Verse. 302 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

رَبَّنَاۗ اِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِـيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيْہِ۝۰ۭ اِنَّ اللہَ لَا يُخْلِفُ الْمِيْعَادَ۝۹ۧ
Rabbana innaka jamiAAu alnnasi liyawmin la rayba feehi inna Allaha la yukhlifu almeeAAada

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

يا «ربنا إنك جامع الناس» تجمعهم «ليوم» أي في يوم «لا ريب» لا شك «فيه» هو يوم القيامة فتجازيهم بأعمالهم كما وعدت بذلك «إن الله لا يخلف الميعاد» موعده بالبعث فيه التفات عن الخطاب ويحتمل أن يكون من كلامه تعالى والغرض من الدعاء بذلك بيان أن همهم أمر الآخرة ولذلك سألوا الثبات على الهداية لينالوا ثوابها روى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت: (تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات إلى آخرها وقال: فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم) وروى الطبراني في الكبير عن أبي موسى الأشعري أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ما أخاف على أمتي إلا ثلاث خلال وذكر منها أن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله وليس يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب) الحديث.

9

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أن هذا الدعاء من بقية كلام الراسخين في العلم، وذلك لأنهم لما طلبوا من الله تعالى أن يصونهم عن الزيغ، وأن يخصهم بالهداية والرحمة، فكأنهم قالوا: ليس الغرض من هذا السؤال ما يتعلق بمصالح الدنيا فإنها منقضية منقرضة، وإنما الغرض الأعظم منه ما يتعلق بالآخرة فإنا نعلم أنك يا إلٰهنا جامع الناس للجزاء في يوم القيامة، ونعلم أن وعدك لا يكون خلفاً وكلامك لا يكون كذباً، فمن زاغ قلبه بقي هناك في العذاب أبد الآباد، ومن أعطيته التوفيق والهداية والرحمة وجعلته من المؤمنين، بقي هناك في السعادة والكرامة أبد الآباد، فالغرض الأعظم من ذلك الدعاء ما يتعلق بالآخرة، بقي في الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله {رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ } تقديره: جامع الناس للجزاء في يوم لا ريب فيه، فحذف لكون المراد ظاهراً. المسألة الثانية: إن كلام المؤمنين تم عند قوله {لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ } فأما قوله {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ } فهو كلام الله عزّ وجلّ، كأن القوم لما قالوا {إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ } صدقهم الله تعالى في ذلك وأيد كلامهم بقوله {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ } كما قال حكاية عن المؤمنين في آخر هذه السورة {أية : رَبَّنَا وَءاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ } تفسير : [آل عمران: 194] ومن الناس من قال: لا يبعد ورود هذا على طريقة العدول في الكلام من الغيبة إلى الحضور، ومثله في كتاب الله تعالى كثير، قال تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيّبَةٍ } تفسير : [يونس: 22]. فإن قيل: فلم قالوا في هذه الآية {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ } وقالوا في تلك الآية {إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ }. قلت: الفرق - والله أعلم - أن هذه الآية في مقام الهيبة، يعني أن الإلٰهية تقتضي الحشر والنشر لينتصف المظلومين من الظالمين، فكان ذكره باسمه الأعظم أولى في هذا المقام، أما قوله في آخر السورة {أية : إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ } تفسير : [آل عمران: 194] فذاك المقام مقام طلب العبد من ربه أن ينعم عليه بفضله، وأن يتجاوز عن سيئاته فلم يكن المقام مقام الهيبة، فلا جرم قال: {إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ }. المسألة الثالثة: احتج الجبائي بهذه الآية على القطع بوعيد الفساق، قال: وذلك لأن الوعيد داخل تحت لفظ الوعد، بدليل قوله تعالى: {أية : أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّا} تفسير : [الأعراف: 44] والوعد والموعد والميعاد واحد، وقد أخبر في هذه الآية أنه لا يخلف الميعاد فكان هذا دليلاً على أنه لا يخلف في الوعيد. والجواب: لا نسلم أنه تعالى يوعد الفساق مطلقاً، بل ذلك الوعيد عندنا مشروط بشرط عدم العفو، كما أنه بالاتفاق مشروط بشرط عدم التوبة، فكما أنكم أثبتم ذلك الشرط بدليل منفصل، فكذا نحن أثبتنا شرط عدم العفو بدليل منفصل، سلمنا أنه يوعدهم، ولكن لا نسلم أن الوعيد داخل تحت لفظ الوعد، أما قوله تعالى: {فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّا }. قلنا: لم لا يجوز أن يكون ذلك كما في قوله {أية : فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } تفسير : [آل عمران: 21] وقوله {أية : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ } تفسير : [الدخان: 49] وأيضاً لم لا يجوز أن يكون المراد منه أنهم كانوا يتوقعون من أوثانهم أنها تشفع لهم عند الله، فكان المراد من الوعد تلك المنافع، وتمام الكلام في مسألة الوعيد قد مرّ في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: {أية : بَل مَن كَسَبَ سَيّئَةً وَأَحَـٰطَتْ بِهِ خَطِيـئَـتُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } تفسير : [البقرة: 81] وذكر الواحدي في البسيط طريقة أخرى، فقال: لم لا يجوز أن يحمل هذا على ميعاد الأولياء، دون وعيد الأعداء، لأن خلف الوعيد كرم عند العرب، قال: والدليل عليه أنهم يمدحون بذلك، قال الشاعر:شعر : إذ وعد السراء أنجز وعده وإن أوعد الضراء فالعفو مانعه تفسير : وروى المناظرة التي دارت بين أبي عمرو بن العلاء، وبين عمرو بن عبيد، قال أبو عمرو بن العلاء لعمرو بن عبيد: ما تقول في أصحاب الكبائر؟ قال: أقول إن الله وعد وعداً، وأوعد إيعاداً، فهو منجز إيعاده، كما هو منجز وعده، فقال أبو عمرو بن العلاء: إنك رجل أعجم، لا أقول أعجم اللسان ولكن أعجم القلب، إن العرب تعد الرجوع عن الوعد لؤما وعن الإيعاد كرما وأنشد:شعر : وإني وإن أوعدته أو وعدته لمكذب إيعادي ومنجز موعدي تفسير : واعلم أن المعتزلة حكوا أن أبا عمرو بن العلاء لما قال هذا الكلام قال له عمرو بن عبيد: يا أبا عمرو فهل يسمى الله مكذب نفسه؟ فقال: لا، فقال عمرو بن عبيد: فقد سقطت حجتك، قالوا: فانقطع أبو عمرو بن العلاء. وعندي أنه كان لأبي عمرو بن العلاء أن يجيب عن هذا السؤال فيقول: إنك قست الوعيد على الوعد وأنا إنما ذكرت هذا لبيان الفرق بين البابين، وذلك لأن الوعد حق عليه والوعيد حق له، ومن أسقط حق نفسه فقد أتى بالجود والكرم، ومن أسقط حق غيره فذلك هو اللؤم، فظهر الفرق بين الوعد والوعيد، وبطل قياسك، وإنما ذكرت هذا الشعر لإيضاح هذا الفرق، فأما قولك: لو لم يفعل لصار كاذباً ومكذباً نفسه، فجوابه: أن هذا إنما يلزم لو كان الوعيد ثابتاً جزماً من غير شرط، وعندي جميع الوعيدات مشروطة بعدم العفو، فلا يلزم من تركه دخول الكذب في كلام الله تعالى، فهذا ما يتعلق بهذه الحكاية، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : أي باعثهم ومحييهم بعد تفرقهم، وفي هذا إقرار بالبعث ليوم القيامة. قال الزجاج: هذا هو التأويل الذي عَلِمه الراسخون وأقرّوا به، وخالف الذين ٱتبعوا ما تشابه عليهم من أمر البعث حتى أنكروه. والريْبُ الشّك، وقد تقدّمت مَحاملُه في البقرة. والميعاد مِفْعَال من الوعد.

البيضاوي

تفسير : {رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ} لحساب يوم أو لجزائه. {لاَ رَيْبَ فِيهِ} في وقوع اليوم وما فيه من الحشر والجزاء، نبهوا به على أن معظم غرضهم من الطلبتين ما يتعلق بالآخرة فإنها المقصد والمال. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ} فإن الإِلهية تنافيه وللإِشعار به وتعظيم الموعود لون الخطاب، واستدل به الوعيدية. وأجيب بأن وعيد الفساق مشروط بعدم العفو لدلائل منفصلة كما هو مشروط بعدم التوبة وفاقاً.

المحلي و السيوطي

تفسير : يا {رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ } تجمعهم {لِيَوْمٍ } أي في يوم {لاَ رَيْبَ } شك {فِيهِ } هو يوم القيامة فتجازيهم بأعمالهم كما وعدت بذلك {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ } موعده بالبعث فيه التفات عن الخطاب ويحتمل أن يكون من كلامه تعالى والغرض من الدعاء بذلك بيان أنّ همّهم أمر الآخرة ولذلك سألوا الثبات على الهداية لينالوا ثوابها، روى الشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية "هُوَ ٱلَّذِى أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ مِنْهُ آيَٰتٌ مُّحْكَمَٰتٌ" إلى آخرها، وقال « حديث : فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمَّى الله فاحذروهم » تفسير : وروى الطبراني في الكبير عن أبي موسى الأشعري أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول « حديث : ما أخاف على أُمتي إلا ثلاث خلال» وذكر منها «أن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله وليس يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب » تفسير : الحديث.

ابن عادل

تفسير : قرأ أبو حاتم {جَامِعٌ ٱلنَّاسَ} بالتنوين والنصب - و "لِيَوْمٍ" اللام للعلة، أي: لجزاءِ يوم، وقيل: هي بمعنى "في"، ولم يذكر المجموع لأجله، و "لا رَيْبَ" صفة لـ "يَوْم"، أي: لا شك فيه، فالضمير في "فِيهِ" عائد عليه، وأبْعَد مَن جَعَلَه عائداً على الجمع المدلول عليه بـ "جَامِعُ"، أو على الجزاء المدلول عليه بالمعنى، أو على العَرْض. قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ} يجوز أن يكون من تمام حكايةِ قولِ الراسخين، فيكون التفاتاً من خطابهم للباري تعالى بضمير الخطاب إلى الإتيَان بالاسم الظاهر؛ دلالةً على تعظيمه، ويجوز أن يكون مستأنفاً من كلام الله تعالى، فلا التفاتَ حينئذٍ. و "الميعاد" مصدر، وياؤه منقلبة عن واو، لانكسار ما قبلها كميقات. فإن قيل: لم قالوا - في هذه الآية -: إن اللهَ لا يخلف الميعادَ، وقالوا - في تلك الآية - إنك لا تخلف الميعاد؟ فالجوابُ: أن هذه الآيةَ في مقام الهيبةِ، يعني أن الآية تقتضي الحشر والنشر؛ ليُنْتَصَف للمظلومين من الظالمين، فكان ذكره باسمه الأعظم أوْلَى في هذا المقامِ، وفي تلك الآية مقام طلب العبدِ من ربه أن ينعم عليه بفضله، ويتجاوز عن سيئاته، فليسَ مقام الهيبةِ، فلا جرم قال: {أية : إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ} تفسير : [آل عمران: 194]. فصل اعلم أن الراسخين لما طلبوا من ربهم الصَّوْنَ عن الزيغ، وأن يخصَّهم بالهداية والرحمة، فكأنهم قالوا: ليس الغرض من هذا السؤال ما يتعلق بمصالح الدنيا؛ فإنها منقضية، وإنما الغرض الأعظم منه ما يتعلق بالآخرة؛ فإنا نعلم أنك جامع الناس للجزاء في يوم القيامة، ووعدك حق، فمن زاغ قلبه بقي هناك في العذاب أبَدَ الآبادِ، ومن وفقتَه وهديتَه ورحمتَه بقي هناك في السعادة والكرامة أبد الآباد. فصل احتج الجبائيُّ - بهذه الآية - على القطع بوعيد الفساق، قال: لأن الوعيدَ داخل تحت لفظ الوعد؛ لقوله تعالى: {أية : قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً} تفسير : [الأعراف: 44]، والموعد والميعاد واحد، وقد أخبر - في هذه الآيةِ - أنه لا يُخْلف الميعاد. والجواب: لا نسلم القول بوعيد الفساق مطلقاً، بل ذلك مشروط بعدم العفو، كما هو مشروط بعدم التوبة بالاتفاقِ، فكما أنكم أثبتم ذلك الشرط بدليل منفصل فكذا نحن أثبتنا شرط عدم العفو بدليل منفصل، سلمنا أنه توعدهم، ولكن لا نسلم أن الوعيد داخل تحت لفظ الوعد، ويكون قوله: {أية : فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً} تفسير : [الأعراف: 44] كقوله: {أية : فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [آل عمران: 21] وقوله: {أية : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ} تفسير : [الدخان: 49]، فيكون من باب التهكمِ، ويجوز أن يكون المراد أنهم كانوا يتوقعون من أوثانهم أنها تشفع لهم عند الله تعالى. وذكر الواحديُّ في البسيط - أنه يجوز أن يُحْمَل هذا على ميعاد الأولياء، دون وعيد الأعداء؛ لأن خُلْفَ الوعيد كرم عند العرب؛ لأنهم يمدحون بذلك، قال: [الطويل] شعر : 1343 - إذَا وَعَدَ السَّرَّاءَ أنَجْزَ وَعْدَهُ وَإنْ أوْعَدَ الضَّرَّاءَ فَالْعَفْوُ مَانِعُه تفسير : وروى المناظرة بين أبي عمرو بن العلاء وبين عمرو بن عُبَيْد: قال أبو عمرو بن العلاء لعمرو بن عُبَيْد فما تقول في أصحاب الكبائر؟ فقال: أقول: إنَّ الله تعالى وَعَدَ وعْداً وأوعد إيعاداً، فهو مُنجز إيعاده كما هو منجز وعده، فقال أبو عمرو بن العلاء: إنك رجل أعْجَمُ، لا أقول: أعجم اللسان، ولكن أعجمُ القلب؛ إن العربَ تَعُدُّ الرجوعَ عن الوعد لُؤماً، وعن الإيعاد كَرَمًا، وأنشد: [الطويل] شعر : 1344 - وَإنِّيَ إن أوْعَدْتُهُ أوْ وَعَدْتُهُ لَمُكْذِبُ إيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي تفسير : فقال له عمرو بن عبيد: يا أبا عمرو، فهل يُسَمّى الله مكذب نفسه؟ فقال: لا، فقال له عمرو بن عبيد: فقد سقطت حجتك. قال ابن الخطبيبِ: "وكان لأبي عمرو بن العلاء أن يجيب عن هذا السؤال فيقول: إنك قِسْت الوعيد على الوعد، وأنا إنما ذكرت هذا لبيان الفرق بين البابين؛ وذلك لأن الوعدَ حق عليه، والوعيد حق له، ومن أسقط حق نفسه فقد أتى بالجود والكرم، ومن أسقط حق غيره، فذلك هو اللؤم، فظهر الفرق. وأما قولك: لو لم يفعلْ لصار كاذباً، أو مكذب نفسه. فالجوابُ: أن هذا إنما يلزم لو كان الوعيدُ ثابتاً جزماً من غير شرط، وعندي أن الوعيد مشروط بعدم العفو فلا يلزم من تركه دخول الكذب في كلام الله تعالى".

السيوطي

تفسير : أخرج ابن النجار في تاريخه عن جعفر بن محمد الخلدي قال: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : من قرأ هذه الآية على شيء ضاع منه رده الله عليه {ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد} اللهم يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه اجمع بيني وبين مالي إنك على كل شيء قدير ".

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ} [الآية: 9]. الذى وعد من السعادة والشقاوة فى أزل علمه، لا يخلف الميعاد لزُهدِ زاهد ولا لفسق فاسق. قال الواسطى فى قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ} قال: فى إنزال كل أحَدٍ ما كان يطلبُه من الأعواضِ، وإيصال الخُصوصِ إلى محلِ الخاص من اللقاءِ والقُرب.

القشيري

تفسير : اليوم جمع الأحباب على بساط الاقتراب، وغداً جمع الكافة لمحل الثواب والعقاب، اليوم جمع الأسرار لكشف الجلال والجمال، وغداً جمع الأبشار لشهود الأحوال، ومقاساة ما أخبر عنه من تلك الأحوال.

البقلي

تفسير : {رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ} انك جامع اهل الحقيقة على بساط القربة فالمؤمنون على بساط الكرامة والموقنون على بساط المشاهدة والمحبون على بساط الوصل والعارقون على محل الانس وكل طائفة ببلغ عندك بطى منتهى مقاصدهم التى كانوا فى الدنيا من رسم المقامات والحالات والمكاشفات والمشاهدات وقال الاستاد اليوم جمع الاحباب على بساط الاقتراب وغدا جمع الكافة لمحل الثواب والعقاب اليوم جمع الاسرار لكشف الجلال والجمال وغدا جمع الاستاد لشهود الاهوال ومقاسات ما اخبر عنه من تلك الاحوال {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ} لا يخلف ما وعد لانبيائه واوليائه من وصولهم الى مشاهدته بعدما خاطبهم حين أبدع ارواحهم قبل وجود الكونين تعريف نفسه لهم بلا كلفة العذاب ومشقة الحساب وايضاً لا سبيل التغير الحدثان الى قدم علم الرحمانى لأنه تعالى منزه عن ان يفعل شيئا بعلم يحدث فى نفسه وقال الشيخ ابو عبد الرحمن السلمى للعباد الذى وعد من السعادة والشقاوة فى ازلى علمه لا يخلف ميعاد الزهد زاهد ولا لفسق فاسق قال الواسطى فى قوله ان الله لا يخلق المعياد قال في انزال كل واحدد ما كان من الاعواض وايصال الخواص الى محل الخاص من اللقاء والقرب.

اسماعيل حقي

تفسير : {ربنا انك جامع الناس} بعد الموت {ليوم} اى لجزاء يوم وحسابه وهو يوم القيامة {لا ريب فيه} اى فى وقوعه ووقوع ما فيه من الحشر والحساب والجزاء ومقصودهم بهذا عرض كمال افتقارهم الى الرحمة وانها المقصد الاسنى عندهم {ان الله لا يخلف الميعاد} الوعد يعنى الالوهية تنافى خلف الوعد فى البعث واستجابة الدعاء وهذا حال الراسخين فى الدعاء فانظر كيف لا يأمنون سوء الخاتمة واداهم الخوف والخشية الى الرجاء فاياك والزيغ عن الصراط المستقيم باتباع الهوى والشهوات قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما من قلب الا وهو بين اصبعين من اصابع الرحمن اذا شاء ان يقيمه اقامه واذا شاء ازاغه " .تفسير : يعنى قلب المؤمن بين توفيقه وخذلانه وانما قال من اصابع الرحمن ولم يقل من اصابع الله اشعارا بانه هو المتكمن من قلوب العباد والمتصرف فيها كيف يشاء ولم يكلها الى احد من ملائكته رحمة منه وفضلا لئلا يطلع على سرائرهم غيره وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : اللهم يا مقلب القلوب والابصار ثبت قلوبنا على دينك " .تفسير : والميزان بيد الرحمن يرفع قوما ويضع آخرين الى يوم القيامة وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : مثل القلب كريشة بارض فلاة تقلبها الرياح ظهر البطن ".تفسير : * قال الجنيد رحمه الله من اراد ان يسلم له دينه ويستريح فى بدنه وقلبه فليعتزل الناس فان هذا زمان وحشة والعاقل من اختار الوحدة "حديث : قال عليه السلام لاصحابه "اين تنبت الحبة" قالوا فى الارض قال "فكذلك الحكمة انما تنبت فى قلب مثل الارض" ".تفسير : فدفن حبة الفؤاد والوجود فى ارض الخمل مما يتيج ويتم نتاجه جدا فما نبت ما لم يدفن لم يتم نتاجه وان ظهر نوره وانتاجه كالذى نبت فى حميل السيل. فعليك بتزكية النفس واصلاح الوجود كى تدرك نور الشهود وتقبل الى الاستقامة وتخلص من الزيغ والضلال فى جميع الاحوال وكم من زائغ قلبه وهو صورة مستقيم وكم من مستقيم فؤاده وهو فى الظاهر غير مستقيم: كما قيل شعر : بس قامت خاشاك برجا باشد جون باد بر آنها برود نا باشد تفسير : و القلب هو محل النظر لا الصورة كما قال عليه السلام "حديث : ان الله لا ينظر الى صوركم بل الى قلوبكم واعمالكم ".تفسير : فأى فائدة فى القلب الزائغ عن الحق فنعوذ بالله منه.

الطوسي

تفسير : معنى الآية {ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه} للجزاء {إن الله لا يخلف الميعاد} في وعد ولا وعيد {فاغفر لنا} فان قيل هل في قوله: {إن الله لا يخلف الميعاد} متصل بالدعاء على جهة الحكاية أو استئناف. قلنا عنه جوابان: أحدهما - أنه متصل بالدعاء، لأن حمل الكلام على الاتصال إذا صح المعنى أولى من حمله على الانفصال، لأن الاتصال أقرب إلى التشاكل، وأبعد من التنافر. الثاني - أنه على الاستئناف لأنه لو كان على الاتصال لقال انك لا تخلف الميعاد، فاختار أبو علي الجبائي هذا الوجه، وأجاز الزجاج الأمرين. وقد يجوز حمل الكلام تارة على المخاطبة وتارة على الغيبة تصرفاً في الكلام، كما قال: {أية : حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة} تفسير : والآية دالة على أنه لا يخلف وعده، ولا وعيده، ولا ينافي ذلك ما يجوزه من العفو عن فساق أهل الملة، لأن ما يجوز العفو عنه إذا عفا كشف ذلك عندنا أنه ما عناه بالخطاب، وإنما الممنوع منه أن يعنيه بالخطاب وبأنه لا يعفو عنه ثم يعفو، فيكون ذلك خلفاً في الوعيد وذلك لا يجوز عليه تعالى. والميعاد، والوعد إذا اطلقا تناولا الخير، والشر. يبين ذلك قوله: {أية : ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً}تفسير : ولا يجوز أن يقال وعد بالخير فأما وعد بالشر، فيجوز. واللام في قوله: {ليوم لا ريب فيه} معناه في يوم وإنما جاز ذلك لما دخل الكلام من معنى اللام وتقديره جامع الناس للجزاء في يوم لا ريب فيه، فلما حذف لفظ الجزاء دخلت على ما يليه فأغنيت عن في لأن حروف الاضافة متآخية، لما يجمعها من معنى الاضافة. وقد كان يجوز فتح أن في قوله: {إن الله لا يخلف} على تقدير {جامع الناس ليوم لاريب فيه} لـ {إن الله لا يخلف الميعاد} ولم يقرأ به.

الجنابذي

تفسير : {رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ} اى فى يوم او لحساب يوم {لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ} تعليل لقوله تعالى: {لاَّ رَيْبَ فِيهِ} او لقوله تعالى {إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ}، والميعاد وقت الوعد او محلّه.

اطفيش

تفسير : {رَبَّنَا إنَّك جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَ رَيْبَ فِيهِ}: جامعهم بالإحياء والبعث فى يوم القيامة، لا شك في مجيئه للثواب والعقاب، فاللام بمعنى فى وهى للتوقيت، ويجوز أن تكون للتعليل، على حذف المضاف، أى: لحساب يوم لا ريب فيه، وجملة {لاَ رَيْبَ فِيه} نعت يوم، نهوا لذلك على أن معظم الرغبة أمر الآخرة، وقرىء: {جَامِعُ النَّاس} بتنوين جامع ونصب الناس على المفعولية، وهو أصل الإضافة لأنها تخفيف. {إنَّ اللهَ لاَ يُخْلِفُ المِيعَادَ}: أى الوعد بالخير، ولا الوعيد بالشر، وهو مصدر ميمى بوزن مفعال، من وعد على غير قياس، فالياء عن واو، لوقوعها بعد كسرة، أو أراد الوعد بالبعث للجزاء، طلبوا أن يكونوا ممن لهُ الوعد بالخير جزاءً على عمله، فهو كائن لا محالة، فإن الألوهية تنافى خلف الوعد والوعيد، والآية دليل لنا وللمعتزلة، وأجازت الأشعرية: خلف الوعيد بدليل متفضل، وهو العفو، قلنا: العفو مقيد بعدم الإصرار، فلم يتم دليلهم، ومقتضى الظاهر أنك لا تخلف المعياد بصيغة الخطاب، ولكن استعمل صيغة الغيبة بطريق الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، ليذكر الألوهية المنافية للخلق ولتعظيم المرغوب فيه وذلك على أنه من تمام كلام الراسخين فى العلم، أو من تمام كلام الذين أمرنا أن نقوله - على حد ما مر - فى قوله {أية : رَبَّنَا لاَ تُزِغ قُلُوبَنَا}تفسير : وإلا فلا التفات بأن يكون استئناف كلام الله تبارك وتعالى: {إنَّ الَّذِين كَفَروا لَنْ تُغْنِىَ عَنْهُمْ أمْوَالُهُمْ ولاَ أولاَدُهُمْ}.

اطفيش

تفسير : {رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ} في يوم، أو عند يوم، وحذف العلة أى للحساب، أو يقدر لحساب يوم، وذلك أن التعليل للفعل دون الذات، فلا يحسن كون ذات اليوم علة للجمع، أو اللام بمعنى إلى، أى جامع الناس في قبورهم إلى يوم، وهذا أولى، لأن من الناس من لا يحاسب، وفى غير هذا الوجه اعتبر من يحاسب لأن المعتبر للخائفين من الله عز وجل {لاَّ رَيْبَ فِيهِ} فى وقوعه والجزاء فيه لا يستحق الريب، ولو كثر المرتابون في ذاته، وهم من أنكر البعث من المشركين، والمرتابون في صفته، وهم النصارى القائلون بالبعث، وبأن المبعوث الأرواح دون الأجساد وهم مشركون، وذلك مساوٍ لإنكار ذاته، أو لا ريب فيه، لأن الريب فيه كلا ريب، لصحة الحجج عليه وكثرتها وقوتها {إِنَّ اللهَ لاَ يُخْلِفُ المِيْعَادَ} مفعال من الوعد المطلق في الخير والشر، قلبت ياء للكسر قبلها، وخلف الوعد نقص مناف للكمال الذى هو مقتضى الألوهية، ولن يخلف الله وعده، فلا بد من ذلك اليوم، وللتأكيد، وضع لفظ الجلالة ظاهراً مع أن الموضع موضع إنك، سواء أقلنا باشتقاقه وتغلب الاسمية وملاحظة معنى الاشتقاق أم لا، وخلف الوعد خيراً أو شرا نقص، لأنه إما عن كذب، أو ظهور أمر يستحق الخلف لأجله، قد خفى قبل، أو حدوث أمر كذلك، والله منزه عن الكذب وجهل الحال والعاقبة، وخلف الوعيد، ولو كان مدحا لمخلوق لكن ناسبه،لأنه له البدوات كرقة القلب بعد غلظته، وخوف انقلاب الغلبة إلى الذلة، وكل حجة للأشعرية ككون ترك حق النفس مما يمدح به بتطل عند كل عاقل في هذا، ووعد في الخير والشر، وأوعد في الشر، لا كما قيل وعد في الخير فقط لكثرته في القرآن على العموم، فلا نحتاج إلى تأويله بالتهكم، أو به وبالمشاكلة في الشر مثل قوله تعالى: {أية : قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا...} تفسير : [الأعراف: 44] الخ.

الالوسي

تفسير : {رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ } المكلفين وغيرهم {لِيَوْمِ } أي لحساب يوم، أو لجزاء يوم فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه تهويلاً لما يقع فيه، وقيل: اللام بمعنى إلى أي جامعهم في القبور إلى يوم {لاَ رَيْبَ فِيهِ } أي لا ينبغي أن يرتاب في وقوعه ووقوع ما فيه من الحشر والحساب والجزاء، وقيل: الضمير المجرور للحكم أي لا ريب في هذا الحكم، فالجملة على الأول صفة ليوم، وعلى الثاني لتأكيد الحكم ومقصودهم من هذا ـ كما قال غير واحد ـ عرض كمال افتقارهم إلى الرحمة وأنها المقصد الأسني عندهم، والتأكيد لإظهار ما هم عليه من كمال الطمأنينة وقوة اليقين بأحوال الآخرة لمزيد الرغبة في استنزال طائر الإجابة، وقرىء {جَامِعُ ٱلنَّاسِ } بالتنوين. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ } تعليل لمضمون الجملة المؤكدة أو لانتفاء الريب، وقيل: تأكيد بعد تأكيد للحكم السابق وإظهار الاسم الجليل مع الالتفات للإشارة إلى تعظيم الموعود والإجلال الناشيء من ذكر اليوم المهيب الهائل، وللإشعار بعلة الحكم فإن الألوهية منافية للإخلاف؛ وهذا بخلاف ما في آخر السورة حيث أتى بلفظ الخطاب فيه لما أن مقامه مقام طلب الإنعام، وقال الكرخي: الفرق بينهما أن ما هنا متصل بما قبله اتصالاً لفظياً فقط وما في الآخرة متصل اتصالاً معنوياً ولفظياً لتقدم لفظ الوعد، وجوز أن تكون هذه الجملة من كلامه تعالى لتقرير قول الراسخين لا من كلام الراسخين فلا التفات حينئذ، قال السفاقسي: وهو الظاهر. و (الميعاد) مصدر ميمي بمعنى الحدث لا بمعنى الزمان والمكان وهو اللائق بمفعولية ـ يخلف ـ وياؤه منقلبة عن واو لانكسار ما قبلها، واستدل بها الوعيدية على وجوب العقاب للعاصي عليه تعالى وإلا يلزم الخلف، وأجيب عنه بأن وعيد الفساق مشروط بعدم العفو بدلائل منفصلة كما هو مشروط بعدم التوبة وفاقاً؛ وقيل: هو إنشاء فلا يلزم محذور في تخلفه، وقيل: ما في الآية ليس محلاً للنزاع لأن الميعاد فيه مصدر بمعنى الوعد ولا يلزم من عدم خلف الوعد عدم خلف الوعيد لأن الأول مقتضى الكرم كما قال:شعر : وإني إذا أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي تفسير : واعترض بأن الوعيد الذي هو محل النزاع داخل تحت الوعد بدليل قوله تعالى: {أية : قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّا } تفسير : [الأعراف: 44] وأجيب بأنا لا نسلم الدخول والآية من باب التهكم فهي على حد {أية : فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } تفسير : [التوبة: 34] واعترض أيضاً بأن كون ـ الخلف في الإيعاد ـ مقتضى الكرم لا يجوز الخلف على الله تعالى لأنه يلزم حينئذ صحة أن يسمى الله تعالى مكذب نفسه وهو مما لا يقدم عليه أحد من المسلمين، وأجيب عنه بما تركه أصوب من ذكره فالحق الرجوع إلى الجواب الأول. هذا ومن باب الإشارة في الآيات: {أية : الۤمۤ} تفسير : [آل عمران: 1] تقدم الكلام عليه، وذكر بعض ساداتنا فيه أنه أشير به إلى كل الوجود من حيث هو كل لأن (أ) إشارة إلى الذات الذي هو أول الوجود وهو مرتبة الإطلاق، و (ل) إلى العقل المسمى بجبريل الذي هو وسط الوجود الذي يستفيض من المبدأ ويفيض إلى المنتهى، و (م) إلى محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو آخر الوجود، وبه تتم دائرته ولهذا كان الختم، وقال بعضهم: إن (ل) ركبت من ألفين أي وضعت بإزاء الذات مع صفة العلم اللذين هما عالمان من العوالم الثلاثة الإلۤهية التي أشرنا/ إليها فهو اسم من أسمائه تعالى، وأما (م) فهي إشارة إلى الذات مع جميع الصفات والأفعال التي احتجبت بها في صورة المحمدية التي هي اسم الله تعالى الأعظم بحيث لا يعرفها إلا من يعرفها ألا ترى أن (أ) التي هي لصورة الذات كيف احتجبت فيها فإن الميم فيها الياء وفي الياء ألف ولتضمن {الۤمۤ} الإشارة إلى مراتب الوجود والحقيقة المحمدية ناسب أن تفتتح بها هذه الآيات المتضمنة للرد على النصارى الذين أخطأوا في التوحيد ولم يعرفوه على وجهه، ولهذا أردفه سبحانه بقوله: {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } إذ لا موجود في سائر العوالم حقيقة إلا هو إذ لا أحد أغير من الله تعالى جل جلاله {ٱلْحَىّ } أي المتصف بالحياة الكاملة على وجه يليق بذاته {أية : ٱلْقَيُّومُ } تفسير : [آل عمران: 2] القائم بتدبير الأعيان الثابتة بظهوره فيها حسب استعدادها الأزلي الغير المجعول {نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ } وهو العلم المفيد لمقام الجمع وهو التوحيد الذي تفنى فيه الكثرة ولا يشاهد فيه التعدد متلبساً {بِٱلْحَقّ } وهو الثابت الذي لا يعتريه تغير في ذاته {مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} من التوحيد الأول الأزلي السابق المعلوم في العهد الأول المخزون في غيب الاستعداد {أية : وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنجِيلَ} تفسير : [آل عمران: 3] {مِن قَبْلُ هُدًى لّلنَّاسِ} إلى معالم التوحيد {وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ } وهو التوحيد التفصيلي الذي هو الحق باعتبار الفرق وهو منشأ الاستقامة ومبدأ الدعوة {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي احتجبوا عن هذين التوحيدين بالمظاهر والأكوان ورؤية الأغيار ولم يؤمنوا {بآيات الله} تعالى الدالة على أن له سبحانه رتبة الإطلاق وله الظهور والتجلي بما شاء {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } في البعد والحرمان عن حظائر العرفان {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ } قاهر {أية : ذُو ٱنتِقَامٍ } تفسير : [آل عمران: 4] شديد بمقتضى صفاته الجلالية {هُوَ ٱلَّذِي يُصَوّرُكُمْ } في أرحام الوجود {كَيْفَ يَشَاء } لأنكم المظاهر لأسمائه والمجلى لذاته {لا إِلِـٰهَ } في الوجود {إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ } القاهر للأعيان الثابتة فلا تشم رائحة الوجود بنفسها أبداً {أية : ٱلْحَكِيمُ }تفسير : [آل عمران: 6] الذي يظهرها بوجوده الحق ويتجلى بها حسبما تقتضيه الحكمة {هُوَ ٱلَّذِى أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ } متنوعاً في الظهور {مِنْهُ ءآيَـٰتٌ مُّحْكَمَـٰتٌ } أحكمت من أن يتطرق إليها الاحتمال والاشتباه فلا تحتمل إلا معنى واحداً {هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ } والأصل {وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰتٌ } تحتمل معنيين فأكثر ويقع فيها الاشتباه وذلك أن الحق تعالى له وجه واحد وهو المطلق الباقي بعد فناء خلقه لا يحتمل التكثر من ذلك الوجه وله وجوه متكثرة بحسب المرايا والمظاهر بها يقع الاشتباه فورد التنزيل كذلك {فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ } أي ميل عن الحق {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ منه } لاحتجابهم بالكثرة عن الوحدة {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ } الذي يرجع إليه {إِلاَّ ٱللَّهُ } ويعلمه الراسخون في العلم ـ الذين لم يحتجبوا بأحد الأمرين عن الآخر بعلمه الذي منحوه بواسطة قرب النوافل لا بالعلم الفكري الحاصل بواسطة الأقيسة المنطقية، وبهذا يحصل الجمع بين الوقف على {إِلاَّ ٱللَّهُ } والوقف على {ٱلرَّاسِخُونَ } {وَمَا يَذَّكَّرُ } بذلك العلم الواحد المفصل في التفاصيل المتشابهة المتكثرة {أية : إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلالْبَـٰبِ } تفسير : [آل عمران: 7] الذين صفت عقولهم بنور الهداية وتجردت عن قشر الهوى والعادة {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا } بالنظر إلى الأكوان والاحتجاب بها عن مكونها {بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا } بنورك إلى صراطك المستقيم ومشاهدتك في مراتب الوجود والمرايا المتعددة {وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً } خاصة تمحو صفاتنا بصفاتك وظلماتنا بأنوارك {أية : إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ } تفسير : [آل عمران: 8] المعطي للقوابل حسب القابليات {رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ } على اختلاف مراتبهم {لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ } وهو يوم الجمع الذي هو الوصول إلى مقام الوحدة عند كشف الغطا وطلوع شمس العيان {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ } تفسير : [آل عمران: 9] لتظهر صفاته الجمالية والجلالية ولذلك خلق الخلق وتجلى للأعيان فأظهرها كيف شاء. هذا ثم لما بين سبحانه الدين الحق والتوحيد وذكر أحوال الكتب الناطقة به/ وشرح حال القرآن العظيم وكيفية إيمان الراسخين به أردف ذلك ببيان حال من كفر به بقوله جل شأنه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}.

د. أسعد حومد

تفسير : (9) - وَيُتَابعُ الرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ دُعَاءَهُمْ قَائِلِينَ: يَا رَبِّ إنَّكَ سَتَجْمَعُ النَّاسَ لِلْجَزاءِ، يَوْمَ المَعَادِ الذِي لاَ رَيْبَ فِي أنَّهُ وَاقِعٌ وَآتٍ، وَتَفْصِلُ بَيْنَهُمْ، وَتَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَتَجْزِي كُلاً مِنْهُمْ عَلَى عَمَلِهِ، وَإنَّكَ يَا رَبّ لاَ تُخْلِفُ المِيعَادَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وقولهم: "ربنا" نفهم منه أنه الحق المتولي التربية، ومعنى التربية هو إيصال من تتم تربيته إلى الكمال المطلوب له، فهناك ربٌّ يربي، وهناك عبد تتم تربيته، والربُّ يعطي الإنسان ما يؤهله إلى الكمال المطلوب له. والمؤمنون يرجون الله قائلين: يا رب من تمام تربيتك لنا أن تحمينا من عذاب الآخرة، فإذا ما عشنا الدنيا وانتهت فنحن نعلم أنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه، وما دمت ربا، وما دمت إلهاً فإنك لا تخلف الميعاد؛ فالذي يخلف الميعاد لا يكون إلها؛ لأن الإله ساعة الوعد يعلم بتمام قدرته وكمال علمه أنه قادر على الإنفاذ، إنما الذي ليس لديه قدرة على الإنفاذ لا يستطيع أن يعد إلا مشمولاً بشيء يستند إليه، كقولنا نحن العباد: "إن شاء الله" لماذا؟ لأن الواحد منا لا يملك أن يفي بما وعد. حينما تعرضنا إلى قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَداً}تفسير : [الكهف: 23-24]. قُلنا إياك أن تقول: إني سأفعل شيئاً إلا أن تشتمله وتربطه بمشيئة الله؛ لأنك أنت إن وعدت، فأنت لا تضمن عمرك ولا إنفاذ وعدك، إنك لن تفعل شيئاً إلا بإرادة الله، لذلك فلا تعد إلا بالمشيئة، لأنك تعد بما لا تضمن، فأنت في حقيقة الأمر لا تملك شيئاً، فإن أردت فعل أي شيء أو الذهاب إلى أي مكان فالفعل يحتاج إلى فاعل ومفعول وزمان ومكان وسبب، ثم يحتاج إلى قدرة لتنفيذ الفعل. والإنسان لا يملك من هذه الأشياء إلا ما يشاء الله له أن يملكه. إن الإنسان لا يملك أن يظل فاعلاً. والإنسان لا يملك إن وُجد الفاعل أن يُوجد المفعول. والإنسان لا يملك الزمن، ولا يملك المكان، بل لا يملك الإنسان أن يظل السبب قائماً ليفعل ما كان يريد أن يفعله؛ فكل هذه العناصر، الفاعل والمفعول، والزمان، والمكان، والسبب، لا يملكها إلا الله. لذلك فليحم الإنسان نفسه من أن يكون كاذباً ومجازفاً وليكن في ظل قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَداً}تفسير : [الكهف: 23-24]. إن كلمة "إلا أن يشاء الله" تعصم الإنسان من أن يكون كاذباً. وعندما لا يحدث الذي يعد به الإنسان، فمعنى ذلك أن الله لم يشأ؛ لأن الإنسان لا يملك عنصراً واحداً من عناصر هذا الفعل. وعندما يقول الحق: {رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ} [آل عمران: 9] لأن الذي يخلف الميعاد إنما تمنعه قوة قاهرة تأتيه؛ ولو من تغير نفسه تمنعه أن يفعل، أما الله فلا تأتي قوة قاهرة لتغير ما يريد أن يفعل، ولا يمكن أن يتغير؛ لأن التغير ليس من صفات القديم الأزلي. وحين يؤكد الحق أنه سيتم جمعنا بمشيئته في يوم لا ريب فيه، وأن الله لا يخلف الميعاد، فمن المؤكد أننا سنلتقي. وسنلتقي لماذا؟ لقد قال الراسخون في العلم: عملنا بالمحكم، وآمنا بالمتشابه، ودعوا الله أن يثبت قلوبهم على الهداية رحمة من عنده، وأن يبعد قلوبهم عن الزيغ؛ لأنهم خائفون من اليوم الذي سيجمع الله الناس فيه، إننا سنلتقي للحساب على أفعالنا وإيماننا. وبعد ذلك يقول الحق جل شأنه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً ...}.