Verse. 301 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوْبَنَا بَعْدَ اِذْ ھَدَيْتَنَا وَھَبْ لَنَا مِنْ لَّدُنْكَ رَحْمَۃً۝۰ۚ اِنَّكَ اَنْتَ الْوَھَّابُ۝۸
Rabbana la tuzigh quloobana baAAda ith hadaytana wahab lana min ladunka rahmatan innaka anta alwahhabu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ربنا لا تُزغ قلوبنا» تملها عن الحق بابتغاء تأويله الذي لا يليق بنا كما أزغت قلوب أولئك «بعد إذ هديتنا» أرشدتنا إليه «وهب لنا من لَدنك» من عندك «رحمة» تثبيتا «إنك أنت الوهاب».

8

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أنه تعالى كما حكى عن الراسخين أنهم يقولون آمنا به حكي عنهم أنهم يقولون {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا } وحذف {يَقُولُونَ } لدلالة الأول عليه، وكما في قوله {أية : وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَـٰطِلاً} تفسير : [آل عمران: 191] وفي هذه الآية اختلف كلام أهل السنة وكلام المعتزلة. أما كلام أهل السنة فظاهر، وذلك لأن القلب صالح لأن يميل إلى الإيمان، وصالح لأن يميل إلى الكفر، ويمتنع أن يميل إلى أحد الجانبين إلا عند حدوث داعية وإرادة يحدثها الله تعالى، فإن كانت تلك الداعية داعية الكفر، فهي الخذلان، والإزاغة، والصد، والختم، والطبع، والرين، والقسوة، والوقر، والكنان، وغيرها من الألفاظ الواردة في القرآن، وإن كانت تلك الداعية داعية الإيمان فهي: التوفيق، والرشاد، والهداية، والتسديد، والتثبيت، والعصمة، وغيرها من الألفاظ الواردة في القرآن، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمٰن»تفسير : والمراد من هذين الأصبعين الداعيتان، فكما أن الشيء الذي يكون بين أصبعي الإنسان يتقلب كما يقلبه الإنسان بواسطة ذينك الأصبعين، فكذلك القلب لكونه بين الداعيتين يتقلب كما يقلبه الحق بواسطة تينك الداعيتين، ومن أنصف ولم يتعسف، وجرب نفسه وجد هذا المعنى كالشيء المحسوس، ولو جوّز حدوث إحدى الداعيتين من غير محدث ومؤثر لزمه نفي الصانع وكان صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك»تفسير : ومعناه ما ذكرنا فلما آمن الراسخون في العلم بكل ما أنزل الله تعالى من المحكمات والمتشابهات تضرعوا إليه سبحانه وتعالى في أن لا يجعل قلوبهم مائلة إلى الباطل بعد أن جعلها مائلة إلى الحق، فهذا كلام برهاني متأكد بتحقيق قرآني. ومما يؤكد ما ذكرناه أن الله تعالى مدح هؤلاء المؤمنين بأنهم لا يتبعون المتشابهات، بل يؤمنون بها على سبيل الإجمال، وترك الخوض فيها فيبعد منهم في مثل هذا الوقت أن يتكلموا بالمتشابه فلا بد وأن يكونوا قد تكلموا بهذا الدعاء لاعتقادهم أن من المحكمات، ثم إن الله تعالى حكى ذلك عنهم في معرض المدح لهم والثناء عليهم بسبب أنهم قالوا ذلك، وهذا يدل على أن هذه الآية من أقوى المحكمات، وهذا كلام متين. وأما المعتزلة فقد قالوا: لما دلّت الدلائل على أن الزيغ لا يجوز أن يكون بفعل الله تعالى، وجب صرف هذه الآية إلى التأويل، فأما دلائلهم فقد ذكرناها في تفسير قوله تعالى: {أية : سَوَاء عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [البقرة: 6]. ومما احتجوا به في هذا الموضع خاصة قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ }تفسير : [الصف: 5] وهو صريح في أن ابتداء الزيغ منهم، وأما تأويلاتهم في هذه الآية فمن وجوه الأول: وهو الذي قاله الجبائي واختاره القاضي: أن المراد بقوله{لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا } يعني لا تمنعها الألطاف التي معها يستمر قلبهم على صفة الإيمان، وذلك لأنه تعالى لما منعهم ألطافه عند استحقاقهم منع ذلك جاز أن يقال: أزاغهم ويدل على هذا قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ }تفسير : [الصف: 5] والثاني: قال الأصم: لا تبلنا ببلوى تزيغ عندها قلوبنا فهو كقوله {أية : وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَـٰرِكُمْ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مّنْهُمْ } تفسير : [النساء: 66] وقال: {أية : لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مّن فِضَّةٍ } تفسير : [الزخرف: 33] والمعنى لا تكلفنا من العبادات ما لا نأمن معه الزيغ، وقد يقول القائل: لا تحملني على إيذائك أي لا تفعل ما أصير عنده مؤذياً لك الثالث: قال الكعبي {لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا } أي لا تسمنا باسم الزائغ، كما يقال: فلان يكفر فلاناً إذا سماه كافراً، والرابع: قال الجبائي: أي لا تزغ قلوبنا عن جنتك وثوابك بعد إذ هديتنا؛ وهذا قريب من الوجه الأول إلا أن يحمل على شيء آخر، وهو أنه تعالى إذا علم أنه مؤمن في الحال، وعلم أنه لو بقي إلى السنة الثانية لكفر، فقوله {لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا } محمول على أن يميته قبل أن يصير كافراً، وذلك لأن إبقاءه حياً إلى السنة الثانية يجري مجرى ما إذا أزاغه عن طريق الجنة الخامس: قال الأصم {لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا } عن كمال العقل بالجنون بعد إذ هديتنا بنور العقل السادس: قال أبو مسلم: احرسنا من الشيطان ومن شرور أنفسنا حتى لا نزيغ، فهذا جمل ما ذكروه في تأويل هذه الآية وهي بأسرها ضعيفة. أما الأول: فلأن من مذهبم أن كل ما صحّ في قدرة الله تعالى أن يفعل في حقهم لطفاً وجب عليه ذلك وجوباً لو تركه لبطلت إلٰهيته، ولصار جاهلاً ومحتاجاً والشيء الذي يكون كذلك فأي حاجة إلى الدعاء في طلبه بل هذا القول يستمر على قول بشر بن المعتمر وأصحابه الذين لا يوجبون على الله فعل جميع الألطاف. وأما الثاني: فضعيف، لأن التشديد في التكليف إن علم الله تعالى له أثراً في حمل المكلف على القبيح قبح من الله تعالى، وإن علم الله تعالى أنه لا أثر له ألبتة في حمل المكلف على فعل القبيح كان وجوده كعدمه فيما يرجع إلى كون العبد مطيعاً وعاصياً، فلا فائدة في صرف الدعاء إليه. وأما الثالث: فهو أن التسمية بالزيغ والكفر دائر مع الكفر وجوداً وعدماً والكفر والزيغ باختيار العبد، فلا فائدة في قوله لا تسمنا باسم الزيغ والكفر. وأما الرابع: فهو أنه لو كان علمه تعالى بأنه يكفر في السنة الثانية، يوجب عليه أن يميته لكان علمه بأن لا يؤمن قط ويكفر طول عمره يوجب عليه لا يخلقه. وأما الخامس: وهو حمله على إبقاء العقل فضعيف، لأن هذا متعلق بما قال قبل هذه الآية {أية : فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ } تفسير : [آل عمران: 7]. وأما السادس: وهو أن الحراسة من الشيطان ومن شرور النفس إن كان مقدوراً وجب فعله، فلا فائدة في الدعاء وإن لم يكن مقدوراً تعذر فعله فلا فائدة في الدعاء، فظهر بما ذكرنا سقوط هذه الوجوه، وأن الحق ما ذهبنا إليه. فإن قيل: فعلى ذلك القول كيف الكلام في تفسير قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ } تفسير : [الصف: 5]. قلنا: لا يبعد أن يقال إن الله تعالى يزيغهم ابتداء فعند ذلك يزيغون، ثم يترتب على هذا الزيغ إزاغة أخرى سوى الأولى من الله تعالى وكل ذلك لا منافاة فيه. أما قوله تعالى: {بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا } أي بعد أن جعلتنا مهتدين، وهذا أيضاً صريح في أن حصول الهداية في القلب بتخليق الله تعالى. ثم قال: {وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً } واعلم أن تطهير القلب عما لا ينبغي مقدم على تنويره مما ينبغي، فهؤلاء المؤمنون سألوا ربهم أولاً أن لا يجعل قلوبهم مائلة إلى الباطل والعقائد الفاسدة، ثم أنهم ابتغوا ذلك بأن طلبوا من ربهم أن ينور قلوبهم بأنوار المعرفة، وجوارحهم وأعضائهم بزينة الطاعة، وإنما قال: {رَحْمَةً } ليكون ذلك شاملاً لجميع أنواع الرحمة، فأولها: أن يحصل في القلب نور الإيمان والتوحيد والمعرفة، وثانيها: أن يحصل في الجوارح والأعضاء نور الطاعة والعبودية والخدمة، وثالثها: أن يحصل في الدنيا سهولة أسباب المعيشة من الأمن والصحة والكفاية ورابعها: أن يحصل عند الموت سهولة سكرات الموت وخامسها: أن يحصل في القبر سهولة السؤال، وسهولة ظلمة القبر. وسادسها: أن يحصل في القيامة سهولة العقاب والخطاب وغفران السيئات وترجيح الحسنات فقوله {مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً } يتناول جميع هذه الأقسام، ولما ثبت بالبراهين الباهرة القاهرة أنه لا رحيم إلا هو، ولا كريم إلا هو، لا جرم أكد ذلك بقوله {مِن لَّدُنْكَ } تنبيهاً للعقل والقلب والروح على أن المقصود لا يحصل إلا منه سبحانه، ولما كان هذا المطلوب في غاية العظمة بالنسبة إلى العبد لا جرم ذكرها على سبيل التنكير، كأنه يقول: أطلب رحمة وأية رحمة، أطلب رحمة من لدنك، وتليق بك، وذلك يوجب غاية العظمة. ثم قال: {إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ } كأن العبد يقول: إلٰهي هذا الذي طلبته منك في هذا الدعاء عظيم بالنسبة إلي، لكنه حقير بالنسبة إلى كمال كرمك، وغاية جودك ورحمتك، فأنت الوهاب الذي من هبتك حصلت حقائق الأشياء وذواتها وماهياتها ووجوداتها فكل ما سواك فمن جودك وإحسانك وكرمك، يا دائم المعروف، يا قديم الإحسان، لا تخيب رجاء هذا المسكين، ولا ترد دعاءه، واجعله بفضلك أهلاً لرحمتك يا أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

القرطبي

تفسير : فيه مسألتان: الأُولى: قوله تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا} في الكلام حذف تقديره يقولون. وهذا حكاية عن الراسخين. ويجوز أن يكون المعنى قل يا محمد، ويقال: إزاغة القلب فسادٌ ومَيْل عن الدِّين، أفكانوا يخافون وقد هُدُوا أن ينقلهم الله إلى الفساد؟ فالجواب أن يكونوا سألوا إذ هداهم الله ألاّ يبتليهم بما يثقُل عليهم من الأعمال فَيَعْجِزوا عنه؛ نحو {أية : وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ} تفسير : [النساء: 66] قال ٱبن كيسان: سألوا ألا يَزِيغوا فيُزِيغ الله قلوبهم؛ نحو {أية : فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ} تفسير : [الصف: 5] أي ثبِّتنا على هدايتك إذ هديتنا وألا نَزيغ فنستحق أن تُزيغ قلوبنا. وقيل: هو منقطع مما قبلُ؛ وذلك أنه تعالى لما ذكر أهل الزيغ عقب ذلك بأن علم عباده الدعاء إليه في ألا يكونوا من الطائفة الذميمة التي ذُكِرت وهي أهل الزّيْغ. وفي (الموطأ) عن أبي عبد الله الصنابِحِيّ أنه قال: قدِمتُ المدينة في خلافة أبي بكر الصديق فصليتُ وراءه المغرب، فقرأ في الركعتين الأُوليين بأُمّ القرآن وسورة من قصار المُفَصَّل، ثم قام في الثالثة، فدنوت منه حتى إن ثيابي لتكاد تمس ثيابه، فسمعته يقرأ بأُمّ القرآن وهذه الآية {رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا} الآية. قال العلماء: قراءته بهذه الآية ضرْبٌ من القُنوتْ والدعاء لما كان فيه من أمر أهل الردّة. والقنوت جائز في المغرب عند جماعة من أهل العلم، وفي كل صلاة أيضاً إذا دهِم المسلمين أمرٌ عظيم يُفزعهم ويخافون منه على أنفسهم. وروى الترمِذِيّ من حديث حديث : شَهْر بن حَوْشَب قال قلت لأُمّ سَلَمة: يا أُمّ المؤمنين، ما كان أكثَرُ دعاءِ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان عندك؟ قالت: كان أكثر دعائه «يا مُقَلِّب القلوب ثَبِّتْ قلبي على دِينك». فقلت: يا رسول الله، ما أكثر دعاءَك يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك! قال: «يا أُمّ سلمة إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله فمن شاء أقام ومن شاء أزاغ». فتلا معاذ {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْد إذْ هَدَيْتَنَا}تفسير : . قال: حديث حسن. وهذه الآية حجة على المعتزلة في قولهم: إن الله لا يضِل العباد. ولو لم تكن الإزاغة من قِبله لما جاز أن يُدْعَى في دفع ما لا يجوز عليه فعلُه. وقرأ أبو واقد الجرّاح «لا تَزِغْ قُلُوبَنَا» بإسناد الفعل إلى القلوب، وهذه رغبة إلى الله تعالى. ومعنى الآية على القراءتين ألا يكون منك خلق الزيغ فيها فتزيغ. الثانية: قوله تعالى: {وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً} أي من عندك ومِن قِبلك تفضلاً لا عن سبب مِنا ولا عمل. وفي هذا ٱستسلام وتطارح. وفي «لَدُنْ» أربع لغات: لَدُن بفتح اللام وضم الدال وجزم النون، وهي أفصحها؛ وبفتح اللام وضم الدال وحذف النون؛ وبضم اللام وجزم الدال وفتح النون؛ وبفتح اللام وسكون الدال وفتح النون. ولعل جُهّال المتصوِّفة وزنادقة الباطنية يتشبثون بهذه الآية وأمثالها فيقولون: العلم ما وهبه الله ٱبتداء من غير كسب، والنظرُ في الكتب والأوراق حجابٌ. وهذا مردود على ما يأتي بيانه في هذا الموضع. ومعنى الآية: هب لنا نعيماً صادراً عن الرحمة؛ لأن الرحمة راجعة إلى صفة الذات فلا يتصوّر فيها الهبة. يقال: وَهب يَهَب؛ والأصل يُوهِب بكسر الهاء. ومن قال: الأصل يوهب بفتح الهاء فقد أخطأ؛ لأنه لو كان كما قال لم تحذف الواو، كما لم تحذف في يَوْجَل. وإنما حذفت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة؛ ثم فتح بعد حذفها لأن فيه حرفاً من حروف الحلق.

البيضاوي

تفسير : {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا} من مقال الراسخين. وقيل: استئناف والمعنى لا تزغ قلوبنا عن نهج الحق إلى اتباع المتشابه بتأويل لا ترتضيه، قال عليه الصلاة والسلام «حديث : قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أقامه على الحق وإن شاء أزاغه عنه»تفسير : وقيل: لا تبلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا. {بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} إلى الحق والإِيمان بالقسمين. من المحكم والمتشابه، وبعد نصب على الظرف، وإذ في موضع الجر بإضافته إليه. وقيل إنه بمعنى إن. {وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً} تزلفنا إليك ونفوز بها عندك، أو توفيقاً للثبات على الحق أو مغفرة للذنوب. {إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ} لكل سؤال، وفيه دليل على أن الهدى والضلال من الله وأنه متفضل بما ينعم على عباده لا يجب عليه شيء.

المحلي و السيوطي

تفسير : {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا } تُمِلْها عن الحق ابتغاء تأويله الذي لا يليق بنا كما أزغت قلوب أولئك {بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا } أرشدتنا إليه {وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ } من عندك {رَحْمَةً } تثبيتاً {إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ }.

ابن عطية

تفسير : يحتمل أن تكون هذه الآية حكاية عن الراسخين في العلم، أنهم يقولون هذا مع قولهم {أية : آمنا به} تفسير : [آل عمران: 7] ويحتمل أن يكون المعنى منقطعاً من الأول لما ذكر أهل الزيغ وذكر نقيضهم، وظهر ما بين الحالتين عقب ذلك بأن علم عبادة الدعاء إليه في أن لا يكونوا من الطائفة الذميمة التي ذكرت وهي أهل الزيغ، وهذه الآية حجة على المعتزلة في قولهم، إن الله لا يضل العباد، ولو لم تكن الإزاغة من قبله لما جاز أن يدعي في دفع ما لا يجوز عليه فعله و {تزغ} معناه، تمل قلوبنا عن الهدى والحق، وقرأ أبو واقد، والجراح "ولا تزغ قلوبُنا" بإسناد الفعل إلى القلوب، وهذه أيضاً رغبة إلى الله تعالى. وقال أبو الفتح: ظاهر هذا ونحوه الرغبة إلى القلوب وإنما المسؤول الله تعالى، وقوله الرغبة إلى القلوب غير متمكن، ومعنى الآية على القراءتين، أن لا يكن منك خلق الزيغ فيها فتزيغ هي. قال الزجاج: وقيل: إن معنى الآية لا تكلفنا عبادة ثقيلة تزيغ منها قلوبنا. قال الفقيه الإمام: وهذا قول فيه التحفظ من خلق الله تعالى الزيغ والضلالة في قلب أحد من العباد، و {من لدنك} معناه: من عندك ومن قبلك، أن تكون تفضلاً لا عن سبب منا ولا عمل، وفي هذا استسلام وتطارح، والمراد هب لنا نعيماً صادراً عن الرحمة لأن الرحمة راجعة إلى صفات الذات فلا تتصور فيها الهبة. وقوله تعالى: {ربنا إنك جامع الناس} إقراب بالبعث ليوم القيامة، قال الزجاج: هذا هو التأويل الذي علمه الراسخون فأقروا به، وخالف الذين اتبعوا ما تشابه عليهم من أمر البعث حين أنكروه، والريب: الشك، والمعنى أنه في نفسه حق لا ريب فيه وإن وقع فيه ريب عند المكذبين به فذلك لا يعتد به إذ هو خطأ منهم، وقوله تعالى: {إن الله لا يخلف الميعاد} يحتمل أن يكون إخباراً منه محمداً عليه السلام وأمته، ويحتمل أن يكون حكاية من قول الداعين، ففي ذلك إقرار بصفة ذات الله تعالى، و {الميعاد} مفعال من الوعد.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {ربنا لا تزغ قلوبنا} أي ويقول الراسخون في العلم: ربنا لا تزغ قلوبنا أي لا تملها عن الحق والهدى كما أزغت قلوب الذين في قلوبهم زيع {بعد إذ هديتنا} أي وفقتنا لدينك والإيمان بالمحكم والمتشابه من كتابك {وهب لنا من لدنك رحمة} أي أعطنا توفيقاً وتثبيتاً للذي نحن عليه من الإيمان والهدى وقيل: هب لنا تجاوزاً ومغفرة {إنك أنت الوهاب} الهبة العطية الخالية عن الأعواض والأغراض والوهاب في صفة الله تعالى أنه يعطي كل أحد على قدر استحقاقه. (م) عن عبدالله بن عمرو بن العاص أن سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"حديث : قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء" تفسير : ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك" تفسير : هذا من أحاديث الصفات وللعلماء فيه قولان أحدهما: الإيمان به وإمراره كما جاء، من غير تعرض لتأويل ولا تكييف ولا لمعرفة معناه بل نؤمن به كما جاء وأنه حق ونكل علمه إلى مراد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم هذا القول هو مذهب أهل السنة من سلف الأمة وخلفها من أهل الحديث وغيرهم. والقول الثاني إنه يتأول بحسب ما يليق به وأن ظاهره غير مراد قال تعالى: {أية : ليس كمثله شيء}تفسير : [الشورىٰ: 11] فعلى هذا المراد هو المجاز كما يقال فلان في قبضتي وفي كفي يريد أنه تحت قدرته وفي تصرفه إلاّ أنه حال في كفه فمعنى الحديث أنه سبحانه وتعالى متصرف في قلوب عباده وغيرها كيف شاء لا يمتنع عليه من شيء إلاّ يفوته ما أراد منها كما لا يمتنع على الإنسان ما بين أصبعيه فخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بما يفهمونه ويعلمونه من أنفسهم، وإنما ثنى لفظ الأصبعين والقدرة واحدة لأنه جرى على المعهود من التمثيل بحسب ما اعتادوه وإن كان غير مقصود به التثنية أو الجمع، وهذا مذهب جمهور المتكلمين وغيرهم من المتأخرين. وإنما خص القلوب بالذكر لفائدة وهي أن الله تعالى جعل القلوب، محلاً للخواطر والإرادات والنيات وهي مقدمات الأفعال ثم جعل سائر الجوارح تابعة للقلوب في الحركات والسكنات والله أعلم. قوله عز وجل: {ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه} أي ليوم القضاء. وقيل: اللام بمعنى في أي يوم لا ريب فيه أي لا شك فيه أنه كائن وهو يوم القيامة {إن الله لا يخلف الميعاد} هذا من بقية دعاء الراسخين في العلم، وذلك أنهم طلبوا من الله تعالى أن يصرف قلوبهم عن الزيغ وأن يخصهم بالهداية والرحمة وذلك من مصالح الدين والدنيا ثم إنهم اتبعوا ذلك بقولهم: {ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه} ومعناه إنا نعلم أنك جامع الناس للجزاء في يوم القيامة، ونعلم أن وعدك حق، وأنك لا تخلف الميعاد فمن أزغت قلبه فهو هالك، ومن مننت عليه بالهداية والرحمة فهو ناج من العذاب سعيد. قوله عز وجل: {إن الذين كفروا} يعني برسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن عباس: هم قريظة والنضير {لن تغني} أي لن تنفع ولن تدفع {عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً} أي من عذاب الله شيئاً وقيل: من بمعنى عند أي عند الله شيئاً {وأولئك هم وقود النار كدأب آل فرعون} قال ابن عباس: كفعل آل فرعون وصنيعهم في الكفر. وقيل: كسنة آل فرعون وقيل كعادة آل فرعون والمعنى أن عادة هؤلاء الكفار في تكذيب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجحود الحق كعادة آل فرعون فإنهم كذبوا موسى وصدقوا فرعون {والذين من قبلهم} يعني كفار الأمم الماضية مثل عاد وثمود وغيرهم {كذبوا بآياتنا} يعني لما جاءتهم بها الرسل {فأخذهم الله بذنوبهم} أي فعاقبهم الله بسبب تكذيبهم {والله شديد العقاب} وقيل في معنى الآية: إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم عند حلول النقمة والعقوبة مثل آل فرعون وكفار الأمم الخالية فأخذناهم فلم تغن عنهم أموالهم ولا أولادهم.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا...} الآية: لمَّا ذكر اللَّه سبحانه أهلَ الزيْغِ، وذكَرَ نقيضهم، وظهر ما بَيْن الحالَتَيْنِ، عقَّب ذلك؛ بأنْ علَّم عباده الدعاء إلَيْه في ألاَّ يكونوا من الطائفَةِ الذميمَةِ الَّتي ذُكِرَتْ، وهم أهلْ الزيْغِ، ويحتمل أنْ يكون هذا من تمامِ قول الراسِخِينَ، و {تُزِغْ}: معناه: تُمِلْ قلوبنا عن الهدَىٰ والحقِّ، و {مِن لَّدُنْكَ}: معناه: من عِنْدِكَ تَفَضُّلاً، لا عن سَبَبٍ منَّا، ولاَ عَمَلٍ، وفي هذا استسلامٌ وتطارُحٌ، والمرادُ: هَبْ لنا نعيماً صادراً عن الرحمة. وقوله تعالى: {رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ}: إِقرار بالبَعْثِ ليومِ القيامةِ، والرَّيْبُ: الشكُّ، والمعنى أنه في نفْسِه حقٌّ لا رَيْبَ فيه. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ}، يحتمل: أنْ يكون إِخباراً منه سبحانه لمحمَّد صلى الله عليه وسلم، وأمته، ويحتملُ: أنْ يكون حكايةً مِنْ قول الداعين، ففي ذلك إِقرارٌ بصفة ذاتِ اللَّه تعالَىٰ، والميعادُ: من الوَعْد. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً...} الآية: الإِشارة بالآيةِ إلى معاصِرِي النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وكانوا يفْخَرُون بأموالهم وأبنائهم، وهي بَعْدُ متناوِلَةٌ كلَّ كافرٍ، والوَقُود؛ بفتحِ الواوِ: كلُّ ما يحترق في النار من حَطَبٍ ونحوه، والدَّأْبُ، والدَّأَبُ؛ بسكون الهمزة وفتحها: مصدرُ: دَأَبَ يَدْأَبُ، إذا لازم فعل شيءٍ، ودام عليه مجتهداً فيه، ويقال للعادة دَأْبٌ، والمعنى في الآية: تشبيهُ هؤلاء في لزومهم الكُفْر ودوامِهِم عليه بأولئك المتقدِّمين، وآخر الآية يقتضي الوعيدَ بأنْ يصيب هؤلاءِ ما أصَابَ أولئك، والكافُ في قوله: {كَدَأْبِ} في موضعِ رفعٍ، والتقدير: دَأْبُهُمْ كَدَأْبِ، والضمير في {قَبْلِهِمْ} عائد على {آلِ فِرْعَوْنَ}، ويحتمل: علَىٰ معاصري رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم من الكفار. وقوله: {كَذَّبُواْ بِآيَـٰتِنَا}: يحتمل: أنْ يريد المتلوَّة، ويحتمل أن يريد العلاماتِ المنصوبَةَ.

ابن عادل

تفسير : اعلم أنه تعالى لمَّا حكى عن الراسخين أنهم يقولون: "آمنا به"، حكى أنهم يقولون: ربنا لا تزغ قلوبنا وحذف يقولون؛ لدلالة الأول عليه، كما في قوله: {أية : وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلا} تفسير : [آل عمران: 191]. قال القرطبيُّ: ويجوز أن يكون المعنى: قل يا محمدُ. قوله: "لا تُزغْ" العامة على ضَمِّ حَرْف المضارعةِ، من أزاغ يزيغ، و "قُلُوبَنَا" مفعول به، وقرأ أبو بكر بن فايد وأبو واقد الجراح: "لا تَزغْ قُلُوبُنَا" - بفتح التاء، ورفع "قُلُوبُنَا"، وقرأ بعضهم كذلك إلا أنه بالياء من تحت، وعلى القراءتين، فالقلوب فاعل بالفعل المنهي عنه، والتذكير والتأنيث باعتبار تأنيثِ الجمع وتذكيره، والنهي في اللفظ للقلوب، وفي المعنى دعاء لله تعالى - أي: لا تزغ قلوبنا فتزيغ، فهو من باب "لا أرَينَّكَ ههُنَا". وقول النابغة: [البسيط] شعر : 1329 - لا أعرِفَن رَبْرَباً حُوراً مَدَامِعُهَا .......................... تفسير : قوله: {بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا}، "بَعْدَ" منصوب بـ "لا تُزِغْ"، و "إذْ" هنا خرجت عن الظرفية؛ للإضافة إليها وقد تقدم أن تصرفها قليل، وإذا خرجت عن الظرفيةِ، فلا يتغير حكمها من لزوم إضافتها إلى الجملة بعدها، كما لم يتغير غيرها من الظروف في هذا الحكمِ، ألا ترى إلى قوله {أية : هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ} تفسير : [المائدة: 119] و {أية : يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ} تفسير : [الانفطار: 19] - قراءة من رفع "يومُ" في الموضعين -. وقول الآخر: [الطويل] شعر : 1330 - ............................. عَلَى حِينِ الكِرَامُ قَلِيلُ تفسير : وقوله: [الطويل] شعر : 1331 - عَلى حِينِ مَنْ تَلْبَثْ عَلَيْهِ ذُنُوبهُ ..................... تفسير : وقوله: [الطويل] شعر : 1332 - عَلَى حِينِ عَاتَبْتُ الْمَشِيْبَ عَلَى الصِّبَا .................. تفسير : وقوله: [الطويل] شعر : 1333 - أَلا لَيْتَ أَيَّامَ الصَّفَاء جَدِيدُ ....................... تفسير : كيف خرجت هذه الظروف عن النصب إلى الرفع والجر والنصب بـ "لَيْت"، ومع ذلك هي مضافةٌ للجمل التي بعدها. فصل هذه الآية تدل على أن الزيغَ والهداية خلق الله تعالى، قال أهل السنة: ذلك لأن القلب صالح لأن يميلَ إلى الكفر، ويمتنع أن يميل إلى أحد الجانبين، إلا عند حدوث داعية وإرادة أحدثها الله تعالى. فإن كانت تلك الداعية [داعية] الكفر، فهي الخذلان، والإزاغة، والصد، والختم، والرَّيْن، والقسوة والوقر والكنان، وغيرها من الألفاظ الواردة في القرآن. وإن كانت تلك الداعيةُ داعيةَ الإيمان، فهي التوفيق، والإرشاد، والهداية، والتسديد، والتثبيت، والعصمة وغيرها من الألفاظ الواردة في القرآن، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : قَلْبُ المؤمن بَيْنَ أصبعينِ مِنْ أصابعِ الرَّحْمَنِ، إنْ شَاءَ أقامه، وإن شاء أزاغَهُ"تفسير : والمرادُ من هذين الأصبعين الداعيتان، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : اللَّهُمَّ مُقَلِّبَ القلوب والأبصار ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دينك" تفسير : ومعناه ما ذكرنا، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَثَلُ الْقلبِ كَرِيشَةٍ بأرْضٍ فَلاَةٍ تُقلبُهَا الرِّياحُ ظَهْراً لِبَطْنٍ ". تفسير : وقالت المعتزلةُ: الزيغُ لا يجوز أن يكون بفعل الله؛ لقوله تعالى: {أية : فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ} تفسير : [الصف: 5]، وهذا صريح في أن ابتداء الزيغ منهم. والجوابُ: أن مذهبهم أن كل ما صح في قدرة الله تعالى أن يفعل في حقهم لُطْفاً، وجب عليه ذلك وجوباً لو تركه لبطلت إلاهيته، ولصار محتاجاً، والشيء الذي يكون كذلك فأي حاجةٍ إلى طلبه بالدعاء؟ فإن قيل: فما الجواب عن قوله: {أية : فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ} تفسير : [الصف: 5]؟ قلنا: لا يبعد أن الله تعالى يُزيغهم ابتداء، فعند ذلك يزيغون، ثم يترتب على الزيغ إزاغة أخرى سوى الأولى من الله تعالى، ولا منافاةَ فيه. وقوله: {بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا}، أي: جعلتنا مهتدين، وهذا صريحٌ أيضاً في أن حصولَ الاهتداءِ في القلب بتخليق اللهِ تعالى. قوله: {وَهَبْ لَنَا} الهِبَة: العَطِيَّة، حذفت فاؤها، وكان حق عين المضارع منها كسر العين منه، إلا أن ذلك منعه كونُ العين حرفَ حَلْقٍ، فالكسرة مقدَّرة، فلذلك اعتبِرَت تلك الكسرةُ المقدرةُ فحذفت لها الواو وهذا نحو: "يضع" و "يسع"، لكون اللام حرف حلقٍ، ويكون "هَبْ" فعل أمر بمعنى اعتقد، فيتعدى لمفعولين. كقوله: [المتقارب] شعر : 1334 - ........................ وَإلاَّ فَهَبْنِي أمْرَأ هالِكا تفسير : وحينئذ لا يتصرف. ويقال أيضاً: وَهَبني الله فِداك، أي: جعلني، ولا يتصرف أيضاً عن الماضي بهذا المعنى. قوله: "مِنْ لَدُنْكَ" متعلق بـ "هَبْ"، و "لَدُنْ" ظرف، وهي لأول غاية زمان أو مكان، أو غيرها من الذوات نحو: من لدن زيد، فليست مرادفة لـِ "عِنْد"، بل قد تكون بمعناها، وبعضهم يقيدها بظرف المكانِ، وتضاف لصريح الزمانِ. قال: [الراجز] شعر : 1335 - تنتَهِضُ الرِّعْدَةُ فِي ظُهَيْرِي مِن لَدُنِ الظُّهْرِ إلَى الْعُصَيْرِ تفسير : ولا يُقْطع عن الإضافة بحال، وأكثر ما تضاف إلى المفردات، وقد تُضاف إلى "أنْ" وَصِلَتها؛ لأنهما بتأويل مفردٍ. قال: [الطويل] شعر : 1336 - وُلِيتَ فَلَمْ تَقْطَعْ لَدُنْ أنْ وَلِيتَنَا قَرَابَةَ ذِي قُرْبَى وَلاَ حَقَّ مُسْلِمِ تفسير : أي: لدن ولايتك إيانا، وقد تضاف إلى الجملة الاسمية. كقوله: [الطويل] شعر : 1337 - وَتَذْكُرُ نُعْمَاهُ لَدُنْ أنْتَ يَافِعٌ إلَى أنْتَ ذُو فَؤْديْنِ أبيضَ كَالنَّسْرِ تفسير : وقد تُضَافُ للفعلية. كقوله: [الطويل] شعر : 1338 - لزمْنَا لَدُنْ سَالَمْتُمُونَا وِفَاقَكُمْ فَلاَ يَكُ مِنْكُمْ لِلْخِلاَفِ جُنُوحُ تفسير : وقال آخرُ: [الطويل] شعر : 1339 - صَرِيعُ غَوانٍ رَاقَهُنَّ وَرُقْنَهُ لَدُنْ شَبَّ حَتَّى شَابَ سُودُ الذَّوَائِبِ تفسير : وفيها لغتان: الإعراب، وهي لغة قَيْس، وبها قَرَأ أبو بكر عن عاصم {مِنْ لَدُنِهِ} [النساء: 40] - بجر النون -، وقوله: [الرجز] شعر : 1340 - ....................... مَنْ لَدُنِ الظُّهْرِ إلَى العُصَيْرِ تفسير : ولا تخلو من "من" غالباً، قاله ابنُ جني، ومن غير الغالب ما تقدم من قوله: شعر : 1341 - ............. لَدُنْ أنت يافع ........................... تفسير : وإن وقع بعدها لفظ "غدوة" خاصة - جاز نصبها، ورفعها، فالنصب على خبر "كان" أو التمييز والرفع على إضمار "كَانَ" التامة، ولولا هذا التقدير لزم إفراد "لَدُن" عن الإضافة، وقد تقدم أنه لا يجوز، فمن نَصْب "غدوة" قوله: [الطويل] شعر : 1342 - فَمَا زَالَ مُهْرِي مَزْجَرَ الْكَلْبِ مِنْهُمُ لَدُنْ غُدْوَةً حَتَّى دَنَتْ لِغُرُوبِ تفسير : واللغةُ المشهورةُ بناؤها؛ لشبهها بالحرف في لزوم استعمالٍ واحدٍ، وامتناع الإخبار بها، بخلاف "عند" و "لدن" فإنهما لا يلزمان استعمالاً واحداً؛ إذ يكون فضلةً، وعُمدةً، وغايةً وغير غاية، بخلاف "لَدُن". وقال بعضهم: "علة بنائِها كونها دالة على الملاصقة، ومختصةً بها، بخلاف "عند" فإنها لا تدل على الملاصقة، فصار فيها معنى لا يدل عليه الظرف، بل هو من قبيل ما يدل عليه الحرف، فكأنها مضمنة معنى حرف كان من حقه أن يوضَع لذلك، فلم يُوضَع، كما قالوا في اسم الإشارةِ، واللغتان المذكورتان من الإعراب والبناء مختصتان بـ "لَدُنْ" المفتوحة اللام، المضمومة الدال، الواقع آخرُها نونٌ، وأما بقية لغاتها فهي - فيها - مبنية عند جميع العرب، وفيها عشر لغاتٍ: أشهرها الأولى، ولدَن، ولدِن - بفتح الدال وكسرها - ولَدْنِ، ولُدنِ - بفتح اللام وضمها، مع سكون الدالِ وكسر النونِ - ولُدْنَ - بالضم والسكون وفتح النون -، ولَدْ، ولُدْ - بفتح اللام وضمها مع سكون الدالِ، ولَدُ - بفتح اللام وضم الدال ولت - بإبدال الدال تاءً ساكنةً، ومتى أضيفت المحذوفة النون إلى ضمير وجب رَدُّ النون. قوله: {أَنْتَ ٱلْوَهَّابُ} "أنت" يحتمل أن يكون مبتدأ، وأن يكون ضميرَ الفصل، وأن يكون تأكيداً لاسم "إنَّ". فصل اعلم أن هؤلاء المؤمنين سألوا ربهم ألا يَجْعَل قلوبَهُم مائلةً إلى العقائد الفاسدة ثم أتبعوا ذلك بطلب تنوير قلوبهم. وقال "رحمة"؛ ليشمل جميع أنواع الرحمةِ، ولما ثبت بالبرهان القاطع أنه لا رحيمَ إلا هو أكد ذلك بقوله: {مِن لَّدُنْكَ} تنبيهاً للعقل على أن المقصود لا يحصل إلا منه. وقوله: {أَنْتَ ٱلْوَهَّابُ} كأن العبد يقول: إلهي هذا الذي طلبته منك بهذا الدعاء بالنسبة إليّ - حقير - بالنسبة إلى كمال كرمك، وغاية جودِك ورحمتك؛ فإنك أنت الوهاب.

البقاعي

تفسير : ولما علم بذلك أن الراسخين أيقنوا أنه من عند الله المستلزم لأنه لا عوج فيه أخبر أنهم أقبلوا على التضرع إليه في أن يثبتهم بعد هدايته ثم أن يرحمهم ببيان ما أشكل عليهم بقوله ـ حاكياً عنهم وهو في الحقيقة تلقين منه لهم لطفاً بهم مقدماً ما ينبغي تقديمه من السؤال في تطهير القلب عما لا ينبغي على طلب تنويره بما ينبغي لأن إزالة المانع قبل إيجاد المقتضي عين الحكمة: {ربنا} أي المحسن إلينا {لا تزغ قلوبنا} أي عن الحق. ولما كان صلاح القلب صلاح الجملة وفساده فسادها وكان ثبات الإنسان على سنن الاستقامة من غير عوج أصلاً مما لم يجر به سبحانه وتعالى عادته لغير المعصومين قال ـ نازعاً الجار مسنداً الفعل غلى ضمير الجملة: {بعد إذ هديتنا} إليه. وقال الحرالي: ففي إلاحة معناه أن هذا الابتهال واقع من أولي الألباب ليترقوا من محلهم من التذكر إلى ما هو أعلى وأبطن ـ انتهى. فلذلك قالوا: {وهب لنا من لدنك} أي أمرك الخاص بحضرتك القدسية، الباطن عن غير خواصك {رحمة} أي فضلاً ومنحة منك ابتداء من غير سبب منا، ونكرها تعظيماً بأن أيسر شيء منها يكفي الموهوب. ولما لم يكن لغيره شيء أصلاً فكان كل عطاء من فضله قالوا ـ وقال الحرالي: ولما كان الأمر اللدني ليس مما في فطر الخلق وجبلاتهم وإقامة حكمتهم، وإنما هو موهبة من الله سبحانه وتعالى بحسب العناية ختم بقوله: {إنك أنت الوهاب *} وهي صيغة مبالغة من الوهب والهبة، وهي العطية سماحاً من غير قصد من الموهوب ـ انتهى. ولما كان من المعلوم من أول ما فرغ السمع من الكتاب في الفاتحة وأول البقرة وأثنائها أن للناس يوماً يدانون فيه وصلوا بقولهم السابق قوله: {ربنا إنك جامع} قال الحرالي: من الجمع، وهو ضم ما شأنه الافتراق والتنافر لطفاً أو قهراً ـ انتهى. {الناس} أي كلهم {ليوم} أي يدانون فيه {لا ريب فيه} ثم عللوا نفي الريب بقولهم ـ عادلين عن الخطاب آتين بالاسم الأعظم لأن المقام للجلال ـ: {إن الله} أي المحيط بصفات الكمال {لا يخلف} ولما كان نفي الخلف في زمن الوعد ومكانه أبلغ من نفي خلافه نفسه عبر بالمفعال فقال: {الميعاد *} وقال الحرالي: هو مفعال من الوعد، وصيغ لمعنى تكرره ودوامه، والوعد العهد في الخير ـ انتهى. وكل ذلك تنبيهاً على أنه يجب التثبت في فهم الكتاب والإحجام عن مشكله خوفاً من الفضيحة يوم الجمع يوم يساقون إليه ويقفون بين يديه، فكأنه تعالى يقول للنصارى: هب أنه أشكل عليكم بعض أفعالي وأقوالي في الإنجيل فهلا فعلتم فعل الراسخين فنزهتموني عما لا يليق بجلالي من التناقض وغيره، ووكلتم أمر ذلك إليّ، وعولتم في فتح مغلقه عليّ خوفاً من يوم الدين؟ قال ابن الزبير: ثم لما بلغ الكلام إلى هنا ـ أي إلى آيه التصوير ـ كان كأنه قد قيل: فكيف طرأ عليهم ما طرأ مع وجود الكتب؟ أخبر تعالى بشأن الكتاب وأنه محكم ومتشابه، وكذا عيره من الكتب ـ والله سبحانه وتعالى أعلم، فحال أهل التوفيق تحكيم المحكم، وحال أهل الزيغ اتباع المتشابه والتعلق به، وهذا بيان لقوله: {أية : يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً}تفسير : [البقرة: 26] وكل هذا بيان لكون الكتاب العزيز أعظم فرقان وأوضح بيان إذ قد أوضح أحوال المختلفين ومن أين أتى عليهم مع وجود الكتب، وفي أثناء ذلك تنبيه العباد على عجزهم وعدم استبدادهم لئلا يغتر الغافل فيقول مع هذا البيان ووضوح الأمر: لا طريق إلى تنكب الصراط، فنبهوا حين علموا الدعاء من قوله: {أية : وإياك نستعين}تفسير : [الفاتحة: 4] ثم كرر تنبيههم لشدة الحاجة ليذكر هذا أبداً، ففيه معظم البيان، ومن اعتقاد الاستبداد ينشأ الشرك الأكبر إذ اعتقاد الاستبداد بالأفعال إخراج لنصف الموجودات عن يد بارئها {أية : والله خلقكم وما تعملون}تفسير : [الصافات: 96] فمن التنبيه {أية : إن الذين كفروا}تفسير : [البقرة: 6] ومنه: {أية : يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً}تفسير : [البقرة: 26] ومنه {أية : آمن الرسول} تفسير : [البقرة: 285] ـ إلى خاتمتها، هذا من جلي التنبيه ومحكمه، ومما يرجع إليه ويجوز معناه بعد اعتباره: {أية : وإلهكم إله واحد}تفسير : [البقرة: 163] وقوله: {أية : الله لا إله إلا هو الحي القيوم }تفسير : [البقرة: 255]، فمن رأى الفعل أو بعضه لغيره تعالى حقيقة فقد قال بإلهية غيره، ثم حذروا أشد التحذير لما بين لهم فقال تعالى: {أية : إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد}تفسير : [آل عمران: 4] ثم ارتبطت الآيات إلى آخرها ـ انتهى. ولما تحقق أن يوم الجمع كائن لا محالة تحقق أن من نتائجه تحقيقاً لعزته سبحانه وتعالى وانتقامه من الكفرة قوله تعالى: {إن الذين كفروا} أي الذين يظنون لسترهم ما دلت عليه مرأى عقولهم أنهم يمتنعون من أمر الله لأنهم يفعلون في عصيانه وعداوة أوليائه فعل من يريد المغالبه {لن تغني عنهم أموالهم} أي وإن كثرت، وقدمها لأن بها قوام ما بعدها وتمام لذاته، وأكد بإعادة النافي ليفيد النفي عن كل حالة وعن المجموع فيكون أصرح في المرام {ولا أولادهم} وإن جلت وعظمت {من الله} أي الملك الأعظم {شيئاً} أي من إغناء مبتدئاً من جهة الله، وإذا كانت تلك الجهة عارية عما يغني كان كل ما يأتيهم من قبله سبحانه وتعالى من بأس واقعاً بهم لا مانع له، فمهما أراد بهم كان من خذلان في الدنيا وبعث بعد الموت وحشر بعد البعث وعذاب في الآخرة، فأولئك المعرضون منه لكل بلاء {وأولئك هم وقود النار *} وفي ذلك أعظم تنبيه على أن الزائغين الذين خالفوا الراسخين فوقفت بهم نعمه المقتضيه لتصديقه عن تصديقه ليست مغنية عنهم تلك النعم شيئاً، وأنهم مغلوبون لا محالة في الدنيا ومحشورون في الآخرة إلى جهنم. ولما كانت هذه السورة سورة التوحيد كان الأليق بخطابها أن يكون الدعاء فيه إلى الزهد أتم من الدعاء في غيرها، والإشارة فيه إلى ذلك أكثر من الإشارة في غيره، فكانت هذه الآية قاطعة للقلوب النيرة بما أشارت إليه من فتنة الأموال والأولاد الموجبة للهلاك. قال الحرالي: ولما كان من مضمون ترجمة سورة البقرة إطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على سر التقدير الذي صرف عن الجواب فيه وإظهار سره موسى كليم الله وعيسى كلمة الله عليهما الصلاة والسلام كان مما أظهره الله سبحانه وتعالى لعامة أمة محمد صلى الله عليه وسلم إعلاء لها على كل أمة، واختصاصاً لها بما علا اختصاص نبيها صلى الله عليه وسلم حتى قال قائلهم: أخبرهم أني بريء منهم وأنهم براء مني ـ لقوم لم يظهروا على سر القدر، وقال: والذي يحلف به عبد الله بن عمر: لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه ما قبل منه حتى يؤمن بالقدر، فأفهم الله سبحانه وتعالى علماء هذه الأمة أن أعمالها لا تقبل إلا على معرفة سر التقدير لتكون قلوبها بريئة من أعمال ظواهرها، كما قيل في أثارة من العلم: من لم يختم عمله بالعلم لم يعمل، ومن لم يختم علمه بالجهل لم يعلم فختم العامل عمله بالعلم أن يعلم أنه لا عمل له، وأن المجرى على يديه أمر مقدر قدره الله تعالى عليه وأقامه فيه لما خلقه له من حكمته من وصفه من خير أو شر ومن تمام كلمته في رحمته أو عقوبته ليظهر بذلك حكمة الحكيم، ولا حجة للعبد على ربه ولا حجة للصنعة على صانعها ـ ولله سبحانه وتعالى الحجة البالغة؛ وكذلك العالم متى لم ينطو سره على أنه لا يعلم وإنما العلم عند الله سبحانه وتعالى لم يثبت له علم، فذلك ختم العمل بالعمل وختم العلم بالجهل، فكما أطلعه سبحانه وتعالى في فاتحة سورة البقرة على سر تقديره في خلقه أظهره في فاتحة سورة آل عمران على علن قيوميته الذي هو شاهده في وحي ربه، كما هو بصير بسر القدر في تفرق أفعال خلقه، فكان منزل سورة البقرة قوام الأفعال, ومنزل سورة آل عمران قوام التنزيل والإنزال, فكان علن القيومية قوام التنزيل للكتاب الجامع الأول، والتنزيل قوام إنزال الكتب، وإنزال الكتاب الجامع لتفسير الكتب قوام تفصيل الآيات المحكمات والمتشابهات، والإحكام والتشابه إقامة الهدى والفتنة، والهدى والفتنة إقامة متصرف الحواس الظاهرة والباطنة، والأحوال وما دونها من الأفعال على وجه جمع يكون قواماً لما تفصل من مجمله وتكثر من وحدته وتفرق من اجتماعه، ولعلو مضمون هذه السورة لم يقع فيها توجه الخطاب بها لصنف الناس، واختص خطابها بالذين آمنوا في علو من معاني الإيمان لما ذكر من شرف سن الإيمان على سن الناس في تنامي أسنان القلوب، وكان خطاب سورة البقرة بمقتضى رتبة العقل الذي به يقع أول الإصغاء والاستماع، كما ظهر في آيات الاعتبار فيها في قوله سبحانه وتعالى: {أية : إن في خلق السماوات والأرض} تفسير : [البقرة: 164] إلى قوله: {أية : لقوم يعقلون}تفسير : [البقرة: 164] فكان خطاب سورة آل عمران إقبالاً على أولي الألباب الذين لهم لب العقل، بما ظهر في أولها وخاتمتها في قوله:{أية : وما يذكر إلا أولوا الألباب} تفسير : [آل عمران: 7] وفي خاتمتها في آيات اعتبارها في قوله سبحانه وتعالى {أية : إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب} تفسير : [آل عمران:190] فبالعقل يقع الاعتبار لمنزل الكتاب وباللب يكون التذكر، إيلاء إلى الذي نزل الكتاب، وبالجملة فمثاني هذه السورة من تفاصيل آياتها وجمل جوامعها مما هو أعلق بطيب الإيمان واعتبار اللب، كما أن منزل سورة البقرة أعلق بما هو من أمر الأعمال وإقامة معالم الإسلام بما ظهر في هذه السورة من علن أمر الله، وبما افتتحت به من اسم الله الأعظم الذي جميع الأسماء أسماء له لإحاطته واختصاصها بوجه ما، فكان فيها علن التوحيد وكماله وقوام تنزيل الأمر وتطورالخلق في جميع متنزلها ومثانيها، وظهر فيها تفصيل وجوه الحكم العلية التي تضمن جملة ذكرها الآية الجامعة في سورة البقرة في قوله سبحانه وتعالى {أية : يؤتي الحكمة من يشاء}تفسير : [البقرة: 269] فكان من جملة بناء الحكمة ما هو السبب في ظهور الكفر من الذين كفروا بما غلب عليهم من الفتنة بأموالهم وأولادهم حتى ألهتهم عن ذكر الله، فانتهوا فيه إلى حد الكفر الذي نبه عليه {الذين آمنوا} في قوله سبحانه وتعالى {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله}تفسير : [المنافقون: 9] ـ انتهى. ولما كان السبب المقتضي لاستمرارالكفر من النصارى المجادلين في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام الخوف ممن فوقهم من ملوك النصرانية نبههم سبحانه وتعالى على أول قصة أسلافهم من بني إسرائيل، وما كانوا فيه من الذل مع آل فرعون، وما كان فيه فرعون من العظمة التي تُقسر بها ملوك زمانهم، ثم لما أراد الله سبحانه وتعالى قهر أسلافهم له لم تضرهم ذلتهم ولا قلتهم، ولا نفعته عزته ولا كثرة آله، فلذلك صرح بهم سبحانه وتعالى وطوى ذكر من قبلهم فقال: {كدأب} أي لم يغن عنهم ذلك شيئاً مثل عادة {آل فرعون} أي الذين اشتهر لديكم استكبارهم وعظمتهم وفخارهم، قال الحرالي: الدأب العادة الدائمة التي تتأبد بالتزامها، وآل الرجل من إذ أحصر تراءى فيهم فكأنه لم يغب؛ وفرعون اسم ملك مصر في الكفر، ومصر أرض جامعة كليتها وجملة، إقليمها نازل منزلة الأرض كلها، فلها إحاطة بوجه ما، فلذلك أعظم شأنها في القرآن وشأن العالي فيها من الفراعنة، وكان الرسول المبعوث إليه أول المؤمنين بما وراء أول الخلق من طليعة ظهور الحق لسماع كلامه بلا واسطة ملك، فكان أول من طوى في رتبة بنوتة رتبة البنوة ذات الواسطة، فلذلك بدىء به في هذا الخطاب لعلو رتبة بنوته بما هو كليم الله ومصطفاه على الناس، ولحق به من تقدمهم بما وقعت في بنوته من واسطة زوج أو ملك، وخص آله لأنه هو كان عارفاً بأمر الله سبحانه وتعالى فكان جاحداً لا مكذباً ـ انتهى. {والذين} ولما كان المكذبون إنما هم بعض المتقدمين أدخل الجار فقال: {من قبلهم} وقد نقلت إليكم أخبارهم وقوتهم واستظهارهم فكأنه قيل: ماذا كانت عادتهم؟ فقيل: {كذبوا} ولما كان التكذيب موجباً للعقوبة كان مظهر العظمة به أليق، فصرف القول إليه فقال: {بآياتنا} السورية والصورية مع ما لها من العظمة بما لها من إضافتها إلينا {فأخذهم} ولما أفحشوا في التكذيب عدل إلى أعظم من مظهر العظمة تهويلاً لأخذهم فقال: {الله} فاظهر الاسم الشريف تنبيهاً على باهر العظمة {بذنوبهم} أي من التكذيب وغيره. قال الحرالي: فيه إشعار بأن صريح المؤاخذة مناط بالذنوب، وأن المؤاخذة الدنيوية لا تصل إلى حد الانتقام على التكذيب، فكان ما ظهر من أمر الدنيا يقع عقاباً على ما ظهر من الأعمال، وما بطن من أمر الآخرة يستوفي العقاب على ما أصرت عليه الضمائر من التكذيب، ولذلك يكون عقاب الدنيا طهرة للمؤمن لصفاء باطنه من التكذيب، ويكون واقع يوم الدنيا كفاف ما جرى على ظاهره من المخالفة فكأن الذنب من المؤمن يقع في دنياه خاصة، والذنب من الكافر يقع في دنياه وأخراه من استغراقه لظاهره وباطنه، وأظهر الاسم الشريف ولم يضمر للتنبيه على زيادة العظمه في عذابهم لمزيد اجترائهم فقال: {والله} أي الحال أن الملك الذي لا كفوء له في جبروته ولا شيء من نعوته {شديد العقاب *} لا يعجزه شيء. ولما تم ذلك على هذه الوجوه الظاهره التي أوجبت اليقين لكل منصف بأنهم مغلوبون وصل بها أمره صلى الله عليه وسلم وهو الحبيب العزيز بأن يصرح لهم بمضمون ذلك فقال: {قل للذين كفروا} أي من أهل زمانك جرياً على منهاج أولئك الذين أخذناهم {ستغلبون} كما غلبوا وإن كنتم ملأ الأرض لأنكم إنما تغالبون خالقكم وهو الغالب لكل شيء: "وليُغلَبنّ مُغالبُ الغَلاّب" واللام على قراءة الجمهور بالخطاب معدية، وعلى قراءة الغيب معللة، أي قل لأجلهم، أو هي بمعنى عن، أي قل عنهم، وقد أفهم الإخبار بمجرد الغلبة دون ذكر العذاب كما كان يذكر في تهديد من قبلهم أن أخذهم بيد المغالبة والمدافعة والنصرة تشريفاً لنبيهم صلى الله عليه وسلم لأنه عرض عليه عذابهم فأبى إلا المدافعة على سنة المصابرة، فكان أول ذلك غلبته صلى الله عليه وسلم على مكة المشرفة، وكان فتحها فتحاً لجميع الأرض لأنها أم القرى ـ نبه على ذلك الحرالي. {وتحشرون} أي تجمعون بعد موتكم أحياء كما كنتم قبل الموت {إلى جهنم} قال الحرالي: وهي من الجهامة، وهي كراهه المنظر ـ انتهى؛ فتكون مهادكم، لا مهاد لكم غيرها {وبئس} أي والحال أنها بئس {المهاد *}.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أم سلمة "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. ثم قرأ {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا...} الآية ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وابن جرير والطبراني وابن مردويه عن أم سلمة "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكثر في دعائه أن يقول: اللهم مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. قلت: يا رسول الله وإن القلوب لتتقلب؟! قال: نعم. ما من خلق الله من بشر من بني آدم إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله، فإن شاء الله أقامه، وإن شاء أزاغه. فنسأل الله ربنا أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب. قلت: يا رسول الله ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي. قال: بلى. قولي اللهم رب النبي محمد اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات الفتن ما أحييتني ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن مردويه "حديث : عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يدعو:يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. قلت: يا رسول الله ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء! فقال: ليس من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن، إذا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه، أما تسمعين قوله تعالى {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب} " تفسير : ولفظ ابن أبي شيبة "حديث : إذا شاء أن يقلبه إلى هدى قلبه، وإذا شاء أن يقلبه إلى ضلال قلبه ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وأحمد والبخاري في الأدب المفرد والترمذي وحسنه وابن جرير عن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول "حديث : يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. قالوا: يا رسول الله آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: نعم. قال: إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبها ". تفسير : وأخرج البخاري في تاريخه وابن جرير والطبراني عن سبرة بن فاتك قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرب. فإذا شاء أقامه، وإذا شاء أزاغه ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في الإِخلاص والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي عبيدة بن الجراح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : إن قلب ابن آدم مثل قلب العصفور يتقلب في اليوم سبع مرات ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في الإِخلاص عن أبي موسى قال: إنما سمي القلب قلباً لتقلبه. وإنما مثل القلب مثل ريشة بفلاة من الأرض. وأخرج أحمد وابن ماجة عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن هذا القلب كريشة بفلاة من الأرض تقيمها الريح ظهراً لبطن ". تفسير : وأخرج مالك والشافعي وابن أبي شيبة وأبو داود والبيهقي في سننه عن أبي عبدالله الصنابحي، أنه قدم المدينة في خلافة أبي بكر الصديق، فصلى وراء أبي بكر المغرب، فقرأ أبو بكر في الركعتين الأوليين بأم القرآن، وسورة من قصار المفصل. ثم قام في الركعة الثالثة، فقرأ بأم القرآن، وهذه الآية {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب}. وأخرج ابن جرير والطبراني في السنة والحاكم وصححه عن جابر قال: "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك. قلنا: يا رسول الله تخاف علينا وقد آمنا بك؟ فقال: إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد، يقول به هكذا. ولفظ الطبراني: إن قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الله عز وجل، فإذا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه ". تفسير : وأخرج أحمد والنسائي وابن ماجة وابن جرير والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن النّواس بن سمعان سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : الميزان بيد الرحمن. يرفع أقواماً ويضع آخرين إلى يوم القيامة، وقلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن. إذا شاء أقامه، وإذا شاء أزاغه، وكان يقول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن المقداد: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لقلب ابن آدم أشد انقلاباً من القدر إذ اجتمع غلياناً ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير في قوله {ربنا لا تزغ قلوبنا} أي لا تمل قلوبنا وإن ملنا بأجسادنا. وأخرج ابن سعد في طبقاته عن أبي عطاف أن أبا هريرة كان يقول: أي رب لا أزنين، أي رب لا أسرقن، أي رب لا أكفرن. قيل له: أو تخاف؟ قال: آمنت بمحرف القلوب ثلاثاً. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أبي الدرداء قال: كان عبدالله بن رواحة إذا لقيني قال: اجلس يا عويمر فلنؤمن ساعة، فنجلس فنذكر الله على ما يشاء. ثم قال: يا عويمر هذه مجالس الإِيمان، إن مثل الإِيمان ومثلك كمثل قميصك بينا أنت قد نزعته إذ لبسته، وبينا أنت قد لبسته إذ نزعته. يا عويمر للقلب أسرع تقلباً من القِدر، إذا استجمعت غلياناً. وأخرج الحكيم الترمذي من طريق عتبة بن عبدالله بن خالد بن معدان عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنما الإِيمان بمنزلة القميص، مرة تقمصه ومرة تنزعه ". تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي عن أبي أيوب الأنصاري قال: ليأتين على الرجل أحايين وما في جلده موضع ابرة من النفاق، وليأتين عليه أحايين وما في جلده موضع إبرة من إيمان. وأخرج أبو داود والنسائي والبيهقي في الأسماء والصفات عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استيقظ من الليل قال: "حديث : لا إله إلا أنت سبحانك اللهم إني أستغفرك لذنبي وأسألك رحمتك، اللهم زدني علماً ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ". تفسير : وأخرج مسلم والنسائي وابن جرير والبيهقي عن عبدالله بن عمرو أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"حديث : إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك ". تفسير : وأخرج الطبراني في السنة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنما قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن عز وجل ".

ابو السعود

تفسير : {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا} من تمام مقالةِ الراسِخين أي لا تُزِغْ قلوبَنا عن نهج الحقِّ إلى اتباع المتشابهِ بتأويلٍ لا ترتضيه، قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : قلبُ ابن آدمَ بـين أصْبعين من أصابع الرحمٰن إن شاء أقامه على الحقّ وإن شاء أزاغه عنه»تفسير : وقيل: معناه لا تَبْلُنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا {بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} أي إلى الحق والتأويل الصحيح أو إلى الإيمان بالقسمين وبعد نُصبَ بلا تزِغ على الظرف وإذْ في محل الجر بإضافته إليه خارجٌ من الظرفية أي بعد وقت هدايتِك إيانا وقيل: إنه بمعنى أنْ {وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ} كِلا الجارّين متعلقٌ بهَبْ وتقديم الأول لما مر مراراً ويجوز تعلّقُ الثاني بمحذوف هو حالٌ من المفعول أي كائنة من لدنك ومن لابتداء الغاية المجازية ولدُنْ في الأصل ظرف بمعنى أولُ غايةِ زمانٍ أو مكان أو غيرِهما من الذوات نحوُ من لدُنْ زيدٍ وليست مرادفةً لعند إذ قد تكون فضلة، وكذا لدى، وبعضُهم يخُصُّها بظرف المكان وتضاف إلى صريح الزمان كما في قوله: [الرجز] شعر : تنتفضُ الرّعدةُ في ظُهَيْري من لدنِ الظُهرِ إلى العُصَيرِ تفسير : ولا تُقطع عن الإضافة بحال، وأكثرُ ما تضاف إلى المفردات وقد تضاف إلى أنْ وصلتِها كما في قوله: [الطويل] شعر : ولم تقْطعَ اصلاً من لدنْ أنْ ولِيتَنا قرابةَ ذي رَحْمٍ ولا حقَّ مسلمِ تفسير : أي من لدن ولايتِك إيانا وقد تضاف إلى الجملة الاسميةِ كما في قوله: شعر : تَذَكَّرُ نُعماه لدُنْ أنت يافعُ تفسير : وإلى الجملة الفعلية أيضاً كما في قوله: [الطويل] شعر : لزِمنا لدنْ سالمتمونا وِفاقَكم فلا يكُ منكم للخِلاف جُنوحُ تفسير : وقلما تخلو عن من كما في البـيتين الأخيرين {رَحْمَةً} واسعةً تُزلِفُنا إليك ونفوزُ بها عندك أو توفيقاً للثبات على الحق، وتأخيرُ المفعول الصريح عن الجارّين لما مر مراراً من الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر فإن من حقه التقديمُ إذا أُخِّر تبقى النفسُ مترقبةً لوروده لا سيما عند الإشعارِ بكونه من المنافعِ باللام فإذا أورده يتمكن عندها فضلُ تمكّنٍ {إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ} تعليل للسؤال أو لإعطاء المسؤولِ وأنت إما مبتدأٌ أو فصلٌ أو تأكيدٌ لاسم إنّ وإطلاقُ الوهاب ليتناول كلَّ موهوب، وفيه دِلالة على أن الهدى والضلال من قِبله تعالى وأنه متفضّلٌ بما يُنعم به على عباده من غير أن يجب عليه شيء. {رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ} أي لحساب يومِ أو لجزاء يوم حُذف المضاف وأقيم مُقامه المضافُ إليه تهويلاً له وتفظيعاً لما يقع فيه {لاَ رَيْبَ فِيهِ} أي في وقوعه ووقوعِ ما فيه من الحشر والحسابِ والجزاء، ومقصودُهم بهذا عرضُ كمالِ افتقارِهم إلى الرحمة وأنها المقصِدُ الأسنى عندهم، والتأكيدُ لإظهار ما هم عليه من كمال الطمأنينةِ وقوة اليقينِ بأحوال الآخرة {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ} تعليلٌ لمضمون الجملة المؤكدةِ أو لانتفاء الريب، والتأكيد لما مر، وإظهارُ الاسمِ الجليل مع الالتفات لإبراز كمالِ التعظيم والإجلالِ الناشىء من ذكر اليوم المَهيب الهائل بخلاف ما في آخر السورة الكريمة فإنه مقامُ طلب الإنعام كما سيأتي وللإشعار بعلة الحُكم فإن الألوهيةَ منافيةٌ للإخلاف وقد جُوّز أن تكون الجملةُ مَسوقةً من جهته تعالى لتقرير قولِ الراسخين، والميعادُ مصدرٌ كالميقات واستُدل به الوعيدية وأجيب بأن وعيدَ الفساقِ مشروطٌ بعدم العفو بدلائلَ مفصلةٍ كما هو مشروط بعدم التوبة وِفاقاٌ.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} [الآية: 8]. قال جعفر: لا تزغ قلوبنا عنك بعد إذ هديتنا إليك {وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً} أى لزومًا لخدمتك على شرط السُّنة {إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْوَهَّابُ} المعطى بفضله عباده ما لا يستحقون من نعمةٍ. قال ابن عطاء: الزيغ: الميل إلى شىء سوى الحق.

القشيري

تفسير : ما ازدادوا قرباً إلا ازدادوا أدباً، واللياذ إلى التباعد أقوى أسباب رعاية الأدب ويقال حين صدقوا في حسن الاستغانة أُمِدُّوا بأنوار الكفاية.

اسماعيل حقي

تفسير : {ربنا لا تزغ قلوبنا} اى يقولون لا تمل قلوبنا عن نهج الحق الى اتباع المتشابه بتأويل لا ترتضيه {بعد اذ هديتنا} الى الحق والتأويل الصحيح او الى الايمان {وهب لنا من لدنك} اى من عندك {رحمة} واسعة تزلفنا اليك ونفوز بها عندك {انك انت الوهاب} واطلاق الوهاب ليتناول كل موهوب. وفيه دلالة على ان الهدى والضلال من قبله وانه متفضل بما ينعم به على عباده من غير ان يجب عليه شىء.

الطوسي

تفسير : المعنى: هذه حكاية عن الراسخين في العلم الذين ذكرهم في الآية الاولى، القائلين {آمنا به كل من عند ربنا} القائلين {ربنا لا تزغ قلوبنا} وقيل في معنى لا تزغ قلوبنا قولان: أحدهما - {لا تزغ قلوبنا} عن الحق بمنع اللطف الذي يستحق معه أن تنسب قلوبنا إلى الزيغ. والثاني - قال أبو علي معناه لا تزغ قلوبنا عن الثواب بعد أن دعوتنا إليه ودللتنا عليه، ولا يجوز أن يكون المراد لا تزغ قلوبنا عن الايمان، لأنه تعالى كما لا يأمر بالكفر كذلك لا يزيغ عن الايمان. فان قيل: هلا جاز على هذا أن يقولوا: ربنا لا تظلمنا، ولا تجر علينا؟ قلنا لأن في تجر علينا تسخط السائل لاستعماله ممن جرت عادته بالجور، وليس كذلك {لا تزغ قلوبنا} على معنى سؤال اللطف، وان كان لا يجوز في حكمته تعالى منع اللطف. كما لا يجوز فعل الجور وذلك بمنزلة سؤال الملائكة في قولهم {أية : فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ربنا وادخلهم جنات عدن التي وعدتهم}تفسير : والله لا يجوز عليه خلف الوعد، كما لا يجوز عليه فعل الجور يبين ذلك قوله: {أية : فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم}تفسير : ومعناه فلما مالوا عن الحق نسب الله قلوبهم إلى الزيغ، لما كانت عليه. وإنما أضاف الزيغ إلى القلب، وإن كان المراد به الجملة لأن القلب أشرف الاعضاء، وهو محل السرور، والغم فلذلك خص بالذكر. اللغة: وقوله: {وهب لنا من لدنك رحمة} فالهبة مصدر وهبه يهبه هبة، فهو واهب. والشيء موهوب وتواهب الناس بينهم تواهباً واستوهبه استيهاباً. وأصل الباب الهبة، وهي تمليك الشيء من غير مثامنة. والهبة والنحلة والصلة نظائر. ومعنى من لدنك من عندك وفي لدن خمس لغات: لدن، ولدن - بضم اللام والدال - ولدن - بفتح اللام وتسكين الدال، وكسر النون - ولد - بحذف النون -.

الجنابذي

تفسير : {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا} عن الاستقامة على طريق الاعتراف بالعجز فيما لا نعلم وترك التّصرّف فى المتشابه الّذى لا نعلم تأويله والاقرار بأنّه من عند الله الى التّصرّف فيما لا نعلم والتفوّه بالآراء وتأويل المتشابه من عند انفسنا واتّباع ما يوافق منه اهواءنا {بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} الى التّسليم وترك الاستبداد بالاراء بقبول الولاية والبيعة الخاصّة {وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْوَهَّابُ} سألوا الابقاء على التّبرّى وازدياد التولّى، والهبة الاعطاء من غير عوضٍ وهذا المعنى على التّحقيق خاصّ بالله او من تخلّق باخلاقه، عن الكاظم (ع) انّ الله قد حكى عن قوم صالحين انّهم قالوا {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْوَهَّابُ}، حين علموا انّ القلوب تزيغ وتعود الى عماها ورداها انّه لم يخف الله من لم يعقل عن الله، ومن لم يعقل عن الله لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة يبصرها ويجد حقيقتها فى قلبه، ولا يكون احد كذلك الاّ من كان قوله لفعله مصدّقاً وسرّه لعلانيته موافقاً لانّ الله لم يدلّ على الباطن الخفىّ من العقل الاّ بظاهر منه وناطق عنه.

اطفيش

تفسير : {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا}: هذا وما بعده دعاء الراسخين، اعترضت فيه جملة {أية : وما يَّذكَّرُ إلا أولو الألباب} تفسير : فإنها ليست من كلامهم، وقيل: فى قوله {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ..} إلخ أنه مسـتأنف أمرنا أن نقوله، أى قولوا {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا} أى لا تملها عن دينك المستقيم، بعد إذ هديتنا إليه، ومنه الإيمان بالمحكم والمتشابه إلى اتباع المتشابه، وسبيل الشيطان من سبائل الضلال، إلا تأويله بتأويل حق فإنه دين الله، وإزاغة القلب خذلانه، لا جبر، والقلوب قابلة للزيغ، فدعا الراسخون فى العلم أن لا يميل قلوبهم عن الحق بعد الرسوخ فيه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أقامه على الحق، وإن شاء أزاغه عنه"تفسير : . ولفظ مسلم عن عبد الله ابن عمرو بن العاص: أنه سمعه صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : قلوب بنى آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد، يصرفها حيث يشاء"تفسير : ثم قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم أدم قلوبنا على طاعتك"تفسير : ، والمراد بالأصبيعين داعية الخير، وداعية الشر شبههما بالأصبعين فى كونهما وسيلتين فى أمر التقليب. والمراد: أن القلوب تحت قدرته تعالى - وعلى هذا ثنى الأصبع جرياً على ما اعتاده الإنسان فى التقلب. وقيل: {لا تُزِغْ قُلُوبَنَا} عبارة عن السبب بالمسبب، والمعنى: لا تبلنا ببلايا تزيغ قلوبنا كالتاليف الشاقة، والمصائب، واسباب الكفران. و"إذ" مضاف إليه، وزعم بعض أنها حرف مصدر هنا، أى بعد هدايتك إيانا، وقرىء: لا تزغ، ولا يزغ بمثناة مفتوحة تحتية، وفوقية مع رفه القلوب نهى منهم لقلوبهم أن تزيغ، والمراد: دعاء الله ألا تكون زائغة. {وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً}: توفيقاً وتثبيتاً على دينك. وقيل: مغفرة. وقيل إنعاماً فى الدنيا بالكفاف والاستقامة وفى الآخرة بالجنة. {إنَّك أَنْتَ الْوَهَّابُ}: هباتك عظيمات كثيرات، فالهدى والضلال من الله، يتفضل بالهدى على من يشاء، تفضلا به عليه، ولا واجب على الله تعالى.

اطفيش

تفسير : {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنا} عن الحق في المتشابه ولا في غيره، كما أزغت قلوب هؤلاء {بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنَآ} إليه، وقيل: ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا من كلام غير الراسخين، علمهم الله أن يقولوه، قالت عائشة كان صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يدعو بهذا الدعاء، "حديث : يا مثبت القلوب ثبت قلبى على دينك، فقلت: يا رسول الله، ما أكثر ما تدعوا بهذا الدعاء، فقال: ليس من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه"تفسير : ، رواه البخاري ومسلم والترمذي، وأصابع الرحمن من متشابه الحديث، والمراد عدم التخلص عنه بوجه، والله من ورائهم محيط، وهذا ظاهر في أن القلب يكون أولا على الإسلام حتى يزاغ بكسب العبد، كأنه قيل: فإن شاء أبقاه على الحق، وذكر الرحمن لأن ذلك أعظم رحمة، وتسند الإزاغة إلى الله جل وعلا كما يسند إليه الإضلال، ومعناهما الخذلان، وهو ترك الألطاف، كان أبو هريرة يقول: يا رب، لا أزنين، يارب لا أسرقن، يا رب لا أكفرن، وذلك دعاء منه، فقيل له، أو تخاف ذلك؟ قال: آمنت بمحرك القلوب ثلاثاً، أخرجه ابن سعد، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنما الإيمان بمنزلة القميص. مرة تقمصه ومرة تنزعه"تفسير : ، رواه الحاكم، قال أبو الدرداء، كان عبد الله بن رواحة إذا لقينى قال اجلس يا عويمر فلنؤمنن ساعة، فنجلس فيذكر الله تعالى على ما يشاء، ثم قال: يا عويمر، هذا مجلس الإيمان، إن مثل الإيمان ومثلك كمثل قميصك، بينما أنت قد نزعته إذ لبسته، وبينا أنت قد لبسته إذ نزعته يا عويمر للقلب أسرع تقلباً من القدر أن استجمعت غليانا، رواه الحكيم الترمذى، وقال أبو أيوب الأنصارى: ليأتين على الرجل أحايين وما في جلده موضع إبرة من إيمان، قلت هذا يتصور لدى الإيمان الكامل ومن دونه، وذو الإيمان الكامل خائف راج غير آمن من مكر الله سبحانه {وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنكَ} عندك {رَحْمَةً} إنعاماً بالتثبيت على الحق من المتشابه وغيره، أو بالجنة، أو بالمغفرة، أو نعمة هى نفس الحق وما ذكر {إنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ} لكل مطلوب أردت إعطاءه، إما بنفسه، أو ما هو مثله، أو خير منه، أو يدفع ضر أو ثواب في الآخرة. قال الطبرانى في معجمه الكبير: والمعجم ما وضع عل حروف المعجم ا ب ت ث عن أبى مالك الأشعرى، أنه سمع النبى صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لا أخاف على أمتى إلا ثلاث خلال: أن يكثر المال فيتحاسدوا فيقتتلوا، وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المرء يبتغى تأويله، وما يعلم تأويله إى الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب، وأن يزداد علمهم فيضيعوه ولا يسألوا عنه" تفسير : ، والآية دليل على أنه لا واجب على الله، لأن الفعل الذى يجب على الفاعل لا يسمى هبة، وقدم لنا للتشويق إلى ما يذكر بعده قبل أن يذكر.

الالوسي

تفسير : {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} يحتمل أن يكون من تمام مقالة الراسخين، ويحتمل أن يكون على معنى التعليم ـ أي قولوا: ربنا لا تزغ قلوبنا عن نهج الحق إلى اتباع المتشابه بتأويل لا ترتضيه بعد إذ هديتنا إلى معالم الحق من التفويض في المتشابه أو الإيمان بالقسمين، أو التأويل الصحيح، ويؤل المعنى إلى لا تضلنا بعد الهداية لأن زيغ القلوب في مقابلة الهداية ومقابلة الهداية الإضلال، وصحة نسبة ذلك إلى الله تعالى ـ على مذهب أهل السنة في أفعال العباد ـ ظاهرة، والمعتزلة يؤولون ذلك بنحو لا تبلنا ببلايا تزيغ بسببها قلوبنا ولا تمنعنا ألطافك بعد أن لطفت بنا، وإنما دعوا بذلك أو أمروا بالدعاء به لأن القلوب لا تتقلب، ففي «الصحيح» عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يدعو «حديث : يا مقلب القلوب ثبت قلبـي على دينك قلت: يا رسول الله ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء؟ فقال: ليس من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه»تفسير : . وأخرج الحكيم الترمذي من طريق عتبة بن عبد الله بن خالد بن معدان عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنما الإيمان بمنزلة القميص مرة تقمصه ومرة تنزعه» تفسير : والروايات بمعنى ذلك كثيرة وهي تدل على جواز عروض الكفر بعد الإيمان بطروّ الشك مثلاً والعياذ بالله تعالى، وفي كلام الصحابة رضي الله تعالى عنهم أيضاً ما يدل على ذلك فقد أخرج ابن سعد عن أبـي عطاف أن أبا هريرة كان يقول أي رب لا أزنين أي رب لا أسرقن أي رب لا أكفرن قيل له: أوَ تخاف؟ قال: آمنت بمحرف القلوب ثلاثاً. وأخرج الحكيم الترمذي عن أبـي الدرداء قال: «كان عبد الله بن رواحة إذا لقيني قال: اجلس يا عويمر فلنؤمن ساعة فنجلس فنذكر الله تعالى على ما يشاء ثم قال: يا عويمر هذه مجالس الإيمان إن مثل الإيمان ومثلك كمثل قميصك بينا أنت قد نزعته إذ لبسته وبينا أنت قد لبسته إذ نزعته يا عويمر للقلب أسرع تقلباً من القدر إذا استجمعت غلياناً»، وعن أبـي أيوب الأنصاري «ليأتين على الرجل أحايين وما في جلده موضع إبرة من النفاق وليأتين عليه أحايين وما في جلده موضع إبرة من إيمان». وادعى بعضهم أن هذا بالنسبة إلى الإيمان الغير الكامل وما رجع من رجع إلا من الطريق، وأما بعد حصول الإيمان الكامل والتصديق الجازم والعلم الثابت المطابق فلا يتصور رجعة وكفر أصلاً لئلا يلزم انقلاب العلم جهلاً وهو محال والتزم تأويل جميع ما يدل على ذلك، ولا يخفى أن هذا القول مما يكاد يجر إلى الأمن من مكر الله تعالى والتزام تأويل النصوص لشبهة اختلجت في الصدر هي أوهن من بيت العنكبوت في التحقيق مما لا يقدم عليه من له أدنى مسكة كما لا يخفى فتدبر. و {بَعْدَ} منصوب على الظرفية والعامل فيه {تُزِغْ}، و {إِذْ} مضاف إليه وهي متصرفة كما ذكره أجلة النحويين، وأما القول بأنها بمعنى أن المصدرية المفتوحة الهمزة، والمعنى ـ بعد هدايتنا فمما ذكره الحوفي في «إعراب القرآن» ولم ير لغيره، والمذكور في النحو أنها تكون حرف تعليل فتؤل مع ما بعدها بالمصدر نحو {أية : وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ }تفسير : [الزخرف: 39] أي لظلمكم فإن كان أخذ من هذا فهو كما ترى، وقرىء ـ لا تزغ ـ بالياء والتاء ورفع (القلوب). {وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ } كلا الجارين متعلق ـ بهب ـ وتقديم الأول اعتناءاً به وتشويقاً إلى الثاني، ويجوز تعلق الثاني بمحذوف هو حال من المفعول أي كائنة من لدنك، و {مِنْ } لابتداء الغاية المجازية، و ـ لدن ـ ظرف، وهي لأول غاية زمان أو مكان أو غيرهما من الذوات نحو ـ من لدن زيد ـ وليست مرادفة لعند بل قد تكون بمعناها، وبعضهم يقيدها بظرف المكان وهي ملازمة للإضافة فلا تنفك عنها بحال، فتارة تضاف إلى المفرد، وتارة إلى الجملة الإسمية أو الفعلية وقلما تخلو عن (من)، وفيها لغتان، الإعراب ـ وهي لغة قيس ـ والبناء وهي اللغة المشهورة ـ وسببه شبهها بالحرف في لزوم استعمال واحد وامتناع الإخبار بها بخلاف ـ عند، ولديّ ـ فإنهما لا يلزمان استعمالاً واحداً إذ يكونان فضلة، وعمدة وغاية وغير غاية، قيل: ولقوة هذا الشبه لا تعرب إذا أضيفت في المشهور واللغتان المذكورتان من الإعراب والبناء مختصان ـ بلدن ـ المفتوحة اللام المضمومة الدال الواقع آخرها نون، وأما بقية لغاتها فإنها فيها مبنية عند جميع العرب وفيها لغات المشهورة منها ما تقدم ـ ولدن ولدن ـ بفتح الدال وكسرها ـ ولَدْن، ولُدْن ـ بفتح اللام وضمها مع سكون الدال ـ ولدن بفتح اللام وضم الدال وبإبدال الدال تاءاً ساكنة ومتى أضيفت المحذوفة النون إلى ضمير وجب رد النون. {رَحْمَةً } مفعول ـ لهب ـ وتنوينه للتفخيم، والمراد بالرحمة الإحسان والإنعام مطلقاً، وقيل: الإنعام المخصوص وهو التوفيق للثبات على الحق، وفي سؤال ذلك بلفظ الهبة إشارة إلى أن ذلك منه تعالى تفضل محض من غير شائبة وجوب عليه عز شأنه وتأخير المفعول/ الصريح للتشويق {إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ } تعليل للسؤال أو لإعطاء المسؤول، و {أَنتَ } إما مبتدأ أو فصل أو تأكيد لاسم ـ إن ـ وحذف المعمول لإفادة العموم كما في قولهم: فلان يعطي واختيار صيغة المبالغة على فعال قيل: لمناسبة رؤوس الآي.

ابن عاشور

تفسير : دعاء عُلِّمَه النبي صلى الله عليه وسلم، تعليماً للأمة: لأنّ الموقع المحكي موقع عبرة ومثار لهواجس الخوف من سوء المصير إلى حال الذين في قلوبهم زيغ فما هم إلاّ من عقلاء البشر، لا تفاوت بينهم وبين الرّاسخين في الإنسانية، ولا في سلامة العقول والمشاعر، فما كان ضلالهم إلاّ عن حرمانهم التوفيق، واللطف، ووسائلَ الاهتداء. وقد عُلم من تعقيب قوله: {أية : هو الذي أنزل عليك الكتاب}تفسير : [آل عمران: 7] الآيات بقوله: {ربنا لا تزغ قلوبنا} أنّ من جملة ما قُصد بوصف الكتاب بأنّ منه محكماً ومنه متشابهاً، إيقاظَ الأمة إلى ذلك لتكون على بصيرة في تدبّر كتابها: تحذيراً لها من الوقوع في الضلال، الذي أوقع الأممَ في كثير منه وجودُ المتشابهات في كتبها، وتحذيراً للمسلمين من اتّباع البوارق الباطلة مثل ما وقع فيه بعض العرب من الردّة والعصيان، بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم لتوهّم أنّ التديّن بالدين إنّما كان لأجل وجود الرسول بينهم، ولذلك كان أبو بكر يدعو بهذه الآية في صلاته مدة ارتداد من ارتد من العرب، ففي «الموطأ»، عن الصُّنَابِحي: أنّه قال: «قدمتُ المدينة في خلافة أبي بكر الصديق فصليت وراءه المغرب فقام في الثالثة فدنوت منه حتى إنّ ثيابي لتكاد تمسّ ثيابه فسمعته يقرأ بأمّ القرآن وهذه الآية: {ربنا لا تزغ قلوبنا} الآية. فَزَيْغ القلب يتسبّب عن عوارض تعرض للعقل: من خلل في ذاته، أو دواعٍ من الخُلطة أو الشهوة، أو ضعف الإرادة، تحول بالنفس عن الفضائل المتحلّية بها إلى رذائل كانت تهجس بالنفس فتذودها النفس عنها بما استقرّ في النفس من تعاليم الخير المسمّاة بالهُدى، ولا يدري المؤمن، ولا العاقلُ، ولا الحكيم، ولا المهذّبُ: أيَّةَ ساعة تحلّ فيها به أسباب الشقاء، وكذلك لا يدري الشقي، ولا المنهمك، الأفن: أيَّةَ ساعة تحفّ فيها به أسباب الإقلاع عمّا هو متلبّس به من تغيّر خَلْق، أو خُلُق، أو تبدل خَليط، قال تعالى: {أية : ونقلّب أفئدتهم وأبصارهم}تفسير : [الأنعام: 110] ولذا كان دأب القرآن قرنَ الثناء بالتحذير، والبشارة بالإنذار. وقوله: {بعد إذ هديتنا} تحقيق للدعوة على سبيل التلطّف؛ إذ أسندوا الهَدْي إلى الله تعالى، فكان ذلك كرماً منه، ولا يرجع الكريم في عطيته، وقد استعاذَ النبي صلى الله عليه وسلم من السلب بعد العطاء. وإذْ اسم للزمن الماضي متصرّف، وهي هنا متصرّفة تصرّفاً قليلاً؛ لأنّها لمّا أضيف إليها الظرف، كانت في معنى الظروف، ولما كانت غير منصوبة كانت فيها شائبةُ تصرّفٍ، كما هي في يومئذٍ وحينئذٍ، أي بعد زمن هدايتِك إيانا. وقوله: {وهب لنا من لدنك رحمة} طلبوا أثَرَ الدوام على الهُدى وهو الرحمة، في الدنيا والآخرة، ومنع دواعي الزيغ والشر. وجعلت الرحمة من عند الله لأنّ تيسير أسبابها، وتكوين مهيّئاتها، بتقدير الله؛ إذ لو شاء لكان الإنسان معَرّضاً لنزول المصائب والشرور في كلّ لمحة؛ فإنّه محفوف بموجودات كثيرة، حيّة وغير حيّة، هو تلقاءَها في غاية الضعف، لولا لطف الله به بإيقاظ عقله لاتّقاء الحوادث، وبإرشاده لاجتناب أفعال الشرور المهلكة، وبإلهامه إلى ما فيه نفعه، وبجعل تلك القوى الغالبةِ له قوى عمياءَ لا تهتدي سبيلاً إلى قصده، ولا تصادفه إلاّ على سبيل الندور ولهذا قال تعالى: {أية : اللَّه لطيف بعباده}تفسير : [الشورى: 19] ومن أجلَى مظاهر اللطف أحوال الاضطرار والالتجاء وقد كنت قلت كلمة «اللّطْفُ عند الاضطرار». والقصر في قوله: {إنك أنت الوهاب} للمبالغة، لأجل كمال الصفة فيه تعالى؛ لأنّ هبات الناس بالنسبة لما أفاض الله من الخيرات شيء لا يعبأ به. وفي هذه الجملة تأكيد بإنّ، وبالجملة الاسمية، وبطريق القصر. وقوله: {ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه} استحضروا عند طلب الرحمة أحْوجَ ما يكونون إليها، وهو يومُ تكونُ الرحمة سبباً للفوز الأبدي، فأعقبوا بذكر هذا اليوم دعاءَهم على سبيل الإيجاز، كأنّهم قالوا: وهب لنا من لدنك رحمة، وخاصّة يوم تجمّع الناس كقول إبراهيم: {أية : ربنا اغفر لي ولوالديّ وللمؤمنين يوم يقوم الحساب}تفسير : [إبراهيم: 41] على ما في تذكّر يوم الجمع من المناسبة بعد ذكر أحوال الغواة والمهتدين، والعلماءِ الراسخين. ومعنى {لا ريب فيه} لا ريب فيه جديراً بالوقوع، فالمراد نفي الريب في وقوعه. ونفوه على طريقه نفي الجنس لعدم الاعتداد بارتياب المرتابين، هذا إذا جعلتَ (فيه) خبراً، ولك أن تجعله صفةً لريبَ وتجعلَ الخبر محذوفاً على طريقة لا النافية للجنس، فيكون التقدير: عندنا، أو لَنَا. وجملة {إن الله لا يخلف الميعاد} تعليل لنفي الريب أي لأنّ الله وعد بجمع الناس له، فلا يخلف ذلك، والمعنى: إنّ الله لا يُخلف خبرَه، والميعاد هنا اسم مكان.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 8- وأولئك العلماء العاقلون يقولون: ربنا لا تجعل قلوبنا تنحرف عن الحق بعد إذ أرشدتنا إليه، وامنحنا اللهم رحمة من عندك بالتوفيق والتثبيت إنك أنت المانع المعطى. 9- ربنا إنك جامع الناس ليوم لا شك فيه لتجازى كلاً على ما فعل، فقد وعدت بذلك وأنت لا تخلف الميعاد. 10- إن الكافرين لن تدفع عنهم فى ذلك اليوم أموالهم مهما عظمت، ولا أولادهم مهما كثرت، وسيكونون حطباً للنار تشتعل بهم. 11- وشأن هؤلاء قوم فرعون والكافرين من قبلهم، كذَّبوا بآيات الله مع وضوحها فنكَّل الله بهم بسبب ما ارتكبوه من الذنوب، والله شديد العقاب. 12- قل - يا أيها النبى - لهؤلاء الذين كفروا إنكم فى الدنيا ستهزمون وفى الآخرة ستعذبون، وتكون جهنم فِراشاً لكم وبئس الفِراش.

القطان

تفسير : ويطلب اولئك العلماء الراسخون في العلم الى الله كان الله ان يحفظهم من الزيغ بعد الهداية. ويهبهم الثبات على الإيمان فيقولون: ربنا لا تجعل قلوبنا تنحرف عن الحق بعد ان هديتنا اليه، وهبْ لنا رحمتك إنك أنت كثير النعم والافضال. وهذا تعليم من الله لنا ان نعرف حدودنا ونقف عندها، ونطلب منه تعالى دائما ان يثبِّتنا على الإيمان فلا يتركنا عرضة للتقلب والنسيان. {رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ...} وهذا من تتمة كلام الراسخين في العلم، وذلك لأنهم لما طلبوا من الله تعالى ان يصونهم عن الزيغ ويخصهم بالهداية والرحمة، فكأنهم قالوا: ليس الغرض من هذا السؤال ما يتعلق بمصالح الدنيا بل ما يتعلق بالآخرة. فاننا نعلم يا إلَهنا انك جامع الناس للجزاء يوم القيامة. فمن زاغ قلبه بقي في العذاب أبداً، ومن منحته الرحمة والهداية بقي في السعادة والكرامة أبدا.

د. أسعد حومد

تفسير : (8) - وَهَؤُلاَءِ الرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ، مَعَ إيمَانِهِمْ بِالمُتَشَابِهِ، فَإنَّهُمْ يَسْألُونَ اللهَ أنْ يَحْفَظَهُمْ مِنَ الزَّيْغِ بَعْدَ الهِدَايَةِ، وَأنْ يَهَبَهُمْ الثَّبَاتَ عَلَى مَعْرِفَةِ الحَقِيقَةِ، وَالاسْتِقَامَةَ عَلَى الطَّرِيقَةِ، وَيَقُولُونَ: رَبَّنا لا تُحِلْ قُلُوبَنا عَنِ الهُدَى بَعْدَ أنْ أقَمْتَها عَلَيْهِ، وَامْنَحْنَا مِنْ عِنْدِكَ رَحْمَةً تُثَبِّتُ بِهَا قُلُوبَنَا، وَتَزِيدُنا بِهَا إيمَاناً وَيَقِيناً، إنَّكَ يَا رَبِّ أنْتَ المُعْطِي الوَهَّابُ. الوَهَّابُ - الكَثِيرُ العَطَاءِ. لاَ تُزِغْ قُلُوبَنا - لاَ تُمِلْها عَنِ الحَقِّ وَالهُدَى.

الثعلبي

تفسير : {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا} : أي ويقول الراسخون كقوله في آخر السورة: {أية : وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ رَبَّنَا}تفسير : أي ويقولون {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا} لا تملها عن الحق والهدى، كما ازغت قلوب اليهود والنصارى، والذين في قلوبهم زيغ. يُقال : زاغ يزيغ ازاغة إذا مال. وزاغ تزيغ زيغاً وزيوغاً وزيغاناًاذا حال. {بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا}: وفقنا لدينك، والإيمان بالمحكم والمتشابه من كتابك. {وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً}: وآتنا من لدنك رحمة وتوفيقاً وتثبيتاً للذي نحن عليه من الهدى والإيمان. وقال الضحاك: تجاوزاً ومغفرة الصدَّق (.....) على شرط السنة. {إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْوَهَّابُ}: تعطي. وفي الآية ردَّ على القدرية. وروى عن أسماء بنت يزيد:حديث : أنَّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان يُكثر في دعائه: "اللهم (يا) مقلَّب القلوب ثبَّت قلبي على دينك". قالت : فقلتُ : يا رسول اللّه وإنَّ القلوب لتقلب؟ قال : نعم ما خلق اللّه من بني آدمَّ من بشر إلاّ وقلبه بين اصبعين من أصابع الله عزّ وجلّ فإن شاء أزاغه، وإن شاء أقامه على الحق، فنسأل اللّه تعالى أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسألهُ أن يهبْ لنا من لدنه رحمةً إنَّهُ هو الوهاب. قالت : قلت : يا رسول اللّه ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي؟ قال : بلى قولي : "اللهم ربَّ محمّد النبي،اغفر لي ذنبي، واذهب غيظ قلبي وأجرني من مضلاّت الفتن ما أحييتني". تفسير : وعن أبي موسى الأشعري قال : وإنما مثلُ القلب مثل ريشة بفلاة من الأرض. خالد بن معدان عن أبي عبيدة بن الجراح : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إنّ قلب ابن آدم مثل العصفور يتقلب في اليوم سبع مرات. {رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ}: (بالبعث ليوم القيامة) وقيل : اللام بمعنى في أيَّ يوم. {لاَّ رَيْبَ فِيهِ}: لا شك فيه وهو يوم القيامة (... ) عندما قرأ الآية (... ) ولذلك انصرف عن الخطر الى الخبر. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَاد} وهو مفعال من الوعد. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ} قرأ السلمي (يغني) بالياء المتقدمة من الفعل ودخول (الحائل) بين الاسم والفعل. وقرأ الحسن (لن يغني) بالياء وسكون الياء الأخيرة كقول الشاعر: شعر : كفى باليأس من أسماء كافي وليس لسقمها إذا طال شافي تفسير : وكان حقّه أن يقول: كافياً، فأرسل الياء، وأنشد الفرّاء في مثله: شعر : كأن أيديهنّ بالقاع القرق أيدي جوار يعاطين الورق تفسير : القرق والقرقة لغتان في القاع. ومعنى قوله (لن يغني): أي لن ينفع، ولن يدفع وإنما سمى المال غنى؛ لأنه ينفع الناس ويدفع عنهم الفقر والنوائب. {عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} . قال الكسائي وقال أبو عبيدة: معناه عند اللّه شيئاً، من بمعنى الحال. {أُولَـٰئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ} {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ} نظم الآية {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم}: عند حلول النقمة والعقوبة مثل آل فرعون، وكفَّار الأمم الخالية عاقبناهم فلن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم. وأما معنى {كَدَأْبِ}: فقال (ابن عباس) وعكرمة ومجاهد والضَّحاك وأبو روق والسدَّي وابن زيد: كمثل آل فرعون (مع موسى) يقول كعب اليهود : لكفر آل فرعون والذين من قبلهم. ربيع والكسائي وأبو عبيدة : كسنّة آل فرعون. الأخفش : كأمر آل فرعون. قال أمرؤ القيس: شعر : كدأبك من أم الحويرث قبلها وجارتها أم الرباب بمأسل تفسير : وهذا أصل الحرف يقال : دائب في الأمر أو أبة دأباً ودائب (ويدأ ودءوبا) إذا أدمنت العمل ونعيته. وأدأب السير أدآباً ، فإنَّما يرجع معناه الى النَّساب والحاك والعادة. قال الشاعر: شعر : لأرتحلن بالفجر ثمّ لادئبنّ تفسير : قال سيبويه : موضع الكاف رفع؛ لأن الكاف للتشبيه تقوم مقام الاسم، وتقديرهُ : دأبهم {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} كدأب الأمم الماضية {كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ}: فعاقبهم. {بِذُنُوبِهِمْ}: نظيره قوله {أية : فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ} تفسير : [العنكبوت: 40] . {وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} {قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ}: قرأ إسحاق وثابت والأعمش وحمزة والكسائي وخَلْقٌ بالياء فيهما، الباقون بالتاء، فمن قرأهما بالياء فعلى الأخبار عنهم أنَّهم يحشرون ويقلبون، ومن قرأهما بالتاء فعلى الخطاب أي قلَّ لهم إنكم ستغلبون وتحشرون وكلا الوجهين (صحيح)؛ لأنه لم يوح إليهم، واذا كان المخاطب بالشيء غير حاضر وكانت مخاطبته (في) الكلام بالتاء على الخطاب، وبالياء على الأخبار والأعلام كما تقول : (قل لغير اللّه ليضربن ولتضربن). واختلف المفسرون في المعنى لهذه الآية من هم؟ فقال مقاتل: هم مشركو مكَّة، ومعنى الآية قيل لكفَّار مكّة : ستغلبون يوم بدر وتحشرون في الهجرة، فلما نزلت هذه الآية قال النبي صلَّى اللّه عليه وسلَّم للكافرين يوم بدر: "حديث : إنَّ اللّه غالبكم وحاشركم الى جهنَّم ". تفسير : دليلُ التأويل قوله تعالى: {أية : سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ} تفسير : [القمر: 45]. وقال بعضهم : المراد بهذه الآية اليهود. وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس : حديث : إنَّ يهود أهل المدينة قالوا لمَّا هَزَمَ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم المشركين يوم بدر: هذا واللّه النبي الأمَّي الذي بشَّرنا به موسى ونجده في كتابنا بنعته وصفته، وأنَّه لا تردُّ له راية، وأرادوا تصديقه واتَّباعه، ثم قال بعضهم لبعض: لا تعجلوا حتى الى وقفة أخرى به، فلمَّا كان يوم أُحدْ ونكب أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم شكَّوا وقالوا: لا واللّه ما هو به فغلبَ عليهم الشقاء ولم يسلموا، وقد كان بينهم وبين رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عهدُ الى مدة لم تنقضِ فنقضوا ذلك العهد من أجله. وإنطلق كعب بن الإشرف في ستين راكباً الى أهل مكَّة، أبي سفيان واصحابه، فوافقوهم وأجمعوا أمرهم على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لتكون كلمتنا واحدة، ثم رجعوا الى المدينة، فأنزل اللّه فيهم هذه الآية. تفسير : وقال محمد بن إسحاق عن رجاله لمَّا أصاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قريشاً ببدر، وقدِم الى المدينة جمع اليهود في سوق قينقاع فقال: "حديث : يا معشر اليهود إحذروا من اللّه مثل ما نزل بقريش يوم بدر وأسلموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم قد عرفتم إنَّي نبي مرسل تجدونَ ذلك في كتابكم وعهدَ اللّه إليكم". تفسير : فقالوا: يا محمَّد لا يغرنَّك أن لقيت قوماً أغماراً لا علم لهم بالحرب فأصبت فيهم فرصة، لك واللّه لو قاتلناك لعرف منا البأس، فأنزل اللّه تعالى {قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا} : يعني اليهود ستغلبون وتهزمون وتحشرون الى جهنَّم في الآخرة، وهذه رواية عكرمة، وسعيد بن جبير عن ابن عباس. قال : أهل اللغة إشتقاق جهنَّم من الجهنام وهي البئر البعيدة القعر. {وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} يعني النار {قَدْ كَانَ} ولم يقل كانت؛ لأنّ (آية) تأنيهثا غير حقيقي، وقيل : ردّها] الى البيان أي: قد كان لكم بيان فذهبَ الى المعنى وترك اللفظ كقول امرؤ القيس: شعر : برهرهة رأدة رخصة كخر عوبة البانة المنقطر تفسير : ولم يقل المنقطرة؛ لأنَّه ذهب الى القضيب، وقال الفراء : ذكَّره؛ لأنَّه فرق بينهما بالصفة فلما حالت الصفة بين الفعل والاسم المؤنث ذكَّر الفعل وأنَّثه: شعر : إنَّ أمرؤاً غرَّه منكره واحدة بعدي وبعدك في الدنيا لمغرورُ تفسير : وكل ما جاء في القرآن من هذا النحو، فهذا وجهه، فمعنى الآية {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ}: أي عبرة ودلالة على صدق ما أقول لكم ستغلبون. {فِي فِئَتَيْنِ}: فرقتين وجماعتين وأصلها في الحرب من بعضهم بقى الى بعض. {ٱلْتَقَتَا} يوم بدر. {فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}: طاعة لله وهم رسول اللّه صلَّى اللّه عليه وسلَّم وأصحابه، وقد كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، على عدَّة أصحاب طالوت الَّذين جازوا معه النهر وما جازَ معه إلاّ مؤمن، سبعة وسبعون رجلاً من المهاجرين ومئتان وستة وثلاثون رجلاً من الأنصار. وكان صاحب راية النبي صلى الله عليه وسلم والمبارزين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وصاحب راية الأنصار سعد بن عبادة، وكانت الإبل في جيش النبي صلى الله عليه وسلم سبعين بعيراً والخيل فرسين: فرس للمقداد بن عمر الكندي، وفَرسْ لمرثد بن أبي فهد العنزي، وكان معهم من السلاح : ستة أدرع وثمانية سيوف وجميع من أستشهد من المسلمين يوم بدر أربعة عشر رجلاً من المهاجرين وثمانية من الأنصار. {وَأُخْرَىٰ} وفرقة أخرى {ٰ كَافِرَةٌ}: وهم مشركو مكّة ورأسهم عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وكانوا تسعمائة وخمسين رجلاً مقاتلاً وكانت خيلهم مائة فرس، وكان حرب بدر مشهد شهده رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وكان سبب ذلك أعين بن سفين، وإختلف القرَّاء في هذه الآية، قرأها منهم {فِئَةٌ} بالرفع على معنى منهما فئة أو إحداهما فئة. وقرأ الزهري بالخفض على البدل من الفئتين. وقرأ ابن السميقع: فما، على المدح. وقرأ مجاهد: تقاتل بالياء ردَّه الى القوم وجهان على لفظه، وقرأ الباقون بالتاء. {يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ} قرأ أبو رجاء وأبو الحرث والحسن، وأبو جعفر، وشيبة ونافع ويعقوب وأيوب بالتاء وإختاره أبو حاتم، الباقون بالياء، والباقون ممن قرأ بالتاء بمعناه ترونَ يا معشر اليهود والكفار أهل مكَّة مثلي المسلمين. ومن قرأ بالياء فأختلف في وجهه فجعل بعضهم الخطاب للمسلمين، ثم له تأويلان أحدهما: ما يرى المسلمون المشركين مثلهم في العدد، ثم ظهر العدد القليل على العدد الكثير بخمس أمثال فتلك الآية فإن قيل كذا جاز أن يقول مثليهم وهم قد كانوا ثلاثة أمثالهم، فالجواب أن يقول: هذا مثل وعندك عبدٌ محتاج إليه وإلى مثله، إحتاج الى مثلَيه فأنت محتاج الى ثلاثة، ويقول : معي ألف وأحتاج الى مثليه فأنت محتاجٌ الى ثلاثة آلاف، فإذا نويت أن يكون الألف داخلاً في المثل كان المثل والاثنان ثلاثة. قاله الفرَّاء: التأويل الآخر أن معناه يرى المسلمون المشركين مثلي عدد أنفسهم قللهم اللّه في أعينهم حتى رأتها ستمائة وستة وعشرون، وكانوا ثلاثة أمثالهم تسعمائة وخمسين، ثم قلّلهم في أعينهم في حالة أخرى حتى رأتها مثل عدد أنفسهم. قال ابن مسعود: في هذه الآية نظرنا الى المشركين فرأيناهم يضاعفون علينا، ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا ولا واحداً، ثم قللهم اللّه في أعينهم حتى رأتهم عدداً يسيراً أقل عدداً من أنفسهم. وقال ابن مسعود أيضاً : لقد قلَّلوا في أعُيننا يوم بدر حتى قلت لرجُل الى جنبي : تراهم سبعين؟ قال : أراهم مائة. قال : فأسرنا رجلاً منهم فقلنا : كم كنتم؟ قال : ألفاً، وقال بعضهم: الروية راجعة الى المشركين يعني : يرى المشركون المؤمنين مثليهم قلَّلهم اللّه في أعينهم قبل القتال يعني في أعين المشركين ليجترؤا عليهم ولا ينصرفوا، فلمّا أخذوا في القتال كثّرهم في أعينهم ليجبنوا وقلّلهم في أعين المؤمنين ليجتروا فذلك قوله: {أية : وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِيۤ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً} تفسير : [الأنفال: 44] الآية. محمَّد أبي الفرات عن سعيد ابن أبي آوس في قوله: {يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ ٱلْعَيْنِ} قال: كان المشركون يرون المسلمين مثليهم فلمَّا أسروهم سألهم المشركون كم كنتم؟ قالوا : ثلاثمائة وبضعة عشرة، قالوا : ما كنَّا نراكم إلاّ تضاعفون علينا، قال : وذلك ممَّا نصر به المسلمون. وقرأ السلمي {يَرَوْنَهُمْ} بضم الياء على مالم يسمي فاعله وإنْ شئت على معنى الظن. {رَأْيَ ٱلْعَيْنِ} أي في رأي العين نصب ونزع حرف الصفة وإن شئت على المصدر أي ترونهم رأي العين، أي: في نظر العين يقال : رأيت الشيء رأياً ورؤية ورؤيا ثلاث مصادر إلاّ أنَّ الرؤيا أكثر ما يستعمل في المنام ليفهم في رأى العين بمعنى النظر إذا ذكر. وقال الأعشى: شعر : فلما رأى لا قوم من ساعة من الرأي ما أبصروه وما أكتمن تفسير : {وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ}: يقوي {وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ إِنَّ فِي ذٰلِكَ}: التي ذكرت {لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ} : لذوي العقول، وقيل : لمن أبصر الجمعين. {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ}: جمع شهوة وهي نزوع عن النفس إليه، وإنَّما حُركَّت الهاء في الجمع ليكون فرقاً بين جمع الاسم وبين جمع النعت؛ لأنَّ النعت لا تحرك نحو : ضخمه، ضُخمات، وحبلة حبلات، والاسم يُحرك مثل : تمرة وتمرات، هو نفقة الجيل ونفقات، فإذا كان ثاني الاسم تاء أو واواً، فأكثر العرب على تسكينها (إستثقالاً) لتحريك الياء والواو كقولك : بيضة وبيضات، جوزة وجوزات. وعن أنس بن مالك أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال :"حديث : حُفَّت الجنَّة بالمكاره وحُفَّت النَّار بالشهوات ". تفسير : { مِنَ ٱلنِّسَاءِ}: بدأ بهنَّ؛ لأنهنَّ حبائل الشيطان وأقرب الى الافتان. {وَٱلْبَنِينَ}: عن القاسم بن عبد الرحمن قال: حديث : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم للأشعث بن قيس: هل لك من ابنة حمزة من ولد؟ قال: نعم لي منها غلام ولوددت أن لي به جفنة من طعام أطعمها من بقي من بني حيلة،فقال النبي صلى الله عليه وسلم لئن قلت ذلك إنَّهم لثمرة القلوب وقرَّة الأعين وإنَّهم مع ذلك لمجبنة مبخلة محزنة. تفسير : {وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ}: المال الكثير بعضه على بعض. ابن كيسان: المال العظيم، أبو عبيدة: تقول العرب هو أن لا يُحدَّ. وقال الباقون: فلا محدود، ثم اختلفوا فيه،فروى أبو صالح عن أبي هريرة أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : القنطار : إثنا عشر ألف أوقية". تفسير : وعن يزيد الرقاشي قال: حديث : دخلت أنا وثابت وناسٌ معنا الى أنس بن مالك فقلنا له : يا أبا حمزة ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في قيام الليل؟ قال أنس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من قرأ في ليلة خمسين آية لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ مائة آية أعطي قيام ليلة كاملة، ومن قرأ مائتي آية ومعه القرآن فقد أدَّى حَقَّه، ومن قرأ خمسمائة آية الى أن يبلغ ألف آية كان كمن تصدَّق بقنطار قبل أن يصبح، قيل : وما القنطار؟ قال : ألف دينار. تفسير : سالم بن أبي الجعد عن معاذ بن جبل قال: القنطار ألف ومائتا أوقيَّة، وهو قول ابن عمر ومثله روي زر بن حبيش عن أُبي بن كعب: عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال: "حديث : القنطار ألف أوقية ومائتا أوقية". تفسير : وروى عطية عن ابن عباس وعبدالله بن عمر عن الحكم عن الضحاك: "حديث : إنَّ القنطار ألف ومائتا مثقال". تفسير : ومثله روى يونس عن الحسن عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مرسلاً. روي حمزة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : القنطار ألف دينار". تفسير : سعيد بن جبير عن عكرمة: هو مائة ألف ومائة مَنْ، ومائة (رطل) ومائة مثقال ومائة درهم،ولقد جاء الإسلام يوم جاء (وبمكة) مائة رجل. (وعن سفيان عن) إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح قال: القنطار: مائة رطل. فقال الحكم: القنطار ما بين السماء والأرض من مال. أبو نظرة: مسك ثور ذهباً أو فضَّة. سعيد بن المسيَّب وقتادة: ثمانون ألفاً. ليث عن مجاهد القنطار: سبعون ألفاً. شريك: أربعون ألف مثقال. الحسن: القنطار ديَّة أحدكم. ومثله روى الوالبي عن ابن عباس وجويبر عن الضحَّاك قال : إثنا عشر ألف درهم أو ألف دينار ديَّة أحدكم. وعن أبي حمزة الثمالي قال : القنطار بلسان أفريقيا والأندلس ثمانية آلاف جروال من ذهب أو فضة. وروى الثمالي عن السدي قال: أربعة آلاف مثقال. قال الثعلبي: ورأيت في بعض الكتب أنّ القناطير [مأخوذة من عقد الشيء وإحكامه] وأصلها من الإحكام يقال: قنطرت الشيء إذا أحكمته، ومنه سمَّيت القنطرة المقنطرة. قال الضحاك : المقنطرة: المحصنَّة المحكمة. قتادة: هي الكثيرة المنضدة بعضها فوق بعض كأنّها المدفونة يقال : قنطر إذا كثر. السدي: المخزونة المنقوشة حتى صارت دراهم ودنانير. قال الفراء: المضعَّفة كأن القنطار ثلاثة والمقنطرة تسعة. أبو عبيدة: هو مفعللة من القنطار مثل قولك ألف مؤلَّف. {مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ}: قيل سُمَّي الذهب ذهباً؛ لأنه يذهب ولا يبقى، والفضَّة؛ لأنَّه تنفض أي تفرق. {وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ}: الخيل جمع هو لا واحد له من لفظه. واحدهُ "فرس" كالقوم والنساء والرهط والجيش ونحوها. واختلف العلماء في معنى "المسومة" فقال مجاهد، وسعيد بن جبير، والربيع: هي الراعية. ومثله روى عطيَّة عن ابن عباس والحسن : هي المرعيّة يُقال : سامت الخيل يسوم سوماً، فهي سائمة، وأسمتها أنا إذا تركتها لذلك فهي مسامة، وسوَّمتها تسويماً فهي مسوَّمة. قال اللّه: {أية : فِيهِ تُسِيمُونَ} تفسير : [النحل: 10]. وفيهُ قول الأخطل: شعر : مثل ابن بزعة أو كآخر مثله أولى لك ابن مسيمة الاجال تفسير : يعني : ابن الابل. حبيب بن أبي ثابت،وابن أبي نجيع عن مجاهد: المطهَّمة الحسان ليث عنها المصوَّرة، وعن عكرمة: تسويمها حسنها. السدَّي : هي الرايعة، وكلها بمعنى واحد. أبو عبيدة، والحسن، والاخفش، والقتيبيَّ : المعلَّمة. ومثلهُ روى الوالبي عن ابن عباس. قتادة : شيباتها وألوآنها، المؤرَّج المكويَّة، المبرد : المعرفة في البلدان. ابن كيسان : اليحلق وكلها قد قسارية وأصلها من السومة، والمسيما وهي العلامة. يُقال : سومت الخيل تسويماً إذا علمتها. قال اللّه تعالى: {أية : بِخَمْسَةِ آلاۤفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُسَوِّمِينَ} تفسير : [آل عمران: 125]. قال النابغة في صفة الخيل: شعر : بسمر كالقداح مسوَّمات عليها معشر اشبها جنَّ تفسير : وقال الأعشى: شعر : وفرسان الحفاظ بكل ثغر يقودون المسوَّمة العرابا تفسير : وقال ابن زيد وأبان بن ثعلب : المسومة: المعدَّة للحرب والجهاد. قل لبيد: شعر : ولعمري لقد بلي كليب كلَّ قرن مسوَّم القتال تفسير : قال الثعلبي : ورأيتُ في بعض التفاسير: أنَّها الهماليخ. فصل في الخيل "صفة خلقها" روى الحسن بن علي عن أبيه علي (عليه السلام) قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّ اللّه لما أراد أن يخلق الخلق قال للريح الجنوب: إنَّي خالقٌ منكِ خلقاً. فأجعله عزّاً لأوليائي، ومذلة على أعدائي، وجمالاً لأهل طاعتي، فقال الريح: أخلق. فقبض منها قبضةً فخلق فيها فرساً. فقال له: خلقتك عربياً وجعلت الخير معقوداً بناصيتك، والغنائم مجموعة على ظهرك، عطفتُ عليك صاحبك، وجعلتك تطيرُ بلا جناح، وأنت للطلب وأنت للهرب، وسأجعل على ظهرك رجالاً يسبَّحوني ويحمدونني، ويهلَّلوني ويكبَّروني، تسبَّحين إذا سبَّحوا، وتهلَّلين إذا هلَّلوا، وتكبَّرين إذا كبرَّوا". تفسير : وقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من تسبيحة، وتحميدة وتمجيدة، وتكبيرةُ يكبّرها صاحبها وتسعهُ إلاّ وتجيبه بمثلها". تفسير : ثم قال: "حديث : لما سمعت الملائكة صفة الفرس عاتبوا خالقها قالت: ربَّ نحن ملائكتك نسبّحك، ونحمدك فماذا لنا؟ فخلق اللّهُ لها خيلاً بلقاء أعناقها كأعناق البخت، قال: فلما أرسل الفرس الى الأرض فأستوت قدماه على الأرض صهَل، فقيل: بوركتِ من دابَّة أذلَّ بصهيلهِ المشركين، أذل به أعناقهم، أملأ منه آذانهم، وأرعب به قلوبهم. فلما عرض الله على آدم من كل شيء قال : أختر من خلقي ماشئت، فاختار الفرس. فقال له: اخترت عزّك وعزّ ولدك خالداً ما خلدوا وباقياً مابقوا. (يلقح فينتج منه أولادك أبد الآبدين) بركتي عليك وعليه؛ ما خلقتُ خلقاً أحبَّ الي منك ومنهُ". تفسير : فضلها: روى أبو صالح عن ابيه عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم "حديث : الخيل معقود في نواصيها الخير الى يوم القيامة". تفسير : وعن سعيد بن عروبة عن قتادة عن أنس قال : لم يكن شيءٌ أحبَّ الى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بعد النساء من الخيل. وعن أبي ذرَّ قال : قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليس من فرس عربي إلاّ يؤذن لهُ مع كل فجر يدعو بدعوتين يقول : اللَّهم خولتني من خولتني من بني آدم، وجعلتني له، فاجعلني أحبُّ ماله وأهله إليه، أو من أحب مالهُ وأهلهُ إليه". تفسير : شأنها: عن أبي وهب الحسيني، وكانت له صحبة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : وارتبطوا الخيل، وامسحوا نواصيها وأكفالها، وقلدوها ولا تقلدوها الاوتار، وعليكم بكل كميت أغرَّ محجَّل أو أشقر محجل، أو أدهم أغرَّ محجَّل". تفسير : وروى أبو زرعة عن أبي هريرة قال : كان النبي يكره الشكال من الخيل، قال أبو عبد الرحمن: الشكال من الخيل أن يكون ثلاث قوائم محجلة وواحدة مطلقة أو يكون ثلاث قوائم مطلقة، ورجل محجلة، وليس تكون الشكال إلا في الرجل. وروى سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "حديث : الشؤم في ثلاثة : المرأة والفرس والدار". تفسير : وجوهها: زيد بن أسلم عن أبي صالح التمار عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال : "حديث : الخيل لثلاثة : لرجل أجر، ولرجل ستر. ولرجل وزر، فأما الذي هو له أجر فرجلٌ ربطها في سبيل اللَّه، فأطال لها في مرج أو روضة فما أصابت في طيلها ذلك من المرج والروضة، كانت له حسنات ولو أنها قطعت طيلها فأستنت شرفاً أو شرّفن كانت أن آثارها و أورواثها حسنات له. ولو أنَّها مرَّتْ بنهر فشربت منهُ، ولم يردْ أنْ يسقيها منهُ كان ذلك حسنات لهُ؛ فهي لذلك أجر. ورجلٌ ربطها تقنَّناً وتعففاً، ولم ينسَ حق اللَّه في رقابها وظهرها فهي لذلك ستر. ورجلٌ ربطها فخراً ورياء ونوى لأهل الإسلام فهي على ذلك وزر". تفسير : وعن خباب بن الأرث قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : الخيل ثلاثة؛ فرس للرحمن، وفرس للأنسان، وفرس للشيطان؛ فأمّا فرس الرحمن فما اتخذ في سبيل اللَّه، وقتل عليه أعداء اللَّه، وأما فرس الإنسان فما استبطن ويحمل عليه، واما فرس الشيطان فما روهب ورُهن عليه وقومِر عليه". تفسير : {وَٱلأَنْعَامِ}: جمع نعم وهي الابل والبقر والغنم، جمعٌ لا واحد له من لفظه. {وَٱلْحَرْثِ}: يعني الزرع. {ذٰلِكَ}: الذي ذكرت. {مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}: لا عتاد المعاد والعقبى. {وَٱللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ ٱلْمَآبِ}: أي المرجع مفعل من أب، يؤوب أوباً مثل المتاب. زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعتُ عبد اللَّه بن الأرقم وهو يقول لعمر (رضي الله عنه) : يا أمير المؤمنين إنّ عندنا حلية من حلية جلود وآنية من ذهب وفضّة فما رأيك فيها. فقال عمر: إذا رأيتني فارغاً فائتني، فقال: يا أمير المؤمنين إنَّك اليوم فارغٌ. قال : فما نطلق معهُ، فجيء بالمال. فقال: أبسطهُ قطعاً، فبسط ثم جيء بذلك المال وصبَّ عليه ثم قال : "اللهم إنَّك ذكرتَ هذه المال فقلت : {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ مِنَ ٱلنِّسَاءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ} ثم قلت {أية : لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ} تفسير : [الحديد: 23] اللهم إنا لا نستطيع أنْ لا نفرح بما آتينا، اللهم انفقهُ في حق، وأعوذ بك منهُ، قال: فأتى بابن له يحمله، يقال له عبد الرحمن، فقال : يا أبه هب لي خاتماً. قال : إذهب الى أمك تسقيك سويقاً، فلم يعطهِ شيئاً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : فكأن قول الراسخين في العلم: إن كل محكم وكل متشابه هو من عند الله، والمحكم نعمل به، والمتشابه نؤمن به، فهذه هي الهداية؛ ثم يكون الدعاء بالثبات على هذه الهداية، والمعنى: يا رب ثبتنا على عبادتك ولا تجعل قلوبنا تميل أو تزيغ. وهذا يدلنا على أن القلوب تتحول وتتغير؛ لذلك يأتي القول الفصل بالدعاء على الثبات الإيماني: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْوَهَّابُ} [آل عمران: 8]. إنهم يطلبون رحمة هبة لا رحمة حق، فليس هناك مخلوق له حق على الله إلا ما وهبه الله له. والراسخون في العلم يطلبون من الله الرحمة من الوقوع في الهوى بعد أن هداهم الله إلى هذا الحكم السليم بأن المتشابه والمحكم كل من عند الله ويعلموننا كيف يكون الطريق إلى الهداية وطلب رحمة الهبة. والراسخ في العلم ما دام قد علم شيئاً فهو يريد أن يشيعه في الناس، لذلك يقول لنا: إياكم أن تظنوا أن المسألة مسألة فهم لنص وتنتهي، إن المسألة يترتب عليها أمر آخر، هذا الأمر الآخر لا يوجد في الدنيا فقط، فهناك آخرة، فالدنيا مقدور عليها لأنها محدودة الأمد ومنتهية، ولكن هناك الآخرة التي تأتي بعد الدنيا حيث الخلود، فيقول الحق على لسان الراسخين في العلم: {رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {مِن لَّدُنْكَ} معناه من عِنْدِكَ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن طلب الهداية لآية التأويلات بالدراية {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا} [آل عمران: 8]، إشارة في التحقيق الآيتين: إن الله تعالى بعد أن ذكر الراسخين في العلم وتذكر أولوا الألباب، ذكر وظيفة حالهم شكر المنعم وحفظاً للنعمة، وألهم لمزيد النعمة بقوله تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} [آل عمران: 8]، هذا الحال لمن هدى إلى صراط مستقيم، {رَبَّنَا} [آل عمران: 8]؛ أي: خالقنا ومربينا وهدينا، {لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا} [آل عمران: 8]، عن صراطك المستقيم باستيلاء أهوائنا، وغلبات شهواتنا، وظلمات طبائعنا، {بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} [آل عمران: 8]، إلى حضرة جلالك ونورت قلوبنا بأنوار جمالك، حتى سمعنا بلب التنزيل، وانصرنا بلب أنصارنا لب التأويل، وتذكرنا بلب عقولنا لب علوم علمتنا، كما أزغت قلوبنا بعد إذ هديتنا في الميثاق إلى شهود شواهد جمالك، واستماع مقالك وحسن إجابة سؤالك، وجبت علينا من سجال نوالك وفيض فضلك وأفضالك، مجيئنا بشهودنا عن شهودك، ووجودك وبوجودنا عن وجودك، وبتفقدنا عن تفقدك، وغيبتنا بنا عنك بأوصافنا عن أوصافك، وبذواتنا عن ذاتك، {وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْوَهَّابُ} [آل عمران: 8]، تجذبنا عن لَدُنا إلى لدنك عنا، [وتقربنا] بك بصفاتك عن صفاتنا، وبذاتك عن ذواتنا، وهذا وظيفة الحال لأرباب هذه الأحوال أن لا يسكنوا ولا يقفوا مع حال، وإن يعلموا أن لا نهاية لمواهبه، ولا غاية لمطالب طالبه فيكونوا إلى الأبد طلاباً، كما كان الله تعالى من الأزل إلى الأبد وما باقي قوله تعالى: {رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ} [آل عمران: 9]، إشارة إلى: إن بعد هذه الدار داراً وهي دار القرار، وإن النعم للإبرار، وإن الجحيم للفجار، وإن مكسب البر والفجور هذه الدار، وإن أجر البر والفاجر {لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ} [آل عمران: 9]؛ ولهذا يجمعهم ليوفيهم أجورهم التي كسبوا من الخير والشر بالثواب والعقاب، كقوله تعالى: {أية : فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} تفسير : [آل عمران: 25]، فلا تسكنوا عن الطلب، وتجهدوا بالنصب، وتزودوا للمعاد، وتزودوا في التعب، فإن حصول الأرب بقدر رعاية الأدب في الطلب ومقاساة التعب والنصب، وتزودوا للمعاد من زاد التقوى فإنها خير الزاد، {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ} [آل عمران: 9]. ثم أخبر عن قوم لم يتزودوا، وأزيد الزاد للمعاد ولا يفنى عنهم الأموال والأولاد بقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} [آل عمران: 10]، إِشارة في تحقيق الآيتين: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [آل عمران: 10]؛ أي: ستروا أنوار روحانيتهم بظلمات الصفات، نفسانيتهم من جحود الحق وإنكاره وإتباع الهوى إلى الشهوات، {أية : مِنَ ٱلنِّسَاءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ} تفسير : [آل عمران: 14]، {أية : وَٱلأَنْعَامِ وَٱلْحَرْثِ ذٰلِكَ مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} تفسير : [آل عمران: 14]؛ وهي الطاغوت التي قال الله تعالى {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَاتِ} تفسير : [البقرة: 257]، {أية : لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} تفسير : [آل عمران: 116]؛ يعني: من أنوار الله التي حجبوا عنها وشواهد الربوبية، كما قال تعالى: {أية : كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ}تفسير : [المطففين: 15]، {وَأُولَـٰئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ} [آل عمران: 10]؛ يعني: صفاتهم النفسانية واستيفاء لذاتهم الشهوانية وأفعالهم الجسمانية {وَقُودُ ٱلنَّارِ} [آل عمران: 10]، الفرقة والقطيعة. واعلم أن النار: نار الله، ونار الجحيم، وأما نار الله: فهي نار القطيعة عن الله، فيها يعذب قلوب المحجوبين عن الله تعالى، كقوله: {أية : نَارُ ٱللَّهِ ٱلْمُوقَدَةُ * ٱلَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى ٱلأَفْئِدَةِ}تفسير : [الهمزة: 6-7]، وأما نار الجحيم: فهي نار الشهوات والمعاملات على الغفلات من المخالفات؛ فهي تحرق قشور الجلود كما قال الله: {أية : كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً} تفسير : [النساء: 56]، ولا تخلص هذه النار إلى لب القلوب، فإن عذاب حرقة الجلود بالنسبة إلى عذاب فرقة القلوب؛ كنسيم الحياة وسموم الممات، ففي فؤاد الحب نار جوى أحر نار الجحيم أبردها، {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} [آل عمران: 11]؛ يعني: دأب جميع الكفار وواحد من المتقدمين والمتأخرين، فدأب من في عهدك يا محمد {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ} [آل عمران: 11]، الذين كانوا في عهد موسى، {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} [آل عمران:11]، كانوا في عهد إبراهيم وغيره من الأنبياء عليهم السلام. ثم أخبروا بهم وقال تعالى: {كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} [آل عمران: 11]؛ يعني: كل قوم من هؤلاء لما ستروا روحانيتهم بأستار ظلمات نفسانيتهم {أية : عَمُواْ وَصَمُّواْ}تفسير : [المائدة: 71]، فما شهدوا شواهد أنوارنا وما كاشفوا بحقائق أسرارنا فحرموا عن شهود آثار آياتنا، وإذا تليت عليهم {كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ} [آل عمران: 11]، وطردهم عن القرب وأبعدهم {وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} [آل عمران: 11]؛ أي: شديد عقاب فراقه وبعده، أليم عذاب الحرمان عن جواره وقربه. ثم أخبر عن حاصل أمرهم يوم حشرهم بقوله تعالى: {قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} [آل عمران: 12]، إشارة في الآية: إن المبتلي بالكفر مغلوب حكم الأزلي بالشقاوة؛ لقوله: {أية : غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا} تفسير : [المؤمنون: 106]، ثم الهدى والنفس والشيطان ولذة الدنيا، فغلبات الهوى والنفس ترد إلى أسفل سافلين الطبيعة فيعيش فيها، ثم يموت على ما عاش عليه ويحشر على ما مات عليه في قعر {جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} [آل عمران: 12]، ومعاده وأنه مهده في معاشه.