا الموضع: فقال قوم: الواو في قوله: "وَالرَّاسِخُونَ" عاطفة على الجلالة، فيكونون داخلين في عِلْم التأويل وعلى هذا يجوز في الجملة القولية وجهان: أحدهما: أنها حال: أي: يعلمون تأويله حال كونهم قائلين ذلك. والثاني: أن تكون خبر مبتدأ مضمر، أي: هم يقولون - وهذا قول مجاهد والربيع وهذا لقوله تعالى: {أية : مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَى&#1648}تفسير : [الحشر: 7] ثم قال {أية : لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ} تفسير : [الحشر: 8] إلى أن قال: {أية : وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ} تفسير : [الحشر: 9] ثم قال: {أية : وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ} تفسير : [الحشر: 10] ولهذا عطف على ما سبق ثم قال: {أية : يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا}تفسير : [الحشر: 10] يعني هم مع استحقاقهم الفيء يقولون: {أية : رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا} تفسير : [الحشر: 10] أي: قائلين على حال. وروي عن ابن عباس: أنه كان يقول في هذه الآية: أنا من الراسخين في العلم، وعن مجاهد: أنا ممن يعلم تأويله. وذهب الأكثرون إلى أن الواو في قوله: "والرَّاسِخُونَ" واو الاستئناف، فيكون مبتدأ، وتم الكلام عند قوله: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ} والجملة من قوله: "يَقُولُونَ" خبر المبتدأ، وهذا قول أبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وعائشةَ، وعروة بن الزبير، ورواية طاوس عن ابن عباس وبه قال الحسنُ، وأكثر التابعين، واختاره الكسائي، والفرّاء، والأخفش، وقالوا: لا يعلم تأويلَ المتشابه إلا اللهُ، ويجوز أن يكون للقرآن تأويلٌ استأثر الله بعلمه لم يُطْلِع عليه أحداً من خلقه، كما استأثر بعلم السَّاعة، ووقت طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدَّجَّالِ ونزول عيسى - عليه السلام - ونحوها، والخلق متعبدون بالمتشابه، والإيمان به، وفي المحكم في الإيمان به والعمل، ومما يُصَدّق ذلك قراءةُ عبد الله: "إنْ تأويلُه إلا عندَ الله والرَّاسِخُونَ في الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ.."، وفي حرف أبي: ويقول الراسخون في العلم آمنا به. قال عمر بن عبد العزيز - في هذه الآية -: انتهَى عِلْمُ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ بتأويل القرآن إلى أن قالوا: آمنا به، كل من عند ربنا. وهذا القول أقيسُ في العربية وأشبه بظاهر الآية، ويدل لهذا القول وجوه: أحدها: أنه ذم طالب المتشابه بقوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ}. الثاني: أنه مدح الراسخين في العلم بأنهم {يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ}، وقال [في أول البقرة]: {أية : فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِم} تفسير : [البقرة: 26] فهؤلاء الراسخون لو كانوا عالمين بتأويل المتشابه على التفصيل كان لهم في الإيمان به مدحٌ؛ لأن كل من عرف شَيئاً على سبيل التفصيلِ، فلا بد وأن يُؤمن به. الثالث: لو كان قوله: "وَالرَّاسِخًونَ" معطوفاً لصار قوله: {يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} ابتداء، وهو بعيد عن الفصاحة، وكان الأولى أن يُقَالَ: وهم يقولون، أو يقال: ويقولون. فإن قيل: في تصحيحه وجهان: الأول: أن "يَقُولُونَ" خبر مبتدأ، والتقديرُ: هؤلاء العالمون بالتأويل يقولون آمنا. الثاني: أن يكون "يَقُولُونَ" حالاً من الراسخين. فالجواب: أن الأول مدفوع بأن تفسير كلام الله تعالى بما لا يحتاج معه إلى الإضمار أولى، والثاني أن ذا الحال هو الذي تقدم ذكره - وهو الراسخون - فوجب أن يكون قوله: "آمنا به" حالاً من الراسخينَ لا من "الله" وذلك ترك للظاهر. رابعاً: قوله: {كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} معناه أنهم آمنوا بما عرفوا تفصيله، وبما لا يعرفون تفصيله، ولو كانوا عالمين بالتفصيل في الكل، لم يبق لهذا الكلامِ فائدة. وخامسها: نُقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: تفسير القرآن على أربعة أوجه: "تفسير لا يسع أحداً جهلُه، وتفسير تعرفه العربُ بألسنتها، وتفسيرٌ تعرفه العلماء، وتفسيرٌ لا يعلمه إلا اللهُ تعالى". وسئل مالك بن أنس عن قوله: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ} تفسير : [طه: 5] فقال: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة". والرسوخ: الثبوت والاستقرار ثبوتاً متمكّناً، فهو أخص من مطلق الثَّبَاتِ. قال الشاعر: [الطويل] شعر : 1328 - لَقَد ْ رَسَخَتْ فِي الْقَلْبِ مِنِّي مَوَدَّةٌ لِلَيْلَى أبَتْ آيَاتُهَا أن تُغَيَّرا تفسير : "آمَنَّا بِهِ" في محل نصب بالقول، و "كُلٌّ" مبتدأ، أي: كله، والجار بعده خبره، والجملة نصب بالقول أيضاً. فإن قيل: ما الفائدة في لفظ "عِنْدِ" ولو قال: كل من ربنا لحصل المقصود؟ فالجوابُ: أن الإيمان بالمتشابه يحتاج فيه إلى مزيد من التأكيد. فإن قيل: لِمَ حُذِفَ المضاف إليه من "كُلٌّ"؟ فالجوابُ: لأن دلالته على المضاف قوية، فالأمْنُ من اللَّبْسِ بعدَ الحذفِ حاصلٌ. قوله: {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} مَدْحٌ للذين قالوا: آمنا، قال ابنُ عباسٍ ومجاهدٌ والسُّدِّيُّ: بقولهم آمنَّا سماهم الله راسخينَ في العلم، فرسوخهم في العلم قولهم: آمنا به - أي المتشابه - كلٌّ من عند ربنا - المحكم والمتشابه، وما علمناه، وما لم نعلم -. وقيل: الراسخونَ: علماء أهل الكتاب - كعبد الله بن سلام وأصحابه - لقوله تعالى: {أية : لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ مِنْهُم} تفسير : [النساء: 162] يعني الدارسين علم التوراة، وسُئِل مالك بن أنس عن الراسخينَ في العلمِ فقال: العالمُ العاملُ بما عَلِم، المتَّبع له. وقيل: الراسخ في العلم من وُجِدَ في علمه أربعة أشياءٍ: التقوى بينه وبين الله، والتواضع بينه وبين الخلق، والزهد بينه وبين الدنيا، و المجاهدة بينه وبين نفسه. "وَمَا يذكَّرُ" يتَّعظ بما في القرآن {إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} ذوو العقول.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس قال: {المحكمات} ناسخه، وحلاله، وحرامه، وحدوده؛ وفرائضه، وما يؤمن به و {المتشابهات} منسوخه، ومقدمه، ومؤخره، وأمثاله، وأقسامه، وما يؤمن به ولا يعمل به. وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال: {المحكمات} الناسخ الذي يدان به ويعمل به. {المتشابهات} المنسوخات التي لا يدان بهن. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن عبدالله بن قيس: سمعت ابن عباس يقول في قوله {منه آيات محكمات} قال: الثلاث آيات من آخر سورة الأنعام محكمات {أية : قل تعالوا...} تفسير : [الأنعام: 151 - 153] والآيتان بعدها. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس في قوله {آيات محكمات} قال: من ههنا {أية : قل تعالوا...} تفسير : [الأنعام: 151 - 153]. إلى آخر ثلاث آيات. ومن ههنا {أية : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه...}تفسير : [الإسراء: 23 - 25] إلى ثلاث آيات بعدها. وأخرج ابن جرير من طريق السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة بن مسعود وناس من الصحابة {المحكمات} الناسخات التي يعمل بهن {والمتشابهات} المنسوخات. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال {المحكمات} الحلال والحرام. وأخرج عبد بن حميد والفريابي عن مجاهد قال {المحكمات} ما فيه الحلال والحرام، وما سوى ذلك منه متشابه يصدق بعضه بعضاً. مثل قوله {أية : وما يضل به إلا الفاسقين}تفسير : [البقرة: 26] ومثل قوله {أية : كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون}تفسير : [الأنعام: 125] ومثل قوله {أية : والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم} تفسير : [محمد: 17]. وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع قال {المحكمات} هي الآمرة الزاجرة. وأخرج عبد بن حميد وابن الضريس وابن جرير وابن أبي حاتم عن إسحق بن سويد، أن يحيى بن يعمر، وأبا فاختة. تراجعا هذه الآية {هنَّ أم الكتاب} فقال أبو فاختة: هن فواتح السور، منها يستخرج القرآن {الم ذلك الكتاب} منها استخرجت البقرة، و {الم، الله لا إله إلا هو الحي القيوم} منها استخرجت آل عمران، قال يحيى: هن اللاتي فيهن الفرائض، والأمر والنهي، والحلال والحدود، وعماد الدين. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير {هنَّ أم الكتاب} قال: أصل الكتاب، لأنهن مكتوبات في جميع الكتب. وأخرج ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير قال {المحكمات} حجة الرب، وعصمة العباد، ودفع الخصوم والباطل، ليس لها تصريف ولا تحريف عما وضعت عليه {وأخر متشابهات} في الصدق لهن تصريف وتحريف وتأويل، ابتلى الله فيهن العباد كما ابتلاهم في الحلال والحرام، لا يصرفن إلى الباطل، ولا يحرفن عن الحق. وأخرج ابن جرير عن مالك بن دينار قال: سألت الحسن عن قوله {أم الكتاب} قال: الحلال والحرام قلت له فـ {أية : الحمد لله رب العالمين}تفسير : [الفاتحة: 1] قال: هذه أم القرآن. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: إنما قال {هن أم الكتاب} لأنه ليس من أهل دين إلا يرضى بهن {وأخر متشابهات} يعني فيما بلغنا {الم} و (المص) و (المر) و (الر). وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير قال {المتشابهات} آيات في القرآن يتشابهن على الناس إذا قرأوهن. ومن أجل ذلك يضل من ضل، فكل فرقة يقرؤون آية من القرآن يزعمون أنها لهم، فمنها يتبع الحرورية من المتشابه قول الله {أية : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} تفسير : [المائدة: 44] ثم يقرؤون معها {أية : والذين كفروا بربهم يعدلون}تفسير : [الأنعام: 1] فإذا رأوا الامام يحكم بغير الحق قالوا: قد كفر فمن كفر عدله بربه، ومن عدل بربه فقد أشرك بربه. فهؤلاء الأئمة مشركون. وأخرج البخاري في التاريخ وابن جرير من طريق ابن إسحق عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن جابر بن عبد الله بن رباب قال "حديث : مر أبو ياسر بن أخطب، فجاء رجل من يهود لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو فاتحة سورة البقرة {الم ذلك الكتاب لا ريب فيه}. فأتى أخاه حيي بن أخطب في رجال من اليهود، فقال أتعلمون؟ والله لقد سمعت محمداً يتلو فيما أنزل عليه {الم، ذلك الكتاب} فقال: أنت سمعته قال: نعم. فمشى حتى وافى أولئك النفر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: الم تقل إنك تتلو فيما أنزل عليك {الم، ذلك الكتاب}؟ فقال: بلى، فقالوا: لقد بعث بذلك أنبياء ما نعلمه بين لنبي منهم ما مده ملكه، وما أجل أمته غيرك. الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة. ثم قال: يا محمد هل مع هذا غيره؟ قال: نعم. (المص) قال: هذه أثقل وأطول! الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد تسعون، هذه إحدى وثلاثون ومائة. هل مع هذا غيره؟ قال: نعم. (الر) قال: هذه أثقل وأطول! الألف واحدة، واللام ثلاثون، والراء مائتان. هذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة. هل مع هذا غيره؟ قال: نعم. (المر) قال: هذه أثقل وأطول. هذه إحدى وسبعون ومائتان. ثم قال: لقد لبس علينا أمرك حتى ما ندري أقليلاً أعطيت أم كثيراً!. ثم قال: قوموا عنه. ثم قال أبو ياسر لأخيه ومن معه: ما يدريكم لعله قد جمع هذا كله لمحمد. إحدى وسبعون، وإحدى وثلاثون ومائة، وإحدى وثلاثون ومائتان، وإحدى وسبعون ومائتان، فذلك سبعمائة وأربع سنين! فقالوا: لقد تشابه علينا أمره، فيزعمون أن هذه الآيات نزلت فيهم {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} "تفسير : . وأخرج يونس بن بكير في المغازي عن ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وجابر بن رباب، "حديث : أن أبا ياسر بن أخطب مر بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ (فاتحة الكتاب، والم، ذلك الكتاب) فذكر القصة"تفسير : . وأخرجه ابن المنذر في تفسيره من وجه آخر عن ابن جريج معضلاً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس {فأما الذين في قلوبهم زيغ} يعني أهل الشك. فيحملون المحكم على المتشابه، والمتشابه على المحكم، ويلبسون فلبس الله عليهم {وما يعلم تأويله إلا الله} قال: تأويله يوم القيامة لا يعلمه إلا الله. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود {زيغ} قال: شك. وأخرج عن ابن جريج قال {الذين في قلوبهم زيغ} المنافقون. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله {فيتبعون ما تشابه منه} قال: الباب الذي ضلوا منه وهلكوا فيه {ابتغاء تأويله} وفي قوله {ابتغاء الفتنة} قال: الشبهات. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والدارمي وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن أبي حبان والبيهقي في الدلائل من طرق عن عائشة قالت "حديث : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ} إلى قوله {أولوا الألباب} فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم"تفسير : . ولفظ البخاري: فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم. وفي لفظ لابن جرير: إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه سمى الله فاحذروهم. وفي لفظ لابن جرير: إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه والذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فلا تجالسوهم". وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه} قال: هم الخوارج. وفي قوله {أية : يوم تبيض وجوه وتسودُّ وجوه}تفسير : [آل عمران: 106] قال: هم الخوارج. وأخرج الطبراني عن أبي مالك الأشعري، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : لا أخاف على أمتي إلا ثلاث خلال: أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيقتتلوا، وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذَّكَّرُ إلا أولوا الألباب} ، وأن يزداد علمهم فيضيعوه ولا يبالوا به ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال "حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مما أتخوف على أمتي؛ أن يكثر فيهم المال حتى يتنافسوا فيه فيقتتلوا عليه، وإن مما أتخوف على أمتي أن يُفْتَحَ لهم القرآن حتى يقرأه المؤمن والكافر والمنافق فيحل حلاله المؤمن . تفسير : أما قوله تعالى: {ابتغاء تأويله} الآية. أخرج أبو يعلى عن حذيفة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن في أمتي قوماً يقرؤون القرآن ينثرونه نثر الدقل، يتأوّلونه على غير تأويله ". تفسير : وأخرج ابن سعد وابن الضريس في فضائله وابن مردويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على قوم يتراجعون في القرآن وهو مغضب فقال: بهذا صلت الأمم قبلكم، باختلافهم على أنبيائهم، وضرب الكتاب بعضه ببعض. قال: وإن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضاً، ولكن نزل أن يصدق بعضه بعضاً، فما عرفتم منه فاعلموا به، وما تشابه عليكم فآمنوا به ". تفسير : وأخرج أحمد من وجه آخر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "حديث : سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قوماً يتدارأون فقال: إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضاً، فلا تكذبوا بعضه ببعض، فما علمتم منه فقولوا، وما جهلتم فَكِلُوه إلى عالِمِهِ ". تفسير : وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه وأبو نصر السجزي في الابانة عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف. زاجر وآمر، وحلال وحرام، ومحكم ومتشابه وأمثال، فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نُهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا {آمنا به كل من عند ربنا} "تفسير : وأخرجه ابن أبي حاتم عن ابن مسعود. موقوفاً. وأخرج الطبراني عن عمر بن أبي سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن مسعود "حديث : إن الكتب كان تنزل من السماء، من باب واحد، وأن القرآن نزل من سبعة أبواب على سبعة أحرف، حلال وحرام، ومحكم ومتشابه، وضرب أمثال، وآمر وزاجر، فأحل حلاله، وحرم حرامه، واعمل بمحكمه، وقف عند متشابهه، واعتبر أمثاله، فإن كلا من عند الله {وما يذّكَّر إلا أولوا الألباب} ". تفسير : وأخرج ابن النجار في تاريخ بغداد بسند واهٍ عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته: "حديث : أيها الناس قد بين الله لكم في محكم كتابه ما أحل لكم وما حرم عليكم. فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، وآمنوا بمتشابهه، واعلموا بمحكمه، واعتبروا بأمثاله ". تفسير : وأخرج ابن الضريس وابن جرير وابن المنذر عن ابن مسعود قال: أنزل القرآن على خمسة أوجه: حرام، وحلال، ومحكم، ومتشابه، وأمثال. فأحل الحلال، وحرم الحرام، وآمن بالمتشابه، واعمل بالمحكم، واعتبر بالأمثال. وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن ابن مسعود قال: إن القرآن أنزل على نبيكم صلى الله عليه وسلم من سبعة أبواب على سبعة أحرف، وأن الكتاب قبلكم كان ينزل من باب واحد على حرف واحد. وأخرج ابن جرير ونصر المقدسي في الحجة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : نزل القرآن على سبعة أحرف. المراء في القرآن كفر. ما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عَالِمِهِ ". تفسير : وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أعربوا القرآن واتبعوا غرائبه، وغرائبه فرائضه وحدوده. فإن القرآن نزل على خمسة أوجه: حلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال. فاعملوا بالحلال، واجتنبوا الحرام، واتبعوا المحكم، وآمنوا بالمتشابه، واعتبروا بالأمثال ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إن القرآن ذو شجون، وفنون، وظهور، وبطون. لا تنقضي عجائبه، ولا تبلغ غايته. فمن أوغل فيه برفق نجا، ومن أوغل فيه بعنف غوى. أخبار وأمثال وحرام وحلال، وناسخ ومنسوخ، ومحكم ومتشابه، وظهر وبطن. فظهره التلاوة، وبطنه التأويل. فجالسوا به العلماء، وجانبوا به السفهاء، وإياكم وزلة العالم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع أن النصارى قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ألست تزعم أن عيسى كلمة الله، وروح منه؟ قال: بلى. قالوا: فحسبنا ... فأنزل الله {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة}. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري في كتاب الأضداد والحاكم وصححه عن طاوس قال: كان ابن عباس يقرؤها "وما يعلم تأويله إلا الله ويقول الراسخون في العلم آمنا به" وأخرج أبو داود في المصاحف عن الأعمش قال: في قراءة عبد الله "وان حقيقة تأويله إلا عند الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به". وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبن أبي مليكة قال: قرأت على عائشة هؤلاء الآيات فقالت: كان رسوخهم في العلم أن آمنوا بمحكمه ومتشابهه {وما يعلم تأويله إلا الله} ولم يعلموا تأويله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي الشعثاء وأبي نهيك قالا: إنكم تصلون هذه الآية وهي مقطوعة {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا} فانتهى عملهم إلى قولهم الذي قالوا. وأخرج ابن جرير عن عروة قال {الراسخون في العلم} لا يعلمون تأويله، ولكنهم يقولون {آمنا به كل من عند ربنا}. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عمر بن عبد العزيز قال: انتهى علم الراسخين في العلم بتأويل القرآن إلى أن قالوا {آمنا به كل من عند ربنا} . وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن أبي قال: كتاب الله ما استبان منه فاعمل به، وما اشتبه عليك فآمن به وَكِلْهُ إلى عالمه. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: إن للقرآن مناراً كمنار الطريق، فما عرفتم فتمسكوا به، وما اشتبه عليكم فذروه. وأخرج ابن أبي شيبة عن معاذ قال: القرآن منار كمنار الطريق ولا يخفى على أحد، فما عرفتم منه فلا تسألوا عنه أحداً، وما شككتم فيه فكلوه إلى عالمه. وأخرج ابن أبي جرير من طريق أشهب عن مالك في قوله {وما يعلم تأويله إلا الله} قال: ثم ابتدأ فقال {والراسخون في العلم يقولون آمنا به} وليس يعلمون تأويله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن أنس وأبي أمامة وواثلة بن الأسقع وأبي الدرداء "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن {الراسخين في العلم} فقال: من برت يمينه، وصدق لسانه، واستقام قلبه، ومن عف بطنه وفرجه. فذلك من الراسخين في العلم ". تفسير : وأخرج ابن عساكر من طريق عبد الله بن يزيد الأودي. سمعت أنس بن مالك يقول حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم من {الراسخون في العلم} ؟ قال: "من صدق حديثه، وبر في يمينه، وعف بطنه وفرجه. فذلك {الراسخون في العلم}" . تفسير : وأخرج ابن المنذر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: تفسير القرآن على أربعة وجوه: تفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعذر الناس بجهالته من حلال أو حرام، وتفسير تعرفه العرب بلغتها، وتفسير لا يعلم تأويله إلا الله. من ادعى علمه فهو كاذب. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أُنْزِلَ القرآن على سبعة أحرف: حلال وحرام لا يعذر أحد بالجهالة به، وتفسير تفسره العرب، وتفسير تفسره العلماء، ومتشابه لا يعلمه إلا الله. ومن ادعى علمه سوى الله فهو كاذب ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري من طريق مجاهد عن ابن عباس قال: أنا ممن يعلم تأويله. وأخرج ابن جرير عن الربيع "والراسخون في العلم يعلمون تأويله ويقولون آمنا به". وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس {يقولون آمنا به} نؤمن بالمحكم وندين به، ونؤمن بالمتشابه ولا ندين به. وهو من عند الله كله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس {كل من عند ربنا} يعني ما نسخ منه وما لم ينسخ. وأخرج الدارمي في مسنده ونصر المقدسي في الحجة عن سليمان بن يسار، أن رجلاً يقال له صبيغ قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فأرسل إليه عمر وقد أَعَدَّ له عراجين النخل فقال: من أنت؟ فقال: أنا عبدالله صبيغ فقال: وأنا عبدالله عمر. فأخذ عمر عرجوناً من تلك العراجين، فضربه حتى دمى رأسه فقال: يا أمير المؤمنين حسبك... قد ذهب الذي كنت أجد في رأسي. وأخرج الدارمي عن نافع، إن صبيغاً العراقي جعل يسأل عن أشياء من القرآن في أجناد المسلمين حتى قدم مصر، فبعث به عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب، فلما أتاه أرسل عمر إلى رطائب من جريد، فضربه بها حتى ترك ظهره دبرة، ثم تركه حتى برئ، ثم عاد له، ثم تركه حتى برئ، فدعا به ليعود له فقال صبيغ: إن كنت تريد قتلي فاقتلني جميلاً، وإن كنت تريد أن تداويني فقد ـ والله ـ برأت. فأذن له إلى أرضه، وكتب إلى أبي موسى الأشعري أن لا يجالسه أحد من المسلمين. وأخرج ابن عساكر في تاريخه عن أنس. أن عمر بن الخطاب جلد صبيغاً الكوفي في مسألة عن حرف من القرآن حتى اطردت الدماء في ظهره. وأخرج ابن الأنباري في المصاحف ونصر المقدسي في الحجة وابن عساكر عن السائب بن يزيد، أن رجلاً قال لعمر: إني مررت برجل يسأل عن تفسير مشكل القرآن. فقال عمر: اللهم أمكني منه. فدخل الرجل يوماً على عمر فسأله، فقام عمر، فحسر عن ذراعيه، وجعل يجلده ثم قال: ألبسوه تباناً واحملوه على قتب، وابلغوا به حيه، ثم ليقم خطيب فليقل أن صبيغاً طلب العلم فاخطأه، فلم يزل وضيعاً في قومه بعد أن كان سيداً فيهم. وأخرج نصر المقدسي في الحجة وابن عساكر عن أبي عثمان النهدي، إن عمر كتب إلى أهل البصرة، أن لا يجالسوا صبيغاً، قال: فلو جاء ونحن مائة لتفرقنا. وأخرج ابن عساكر عن محمد بن سيرين قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري أن لا يجالس صبيغاً، وأن يحرم عطاءه ورزقه. وأخرج نصر في الحجة وابن عساكر عن زرعة قال: رأيت صبيغ بن عسل بالبصرة كأنه بعير أجرب، يجيء إلى الحلقة ويجلس وهم لا يعرفونه، فتناديهم الحلقة الأخرى: عزمة أمير المؤمنين عمر فيقومون ويدعونه. وأخرج نصر في الحجة عن أبي إسحق، أن عمر كتب إلى أبي موسى الأشعري. أما بعد... فإن الأصبغ تكلف ما يخفى وضيع ما ولي، فإذا جاءك كتابي هذا فلا تبايعوه، وإن مرض فلا تعودوه، وإن مات فلا تشهدوه. وأخرج الهروي في ذم الكلام عن الإِمام الشافعي رضي الله عنه قال: حكمي في أهل الكلام حكم عمر في صبيغ، أن يضربوا بالجريد، ويحملوا على الإِبل، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، وينادى عليهم؛ هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأقبل على علم الكلام. وأخرج الدارمي عن عمر بن الخطاب قال: إنه سيأتيكم ناس يجادلونكم بشبهات القرآن، فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله. وأخرج نصر المقدسي في الحجة عن ابن عمرو "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه وهم يتنازعون في القرآن. هذا ينزع بآية، وهذا ينزع بآية. فكأنما فقىء في وجهه حب الرمان فقال:ألهذا خلقتم، أو لهذا أمرتم أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض، انظروا ما أمرتم به فاتبعوه، وما نهيتم عنه فانتهوا ". تفسير : وأخرج أبو داود والحاكم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الجدال في القرآن كفر ". تفسير : وأخرج نصر المقدسي في الحجة عن ابن عمرو رضي الله عنهما قال: "حديث : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن وراء حجرته قوم يتجادلون في القرآن. فخرج محمرة وجنتاه كأنما تقطران دماً فقال: يا قوم لا تجادلوا بالقرآن، فإنما ضَلَّ من كان قبلكم بجدالهم، إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضاً ولكن نزل ليصدق بعضه بعضاً، فما كان من محكمه فاعملوا به، وما كان من متشابهه فآمنوا به ". تفسير : وأخرج نصر في الحجة عن أبي هريرة قال: كنا عند عمر بن الخطاب إذ جاءه رجل يسأله عن القرآن أمخلوق هو أو غير مخلوق؟ فقام عمر فأخذ بمجامع ثوبه حتى قاده إلى علي بن أبي طالب فقال: يا أبا الحسن أما تسمع ما يقول هذا؟ قال: وما يقول؟! قال: جاءني يسألني عن القرآن أمخلوق هو أو غير مخلوق. فقال علي: هذه كلمة وسيكون لها ثمرة، لو وَليتُ من الأمر ما وَلِيتَ ضربت عُنقَه. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {فأما الذين في قلوبهم زيغ...} الآية قال: طلب القوم التأويل فأخطأوا التأويل وأصابوا الفتنة, واتبعوا ما تشابه منه فهلكوا بين ذلك. وأخرج ابن الأنباري في كتاب الأضداد عن مجاهد قال: الراسخون في العلم يعلمون تأويله، ويقولون آمنا به.

ابو السعود

تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ} شروعٌ في إبطال شُبَهِهم الناشئةِ عما نَطَق به القرآن في نعت عيسى عليه السلام بطريق الاستئناف إثرَ بـيان اختصاصِ الربوبـية ومناطِها به سبحانه وتعالى تارةً بعد أخرى وكونِ كل مَنْ عداه مقهوراً تحت مَلَكوته تابعاً لمشيئته. قيل: حديث : إن وفدَ نجرانَ قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ألست تزعُم يا محمد أن عيسى كلمةُ الله وروح منه؟ قال عليه السلام: «بلى» قالوا: فحسبُنا ذلك. فنعىٰ عليهم زيغَهم وفتنتَهم وبـيّن أن الكتابَ مؤسسٌ على أصول رصينةٍ وفروعٍ مَبْنية عليها ناطقةٍ بالحق قاضيةٍ ببطلان ما هم عليه من الضلالتفسير : ، والمرادُ بالإنزال القدرُ المشتركُ المجرَّدُ عن الدِلالة على قيد التدريج وعدمِه، ولامُ الكتاب للعهد، وتقديمُ الظرف عليه لما أشير إليه فيما قبل من الاعتناءِ بشأن بشارتِه عليه السلام بتشريف الإنزال عليه ومن التشويق إلى ما أُنزل، فإن النفسَ عند تأخير ما حقُّه التقديمُ - لا سيما بعد الإشعار برفعة شأنِه أو بمنفعته - تبقىٰ مترقبةً له فيتمكن لديها عند ورودِه عليها فضلُ تمكُّنٍ وليتصل به تقسيمه إلى قسميه {مِنْهُ آيَـٰتٌ} الظرفُ خبر، وآياتٌ مبتدأ أو بالعكس بتأويل مر تحقيقه في قوله تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ }تفسير : [البقرة، الآية 8] الآية، والأولُ أوفقُ بقواعد الصناعة، والثاني أدخلُ في جزالة المعنى إذ المقصودُ الأصليّ انقسامُ الكتاب إلى القسمين المعهودين لا كونُهما من الكتاب فتذكّرْ، والجملة مستأنفة في حيز النصب على الحالية من الكتاب أي هو الذي أنزل الكتابَ كائناً على هذه الحال منقسماً إلى مُحْكَمٍ ومتشابهٍ أو الظرفُ هو الحال وحدَه وآياتٌ مرتفعٌ به على الفاعلية {مُّحْكَمَـٰتٌ} صفةُ آياتٌ أي قطعيةُ الدِلالة على المعنى المراد، مُحْكمةُ العبارةِ محفوظةٌ من الاحتمال والاشتباه {هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ} أي أصلٌ فيه وعُمدةٌ يُردُّ إليها غيرُها فالمرادُ بالكتابِ كلُّه، والإضافة بمعنى في كما في واحد العشرةِ لا بمعنى اللام فإن ذلك يؤدي إلى كون الكتاب عبارةً عما عدا المحكماتِ، والجملةُ إما صفةٌ لما قبلها أو مستأنفةٌ وإنما أفرد الأم مع تعدد الآيات لما أن المراد بـيانُ أصليةِ كل واحدةٍ منها أو بـيانُ أن الكل بمنزلة آية واحدة كما في قوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَـٰهَا وَٱبْنَهَا ءايَةً لّلْعَـٰلَمِينَ}تفسير : [الأنبياء، الآية 91] وقيل: اكتُفيَ بالمفرد عن الجمع كما في قول الشاعر: [الطويل] شعر : بها جِيَفُ الحسْرى فأما عظامُها فبِـيضٌ وأما جِلْدُها فصَليبُ تفسير : أي وأما جلودها {وَأُخَرُ} نعتُ المحذوف معطوفٌ على آياتٌ أي وآياتٌ أخَرُ وهي جمع أخرى، وإنما لم ينصَرِفْ لأنه وصف معدول عن الآخِر أو عن آخر من {مُتَشَـٰبِهَـٰتٌ} صفة لأخَرُ وفي الحقيقة صفةٌ للمحذوف أي محتمِلاتٌ لمعانٍ متشابهة لا يمتاز بعضها عن بعض في استحقاق الإرادة بها ولا يتضح الأمرُ إلا بالنظر الدقيق والتأملِ الأنيق، فالتشابه في الحقيقة وصفٌ لتلك المعاني وُصف به الآياتُ على طريقة وصف الدالِّ بوصف المدلول، وقيل: لما كان من شأن الأمور المتشابهة أن يعجِزَ العقل عن التميـيز بـينها سُمِّي كل ما لا يهتدي إليه العقل متشابهاً وإن لم يكن ذلك بسبب التشابه كما أن المُشكِل في الأصل ما دخل في أشكاله وأمثاله ولم يُعلم بعينه، ثم أطلق على كل غامض وإن لم يكن غموضُه من تلك الجهة، وإنما جعل ذلك كذلك ليظهر فضلُ العلماء ويزدادَ حِرصهم على الاجتهاد في تدبرها وتحصيل العلوم التي نيط بها استنباطُ ما أريد بها من الأحكام الحقة فينالوا بها وبإتعاب القرائح في استخراج مقاصدِها الرائقة ومعانيها اللائقة المدارجَ العالية ويعرِّجوا بالتوفيق بـينها وبـين المُحْكمات من اليقين والاطمئنان إلى المعارج القاصيةِ، وأما قولُه عز وجل: {أية : الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ ءايَـٰتُهُ } تفسير : [هود، الآية 1] فمعناه أنها حُفِظت من اعتراء الخلل أو من النسخ، أو أُيِّدت بالحُجج القاطعةِ الدالةِ على حقِّيتها أو جُعلت حكيمةً لانطوائها على جلائل الحِكَم البالغةِ ودقائقِها، وقوله تعالى: {أية : كِتَـٰباً مُّتَشَـٰبِهاً مَّثَانِيَ} تفسير : [الزمر، الآية 23] معناه متشابهُ الأجزاء أي يشبه بعضُها بعضاً في صحة المعنىٰ وجزالةِ النظم وحقية المدلول. {فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} أي ميلٌ عن الحق إلى الأهواء الباطلة. قال الراغبُ: الزيغُ الميلُ عن الاستقامة إلى أحد الجانبـين، وفي جعل قلوبهم مقراً للزيغ مبالغةٌ في عدولهم عن سَنن الرشاد وإصرارِهم على الشر والفساد {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنْهُ} مُعْرضين عن المُحْكمات أي يتعلقون بظاهر المتشابه من الكتاب أو بتأويل باطلٍ لا تحرِّياً للحق بعد الإيمان بكونه من عند الله تعالى بل {ٱبْتِغَاء ٱلْفِتْنَةِ} أي طلبَ أن يفتِنوا الناسَ عن دينهم بالتشكيك والتلبـيس ومناقضةِ المُحكم بالمتشابه كما نُقل عن الوفد {وَٱبْتِغَاء تَأْوِيلِهِ} أي وطلبَ أن يؤوّلوه حسبما يشتهونه من التأويلات الزائغةِ والحال أنهم بمعزل من تلك الرتبة وذلك قوله عز وجل: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱلرسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ} فإنه حالٌ من ضمير {فَيَـتَّبِعُونَ} باعتبار العلة الأخيرة أي يتّبعون المتشابهِ لابتغاء تأويلِه والحالُ أنه مخصوصٌ به تعالى وبمن وفّقه له من عباده الراسخين في العلم أي الذين ثبَتوا وتمكّنوا فيه ولم يتزلزلوا في مزالِّ الأقدام، وفي تعليل الاتّباعِ بابتغاء تأويلِه دون نفسِ تأويلِه وتجريدِ التأويل عن الوصف بالصحة أو الحقية إيذانٌ بأنهم ليسوا من التأويل في شيء وأن ما يبتغونه ليس بتأويل أصلاً لا أنه تأويلٌ غيرُ صحيح قد يُعذر صاحبه، ومن وقف على {إِلاَّ ٱللَّهُ} فسّر المتشابهَ بما استأثر الله عز وعلا بعلمه كمدة بقاءِ الدنيا ووقتِ قيام الساعة وخواصِّ الأعداد كعدد الزبانية أو بما دل القاطعُ على عدم إرادة ظاهرِه ولم يدل على ما هو المراد به. {يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ} أي بالمتشابه، وعدمُ التعرُّض لإيمانهم بالمُحْكم لظهوره، أو بالكتاب والجملة على الأول استئنافٌ موضِّحٌ لحال الراسخين أو حال منه وعلى الثاني خبر لقوله تعالى: {وَٱلرسِخُونَ} وقوله تعالى: {كُلٌّ مّنْ عِندِ رَبّنَا} من تمام المَقول مقرِّر لما قبله ومؤكِّد له أي كلُّ واحدٍ منه ومن المحكم، أو كلُّ واحدٍ من متشابهه ومحكَمِه منزلٌ من عنده تعالى لا مخالفةَ بـينهما، أو آمنا به وبحقيته على مراده تعالى {وَمَا يَذَّكَّرُ} حقَّ التذكر {إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَـٰبِ} أي العقولِ الخاصةِ عن الركون إلى الأهواء الزائغةِ وهو تذيـيلٌ سيق من جهته تعالى مدحاً للراسخين بجَوْدة الذهن وحسنِ النظر وإشارةً إلى ما به استعدوا للاهتداء إلى تأويله من تجرد العقلِ عن غواشي الحِسِّ، وتعلقُ الآيةِ الكريمة بما قبلها من حيث إنها جوابٌ عما تشبّث به النصارى من نحو قوله تعالى: {أية : وَكَلِمَتُهُ أَلْقَـٰهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مّنْهُ} تفسير : [النساء، الآية 171] على وجه الإجمال وسيجيء الجوابُ المفصل بقوله تعالى: {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [آل عمران، الآية 59].

التستري

تفسير : قوله: {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ}[7] يعني الكفر. {وَٱبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ}[7] يعني تفسيره على ما يوافق هوى نفوسهم. {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ}[7] قال ابن عباس رضي الله عنهما: أنزل القرآن على أربعة أحرف، حلال وحرام لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير تفسره العرب، وتفسير تفسره العلماء، ومتشابه لا يعلمه إلاَّ الله تعالى، فمن ادعى علمه سوى الله عزَّ وجلَّ فهو كاذب. قوله: {وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ}[7] قال: حكي عن علي رضي الله عنه: هم الذين حجبهم العلم عن الاقتحام بالهوى والحجج المضروبة، دون الغيوب لما هداهم الله وأشرفهم على أسراره المغيبة في خزائن العلوم فقالوا: {آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا}[7] فشكر الله تعالى لهم وجعلهم أهل الرسوخ والمبالغة في العلم زيادة منه لهم، كما قال الله تعالى: {أية : وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً}تفسير : [طه:114] قال سهل: استثنى الله تبارك وتعالى الراسخين في العلم بقولهم: {كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا}[7] يعني الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه، وهم الكاشفون عن العلوم الثلاثة إذ العلماء ثلاثة: الربانيون والنورانيون والذاتيون، وبعد العلوم الأربعة: الوحي والتجلي والعندي واللدني، كما قال تعالى: {أية : آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً} تفسير : [الكهف:65]، {أية : وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ}تفسير : [البقرة:269] أي وما يتذكر إلاَّ أولو الفهم والعقول الذين يقولون: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا}[8] أي لا تُمل قلوبنا عن الإيمان بعد إذ هديتنا بهداية منك، {وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْوَهَّابُ}[8] لمن رجع إليك بالافتقار والتضرع والمسكنة. ثم قال سهل: ليس للعبد حيلة سوى أن يواظب في جميع عمره على قول: "رب سلم سلم، الأمان الأمان، الغوث الغوث". قال الله تعالى: {أية : كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ}تفسير : [الأعراف:29] يعني ينبغي للموحد أن يعلم يقيناً أنه ليس كل من أحب الحق أحبه، لأن إبليس قابله بعلاء الحب فقال: {أية : أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً}تفسير : [الإسراء:61] وأنت الله لا يجوز أن يعبد غيرك، حتى لعنه. فليس كل من تقرب إليه قبله وليس كل من أطاعه قبل طاعته، إنه بصير بما في الضمير، فلا يأمن أحد أن يفعل به كما فعل بإبليس لعنه بأنوار عصمته، وهو عنده في حقائق لعنته، ستر عليه ما سبق منه إليه حتى عاقبه بإظهاره عليه، فليس للعبد إلاَّ استدامة الغوث بين يديه. وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : يا ثابت المثبتين ثبتني بثباتك، يا ثابت الوحدانية لا إله إلاَّ أنت، سبحانك إني كنت من الظالمين"تفسير : . وكان يقول: "حديث : يا ولي الإسلام وأهله ثبتني بالإسلام حتى ألقاك به"تفسير : ، قال: وموضع الإيمان بالله تعالى القلب، وموضع الإسلام الصدر، وفيه تقع الزيادة والنقصان.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ} [الآية: 7]. قال أبو عثمان: هو فاتحةُ الكتاب التى لا تجزئ الصلاةُ إلا بها. قال محمد بن الفضل: هو سورة الإخلاص، لأنه ليس فيه إلا التوحيد فقط. قوله تعالى: {ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ}. قال الواسطى: هم الذين رسخوا بأزواجِهم فى غيب الغيب فى سِّر السِّر فعرفهم ما عرفهُم، وخاضوا فى بحر العلم بالفهمِ لطلبِ الزيادةِ، فانكشفَ لهم من مدخور الخزائنِ تحت كل حرفٍ منه من الفهمِ وعجائب الخطاب فنطقوا بالحكم. قال الخرَّاز: هُمُ الذين كملُوا فى جميع العلوم وعرّفُوها واطلعُوا على هِمم الخلائق كلهم أجمعين. قال بعضهم: الراسخ من قُوربَ روحه فى ذاته، وكُوشفَ بصفاته وخُوطبَ بذاته. قال بعضهم: الراسخ من طُولعَ على محل المراد من الخطاب.

القشيري

تفسير : جَنَّسَ عليهم الخطاب؛ فمِنْ ظاهرٍ واضح تنزيله، ومن غامض مشكل تأويله. القِسْم الأول لبسط الشرع واهتداء أهل الظاهر، والقِسْم الثاني لصيانة الأسرار عن اطلاع الأجانب عليها، فسبيلُ العلماء الرسوخُ في طلب معناه على ما يوافق الأصول، فما حصل عليه الوقوف فمُقَابَلٌ بالقبول، وما امتنع من التأثر فيه بمعلول الفكر سلَّموه إلى عالم الغيب. وسبيل أهل الإشارة والفهم إلقاء السمع بحضور القلب، فما سنح لفهومهم من لائح التعريفات بَنَوْا (عليه) إشارات الكشف. إنْ (طولبوا) باستدامة الستر وطيِّ السِّر تخارسوا عن النطق، وإنْ أُمِروا بالإظهار والنشر أطلقوا بيان الحق، ونطقوا عن تعريفات الغيبة، فأمَّا الذين أُيِّدوا بأنوار البصائر فمستضيئون بشعاع شموس الفهم، وأمّا الذين ألبسوا غطاء الريب، وحرموا لطائف التحقيق، فتتقسم بهم الأحوال وتَتَرجَّمُ بهم الظنون، ويطيحون في أودية الرَّيْبِ والتلبيس، فلا يزدادون إلا جهلاً على جهل، ونفوراً على شك. قوله جلّ ذكره: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ}. ومَنْ وجد علمه من الله فيكون إيمانهم بلا احتمال جولان خواطر التجويز بل عن صريحات الظهور، وصافيات اليقين. وأمّا أصحاب العقول الصاحية ففي صحبة التذكر، لظهور البراهين و(....) أحكام التحصيل.

البقلي

تفسير : {مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ} المحكمات التى لا تتبدل مما كانت فى الازل وهى ايات لا بد للمؤمنين من استعمال اوامرها لانها فى اصلاح الخلق وثبت ايمانهم بمنزلة الدواء للمرضى قال ابو عثمن هى فاتحة الكتاب التى لا تجزى الصلوة الا بها وقال محمد من الفضل سورة الاخلاص لانه ليس فيها التويحد فقط {هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ} اى مدار اوامر الكتاب و---- اصول المعاملات وبينت اشجار الايمان فى قلوب اهل المداناة بنعت ----- لارواح فى اقتباس ---- {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} هى اوصاف التباس الصفات وظهور الذات فى مراة الشواهد والايات {فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَاءَ} اهل التقليد يخوضون فى المتشابهات طلبا للتوحيد وهم بمعزل عن شهوده لانهم اصحاب الوهم وصاحب الوهم لا يعرف حقيقة الاشياء المحدثة فكيف يعرف وجود الحق برسم الوهم واذا كان يطلب علوم المتشابهة لم يبلغ حقيقتها ويقع فى الفتنة ولهذا قال عليه السلام تفكروا فى الاء الله ولا تتكفرو فى ذات الله ومن لا يعبر بحار حقائق اليقين ولم ينظر فى مراة التحقيق ورسم فى المتشابهات يسقط عن مرسوم ايماننه ولا يبلغ معانى متشابهات لانه مقام اهل العشق الذى يرون الحق فى كل شئ كما قال بعض اهل المعانى ما نظرت الى شئ الا ورايت الله فيه هذا وصف ظهور التجلى فى مراة الكون كان الحق تعالى جل فى الاشياء لانه منزه عن اشكال الحلول {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ} خص نفسه جل جلاله بحقيقة علم تشابه اسرار الالتباس هيأت الجبروت فى الملكوت بنعت ظهور تجليه لاهل حقيقة التوحيد والتفريد واضاف الى اوليائه من اهل العشق خاصة طرفا من علم المشاهدة بنعت الالتباس فى حقيقة المكاشفة {يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} ايمان مشاهدة وحقيقة علم وعرفان مكاشفة والراسخون هم الذين كشف لهم اسرار العلوم اللدنية وعجائب معلومات الاخرة الخارجة من انصار الطاهرة وايضا الراسخ الربانى الذى تخلق بخلق الحق جلت عظمته ان يكون له كفوا وقال الواسطى هم الذين رسخوا بارواحهم فى غيب الغيب فى سر السر فعرفهم ما عرفهم وخاضوا فى ابحر العلم بالفهم لطلب الزيادات ما كشف لهم من مدخور الخزائن تحت كل حرق منه من الفهم وعجائب الخطاب فنطقوا بالحكم وقال سهل الرسوخ فى العلم زيادة بيان ونرو من الله كما قال رب زدنى علما وقال الراسخ فى العلم من علوم المكاشفة ربانى نور انى وزانى واحكام العلوم اربعة الوحى والتجلى والعندى واللدنى وقال بعضهم الراسخ فى العلم من طوع على محل المراد من الخطاب وصف اللاستاد رحمه الله اهل اليقين واهل الزيغ قال اما الذين ايدوا بانوار البصائر فمستضيئون بشعاع شموس الفهم واما الذين اسبلوا غطاء الريب وحرموا الطائف التحقيق فينقسم بهم الاحوال وترتجم لهم الظنون ------- التلبيس فلا يزداد دون الا جحدا على جحد ونقورا على شك قال ومن وجد علم التاويل من الله عز وجل فيكون ايمانهم بلا احتمال لحولان خواطر التجريد بل عن صريحات الظهور وصافيات اليقين قال واصحاب العقول الصاحبة هم فى صحة التذكير لوجود البراهين وستر احكام التحصيل وايضا الراسخون فى العلم هم الشاهدون بنعت الارواح قبل الاشباح فى ديوان الازل قد عاينوا مكنونات اسرار خصائص العلوم القدمية وفهموا منها عواقب شانهم فى مجدارج البقاء سخروا فى بحر عين اليقين ولم يتزلزلوا فى ظهور الحكومات بنعت التصاريف والتحويل والمكرو الخديعة فمل نيهزموا عن صولات القهر وتخويفه وثبتوا صدمات الله وفى الله فيما ظهر من الله من رسم المحو والطمس وعلموا ان جميعها ابتلاء وامتحان فسكنوا فى العبودية رسما ورسخوا فى مشاهدة الربوبية حقيقة وصرفا قوله تعالى {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} اى لا تزغ قلوبنا بقدان الطمانية بذكرك وايضا لا تزغ قلوبنا عن قربك ومحتبك بعداد هديتنا الى نمعرفتك ومحتبك {وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً} علما خاصا ومعرفة تامة {إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْوَهَّابُ} وهب ما لا يحصى شكره وقال سهل رجع قوم للتضرع اليه والمسكنة بين يديه بعد اذ هديتنا اى لا تمل بقلوبنا واسرارنا عن الايمان بك اذ منيت علينا به وقال جعفر لا تنزل قلوبنا عنك بعد اذ هديتنا اليك من لدنك رحمة لزوما لخدمتك على شرط السنة انك انت الوهاب المعطى بفضله عباده ما لا يستحقونه من نعمه وقال الاستاد ما ازدادوا قربا الا ازداد واادبار واللياذ الى التباعد اقوى اسباب رعاية الادب وقيل حين صدقوا فى حسن الاستعانة ايدوا بانوار الكفاية.

اسماعيل حقي

تفسير : {هو الذى انزل عليك الكتاب} اى القرآن {منه} اى من الكتاب {آيات محكمات} اى قطيعة الدلالة على المعنى المراد محكمة العبارة محفوظة من الاحتمال والاشتباه {هن ام الكتاب} اى اصل فيه وعمدة يرد اليها غيرها بالتاويل فالمراد بالكتاب كله والاضافة بمعنى فى {واخر} اى ومنه آيات اخر {متشابهات} اى محتملات لمعان متشابهة لا يمتاز بعضها من بعض فى استحقاق الارادة بها لا يتضح الامر الا بالنظر الدقيق والتأمل الانيق فالتشابه فى الحقيقة وصف للمعانى وصف به الآيات على طريقة وصف الدال بوصف المدلول. واعلم ان اللفظ اما ان لا يحتمل غير معنى واحد او يحتمل. والاول هو النص كقوله تعالى {أية : والهكم إله واحد}تفسير : [البقرة: 153]. والثاني اما ان تكون دلالته على مدلولية او مدلولاته متساوية اولا والاول هو المجمل كقوله تعالى {ثلاثة قروء}. واما الثاني فهو بالنسبة الى الراجح ظاهر كقوله تعالى {أية : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} تفسير : [النساء: 22]. وبالنسبة الى المرجوح مؤول كقوله تعالى {أية : يد الله فوق أيديهم} تفسير : [الفتح: 10]. والنص والظاهر كلاهما محكم والمجمل والمؤول متشابه وهو كقوله تعالى {أية : فاينما تولوا فثم وجه الله}تفسير : [البقرة: 115]. قد رد الى قوله تعالى {أية : وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره} تفسير : [البقرة: 150]. ثم أن الله تعالى جعل القرآن كله محكما في قوله {أية : الر كتاب أحكمت آياته} تفسير : [هود: 1]. ومعناه ان كله حق لاريب فيه ومتقن لا تناقض فيه ومحفوظ من اعتراء الخلل او من النسخ. وجعله كله متشابها فى قوله {أية : كتاباً متشابهاً مثانى}تفسير : [الزمر: 23]. ومعناه يشبه بعضه بعضا فى صحة المعنى وجزالة النظم وحقيقة المدلول وجعل بعضه محكما وبعضه متشابها فى هذه الآية وقد سبق وانما لم يجعل الله القرآن كله محكما لما فى المتشابه من الابتلاء والتمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه كابتلاء بنى اسرائيل بالنهر فى اتباع نبيهم ولان النظر فى المتشابه والاستدلال لكشف الحق يوجب عظم الاجر ونيل الدرجات عند الله {فاما الذين فى قلوبهم زيغ} اى ميل عن الحق الى الاهواء الباطلة {فيتبعون ما تشابه منه} معرضين عن المحكمات اي يتعلقون بظاهر المتشابه من الكتاب او بتاويل باطل لاتحريا للحق بعد الايمان بكونه من عند الله تعالى بل {ابتغاء الفتنة} اى طلب ان يفتنوا الناس عن دينهم بالتشكيك والتلبيس ومناقضة المحكم بالمتشابة {وابتغاء تأويله} اى طلب ان يؤولوه حسبما يشتهونه من التأويلات الزائغة والحال انهم بمعزل من تلك الرتبة وذلك قوله عز وجل {وما يعلم تأويله} اى تأويل المتشابه {الا الله والراسخون فى العلم} اي لا يهتدى الى تأويله الحق الذى يجب ان يحمل عليه الا الله وعباده الذين رسخوا فى العلم اى ثبتوا فيه وتمكنوا اوفوضوا فيه لنص قاطع ومنهم من يقف على قوله {الا الله} ويبتدىء بقول {والراسخون فى العلم يقولون آمنا به} ويفسرون المتشابه بما أستاثر الله بعلمه وبمعرفة فيه من آياته كعدد الزبانية فى قوله {أية : عليها تسعة عشر} تفسير : [المدثر: 30]. ومدة بقاء الدنيا ووقت قيام الساعة والصوم وعدد الركعات فى الصلوات الخمس والاول هو الوجه فان الله تعالى لم ينزل شيأ من القرآن الا لينتفع به عباده ويدل به على معنى ارادة فلو كان المتشابه لا يعلمه غيره للزمنا للطاعن مقال وهل يجوز ان يقال ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرف المتشابه واذا جاز ان يعرفه مع قوله تعالى {وما يعلم تأويله الا الله} جاز ان يعرفه الربانيون من صحابته وان لم يعرفه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته والعلماء والراسخون وقالوا علمه عند ربنا لم يكن لهم فضل على الجهال لانهم جميعا يقولون ذلك قالوا ولم يزل المفسرون الى يومنا هذا يفسرون ويؤولون كل آية ولم نرهم وققفوا عن شيء من القرآن فقالوا هذا متشابه لا يعلمه الا الله بل فسروا نحو حروف التهجى وغيرها {يقولون آمنا به} اى بالمتشابه والجملة على الاول استئناف موضح لحال الراسخين وعلى الثانى خبر لقوله والراسخون {كل} اى كل واحد من المحكم والمتشابه {من عند ربنا} منزل من عنده تعالى لا مخالفة بينهما {وما يذكر} حق التذكر {الا اولوا الالباب} اى العقول الخالصة عن الركون الى الاهواء الزائغة وهو مدح للراسخين بجودة الذهن وحسن النظر واشارة الى ما به استعدوا للاهتداء الى تأويله من تجرد العقل عن غواشى الحس.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {منه}: خبر مقدم، و {آيات}: مبتدأ، فيوقف على {الكتاب}، وقيل: {منه}: نعت لكتاب، وهو بعيد. قال البن السبكي: المحكَم: المتضح المعنى، والمتشابه: ما استأثر الله بعلمه، وقد يُطْلعُ عليه بعضَ أصفيائه. و {هن أم الكتاب}: جملة، وحق الخبر المطابقة فيقول: أمهات، وإنما أفرده على تأويل كل واحد، أو على أن الكل بمنزلة آية واحدة. والزيغ: الميل عن الحق. و {الراسخون في العلم}: معطوف على {الله}، أو مبتدأ؛ إن فسر المتشابه بما استأثر الله بعلمه، كمدة بقاء الدنيا ووقت قيام الساعة، أو بما دلّ القاطع على أن ظاهره غير مراد. قاله البيضاوي. و {إذ هديتنا}: ظرف مجرور بالإضافة مسبوك بالمصدر، أي: بعد هدايتك إيانا. يقول الحقّ جلّ جلاله: إن الذي انفرد بالوحدانية والقيومية، ولا يخفى عليه شيء في العالم العلوي والسفلي {هو الذي أنزل عليك الكتاب} المبين، فمنه ما هو {آيات محكمات} واضحات المعنى، لا اشتباه فيها ولا إجمال، {هن أم الكتاب} أي: أصله، يُرد إليها غيرها، {و} منه آيات {أُخَر متشابهات} أي: محتملات، لا يتضح مقصودها؛ لإجماله أو مخالفة ظاهر؛ إلا بالفحص وجودة الفكر، ليظهر فضل العلماء النُقاد، ويزداد حرصهم على الاجتهاد في تَدبُرها وتحصيل العلوم المتوقف عليها استنباط المراد بها، فينال بها، وبإتعاب القرائح في استخراج معانيها، والتوفيق بينها وبين المحكمات، أعلى الدرجات وأرفع المقامات. قال في نوادر الأصول: لمّا تكلم على المتشابه قسّمه على قسمين؛ منه ما طوى علمه إلاَّ على الخواص؛ كعلم فواتح السور، ومنه ما لم يصل إليه أحد من الرسل فمَنْ دُونَهم، وهو سر القدر؛ لا يستقيم لهم مع العبودية، ولو كُشِفَ لفسدت العبودية، فطواه عن الرّسل والملائكة؛ لأنهم في العبودية، فإذا زالت العبودية احتمولها؛ أي: أسرار القدر. هـ. ولمثل هذا يشير قول سهل: للألوهية سر - لو انكشف لبطلت النبوة، وللنبوة سر - لو انكشف لبطل العلم، وللعلم سر لو انكشف لبطلت الأحكام. هـ. قلت: فَتَحَصَّل أن الكتاب العزيز مشتمل على المحكم والمتشابه. وأما قوله تعالى:{أية : كِتَابٌ أُحْكِمَتْ ءَايَاتُهُ}تفسير : [هُود: 1] فمعناه: أنها حُفظت من فساد المعنى وركاكة اللفظ، وقوله تعالى:{أية : كِتَاباً مُّتَشَابِهاً}تفسير : [الزُّمَر: 23] معناه: أنه يشبه بعضه بعضاً في صحة المعنى وجزالة اللفظ. ثم إن الناس في شأن المتشابه على قسمين: {فأما الذين في قلوبهم زيغ}: أي: شك، أو ميل عن الحق، كالمبتدعة وأشباههم، {فيتبعون ما تشابه منه}، فيتعلقون بظاهره، أو بتأويل باطل، {ابتغاء الفتنة} أي: طلباً لفتنة الناس عن دينهم: بالتشكيك والتلبيس، ومناقضة المحكم بالمتشابه، {وابتغاء تأويله} على ما يشتهون ليوافق بدعتهم. رُوِيَ عن عائشة - رضي الله عنها-:أن النبيّ صلى الله عليه وسلم - قرأ هذه الآية فقال:"حديث : إِذَا رَأَيتُم الذِينَ يَسألُون عن المتشابه منه، ويجادلون فيه، فهم الذين عَنَا الله تعالى، فاحذروهم، ولا تجالسوهم ". تفسير : {وما يعلم تأويله} على الحقيقة {إلا الله} تعالى، وقد يُطلع عليه بعضَ خواص أوليائه، وهم {الراسخون} أي: الثابتون في العلم، وهم العارفون بالله أهل الفناء والبقاء، وهم أهل التوحيد الخاص... فقد أطلعهم تعالى على أسرار غيبه، فلم يبق عندهم متشابه في الكتاب ولا في السنة، حال كونهم {يقولون آمنا به}، وصدقنا أنه من كلامه، {كُلّ من عند ربنا}؛ المحكم والمتشابه، وقد فهمنا مراده في القسمين، وهم أولو الألباب، ولذلك مدحهم فقال: {وما يَذَكَّرَ إلا أُولوا الألباب} أي: القلوب الصافية من ظلمة الهوى وغَبَش الحس. سُئل عليه الصلاة والسلام: مَن الراسخون في العلم؟ فقال:"حديث : من برَّ يمينُه، وصدق لسانُه، واستقام قلبُه، وعفَّ بطنُه وفرجه، فذلك الراسخ في العلم"تفسير : . وقال نافع بن يزيد: الراسخون في العلم: المتواضعون لله، المتذللون في طلب مرضات الله، لا يتعظمون على مَنْ فوقهم، ولا يحقرون من دونهم. هـ. وقيل: الراسخ في العلم: من وجُد فيه أربعة أشياء: التقوى بينه وبين الله، والتواضع بينه وبين الخلق، والزهد بينه وبين الدنيا، والمجاهدة بينه وبين نفسه. هـ. قلت: ويجمع هذ الأوصاف العارف بالله، فهو الراسخ في العلم كما تقدم. ويقولون أيضاً في تضرعهم إلى الله: {ربنا لا تزغ قلوبنا} عن نهج الحق بالميل إلى اتباع الهوى، {بعد إذ هديتنا} إلى طريق الوصول إلى حضرتك، {وهب لنا من لدنك رحمة} تجمع قلوبنا بك، وتضم أرواحنا إلى مشاهدة وحدانيتك، {إنك أنت الوهاب}؛ تهب للمؤمل فوق ما يؤمل. {ربنا إنك جامع الناس ليوم} الجزاء الذي {لا ريب فيه}، فاجمعنا مع المقربين؛ إنك {لا تخلف المعياد} فأنجز لنا ما وعدتنا في ذلك اليوم. وخلف الوعد في حقه تعالى محال. أما الوعد بالخير فلا إشكال، وأما الوعيد بالشر، فإن كان في مُعَيِّنٍ فلا يخلفه، وإن كان في الجملة فيخلفه بالعفو. والله تعالى أعلم. وقال في النوادر أيضاً: لَمَّا رَدَّ الراسخون في العلم عِلْمَ المتشابه إلى عالمه، حيث قالوا: {آمنا به كل من عند ربنا}، خافوا شَرَه النفوس لطلبها؛ فإنَّ العلم لذيذ، وفتنة تلك اللذة لها عتاب، ففزعوا إلى ربهم فقالوا: {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة}، علموا أن الرحمة تطفئ تلك الفتنة. ولما كان يوم القيامة ينكشف فيه سر القدر حنوا إليه فقالوا: {ربنا إنك جامع الناس...} الآية. سكنوا نفوسهم لمجيء ذلك اليوم الذي تَبْطُنِ فيه الحكمة، وتظهر فيه القدرة. هـ. بالمعنى. الإشارة: إذ صفت القلوب، وسكنت في حضرة علام الغيوب، تنزلت عليها الواردات الإلهية والعلوم اللدنية، والمواهب القدسية، فمنها ما تكون محكمات المبنى، واضحة المعنى، ومنها ما تكون مجملة في حال ورودها، وبعد الوعي يكون البيان،{أية : فَإْذَا قَرَأْنَاهُ فَاْتَّبِعْ قُرْءَانَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}تفسير : [القيامة: 18، 19]. وقد تكون خارجة عن مدارك العقول. فأما أهل الزيغ والانتقاد فيتعبون المتشابه من تلك الواردات، ابتغاء فتنة العامة، وصرفهم عن طريق الخاصة، وابتغاء تأويله، ليقيم عليه حجة الشريعة، {وما يعلم تأويله إلا الله}، أو من تحقق فناؤه في الله، وهم الراسخون في معرفة الله، يقولون: {آمنا به كل من عند ربنا}؛ إذ القلوب المطهرة من الهوى لا نطق عن الهوى، وهم أرباب القلوب يقولون: {ربنا لا تزغ قلوبنا} عن حضرة قدسك {بعد إذ هديتنا} إلى الوصول إليها، {وهب لنا من لدنك رحمة} تعصمنا من النظر إلى سواك، {إنك أنت الوهاب}. ربنا إنك جامع الناس. وهم السائرون إليك ليوم لا ريب في الوصول إليه، وهو يوم اللقاء، {إنك لا تخلف الميعاد} فاجمع بيننا وبينك، وحل بيننا وبين من يقطعنا عنك؛ {إنك على كل شيء قدير}.

الطوسي

تفسير : المعنى: قوله: {هو الذي أنزل عليك الكتاب} يعني القرآن {منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} فالمحكم هو ما علم المراد بظاهره من غير قرينة تقترن إليه ولا دلالة تدل على المراد به لوضوحه، نحو قوله: {أية : إن الله لا يظلم الناس شيئاً}تفسير : وقوله: {أية : لا يظلم مثقال ذرة}تفسير : لأنه لا يحتاج في معرفة المراد به إلى دليل. والمتشابه: ما لا يعلم المراد بظاهره حتى يقترن به ما يدل على المراد منه. نحو قوله: {أية : وأضله الله على علم}تفسير : فانه يفارق قوله: {أية : وأضلهم السامري}تفسير : لأن اضلال السامري قبيح وإضلال الله بمعنى حكمه بأن العبد ضال ليس قبيح بل هو حسن. واختلف أهل التأويل في المحكم، والمتشابه على خمسة أقوال: فقال ابن عباس: المحكم الناسخ، والمتشابه المنسوخ. الثاني - قال مجاهد: المحكم ما لا يشتبه معناه، والمتشابه ما اشتبهت معانيه. نحو قوله: {أية : وما يضل به إلا الفاسقين}تفسير : ونحو قوله: {أية : والذين اهتدوا زادهم هدى}.تفسير : الثالث - قال محمد بن جعفر بن الزبير، والجبائي: إن المحكم ما لا يحتمل إلا وجهاً واحداً، والمتشابه ما يحتمل وجهين فصاعداً. الرابع - قال ابن زيد: إن المحكم: هو الذي لم تتكرر ألفاظه. والمتشابه هو المتكرر الألفاظ. الخامس - ما روي عن جابر أن المحكم: ما يعلم تعيين تأويله، والمتشابه ما لا يعلم تعيين تأويله. نحو قوله: {أية : يسألونك عن الساعة أيان مرساها}.تفسير : وقوله: {هن أم الكتاب} معناه أصل الكتاب الذي يستدل به على المتشابه، وغيره من أمور الدين. وقيل في توحيد أم الكتاب قولان: أحدهما - أنه قدر تقدير الجواب على وجه الحكاية كأنه قيل: ما أم الكتاب؟ فقيل هن أم الكتاب كما يقال: من نظير زيد؟ فيقال: نحن نظيره. الثاني - أن يكون ذلك مثل قوله: {أية : وجعلنا ابن مريم وأمه آية} تفسير : بمعنى الجميع آية ولو أريد أن كل واحد منهما آية على التفصيل، لقيل آيتين. فان قيل: لم أنزل في القرآن المتشابه؟ وهلا أنزله كله محكما! قيل للحث على النظر الذي يوجب العلم دون الاتكال على الخبر من غير نظر، وذلك أنه لو لم يعلم بالنظر أن جميع ما يأتي به الرسول حق يجوز أن يكون الخبر كذباً، وبطلت دلالة السمع، وفائدته، فلحاجة العباد إلى ذلك من الوجه الذي بيناه، أنزل الله متشابهاً، ولولا ذلك لما بان منزلة العلماء، وفضلهم على غيرهم، لأنه لو كان كله محكماً لكان من يتكلم باللغة العربية عالماً به، ولا كان يشتبه على أحد المراد به فيتساوى الناس في علم ذلك، على أن المصلحة معتبرة في انزال القرآن، فما أنزله متشابهاً لأن المصلحة اقتضت ذلك، وما أنزله محكما فلمثل ذلك. والمتشابه في القرآن يقع فيما اختلف الناس فيه من أمور الدين: من ذلك قوله تعالى {أية : ثم استوى على العرش}تفسير : فاحتمل في اللغة أن يكون كاستواء الجالس على السرير واحتمل أن يكون بمعنى الاستيلاء نحو قول الشاعر: شعر : ثم استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق تفسير : وأحد الوجهين لا يجوز عليه تعالى لقوله: {أية : ليس كمثله شيء}تفسير : وقوله {لم يكن له كفواً أحد}. والآخر يجوز عليه، فهذا من المحكم الذي يرد إليه المتشابه. ومن ذلك قوله: {أية : ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به}تفسير : فاحتمل ظاهره تكليف المشاق، واحتمل تكليف ما لا يطاق وأحدهما لا يجوز عليه تعالى {أية : لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} تفسير : فرددنا إليه المتشابه ومن ذلك قوله: {أية : قل كل من عند الله}تفسير : فرددناه إلى المحكم الذي هو قوله: {أية : ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون}تفسير : ومن ذلك قوله: {أية : وما تشاؤون إلا أن يشاء الله}تفسير : متشابه، وبين المراد بالمحكم الذي هو قوله: {أية : وما الله يريد ظلماً للعالمين}تفسير : ومن ذلك اعتراض الملحدين في باب النبوة بما يوهم المناقضة كقوله: {أية : قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سماوات في يومين}تفسير : فقال اليومان والاربعة واليومان ثمانية ثم قال {هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام} فأوهموا أن ذلك مناقضة وليس الأمر على ما ظنوه لأن ذلك يجري مجرى قول القائل: سرنا من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام وسرنا إلى الكوفة في خمسة عشر يوماً فالعشرة داخلة في الخمسة عشر ولا يضاف فيقال: عشرة، وخمسة عشر خمسة وعشرون يوماً كان فيها السير، فكذلك خلق الله الأرض في يومين وقضاهن سبع سماوات في يومين وتمم خلقهن في ستة أيام. وتقديره خلق الارض في يومين من غير تتميم وجعل فيها رواسي وما تم به خلقها في أربعة أيام فيها اليومان الاولان كما يقال: جعل الدور في شهرين وفرغ منهن في أربعة أشهر. فيكون المحكم قد أبان عن معناه أنه على جهة خلق الأرض في يومين من غير تتميم، وليس على وجه التضاد على ما ظنوه. فان قيل: كيف يكون المحكم حجة مع جواز تقييده بما في العقل؟ وفي ذلك إمكان كل مبطل أن يدعيه فتذهب فائدة الاحتجاج بالمحكم؟ قلنا: لا يجب ذلك من قبل أن التقييد بما في العقل إنما يجوز فيما كان رداً إلى تعارف من جهة العقول دون ما لا يتعارف في العقول بل يحتاج إلى مقدمات لا يتعارفها العقلاء من أهل اللغة، والمراعى في ذلك أن يكون هناك تعارف من جهة العقل تقتضيه الحكمة دون عادة أو تعارف شيء لأن الحجة في الأول دون الثاني، ومن جهة التباس ذلك دخل الغلط على كثير من الناس. فان قيل: كيف عددتم من جملة المحكم قوله: {ليس كمثله شيء} مع الاشتباه فيه بدخول الكاف؟ قلنا إنما قلنا انه محكم لأن مفهومه ليس مثله شيء على وجه من الوجوه دون أن يكون عند أحد من أهل التأويل ليس مثل مثله شيء فدخول الكاف وإن اشتبه على بعض الناس لم دخلت فلم يشتبه عليه المعنى الأول الذي من أجله كان محكماً. وقد حكينا فيما مضى عن المرتضى (ره) علي بن الحسين الموسوي أنه قال: الكاف ليست زائدة وإنما نفى أن يكون لمثله مثل فاذا ثبت ذلك علم أنه لا مثل له، لأنه لو كان له مثل لكان له أمثال، فكان يكون لمثله مثل، فاذا لم يكن له مثل مثل دل على أنه لا مثل له غير أن هذا تدقيق في المعنى، فتصير الآية على هذا متشابهة، لأن ذلك معلوم بالادلة. وقد يكون الشيء محكماً من وجه ومتشابهاً من وجه كما يكون معلوماً من وجه، ومجهولا من وجه، فتصح الحجة به من وجه المعلوم دون المجهول. الاعراب: و {أخر} لا ينصرف لأنه معدول عن الالف واللام وهو صفة. وقال الكسائي: لأنه صفة. قال المبرد: هذا غلط، وقال (لُبد) صفة وكذلك (حُطم) وهما منصرفان قال الله تعالى {أية : أهلكت مالاً لُبداً} تفسير : وحكي عن أبي عبيدة أنه قال: لم يصرفوا {أخر} لأن واحده لا ينصرف في معرفة ولا نكرة. قال المبرد: وهذا غلط، لأنه يلزم أن لا يصرف غضاباً وعطاشاً، لأن واحده غضبان وعطشان. وهو لا ينصرف. اللغة والمعنى: وقوله: {فأما الذين في قلوبهم زيغ} يعني ميل يقال: أزاغه الله إزاغة أي أماله إمالة قال تعالى {أية : فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم}تفسير : ومنه قوله: {أية : لا تزغ قلوبنا}تفسير : والتزايغ التمايل في الاسنان. والمعنى إن الذين في قلوبهم ميل عن الحق اما بشك أو جهل فان كليهما زيغ {يتبعون ما تشابه منه} ومعناه يحتجون به في باطلهم {ابتغاء الفتنة} ومعناه طلباً للفتنة {وابتغاء تأويله} والتأويل: التفسير وأصله المرجع، والمصير من قولهم: آل أمره إلى كذا يؤول أولا: إذا صار إليه. وأولته تأويلا إذا صيرته إليه. وقوله: {أية : وأحسن تأويلاً}تفسير : قيل معناه أحسن جزاء، لأن أمر العباد يؤول إلى الجزاء. وأصل الباب: المصير {وما يعلم تأويله} يعني تفسيره {إلا الله والراسخون في العلم} يعني الثابتون فيه تقول: رسخ الشيء رسوخاً إذا ثبت في موضعه. وأرسخته إرساخاً، كما أن الخبر يرسخ في الصحيفة، ورسخ الغدير إذا ذهب ماؤه، فنضب، لأنه ثبت وحده من غير ماء، وأصل الباب الثبوت. النزول: وقال الربيع: نزلت هذه الآية في وفد نجران، لما حاجّوا النبي (صلى الله عليه وسلم) في المسيح، فقالوا: أليس هو كلمة الله وروح منه؟ فقال بلى، فقالوا: حسبنا، فأنزل الله تعالى {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه} ثم أنزل {أية : إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}تفسير : وقال قتادة: بل كل من احتج بالمتشابه لباطله، داخل فيه، فمنهم الحرورية والسبابية، وغيرهم. المعنى والاعراب اللغة: وقوله: {ابتغاء الفتنة} قال السدي: الفتنة ها هنا الشرك. وقال مجاهد: اللبس. وقيل الضلال عن الحق، وهو أعم فائدة. وأصل الفتنة: التخليص من قولهم فتنت الذهب بالنار: إذا أخلصته، فالذي يبتغي الفتنة، يبتغي التخليص إلى الضلال بما يورده من الاشياء. وقوله: {وما يعلم تأويله إلا الله} قيل في معناه قولان: أحدهما - ما يعلم تأويل جميع المتشابه {إلا الله}، لأن فيه ما يعلم الناس، وفيه ما لا يعلمه الناس من نحو تعيين الصغيرة عند من قال بها، ووقت الساعة، وما بيننا وبينها من المدة. هذا قول عائشة، والحسن، ومالك، واختاره الجبائي، وأكثر المتأولين. وعندهم أن الوقف على قوله {إلا الله} ويكون قوله: {والراسخون في العلم يقولون آمنا به} مستأنفاً والتأويل على قولهم: معناه المتأول، كما قال تعالى {هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله} يعني الموعود به. والوجه الثاني - ما قاله ابن عباس، ومجاهد، والربيع {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم} يعلمونه قائلين آمنا كما قال الشاعر: شعر : والريح تبكي شجوة والبرق يلمع في الغمامة تفسير : يعني والبرق أيضاً يبكيه لامعاً في غمامة. وقوله: {كل من عند ربنا} حذف المضاف من {كل} عند البصريين، لأنه اسم دال على المضاف كثير في الكلام فلا يجيزون {إنا كل فيها} على الصفة ويجيزه الكوفيون، لأنه إنما حذف عندهم لدلالته على المضاف فقط إسماً كان أو صفة. وإنما بني قبل على الغاية، ولم يبن كل، وإن حذف من كل واحد منهما المضاف، لأن قبل ظرف يعرف، وينكر، ففرق بين ذلك بالبناء الذي يدل على تعريفه بالمضاف، والاعراب الذي يدل على تنكيره بالانفصال، وليس كذلك كل لأنه معرفة في الافراد دون نكرة فأما (ليس غير) فمشبه بحسب لما فيه من معنى الأمر.

الجنابذي

تفسير : {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ} حال او مستأنف وبيان لحكمته، والكتاب هاهنا عبارة عن جملة ما سوى الله فانّ ما سواه كتابه كما مضى فى اوّل الكتاب، ونزوله عبارة عن ظهوره على مقام محمّد (ص) مقامه النّازل بصورٍ مناسبةٍ له فى ذلك المقام، او ظهوره على مقام رسالته (ص) بما أرسل به من الاحكام، او ظهوره بالالفاظ والعبارات والنّقوش والكتابات الّتى هى كتابه التّدوينىّ منه. بيان المحكم والمتشابه {مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ} احكم الامر والبناء اتقنه بحيث لا يتطرّق الانثلام والزّوال اليه، واحكم الحكم اتقنه بحيث لا يتطرّق المحو والنّسخ اليه، واحكم اللّفظ اتقنه بحيث لا يتطرّق الاحتمال اليه، والمتشابه فى كلّ من هذه مقابل المحكم وكلّما ورد من المعصومين (ع) ونقل من غيرهم فى بيان المحكم والمتشابه راجع الى هذه المعانى، والكتاب التّكوينىّ الكبير آياته العقلانيّة والنّفسانيّة من حيث وجوهها العقلانيّة محكماتها واصول متشابهاتها وآياته العينيّة الطّبيعيّة والعلميّة الملكوتيّة العالية والسّافلة من حيث تطرّق المحو والزّوال اليها متشابهاتها، والكتاب التّكوينىّ الانسانىّ المختصر من الكتاب الكبير؛ آياته الرّوحيّة والعقليّة محكماته، وآياته النّفسيّة والطّبيعيّة متشابهاته، ومن حيث نشأته العلميّة علومه العقلانيّة محكماته لعدم تطرّق الزّوال اليها وعدم تخلّف معلوماتها عنها؛ لانّ معلوماتها من حيث انموذجاتها نفس تلك العلوم وعلومه النّفسانيّة كلّيّاتها وجزئيّاتها تصديقاتها وتصوّراتها يقينيّاتها وظنيّاتها متشابهاته لانمحائها عن النّفس ومغايرتها لمعلوماتها وجواز تخلّف معلوماتها عنها ولذلك سميّت بالظّنون، ومن حيث افعاله الاراديّة جميع افعاله واقواله وخطراته ولمّاته متشابهاته لزوالها وعدم بقائها، ومن جهةٍ اخرى ما كان صدورها عن الله تعالى ورجوعها اليه تعالى معلوماً محكماته، وما كان صدورها من الله غير معلوم او صدورها من الشّيطان معلوماً متشابهاته، وهكذا حال ما كان رجوعه الى الله معلوماً؛ وحال ما لم يكن رجوعه الى الله معلوماً، ومن الاحكام التّكليفيّة ما لم يتطرّق النّسخ اليه كان محكماً، وما كان منسوخاً او يتطرّق النّسخ اليه كان متشابهاً، وما كان عامّاً جارياً على كلّ مكلّفٍ كان محكماً، وما كان خاصّاً غير جار على كلّ مكلّف كان متشابهاً، ومن الكتاب التّدوينىّ ما كان واضح الدّلالة غير محتمل غير مدلوله او ما كان ناسخاً او ما كان حكمه عامّاً او ما كان ثابتاً غير منسوخ او ما كان متعيّن التّأويل بعد تعيّن تنزيله كان محكماً، وما كان خلاف ذلك كان متشابهاً، ولمّا كان علىّ (ع) بجميع اجزائه محكوماً بحكم الرّوح وراجعاً الى الله ومتحقّقاً بالارواح العالية ومخالفوه بعكس ذلك صحّ تفسير المحكمات بعلىٍّ (ع) والائمّة (ع)، وتفسير المتشابهات بمخالفيهم كما ورد عن ابى عبد الله (ع) فى قوله تعالى: {مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ}، ولمّا كان المحكمات اصلاً وعماداً للكتاب قال: {هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ} ولم يقل امّهات الكتاب مع انّ قياس الحمل على الآيات يقتضى الجمع لانّه تعالى فرض المجموع المسمّى بالكتاب امراً وحدانيّاً وهذا الفرض يقتضى الوحدة فيما ينسب اليه لا الجمعيّة، ولانّ مجموع المحكمات من حيث الاجتماع يكون اصلاً واحداً للكتاب وليس كلّ واحد منها اصلاً برأسه { وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} ميل عن الحقّ وانحراف عن جهة القلب والآخرة {فَيَتَّبِعُونَ} من العالم الكبير متشابهاته الّتى هى موجودات دار الدّنيا وزينتها الزّائلة الفانية بسرعةٍ، والّتى هى موجودات الملكوت السّفلى وتمويهاتها، ومن العالم الصّغير متشابهاته الّتى هى الشّهوات الفانية الممزوجة بالآلام والادراكات الشّيطانيّة والافعال والاقوال الزّائغة او المشتبهة بالزّائغة، ومن الاحكام مشتبهاتها الموافقة لآرائهم الكاسدة، او السّائغة التّأويل اليها، ومن القرآن المتشابهات الموافقة لاوهامهم او الجائزة التّأويل اليها فهم يدعون المحكمات من الكتاب ويتّبعون {مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ} شاعرين بالابتغاء او غير شاعرين؛ فانّ ابتغاء الفتنة كابتغاء مرضاة الله قد يكون من قصدٍ اليه وقد يكون من غير قصدٍ لانّ الواقعين فى دار النّفس وجهنّام الطّبع لا يكون منهم الاّ افساد ارض العالم الصّغير او الكبير واهلاك حرثها ونسلها وبكلّ فعل او قول منهم يشتدّ ذلك الافساد، وذلك الاشتداد هو الابتغاء للافساد سواء لم يكونوا شاعرين باصلاح وافساد او كانوا عالمين بانّه افساد قاصدين له، او كانوا ظانّين انّهم مصلحون غير مفسدين كما تفوّهوا وقال: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} {وَٱبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} الى ما يوافق آرائهم {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ} جملة حاليّة على جواز دخول الواو على المضارع المنفىّ بما، او معطوفة والتّأويل امّا بمعنى المأوّل اليه او بمعناه المصدرىّ يعنى لا يعلم ما هو تأويله فى نفس الامر {إِلاَّ ٱللَّهُ} اعلم انّ تأويل الشّيء بمعنى ارجاعه لا يصدق الاّ اذا اعيد الى ما منه بدئ، ولمّا كان مبدأ الكلمات الالهيّة التّكوينيّة والتّدوينيّة مقام ظهوره تعالى الّذى هو مقام المشيئة لم يكن يعلم تأويلها بنحو الاطلاق الاّ الله {وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ} رسوخاً تامّاً وهم الّذين بلغوا الى مقام المشيئة وارتقوا عن مقام الامكان وهم محمّد (ص) واوصياؤه الاثنا عشر لا غيرهم كما بلغ الينا، وامّا غيرهم من الانبياء والاولياء فلمّا لم يرتقوا عن مقام الامكان لم يعلموا تأويلها التّامّ بل بقدر مقامهم وشأنهم، ولمّا كانت الكلمات بوجه ناشئة عن مقام الغيب صحّ ان يقال: لا يعلم تأويلها التّامّ الاّ الله، وامّا الرّاسخون فى العلم فلا يعلمونه و {يَقُولُونَ} من باب التّسليم {آمَنَّا بِهِ} وعلى هذا فالوقف على الاّ الله وقوله الرّاسخون فى العلم ابتداء جملة اخرى فصحّ ان يقال: لا يعلم تأويل القرآن الاّ الله، او يقال: علم تأويل القرآن منحصر فى النّبىّ (ص) والائمّة (ع) ولا يعلمه غيرهم، او يقال: علمه منحصر فيهم وفى خواصّ شيعتهم، وقد اشير الى كلّ من هذه فى الاخبار {كُلٌّ} من المحكم والمتشابه {مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} فى خبر نحن الرّاسخون فى العلم، وفى روايةٍ: فرسول الله (ص) افضل الرّاسخين، وفى خبر: انّ الرّاسخين فى العلم من لا يختلف فى علمه، وفى خبر، ثمّ انّ الله جلّ ذكره بسعة رحمته ورأفته بخلقه وعلمه بما يحدثه المبدّلون من تغيير كلامه قسّم كلامه ثلاثة اقسام: فجعل قسماً منه يعرف العالم والجاهل، وقسماً لا يعرفه الاّ من صفا ذهنه ولطف حسّه وصحّ تميزه ممّن شرح الله صدره للاسلام، وقسماً لا يعرفه الاّ الله وانبياؤه والرّاسخون فى العلم، وانّما فعل ذلك لئلاّ يدّعى اهل الباطل من المستولين على ميراث رسول الله (ص) من علم الكتاب ما لم يجعله لهم، وليقودهم الاضطرار الى الايتمار عن ولاة امرهم فاستكبروا عن طاعته تعزّزاً وافتراء على الله عزّ وجلّ واغتراراً بكثرة من ظاهرهم وعاونهم وعاند الله جلّ اسمه ورسوله {وَمَا يَذَّكَّرُ} انّ فى الكتاب محكماً ومتشابهاً، وانّ المتشابه لا يعلمه الاّ الله او من كان خليفة لله، وانّ الكتاب لا يتصوّر ايجاده وانزاله الاّ بالاشتمال على المتشابه. بيان صيرورة الانسان ذالبّ {إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} الّذين صارت اعمالهم وعلومهم ذوات الباب بتعقيد قلوبهم على الولاية على ايدى اولياء الامر كما مضى وهو معطوف من الله الحاكى على المحكىّ من قولهم، او هو من المؤمنين القائلين، والاشكال بأنّ الإتيان بالكلام المتشابه المحتمل الوجوه غير ظاهر المرام ليس من دأب الحكيم ليس فى محلّه: لانّ المعنى ان كان من جنس المحسوسات وممّا يدركه العوامّ يمكن الاتيان بالكلام نصّاً فى المرام وما يمكن الاتيان به غير محتمل لغيره قد يؤتى به لاغراض صحيحة عقلانيّة محتمل الوجوه العديدة وقد عدّوا الاتيان بالكلام محتمل الوجهين او الوجوه من محسّنات الكلام وان كان من الامور الغيبيّة الّتى لا شبيه لها فى هذا العالم فانّها بمقدّراتها ومجرّداتها نورانيّة وما فى هذا العالم بجملتها ظلمانيّة ولا مناسبة بوجه من الوجوه بين النورانىّ والظلمانىّ بل النورانىّ اذا ظهر افنى الظلمانىّ ولذلك قال تعالى: و{أية : لَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ} تفسير : [الأنعام: 8] ي لانّ الموجودات النّورانيّة اذا ظهرت فى هذا العالم بوجوداتها افنت ما فيها لا يمكن التعبير عنها الاّ بالامثال، والتّصوير بالامثال لا يمكن الاّ بالعبارات المتشابهة المحتاجة الى التّأويل كالرّؤيا المحتاجة الى التّعبير فانّها تصوير ما فى ذلك العالم عند المدارك الاخرويّة بالامثال وليست الاّ محتاجة الى التّعبير ولا يجوز ذلك التّأويل وهذا التّعبير الاّ من بصير ناقدٍ بوجوه المناسبة بين الامثال والممثّل لها نسب الى امير المؤمنين (ع) انّه قال: اعلم انّ الرّاسخين فى العلم هم الّذين اغناهم الله عن الاقتحام فى السّدد المضروبة دون الغيوب فلزموا الاقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب فقالوا: {آمنّا به كلٌّ من عند ربّنا}؛ فمدح الله عزّ وجلّ اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علماً وسمّى تركهم التعمّق فيما لم يكلّفهم البحث عنه منهم رسوخاً فاقتصر على ذلك ولا تقدّر عظمة الله على قدر عقلك فتكون من الهالكين.

الهواري

تفسير : قوله: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ ءَايَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} قال بعضهم: المحكم هو الناسخ الذي يعمل به، فأحلّ الله فيه حلاله وحرّم حرامه، والمتشابه هو المنسوخ الذي لا يُعمل به ويُؤمَن به. وتفسير الكلبي: هو الۤمۤ، والۤر، الۤمۤر، والۤمۤصۤ، وأشباه ذلك. وبلغنا عن أبي حازم عن ابن عباس قال: هو التقديم والتأخير، والمقطوع والموصول، والخاص والعام، وتفسير مجاهد: {هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ}، يعني ما فيه من الحلال والحرام، وما سوى ذلك فهو المتشابه. قوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} والزيغ: الشك. وتفسير الكلبي أنها في النفر من اليهود الذين دخلوا على النبي عليه السلام: كعب بن الأشرف وأصحابه. وقد فسّرنا ذلك في سورة البقرة. ذكروا عن عائشة أنها قالت: حديث : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية فقال:قد سمّاهم الله لكم؛ فإذا رأيتموهم فاحذروهم . تفسير : ذكروا عن ابن عباس أنه قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية فقال: حديث : أرأيتم الذين يجادلون فيه، فهم الذين سمّى الله؛ فإذا رأيتموهم فلا تجالسوهم، أو قال: فاحذروهم . تفسير : قوله: {ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا}. كان الكلبي يقول: {ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ} أي: ابتغاء الشرك يعني أولئك اليهود. وقال الحسن: {ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ} أي: ابتغاء الضلالة، {وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ}، أي ابتغاء الحرابة. وقال الكلبي: هو ما نظر فيه أولئك اليهود من ألم وأشباه ذلك، وكانوا حملوه على حساب الجمل، حساب بقاء هذه الأمة ـ زعموا ـ حين التبس عليهم، قال: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ} أي: تأويل ما كتب الله لهذه الأمة من الأكل، {إِلاَّ اللهُ}، فقال عند ذلك عبد الله بن سلام والنفر الذين أسلموا من اليهود، وهم الراسخون في العلم: {ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا}. هذا تفسير الكلبي. وبلغنا عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: أنزل القرآن على أربعة أوجه: حلال وحرام لا يسع الناسَ جهلُهُ، وتفسير يعلمه العلماء، وعربية يعرفها العرب، وتأويل لا يعلمه إلا الله، يقول الراسخون في العلم: آمنا به كل من عند ربنا. ذكر بعض المفسّرين قال: نزل القرآن على ستّ آيات: آية مبشّرة، وآية منذرة، وآية فريضة، وآية تأمرك، وآية تنهاك، وآية قصص وأخبار. قوله: {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} أي أولو العقول، وهم المؤمنون. قوله: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الوَهَّابُ}. قال الحسن: هذا دعاء أمر الله المؤمنين أن يدعوا به. وقال الكلبي: هم النفر الذين أسلموا من اليهود: عبد الله بن سلام وأصحابه. وقد فسّرناه في الآية الأولى من تفسير الكلبي. قوله: {رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَ رَيْبَ فِيهِ}. ذكروا عن ابن مسعود أنه قال: ليوم لا شك فيه، وهو يوم القيامة: {إنَّ اللهَ لاَ يُخْلِفُ المِيعَادَ}. قوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ} أي لن تنفعهم {أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ اللهِ شَيْئاً وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ} أي: حطب النار. هو مثل قوله: (أية : يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ) تفسير : [الشعراء:88]. قوله: {كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ} الدأب: العادة والحال. {وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللهُ شَدِيدُ العِقَابِ} يعني ما أهلك به الأمم السالفة حين كذبوا رسلهم. وقال بعضهم: {كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ}، أي: كفعل آل فرعون والذين من قبلهم. وقال الحسن: هذا مثل ضربه الله لمشركي العرب؛ يقول: كفروا وصنعوا كصنيع آل فرعون {وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} من الكفار {كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ}، وهو عذابه أتاهم حين كذبوا رسله.

اطفيش

تفسير : {هُوَ الَّذِى أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ}: القرآن منه. {مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ}: مصونة عن الإجمال والالتباس، والاحتمال اسم مفعول، أحكم أمرا أتقنه عن كذا. {هُنَّ أمُّ الكِتَابِ}: أى أصله يرد إليها غيرها من المتشابه مثل قوله تعالى {أية : لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ}تفسير : فإنه محكم، وقوله {أية : إلى ربها ناضرة}تفسير : متشابه يحتمل النظر إلى ذاته، ويحتمل انتظار ثوابه، فيحتمل انتظار الثواب، ردا إلى قوله {أية : لا تدركه الأبصار} تفسير : ومثل قوله تعالى {أية : لا يأمر بالفحشاء}تفسير : فإنه محكم. وقوله: {أية : أمَرْنَا مُتْرَفيها}تفسير : مشتبه، أمرناهم بالفسق أو الطاعة، فيجمل على الأمر بالطاعة ردا إلى قوله تعالى: {أية : لا يأمر بالفحشاء}تفسير : وإنما لم يقل أمهات لأن الكل بمنزلة آية واحدة، أو لاعتبار أن كل واحدة منهن أم الكتاب. {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ}: عطف على {آياتٌ مُحْكَمات}، أى: محتملات، أو مجملات، أو ملتبسات، لا تظهر إلا بالبحث، الشديد لتعارضها مع أخرى، أو أمر عقلى، وأخر جمع آخر، وأخرى اسم يدل فى الأصل على التفضيل، لأنه مؤنث، اسم التفضيل فى الأصل وهو آخر بمد الهمزة وفتح الخاء، فإن أصل معنى أخر وأخرى، ما هو أزيد فى التأخير فى صفة أو فعل، أو المكان أو الزمان، ثم استعمل فى تغاير الذات للأخرى، فلخروجه عن معناه وعن التفضيل أيضاً صار يطابق ما هو لهُ، ولو لم يعرف بأل، ولم يضف لمعرفة، فإنك لا تقول: امرأة فضلى فالأفضل: وتقول: المرأة الفضلى، أو كذا فى التثنية، والجمع تقول: نساء أفضل، والنساء الفضل، فقيل: أخر - بضم الهمزة وفتح الخاء - معدود عن الآخر، كذلك بأل، بمعنى أن مطابقته لما هو لهُ فى الجمع، والتأنيث يناسبه أن يعرف بأل، وخص المعرف بأل، لأن اسم التفضيل المعرف بها يجب أن يطابق، بخلاف المعرف بالإضافة، وإنما قلت والتأنيث لأن الفعل فى الجمع، بضم ففتح مخصوص بالمؤنث، وقيل: معدود عن لفظ آخر بالمد، للهمزة، والفتح للخاء، وهو بالإفراد والتذكير، وإن قلت: هَلاََّ كان القرآن كله محكماً؟. قلت: كان فيه المتشابه، لأن كلام العرب إما ظاهر صريح، وإما غيره ككناية، وتلويح وهو مستحسن، فاشتمل القرآن عليهما إذ نزل بلغة العرب، وليقف المؤمن عند المتشابه، ويرده إلى الله، ويرتاب المنافق، كما ابتلى بنو إسرائيل بالنهر، وليقوى الثواب، باستخراج معناه لمعربته، ولأنه لو كان كله محكماً، بقى الإنسان فى الجهل والتقليد، لعدم الحاجة فى الحكم إلى الدلائل العقلية، وليفتقر إلى تحصيل ما تقوى به معرفته من النحو، والتصريف، واللغة، وأصول الفقه، او لأن طباع الناس تتوانى أكثر الأمر عن إدراك الحقائق، والقرآن مشتمل على عدم الخاص والعام، فخوطبوا بما يناسب ما توهموا، وقرن بما يدل على الحقيقة من التوحيد، مثلا فدال الحقيقة محكم، والموهم مشتبه، فإن من قرع أذنه أن الله ليس بجسم، ولا متحيز، ولا حال، ولا مشار إليه، توهم العدم وخوطب أولا بألفاظ، يثبت لهُ بها اعتقاد الوجود، وقد قال بعض أصحابنا: ذلك لمشبه. فقال: المشبه لهُ ما يزيد على ذلك منكره ماذا يقول..؟ فأجابه ذلك البعض، بان يقول مثل ما قال المشبه، فيكون قد أنكر الله، يعنى أن من شبه الله بجعله جسما، أم متحيزا، أو مشار إليه، أو حالا، فقد جعله من جنس المخلوق، ملبس بخالق، فقد أنكره، تعالى عن ذلك. ولا ينافى قوله {وأُخَرُ مُتشَابهاتٌ} قوله: {أية : كتاب أُحْكِمَتْ آياتُهُ}،تفسير : لأن معنى إحكام آياته فى هذه الآية: صونها من فساد المعنى واللفظ، ولا يشكل أيضاً قوله تعالى: {أية : كتاباً متشابهاً}،تفسير : لأن معناه أن بعضه شبه بعضاً فى صحة المعنى، وبلاغة اللفظ، ويشبه ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور متشابهات" تفسير : أى هى حلال تشتبه على الرجل يظنها حراماً وبالعكس، وما فسرت به المحكم والمتشابه، هو قولى وقول بعض أصحابنا وقول الشافعى، وقال ابن عباس: المحكم الناسخ، والمتشابه المنسوخ. وكذلك قال ابن مسعود وقتادة والسدى والضحاك. وعن ابن عباس: المحكمات قوله تعالى: {أية : قُلْ تَعَالَوْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُم}تفسير : إلى آخر الآيات الثلاث، ومثلها: {أية : وقَضَى رَبُّكَ}تفسير : إلخ الآيات الثلاث بمعنى أنها مشتبهة فى كل كل شريعة لا تقبل النسخ، وقال مجاهد: المحكم ما فيهِ الحلال والحرام، والمشتبه غيره، يشبه بعضه بعضاً، ويصدق بعضه بعضاً وقيل: المحكم ما أطلع الله عباده عليه، فأحكموه أى: أتقنوه. والمتشابه: ما استأثر الله بعلمه، كوقت الدجال تتعينه، والساعة، ويأجوج ومأجوج، ونزول عيسى - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - وطلوع الشمس. وقيل: المتشابه ما أبهم أوائل السور، كألف: الم، والر، والمر، والمص وغيره محكم، وبه قال مقاتل، وعن ابن عباس: المتشابه ما فيه تقديم وتأخير أو قطع ووصل، أو خصوص وعموم، حديث : قال ابن عباس: قال حيى بن أخطب وكعب بن الأشرف ونظراؤهما من اليهود - لعنهم الله - للنبى صلى الله عليه وسلم: بلغنا أنه أنزل عليك (آلم) فانشدك الله أنزلت عليك؟ قال: نعم. قال: إن كان ذلك حقاً فإنى أعلم مدة ملك أمتك هى واحد وسبعون عاماً، فهل أنزل عليك غيرها؟ قال: نعم المص. قالوا: فهذه أكثر هى واحد وستون ومائة فهل أنزل عليك غيرها؟ قال: نعم "المر" قالوا: فهذه أكثر هى مائتان وواحد وثمانون، فهل غيرها؟. قال: نعم "المر". قالوا: هذه أكثر، مائتان وواحد وسبعون، ولقد اختلط علينا فلا ندرى أبكثيره نأخذ أم بقليله، ونحن لا نؤمن بهذا، فنزل: {فأمَّا الَّذيِنَ فِى قُلوبِهِمْ زَيغٌ}تفسير : . وقيل: المحكم ما كان معقول المعنى، والمتشابه بخلافه كإعداد الصلوات، واختصاص الصيام برمضان دون شعبان، وقيل: المحكم ما لم تتكرر ألفاظه، ومقابله المتشابه. وقيل: المحكم، الفرائض، والوعد والوعيد، والمتشابه: القصص والأمثال. وقيل: المحكم ما وضح معناه والمتشابه ما خفى، ولو من حيث اللغة، ومرجع الضمير والإشارة. وقيل: المتشابه ما استأثر الله بعلمه، كقيام الساعة، والحروف المقطعة، وأوائل السور. {فَأمَّا الّذِيِنَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيغُ}: ميل عن الحق، بإنكاره، وبالشك فيه، وقيل: المراد وفد نجران الذين خاصموا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقدم الكلام عليهم. وقيل: الذين أظهروا التوحيد، وأضمروا الشرك. قلت: الظاهر أن المراد كل من يريد من المشركين وغيرهم فى دين الله فيلبس عليهم بمجتملات القرآن مثل: أن يستدل المجيرة بقوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا عَلى قُلُوبِهِمْ أكنّةً أن يَفْقَهُوهُ وفى آذانِهِمْ وَقْراً}تفسير : ومثبت الرواية بقوله: {أية : إلى ربِّها ناظرةٌ}،تفسير : وقوله تعالى: {أية : يَخَافُونَ رَبَّهُمْ من فَوْقِهِمْ}،تفسير : وقوله {أية : علَى العَرْشِ اسْتَوى}تفسير : إذا ذكر ذلك يريد إدخاله فى قلوب الناس فقد طلب إدخال فساد الاعتقاد فى قلوبهم، وإن يقصد ذلك فقد سعى أيضاً فى إدخال الفتنة فى قلوبهم. وقيل: هم يهود طلبوا معرفة بقاء مدة هذه الأمة من الحروف أوائل السور. روى حديث : عن جابر بن عبد الله أنه مر أبو ياسر سفر بن أخطب فى رجال من يهود، برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يتلو فاتحة سورة البقرة: {ألم. ذلك الكتَابُ لا رَيْبَ فِيِِه} فَأتىَ أخاه حُيَىّ بن أخطب فى رجال من اليهود، فقال: تعلمون والله، لقد سمعت محمداً يتلو فيما أنزل عليه {الم. ذلك الكتاب} فقال: أنت سمعته؟ قال: نعم، فمشى حيى فى أولئك النفر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: "ألم" نذكر أنك تتلو فيما أنزل عليك، "ألم ذلك الكتاب"؟. فقال صلى الله عليه وسلم: بلى. فقالوا: لقد بعث الله قبلك أنبياء، ما نعلمه بين لنبى منهم ما ملكه وما أجل أمته غيرك، الألف واحد، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة، أفتدخل فى دين نبى إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون ثم قال: يا محمد هل مع هذا غيره. قال: نعم "المص" قال: هذه أثقل وأطول: الألف واحد، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد تسعون فهذه إحدى وستون ومائة سنة، هل مع هذا غيره؟. قال: نعم "الر". قال: هذا أثقل وأطول: الألف واحد، واللام ثلاثون، والراء مائتان هذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة، هل مع هذا غيره؟. قال: نعم "المر". قال هذه أثقل وأطول: الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والراء مائتان، هذه إحدى وسبعون ومائتا سنة، ثم قال: لقد لبس علينا مرك حتى ما ندرى أقليل أعطيت أم كثير؟ ثم قال: قوموا عنه، ثم قال أبو ياسر لأخيه ومن معه: ما يدريكم؟ لعلهُ قد جمع هذا لمحمد، إحدى وسبعون، وإحدى وستون، ومائة وإحدى وثلاثون، ومائتان وإحدى وسبعون،ومائتان، فذلك سبع مائة وأربع وثلاثون سنة. فقالوا: لقد تشابه علينا أمره تفسير : وفيهم نزلت هذه الآيات: {فَيَتَّبِعُوَن مَا تَشَابَهَ مِنْهُ}: مثل أن يفسروا بما يناسب اعتقادهم الفاسد، أو بما يوقع الخلل والوهن فى الدين، أو يقولوا لمكان النسخ: هلا كان بلا نسخ؟ ولم قال كذا؟ ولم يقل كذا؟ ولم يكرر الكلام الواحد مرتين وثلاثاً وأربعاً؟ ونحو ذلك مما مر من الأقوال فى تفسير المتشابه. {ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ}: طلب الشرك والفكر عند الربيع، والكلبى، أو طلب الشبهات ليضلوا جهالهم. وبه قال مجاهد والحسن، أو طلب إفساد ذات البين، بإلقاء الخلاف بينهم. {وابْتِغَاءَ تَأْويِلِه}: وطلب التأويل الذى يشتهونه، فعن ابن عباس والكلبى فى رواية عنه، طلبوا مدة بقاء محمد - صلى الله عليه وسلم - وأمته. وقيل: المراد طلب الكفار المنكرين للبعث، متى يبعثون، وكيف إحياؤهم؟ وقيل: اليهود سألوه تعنتاً متى البعث؟ وكيف الإحياء؟. ثم إن المراد إما أنهم يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة تارة، وابتغاء تأويله تارة. وهذا يلائم الجاهل، وإما أنهم يتبعونه لمجموع ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله فهذا يناسب المعاند. والتأويل: تفعيل من آل يؤول، أولم بمعنى: رجع. فالتأويل تصير اللفظ إلى معنى بالتفسير، مع الصرف عن ظاهرها، وافق الحق أو لم يوافق. قال سليمان بن يسار أن رجلا يقال له صبيغ، قدم المدينة، فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فأرسل إليه عمر وقد عدله عراجين النخل، فقال: من أنت؟. قال: أنا عبد الله صبيغ. فأخذ عمر عرجوناً من تلك العراجين فضربه حتى أدمى رأسه. وفى رواية: فضربه بالجريدة حتى ترك ظهره دبره. ثم تركه حتى برئ، ثم عاد ثم تركه حتى برئ، فدعا به ليعود، فقال: إن كنت تريد قتلى فاقتلنى قتلا جميلا، فأذن له إلى أرضه، وكتب إلى أبى موسى الأشعرى ألا يجالسه أحد من المسلمين. وأما من علم المحكم ثم طلب المتشابه، حرصا على العلم فلا بأس، وكتاب الله تعالى. فإن الله تعالى إنما ذم من كان غرضه تتبع المتشابهات المفسدة يقصدها فيكون كالمشركين الذين يقترحون على رسلهم آيات غير ما جاءوا به تعنتاً وعناداً، وظنا أنهم يؤمنون إذا جاء رسلهم بما اقترحوا. {وَمَا يَعْلَم تأوِيلَهُ إلاّ اللهُ}: أى ما يعلم تأويله الذي يجب أن يحمل عليه إلا الله. {والرّاسِخُونَ}: أى الثابتون. {فى العلِمْ يَقُولُونَ آمنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ رَبِّنّا}: الراسخون مبتدأ، ويقولون خبر. أخرج ابن أبى حاتم عن أبى الشعثاء جابر ابن زيد - رحمه الله - وأبى نهيك، أنهما قالا: إنكم تصلون هذه الآية، وهى معطوفة بمعنى أنه ليس الراسخون معطوفاً على لفظ الجلالة، وما ذكر عن جابر هو المشهور، وهو مذهب جمهور الصحابة والتابعين ومن بعدهم، والأشعرية وهو أصح الروايات عن ابن عباس. أخرج عبد الرزاق والحاكم أن ابن عباس كان يقول: وما يعلم تأويله إلا الله، ويقول الراسخون فى العلم آمنا به، وهذا تفسير يكون الواو للاستئناف. وابن عباس ترجمان القرآن، فيقدم تفسيره وفيه قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم فقهه فى الدين، وعلمه التأويل"تفسير : . فالوقف على لفظ الجلالة، ويدل بذلك أن الآية صريحة فى ذم منتفى المشابه، ووصفهم بالزيغ، وابتغاء الفتنة، وفى مدح الذين فوضوا العلم إلى العلماء، وسلموا إليه، كما مدح اله من آمن بالغيب. وكذلك حكى الفراء أن أبى بن كعب يقرأ ويقول: الراسخون فى العلم آمنا به. وكذلك قال الأعمش إن ابن مسعود يقرأ: {وإن تأويِله إلا عند الله والراسخون فى العلم آمنا به} حديث : وعن عائشة رضى الله عنها: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذه الآية {هُوَ الَّذىِ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَاب} إلى قوله {أُوْلُواْ الأَلبَابِ} فقال: إذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله فاحذرهمتفسير : ، والمراد ذم الداخلين فى المتشابه. قال أبو مالك الأشعرى: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لا أخاف على أمتى إلا ثلاث خلال: أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيقتتلوا، وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغى تأويله، وما يعلم تأويله إلا الله " تفسير : وروى عمر بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضاً، فما عرفتم منهُ فاعملوا به، وما تشابه فآمنوا به"تفسير : ففيه إشارة إلى أن الراسخين يقتصرون على قولهم: آمنا به. وعن ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف: زجر، وأمر، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال؛ فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، فافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا وآمنوا بمتشابهه، وقولوا آمنا به، كل من عند ربنا"تفسير : . ومثله عن أبى هريرة، وعن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنزل القرآن على أربعة أحرف: حلال، وحرام، لا يعذر أحد بجهالته، وتفسيره تفسير العلماء، ومتشابهه لا يعلمه إلا الله، ومن ادعى علمه سوى الله فهو كاذب"تفسير : . وعن ابن عباس - موقوفاً: نؤمن بالمحكم وندين بهِ، ونؤمن بالمتشابه ولا ندين به، وهو من عند الله كله أى لا نطيع الله بالعمل لأنا لا نعلمه. وعن عائشة رضى الله عنها، موقوفاً: كان رسوخهم فى العلم أن آمنوا بمتشابهه ولا يعلمونه. وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه: سيأتيكم أناس يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله. قيل: وكفى بدعاء الراسخين فى العلم: {أية : رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إذ هَدَيْتَنَا}تفسير : شاهد على أن {والرّاسِخُونَ} مبتدأ. وحاصل ذلك أن الراسخين لا يعرفون معنى المتشابه، وقالت طائفة منهم مجاهد: أنهم يعرفونه. فيكون {الراسخون} معطوفاً على لفظ الجلالة وهو رواية عن ابن عباس. قال مجاهد عن ابن عباس فى قوله تعالى: {لا يَعْلَمَ تَأويِلَهُ إلاّ الله ُوالرّاسِخُونَ فى العلِم}، أنه قال: أنا ممن يعلم تأويله. قال مجاهد: والراسخون فى العلم يعلمون تأويله ويقولون آمنا به. وعن الضحاك: الراسخون فى العلم يعلمون تأويله، لو لم يعلموا تأويله لم يعلموا ناسخه من منسوخه، ولا حلاله من حرامه، ولا محكمه من متشابهه. واختاره النووى قال فى شرح مسلم: إنه الأصح، لأنه يبعد أن يخاطب الله عباده بما لا سبيل لأحد من الخلق، إلى معرفته. وكذا ابن الحاجب: إنه الظاهر، قال ابن السمعانى: لم يذهب إلى هذا إلا شرذمة قليلون، وقد يجمع بين روايتى ابن عباس: إن المتشابه ثلاثة أضرب، ضرب لا سبيل إلى معرفته كالساعة وخروج الدابة، وضرب للإنسان سبيل إلى معرفته كالألفاظ العربية والأحكام يظهر فيها القلق لمن لم يقو علمه، وضرب متردد بين الأمرين يختص بمعرفته بعض الراسخين فى العلم، ويخفى على من دونهم كما قال صلى الله عليه وسلم فى ابن عباس رضى الله عنهما "حديث : اللهم فقهه فى الدين وعَلِّمه التأويل"تفسير : وفى الحديث إشارة إلى أن المراد بالراسخين عام. وقيل: الراسخون فى الآية مؤمنوا أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام. وسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الراسخين فى العلم، فقال: "حديث : من برّت يمينه وصدق لِسَانُهُ واستقام قَلْبه وعَفَّ بَطْنه فذلك الراسخ فى العلم ". تفسير : وسئل مالك عن تفسير الراسخين، فقال: العالمون العاملون بما عملوا، المتبعون له - يشير إلى الحديث المتقدم - قال الله تعالى: {أية : إنمَّا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَماءُ}تفسير : فإن من لم يخش الله ليس بعالم. وقيل الراسخ فى العلم من وجد في علمه ربعة أشياء: التقوى فيما بينه وبين الله، والتواضع فيما بينه وبين الناس، والزهد فيما بينه وبين الدنيا، والمجاهدة فيما بينه وبين النفس. والهاء فى قوله {آمنا به} عائدة إلى ما تشابه كهاء تأويله، أى: آمنا به أنه من الله ولا نعلم معناه، أو مع علمنا إياه على الخلاف المذكور. ويجوز عود الهاءات إلى الكتاب كهاء "منهُ"، ومعنى {كل من عند ربنا} كل واحدة من المحكمات والمتشابهات، من عند ربنا. وإذا عطفنا {الرَّاسِخُونَ} إلى الله فجملة {يَقُولُونَ} مستأنفة، أو حال من الراسخون. {وَمَا يَذَّكَّرُ}: يتذكر أبدلت التاء دالا مهملة، ثم المهملة معجمة، وأدغمت فى المعجمة، وقيل: أبدلت التاء دالا فعجمت وأدغمت. {إلاَّ أوُلُوا الأَلْبَابِ}: أصحاب العقول، مدح الراسخين فى العلم بأنهم يتعظون دون غيرهم، لكونهم أصحاب قلوب مخصوصة، بجودة الذهن، وحسن النظر، وبالتجرد عما يغشى نورها من الحواس، كنظر الشهوة، واستعمال الباطل، وأكل الحرام، بذلك توصلوا إلى معرفة المتشابه إن عرفوه. وإنما جىء قوله تعالى {هُوَ الَّذىِ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَاب} الآية بعد قوله {أية : هُو الَّذِى يُصَوِّرُكُمْ فِى الأرْحَامِ كيْفَ يَشَاءُ}تفسير : لأنه فى تصوير الأرحام بالعلم وتربيته، كما أن قوله {هو الذى يصوركم} إلخ، فى تصوير الحسد وتسويته، ولأنه رد على النصارى فى قولهم عيسى ابن الله؛ إذ تشبثوا بما نزل فى غير القرآن، كالقرآن أن عيسى كلمته ألقاها إلى مريم، اشتبه عليهم هذا - لعنهم الله - فقالوا: ابنه، وما علموا أن المصور، بكسر الواو، غير الأب، وبالفتح غير إله.

اطفيش

تفسير : {هُوَ الَّذِى أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ} القرآن {مِنْهُ ءَايآتُ مُحْكَمَاتٌ} واضحات الدلالة، ولو احتملت النسخ، وزاد الحنفية أنه لا يحتمل النسخ مع الوضوح، فهن أحكمن عن اللبس أو عنه وعن النسخ {هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ} أصله المعتمد عليه، كل واحدة أم الكتاب، أو هن كالآية الواحدة في التكامل والاجتماع والأصل ما يرد إليه غيره، كقوله تعالى، {أية : لا تدركه الأبصار} تفسير : [الأنعام: 103]، يرد إليه قوله تعالى: {أية : إلى ربها ناظرة} تفسير : [القيامة: 23]، بتفسيره بمنتظره {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} لا يفهم معناها، ومعنى متشابه مشتبه، أى منبهم غير متبين، فلا يحتاج إلى ما يشاركه في الشبه، فلا إشكال، وذلك كأوائل السور مما يفهم ألبتة، أو يفهم بمزيد تأول، أو متشابهات بمعنى محتملات، كالقروء للحيض، أو للأطهار أو مجاز وتلويحات، فكأنه قيل، عارضوه بما شئتم، بصريحه، أو غير صريحة فلن تستطيعوه، أو المتشابه ما لا نعلم علته، كأعداد الصلوات، والمحكم ما عقلت علته، والتشابه من صفات المعنى، وصف بها اللفظ مجازاً، من إسناد ما المدلول للدال، وبطلق المحكم على الحكم أيضاً، على معنى نفى العيب معنى ولفظا المتشابه على معنى تشابهها في الصدق والحسن، وكل القرآن لا عيب فيه وصادق حسن، روى حديث : أن وفد نجران أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ألست تزعم أن عيسى كلمة الله وروح منه؟ قال: بلى، قالوا: فحسبنا ذلك، فرد عليهمتفسير : ، وبين أن الكتاب قسمان، قسم يفهمه الناس، وقسم لا يفهمه أمثالهم، كما لم يفهموا معنى كونه كلمة الله وروحاً منه، {فَأَمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} الميل إلى الباطل، والميل يصلح فى الميل إلى الباطل، وفى الميل إلى الحق، فهو أعم من الزيغ، وهم اليهود ونصارى نجران والمنافقون، ومنكرو البعث {فَيَتّبِعُونَ مَا تَشَآبَهَ مِنْهُ} عملا بظاهره أو بتأويله بباطل {ابْتِغَآءَ الفِتْنَةِ} طلبا لصرف الناس عن دين الحق، كتفسير يد الله باليد الحقيقية. وهو شرك، وتفسيرها باليد بلا كيف وهو فسق، وكذا سائر أسماء الأعضاء والجهات في القرآن في حق الله تعالى عنها، وكتفسير الاستواء بالتمكن حقيقة وهو إشراك، وبلا كيف وهو فسق، وكزعم المشرك أن العرش واحد قديم عليه، عليه تمكن، أو نوع قديم كذلك {وَابْتِغَآءَ تَأْوِيِلِهِ} طلبا لرجعه إلى معنى باطل، فإن التأويل يطلق على التفسير الباطل كما يطلق على التفسير الصحيح، أو المراد التأويل الصحيح من زعمهم، وفي تأويلهم تشكيك للناس، وابتغاء التأويل يوجب ابتغاء الفتنة بدون عكس، ولذا قدم ابتغاء الفتنة، وكانوا يظهرون التناقض بين معانى القرآن بمناقضة المحكم بالمتشابه، مثل أن يقولوا، كيف يقول، {أية : ليس كمثله شىء} تفسير : [الشورى: 11] مع قوله {أية : على العرش استوى} تفسير : [طه: 5]، ويد الله وعينه وجنبه ونحو ذلك، وصح الجمع بين ابتغاء الفتنة وابتغاء التأويل لما علمت من أن ابتغاء التأويل يوجب ابتغاء الفتنة دون العكس، أو لأن ابتغاء التأويل في زعمهم إظهار للحق وتجويد للفهم بدون اعتبار أن يقتدى بهم غيرهم أو ألا يقتدوا بهم {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ} أى تأويله المتشابه {إلآ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ} عطف على لفظ الجلالة {في العِلْمِ} يعلم الله والمتمكنون في العلم معنى المتشابه كما نسرنا الاستواء بالغلبة، واليد بالقدرة والملك، وإن أريد بالمتشابه ما اختص الله بعلمه. وعلم وجه الشىء كمدة الدنيا، أو سائر خلقه وعدد الزبانية التسعة عشر فالمعنى لا يعلم تأويله إلا الله، وأن الراسخين في العلم {يَقولُونَ ءَامَنَّا بِهِ} بالمتشابه كما هو بلا دخول في تفسيره. الجملة مستأنفة، أو حال من الراسخون، وإن جعلنا الراسخون مبتدأ فالجملة هذه خبره {كُلٌّ} من المحكم والمتشابه {مِّن عِندِ رَبِّنَا} كناية عن كونهما حقا، فإن كل ما جاء من الله حق، حديث : روى أنس عنه صلى الله عليه وسلم أن الراسخين من صدق حديثه، وبر يمينه، وعف بطنه وفرجهتفسير : ، والمراد أن هذه علامتهم التى يتعين أن يكونوا عليها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لوفد نجران، "حديث : ألستم تعلمون أن ربنا حى لا يموت، وأن عيسى عليه السلام يأتى عليه الفناء؟ قالوا: بلى، قال عليه الصلاة والسلام: ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا فى السماء؟ قالوا: بلى، قال صلى الله عليه وسلم: فهل يعلم عيسى من ذلك إلا ما علم؟ قالوا: نعلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألستم تعلمون أن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء، وأن ربنا لا يأكل ولا يشرب ولا يحدث؟ قالوا: بلى، قال صلى الله عليه وسلم: ألستم تعلمون أن عيسى عليه السلام حملته أمه كما تحمل المرأة، ووضعته كما تضع المرأة ولدها ثم غذى كما يغذى الصبي، ثم كان يطعم الطعام ويشرب الشراب ويحدث الحدث؟ قالوا: بلى، قال عليه الصلاة والسلام. فكيف يكرن هذا كما زعمتم، فسكتوا"تفسير : ، فأنزل الله عز وجل فيهم من سورة آل عمران إلى بضع وثمانين، وتقدم أن ثلاثة من الوفد مقدمون عندهم، وآل أمرهم إليهم، وهم العاقب أميرهم، والسيد صاحب رحلتهم، وأبو حارثة بن علقمة حبرهم وإمامهم، وروى أنهم دخلوا مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صلى العصر، عليهم ثياب الحبرة، جبب وأَردية من رآهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما رأينا وفداً مثلهم، وقد حانت صلاتهم، فقاموا يصلون في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلوا إلى المشرق، فكلم العاقب والسيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أسْلِما، فقالا: قد أسلمنا قبلك، قال صلى الله عليه وسلم: كذبتما يمنعكما من الإسلام دعاؤكما لله ولداً وعبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير، فقالا: إن لم يكن ولد الله فمن أبوه؟ إلى آخر ما مر، وفيه، ألم تعلموا أن ربنا قيوم كل شىء وحافظه ورازقه؟ قالوا: بلى"تفسير : {وَما يَذَّكَّرُ} يتذكر في شأن المتشابه كغيره {إلآّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} وهم الراسخون فى العلم، مدحهم بشدة، قوة للنفس معدة لاكتساب الأَراء لخلوها من الأوهام الفاسدة، وهذا من كلام الله عز وجل، والرسوخ في العلم يكون بالتقوى والتواضع والزهد والمجاهدة، وهذا كلام من الله، معترض بين قول الراسخين المتقدم وقولهم.

الالوسي

تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ } استئناف لإبطال شبه الوفد وإخوانهم الناشئة عما نطق به القرآن في نعت المسيح عليه السلام إثر بيان اختصاص الربوبية ومناطها به سبحانه. قيل: إن الوفد قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ألست تزعم أن عيسى كلمة الله تعالى وروح منه؟ قال: بلى قالوا: فحسبنا ذلك (فنعى سبحانه عليهم زيغهم) وفتنتهم وبين أن الكتاب مؤسس على أصول رصينة وفروع مبنية عليها ناطقة بالحق قاضية ببطلان ما هم عليه ـ كذا قيل ـ ومنه يعلم وجه مناسبة الآية لما قبلها، واعترض بأن هذا الأثر لم يوجد له أثر في "الصحاح" ولا سند يعول عليه في غيرها، وقصارى ما وجد عن الربيع أن المراد بالموصول الآتي الوفد، وفيه أن الأثر بعينه أخرجه في «الدر المنثور» عن أبـي حاتم وابن جرير عن الربيع، وعن بعضهم أن الآية نزلت في اليهود، وذلك حين مر أبو ياسر بن أخطب (فجاء رجل من يهود لرسول) الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو فاتحة سورة البقرة [1-2] {أية : الۤمۤ * ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ } تفسير : فأتى أخاه حيي بن أخطب في رجال من يهود فقال: أتعلمون والله لقد سمعت محمداً يتلو فيما أنزل عليه {الۤمۤ * ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ} فقال: أنت سمعته؟ قال: نعم فمشى حي وافى أولئك النفر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ألم يذكر أنك تتلو فيما أنزل عليك {الۤمۤ * ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ }؟ فقال: بلى فقال: لقد بعث الله تعالى قبلك أنبياء ما نعلمه بين لنبـي منهم ما مدة ملكه وما أجل أمته غيرك. الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون فهذه إحدى وسبعون سنة هل مع هذا غيره؟ قال: نعم {أية : الۤمۤصۤ}تفسير : [الأعراف: 1] قال: هذه أثقل وأطول الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون والصاد تسعون فهذه مائة وإحدى وستون سنة هل مع هذا غيره؟ قال: نعم {أية : الۤر} تفسير : [يونس: 1] قال: هذه أثقل وأطول هل مع هذا غيره؟ قال: بلى {أية : الۤمۤر} تفسير : [الرعد: 1] قال: هذه أثقل وأطول ثم قال: لقد لبس علينا أمرك حتى ما ندري أقليلاً أعطيت أم كثيراً ثم قال: قوموا ثم قال أبو ياسر لأخيه ومن معه: وما يدريكم لعله لقد جمع هذا كله لمحمد؟ فقالوا: لقد تشابه علينا أمره». وقد أخرج ذلك البخاري في «التاريخ» وابن جرير وغيرهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إلا أن فيه فيزعمون أن هذه الآيات نزلت فيهم وهو مؤذن بعدم الجزم بذلك ومع هذا يبعده ما تقدم من رواية «إن الله تعالى أنزل في شأن أولئك الوفد من مصدر آل عمران إلى بضع وثمانين آية» وعلى تقدير الإغماض عن هذا يحتمل أن يكون وجه اتصال الآية بما قبلها أن في المتشابه خفاءاً كما أن تصوير ما في الأرحام كذلك أو أن في هذه تصوير الروح بالعلم وتكميله به وفيما قبلها تصوير الجسد وتسويته فلما أن في كل منهما تصويراً وتكميلاً في الجملة ناسب/ ذكره معه ولما أن بين التصوير الحقيقي الجسماني والذي ليس هو كذلك من الروحاني من التفاوت والتباين ترك العطف. وقوله سبحانه: {مِنْهُ آيَـٰتٌ} الظرف فيه خبر مقدم، وآيات مبتدأ مؤخر أو بالعكس، ورجح الأوّل: بأنه الأوفق بقواعد الصناعة، والثاني: بأنه أدخل في جزالة المعنى إذ المقصود الأصلي انقسام الكتاب إلى القسمين المعهودين لا كونهما من الكتاب، والجملة إما مستأنفة أو في حيز النصب على الحالية من الكتاب أي هو الذي أنزل عليك الكتاب كائناً على هذه الحالة أي منقسماً إلى محكم وغيره أو الظرف وحده حال و (آيات) مرتفع به على الفاعلية {مُّحْكَمَـٰتٌ } صفة (آيات) أي واضحة المعنى ظاهرة الدلالة محكمة العبارة محفوظة من الاحتمال والاشتباه {هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ } أي أصله والعمدة فيه يرد إليها غيرها والعرب تسمي كل جامع يكون مرجعاً ـ أماً ـ والجملة إما صفة لما قبلها أو مستأنفة وإنما أفرد ـ الأم ـ مع أن الآيات متعددة لما أن المراد بيان أصلية كل واحدة منها أو بيان أن الكل بمنزلة آية واحدة {وَأُخَرُ} نعت لمحذوف معطوف على (آيات) أي ـ وآيات أخر ـ وهي كما قال الرضيّ: جمع أخرى التي هي مؤنث آخر ومعناه في الأصل أشد تأخراً فمعنى ـ جاءني زيد، ورجل آخر ـ جاءني زيد، ورجل أشد تأخراً منه في معنى من المعاني، ثم نقل إلى معنى غيره فمعنى رجل آخر رجل غير زيد ولا يستعمل إلا فيما هو من جنس المذكور أولا فلا يقال: جاءني زيد وحمار آخر ولا امرأة أخرى، ولما خرج عن معنى التفضيل استعمل من دون لوازم أفعل التفضيل أعني ـ من ـ والإضافة واللام وطوبق بالمجرد عن اللام والإضافة ما هو له نحو رجلان آخران ورجال آخرون وامرأة أخرى وامرأتان أخريان ونسوة أخر. وذهب أكثر النحويين إلى أنه غير منصرف لأنه وصف معدول عن الآخر قالوا: لأن الأصل في أفعل التفضيل أن لا يجمع إلا مقروناً بالألف واللام ـ كالكبر والصغر ـ فعدل عن أصله وأعطى من الجمعية مجرداً ما لا يعطي غيره إلا مقروناً، وقيل: الدليل على عدل (أخر) أنه لو كان مع من المقدرة كما في ـ الله أكبر ـ للزم أن يقال بنسوة آخر على وزن أفعل لأن أفعل التفضيل ما دام بمن ظاهرة أو مقدرة لا يجوز مطابقته لمن هو له بل يجب إفراده، ولا يجوز أن يكون بتقدير الإضافة لأن المضاف إليه لا يحذف إلا مع بناء المضاف، أو مع ساد مسد المضاف إليه، أو مع دلالة ما أضيف إليه تابع المضاف أخذاً من استقراء كلامهم فلم يبق إلا أن يكون أصله اللام، واعترض عليه أبو علي بأنه لو كان كذلك وجب أن يكون معرفة كسحر. وأجيب بأنه لا يلزم في المعدول عن شيء أن يكون بمعناه من كل وجه وإنما يلزم أن يكون قد أخرج عما يستحقه وما هو القياس فيه إلى صيغة أخرى، نعم قد تقصد إرادة تعريفه بعد النقل إما بألف ولام يضمن معناها فيبنى، أو إما بعلمية كما في سحر فيمنع من الصرف، ولما لم يقصد في (أخر) إرادة الألف واللام أعرب، ولا يصح إرادة العلمية لأنها تضاد الوصفية المقصودة منه. وقال ابن جني: إنه معدول عن آخر من، وزعم ابن مالك أنه التحقيق وظاهر كلام أبـي حيان اختياره ـ واستدلوا عليه بما لا يخلو عن نظر ـ. ووصف آخر بقوله سبحانه: {مُتَشَـٰبِهَـٰتٌ } وهي في الحقيقة صفة لمحذوف أي محتملات لمعان متشابهات لا يمتاز بعضها عن بعض في استحقاق الإرادة ولا يتضح الأمر إلا بالنظر الدقيق، وعدم الاتضاح قد يكون للاشتراك أو للإجمال، أو لأن ظاهره التشبيه فالمتشابه في الحقيقة وصف لتلك المعاني وصف به الآيات على طريقة وصف الدال بما هو وصف للمدلول فسقط ما قيل: إن واحد متشابهات متشابهة، / وواحد (أخر) أخرى، والواحد هنا لا يصح أن يوصف بهذا الواحد فلا يقال: أخرى متشابهة إلا أن يكون بعض الواحدة يشبه بعضاً ـ وليس المعنى على ذلك ـ وإنما المعنى أن كل آية تشبه آية أخرى فكيف صح وصف الجمع بهذا الجمع ولم يصح وصف مفرده بمفرده؟! ولا حاجة إلى ما تكلف في الجواب عنه بأنه ليس من شرط صحة وصف المثنى والمجموع صحة بسط مفردات الأوصاف على أفراد الموصوفات كما أنه لا يلزم من الإسناد إليهما صحة إسناده إلى كل واحد كما في {أية : فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ } تفسير : [القصص: 15] إذ الرجل لا يقتتل، وقيل: إنه لما كان من شأن الأمور المتشابهة أن يعجز العقل عن التمييز بها سمي كل ما لا يهتدي العقل إليه متشابهاً وإن لم يكن ذلك بسبب التشابه كما أن المشكل في الأصل ما دخل في أشكاله وأمثاله ولم يعلم بعينه ثم أطلق على كل غامض وإن لم يكن غموضه من تلك الجهة وعليه يكون المتشابه مجازاً أو كناية عما لا يتضح معناه مثلاً فيكون السؤال مغالطة غير واردة رأساً وهذا الذي ذكره في تفسير المحكم والمتشابه هو مذهب كثير من الناس ـ وعليه الشافعية ـ. وتقسيم الكتاب إليهما من تقسيم الكل إلى أجزائه بناءاً على أن المراد من الكتاب ما بين الدفتين ولامه لتعريف العهد، وحينئذ إما أن يراد بالكتاب الثاني المضاف إليه أم الأول الواقع مقسماً كما يشعر به حديث إعادة الشيء معرفة ويكون وضع المظهر موضع المضمر اعتناءاً بشأن المظهر وتفخيماً له والإضافة على معنى في ـ كما في واحد العشرة ـ فلا يلزم كون الشيء أصلاً لنفسه لأن المعنى على أن الآيات المحكمات التي هي جزء مما بين الدفتين أصل فيما بين الدفتين يرجع إليه المتشابه منه، واعتبار ظرفية الكل للجزء يدفع توهم لزوم ظرفية الشيء لنفسه ـ وهذا أولى من القول بتقدير مضاف بين المتضايفين ـ بأن يقال التقدير أم بعض الكتاب فإنه وإن بقي فيه الكتاب على حاله إلا أنه لا يخلو عن تكلف، وإما أن يراد به الجنس فإنه كالقرآن يطلق على القدر المشترك بين المجموع وبين كل بعض منه له به نوع اختصاص كما بين في الأصول، ويراد من هذا الجنس ما هو في ضمن الآيات المتشابهات فاللام حينئذ للجنس والإضافة على معنى اللام ولا يعارضه حديث الإعادة إذ هو أصل كثيراً ما يعدل عنه ولا يتوهم منه كون الشيء ـ أُمّاً ـ لنفسه أصلاً ولا أن المقام مقام الإضمار ليحتاج إلى الجواب عن ذلك، وبعض فضلاء العصر ـ العاصرين حميا العلم من كرم أذهانهم الكريمة أحسن عصر ـ جوز كون الإضافية ـ لامية ـ، و (الكتاب) المضاف إليه هو الكتاب الأول بعينه وليس في الكلام مضاف محذوف وما يلزم على ذلك من كون الشيء ـ أُمّاً ـ لنفسه وأصلاً لها لا يضر لاختلاف الاعتبار فإن ـ أمومته ـ لغيره من المتشابه باعتبار رده إليه وإرجاعه له ـ وأمومته ـ لنفسه باعتبار عدم احتياجه لظهور معناه إلى شيء سوى نفسه، ولا يخفى عليك أن ـ الأم ـ إن كانت في كلا الاعتبارين حقيقة لزم استعمال المشترك في معنييه وإن كانت في كليهما مجازاً لزم الجمع بين معنيين مجازيين، وإن كانت حقيقة في الأصل باعتبار ما يرجع إليه غيره كما يفهم من بعض عباراتهم مجازاً في الأصل بمعنى المستغني عن غيره لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز ولا مخلص عن ذلك إلا بارتكاب عموم المجاز، هذا وجوز أن يكون التقسيم إلى القسمين المحكم والمتشابه من تقسيم الكلي إلى جزئياته فأل في ـ الكتاب ـ للجنس أولاً وآخراً إلا أن المراد من الكتاب في الأول الماهية من حيث هي كما هو الأمر المعروف في مثل هذا التقسيم، وفي الثاني الماهية باعتبار تحققها في ضمن بعض الأفراد وهو المتشابه، ويجوز أن يراد من الثاني أيضاً مجموع ما بين الدفتين والكلام فيه حينئذ على نحو ما سبق، قيل: وقصارى ما يلزم من هذا التقسيم بعد تحمل القول بأنه خلاف الظاهر صدق الكتاب على الأبعاض وهو/ مما لا يتحاشى منه بل هو غرض من فسر الكتاب بالقدر المشترك، وأنت تعلم أن فيه غير ذلك إلا أنه يمكن دفعه بالعناية فتدبر. وذهب ساداتنا الحنفية إلى أن المحكم الواضح الدلالة الظاهر الذي لا يحتمل النسخ، والمتشابه الخفي الذي لا يدرك معناه عقلاً ولا نقلاً وهو ما استأثر الله تعالى بعلمه كقيام الساعة والحروف المقطعة في أوائل السور؛ وقيل: المحكم الفرائض والوعد والوعيد، والمتشابه القصص والأمثال، أخرج ابن أبـي حاتم من طريق علي ابن أبـي طلحة عن ابن عباس قال ـ المحكمات ـ ناسخه وحلاله وحرامه وحدوده وفرائضه، و ـ المتشابهات ـ ما يؤمن به ولا يعمل به، وأخرج الفريابـي عن مجاهد قال ـ المحكمات ـ ما فيه الحلال والحرام وما سوى ذلك متشابه، وأخرج عبيد بن عمير عن الضحاك قال ـ المحكمات ـ ما لم ينسخ ـ والمتشابهات ـ ما قد نسخ، وقال الماوردي: المحكم ما كان معقول المعنى، والمتشابه بخلافه كأعداد الصلوات، واختصاص الصيام برمضان دون شعبان، وقيل: المحكم ما لم يتكرر ألفاظه، والمتشابه ما يقابله، وقيل: غير ذلك، وهذا الخلاف في ـ المحكم والمتشابه ـ هنا وإلا فقد يطلق المحكم بمعنى المتقن النظم، والمتشابه على ما يشبه بعضه بعضاً في البلاغة، وهما بهذا المعنى يطلقان على جميع القرآن وعلى ذلك خرج قوله تعالى: {أية : الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ ءايَـٰتُهُ } تفسير : [هود: 1] وقوله سبحانه: {أية : كِتَـٰباً مُّتَشَـٰبِهاً مَّثَانِيَ } تفسير : [الزمر: 23]. {فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ } أي عدول عن الحق وميل عنه إلى الأهواء. وقال الراغب: ((الزيغ الميل عن الاستقامة إلى أحد الجانبين)) ـ وزاغ وزال ومال ـ متقاربة لكن زاغ لا يقال إلا فيما كان عن حق إلى باطل ومصدره زيغاً وزيغوغة وزيغاناً وزيوغاً، والمراد بالموصول نصارى نجران أو اليهود ـ وإليه ذهب ابن عباس ـ وقيل: منكرو البعث، وقيل: المنافقون، وأخرج الإمام أحمد وغيره على أبـي أمامة عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنهم الخوارج وظاهر اللفظ العموم لسائر من زاغ عن الحق فليحمل ما ذكر على بيان بعض ما صدق عليه العام دون التخصيص، وفي جعل قلوبهم مقراً للزيغ مبالغة في عدولهم عن سنن الرشاد وإصرارهم على الشر والفساد. وزيغ مبتدأ أو فاعل {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنْهُ } أي يتعلقون بذلك وحده بأن لا ينظروا إلى ما يطابقه من المحكم ويردوه إليه وهو إما بأخذ ظاهره الغير المراد له تعالى أو أخذ أحد بطونه الباطلة وحينئذ يضربون القرآن بعضه ببعض ويظهرون التناقض بين معانيه إلحاداً منهم وكفراً ويحملون لفظه على أحد محتملاته التي توافق أغراضهم الفاسدة في ذلك وهذا هو المراد بقوله سبحانه: {ٱبْتِغَاء ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَاء تَأْوِيلِهِ } أي طلب أن يفتنوا المؤمنين والمؤمنات عن دينهم بالتشكيك والتلبيس ومناقضة المحكم بالمتشابه ـ كما نقل عن الواقدي ـ وطلب أن يؤولوه حسبما يشتهون، فالإضافة في {تَأْوِيلِهِ } للعهد أي بتأويل مخصوص وهو ما لم يوافق المحكم بل ما كان موافقاً للتشهي. والتأويل التفسير ـ كما قاله غير واحد ـ وقال الراغب: ((إنه من الأول وهو الرجوع إلى الأصل ـ ومنه الموئل ـ للموضع الذي يرجع إليه وذلك هو رد الشيء إلى الغاية المرادة منه علماً كان أو فعلاً، ومن الأول ما ذكر هنا، ومن الثاني قوله:شعر : وللنوى قبل يوم البين تأويل تفسير : وقوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ}تفسير : [الأعراف: 53] أي بيانه الذي هو غايته المقصودة منه وقوله سبحانه: {أية : ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} تفسير : [الإسراء: 35] قيل: أحسن ترجمة ومعنى، وقيل: أحسن ثواباً في الآخرة)) انتهى. وجوز في هاتين الطلبتين أن تكونا على سبيل التوزيع بأن يكون {ٱبْتِغَاء ٱلْفِتْنَةِ} طلبة بعض وابتغاء التأويل/ حسب التشهي طلبة آخرين، ويجوز أن يكون الاتباع لمجموع الطلبتين وهو الخليق بالمعاند لأنه لقوة عناده ومزيد فساده يتشبث بهما معاً وأن يكون ذلك لكل واحدة منهما على التعاقب وهو المناسب بحال الجاهل لأنه متحير تارة يتبع ظاهره وتارة يؤوله بما يشتهيه لكونه في قبضة هواه يتبعه كلما دعاه، ومن الناس من حمل الفتنة على المال فإن الله سبحانه قد سماه فتنة في مواضع من كلامه ولا يخفى أنه ليس بشيء مدعى ـ ودليلاً، وفي تعليل الاتباع ـ بابتغاء تأويله ـ دون نفس (تأويله) وتجريد ـ التأويل ـ عن الوصف بالصحة والحقية إيذان بأنهم ليسوا من التأويل ـ في عير ولا نفير، ولا قبيل ولا دبير ـ وأن ما يتبعونه ليس بتأويل أصلاً لا أنه تأويل غير صحيح قد يعذر صاحبه. {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱلرَّسِٰخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ } في موضع الحال من ضمير ـ يتبعون ـ باعتبار العلة الأخيرة أي يتبعون المتشابه لابتغاء تأويله، والحال أن التأويل المطابق للواقع كما يشعر به التعبير بالعلم والإضافة إلى الله تعالى مخصوص به سبحانه وبمن وفقه عز شأنه من عباده الراسخين في العلم أي الذين ثبتوا وتمكنوا فيه ولم يتزلزلوا في مزال الأقدام ومداحض الأفهام دونهم حيث إنهم بمعزل عن تلك الرتبة هذا ما يقتضيه الظاهر في تفسير الراسخين، وأخرج ابن عساكر من طريق عبد الله بن يزيد الأزدي قال: «سمعت أنس بن مالك يقول: حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الراسخين في العلم فقال: من صدق حديثه وبر في يمينه وعف بطنه وفرجه فذلك الراسخون في العلم تفسير : ولعل ذلك بيان علامتهم وما ينبغي أن يكونوا عليه، والمراد بالعلم العلم الشرعي المقتبس من مشكاة النبوة فإن أهله هم الممدوحون. {يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ} استئناف موضح لحال الراسخين ولهذا فصل، والنحاة يقدرون له مبتدأ دائماً ـ أي هم يقولون ـ وقد قيل: إنه لا حاجة إليه ولم يعرف وجه التزامهم لذلك فلينظر، وجوز أن يكون حالاً من الراسخين ـ والضمير المجرور راجع إلى المتشابه وعدم التعريض لإيمانهم بالمحكم لظهوره وإن رجع إلى الكتاب فله وجه أيضاً لأن مآله كل من أجزاء الكتاب أو جزئياته وذلك لا يخلو عن الأمرين، ثم هذا القول وإن لم يخص ـ الراسخين ـ لكن فيه تعريض بأن مقتضى الإيمان به أن لا يسلك فيه طريق لا يليق من تأويله على ما مر فكأن غيرهم ليس بمؤمن. {كُلٌّ مّنْ عِندِ رَبّنَا } من تمام مقولهم مؤكد لما قبله ومقرر له أي كل واحد منه ومن المحكم ـ أو كل واحد من متشابهه ومحكمه منزل من عنده تعالى لا مخالفة بينهما، وفي التعبير بالرب إشارة إلى سر إنزال المتشابه، والحكمة فيه لما أنه متضمن معنى التربية والنظر في المصلحة والإيصال إلى معارج الكمال أولاً فأولاً، وقد قالوا: إنما أنزل المتشابه لذلك ليظهر فضل العلماء ويزداد حرصهم على الاجتهاد في تدبره وتحصيل العلوم التي نيط بها استنباط ما أريد به من الأحكام الحقيقية فينالوا بذلك وبإتعاب القرائح واستخراج المقاصد الرائقة والمعاني اللائقة المدارج العالية ويعرجوا بالتوفيق بينه وبين المحكم إلى رفرف الإيقان وعرش الاطمئنان ويفوزوا بالمشاهد السامية وحينئذ ينكشف لهم الحجاب ويطيب لهم المقام في رياض الصواب، وذلك من التربية والإرشاد أقصى غاية ونهاية في رعاية المصلحة ليس وراءها نهاية. {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلالْبَـٰبِ } عطف على جملة {يَقُولُونَ } سيق من جهته تعالى مدحاً للراسخين بجودة الذهن وحسن النظر لما أنهم قد تجردت عقولهم عما يغشاها من الركون إلى الأهواء الزائغة المكدرة لها واستعدوا إلى الاهتداء إلى معالم الحق والعروج إلى معارج الصدق، وللإشارة إلى ذلك وضع الظاهر موضع/ الضمير هذا على تقدير أن يكون الوقف على (الراسخون) وهو الذي ذهب إليه الشافعية. وسائر من فسر المتشابه بما لم يتضح معناه، وأما على تقدير أن يكون الوقف على {إِلاَّ ٱللَّهُ } وهو الذي ذهب إليه الحنفية القائلون بأن المتشابه ما استأثر الله تعالى بعلمه فالراسخون مبتدأ وجملة {يَقُولُونَ } خبر عنه، ورجح الأول بوجوه: أما أولاً: فلأنه لو أريد بيان حظ الراسخين مقابلاً لبيان حظ الزائغين لكان المناسب أن يقال وأما الراسخون فيقولون، وأما ثانياً: فلأنه لا فائدة حينئذ في قيد الرسوخ بل هذا حكم العالمين كلهم، وأما ثالثاً: فلأنه لا ينحصر حينئذ الكتاب في المحكم والمتشابه على ما هو مقتضى ظاهر العبارة حيث لم يقل ـ ومنه متشابهات ـ لأن ما لا يكون متضح المعنى ويهتدي العلماء ألى تأويله ورده إلى المحكم لا يكون محكماً ولا متشابهاً بالمعنى المذكور وهو كثير جداً، وأما رابعاً: فلأن المحكم حينئذ لا يكون ـ أمّ الكتاب ـ بمعنى رجوع المتشابه إليه إذ لا رجوع إليه فيما استأثر الله تعالى بعلمه كعدد الزبانية مثلاً، وأما خامساً: فلأنه قد ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم دعا لابن عباس فقال: «حديث : اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» تفسير : ولو كان التأويل مما لا يعلمه إلا الله تعالى لما كان للدعاء معنى، وأما سادساً: فلأن ابن عباس رضي الله تعالى عنه كان يقول: أنا ممن يعلم تأويله، وأما سابعاً: فلأنه سبحانه وتعالى مدح الراسخين بالتذكر في هذا المقام وهو يشعر بأن لهم الحظ الأوفر من معرفة ذلك، وأما ثامناً: فلأنّه يبعد أن يخاطب الله تعالى عباده بما لا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته. والقول بأن ـ أما ـ للتفصيل فلا بد في مقابلة الحكم على الزائغين من حكم على الراسخين ليتحقق التفصيل. غاية الأمر أنه حذفت ـ أما ـ والفاء، وبأن الآية من قبيل الجمع والتقسيم والتفريق فالجمع في قوله سبحانه: {أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ } والتقسيم في قوله تعالى: {مِنْهُ ءآيَـٰتٌ مُّحْكَمَـٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰتٌ } والتفريق في قوله عز شأنه: {فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ } الخ فلا بد في مقابلة ذلك من حكم يتعلق بالمحكم وهو أن الراسخين يتبعونه ويرجعون المتشابه إليه على ما هو مضمون قوله سبحانه: {وَٱلرٰسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ } الخ مجاب عنه بأن كون ـ أما ـ للتفصيل أكثري لا كلي ولو سلم فليس ذكر المقابل في اللفظ بلازم. ثم لو سلم بأن الآية من قبيل الجمع والتقسيم والتفريق فذكر المقابل على سبيل الاستئناف أو الحال أعني: (يقولون) الخ كاف في ذلك، ورجح الثاني بأنه مذهب الأكثرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين وأتباعهم خصوصاً أهل السنة، وهو أصح الروايات عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، ولم يذهب إلى القول الأول إلا شرذمة قليلة بالنسبة إلى الأكثرين كما نص عليه ابن السمعاني وغيره ـ ويد الله تعالى مع الجماعة. ويدل على صحة مذهبهم أخبار كثيرة: الأول ما أخرجه عبد الرزاق في «تفسيره». والحاكم في «مستدركه» عن ابن عباس أنه كان يقرأ ـ وما يعلم تأويله إلا الله ويقول الراسخون في العلم آمنا به ـ فهذا يدل على أن الواو للاستئناف لأن هذه الرواية وإن لم تثبت بها القراءة فأقل درجاتها أن تكون خبراً بإسناد صحيح إلى ترجمان القرآن فيقدم كلامه على من دونه، وحكى الفراء أن في قراءة أبـيّ بن كعب أيضاً ـ ويقول الراسخون في العلم. وأخرج ابن أبـي داود في «المصاحف» من طريق الأعمش قال في قراءة ابن مسعود ـ وإن تأويله إلا عند الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به ـ الثاني ما أخرج الطبراني في «الكبير» عن أبـي مالك الأشعري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : لا أخاف على أمتي إلا ثلاث خلال أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيقتتلوا وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله وما يبتغي تأويله إلا الله تعالى»تفسير : . الحديث الثالث: ما أخرج ابن مردويه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رسول الله/ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضاً فما عرفتم منه فاعملوا به وما تشابه فآمنوا به»تفسير : . الرابع: ما أخرج الحاكم عن ابن مسعود عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة: زاجر وآمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال فأحلوا حلاله وحرموا حرامه وافعلوا ما أمرتم به وانتهوا عما نهيتم عنه واعتبروا بأمثاله واعملوا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه وقولوا: آمنا به كل من عند ربنا»تفسير : . وأخرج البيهقي في «الشعب» نحوه عن أبـي هريرة، الخامس: ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس مرفوعاً «حديث : أنزل القرآن على أربعة أحرف حلال وحرام لا يعذر أحد بجهالته وتفسير تفسره العلماء ومتشابه لا يعلمه إلا الله تعالى ومن ادعى علمه سوى الله تعالى فهو كاذب»تفسير : إلى غير ذلك من الأخبار الدالة على أن المتشابه مما لا يعلم تأويله إلا الله تعالى. وذهب بعض المحققين إلى أن كلاً من الوقف والوصل جائز ـ ولكل منهما وجه وجيه ـ وبين ذلك الراغب بأن القرآن عند اعتبار بعضه ببعض ثلاث أضرب ـ محكم على الإطلاق. ومتشابه على الإطلاق، ومحكم من وجه متشابه من وجه، فالمتشابه في الجملة ثلاثة أضرب. متشابه من جهة اللفظ فقط. ومن جهة المعنى. ومن جهتهما معاً، فالأول: ضربان. أحدهما يرجع إلى الألفاظ المفردة أما من جهة الغرابة نحو الأب ويزفون، أو الاشتراك كاليد والعين. وثانيهما يرجع إلى جملة الكلام المركب وذلك ثلاثة أضرب. ضرب لاختصار الكلام نحو {أية : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِى ٱلْيَتَـٰمَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ}تفسير : [النساء: 3] وضرب لبسطه نحو {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء }تفسير : [الشورى: 11] لأنه لو قيل: ليس مثله شيء كان أظهر للسامع. وضرب لنظم الكلام نحو {أية : أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَـٰبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا * قَيِّماً }تفسير : [الكهف: 1-2] إذ تقديره ـ أنزل على عبده الكتاب قيماً ولم يجعل له عوجاً ـ والمتشابه من جهة المعنى أوصاف الله تعالى وأوصاف يوم القيامة فإن تلك الصفات لا تتصور لنا إذ لا يحصل في نفوسنا صورة ما لم نحسه أو ليس من جنسه، والمتشابه من جهتهما خمسة أضرب. الأول: من جهة الكمية كالعموم والخصوص نحو {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ } تفسير : [التوبة: 5]. والثاني: من جهة الكيفية كالوجوب والندب في نحو {أية : فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ ٱلنّسَاء } تفسير : [النساء: 3]. والثالث: من جهة الزمان كالناسخ والمنسوخ نحو {أية : ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } تفسير : [آل عمران: 102]. والرابع: من جهة المكان والأمور التي نزلت فيه الآية نحو {أية : وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا } تفسير : [البقرة: 189] و{أية : إِنَّمَا ٱلنَّسِىء زِيَادَةٌ فِى ٱلْكُفْرِ } تفسير : [التوبة: 37] فإن من لا يعرف عادتهم في الجاهلية يتعذر عليه تفسير هذه، والخامس: من جهة الشروط التي يصح بها الفعل ويفسد كشرط الصلاة والنكاح، ثم قال: وهذه الجملة إذا تصورت علم أن كل ما ذكره المفسرون في تفسير المتشابه لا يخرج عن هذه التقاسيم؛ ثم جميع المتشابه على ثلاثة أضرب. ضرب لا سبيل للوقوف عليه كوقت الساعة وخروج الدابة وغير ذلك. وقسم للإنسان سبيل إلى معرفته كالألفاظ الغريبة والأحكام الغلقة. وضرب متردد بين الأمرين يختص بمعرفته بعض الراسخين في العلم ويخفى على من دونهم، وهو المشار إليه بقوله صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله تعالى عنه: «حديث : اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل»تفسير : . وإذا عرفت هذا ظهر لك جواز الأمرين الوقف على {إِلاَّ ٱللَّهُ } والوقف على {ٱلرَّاسِخُونَ }. وقال بعض أئمة التحقيق: الحق أنه إن أريد بالمتشابه ما لا سبيل إليه للمخلوق فالحق الوقف على {إِلاَّ ٱللَّهُ } وإن أريد ما لا يتضح بحيث يتناول المجمل ونحوه فالحق العطف، ويجوز الوقف أيضاً لأنه لا يعلم جميعه أو لا يعلمه بالكنه إلا الله تعالى، وأما إذا فسر بما دل القاطع أي النص النقلي أو الدليل الجازم العقلي على أن ظاهره غير مراد ولم يقم/ دليل على ما هو المراد ففيه مذهبان. فمنهم من يجوز الخوض فيه وتأويله بما يرجع إلى الجادة في مثله فيجوز عنده الوقف وعدمه. ومنهم من يمنع الخوض فيه فيمتنع تأويله ويجب الوقف عنده. والذاهبون إلى الوقف من السادة الحنفية أجابوا عما ذكره غيرهم في ترجيح ما ذهبوا إليه من الوجوه، فعن الأول: بأنه أريد بيان حظ الراسخين مقابلاً لبيان حظ الزائغين إلا أنه لم يقل ـ وأما الراسخون ـ مبالغة في الاعتناء بشأن الراسخين حيث لم يسلك بهم سبيل المعادلة اللفظية لهؤلاء الزائغين وصينوا عن أن يذكروا معهم كما يذكر المتقابلان في الأغلب في مثل هذه المقامات وقريب من هذا قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ يُخْرِجُهُم مّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ ٱلطَّـٰغُوتُ } تفسير : [البقرة: 257] حيث لم يقل ـ والطاغوت أولياء الذين كفروا، ولا الذين آمنوا وليهم الله ـ تعظيماً لشأنه تعالى ورعاية للاعتناء بشأن المؤمنين، وعن الثاني: بأن فائدة قيد الرسوخ المبالغة في قصر علم تأويل المتشابه عليه تعالى لأنه إذا لم يعلموه هم كما يشعر به الحكم عليهم بأنهم يقولون آمنا به فغيرهم أولى بعدم العلم فلم يبق عالم به إلا الله تعالى. وعن الثالث: بأنه يلتزم القول بعد الحصر، وفي «الاتقان» أن بعضاً قال: إن الآية لا تدل على الحصر في الشيئين إذ ليس فيها شيء من طرقه ولولا ذلك لأشكل قوله تعالى: {أية : لِتُبَيّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ } تفسير : [النحل: 44] لأن المحكم لا تتوقف معرفته على البيان والمتشابه لا يرجى بيانه فما هذا الذي يبينه النبـي صلى الله عليه وسلم؟ وعن الرابع: بالتزام أن إضافة ـ أم ـ إلى (الكتاب) على معنى في، والمحكم ـ أم ـ في (الكتاب) ولكن لا للمتشابه الذي استأثر الله تعالى بعلمه بل هو ـ أم ـ وأصل في فهم العبادات الشرعية كوجوب معرفته وتصديق رسله وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وعلى تقدير القول بأن الإضافة لامية يلتزم الأمومة للكتاب باعتبار بعضه وهو الواسطة بين القسمين لأن متضح الدلالة كثيراً ما يرجع إليه في خفيها مما لم يصل إلى حد الاستئثار، وعن الخامس: بأن التأويل الذي دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن عباس لا يتعين حمله على تأويل ما اختص علمه به تعالى بل يجوز حمله على تفسير ما يخفى تفسيره من القسم المتردد بين الأمرين اللذين ذكرهما الراغب كما ذكره. وعن السادس: بأن الرواية عن ابن عباس أنه قال: «أنا ممن يعلم تأويله» معارضة بما هو أصح منها بدرجات فتسقط عن درجة الاعتبار، وعلى تقدير تسليم اعتبارها يمكن أن يقال: مراده رضي الله تعالى عنه ـ أنا ممن يعلم تأويله ـ أي المتشابه في الجملة حسبما دعا لي به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا وإن قيل: إنه متشابه لكنه في الحقيقة واسطة بين المحكم والمتشابه بالمعنى المراد، وعن السابع: بأن مدح الراسخين بالتذكر ليس لأن لهم حظاً في معرفته بل لأنهم اتعظوا فخالفوا هواهم ووقفوا عند ما حدّ لهم مولاهم ولم يسلكوا مسلك الزائغين ولم يخوضوا مع الخائضين ويمكن على بعد أن يراد بالتذكر الانتفاع مجازاً أي إن الراسخين هم الذين ينتفعون به حيث يؤمنون به لخلوص عقولهم عن غشاوة الهوى كما أنهم آمنوا بالغيب وهذا بخلاف الزائغين حيث صار المتشابه ضرراً عليهم ووبالاً لهم إذ ضلوا فيه كثيراً وأضلوا عن سواء السبيل، وقد قال سبحانه من قبل فيما ضربه من المثل: {أية : يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَـٰسِقِينَ }تفسير : [البقرة: 26] وعن الثامن: بأنه لا بعد في أن يخاطب الله تعالى عباده بما لا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته ويكون ذلك من باب الابتلاء كما ابتلى سبحانه عباده بتكاليف كثيرة وعبادات وفيرة لم يعرف أحد حقيقة السر فيها، والسر في هذا الابتلاء قص جناح العقل وكسر سورة الفكر وإذهاب عجب طاوس النفس ليتوجه القلب بشراشره تجاه كعبة العبودية ويخضع تحت سرادقات الربوبية ويعترف بالقصور ويقر بالعجز عن الوصول إلى ما في هاتيك القصور وفي/ ذلك غاية التربية ونهاية المصلحة هذا إذا أريد بما لا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته ما لا سبيل لأحد منهم إلى معرفته من طريق الفكر، وأما إذا أريد ما لا سبيل إلى معرفته مطلقاً سواء كانت على الإجمال أو التفصيل بالوحي أو بالإلهام لنبـي أو لوليّ فوجود مثل هذا المخاطب به في القرآن في حيز المنع، ولعل القائل بكون المتشابه مما استأثر الله تعالى بعلمه لا يمنع تعليمه للنبـي صلى الله عليه وسلم بواسطة الوحي مثلا ولا إلقاءه في روع الوليّ الكامل مفصلاً لكن لا يصل إلى درجة الإحاطة ـ كعلم الله تعالى ـ وإن لم يكن مفصلاً فلا أقل من أن يكون مجملاً ومنع هذا وذاك مما لا يكاد يقول به من يعرف رتبة النبـي صلى الله عليه وسلم ورتبة أولياء أمته الكاملين وإنما المنع من الإحاطة ومن معرفته على سبيل النظر والفكر وهو الطريق المعتاد والسبيل المسلوك في معرفة المشكلات واستحصال النظريات ولتبادر هذا المعنى من يعلم إذا أسند إلى الراسخين منع إسناده إليهم ومتى أريد منه العلم لا من طريق الفكر صح الإسناد وجاز العطف ولكن دون توهم هذه الإرادة من ظاهر الكلام خرط القتاد، فلهذا شاع القول بعدم العطف وكان القول به أسلم. ويؤيد ما قلنا ما ذكره الإمام الشعراني قال: أخبرني شيخنا عليّ الخواص قدس سره إن الله تعالى أطلعه على معاني سورة الفاتحة فخرّج منها مائتي ألف علم وأربعين ألف علم وتسعمائة وتسعين علماً وكان يقول: لا يسمى عالماً أي عند أهل الله تعالى إلا من عرف كل لفظ جاءت به الشريعة، وقال في «الكشف» في نحو {ق } {ص } {حـم } {طس }: لعل إدراك ما تحته عند أهله كإدراكنا للأوليات ولا يستبعد، ففيض الباري عم نواله غير محصور؛ واستعداد الإنسان الكامل عن القبول غير محسور، ومن لم يصدق إجمالاً ـ بأن وراء مدركات الفكرة ومباديها طوراً أو أطواراً حظ العقل منها حظ الحس من المعقولات ـ فهو غير متخلص عن مضيق التعطيل أو التشبيه وإن لم يتدارك حاله بقي بعد كشف الغطاء في هذا التيه، ولتتحقق من هذا أن المراتب مختلفة وأن الإحاطة على الحقائق الإلهية كما هي مستحيلة إلا للباري جل ذكره وأنه لا بد للعارف وإن وصل إلى أعلى المراتب أن يبقى له ما يجب الإيمان به غيباً وهو من المتشابه الذي يقول الراسخون فيه: {ءامنّا بِهِ كُلٌّ مّنْ عِندِ رَبّنَا} فهذا ما يجب أن يعتقد كي لا يلحد. ثم اعلم أن كثيراً من الناس جعل الصفات النقلية من الاستواء واليد والقدم والنزول إلى السماء الدنيا والضحك والتعجب وأمثالها من المتشابه، ومذهب السلف ـ والأشعري رحمه الله تعالى من أعيانهم ـ كما أبانت عن حاله "الإبانة" ـ أنها صفات ثابتة وراء العقل ما كلفنا إلا اعتقاد ثبوتها مع اعتقاد عدم التجسيم والتشبيه لئلا يضاد النقل العقل، وذهب الخلف إلى تأويلها وتعيين مراد الله تعالى منها فيقولون: الاستواء مثلاً بمعنى الاستيلاء والغلبة، وذلك أثر من آثار بعض الصفات الثمانية التي ليس لله تعالى عندهم وراءها صفة حتى ادعى السَّكوتي ـ وليته سكت ـ أن ما وراء ذلك ممتنع إذ لا يلزم من نفيه محال وكل ما لا يلزم من نفيه محال لا يكون واجباً، والله تعالى لا يتصف إلا بواجب، وذكر الشعراني في «الدرر المنثورة» أن مذهب السلف أسلم وأحكم إذ المؤل انتقل عن شرح الاستواء الجسماني على العرش المكاني بالتنزيه عنه إلى التشبيه السلطاني الحادث وهو الاستيلاء على المكان فهو انتقال عن التشبيه بمحدث مّا إلى التشبيه بمحدث آخر فما بلغ عقله في التنزيه مبلغ الشرع فيه في قوله تعالى: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء } تفسير : [الشورى: 11] ألا ترى أنه استشهد في التنزيه العقلي في الاستواء بقول شاعر:شعر : قد ـ استوى ـ بشر على العراق من غير حرب ودم مهراق تفسير : وأين استواء ـ بشر على العراق ـ من استواء الرحمن على العرش، ونهاية الأمر يحتاج إلى القول بأن المراد استيلاء يليق بشأن الرحمن جل شأنه فليقل من أول الأمر قبل تحمل مؤنة هذا التأويل استواء يليق بشأن من عز شأنه وتعالى عن إدراك العقول سلطانه، وهذا أليق بالأدب وأوفق بكمال العبودية وعليه درج صدر الأمة وساداتها ـ وإياها اختار أئمة الفقهاء وقاداتها ـ وإليها دعا أئمة الحديث في القديم والحديث حتى قال محمد بن الحسن كما أخرجه عنه اللالكائي: اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالصفات من غير تفسير ولا تشبيه، وورد عن سليمان بن يسار أن رجلاً يقال له صبيغ قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن فأرسل إليه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وقد أعدّ له عراجين النخل فقال: من أنت؟ فقال: أنا عبد الله صبيغ فأخذ عمر عرجوناً من تلك العراجين فضربه حتى أدمى رأسه ـ وفي رواية ـ فضربه بالجريد حتى ترك ظهره دبرة ثم تركه حتى برىء ثم عاد إليه ثم تركه حتى برىء فدعا به ليعود فقال: إن كنت تريد قتلتي فاقتلني قتلاً جميلاً فأذن له إلى أرضه وكتب إلى أبـي موسى الأشعري أن لا يجالسه أحد من المسلمين. لا يقال إن تركت أمثال هذه المتشابهات على ظواهرها دلت على التجسيم وإن لم ترد ظواهرها فقد أولت لأن التأويل على ما قالوا: إخراج الكلام عن ظاهره لأنا نقول: نختار الشق الثاني ولا نسلم أن التأويل إخراج الكلام عن ظاهره مطلقاً بل إخراجه إلى معنى معين معلوم كما يقال الاستواء مثلا بمعنى الاستيلاء على أن للتأويل معنيين مشهورين لا يصدق شيء منهما على نفي الظاهر من غير تعيين للمراد، أحدهما: ترجمة الشيء وتفسيره الموضح له، وثانيهما: بيان حقيقته وإبرازها إما بالعلم أو بالعقل فإن من قال: بعد التنزيه لا أدري من هذه المتشابهات سوى أن الله تعالى وصف بها نفسه وأراد منها معنى لائقاً بجلاله جل جلاله، ولا أعرف ذلك المعنى لم يقل في حقه أنه ترجم وأوضح ولا بين الحقيقة وأبرز المراد حتى يقال إنه أول، ومن أمعن النظر في مأخذ التأويل لم يشك في صحة ما قلنا، نعم ذهبت شرذمة قليلة من السلف إلى إبقاء نحو المذكورات على ظواهرها إلا أنهم ينفون لوازمها المنقدحة للذهن الموجبة لنسبة النقص إليه عز شأنه ويقولون: إنما هي لوازم لا يصح انفكاكها عن ملزوماتها في صفاتنا الحادثة، وأما في صفات من ليس كمثله شيء فليست بلوازم في الحقيقة ليكون القول بانفكاكها سفسطة ـ وأين التراب من رب الأرباب ـ وكأنهم إنما قالوا ذلك ظناً منهم أن قول الآخرين من السلف تأويل، و الراسخون في العلم لا يذهبون إليه أو أنهم وجدوا بعض الآثار يشعر بذلك مثل ما حكى مقاتل والكلبـي عن ابن عباس في {أية : ٱسْتَوَىٰ } تفسير : [طه: 5] أنه بمعنى استقر، وما أخرجه أبو القاسم من طريق قرة بن خالد عن الحسن عن أمه عن أم سلمة في قوله تعالى: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ }تفسير : [طه: 5] إنها قالت: الكيف غير معقول والاستواء غير مجهول والإقرار به من الإيمان والجحود به كفر. وقريب من هذا القول ما يصرح به كلام كثير من ساداتنا الصوفية فإنهم قالوا: إن هذه المتشابهات تجرى على ظواهرها مع القول بالتنزيه الدال عليه قوله تعالى: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء } تفسير : [الشورى: 11] حيث إن وجود الحق تعالى شأنه لا تقيده الأكوان وإن تجلى فيما شاء منها إذ له كمال الإطلاق حتى عن قيد الإطلاق، ولا يخفى أن إجراء المتشابهات على ظاهرها مع التنزيه اللائق بجلال ذاته سبحانه طور ما وراء طور العقل وبحر لا يسبح فيه إلا من فاز بقرب النوافل. وذكر بعض أئمة التدقيق أن العقل سبيله في العلم بالصفات الثمانية المشهورة كعلمه بتلك الصفات التي يدعي الخلف رجوعها إليها إذا أحد النظر، فقد قام البرهان وشاهد العيان على عدم المماثلة ذاتاً وصفات أيضاً/ لكن صفاته المتعالية وأسماؤه الحسنى قسمان، قسم يناسب ما عندنا من الصفات نوع مناسبة وإن كانت بعيدة، ولا يقال: فلا بد فيه في أفهامنا معاشر الناقصين من أن يسمى بتلك الأسماء المشتهرة عندنا فيسمى علماً مثلاً ـ لا دواة ولا قلماً ـ وقسم ليس كذلك وهو المشار إليه بقوله صلى الله عليه وسلم «حديث : أو استأثرت به في علم الغيب عندك» تفسير : فقد يذكر له أسماء مشوقة لأن منه ما للإنسان الكامل منه نصيب بطريق التخلق والتحقق فيذكر تارة اليد والنزول والقدم ونحو ذلك من المخيلات مع العلم البرهاني والشهود الوجداني بتنزهه تعالى عن كل كمال يتصوره الإنسان ويحيط به فضلاً عن النقصان، فيعلم أنه أشار إلى ذلك القسم الذي علم بالإجمال ويتوجه إذ ذاك بكليته شطر كعبة الجلال والجمال فيفاض عليه من ينبوع الكمال ما يستأنس عنده وينكشف له جلية الحال، وإذ ليس له مناسبة بما عندنا لا توجد عبارة يترجم عنها إلا على سبيل الخيال، وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : من عرف الله تعالى كَلَّ لسانه»تفسير : وأخرى بين مقصد الكل ومن أحبه سبحانه ما يصان عن تهمة إدراك الأغيار من نحو تلك الفواتح، ولعل إدراكها عند أهلها كإدراك الأوليات إلا أنه لا إحاطة بل لا بد من بقاء شيء كما أشير إليه، وعلى هذا أيضاً الأليق أن يوقف لأنه شعار من لنا فيهم الأسوة الحسنة مع ظهور وجهه لكن لا تجعل الآية حجة على من تأول نحو {أية : وَٱلاْرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } تفسير : [الزمر: 67] مثلاً إذ لا يسلم أنه داخل في ذلك المتشابه والحمل على المجاز الشائع في كلام العرب والكناية البالغة في الشهرة مبلغ الحقيقة أظهر من الحمل على معنى مجهول، نعم لو قيل: إن تصوير العظمة على هذا الوجه دال على أن العقل غير مستقل بإدراكها وأنها أجل من أن تحيط بها العقول فالكنه من المتشابه الذي دلت الآية عليه ويجب الإيمان به كان حسناً، وجمعاً بين ما عليه السلف ومشى عليه الخلف وهو الذي يجب أن يعتقد كيلاً يلزم ازدراء بأحد الفريقين كما فعل ابن القيم حتى قال: لام الأشعرية كنون اليهودية أعاذنا الله تعالى من ذلك، وعلى هذا يجب أن يفسر المتشابه في الآية بما يعم القسمين، والمحكم (أُمٌّ) يرجع إليه في تمييز القسمين أحدهما: فرعه الإيماني والثاني: فرعه الإيقاني، وابن دقيق العيد توسط في مسألة التأويل، ويحتمل أنه لم يخرج ما قاله هذا المدقق أخيراً من المتشابه فقال: إذا كان التأويل قريباً من لسان العرب لم ينكر أو بعيداً توقفنا عنه وآمنا بمعناه على الوجه الذي أريد به مع التنزيه وما كان معناه من هذه الألفاظ ظاهراً معهوداً من تخاطب العرب قلنا به من غير توقف كما في قوله تعالى: {أية : يٰحَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِى جَنبِ ٱللَّهِ } تفسير : [الزمر: 56] فنحمله على حق الله تعالى وما يجب له فليفهم هذا المقام فكم زلت فيه أقوام بعد أقوام.

ابن عاشور

تفسير : استئناف ثالث بإخبار عن شأن من شؤون الله تعالى، متعلّق بالغرض المسوق له الكلام: وهو تحقيق إنزاله القرآنَ والكتابينِ من قبله، فهذا الاستئناف مؤكّد لمضمون قوله:{أية : نزل عليك الكتاب بالحق} تفسير : [آل عمران: 3] وتمهيد لقوله: {منه آيات محكمات} لأنّ الآيات نزلت في مجادلة وفد نجران، وصُدّرت بإبطال عقيدتهم في إلاهية المسيح: فالإشارة إلى أوصاف الإله الحقّة، تَوَجَّه الكلام هنا إلى إزالة شبهتهم في شأن زعمهم اعترافَ نصوص القرآن بإلهية المسيح؛ إذ وُصف فيها بأنّه روح الله؛ وأنّه يُحي الموتى وأنّه كلمة الله، وغير ذلك فنودي عليهم بأن ما تعلّقوا به تعلّق اشتباه وسوء بأويل. وفي قوله: {هو الذي أنزل عليك الكتاب} قصر صفة إنزال القرآن على الله تعالى: لتكون الجملة، مع كونها تأكيداً وتمهيداً، إبطالاً أيضاً لقول المشركين: {أية : إنّما يعلّمه بَشَر}تفسير : [النحل: 103] وقولهم: {أية : أساطير الأوّلين اكتَتبها فهي تُمْلَى عليه بُكْرَةً وأصيلا}تفسير : [الفرقان: 5]. وكقوله: {أية : وما تنزلت به الشياطين وما ينبغِي لهم وما يستطيعون إنّهم عن السمع لمعزولون}تفسير : [الشعراء: 210 ـــ 212] ذلك أنّهم قالوا: هو قول كاهن، وقول شاعر، واعتقدوا أنّ أقوال الكهّان وأقوال الشعراء من إملاء الأرْئِياء (جمعَ رئي). ومن بدائع البلاغة أن ذكر في القصر فعل أنزل، الذي هو مختصّ بالله تعالى ولو بدون صيغة القصر، إذ الإنزال يرادف الوحي ولا يكون إلاّ من الله بخلاف ما لو قال هو الذي آتاك الكتاب. وضمير {منه} عائد إلى القرآن. و«منه» خبر مقدم و{آيات محكمٰت} مبتدأ. والإحكام في الأصل المنع، قال جرير: شعر : أبني حنيفة أحْكِموا سُفَهَاءَكم إنّي أخاف عليكُم أنْ أغضبَا تفسير : واستعمل الإحكام في الإتقان والتوثيق؛ لأنّ ذلك يمنع تطرّق ما يضادّ المقصود، ولذا سمّيت الحِكْمة حكْمَة، وهو حقيقة أو مجاز مشهور. أطلق المحكم في هذه الآية على واضح الدلالة على سبيل الاستعارة لأنّ في وضوح الدلالة، منعاً لتطرّق الاحتمالات الموجبة للتردّد في المراد. وأطلق التشابه هنا على خفاء الدلالة على المعنى، على طريقة الاستعارة لأنّ تطرّق الاحتمال في معاني الكلام يفضي إلى عدم تعيّن أحد الاحتمالات، وذلك مثل تشابُه الذوات في عدم تمييز بعضها عن بعض. وقوله: {أم الكتاب} أمّ الشيء أصله وما ينضمّ إليه كثيره وتتفرّع عنه فروعه، ومنه سمّيت خريطة الرأس، الجامعة له: أمّ الرأس وهي الدمَاغ، وسمّيت الراية الأمّ، لأنّ الجيْش ينضوي إليها، وسمّيت المدينة العظيمة أمّ القرى، وأصل ذلك أنّ الأمّ حقيقة في الوالدة، وهي أصل للمولود وجامع للأولاد في الحضانة، فباعتبار هذين المعنيين، أطلق اسم الأمّ على ما ذكرنا، على وجه التشبيه البليغ. ثم شاع ذلك الإطلاق حتى ساوى الحقيقة، وتقدّم ذلك في تسمية الفاتحة أمّ القرآن. والكتاب: القرآن لا محالة؛ لأنّه المتحدّث عنه بقوله: {هو الذي أنزل عليك الكتاب} فليس قوله: {أم الكتاب} هنا بمثلِ قوله: {أية : وعنده أم الكتاب}تفسير : [الرعد: 39]. وقوله: {وأُخر متشابهات} المتشابهات المتماثلات، والتماثل يكون في صفات كثيرة فيبين بما يدل على وجه التماثل، وقد يترك بيانه إذا كان وجه التماثل ظاهراً، كما في قوله تعالى: {أية : إن البقر تشابه علينا}تفسير : [البقرة: 70] ولم يذكر في هذه الآية جهة التشابه. وقد أشارت الآية: إلى أنّ آيات القرآن صنفان: محكمات وأضدادها، التي سميت متشابهات، ثم بيّن أنّ المحكمات هي أمّ الكتاب، فعلمنا أنّ المتشابهات هي أضداد المحكمات، ثم أعقب ذلك بقوله: {أية : فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله}تفسير : [آل عمران: 7] أي تأويله الذي لا قبل لأمثالهم به فعلمنا أنّ المتشابهات هي التي لم يتّضح المقصود من معانيها، فعلمنا أنّ صفة المحكمات، والمتشابهات، راجعة إلى ألفاظ الآيات. ووصف المحكمات بأنّها أمُّ الكتاب فاحتمل أن يكون المراد من الأمّ الأصل، أو المرجع، وهما متقاربان: أي هنّ أصل القرآن أو مرجعه، وليس يناسب هذين المعنيين إلاّ دلالةُ القرآن؛ إذ القرآن أنزل للإرشاد والهدي، فالمحكمات هي أصول الاعتقاد والتشريع والآداب والمواعظ، وكانت أصولاً لذلك: باتّضاح دلالتها، بحيث تدل على معانٍ لا تحتمل غيرها أو تحتمله احتمالاً ضعيفاً غير معتدَ به، وذلك كقوله: {أية : ليس كمثله شيء}تفسير : [الشورى: 11] {أية : لا يُسأل عمّا يفعل}تفسير : [الأنبياء: 23] {أية : يريد اللَّه بكم اليسر}تفسير : [البقرة: 185] {أية : واللَّه لا يحبّ الفساد}تفسير : [البقرة: 205] {أية : وأمّا من خاف مقام ربّه ونهى النفس عن الهوى فإنّ الجنة هي المأوى}تفسير : [النازعات: 40]. وباتّضاح معانيها بحيث تتناولها أفهام معظم المخاطبين بها وتتأهّل لفهمها فهي أصل القرآن المرجوعُ إليه في حمل معاني غيرها عليها للبيان أو التفريع. والمتشابهات مقابل المحكمات، فهي التي دلّت على معانٍ تشابهت في أن يكون كلُّ منها هو المرادَ. ومعنى تشابهها: أنّها تشابهت في صحة القصد إليها، أي لم يكن بعضها أرجح من بعض. أو يكون معناها صادقاً بصور كثيرة متناقضة أو غير مناسبة لأن تكون مراداً، فلا يتبيّن الغرض منها، فهذا وجه تفسير الآية فيما أرى. وقد اختلف علماء الإسلام في تعيين المقصود من المحكمات والمتشابهات على أقوال: مرجعها إلى تعيين مقدار الوضوح والخفاء، فعن ابن عباس: أنّ المحكم ما لا تختلف فيه الشرائع كتوحيد الله تعالى، وتحريم الفواحش، وذلك ما تضمنته الآيات الثلاث من أواخر سورة [الأنعام:151]: {أية : قل تعالوا أتل ما حرّم ربّكم عليكم}تفسير : والآيات من سورة [الإسراء: 23]:{أية : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه}،تفسير : وأن المتشابه المجملات التي لم تبيّن كحروف أوائل السور. وعن ابن مسعود، وابن عباس أيضاً: أنّ المحكم ما لم ينسخ والمتشابه المنسوخ وهذا بعيد عن أن يكون مراداً هنا لعدم مناسبتِه للوصفين ولا لبقية الآية. وعن الأصم: المحكم ما اتّضح دليلُه، والمتشابه ما يحتاج إلى التدبّر، وذلك كقوله تعالى: {أية : والذي نزّل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتاً كذلك تخرجون}تفسير : [الزخرف: 11] فأولها محكم وآخرها متشابه. وللجمهور مذهبان: أولهما أنّ المحكم ما اتّضحت دلالته، والمتشابه ما استأثر الله بعلمه، ونسب هذا القول لمالك، في رواية أشهب، من جامع العتبيَّة، ونسبه الخفاجي إلى الحنفية وإليه مال الشاطبي في الموافقات. وثانيهما أنّ المحكم الواضح الدلالة، والمتشابه الخفيُها، وإليه مال الفخر: فالنص والظاهر هما المحكم، لاتّضاح دلالتهما، وإن كان أحدهما أي الظاهر يتطرّقه احتمال ضعيف، والمجمل والمؤوّل هما المتشابه، لاشتراكهما في خفاء الدلالة وإن كان أحدهما: أي المؤول دالاً على معنى مرجوح، يقابله معنى راجح، والمجمل دالاً على معنى مرجوح يقابله مرجوح آخر، ونسبت هذه الطريقة إلى الشافعية. قال الشاطبي: فالتشابه: حقيقي، وإضافي، فالحقيقي: ما لا سبيل إلى فهم معناه، وهو المراد من الآية، والإضافي: ما اشتبه معناه، لاحتياجه إلى مراعاة دليل آخر. فإذا تقصّى المجتهد أدلّة الشريعة وجد فيها ما يبيّن معناه، والتشابه بالمعنى الحقيقي قليل جدّاً في الشريعة وبالمعنى الإضافي كثير. وقد دلت هذه الآية على أنّ من القرآن محكماً ومتشابهاً، ودلت آيات أخر على أنّ القرآن كلَّه محكم، قال تعالى: {أية : كتاب أحكمت آياته}تفسير : [هود: 1] وقال: {أية : تلك آيات الكتاب الحكيم}تفسير : [يونس: 1] والمراد أنّه أحكم وأتقنَ في بلاغته، كما دلت آيات على أنّ القرآن كلّه متشابه، قال تعالى: {أية : اللَّهُ نزّل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً}تفسير : [الزمر: 23] والمعنى أنّه تشابه في الحسن والبلاغة والحقيّة، وهو معنَى: «ولو كان من عند غير الله لوَجدوا فيه اختلافاً كثيراً» فلا تعارض بين هذه الآيات: لاختلاف المراد بالإحكام والتشابه في مواضعها، بحسب ما تقتضيه المقامات. وسبب وقوع المتشابهات في القرآن: هو كونه دعوة، وموعظة، وتعليماً، وتشريعاً باقياً، ومعجزة، وخوطب به قوم لم يسبق لهم عهد بالتعليم والتشريع، فجاء على أسلوب مناسب لِجمع هذه الأمور، بحسب حال المخاطبين الذين لم يعتادوا الأساليب التدريسية، أو الأمالي العلمية، وإنّما كانت هجّيراهم الخطابة والمقاولة، فأسلوب المواعظ والدعوةِ قريب من أسلوب الخطابة، وهو لذلك لا يأتي على أساليب الكتب المؤلَّفة لِلعلم، أو القوانين الموضوعة للتشريع، فأودعت العلوم المقصودة منه في تضاعيف الموعظة والدعوة، وكذلك أودع فيه التشريع، فلا تجد أحكام نوع من المعاملات، كالبيع، متّصلاً بعضها ببعض، بل تجده موزّعاً على حسب ما اقتضته مقامات الموعظة والدعوة، ليخفّ تلقّيه على السامعين، ويعتادُوا علم ما لم يألفوه في أسلوب قد ألفوه فكانت متفرّقة يضمّ بعضها إلى بعض بالتدبّر. ثم إنّ إلقاء تلك الأحكام كان في زمان طويل، يزيد على عشرين سنة، ألقِي إليهم فيها من الأحكام بمقدار ما دعت إليه حاجتهم، وتحمّلته مقدرتهم، على أنّ بعض تشريعه أصول لا تتغيّر، وبعضه فروع تختلف باختلاف أحوالهم، فلذلك تجد بعضها عاماً، أو مطلقاً، أو مجملاً، وبعضها خاصاً، أو مقيداً، أو مبيَّناً، فإذا كان بعض المجتهدين يرى تخصيص عموم بعض عموماته بخصوص بعض الخصوصات مثلاً، فلعلّ بعضاً منهم لا يتمسّك إلاّ بعمومه، حينئذ، كالذي يرى الخاص الوارد بعد العام ناسخاً، فيحتاج إلى تعيين التاريخ، ثم إنّ العلوم التي تعرّض لها القرآن هي من العلوم العليا: وهي علوم فيما بعد الطبيعة، وعلوم مراتب النفوس، وعلوم النظام العمراني، والحكمة، وعلوم الحقوق. وفي ضيق اللغة الموضوعة عن الإيفاء بغايات المرادات في هاته العلوم، وقصور حالة استعداد أفهام عموم المخاطبين لها، مَا أوجب تشابهاً في مدلولات الآيات الدالة عليها. وإعجازُ القرآن: منه إعجاز نظمي ومنه إعجاز علمي، وهو فنّ جليل من الإعجاز بيّنته في المقدمة العاشرة من مقدّمات هذا التفسير. فلمّا تعرض القرآن إلى بعض دلائل الأكوان وخصائصها، فيما تعرّض إليه، جاء به محكياً بعبارة تصلح لحكاية حالته على ما هو في نفس الأمر، وربّما كان إدراك كنه حالته في نفس الأمر مجهولاً لأقوام، فيعدّون تلك الآي الدالة عليه من المتشابه فإذا جاء من بَعْدهم علموا أنّ ما عدّه الذين قبلهم متشابهاً ما هو إلاّ محكم. على أنّ من مقاصد القرآن أمرين آخرين: أحدَهما كونه شريعة دائمة، وذلك يقتضي فتح أبواب عباراته لِمختلِف استنباط المستنبطين، حتى تؤخذ منه أحكام الأولين والآخرين، وثانيهما تعويد حَمَلة هذه الشريعة، وعلماء هذه الأمة، بالتنقيب، والبحث، واستخراج المقاصد من عويصات الأدلة، حتى تكون طبقات علماء الأمة صالحة - في كلّ زمان - لفهم تشريع الشارع ومقصده من التشريع، فيكونوا قادرين على استنباط الأحكام التشريعية، ولو صيغ لهم التشريع في أسلوب سهل التناول لاعتادوا العكوف على ما بينَ أنظارهم في المطالعة الواحدة. من أجل هذا كانت صلوحية عباراته لاختلاف منازع المجتهدين، قائمة مقام تلاحق المؤلّفين في تدوين كتب العلوم، تبعاً لاختلاف مراتب العصور. فإذا علمت هذا علمت أصل السبب في وجود ما يسمّى بالمتشابه في القرآن. وبقي أن نذكر لك مراتب التشابه وتفاوت أسبابها. وأنّها فيما انتهى إليه استقراؤنا الآن عشر مراتب: أولاها: معانٍ قُصِد إيداعها في القرآن، وقُصد إجمالها: إمّا لعدم قابلية البشر لفهمها، ولو في الجملة، إن قلنا بوجود المجمل، الذي استأثر الله بعلمه، على ما سيأتي، ونحن لا نختاره. وإمّا لعدم قابليتهم لكنه فهمها، فألقيت إليهم على وجه الجملة أو لعدم قابلية بعضهم في عصر، أو جهةٍ، لفهمها بالكنة ومن هذا أحوال القيامة، وبعضُ شؤون الربوبية كالإتيان في ظُلل من الغمام، والرؤية، والكلامِ، ونحو ذلك. وثانيتها: معانٍ قصد إشعار المسلمين بها، وتَعيّن إجمالها، مع إمكان حملها على معانٍ معلومةٍ لكن بتأويلات: كحُروف أوائل السور، ونحوِ {أية : الرحمانُ على العرش استوى}تفسير : [طه: 5] {أية : ثم استوى إلى السماء}تفسير : [البقرة: 29]. ثالثتها: معانٍ عاليةً ضاقت عن إيفاء كنهها اللغةُ الموضوعةُ لأقصى ما هو متعارَف أهلها، فعبّر عن تلك المعاني بأقصى ما يقرِّب معانيَها إلى الأفهام، وهذا مثل أكثر صفات الله نحو الرحمان، الرؤوف، المتكبّر، نورُ السمٰوات والأرض. رابعتها: معانٍ قَصُرت عنها الأفهام في بعض أحوال العصور، وأودعت في القرآن ليكون وجودها معجزة قُرآنيَّة عند أهل العلم في عصور قد يضعف فيها إدراك الإعجاز النظمي، نحو قوله: {أية : والشمس تجري لمستقر لها}تفسير : [يس: 38] {أية : وأرسلنا الرياح لواقح}تفسير : [الحجر: 22] {أية : يكور الليل على النهار}تفسير : [الزمر: 5] {أية : وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مرّ السحاب}تفسير : [النمل: 88] {أية : تنبت بالدهن}تفسير : [المؤمنون: 20] {أية : زيتونة لا شرقية ولا غربية}تفسير : [النور: 35] {أية : وكان عرشه على الماء}تفسير : [هود: 7] {أية : ثم استوى إلى السماء وهي دخان}تفسير : [فصلت: 11] وذكرِ سُدِّ يأجوج ومأجوج. خامستها: مَجازات وكنايات مستعملة في لغة العرب، إلاّ أنّ ظاهرها أوهم معاني لا يليق الحمل عليها في جانب الله تعالى: لإشعارها بصفات تخالف كمال الإلهية، وتوقّف فريق في محملها تنزيهاً، نحو: {أية : فإنّك بأعيننا}تفسير : [الطور: 48] {أية : والسماء بنيناها بأيدٍ}تفسير : [الذاريات: 47] {أية : ويبقى وجه ربّك}تفسير : [الرحمٰن: 27]. وسادستها: ألفاظ من لغات العرب لم تُعرف لدى الذين نزل القرآن بينهم: قريش والأنصار مثل: {أية : وفاكهة وأبّا}تفسير : [عبس: 31] ومثل {أية : أو يأخذهم على تخوف}تفسير : [النحل: 47] {أية : إنّ إبراهيم لأوّاه حليم}تفسير : [التوبة: 114] {أية : ولا طعامٌ إلاّ مِنْ غِسْلِينٍ}تفسير : [الحاقة: 36]. سابعتها: مصطلحات شرعية لم يكن للعرب علم بخصوصها، فما اشتهر منها بين المسلمين معناه، صار حقيقة عرفية: كالتيمّم، والزكاة، وما لم يشتهر بقي فيه إجمال: كالربا قال عمر: «نزلت آيات الربا فِي آخر ما أنزل فتوفّي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبيّنها» وقد تقدم في سورة البقرة. ثامنتها: أساليب عربية خفيت على أقوام فظنّوا الكلام بها متشابهاً، وهذا مثل زيادة الكاف في قوله تعالى: {أية : ليس كمثله شيء}تفسير : [الشورى: 11] ومثل المشاكلة في قوله: {أية : يخادعون اللَّه وهو خادعهم}تفسير : [النساء: 142] فيعلم السامع أنّ إسناد خادع إلى ضمير الجلالة إسناد بمعنى مجازي اقتضته المشاكلة. وتاسعتها: آيات جاءت على عادات العرب، ففهمها المخاطبون، وجاء مَن بعدهم فلم يفهموها، فظنّوها من المتشابه، مثل قوله: {أية : فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أَنْ يَطَّوّفَ بهما}تفسير : [البقرة: 158]، في «الموطأ» قال ابن الزبير: «قلت لعائشة - وكنت يومئذ حدثاً لم أتفقّه - لا أرى بأساً على أحدٍ ألاّ يطوف بالصفا والمروة» فقالت له: «ليس كما قلت إنّما كان الأنصار يهلون لمناةَ الطاغية» إلخ. ومنه: {أية : عَلِم اللَّه أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم}تفسير : [البقرة: 187] {أية : ليس على الذين ءامنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتّقوا وءامنوا}تفسير : [المائدة: 93] الآية فإنّ المراد فيما شربوا من الخمر قبل تحريمها. عاشرتها: أفهام ضعيفة عَدت كثيراً من المتشابه وما هو منه، وذلك أفهام الباطنية، وأفهام المشبِّهة، كقوله تعالى: {أية : يوم يكشف عن شاق}تفسير : [القلم: 42]. وليس من المتشابه ما صرّح فيه بأنّا لا نصل إلى علمه كقوله: {أية : قل الروح من أمر ربي}تفسير : [الإسراء: 85] ولا ما صرّح فيه بجهل وقته كقوله: {أية : لا تأتيكم إلاّ بغتة}تفسير : [الأعراف: 187]. وليس من المتشابه ما دلّ على معنى يعارض الحملَ عليه دليل آخر، منفصل عنه؛ لأنّ ذلك يرجع إلى قاعدة الجمع بين الدليلين المتعارضين، أو ترجيح أحدهما على الآخر، مثل قوله تعالى خطاباً لإبليس: {أية : واستفزز من استطعت منهم بصوتك}تفسير : الآية في سورة [الإسراء: 64] مع ما في الآيات المقتضية{أية : فإنّ الله غني عنكم ولا يرضَى لعباده الكفر}تفسير : [الزمر: 7] والله لا يحبّ الفساد. وقد علمتم من هذا أنّ مِلاك التشابه هو عدم التواطؤ بين المعاني واللغة: إمّا لضيقها عن المعاني، وإمّا لضيق الأفهام عن استعمال اللغة في المعنى، وإمّا لتناسي بعض اللغة، فيتبيّن لك أنّ الإحكام والتشابه: صفتان للألفاظ، باعتبار فهم المعاني. وإنّما أخبر عن ضمير آياتٍ محكمات، وهو ضمير جمع، باسم مفرد ليس دالاً على أجزاءٍ وهو {أمّ}، لأنّ المراد أنّ صنف الآيات المحكمات يتنزّل من الكتابِ منزلة أمّه أي أصله ومرجِعه الذي يُرجّع إليه في فهم الكتاب ومقاصده. والمعنى: هنّ كأمِّ للكتاب. ويعلم منه أنّ كل آية من المحكمات أم للكتاب في ما تتضمّنه من المعنى. وهذا كقول النابغة يَذْكُر بني أسد: شعر : فَهُمْ دِرْعِي التِي استلأمْتُ فيها تفسير : أي مجموعهم كالدِّرع لي، ويعلم منه أنّ كلّ أحد من بني أسد بمنزلة حلقة من حلق الدرع. ومن هذا المعنى قوله تعالى: {أية : واجعلنا للمتقين إماما}تفسير : [الفرقان: 74]. والكلام على (أخَر) تقدّم عند قوله تعالى: {أية : فعدة من أيام أخر}تفسير : [البقرة: 184]. تفصيل لإجمال اقتضاه الكلام السابق؛ لأنّه لما قسّم الكتاب إلى محكم ومتشابه، وكان ذلك التقسيم باعتبار دلالة الألفاظ على المعاني، تشوّفت النفس إلى معرفة تلقّي الناس للمتشابه. أمّا المحكم فتلقّي الناس له على طريقة واحدة، فلا حاجة إلى تفصيل فيه، واقتصر في التفصيل على ذكر قسم من أقسامه: وهو حال الذين في قلوبهم زيغ كيف تلقّيهم للمتشابهات؛ لأنّ بيان هذا هو الأهمّ في الغرض المسوق له الكلام، وهو كشف شبهة الذين غرّتهم المتشابهات ولم يهتدوا إلى حقّ تأويلها، ويعرف حال قسيمهم وهم الذين لا زيغ في قلوبهم بطريق المقابلة ثم سيُصرّح بإجمال حال المهتدين في تلقّي ومتَشابهات القرآن. والقلوب محالُّ الإدراك، وهي العقول، وتقدّم ذلك عند قوله تعالى: {أية : ومن يكتمها فإنّه آثم قلبه}تفسير : في سورة [البقرة: 283]. والزيغ: الميل والانحراف عن المقصود: {أية : ما زاغ البصر}تفسير : [النجم: 17] ويقال: زاغت الشمس. فالزيغ أخصّ من الميل؛ لأنّه ميل عن الصواب والمقصودِ. والاتّباع هنا مجاز عن الملازمة والمعاودة، أي يعكفون على الخوض في المتشابه، يحصونه، شبهت تلك الملازمة بملازمة التابع متبوعَهُ. وقد ذكر علة الاتّباع، وهو طلب الفتنة، وطَلبُ أن يؤوّلوه، وليس طلبُ تأويله في ذاته بمذمّة، بدليل قوله: {وما يعلم تأويله إلاّ اللَّهُ والراسخون في العلم} كما سنبيِّنه وإنّما محلّ الذم أنّهم يطلبون تأويلاً ليسوا أهلاً له فيؤوّلونه بما يُوافق أهواءهم. وهذا ديدن الملاحِدة وأهلِ الأهواء: الذين يتعمّدون حمل الناس على متابعتهم تكثيراً لسوادهم. ولما وَصَف أصحَاب هذا المقصد بالزيغ في قلوبهم، علمنا أنّه ذمهم بذلك لهذا المقصد، ولا شك أنّ كل اشتغال بالمتشابه إذا كان مفضياً إلى هذا المقصد يناله شيء من هذا الذم. فالذين اتّبعوا المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله المنافقون، والزنادقة، والمشركون مثال تأويل المشركين: قصةُ العاصي بن وائل - من المشركين - إذْ جاءه خباب بن الأرت - من المسلمين - يتقاضاه أجراً، فقال العاصي - متهكّما به - «وإنِّي لمبعوثٌ بعد الموت - أي حَسْب اعتقادكم - فسوفَ أقضيك إذا رجعتُ إلى مال وولد» فالعاصي توهّم، أو أراد الإيهام، أنّ البعث بعد الموت رجوع إلى الدنيا، أو أراد أن يوهم دهماء المشركين ذلك ليكون أدْعَى إلى تكذيب الخبر بالبعث، بمشاهدة عدم رجوع أحد من الأموات، ولذلك كانوا يقولون: {أية : فأتُوا بآبائنا إن كُنتم صادقين}تفسير : [الدخان: 36]. ومثال تأويل الزنادقة: ما حكاه محمد بن علي بن رزام الطائي الكوفي قال: كنت بمكة حين كان الجَنَّابي - زعيم القرامطة - بمكة، وهم يقتلون الحجاج، ويقولون: أليس قد قال لكم محمد المكي «ومن دخله كان آمناً فأيُّ أمْن هنا؟» قال: فقلت له: هذا خرج في صورة الخبر، والمراد به الأمرُ أي ومن دخله فأمِّنُوه، كقوله: {أية : والمطلقات يتربّصن}تفسير : [البقرة: 228]. والذين شابهوهم في ذلك كلّ قوم يجعلون البحث في المتشابه ديدنهم، ويفضون بذلك إلى خلافات وتعصّبات. وكلّ من يتأوّل المتشابه على هواه، بغير دليل على تأويله مستند إلى دليل واستعمال عربي. وقد فُهم أنّ المراد: التأويل بحسب الهوى، أو التأويل المُلْقِي في الفتنة، بقرينة قوله تعالى: {وما يعلم تأويله إلا اللَّه والراسخون في العلم يقولون ءامنّا به} الآية، كما فهم من قوله: {فيتّبعون} أنّهم يهْتَمُّون بذلك، ويستهترون به، وهذا ملاك التفرقة بين حال من يتبع المتشابه للإيقاع في الشك والإلحاد، وبين حال من يفسّر المتشابه ويؤوّله إذا دعاه داع إلى ذلك. وفي «البخاري» - عن سعيد بن جُبير - أنّ رجلاً قال لابن عباس: «إني أجد في القرآن أشياء تختلف عليّ» قال: ما هو - قال: «فلا أنسَابَ بينهم يومئذ ولا يتساءلون» - وقال - «وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون» وقال: «ولا يكتمون الله حديثاً» وقال: «قالوا والله ربّنا ما كنّا مشركين» قال ابن عباس: «فلا أنساب بينهم في النفخة الأولى ثم النفخة الثانية أقبل بعضهم على بعض يتساءلون، فأما قوله: {أية : والله ربّنا ما كنّا مشركين}تفسير : [الأنعام: 23] فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم فيقول المشركون: تعالَوا نقلْ: «ما كنا مشركين، فيختم الله على أفواههم فتنطق جوارحهم بأعمالهم فعند ذلك لا يكتمون الله حديثاً». وأخرج البخاري، عن عائشة: قالت «تلا رسول الله هذه الآية إلى قوله: {أية : أولوا الألباب}تفسير : [البقرة: 269] - قالت - قال رسول الله:» حديث : فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سماهم الله فاحذروهم» تفسير : . ويقصد من قوله تعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه} التعريض بنصارى نجران، إذ ألزموا المسلمين بأنّ القرآن يشهد لكون الله ثالث ثلاثة بما يقع في القرآن من ضمير المتكلم ومعه غيره من نحو خلقنا وأمرنا وقضينا، وزعموا أنّ ذلك الضمير له وعيسى ومريم ولا شك أنّ هذا - إن صح عنهم - هو تمويه؛ إذ من المعروف أنّ في ذلك الضمير طريقتين مشهورتين إما إرادة التشريك أو إرادة التعظيم فما أرادوا من استدلالهم هذا إلا التمويه على عامة الناس. جملة حال أي وهم لا قِبل لهم بتأويله؛ إذ ليس تأويله لأمثالهم، كما قيل في المثل: «ليس بعشّك فادرجي». ومن هنا أمسك السلف عن تأويل المتشابهات، غير الراجعة إلى التشريع، فقال أبو بكر رضي الله عنه: «أيُّ أرضٍ تُقِلّنِي وأيُّ سماء تُظِلُّنِي إن قلتُ في كتاب الله بما لا أعلم». وجاء في زمن عمر - رضي الله عنه - رجل إلى المدينة من البصرة، يقال له صَبِيغ بن شريك أو ابن عِسْل التميمي فجعل يسأل الناس عن متشابه القرآن، وعن أشياء فأحضره عمر، وضربه ضرباً موجعاً، وكرّر ذلك أياماً، فقال: «حسبُك يا أمير المؤمنين فقد ذهب ما كنتُ أجد في رأسي» ثم أرجعه إلى البصرة وكتب إلى أبي موسى الأشعري أن يمنع الناس من مخالطته. ومن السلف من تأوّل عند عروض الشبهة لبعض الناس، كما فعل ابن عباس فيما ذكرناه آنفا. قال ابن العربي في «العواصم من القواصم» - «من الكائدين للإسلام الباطنية والظاهرية». قلت: أمَّا الباطنية فقد جعلوا معظم القرآن متشابهاً، وتأوّلوه بحسب أهوائهم، وأمّا الظاهريون فقد أكثروا في متشابهه، واعتقدوا سبب التشابه واقعاً، فالأوّلون دخلوا في قوله: {وابتغاء تأويله}، والأخيرون خرجوا من قوله: {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم} أو وما يعلم تأويله إلا الله، فخالفوا الخلف والسلف. قال ابن العربي - «في العواصم» - «وأصل الظاهريين الخوارج الذين قالوا: لا حُكْم إلاّ لله» يعني أنّهم أخذوا بظاهر قوله تعالى: {إنِ الحُكْمُ إلا لله} ولم يتأولوه بما هو المراد من الحكم. والمراد بالراسخين في العلم: الذين تمكّنوا في علم الكتاب، ومعرفة محامله، وقام عندهم من الأدلة ما أرشدهم إلى مراد الله تعالى، بحيث لا تروج عليهم الشبه. والرسوخ في كلام العرب: الثبات والتمكن في المكان، يقال: رسخت القدم ترسخ رسوخاً إذا ثبتت عند المشي ولم تتزلزل، واستعير الرسوخ لكمال العقل والعلم بحيث لا تضلّله الشبه، ولا تتطرّقه الأخطاء غالباً، وشاعت هذه الاستعارة حتى صارت كالحقيقة. فالراسخون في العلم: الثابتون فيه العارفون بدقائقه، فهم يحسنون مواقع التأويل، ويعلمونه. ولذا فقوله: {والراسخون} معطوف على اسم الجلالة، وفي هذا العطف تشريف عظيم: كقوله: {أية : شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم}تفسير : [آل عمران: 18] وإلى هذا التفسير مَال ابن عباس، ومجاهد، وَالربيع بن سليمان، والقاسم بن محمد، والشافعية، وابن فورك، والشيخ أحمد القرطبي، وابن عطية، وعلى هذا فليس في القرآن آية استأثر الله بعلمها. ويؤيّد هذا أن الله أثبت للراسخين في العلم فضيلة. ووصفهم بالرسوخ، فآذن بأنّ لهم مزية في فهم المتشابه: لأنّ المحكم يستوي في علمه جميع من يفهم الكلام، ففي أيِّ شيء رسوخهم، وحكى إمام الحرمين، عن ابن عباس: أنّه قال في هاته الآية: «أنا ممّن يعلم تأويله». وقيل: الوقف على قوله: {إلا الله} وإنّ جملة {والراسخون في العلم} مستأنفة، وهذا مروي عن جمهور السلف، وهو قول ابن عمر، وعائشة، وابن مسعود، وأبي، ورواه أشهب عن مالك في جامع العتبية، وقاله عروة بن الزبير، والكسائي، والأخفش والفرّاء، والحنفية، وإليه مال فخر الدين. ويؤيّد الأول وصفهم بالرسوخ في العلم؛ فإنّه دليل بيّن على أنّ الحُكم الذي أثبت لهذا الفريق، هو حكم من معنى العلم والفهم في المعضِلات، وهو تأويل المتشابه، على أنّ أصل العطف هو عطف المفردات دون عطف الجمل، فيكون الراسخون معطوفاً على اسم الجلالة فيدخلون في أنّهم يعلمون تأويله. ولو كان الراسخون مبتدأ وجملةُ: «يقولون ءامّنا به» خبراً، لكان حاصل هذا الخبر ممّا يستوي فيه سائر المسلمين الذين لا زيغ في قلوبهم، فلا يكون لتخصيص الراسخين فائدة. قال ابن عطية: «تسميتهم راسخين تقتضي أنّهم يعلمون أكثر من المحكم الذي يستوي في علمه جميع من يفهم كلام العرب، وفي أيّ شيء هو رسوخهم إذا لم يعلموا إلاّ ما يعلمه الجميع وما الرسوخ إلاّ المعرفةُ بتصاريف الكلام بقريحة معدة» وما ذكرناه وذكره ابن عطية لا يعد وأن يكون ترجيحاً لأحد التفسيرين، وليس إبطالاً لمقابله إذ قد يوصف بالرسوخ من يفرق بين ما يستقيم تأويله، وما لا مطمع في تأويله. وفي قوله: {وما يذكر إلا أولوا الألباب} إشعار بأنّ الراسخين يعلمون تأويل المتشابه. واحتجّ أصحاب الرأي الثاني، وهو رأي الوقف على اسم الجلالة: بأنّ الظاهر أن يكون جملة (والراسخون) مستأنفة لتكون معادِلاً لجملة: {فأما الذين في قلوبهم زيغ}، والتقدير: وأمّا الراسخون في العلم. وأجاب التفتازاني بأنّ المعادِل لا يلزم أن يكون مذكوراً، بل قد يحذف لدلالة الكلام عليه. واحتجّوا أيضاً بقوله تعالى: {يقولون آمنا به كل من عند ربنا} قال الفخر: لو كانوا عالمين بتأويله لم يكن لهذا الكلام فائدة؛ إذ الإيمان بما ظهر معناه أمر غير غريب وسنجيب عن هذا عند الكلام على هذه الجملة. وذكر الفخر حججاً أخر غير مستقيمة. ولا يخفى أنّ أهل القول الأول لا يثبتون متشابهاً غير ما خفي المراد منه، وأنّ خفاء المراد متفاوت، وأنّ أهل القول الثاني يثبتون متشابهاً استأثر الله بعلمه، وهو أيضاً متفاوت؛ لأنّ منه ما يقبل تأويلات قريبَة، وهو ممّا ينبغي ألاّ يعدّ من المتشابه في اصطلاحهم، لكنّ صنيعهم في الإمساك عن تأويل آيات كثيرة سَهْلٍ تأويلُها مثل {أية : فإنّك بأعيننا}تفسير : [الطور: 48] دلّ على أنّهم يسدّون باب التأويل في المتشابه، قال الشيخ ابن عطية «إنّ تأويل ما يمكن تأويله لا يَعلم تأويلَه - على الاستيفاء - إلاّ الله تعالى فمَن قالَ، من العلماء الحذّاق: بأنّ الراسخين لا يعلمون تأويل المتشابه، فإنّما أراد هذا النوع، وخافوا أن يظنّ أحد أنّ الله وصف الراسخين بعلم التأويل على الكمال». وعلى الاختلاف في محمل العطف في قوله تعالى: {والراسخون في العلم} انبنى اختلاف بين علماء الأمة في تأويل ما كان متشابهاً: من آيات القرآن، ومن صحاح الأخبار، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فكان رأي فريق منهم الإيمانَ بها، على إبهامها وإجمالها، وتفويضَ العلم بكنه المراد منها إلى الله تعالى، وهذه طريقة سلَف علمائنا، قبل ظهور شكوك الملحدين أو المتعلِّمين، وذلك في عصر الصحابة والتابعين وبعض عصر تابعيهم، ويُعبّر عنها بطريقة السلف، ويقولون: طريقة السلف أسْلَمُ، أي أشدُّ سلامة لهم من أن يَتأوّلوا تأويلات لا يدرَى مدى ما تفضِي إليه من أمور لا تليق بجلال الله تعالى ولا تتّسق مع ما شرعه للناس من الشرائع، مع ما رأوا من اقتناع أهل عصرهم بطريقتهم، وانصرافهم عن التعمّق في طلب التأويل. وكان رأي جمهور من جاء بعد عصر السلف تأويلها بمعانٍ من طرائق استعمال الكلام العربي البليغ من مجاز، واستعارة، وتمثيل، مع وجود الدّاعي إلى التأويل، وهو تعطّش العلماء الذين اعتادوا التفكر والنظر وفهم الجمع بين أدلّة القرآن والسنة، ويعبّر عن هذه الطريقة بطريقة الخلف، ويقولون: طريقة الخلف أعلم، أي أنسب بقواعد العلم وأقوى في تحصيل العلم القاطع لِجدال الملحدين، والمقنع لمن يتطلّبون الحقائق من المتعلّمين، وقد يصفونها بأنّها أحْكَمُ أي أشدّ إحكاماً؛ لأنّها تقنع أصحاب الأغراض كلّهم. وقد وقع هذان الوصفان في كلام المفسّرين وعلماءِ الأصول، ولم أقف على تعيين أوّلِ من صدَرا عنه، وقد تعرّض الشيخ ابن تيمية - في «العقيدة الحموية» - إلى ردّ هذين الوصفين ولم ينسبهما إلى قائل. والموصوف بأسْلَم وبأعلَم الطريقةُ لا أهلُها؛ فإنّ أهل الطريقتين من أئمة العلم، وممّن سلموا في دينهم من الفِتن. وليس في وصف هذه الطريقة، بأنّها أعْلَمُ أوْ أحْكَمُ، غضاضة من الطريقة الأولى؛ لأنّ العصور الذين درجوا على الطريقة الأولى، فيهم من لا تخفى عليهم محاملها بسبب ذوقهم العربي، وهديهم النبوي، وفيهم من لا يُعير البحثَ عنها جانباً من همّته، مثل سائر العامة. فلا جرم كان طَيّ البحث عن تفصيلها أسلم للعموم، وكان تفصيلها بعد ذلك أعْلَم لمن جاء بعدهم، بحيث لو لم يؤوِّلوها به لأوسعوا، للمتطلّعين إلى بيانها، مجالاً للشك أو الإلحاد، أو ضيقِ الصدر في الاعتقاد. واعلم أنّ التأويل منه ما هو واضح بيِّن، فصرف اللفظ المتشابه عن ظاهره إلى ذلك التأويل يُعادِل حملَ اللفظ على أحد معنييه المشهورين لأجل كثرة استعمال اللفظ في المعنى غير الظاهر منه. فهذا القسم من التأويل حقيق بألاّ يسمّى تأويلاً وليس أحدُ مَحْمَلَيْه بأقوى من الآخر إلاّ أنّ أحدهما أسبقُ في الوضع من الآخر، والمحملان متساويان في الاستعمال وليس سبقُ إطلاق اللفظ على أحد المعنيين بمقتضٍ ترجيحَ ذلك المعنى، فكم من إطلاق مجازي للفظٍ هو أسبق إلى الأفهام من إطلاقه الحقيقي. وليس قولهم في علم الأصول بأنّ الحقيقة أرجحُ من المجاز بمقبول على عمومه. وتسميةُ هذا النوع بالمتشابه ليست مرادة في الآية. وعدّه من المتشابه جمود. ومن التأويل ما ظاهر معنى اللفظ فيه أشهر من معنى تأويله ولكنّ القرائن أو الأدلةَ أوجبت صرف اللفظ عن ظاهر معناه فهذا حقيق بأن يعدّ من المتشابه. ثم إنّ تأويل اللفظ في مِثله قد يتيسّر بمعنى مستقيم يغلب على الظن أنّه المراد إذا جَرى حمل اللفظ على ما هو من مستعملاته في الكلام البليغ مثل الأيدي والأعين في قوله: {أية : بَنيناها بأيدٍ}تفسير : [الذاريات: 47] وقوله: {أية : فإنَّك بأعيننا} تفسير : [الطور: 48] فمَن أخذوا من مثله أنّ لله أعيناً لا يُعرف كنهها، أوْ له يداً ليست كأيدينا، فقد زادوا في قوة الاشتباه. ومنه ما يعتبر تأويله احتمالاً وتجويزاً بأن يكون الصرف عن الظاهر متعيّناً وأمّا حمله على ما أوّلوه به فعلى وجه الاحتمال والمثالِ، وهذا مثل قوله تعالى: {أية : الرحمن على العرش استوى}تفسير : [طه: 5] وقوله: {أية : هل ينظرون إلاّ أن يأتيَهم الله في ظُلَل من الغمام}تفسير : [البقرة: 210] فمثل ذلك مقطوع بوجوب تأويله ولا يَدعي أحد، أن ما أوّلَه به هو المرادُ منه ولكنّه وجه تابع لإمكان التأويل، وهذا النوع أشدّ مواقع التشابه والتأويل. وقد استبان لك من هذه التأويلات: أنّ نظم الآية جاء على أبلغ ما يعبّر به في مقام يسع طائفتين من علماء الإسلام في مختلف العصور. وقوله: {يقولون آمنا به} حال من (الراسخون) أي يعلمون تأويله في هذه الحالة والمعنى عليه: يحتمل أن يكون المراد من القول الكناية عن الاعتقاد؛ لأنّ شأن المعتقد أن يقول معتَقَده، أي يعلمون تأويله ولا يهجس في نفوسهم شك من جهة وقوع المتشابه حتى يقولوا: لماذا لم يجىء الكلام كلّه واضحاً، ويتطرّقهم من ذلك إلى الرّيبة في كونه من عند الله، فلذلك يقولون: {كل من عند ربنا}. ويحتمل أنّ المراد يقولون لغيرهم: أي من لم يبلغ مرتبة الرسوخ من عامة المسلمين، الذين لا قِبل لهم بإدراك تأويله، ليعلّموهم الوقوف عند حدود الإيمان، وعدمَ التطلّع إلى ما ليس في الإمكان، وهذا يقرب ممّا قاله أهل الأصول: إنّ المجتهد لا يلزمه بيانُ مُدركه للعامي، إذا سأله عن مأخذ الحكم، إذا كان المدرَك خفياً. وبهذا يحصل الجواب عن احتجاج الفخر بهذه الجملة لترجيح الوقفِ على اسم الجلالة. وعلى قول المتقدّمين يكون قوله: {يقولون} خبراً، ومعنى قولهم: {آمنا به} آمنّا بكونه من عند الله، وإن لم نفهم معناه. وقوله: {كل من عند ربنا} أي كلٌ من المحكَم والمتشابه. وهو على الوجهين بيان لمعنى قولهم: {آمنا به}، فلذلك قطعت الجملة. أي كلّ من المحكم والمتشابه، مُنزل من الله. وزيدت كلمة (عند) للدلالة على أنّ مِن هنا للابتداء الحقيقي دون المجازي، أي هو منزل من وحي الله تعالى وكلامِه، وليس كقوله: {أية : ما أصابك مِن حسنة فمن الله وما أصابك من سيّئة فمن نفسك}تفسير : [النساء: 197]. وجملة {وما يذَّكَّر إلاّ أولوا الألباب} تذييل، ليس من كلام الراسخين، مَسوق مَساق الثناء عليهم في اهتدائهم إلى صحيح الفهم. والألبابُ: العقول. وتقدّم عند قوله تعالى: {أية : واتقون يا أولي الألباب}تفسير : في سورة [البقرة: 197].

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ}. يحتمل أن المراد بالتأويل في هذه الآية الكريمة التفسير وإدراك المعنى، ويحتمل أن المراد به حقيقة أمره التي يؤول إليها وقد قدمنا في مقدمة هذا الكتاب أن من أنواع البيان التي ذكرناها فيه أن كون أحد الاحتمالين هو الغالب في القرآن. يبين أن ذلك الاحتمال الغالب هو المراد. لأن الحمل على الأغلب أولى من الحمل على غيره. وإذا عرفت ذلك فاعلم أن الغالب في القرآن إطلاق التأويل على حقيقة الأمر التي يؤول إليها كقوله: {أية : هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ} تفسير : [يوسف: 100] وقوله: {أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ} تفسير : [الأعراف: 53] الآية. وقوله: {أية : بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} تفسير : [يونس: 39] وقوله: {أية : ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} تفسير : [النساء: 59] إلى غير ذلك من الآيات. قال ابن جرير الطبري: وأصل التأويل من آل الشيء إلى كذا إذا صار إليه ورجع يؤول أولا، وأولته أنا صيرته إليه، وقال: وقد أنشد بعض الرواة بيت الأعشى: شعر : على أنها كانت تأول حبها تأول ربعي السقاب فأصحبا تفسير : قال: ويعني بقوله: تأول حبها مصير حبها، ومرجعه وإنما يريد بذلك أن حبها كان صغيراً في قلبه فآل من الصغر إلى العظم، فلم يزل ينبت حتى أصحب فصار قديماً كالسقب الصغير الذي لم يزل يشب حتى أصحب، فصار كبيراً مثل أمه. قال وقد ينشد هذا البيت: شعر : على أنها كانت توابع حبها توالي ربعي السقاب فأصحبا اهـ تفسير : وعليه فلا شاهد فيه، والربعي السقب. الذي ولد في أول النتاج ومعنى أصحب انقاد لكل من يقوده، ومنه قول امرئ القيس: شعر : ولست بذي رثية إمر إذا قيد مستكرهاً أصحبا تفسير : والرثية: وجع المفاصل. والإمر: بكسر الهمزة وتشديد الميم مفتوحة بعدها راء هو الذي يأتمر لكل أحد. لضعفه وأنشد بيت الأعشى المذكور الأزهري وصاحب اللسان: شعر : ولكنها كانت نوى أجنبية توالى ربعي السقاب فأصحبا تفسير : وأطالا في شرحه وعليه فلا شاهد فيه أيضاً. تنبيه: اعلم أن التأويل يطلق ثلاثة إطلاقات: الأول: هو ما ذكرنا من أنه الحقيقة التي يؤول إليها الأمر، وهذا هو معناه في القرآن. الثاني: يراد به التفسير والبيان، ومنه بهذا المعنى حديث : قوله صلى الله عليه وسلم في ابن عباس: "اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل"تفسير : . وقول ابن جرير وغيره من العلماء، القول في تأويل قوله تعالى: كذا أي: تفسيره وبيانه. وقول عائشة الثابت في الصحيح: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: حديث : سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي" تفسير : يتأول القرآن تعني يمتثله ويعمل به، والله تعالى أعلم. الثالث: هو معناه المتعارف في اصطلاح الأصوليين، وهو صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى محتمل مرجوح بدليل يدل على ذلك، وحاصل تحرير مسالة التأويل عند أهل الأصول أنه لا يخلو من واحدة من ثلاث حالات بالتقسيم الصحيح: الأولى: أن يكون صرف اللفظ عن ظاهره بدليل صحيح في نفس الأمر يدل على ذلك، وهذا هو التأويل المسمى عندهم بالتأويل الصحيح، والتأويل القريب كقوله صلى الله عليه وسلم الثابت في الصحيح: "حديث : الجار أحق بصَقَبِه" تفسير : فإن ظاهره المبادر منه ثبوت الشفعة للجار، وحمل الجار في هذا الحديث على خصوص الشريك المقاسم حمل له على محتمل مرجوح، إلا أنه دل عليه الحديث الصحيح المصرح بأنه إذا صرفت الطرق وضربت الحدود، فلا شفعة. الحالة الثانية: أن يكون صرف اللفظ عن ظاهره لأمر يظنه الصارف دليلاً وليس بدليل في نفس الأمر، وهذا هو المسمى عندهم بالتأويل الفاسد، والتأويل البعيد، ومثل له الشافعية، والمالكية، و الحنابلة بحمل الإمام أبي حنيفة - رحمه الله - المرأة في قوله صلى الله عليه وسلم: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، باطل" على المكاتبة، والصغيرة، وحمله أيضاً - رحمه الله - المسكين في قوله: {أية : سِتِّينَ مِسْكِينًا} تفسير : [المجادلة: 4] على المد، فأجاز إعطاء ستين مداً لمسكين واحد. الحالة الثالثة: أن يكون صرف اللفظ عن ظاهره لا لدليل أصلاً، وهذا يسمى في اصطلاح الأصوليين لعباً، كقول بعض الشيعة. {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً} تفسير : [البقرة: 67] يعني عائشة رضي الله عنها، وأشار في مراقي السعود إلى حد التأويل، وبيان الأقسام الثلاثة بقوله معرفاً للتاويل: شعر : حمل لظاهر على المرجوح واقسمه للفاسد والصحيح صحيحه وهو القريب ما حمل مع قوة الدليل عند المستدل وغيره الفاسد والبعيد وما خلا فلعبا يفيد تفسير : إلى أن قال: شعر : فجعل مسكين بمعنى المد عليه لائح سمات البعد كحمل مرأة على الصغيره وما ينافي الحرة الكبيره وحمل ما ورد في الصيام على القضاء مع الالتزام تفسير : أما التأويل في اصطلاح خليل بن إسحاق المالكي الخاص به في مختصره، فهو عبارة عن اختلاف شروح المدونة في المراد عند مالك - رحمه الله - وأشار له في المراقي بقوله: شعر : والخلف في فهم الكتاب صير إياه تأويلا لدى المختصر تفسير : والكتاب في اصطلاح فقهاء المالكية المدونة قوله تعالى: {وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} [آل عمران: 7] الآية. لا يخفى أن هذه الواو محتملة للاستئناف، فيكون قوله: {وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ} مبتدأ، وخبره يقولون، وعليه فالمتشابه لا يعلم تأويله إلا الله وحده، والوقف على هذا تام على لفظة الجلالة ومحتملة لأن تكون عاطفة، فيكون قوله: {وَٱلرَّاسِخُونَ} معطوفاً على لفظ الجلالة، وعليه فالمتشابه يعلم تأويله الراسخون في العلم أيضاً، وفي الآية إشارات تدل على أن الواو استئنافية لا عاطفة، قال ابن قدامة: في روضة الناظر ما نصه: ولأن في الآية قرائن تدل على أن الله سبحانه، متفرد بعلم المتشابه، وأن الوقف الصحيح عند قوله تعالى: {أية : وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ}تفسير : [آل عمران: 7] لفظاً ومعنى أما اللفظ فلأنه لو أراد عطف الراسخين لقال: ويقولون آمنا به بالواو أما المعنى فلأنه ذم مبتغى التأويل، ولو كان ذلك للراسخين معلوماً لكان مبتغيه ممدوحاً لا مذموماً. ولأن قولهم آمنا به، يدل على نوع تفويض وتسليم لشيء لم يقفوا على معناه سيما إذا تبعوه بقولهم: كل من عند ربنا، فذكرهم ربهم ها هنا يعطي الثقة به والتسليم لأمره، وأنه صدر من عنده، كما جاء من عنده المحكم. ولأن لفظة أما لتفصيل الجمل فذكره لها في الذين في قلوبهم زيغ مع وصفه إياهم باتباع المتشابه وابتغاء تأويله يدل على قسم آخر يخالفهم في هذه الصفة، وهم الراسخون. ولو كانوا يعلمون تأويله لم يخالفوا القسم الأول في ابتغاء التأويل وإذ قد ثبت أنه غير معلوم التأويل لأحد فلا يجوز حمله على غير ما ذكرناه اهـ من الروضة بلفظه. ومما يؤيد أن الواو استئنافية لا عاطفة، دلالة الاستقراء في القرآن أنه تعالى إذا نفى عن الخلق شيئاً وأثبته لنفسه، أنه لا يكون له في ذلك الإثبات شريك كقوله: {أية : قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَاواتِ وٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ} تفسير : [النمل: 65] وقوله: {أية : لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [الأعراف: 187]. وقوله: {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} تفسير : [القصص: 88]. فالمطابق لذلك أن يكون قوله: {ومَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ} [آل عمران: 7] معناه: أنه لا يعلمه إلا هو وحده كما قاله الخطابي وقال: لو كانت الواو في قوله: {وَٱلرَّاسِخُونَ} [آل عمران: 7] للنسق لم يكن لقوله: {أية : كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ رَبِّنَا}تفسير : [آل عمران: 7] فائدة والقول بأن الوقف تام على قوله: {إِلاَّ اللهُ} وأن قوله: {وَٱلرَّاسِخُونَ} ابتداء كلام هو قول جمهور العلماء للأدلة القرآنية التي ذكرنا. وممن قال بذلك عمر، وابن عباس، وعائشة، و عروة بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، وابن مسعود، وأبي بن كعب، نقله عنهم القرطبي وغيره ونقله ابن جرير عن يونس عن أشهب عن مالك بن أنس وهو مذهب الكسائي والأخفش والفراء وأبي عبيد. وقال أبو نهيك الأسدي: إنكم تصلون هذه الآية وإنها مقطوعة وما انتهى علم الراسخين إلا إلى قولهم آمنا به كل من عند ربنا، والقول بأن الواو عاطفة مروي أيضاً عن ابن عباس وبه قال مجاهد والربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير والقاسم بن محمد وغيرهم. وممن انتصر لهذا القول وأطال فيه ابن فورك ونظير الآية في احتمال الاستئناف والعطف قول الشاعر: شعر : الريح تبكي شجوها والبرق يلمع في الغمامة تفسير : فيحتمل أن يكون البرق مبتدأ والخبر يلمع كالتأويل الأول، فيكون مقطوعاً مما قبله، ويحتمل أن يكون معطوفاً على الريح، ويلمع في موضع الحال على التأويل الثاني أي: لامعاً. واحتج القائلون بأن الواو عاطفة بأن الله سبحانه وتعالى مدحهم بالرسوخ في العلم فكيف يمدحهم بذلك وهم جهال. قال القرطبي: قال شيخنا أبو العباس أحمد بن عمرو: هذا القول هو الصحيح فإن تسميتهم راسخين يقتضي أنهم يعلمون أكثر من المحكم الذي يستوي في علمه جميع من يفهم كلام العرب، وفي أي شيء هو رسوخهم إذا لم يعلموا إلا ما يعلم الجميع. انتهى منه بلفظه. قال مقيده - عفا الله عنه - يجاب عن كلام شيخ القرطبي المذكور بأن رسوخهم في العلم هو السبب الذي جعلهم ينتهون حيث انتهى علمهم ويقولون فيما لم يقفوا على علم حقيقته من كلام الله جل وعلا: {آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7] بخلاف غير الراسخين فإنهم يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وهذا ظاهر. وممن قال بأن الواو عاطفة الزمخشري في تفسيره الكشاف. والله تعالى أعلم ونسبة العلم إليه أسلم. وقال بعض العلماء: والتحقيق في هذا المقام أن الذين قالوا هي عاطفة، جعلوا معنى التأويل التفسير وفهم المعنى كما قال النَّبي صلى الله عليه وسلم "حديث : اللهم علمه التأويل" تفسير : أي: التفسير وفهم معاني القرآن، والراسخون يفهمون ما خوطبوا به وإن لم يحيطوا علماً بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه. والذين قالوا هي استئنافية جعلوا معنى التأويل حقيقة ما يؤول إليه الأمر وذلك لا يعلمه إلا الله، وهو تفصيل جيد ولكنه يشكل عليه أمران: الأول قول ابن عباس رضي الله عنهما: "التفسير على أربعة أنحاء: تفسير: لا يعذر أحد في فهمه، وتفسير تعرفه العرب من لغاتها، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله". فهذا تصريح من ابن عباس أن هذا الذي لا يعلمه إلا الله بمعنى التفسير لا ما تؤول إليه حقيقة الأمر. وقوله هذا ينافي التفصيل المذكور. الثاني: أن الحروف المقطعة في أوائل السور لا يعلم المراد بها إلا الله إذ لم يقم دليل على شيء معين أنه هو المراد بها من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا من لغة العرب. فالجزم بأن معناها كذا على التعيين تحكم بلا دليل. تنبيهان الأول: اعلم أنه على القول بأن الواو عاطفة فإن إعراب جملة يقولون مستشكل من ثلاث جهات: الأولى أنها حال من المعطوف وهو الراسخون، دون المعطوف عليه وهو لفظ الجلالة. و المعروف إتيان الحال من المعطوف والمعطوف عليه معاً كقولك: جاء زيد وعمرو راكبين. وقوله تعالى: {أية : وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَينَ}تفسير : [إبراهيم: 33]. وهذا الإشكال ساقط. لجواز إتيان الحال من المعطوف فقط دون المعطوف عليه، ومن أمثلته في القرآن قوله تعالى: {أية : وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً} تفسير : [الفجر: 22] فقوله صفاً حال من المعطوف وهو الملك، دون المعطوف عليه وهو لفظة ربك. وقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا} تفسير : [الحشر: 10] الآية. فجملة يقولون حال من واو الفاعل في قوله الذين جاءوا، وهو معطوف على قوله: {أية : لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ} تفسير : [الحشر: 8] وقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ} تفسير : [الحشر: 9] فهو حال من المعطوف دون المعطوف عليه كما بينه ابن كثير وغيره. الجهة الثانية: من جهات الإشكال المذكور هي ما ذكره القرطبي عن الخطابي قال عنه: واحتج له بعض أهل اللغة، فقال معناه والراسخون في العلم يعلمونه قائلين: آمنا، وزعم أن موضع يقولون نصب على الحال، وعامة أهل اللغة ينكرونه ويستبعدونه. لأن العرب لا تضمر الفعل والمفعول معاً ولا تذكر حالاً إلا مع ظهور الفعل فإذا لم يظهر فعل فلا يكون حال. ولو جاز ذلك لجاز أن يقال عبد الله راكباً يعني: أقبل عبد الله راكباً، وإنما يجوز ذلك مع ذكر الفعل كقوله عبد الله يتكلم يصلح بين الناس، فكان يصلح حالاً له كقول الشاعر أنشدنيه أبو عمر قال: أنشدنا أبو العباس ثعلب: شعر : أرسلت فيها قطماً لكالكا يقصر يمشي ويطول باركاً تفسير : أي يقصر ماشياً، وهذا الإشكال أيضاً ساقط. لأن الفعل العامل في الحال المذكورة غير مضمر. لأنه مذكور في قوله يعلم ولكن الحال من المعطوف دون المعطوف عليه، كما بينه العلامة الشوكاني في تفسيره وهو واضح. الجهة الثالثة: من جهات الإشكال المذكورة هي: أن المعروف في اللغة العربية أن الحال قيد لعاملها ووصف لصاحبها، فيشكل تقييد هذا العامل الذي هو يعلم بهذه الحال التي هي يقولون آمنا. إذ لا وجه لتقييد علم الراسخين بتأويله بقولهم آمنا به. لأن مفهومه أنهم في حال عدم قولهم آمنا به لا يعلمون تأويله وهو باطل، وهذا الإشكال قوي وفيه الدلالة على منع الحالية في جملة يقولون على القول بالعطف. التنبيه الثاني: إذا كانت جملة يقولون: لا يصح أن تكون حالاً لما ذكرنا فما وجه إعرابها على القول بأن الواو عاطفة؟ الجواب والله تعالى أعلم أنها معطوفة بحرف محذوف والعطف بالحرف المحذوف، أجازه ابن مالك وجماعة من علماء العربية. والتحقيق جوازه، وأنه ليس مختصاً بضرورة الشعر كما زعمه بعض علماء العربية، والدليل على جوازه وقوعه في القرآن، وفي كلام العرب. فمن أمثلته في القرآن قوله تعالى: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ} تفسير : [الغاشية: 8] الآية. فإنه معطوف بلا شك على قوله تعالى: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ}تفسير : [الغاشية: 2] بالحرف المحذوف الذي هو الواو ويدل له إثبات الواو في نظيره في قوله تعالى في سورة القيامة: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ} تفسير : [القيامة: 22-24] الآية. وقوله تعالى في عبس: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ} تفسير : [عبس: 38-40] الآية. وجعل بعض العلماء منه قوله تعالى: {أية : وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ} تفسير : [التوبة: 92] الآية. قال يعني وقلت: بالعطف بواو محذوفة وهو أحد احتمالات ذكرها ابن هشام في المغني، وجعل بعضهم منه {أية : إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ} تفسير : [آل عمران: 19] على قراءة فتح همزة إن قال: هو معطوف بحرف محذوف على قوله: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [آل عمران: 18] أي: وشهد أن الدين عند الله الإسلام وهو أحد احتمالات ذكرها صاحب المغني أيضاً ومنه حديث "حديث : تصدق رجل من ديناره من درهمه من صاع بره من صاع تمره" تفسير : يعني ومن درهمه ومن صاع إلخ. حكاه الأشموني وغيره، والحديث المذكور أخرجه مسلم والإمام أحمد وأصحاب السنن ومن شواهد حذف حرف العطف قول الشاعر: شعر : كيف أصبحت كيف أمسيت مما يغرس الود في فؤاد الكريم تفسير : يعني وكيف أمسيت وقول الحطيئة: شعر : إن امرأ رهطه بالشام منزله برمل يبرين جار شد ما اغتربا تفسير : أي: ومنزله برمل يبرين. وقيل: الجملة الثانية صفة ثانية لا معطوفة وعليه فلا شاهد في البيت، وممن أجاز العطف بالحرف المحذوف الفارسي وابن عصفور خلافاً لابن جني والسهيلي. ولا شك أن في القرآن أشياء لا يعلمها إلا الله كحقيقة الروح. لأن الله تعالى يقول: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} تفسير : [الإسراء: 85] الآية وكمفاتح الغيب التي نص على أنها لا يعلمها إلا هو بقوله: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ}تفسير : [الأنعام: 59] الآية. وقد ثبت عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، أنها الخمس المذكورة في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ}تفسير : [لقمان: 34] الآية. وكالحروف المقطعة في أوائل السور وكنعيم الجنة لقوله تعالى: {أية : فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} تفسير : [السجدة: 17] الآية. وفيه أشياء يعلمها الراسخون في العلم دون غيرهم كقوله تعالى: {أية : فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تفسير : [الحجر: 92-93] وقوله: {أية : فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : [الأعراف: 6] مع قوله: {أية : فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ} تفسير : [الرحمن: 39] وقوله: {أية : وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ} تفسير : [القصص: 78] وكقوله: {أية : وَرُوحٌ مِّنْهُ} تفسير : [النساء: 171] والرسوخ الثبوت. ومنه قول الشاعر: شعر : لقد رسخت في القلب مني مودة لليلى أبت آياتها أن تغيرا

الواحدي

تفسير : {هو الذي أنزل عليك الكتابَ منه آيات محكماتٌ} وهنَّ الثَّلاث الآيات في آخر سورة الأنعام: {أية : قل تعالوا أتل} تفسير : إلى آخر الآيات الثَّلاث {هنَّ أمُّ الكتاب} هنَّ أمُّ كلِّ كتاب أنزله الله تعالى على كلِّ نبيٍّ، فيهنَّ كلُّ ما أحلَّ وحرَّم، ومعناه: أنهنَّ أصل الكتاب الذي يُعمل عليه {وأخر} أَيْ: آياتٌ أُخر {متشابهات} يريد: التي تشابهت على اليهود، وهي حروف التَّهجِّي في أوائل السُّور، وذلك أنَّهم أوَّلوها على حساب الجُمَّل، وطلبوا أن يستخرجوا منها مدَّة بقاء هذه الأُمَّة، فاختلط عليهم واشتبه {فأمَّا الذين في قلوبهم زيغٌ} وهم اليهود الذين طالبوا علمَ أجل هذه الأمَّة من الحروف المقطَّعة {فيتبعون ما تشابه منه} من الكتاب. يعني: حروف التَّهجِّي {ابتغاء الفتنة} طلب اللَّبس ليضلُّوا به جُهَّالهم {وابتغاء تأويله} طلب أجل أمَّة محمّدٍ صلى الله عليه وسلم. {وما يعلم تأويله إلاَّ الله} يريد: ما يعلم انقضاء ملك أمَّة محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم إلاَّ الله، لأنَّ انقضاء ملكهم مع قيامِ السَّاعة، ولا يعلم ذلك أحد إلاَّ الله، ثمَّ ابتدأ فقال: {والراسخون في العلم} أَي: الثَّابتون فيه. يعني: علماء مؤمني أهل الكتاب {يقولون آمنا به} أَيْ: بالمتشابه {كلٌّ من عند ربنا} المحكم والمتشابه، وما علمناه، وما لم نعلمه {وما يذكر إلاَّ أولوا الألباب} ما يتعَّظ بالقرآن إلاَّ ذوو العقول. {ربنا} أي: ويقول الرَّاسخون في العلم {ربنا لا تزغ قلوبنا} لا تُملها عن الهدى والقصد كما أزغت قلوب الذين في قلوبهم زيغ {بعد إذ هديتنا} للإِيمان بالمحكم والمتشابه من كتابك. {ربنا إنك جامع الناس} حاشرهم {ليوم} الجزاء في يومٍ {لا ريب فيه إنَّ الله لا يخلف الميعاد} للبعث والجزاء. {إنَّ الذين كفروا} يعني: يهود قريظة والنَّضير {لن تغني عنهم} [أي: لن تنفع و] لن تدفع عنهم {أموالهم} {ولا أولادهم} يعني: التي يتفاخرون بها {من الله} من عذاب الله {شيئاً وأولئك هم وقود النار} هم الذين تُوقد بهم النَّار. {كدأب آل فرعون} كصنيع آل فرعون وفعلهم في الكفر والتَّكذيب كفرت اليهود بمحمد صلى الله عليه وسلم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: محكمات: الظاهر الدلالة البيّنة المعنى التي لا تحتمل إلا معنى واحداً، وذلك كآيات الأحكام من حلال وحرام وحدود، وعبادات، وعبر وعظات. متشابهات: غير ظاهرة الدلالة محتملة لمعان يصعب على غير الراسخين في العلم القول فيها وهي كفواتح السور، وكأمور الغيب. ومثل قول الله تعالى في عيسى عليه السلام: {أية : .... وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ..} تفسير : [النساء: 171] وكقوله تعالى: {أية : ..إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ..} تفسير : [الأنعام: 57]. في قلوبهم زيغ: الزيغ: الميل عن الحق بسبب شبهة أو شهوة أو فتنة. ابتغاء الفتنة: أي طلباً لفتنة المؤمنين في دينهم ومعتقداتهم. ابتغاء تأويله: طلباً لتأويله ليوافق معتقداتهم الفاسدة. وما يعلم تأوليه إلا الله: وما يعلم ما يؤول إليه أمر المتشابه إلا الله منزله. الراسخون في العلم: هم أهل العلم اليقيني في نفوسهم الذين رسخت أقدامهم في معرفة الحق فلا يزلّون ولا يَشْتَطّون في شبهة أو باطل. كلٌّ من عند ربنا: أي المحكم والمتشابه فنؤمن به جميعاً. أولوا الألباب: أصحاب العقول الراجحة والفهوم السليمة. ربنا لا تزغ قلوبنا: أي لا تُمل قلوبنا عن الحق بعدما هديتنا إليه وعرّفتنا به فعرفناه. هب لنا من لدنك: أعطنا من عندك رحمة. معنى الآيات: ما زال تعالى يقرر ربوبيته وألوهيته ونبوّة رسوله ويبطل دعوى نصارى نجران في ألوهية المسيح عليه السلام فيقول: هو أي الله الحي القيوم الذي أنزل عليك الكتاب، أي القرآن، منه آيات محكمات، لا نسخ فيها ولا خفاء في معناها ولا غموض في دلالتها على ما نزلت فيه وهذه معظم آي الكتاب وهي أمّه وأصله، ومنه آيات أخر متشابهات وهي قليلة والحكمة من إنزالها كذلك الإمتحان والإختبار كالإمتحان بالحلال والحرام، وبأمور الغيب ليثبت على الهداية والإِيمان من شاء الله هدايته، ويزيغ في إيمانه ويضل عن سبيله من شاء الله تعالى ضلاله وعدم هدايته. فقال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ..} أي ميل عن الحق {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} للخروج به عن طريق الحق وهداية الخلق كما فعل النصارى حيث ادعوا أن الله ثالث ثلاثة لأنه يقول نخلق ونحيي، ونميت وهذا كلام جماعة فأكثر، وكما قالوا في قوله تعالى في شأن عيسى: {أية : .. وَرُوحٌ مِّنْهُ..} تفسير : [النساء: 171] أنه جزء منه متحد به وكما قال الخوارج في قوله تعالى {أية : ..إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ..} تفسير : [الأنعام: 57] فلا يجوز لأحد أن يحكم في شيء وكفروا عليّا وخرجوا عنه لتحكيمه أبا موسى الأشعري في حقيقة الخلاف بين علي ومعاوية وهكذا يقع أهل الزيغ في الضلال حيث يتبعون المتشابه ولا يردونه إلى المحكم فيظهر لهم معناه ويفهمون مراد الله تعالى منه. وأخبر تعالى أنه لا يعلم تأويله إلا هو سبحانه وتعالى. وأن الراسخين في العلم يُفَوِّضُون أمره إلى الله منزله فيقولون: {.. آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ}، ويسألون ربهم الثبات على الحق فيقولون: {..رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً..} ترحمنا بها في دنيانا وأخرانا إنك أنت وحدك الوهاب، لا إله غيرك ولا ربّ سواك، ويقررون مبدأ المعاد والدار الآخرة فيقولون سائلين ضارعين {رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ} لمحاسبتهم ومجازاتهم على أعمالهم فاغفر لنا وارحمنا يومئذ حيث آمنا بك وبرسولك وبكتابك محكم آيه ومتشابهه، إنك لا تخلف الميعاد. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- في كتاب الله المحكم والمتشابه، فالمحكم يجب الإِيمان به والعمل بمقتضاه، والمتشابه يجب الإِيمان به ويفوض أمر تأويله إلى الله منزله ويقال: {..آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا.. }. 2- أهل الزيغ الذين يتبعون ما تشابه يجب هجرانهم والإِعراض عنهم لأنهم مبتدعة وأهل أهواء. 3- استحباب الدعاء بطلب النجاة عند ظهور الزَّيغ ورؤية الفتن والضلال. 4- تقرير مبدأ المعاد والدار الآخرة.

القطان

تفسير : آيات محكمات: محكمة العبارة لا تقبل الصرف عن ظاهرها. أُم الكتاب: أصله الذي فيه عماد الدين والفرائض والحدود. وأخر متشابهات: محتملات لعدة معان لا يتضح المقصود فيها الا بتدقيق النظر. زيغ: عدول عن الحق. ابتغاء الفتنة: طلبا للفتنة. الراسخون في العلم: المتمكنون منه. لقد أنزل الله عليك القرآن وجعل فيه آيات محكمات، محدّدة المعنى بينة المقاصد، هي الأصل واليها المرجع في الدين والفرائض والحدود. كما جعل فيه آيات متشابهات يدِقُّ معناها على كثير من الناس وتشتبه على غير الراسخين في العِلم. فأما الآيات المتشابهات فقد أُنزلت بحكمته تعالى لتبعث العلماء على تدقيق النظر ودقة الفكر في الاجتهاد. لكن أهل الشك والذين في قلوبهم ميل عن الحق ـ يتّبعون ما تشابه من الآيات رغبةً في اثارة الفتنة.. يؤوّلونها حسب أهوائهم، فيُضلّون وراءهم خلقاً كثيرا. ولا يعلم تأويل هذه الآيات المتشابهات الا الله والذين تثبتوا في العلم وتمكنوا منه، وهؤلاء يقولون: اننا نؤمن بالقرآن كاملاً، لا نفرق بين مُحكمة ومتشابهه. وما يعقل ذلك ويفقه حكمته الا ذوو البصائر المستنيرة، والعقول الراجحة. هذا وقد استفاض الحديث حول أن في القرآن محكماً ومشابهاً، وان العلماء أمام هذه المتشابه فريقان: فريق السلف الذي يرى التفويض وعدم الخوض في معناه، وفريق الخلف الذي يرى التأويل وصرف اللفظ عن دلالته المعروفة الى معنى يتفق مع ما دل عليه المحكم. ويعتبرون من ذلك أمثال قوله تعالى "الرحمنُ على العرش استوى" "يد الله فوق أيديهم" "بل يداه مبسوطتان" "والارض جميعاً قبضتُهُ يوم القيامة والسّماواتُ مطويات بيمينه" فيقولون ان معنى الاستواء هو الاستيلاء. واليد بمعنى القدرة. واليمين بمعنى القوة. وبسطُ اليد بمعنى كثرة المنح والعطاء، الى غير ذلك. وهناك أقوال كثيرة اختلافات كبيرة في هذا الموضوع لا طائل منها ولا فائدة.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْكِتَابَ} {آيَاتٌ} {مُّحْكَمَاتٌ} {مُتَشَابِهَاتٌ} {تَشَابَهَ} {ٱلرَّاسِخُونَ} {آمَنَّا} {أُوْلُواْ} {ٱلأَلْبَابِ} (7) - وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الذِي أنْزَلَ القُرآنَ عَلَى عَبْدِهِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَكَانَ مِنْ حِكْمَتِهِ أنْ جَعَلَ مِنْهُ آيَاتٍ مُحْكَمَاتٍ مُحَدَّدَةَ المَعْنَى، بَيِّنَةَ المَقَاصِدِ، هِيَ الأصْلُ وَإليهَا المَرْجِعُ (أمُّ الْكِتَابِ). وَجَعَلَ مِنْهُ آيَاتٍ مُتَشَابِهَاتٍ، يَدِقُّ فَهْمُ مَعْنَاهَا عَلَى كَثيرٍ مِنَ النَّاسِ، وَتَشْتَبِهُ عَلَى غَيْرِ الرَّاسِخِينَ فِي العِلْمِ. فَيَأخُذُونَ المُتَشَابِهَ الذِي يَسْتَطِعُونَ تَحْرِيفَهُ لِيَسْتَخْدِمُوهُ فِي الوُصُولِ إلى أغْراضِهِم الفَاسِدَةِ مِنْ إضْلاَلِ النَّاسِ لاحْتِمَالِ لَفْظِهِ لِمَا يَصْرِفُونَهُ إلَيْهِ. أمَّا المُحْكَم فَإنَّهُمْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ الإِفَادَةَ مِنْهُ لأنَّهُ دَامِغٌ لَهُمْ، وَحُجَّةٌ عَلَيهِمْ. أمَّا الذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ عَنِ الحَقِّ، فَإنَّهُمْ يَتَّبِعُونَ المُتَشَابِهَ رَغْبَةً مِنْهُمْ فِي إثَارَةِ الفِتْنَةِ، وَيَسْتَعِينُونَ فِي ذَلِكَ بِمَا فِي غَرَائِزِ النَّاسِ وَطِبَاعِهِمْ مِنْ شَكٍّ فِيمَا لَمْ يَصِلْ إليهِ عِلْمُهُمْ، وَلاَ يَنَالُهُ حِسُّهُمْ. كَالإِحْيَاءِ بَعْدَ المَوْتِ، وَجَميعِ شُؤُونِ العَالَمِ الآخَر. وَيَأخُذُونَ المُتَشَابِهَ عَلَى ظَاهِرِهِ دُونَ نَظَرٍ إلى المُحْكَمِ، وَيَرْجِعُونَ فِي تَفْسِيرِ المُحْكَمِ إلى أهْوَائِهِمْ، وَتَقَالِيدِهِمْ، لاَ إلى الأصْلِ المُحْكَمِ الذِي بُنِيَ عَلَيهِ الاعْتِقَادُ. وَتَأوِيلُ المُتَشَابِهِ مِنَ القُرَآنِ لاَ يَعْلَمُهُ إلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ، المُتَمَكِّنُونَ مِنْهُ. (وَقَالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ المُتَقَدِّمِينَ: إنَّ المَفْهُومَ مِنْ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّه لاَ يَعْلَمُ تَفْسِيرَ المَتَشَابِهِ إلاّ اللهُ. أمَّا الرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ فَعِبَارَةٌ مُسْتَأنَفَةٌ). وَهَؤُلاءِ الرَّاسِخُونَ فِي العِلْمَ يَرُدُّونَ المُتَشَابِهَ إلى المُحْكَمِ، وَيُؤْمِنُونَ بِهذَا وَهذا عَلَى أنّهُ حَقٌّ وَصِدْقٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَلاَ يُفَرِّقُونَ بَينَ مُحْكَمِ القُرَآنِ وَمُتَشَابِهِهِ. وَلاَ يَعْقِلُ ذَلِكَ وَلاَ يَفْهَمُهُ إلاّ أصْحَابُ العُقُولِ السَّلِيمَةِ التِي لاَ تَخْضَعُ لِتَأثِيرِ الهَوَى والشَّهَواتِ. وَسُئِلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الرَّاسِخِينَ فِي العِلْمِ فَقَالَ عَنْهُمْ: "حديث : مَنْ بَرَّتْ يَمِينُهُ، وَصَدَقَ لِسَانُهُ، وَاسْتَقَامَ قَلْبُهُ، وَمَنْ عَفَّ بَطْنُهُ وَفَرْجُهُ، فَذَلِكَ مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي العِلْمِ"تفسير : (أَخْرَجَهُ ابْنُ أبي حَاتِمٍ).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إذن فبعدما صورنا في الأرحام كيف يشاء على مُقتضى حكمته لن يترك الصور بدون منهج للقيم، بل صنع منهج القيم بأن أنزل القرآن وفيه منهج القيم، ولابد أن نأخذ الشيء بجوار الحكمة منه، وإذا أخذنا الشيء بجوار الحكمة منه يوجد كل أمر مستقيماً كله جميل وكله خير. فيقول سبحانه: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ} [آل عمران: 7]. ماذا يعني الحق بقول: {آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ} [آل عمران: 7]؟ إن الشيء المحكم هو الذي لا يتسرب إليه خلل ولا فساد في الفهم؛ لأنه محكم، وهذه الآيات المحكمة هي النصوص التي لا يختلف فيها الناس، فعندما يقول: {أية : وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا ..}تفسير : [المائدة: 38]. هذه آية تتضمن حُكما واضحاً. وهو سبحانه يقول: {أية : ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا ..}تفسير : [النور: 2]. هذه أيضاً أمور واضحة، هذا هو المُحكَم من الآيات، فالمُحكَم هو ما لا تختلف فيه الأفهام؛ لأن النص فيه واضح وصريح لا يحتمل سواه، و"المُتشَابِه" هو الذي نتعب في فهم المراد منه، وما دمنا سنتعب في فهم المراد منه فلماذا أنزله؟ ويوضح لنا سبحانه - كما قلت لك - خذ الشيء مع حكمته كي تعرف لماذا نزل؟ فالمُحْكم جاء للأحكام المطلوبة من الخلق، أي افعل كذا، ولا تفعل كذا، وما دامت أفعالاً مطلوبة من الخلق فالذي فعلها يُثاب عليها، والذي لم يفعلها يُعاقب، إذن فسيترتب عليها ثواب وعقاب، فيأتي بها صورة واضحة، وإلا لقال واحد: "أنا لم أفهم"، إن الأحكام تقول لك: "افعل كذا ولا تفعل كذا" فهي حين تقول: "افعل"؛ أنت صالح ألا تفعل، فلو كنت مخلوقاً على أنك تفعل فقط؛ لا يقول لك: افعل، لكن لأنك صالح أن تفعل وألا تفعل فهو يقول لك: "افعل". وساعة يقول لك: "لا تفعل"، فأنت صالح أن تفعل، فلا يقال: "افعل ولا تفعل" إلاّ لأنه خلق فيك صلاحية أن تفعل أو لا تفعل، ونلحظ أنه حين يقول لي: افعل كذا ولا تفعل كذا يريد أن أقف أمام شهوة نفسي في الفعل والترك، ولذلك يقول الحق في الصلاة: {أية : وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ}تفسير : [البقرة: 45]. فعندما يقول لي: "افعل ولا تفعل" معناها: أن فيه أشياء تكون ثقيلة أن أفعلها، وأنّ شيئاً ثقيلاً عليَّ أن أتركه، فمثلاً البصر خلقه الله صالحاً لأن يرى كل ما في حيَّزه. على حسب قانون الضوء، والحق يقول له: {أية : قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..}تفسير : [يونس: 101]. ولكن عند المرأة التي لا يحل لك النظر إليها يقول الحق: اغضض. {أية : قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ}تفسير : [النور: 30-31]. ومعنى "يغضوا" و "يغضضن" أنه سبحانه حدد حركة العين، ومثال آخر؛ اليد تتحرك فيأمرك - سبحانه - ألاّ تحركها إلا في مأمور به، فلا تضرب بها أحداً، ولا تشعل بها ناراً تحرق وتفسد بل أشعل بها النار لتطبخ مثلاً. إذن، فهو سبحانه يأتي في "افعل ولا تفعل" ويحدد شهوات النفس في الفعل أو الترك، فإن كانت شهوة النفس بأنها تنام، يقول الأمر التعبدي: قم وصل، وإن كانت شهوة النفس بأنها تغضب يقول الأمر الإيماني: لا تغضب. إذن فالحكم إنما جاء بافعل ولا تفعل لتحديد حركة الإنسان، فقد يريد أن يفعل فعلاً ضاراً؛ فيقول له: لا تفعل، وقد يريد ألاّ يفعل فعلَ خير يقول له: افعل. إذن فكل حركات الإنسان محكومة بـ "افعل ولا تفعل"، وعقلك وسيلة من وسائل الإدراك، مثل العين والأذن واللسان. إن مهمة العقل أن يدرك، فتكليفه يدعوه إلى أن يفهم أمراً ولا يفهم أمراً آخر، وجعل الله الآيات المحكمات ليريح العقل من مهمة البحث عن حكمة الأمر المحكم؛ لأنها قد تعلو الإدراك البشري. ويريد الحق أن يلزم العبد آداب الطاعة حتى في الشيء الذي لا تُدرك حكمة تشريعه، وأيضاً لتحرك عقلك لترد كل المتشابه إلى المحكم من الآيات. وإذا قرأنا قول الحق: {أية : لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَارَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ}تفسير : [الأنعام: 103]. نرى أن ذلك كلام عام. وفي آية أخرى يقول سبحانه: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}تفسير : [القيامة: 22-23]. ويتكلم عن الكفار فيقول: {أية : كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ}تفسير : [المطففين: 15]. إذن فالعقل ينشغل بقوله: "لا تدركه الأبصار"، وهذا يحدث في الدنيا، أما في الآخرة فسيكون الإنسان قد تم إعداده إعداداً آخر ليرى الله، نحن الآن في هذه الدنيا بالطريقة التي أعدنا بها الله لنحيا في هذا العالم لا نستطيع أن نرى الله، ومسألة إعداد شيء ليمارس مهمة ليس مؤهلاً ولا مهيأ لها الآن، أمر موجود في دنيانا، فنحن نعرف أن إنساناً أعمى يتم إجراء جراحة له أو يتم صناعة نظارة طبية له فيرى. ومن لا يسمع أو ثقيل السمع نصنع له سماعة فيسمع بها. فإذا كان البشر قد استطاعوا أن يُعِدُّوا بمقدوراتهم في الكون المادي أشياء لتؤهلهم إلى استعادة حاسة ما، فما بالنا بالخالق الأكرم الإله المُربّي، ألا يستطيع أن يعيد خلقنا في الآخرة بطريقة تتيح لنا أن نرى ذاته ووجهه؟! إنه القادر على كل شيء. إذن فالأمر هنا متشابه، إن الله يُدرَك - بضم الياء وفتح الراء - أو لا يُدْرَك، فما الذي تغير من الأحكام بالنسبة لك؟ لا شيء. إذن فهذه الآيات المتشابهات لم تأتِ من أجل الأحكام، إنما هي قد جاءت من أجل الإيمان فقط، ولذلك فالرسول صلى الله عليه وسلم ينهي كل خلاف للعلماء حول هذه المسألة بقوله وهو الرسول الخاتم: "حديث : إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضاً فما عرفتم منه فاعملوا به وما تشابه منه فآمنوا به ". تفسير : إن المُتشَابه من الآيات قد جاء للإيمان به، والمُحْكَم من الآيات إنما جاء للعمل به، والمؤمن عليه دائماً أن يرد المُتشَابِه إلى المُحْكَم. مثال ذلك عندما نسمع قول الله عز وجل: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ ٱللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً}تفسير : [الفتح: 10]. إن الإنسان قد يتساءل: "هل لله يد"؟ على الإنسان أن يرد ذلك إلى نطاق {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ..} تفسير : [الشورى: 11]. وعندما يسمع المؤمن قول الحق: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ}تفسير : [طه: 5]. فهل لله جسم يستقر به على عرش؟ هنا نقول: هذا هو المُتشَابِه الذي يجب على المؤمن الإيمان به، ذلك أن وجودك أيها الإنسان ليس كوجود الله، ويدك ليست كيد الله وأن استواءك أيضاً ليس كاستواء الله. وما دام وجوده سبحانه ليس كوجودك وحياته ليست كحياتك فلماذا تريد أن تكون يده كيدك؟ هو كما قال عن نفسه: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} تفسير : [الشورى: 11]. ولماذا أدخلنا الله إلى تلك المجالات؟ لأن الله يريد أن يُلفت خلقه إلى أشياء قد لا تستقيم في العقول؛ فمَنْ يتسع ظنه إلى أن يؤول ويردها إلى المُحْكَم بأن الله ليس كمثله شيء. فله ذلك، ومن يتسع ظنه ويقول: أنا آمنت بأن لله يداً ولكن في إطار {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} تفسير : [الشورى: 11] فله ذلك أيضاً وهذا أسلم. والحق يقول: {مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ} [آل عمران: 7] ومعنى "أُمّ" أي الأصل الذي يجب أن ينتهي إليه تأويل المُتشَابه إن أوّلت فيه، أو تُرجعه إلى المُحكم فتقول: إن لله يداً، ولكن ليست كأيدي البشر. إنما تدخل في نطاق: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ..}تفسير : [الشورى: 11]. ولماذا قال الحق: {هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ} [آل عمران: 7]؟ ولم يقل: هن أمهات الكتاب؟ لك أن تعرف أيها المؤمن أنه ليس كل واحدة منهن أُمّاً، ولكن مجموعها هو الأم، ولتوضيح ذلك فلنسمع قول الحق: {أية : وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ}تفسير : [المؤمنون: 50]. لم يقل الحق: إنهما آيتان؛ لأن عيسى عليه السلام لم يوجد كآية إلا بميلاده من أمه دون أب أي بضميمة أمه، وأم عيسى لم تكن آية إلا بميلاد عيسى أي بضميمة عيسى. إذن فهما معاً يكونان الآية، وكذلك {هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 7] فالمقصود بها ليس كل محكم أُمّا للكتاب، إنما المحكمات كلها هي الأم، والأصل الذي يَرُدُّ إليه المؤمنُ أيَّ متشابهٍ. ومهمة المحكم أن نعمل به، ومهمة المتشابه أن نؤمن به؛ بدليل أنك إن تصورته على أي وجه لا يؤثر في عملك. فقوله الحق: {أية : لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ} تفسير : [الأنعام: 103] لا يترتب عليه أي حكم، وهنا يكفي الإيمان فقط. لكن ماذا من أمر الذين قال عنهم الله: {فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: 7]؟. ولنا أن نعرف أن "الزيغ" هو الميْل، فزاغ يعني مال، وهي مأخوذة من تزايغ الأسنان، أي اختلاف منابتها، فسِنَّةٌ تظهر داخلة، وأخرى خارجة، وعندما لا تستقيم الأسنان في طريقة نموها يصنعون لها الآن عمليات تجميل وتقويم ليجعلوها صفاً واحداً. إن الذين في قلوبهم زيغ أي ميل، يتبعون ما تشابه من الآيات ابتغاء الفتنة. كأن الزيغ أمر طارئ على القلوب، وليس الأصل أن يكون في القلوب زيغ، فالفطرة السليمة لا زيغ فيها، لكن الأهواء هي التي تجعل القلوب تزيغ، ويكون الإنسان عارفاً لحكم الله الصحيح في أمر ما، لكن هوى الإنسان يغلب فيميل الإنسان عن حكم الله. والميل صنعة القلب، فالإنسان قد يخضع منطقه وفكره ليخدم ميل قلبه، ولذلك فرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به ". تفسير : لماذا؟ لأن آفة الرأي الهوى، وحتى المنحرفون يعرفون القصد السليم، لكن الواحد منهم ينحرف لما يهوى، ودليل معرفة المنحرف للقصد السليم أنه بعد أن يأخذ شرّته في الانحراف يتوب ويعلن توبته، وهذا أمر معروف في كثير من الأحيان؛ لأن الميل تَكَلَّفٌ تبريري، أما القصد السليم فأمر فطري لا يُرهِق، ومثال ذلك: عندما ينظر الإنسان إلى حلاله، فإنه لا يجد انفعال مَلكة يناقض انفعال ملكة أخرى، ولكن عندما ينظر إلى واحدة ليست زوجته، فإن ملكاته تتعارك، ويتساءل: هل ستقبل منه النظرة أم لا؟ إن ملكاته تتضارب، أما النظر إلى الحلال فالملكات لا تتعب فيه. لذلك فالإيمان هو اطمئنان ملكات، فكل ملكات الإنسان تتآزر في تكامل، فلا تسرق ملكة من وراء أخرى. مثال آخر: عندما يذهب واحد لإحضار شيء من منزله، فإنه لا يحس بتضارب ملكاته، أما إذا ذهب إنسان آخر لسرقة هذا الشيء فإن ملكاته تتضارب، وكذلك جوارحه؛ لأنها خالفت منطق الحق والاستقامة والواقع. {فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: 7] إذن فاتباعهم للمتشابه منه ليؤوّلوه تأويلاً يخالف الواقع ليخدموا الزيغ الذي في قلوبهم. فالميل موجود عند قلوبهم أولاً، ثم بدأ الفكر يخضع للميل، والعبارة تخضع للفكر، وهكذا نرى أن الأصل في الميل قد جاء منهم .. ولننظر إلى أداء القرآن الكريم حين يقول:{أية : فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ ..}تفسير : [الصف: 5]. كأنه يقول: ما دمتم تريدون الميل فسأميلكم أكثر وأساعدكم فيه. والحق سبحانه لا يبدأ إنساناً بأمر يناقض تكليفه، لكن الإنسان قد يميله هواه إلى الزيغ، فيتخلى الله عنه: ويدفعه إلى هاوية الزيغ. وآية أخرى يقول فيها الحق: {أية : وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ ٱنصَرَفُواْ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ}تفسير : [التوبة: 127]. إنهم الذين بدأوا؛ انصرفوا عن الله فصرف الله قلوبهم بعيداً عن الإيمان. وكذلك الذين يتبعون المتشابه يبتغون به الفتنة أي يطلبون الفتنة، ويريدون بذلك فتنة عقول الذين لا يفهمون، وما داموا يريدون فتنة عقول مَنْ لا يفهمون فهم ضد المنهج، وما داموا ضد المنهج فهم ليسوا مؤمنين إذن، وما داموا غير مؤمنين فلن يهديهم الله إلى الخير، لأن الإيمان يطلب من الإنسان أن يتجه فقط إلى الإيمان بالرب الإله الحكيم، ثم تأتي المعونة بعد ذلك من الله. لكن عندما لا يكون مؤمناً فكيف يطلب المعونة من الله، إنه سبحانه يقول: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك). إنهم يبتغون الفتنة بالمتشابه، ويبتغون تأويله، ومعنى التأويل هو الرجوع، لأننا نقول: "آل الشيء إلى كذا" أي رجع الشيء إلى كذا، فكأن شيئاً يرجع إلى شيء، فمن لهم عقل لا زيغ فيه يحاولون جاهدين أن يؤولوا المُتشَابه ويردوه إلى المُحكم، أو يؤمنوا به كما هو. يقول الحق بعد ذلك: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ} [آل عمران: 7] إن الله لو أراد للمتشابه أن يكون مُحْكَما، لجاء به من المُحكَم، إذن فإرادة الله أن تكون هناك آيات المتشابه ومهمتها أن تحرك العقول، وذلك حتى لا تأتي الأمور بمنتهى الرتابة التي يجمد بها عقل الإنسان عن التفكير والإبداع، والله يريد للعقل أن يتحرك وأن يفكر ويستنبط. وعندما يتحرك العقل في الاستنباط تتكون عند الإنسان الرياضة على الابتكار، والرياضة على البحث، وليجرب كل واحد منا أن يستنبط المتشابه إلى المحكم ولسوف يمتلك بالرياضة ناصية الابتكار والبحث، والحاجة هي التي تفتق الحيلة. إن الحق يريد أن يعطي الإنسان دربة حتى لا يأخذ المسائل برتابة بليدة ويتناولها تناول الخامل ويأخذها من الطريق الأسهل، بل عليه أن يستقبلها باستقبالٍ واع وبفكر وتدبر.{أية : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ}تفسير : [محمد: 24]. كل ذلك حتى يأخذ العقل القدر الكافي من النشاط ليستقبل العقل العقائد بما يريده الله، ويستقبل الأحكام بما يريده الله، فيريد منك في العقائد أن تؤمن، وفي الأحكام أن تفعل {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ} [آل عمران: 7]. والذين في قلوبهم زيغ يحاولون التأويل وتحكمهم أهواؤهم، فلا يصلون إلى الحقيقة. والتأويل الحقيقي لا يعلمه إلا الله. قد رأينا من يريد أن يعيب على واحد بعض تصرفاته فقال له: يا أخي أتَدّعي أنك أحطت بكل علم الله؟ فقال له: لا. قال له: أنا من الذي لا تعلم. وكأنه يرجوه أن ينصرف عنه. والعلماء لهم وقفات عند قوله الحق: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ} [آل عمران: 7]: بعضهم يقف عندها ويعتبر ما جاء من بعد ذلك وهو قوله الحق: {وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ} [آل عمران: 7] كلاماً مستأنفاً، إنهم يقولون: إن الله وحده الذي يعلم تأويل المتشابه، والمعنى: {وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ} [آل عمران: 7] أي الثابتون في العلم، الذين لا تغويهم الأهواء، إنهم: {يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7] وهو ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، إن الراسخين في العلم يقولون: إن المحكم من الآيات سيعلمون به، والمتشابه يؤمنون به، وكل من المتشابه والمحكم من عند الله. أمّا مَن عطف وقرأ القول الحكيم ووقف عند قوله: {وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ} [آل عمران: 7] نقول له: إن الراسخين في العلم علموا تأويل المتشابه، وكان نتيجة علمهم قولهم: "آمنا به". إن الأمرين متساويان، سواء وقفت عند حد علم الله للتأويل أو لم تقف. فالمعنى ينتهي إلى شيء واحد. وحيثية الحكم الإيماني للراسخين في العلم هي قوله الحق على لسانهم: {آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7] فالمحكم من عند ربنا، والمتشابه من عند ربنا، وله حكمة في ذلك؛ لأنه ساعة أن يأمر الأعلى الأدنى بأمر ويبين له علته فيفهم الأدنى ويعمل، وبعد ذلك يلقى الأعلى أمراً آخر ولا يبين علته، فواحد ينفذ الأمر وإن لم يعرف العلة، وواحد آخر يقول: لا، عليك أن توضح لي العلة. فهل الذي آمن آمن بالأمر أم بالعلة؟ إن الحق يريد أن نؤمن به وهو الآمر، ولو أن كل شيء صار مفهوماً لما صارت هناك قيمة للإيمان. إنما عظمة الإيمان في تنفيذ بعض الأحكام وحكمتُها غائبة عنك؛ لأنك إن قمت بكل شيء وأنت تفهم حكمته فأنت مؤمن بالحكمة، ولست مؤمناً بمن أصدر الأمر. وعندما نأتي إلى لحم الخنزير الذي حرمه الله من أربعة عشر قرناً، ويظهر في العصر الحديث أن في أكل لحم الخنزير مضار، ويمتنع الناس عن أكله لأن فيه مضار، فهل امتناع هؤلاء أمر يثابون عليه؟ طبعاً لا، لكن الثواب يكون لمن امتنع عن أكل لحم الخنزير لأن الله قد حرمه؛ ولأن الأمر قد صدر من الله، حتى دون أن يَعَرِّفنا الحكمة، إن المؤمن بالله يقول: إن الله قد خلقني ولا يمكن - وهو الخالق - أن يخدعني وأنا العبد الخاضع لمشيئته. إن العبد الممتنع عن أكل لحم الخنزير وشرب الخمر امتثالاً لأمر الله، هو الذي ينال الثواب، أما الذي يمتنع خوفاً من اهتراء الكبد أو الإصابة بالمرض فلا ثواب له. وهناك فرق بين الذهاب إلى الحكم بالعلة. وبين الذهاب إلى الحكم بالطاعة للأمر بالحكم. إذن فالمتشابه من الآيات نزل للإيمان به، والراسخون في العلم يقابلهم من تلويهم الأهواء، والأهواء تلوي إلى مرادات النفس وإلى ابتغاءات غير الحق. وما دامت ابتغاءات غير الحق، فغير الحق هو الباطل، فكل واحد من أهل الباطل يحاول أن يأتي بشيء يتفق مع هواه. ولذلك جاء التشريع من الله ليعصم الناس من الأهواء؛ لأن هوى إنسانٍ ما قد يناقض هوى إنسان آخر، والباقون من الناس قد يكون لهم هوى يناقض بقية الأهواء. والحق سبحانه يقول: {أية : وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ}تفسير : [المؤمنون: 71]. إذن فلا بد أن نتبع في حركتنا ما لا هوى له إلا الحق، والدين إنما جاء ليعصمنا من الأهواء؛ فالأهواء هي التي تميلنا، والذي يدل على أن الأهواء هي التي تميل إلى غير الحق أن صاحب الهوى يهوى حكماً في شيء، ثم تأتي ظروف أخرى تجعله يهوى حكماً مقابلاً، إنه يلوي المسألة على حسب هواه، وإلا فما الذي ألجأ دنيا الناس إلى أن يخرجوا من قانون السماء الأول الذي حكم الأرض منذ آدم عليه السلام؟ لقد خرجوا من قانون السماء حينما قام قوم بأمر الدين فأخذوا لهم من هذا سلطة زمنية، وأصبحوا يُخضعون المسائل إلى أهوائهم. ونحن إذا نظرنا إلى تاريخ القانون في العالم لوجدنا أن أصل الحكم في القضايا إنما هو لرجال الدين والكهنة والقائمين على أمر المعابد. كان الحكم كله لهم، لأن هؤلاء كانوا هم المتكلمين بمنهج الله. ولماذا لم يستمر هذا الأمر، وجاءت القوانين الرومانية والإنجليزية والفرنسية وغيرها؟ لأنهم جربوا على القائمين بأمر الدين أنهم خرجوا عن نطاق التوجيه السماوي إلى خدمة أهوائهم، فلاحظ الناس أن هؤلاء الكهنة يحكمون في قضية بحكم ما يختلف عن حكم آخر في قضية متشابهة. إنهم القضاة أنفسهم والقضايا متشابهة متماثلة، لكن حكم الهوى يختلف من قضية إلى أخرى، بل وقد يتناقض مع الحكم الأول، فقال الناس عن هؤلاء الكهنة: لقد خرجوا عن منطق الدين واتبعوا أهواءهم، ليثبتوا لهم سلطة زمنية، فنحن لم نعد نأمنهم على ذلك. وخرج التقنين والحكم من يد الكهنة ورجال الدين إلى غيرهم من رجال التقنين. لقد كان أمر القضاء بين الكهنة ورجال الدين؛ لأن الناس افترضت فيهم أنهم يأخذون الأحكام من منهج الله، فلما تبين للناس أن الكهنة ورجال الدين لا يأخذون الحكم من منهج الله، ولكن من الهوى البشرى، عند ذلك أخذ الناس زمام التقنين لأنفسهم بما يضمن لهم عدالة ما حتى ولو كانت قاصرة. وبمناسبة كلمة الهوى نجد أن هناك ثلاثة ألفاظ: أولا: الهواء هو ما بين السماء والأرض، ويراد به الريح ويحرك الأشياء ويميلها وجمعه: الأهوية وهذا أمر حسيّ. ثانيا: الهوَى: وهو ميل النفس، وجمعه: الأهواء، وهو مأخوذ من هَوِىَ يَهْوَى بمعنى مال. ثالثا: الهَوىّ: بفتح الهاء وضمها وتشديد الياء وهو السقوط مأخوذ من هَوَى يَهْوي: بمعنى سقط. وهذا يدل على أن الذي يتبع هواه لابد أن يسقط، والاشتقاقات اللغوية تعطي هذه المعنى. إنها متلاقية. إذن الراسخون في العلم يقفون ثابتين عند منهج الله. وأما الذين يتبعون أهواءهم فهم يميلون على حسب ميل الريح. فإن الريح مالت، مالوا حيث تميل. ويقول الراسخون في العلم في نهاية علمهم: آمنا {وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7]. وهنا تلتقي المسألة، فنحن نعرف أن المحكم نزل للعمل به، والمشابه نزل للإيمان به لحكمة يريدها الله سبحانه وتعالى، وهي أن نأخذ الأمر من الآمر لا لحكمة الأمر. وعندما نأخذ الأوامر من الحق فلا نسأل عن علتها؛ لأننا نأخذها من خالق محب حكيم عادل. والإنسان إن لم ينفذ الأمر القادم من الله إلا إذا علم علته وحكمته فإننا نقول لهذا الإنسان: أنت لا تؤمن بالله ولكنك تؤمن بالعلة والحكمة، والمؤمن الحق هو من يؤمن بالأمر وإن لم يفهم. والراسخون في العلم يقولون: آمنا به، كل من عند الله، المحكم من عند ربنا والمتشابه من عند ربنا. ويضيف سبحانه: {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} [آل عمران: 7] و "أولوا الألباب" أي أصحاب العقول المحفوظة من الهوى، لأن آفة الرأي الهوى، والهوى يتمايل به. {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} [آل عمران: 7] و"اللب" هو: العقل، يخبرنا الله أن العقل يحكم لُبّ الأشياء لا ظواهر الأشياء وعوارضها، فهناك أحكام تأتي للأمر الظاهر، وأحكام للُبّ. الحق يأمر بقطع يد السارق. وبعد ذلك يأتي من يمثل دور حامي الإنسانية والرحمة ويقول: "هذه وحشية وقسوة"! هذا ظاهر الفهم، إنما لُبّ الفهم أني أردت أن تُقطع يد السارق حتى أمنعه أن يسرق؛ لأن كل واحد يخاف على ذاته، فيمنعه ذلك أن يسرق. وقد قلنا من قبل إن حادثة سيارة قد ينتج عنها مشوهون قدر مَنْ قطعت أيديهم بسبب السرقة في تاريخ الإسلام كله، فلا تفتعل وتدعي أنك رحيم ولا تنظر إلى العقاب حين ينزل بالمذنب، ولكن انظر إلى الجريمة حين تقع منه، فإن الله يريد أن يحمي حركة الحياة للناس بحيث إذا عملت وكددت واجتهدت وعرقت يضمن الله لك حصيلة هذا العمل، فلا يأتي متسلط يتسلط عليك ليأخذ دمه من عرقك أنت. إذن فهو يحمي حركة الحياة وتحرك كل واحد وهو آمن، هذا "لُبّ" الفهم، ولذلك يقول تعالى: {أية : وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَاةٌ ..} تفسير : [البقرة: 179]، إياكم أن تقولوا: إن هذا القصاص اعتداء على حياة فرد. لا، لأن "لكم في القصاص حياة" إنْ مَن علم إنه إن قَتل فسيقتل، سيمتنع عن القتل، إذن فقد حمينا نفسه وحمينا الناس منه، وهكذا يكون في القصاص حياة، وذلك هو لُبّ الفهم في الأشياء؛ فالله سبحانه وتعالى يلفتنا وينبهنا ألاّ نأخذ الأمور بظواهرها، بل نأخذها بلُبِّها، وندع القشور التي يحتكم إليها أناس يريدون أن ينفلتوا من حكم الله. و{وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ} [آل عمران: 7] حينما فَصلوا في أمر المتشابه دعوا الله بالقول الذي أنزله - سبحانه -: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقولهِ تعالى: {في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} معناهُ جَورٌ. تفسير : وقوله تعالى: {ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ} معناهُ: الكفرُ. و: {ٱبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} معناهُ تَفسيرُهُ. والابتِغَاءُ: الطَّلبُ.

الجيلاني

تفسير : {هُوَ ٱلَّذِيۤ} اصفاك يا أكمل الرسل لرسالته واجتباك لنيابته وخلافته، بأن {أَنزَلَ} تفضلاً وامتناً {عَلَيْكَ} من عنده لتصديقك وتأييدك {ٱلْكِتَابَ} المعجز لجميع من تحدى وتعارض معك تعظيماً لشأنك، وفصله بالسور والآيات الدالة على الأمور المتعلقة لأحوال العباد، وفي النشأة الأولى والأخرى؛ إذ {مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ} متعلقة بعموم أحوال العباد على اختلاف طبقاتهم في معاشهم معادهم من الأحكام والمعاملات والمعتقدات الجارية فيما بينهم بحسب النشأتين {هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ} واجبة الاقتداء والامتثال لكافة الأنام {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} متعلقة بالمعارف والحقائق المتربتة على الحكم والمصالح المودعة في إيجاب التكليفات، والطاعات والعبادات المؤدية إليها بالنسبة إلى أولى العزائم الصحيحة المتوجهة إلى بحر التوحيد. {فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} ميل وعدول عن طريق الحق الجامع بين الظاهر والباطن {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} ويتركون الامتثال بمحكماته جهلاً وعناداً، ولم يعلموا أن الوصول إلى المعارف والحقائق إنما تنال بتهذيب الظاهر بامتثال المحكمات، وليس غرضهم من تلك المتابعة {ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ} أي: طلب إيقاع الفتنة بين الناس إفساد عقائدهم عن منهج التوحيد {وَٱبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} إلى ما يرتضيه عقولهم وتشتهيه نفوسهم، كالمبتدعة خذلهم الله {وَ} الحال أنه {مَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ} على ما ينبغي {إِلاَّ ٱللَّهُ} المنزل؛ إذ تأويل كلامه لا يسع لغيره إلا بتوفيقه وإعانته {وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ} اللدني المؤيدون من عنده بإلهامه ووحيه بمعارف وحقائق لا تحصل بمجرد القوة البشرية إلا بتأييد منه، وجذب من جانبه {يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} أي: أيقنا وأذعنا بمحكمات الكتاب ومتشابهاته جميعاً؛ إذ {كُلٌّ} منزل {مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} ومالنا أن يتفاوت فيه {وَمَا يَذَّكَّرُ} يتعظ ويتيقظ منه {إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} [آل عمران: 7] المجبولون على لب التوحيد، المعرضون عن قشوره التي هي من مقتضيات القوى النفسانية، التي هي من جنود شياطين الأهواء الباطلة والآراء الفاسدة. {رَبَّنَا} يا من ربانا بلطفك على نشأة توحيدك {لاَ تُزِغْ} ولا تمل {قُلُوبَنَا} عن طريقك {بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} عليه بإنزال الكتب وإرسال الرسل {وَهَبْ لَنَا} وتفضل علينا {مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً} علماً وعيناً وحقاً {إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْوَهَّابُ} [آل عمران: 8] بلا إعراض وأغراض. {رَبَّنَآ إِنَّكَ} بذاتك وأوصافك وأسمائك {جَامِعُ} شتات {ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ} شأنه {لاَّ رَيْبَ فِيهِ} ولا شك في وقوعه لإخبارك بوقوعه على ألسنة رسلك، وإنزالك في كتبك {إِنَّ ٱللَّهَ} الجامع لتشات العباد في المعاد {لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ} [آل عمران: 9] الذي وعده في كتابه، بل أنجزه على مقتضى إنزاله ووحيه.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن آيات بينات أنها محكمات ومتشابهات بقوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 7]، إشارة في تحقيق الآية: إن الله تعالى أنزل الكتاب على قسمين: قسم منه: {آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ} [آل عمران: 7]؛ أي ظاهر واضح، تنزيله فيه مشرب الخواص والعوام؛ لبسط الشرع والاهتداء، وقسم: {مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 7]، غامض مشكل تأويله فيه مشرب الخواص وخواص الخواص؛ لاختفاء الأسرار عن الأغيار للابتلاء، {فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} [آل عمران: 7]، ألبست قلوبهم غطاء الريب وحرموا أنوار الغيب؛ وهم أهل الهواء والبدع، {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ} [آل عمران: 7]؛ ليضلوا بأهوائهم، {وَٱبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: 7]؛ ليضلوا الناس بآرائهم، {أية : وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ}تفسير : [البقرة: 217]، وأما الذين أيدوا بأنوار الفضل وجردوا عن أطمار الجهل هم: {وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ} [آل عمران: 7]، فيلقون السمع بحضور نفسه فيما يسنح لفهومهم من لوائح التعريفات بلوامع أنوار الحق، {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} [آل عمران: 7]، في تحقيق التأويل {كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7]، التعريف للتحقيق، والتفهيم للتأويل، {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} [آل عمران: 7]، ففي التذكير إشارة إلى: إن العلوم التي تحصل للراسخين في العلم من تأويل القرآن وغيره؛ إنما هي من تعليم الله لهم في عهده الميثاق، إذا تجلى بصفة الربوبية للذات. {أية : وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} تفسير : [الأعراف: 172] بشواهد الربوبية {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}تفسير : [الأعراف: 172]، فشهدوا، وتلك الشهادة ركزت في جبلة الذرات علم التوحيد فيه، {أية : قَالُواْ بَلَىٰ}تفسير : [الأعراف: 172]، فتعلمت النفوس على التوحيد ونطقت به في ذلك العهد، والعلوم كلها مدرجة في علم التوحيد، كما قال تعالى: {أية : وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَ}تفسير : [البقرة: 31]، فلما ردت الذرات إلى الأصلاب وأصبحت بصفات البشرية، ثم نقلت إلى الأرواح وحبست فيها تسعة أشهر، ففي كل أربعين تمر عليها تنقل من حال إلى حال، ومن مقام إلى مقام من مقامات البعد عن حضرة الحق، إلى أن كملت عليها سبعة أطوار كمل الطفل، ووضع الحمل فرده النفس العاملة بعلم التوحيد الناطقة بها مع الذرة إلى أسفل سافلين القالب، محجبة بحجب البشرية وأطوار السبعة ناسية تلك العلوم التي تنطق بها، ثم أبواه يذكر أنه تلك العلوم بالرموز والإشارات وينطقانه بها بالتدريج، حتى يتذكر بعض تلك العلوم من وراء حجب البشرية أستار أطوار، وينطق بها باللسان الأبوين، ولا بلسان الذي أجاب الرب وقال: بلى، فإن ذلك اللسان كان لُب هذا اللسان وهذا قشر ذلك، فكذلك جميع وجود ظاهر الإنسان وباطنه قشور لباب ذلك الوجود المسمع المجيب في الميثاق، فسمعه قشر ذلك السمع الذي خاطب الحق وبصره، قشر ذلك البصر الذي أبصر جمال الحق وقلبه، قشر ذلك القلب الذي قصه خطاب الحق وعقله، قشر ذلك العقل الذي عقل بها معنى خطاب الحق ونفسه، قشر تلك النفس التي أدرك خطاب الحق وتمكنت لجوابه وعلومه، قشرتك العلوم التي تعلمت من الحق، فكما أن أبويه كانا يذكران الطفل من تلك العلوم وينطقان بها من وراء الحجب والقشور، فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما بعث لتذكرة حقيق تلك العلوم، كما قال تعالى: {أية : فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ} تفسير : [الغاشية:21]، وقال تعالى: {أية : وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ}تفسير : [إبراهيم: 5]، فالتذكير عام، ولكن التذكير خاص، {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} [آل عمران: 7]، وقال تعالى: {أية : إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ}تفسير : [الرعد: 19]، وهم الذين أخرجوا في متابعة النبي صلى الله عليه وسلم من ظلمات قشور وجودهم النفساني إلى نور وجودهم الروحاني، وهم الراسخون في قشور العلوم الواصلون إلى حقائق لباب العلوم الدينية، التي تعلم من لدن خبير بلا واسطة، كما قال تعالى: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ} تفسير : [الرحمن: 1-2]، فافهم جيداً، وما أراك أن تفهم وأنت محبوس في قشر الوجود المجازي، والله اعلم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : القرآن العظيم كله محكم كما قال تعالى { كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير } فهو مشتمل على غاية الإتقان والإحكام والعدل والإحسان { ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون } وكله متشابه في الحسن والبلاغة وتصديق بعضه لبعضه ومطابقته لفظا ومعنى، وأما الإحكام والتشابه المذكور في هذه الآية فإن القرآن كما ذكره الله { منه آيات محكمات } أي: واضحات الدلالة، ليس فيها شبهة ولا إشكال { هن أم الكتاب } أي: أصله الذي يرجع إليه كل متشابه، وهي معظمه وأكثره، { و } منه آيات { أخر متشابهات } أي: يلتبس معناها على كثير من الأذهان: لكون دلالتها مجملة، أو يتبادر إلى بعض الأفهام غير المراد منها، فالحاصل أن منها آيات بينة واضحة لكل أحد، وهي الأكثر التي يرجع إليها، ومنه آيات تشكل على بعض الناس، فالواجب في هذا أن يرد المتشابه إلى المحكم والخفي إلى الجلي، فبهذه الطريق يصدق بعضه بعضا ولا يحصل فيه مناقضة ولا معارضة، ولكن الناس انقسموا إلى فرقتين { فأما الذين في قلوبهم زيغ } أي: ميل عن الاستقامة بأن فسدت مقاصدهم، وصار قصدهم الغي والضلال وانحرفت قلوبهم عن طريق الهدى والرشاد { فيتبعون ما تشابه منه } أي: يتركون المحكم الواضح ويذهبون إلى المتشابه، ويعكسون الأمر فيحملون المحكم على المتشابه { ابتغاء الفتنة } لمن يدعونهم لقولهم، فإن المتشابه تحصل به الفتنة بسبب الاشتباه الواقع فيه، وإلا فالمحكم الصريح ليس محلا للفتنة، لوضوح الحق فيه لمن قصده اتباعه، وقوله { وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله } للمفسرين في الوقوف على { الله } من قوله { وما يعلم تأويله إلا الله } قولان، جمهورهم يقفون عندها، وبعضهم يعطف عليها { والراسخون في العلم } وذلك كله محتمل، فإن التأويل إن أريد به علم حقيقة الشيء وكنهه كان الصواب الوقوف على { إلا الله } لأن المتشابه الذي استأثر الله بعلم كنهه وحقيقته، نحو حقائق صفات الله وكيفيتها، وحقائق أوصاف ما يكون في اليوم الآخر ونحو ذلك، فهذه لا يعلمها إلا الله، ولا يجوز التعرض للوقوف عليها، لأنه تعرض لما لا يمكن معرفته، كما سئل الإمام مالك رحمه الله عن قوله { الرحمن على العرش [استوى ] } فقال السائل: كيف استوى؟ فقال مالك: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، فهكذا يقال في سائر الصفات لمن سأل عن كيفيتها أن يقال كما قال الإمام مالك، تلك الصفة معلومة، وكيفيتها مجهولة، والإيمان بها واجب، والسؤال عنها بدعة، وقد أخبرنا الله بها ولم يخبرنا بكيفيتها، فيجب علينا الوقوف على ما حد لنا، فأهل الزيغ يتبعون هذه الأمور المشتبهات تعرضا لما لا يعني، وتكلفا لما لا سبيل لهم إلى علمه، لأنه لا يعلمها إلا الله، وأما الراسخون في العلم فيؤمنون بها ويكلون المعنى إلى الله فيسلمون ويسلمون، وإن أريد بالتأويل التفسير والكشف والإيضاح، كان الصواب عطف { الراسخون } على { الله } فيكون الله قد أخبر أن تفسير المتشابه ورده إلى المحكم وإزالة ما فيه من الشبهة لا يعلمها إلا هو تعالى والراسخون في العلم يعلمون أيضا، فيؤمنون بها ويردونها للمحكم ويقولون { كل } من المحكم والمتشابه { من عند ربنا } وما كان من عنده فليس فيه تعارض ولا تناقض بل هو متفق يصدق بعضه بعضا ويشهد بعضه لبعض وفيه تنبيه على الأصل الكبير، وهو أنهم إذا علموا أن جميعه من عند الله، وأشكل عليهم مجمل المتشابه، علموا يقينا أنه مردود إلى المحكم، وإن لم يفهموا وجه ذلك. ولما رغب تعالى في التسليم والإيمان بأحكامه وزجر عن اتباع المتشابه قال { وما يذكر } أي: يتعظ بمواعظ الله ويقبل نصحه وتعليمه إلا { أولوا الألباب } أي: أهل العقول الرزينة لب العالم وخلاصة بني آدم يصل التذكير إلى عقولهم، فيتذكرون ما ينفعهم فيفعلونه، وما يضرهم فيتركونه، وأما من عداهم فهم القشور الذي لا حاصل له ولا نتيجة تحته، لا ينفعهم الزجر والتذكير لخلوهم من العقول النافعة. ثم أخبر تعالى عن الراسخين في العلم أنهم يدعون ويقولون { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا } أي: لا تملها عن الحق جهلا وعنادا منا، بل اجعلنا مستقيمين هادين مهتدين، فثبتنا على هدايتك وعافنا مما ابتليت به الزائغين { وهب لنا من لدنك رحمة } أي: عظيمة توفقنا بها للخيرات وتعصمنا بها من المنكرات { إنك أنت الوهاب } أي: واسع العطايا والهبات، كثير الإحسان الذي عم جودك جميع البريات. { ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إنك لا تخلف الميعاد } فمجازيهم بأعمالهم حسنها وسيئها، وقد أثنى الله تعالى على الراسخين في العلم بسبع صفات هي عنوان سعادة العبد: إحداها: العلم الذي هو الطريق الموصل إلى الله، المبين لأحكامه وشرائعه، الثانية: الرسوخ في العلم وهذا قدر زائد على مجرد العلم، فإن الراسخ في العلم يقتضي أن يكون عالما محققا، وعارفا مدققا، قد علمه الله ظاهر العلم وباطنه، فرسخ قدمه في أسرار الشريعة علما وحالا وعملا الثالثة: أنه وصفهم بالإيمان بجميع كتابه ورد لمتشابهه إلى محكمه، بقوله { يقولون آمنا به كل من عند ربنا } الرابعة: أنهم سألوا الله العفو والعافية مما ابتلي به الزائغون المنحرفون، الخامسة: اعترافهم بمنة الله عليهم بالهداية وذلك قوله { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا } السادسة: أنهم مع هذا سألوه رحمته المتضمنة حصول كل خير واندفاع كل شر، وتوسلوا إليه باسمه الوهاب، السابعة: أنه أخبر عن إيمانهم وإيقانهم بيوم القيامة وخوفهم منه، وهذا هو الموجب للعمل الرادع عن الزلل، ثم قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ ...}.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 137 : 15 - سفين عن سلمة بن نبيط أو جويبر عن الضحاك في قوله {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ} قال، الناسخ {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} قال، المنسوخ. [الآية 7].

همام الصنعاني

تفسير : 375- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ}: [الآية: 7] قال: المحكم ما يعمل به. {فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ}: [الآية: 7]، قال معمر: وكان قتادة إذا قرأ هذه الآية: {فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ}: [الآية: 7]، قال: إن لم تكن الحرورية أو السبية، فلا أدري من هم! ولعمري لقد كان في أصحاب بدر والحديبية الذين شهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرّضوان من المهاجرين و الأنصار خَبَرٌِ لمن استخبر، وعِبْرَةٌ لمن اعتبر، لمن كان يَعْقل أو يُبْصِر، إنَّ الخوارجَ خرجوا وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذٍ كثيرٌ بالمدينة وبالشام وبالعراق، وأزواجه يومئذٍ أحياء. والله إن خرج منهم ذَكَرٌ ولا أنثى حرورياً قط ولا رضوا الذي هم عليه، ولا مالأ وهم فيه، بل كانوا يُحَدِّثُونَ بعيب رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم ونعتِه الذي نعتهم به، وكانوا يبغضونهم بقلوبهم، ويعادونهم بألسنتهم وتشتد والله أيديهم عليهم إذا لقوهم، ولعمري لو كان أمر الخوارج هُدىً لا جتمع، ولكن كان ضلالاً فَتَفَرَّق، وكذلك الأمر إذا كان من عند غير الله وجدت فيه اختلافاً كثيراً، فقد ألاصوا هذا الأمر منذ زمانٍ طويل. فهل أفلحوا فيه يوماً قطّ أو أنجحوا؟ يا سبحان الله؟ كيف لا يعتبر آخر هؤلاء القوم بأولهم؟ إنهم لو كانوا على حقّ أو هدًى، قد أظْهره الله وأفلجه ونصره، ولكنهم كانوا على باطلٍ فأكذبه الله تعالى وأدحضه، فهم كما رأيتهم كلما خرج منهم قرن أَدْحَضَ الله حُجَّتهم، وأَكْذَبَ أُحدُوثتهم، وأهراق دماءهم، وإن كتموه كان قَرْحاً في قلوبهم، وغَمّاً عليهم، وإن أَظْهَرُوا أهراق الله دماءهم، ذاكم والله دينٌ سُوءٍ فاجتنبوه، فوالله إن اليهودية لَبِدْعَ'، وإن النَّصْرَانِيّة لَبِدعة، وإن الحرورية لَبِدعة، وإن السَّبَئِيّةَ لَبِدعة، ما نزل بهن كتاب ولا سنَّهن نبي. 376- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، حديث : أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قرأها فقال: إذا رأيتم الذين يجادلون فيه، فهم الذين عَنَى الله، فاحذروهم . 377تفسير : - عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: كان ابن عباس يقرأها: (وما يعلم تأويله إلا الله) ويقول: {وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ}: [الآية: 7].