Verse. 303 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

اِنَّ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا لَنْ تُغْنِىَ عَنْھُمْ اَمْوَالُھُمْ وَلَاۗ اَوْلَادُھُمْ مِّنَ اللہِ شَـيْـــــًٔـا۝۰ۭ وَاُولٰۗىِٕكَ ھُمْ وَقُوْدُ النَّارِ۝۱۰ۙ
Inna allatheena kafaroo lan tughniya AAanhum amwaluhum wala awladuhum mina Allahi shayan waolaika hum waqoodu alnnari

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن الذين كفروا لن تُغنيَ» تدفع «عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله» أي عذابه «شيئا وأولئك هم وقود النار» بفتح الواو ما توقد به.

10

Tafseer

الرازي

تفسير : إعلم أن الله سبحانه وتعالى لما حكى عن المؤمنين دعاءهم وتضرعهم، حكى كيفية حال الكافرين وشديد عقابهم، فهذا هو وجه النظم، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في قوله {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلـٰدُهُم مّنَ ٱللَّهِ شَيْئًا } قولان الأول: المراد بهم وفد نجران، وذلك لأنا روينا في بعض قصتهم أن أبا حارثة بن علقمة قال لأخيه: إني لأعلم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حقاً ولكنني إن أظهرت ذلك أخذ ملوك الروم مني ما أعطوني من المال والجاه، فالله تعالى بيّن أن أموالهم وأولادهم لا تدفع عنهم عذاب الله في الدنيا والآخرة. والقول الثاني: أن اللفظ عام، وخصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ. المسألة الثانية: إعلم أن كمال العذاب هو أن يزول عنه كل ما كان منتفعاً به، ثم يجتمع عليه جميع الأسباب المؤلمة. أما الأول: فهو المراد بقوله {لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلـٰدُهُم } وذلك لأن المرء عند الخطوب والنوائب في الدنيا يفزع إلى المال والولد، فهما أقرب الأمور التي يفزع المرء إليها في دفع الخطوب فبيّن الله تعالى أن صفة ذلك اليوم مخالفة لصفة الدنيا لأن أقرب الطرق إلى دفع المضار إذا لم يتأت في ذلك اليوم، فما عداه بالتعذر أولى، ونظير هذه الآية قوله تعالى: {أية : يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } تفسير : [الشعراء: 88، 89] وقوله {أية : ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَٱلْبَـٰقِيَاتُ ٱلصَّـٰلِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَابًا } تفسير : [الكهف: 46] وقوله {أية : وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً } تفسير : [مريم: 80] وقوله {أية : وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَـٰكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ } تفسير : [الأنعام: 94]. وأما القسم الثاني: من أسباب كمال العذاب، فهو أن يجتمع عليه الأسباب المؤلمة، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وَأُولَـٰئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ } وهذا هو النهاية في شرح العذاب فإنه لا عذاب أزيد من أن تشتعل النار فيهم كاشتعالها في الحطب اليابس، والوقود بفتح الواو الحطب الذي توقد به النار، وبالضم هو مصدر وقدت النار وقوداً كقوله: وردت وروداً. المسألة الثالثة: في قوله {مِنَ ٱللَّهِ } قولان أحدهما: التقدير: لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه والثاني: قال أبو عبيدة {مِنْ } بمعنى عند، والمعنى لن تغني عند الله شيئاً.

القرطبي

تفسير : معناه بَيِّنٌ، أي لن تدفع عنهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله شيئاً. وقرأ السُّلَميّ «لَنْ يُغْنِيَ» بالياء لتقدّم الفعل ودخول الحائل بين الاسم والفعل. وقرأ الحسن «يُغْنِي» بالياء وسكون الياء الآخرة للتخفيف؛ كقول الشاعر:شعر : كفَى بالْيَأْسِ من أسماء كَافِي وليس لِسُقْمِها إذ طال شافى تفسير : وكان حقّه أن يقول كافياً، فأرسل الياء. وأنشد الفرّاء في مثله:شعر : كأنّ أيدِيهِنّ بالقاعِ القرِق أيدِي جَوَارٍ يَتَعاطَيْن الوَرِق تفسير : القَرِقُ والقَرِقَة لغتان في القاع. و {من} في قوله {مِن اللَّهِ} بمعنى عند؛ قاله أبو عبيدة. {وَأُولَـٰئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ} والوَقُود ٱسم للحطب، وقد تقدّم في «البقرة». وقرأ الحسن ومجاهد وطلحة بن مُصَرِّف «وُقُود» بضم الواو على حذف مضاف تقديره حطب وقود النار. ويجوز في العربية إذا ضم الواو أن تقول أُقُود مثل أُقِّتَتْ. والوُقود بضم الواو المصدر؛ وُقِدَت النار تقِد إذا ٱشتعلت. وخرّج ٱبن المبارك من حديث العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : «يظهر هذا الدين حتى يجاوز البحار وحتى تخاض البحار بالخيل في سبيل الله تبارك وتعالى ثم يأتي أقوام يقرءون القرآن فإذا قرءوه قالوا مَنْ أقْرَأُ منا؟ من أعْلَمُ منا؟ ثم التفت إلى أصحابه فقال: هل ترون في أُولئكم من خير»؟ قالوا لا. قال: «أُولئك منكم وأُولئك من هذه الأُمّة وأُولئك هم وقود النار».

البيضاوي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} عام في الكفرة. وقيل: المراد به وفد نجران، أو اليهود، أو مشركوا العرب. {لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلـٰدُهُم مّنَ ٱللَّهِ شَيْئًا} أي من رحمته، أو طاعته على معنى البدلية، أو من عذابه {وَأُولَـئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ } حطبها. وقرىء بالضم بمعنى أهل وقودها.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن الكفار بأنهم وقود النار {أية : يَوْمَ لاَ يَنفَعُ ٱلظَّـٰلِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ ٱلْلَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ }تفسير : [غافر: 52] وليس ما أوتوه في الدنيا من الأموال والأولاد بنافع لهم عند الله، ولا بمنجيهم من عذابه وأليم عقابه، كما قال تعالى: {أية : فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَـٰفِرُونَ}تفسير : [التوبة: 55] وقال تعالى: {أية : لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِى ٱلْبِلَـٰدِ مَتَـٰعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ }تفسير : [آل عمران: 196 ـ 197]، وقال ههنا: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي: بآيات الله، وكذبوا رسله، وخالفوا كتابه، ولم ينتفعوا بوحيه إلى أنبيائه {لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلـٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئًا وَأُولَـٰئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ} أي: حطبها الذي تسجر به، وتوقد به، كقوله: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ}تفسير : [الأنبياء: 98] الآية. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا ابن لهيعة، أخبرني ابن الهاد عن هند بنت الحارث، عن أم الفضل أم عبد الله بن عباس، قالت: بينما نحن بمكة، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل، فنادى: «حديث : هل بلغت اللهم هل بلغت»تفسير : ثلاثاً، فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: نعم، ثم أصبح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ليظهرن الإسلام حتى يرد الكفر إلى مواطنه، وليخُوضُنَّ البحارَ بالإسلام، وليأتين على الناس زمان يتعلمون القرآن ويقرؤونه، ثم يقولون: قد قرأنا وعلمنا، فمن هذا الذي هو خير منا، فهل في أولئك من خير؟»تفسير : قالوا: يا رسول الله، فمن أولئك؟ قال «حديث : أولئك منكم، وأولئك هم وقود النار» تفسير : وكذا رأيته بهذا اللفظ. وقد رواه ابن مردويه من حديث يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن هند بنت الحارث امرأة عبد الله بن شداد، عن أم الفضل، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام ليلة بمكة، فقال: «حديث : هل بلغت»تفسير : ؟ يقولها ثلاثاً؛ فقام عمر بن الخطاب، وكان أواهاً، فقال: اللهم نعم، وحرصت، وجهدت، ونصحت، فاصبر؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : ليظهرن الإيمان حتى يرد الكفر إلى مواطنه، وليخوضن رجال البحار بالإسلام، وليأتين على الناس زمان يقرؤون القرآن، فيقرؤونه ويعلمونه، فيقولون: قد قرأنا، وقد علمنا، فمن هذا الذي هو خير منا؟ فما في أولئك من خير»تفسير : قالوا: يا رسول الله، فمن أولئك؟ قال: «حديث : أولئك منكم، وأولئك هم وقود النار»تفسير : ثم رواه من طريق موسى بن عبيدة، عن محمد بن إبراهيم، عن بنت الهاد، عن العباس بن عبد المطلب، بنحوه. وقوله تعالى: {كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ} قال الضحاك عن ابن عباس: كصنيع آل فرعون، وكذا روي عن عكرمة ومجاهد وأبي مالك والضحاك وغير واحد، ومنهم من يقول: كسنة آل فرعون، وكفعل آل فرعون، وكشبه آل فرعون، والألفاظ متقاربة، والدأب بالتسكين والتحريك كنهر ونهر، هو الصنيع والحال والشأن والأمر والعادة، كما يقال: لا يزال هذا دأبي ودأبك، وقال امرؤ القيس:شعر : وُقُوفاً بها صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيَّهُمْ يقولون لا تَأْسَفْ أَسًى وتَجَمَّلِ كَدَأْبِكَ مِنْ أُم الحُوَيْرِثِ قَبْلَها وجارَتِها أُم الرَّبابِ بِمَأْسلِ تفسير : والمعنى: كعادتك في أم الحويرث حين أهلكت نفسك في حبها، وبكيت دارها ورسمها، والمعنى في الآية: أن الكافرين لا تغني عنهم الأموال ولا الأولاد، بل يهلكون ويعذبون كما جرى لآل فرعون ومن قبلهم من المكذبين للرسل فيما جاؤوا به من آيات الله وحججه، {وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} أي: شديد الأخذ، أليم العذاب، لا يمتنع منه أحد، ولا يفوته شيء، بل هوالفعال لما يريد، الذي قد غلب كل شيء، وذَلَّ له كل شي، لا إله غيره، ولا رب سواه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِىَ } تدفع {عَنْهُمْ أَمْوٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلٰدُهُم مّنَ ٱللَّهِ } أي عذابه {شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ } بفتح الواو ما توقد به.

الشوكاني

تفسير : المراد بـ {الذين كفروا}: جنس الكفرة. وقيل: وفد نجران، وقيل: قريظة، وقيل: النضير، وقيل: مشركو العرب. وقرأ السلمي: "لن يُغني" بالتحتية، وقرأ الحسن بكون الياء الآخرة تخفيفاً. قوله: {مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً } أي: من عذابه شيئاً من الإغناء، وقيل: إن كلمة من بمعنى عند، أي: لا تغني عند الله شيئاً قاله أبو عبيد، وقيل: هي بمعنى بدل. والمعنى: بدل رحمة الله، وهو بعيد. قوله: {وَأُولَـئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ } الوقود: اسم للحطب، وقد تقدم الكلام عليه في سورة البقرة، أي: هم حطب جهنم الذي تسعر به، وهم: مبتدأ، ووقود خبره، والجملة خبر أولئك، أو هم ضمير فصل، وعلى التقديرين، فالجملة مستأنفة مقرّرة لقوله: {لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوٰلُهُمْ } الآية. وقرأ الحسن، ومجاهد، وطلحة بن مصرف "وَقُودُ" بضم الواو، وهو مصدر، وكذلك الوقود بفتح الواو في قراءة الجمهور يحتمل أن يكون اسماً للحطب، كما تقدم، فلا يحتاج إلى تقدير، ويحتمل أن يكون مصدراً؛ لأنه من المصادر التي تأتي على وزن الفعول، فتحتاج إلى تقدير، أي: هم أهل، وقود النار. قوله: {كَدَأْبِ ءالِ فِرْعَوْنَ } الدأب: الاجتهاد، يقال دأب الرجل في عمله يدأب دأباً ودءوباً: إذا جدّ، واجتهد، والدائبان الليل، والنهار، والدأب: العادة، والشأن، ومنه قول امرىء القيس:شعر : كدأبك من أمِّ الحُوَيِرِثِ قَبْلَها وَجَارَتها أمِّ الرَّبابِ بِمَأسَلِ تفسير : والمراد هنا: كعادة آل فرعون، وشأنهم، وحالهم، واختلفوا في الكاف، فقيل: هي في موضع رفع تقديره دأبهم كدأب آل فرعون مع موسى. وقال الفراء: إن المعنى: كفرت العرب، ككفر آل فرعون. قال النحاس: لا يجوز أن تكون الكاف متعلقة بكفروا، لأن كفروا داخلة في الصلة، وقيل: هي متعلقة بأخذهم الله، أي: أخذهم أخذه، كما أخذ آل فرعون، وقيل: هي متعلقة بـ {لن تغني}، أي: لم تغن عنهم غناء، كما لم تغن عن آل فرعون، وقيل: إن العامل فعل مقدر من لفظ الوقود، ويكون التشبيه في نفس الإحراق. قالوا: ويؤيده قوله تعالى: {أية : &#1649أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} تفسير : [غافر: 46]. {أية : ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً } تفسير : [غافر: 46]، والقول الأوّل هو الذي قاله جمهور المحققين، ومنهم الأزهري. قوله: {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } أي: من قبل آل فرعون من الأمم الكافرة، أي: وكدأب الذين من قبلهم. قوله: {كَذَّبُواْ بِأَيَـٰتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ } يحتمل أن يريد الآيات المتلوّة، ويحتمل أن يريد الآيات المنصوبة للدلالة على الوحدانية، ويصح إرادة الجميع. والجملة بيان، وتفسير لدأبهم، ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من آل فرعون والذين من قبلهم على إضمار قد: أي دأب هؤلاء كدأب أولئك قد كذبوا الخ. وقوله {بِذُنُوبِهِمْ } أي بسائر ذنوبهم التي من جملتها تكذيبهم. قوله: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } قيل: هم اليهود، وقيل: هم مشركو مكة، وسيأتي بيان سبب نزول الآية. وقوله: {سَتُغْلَبُونَ } قريء بالفوقية، والتحتية، وكذلك {تُحْشَرُونَ }. وقد صدق الله، وعده بقتل بني قريظة، وإجلاء بني النضير، وفتح خيبر، وضرب الجزية على سائر اليهود، ولله الحمد. قوله: {وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } يحتمل أن يكون من تمام القول الذي أمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقوله لهم، ويحتمل أن تكون الجملة مستأنفة تهويلاً، وتفظيعاً. قوله: {قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ } أي: علامة عظيمة دالة على صدق ما أقول لكم، وهذه الجملة جواب قسم محذوف، وهي: من تمام القول المأمور به لتقرير مضمون ما قبله، ولم يقل "كانت"؛ لأن التأنيث غير حقيقي. وقال الفراء: إنه ذكر الفعل لأجل الفصل بينه، وبين الإسم بقوله: {لَكُمْ }. والمراد بالفئتين: المسلمون، والمشركون لما الْتقوا يوم بدر. قوله: {فِئَةٌ تُقَـٰتِلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } قراءة الجمهور برفع {فئة}. وقرأ الحسن، ومجاهد «فئة» و«كافرة» بالخفض، فالرفع على الخبرية لمبتدأ محذوف، أي: إحداهما فئة. وقوله: {تُقَـٰتِلُ } في محل رفع على الصفة، والجرّ على البدل من قوله: {فِئَتَيْنِ }. وقوله: {وَأُخْرَىٰ } أي: وفئة أخرى كافرة. وقرأ ابن أبي عبلة بالنصب فيهما. قال ثعلب: هو على الحال، أي: التقتا مختلفتين، مؤمنة، وكافرة. وقال الزجاج: النصب بتقدير أعني؛ وسميت الجماعة من الناس فئة؛ لأنه يفاء إليها: أي: يرجع إليها في وقت الشدة. وقال الزجاج: الفئة: الفرقة مأخوذة من فأوت رأسه بالسيف: إذا قطعته، ولا خلاف أن المراد بالفئتين هما: المقتتلتان في يوم بدر، وإنما وقع الخلاف في المخاطب بهذا الخطاب، فقيل: المخاطب بها: المؤمنون. وقيل: اليهود. وفائدة الخطاب للمؤمنين: تثبيت نفوسهم، وتشجيعها، وفائدته إذا كان مع اليهود عكس الفائدة المقصودة بخطاب المسلمين. قوله: {يَرَوْنَهُمْ مّثْلَيْهِمْ } قال أبو علي الفارسي: الرؤية في هذه الآية رؤية العين، ولذلك تعدت إلى مفعول واحد، ويدل عليه قوله: {رَأْىَ ٱلْعَيْنِ } والمراد أنه يرى المشركون المسلمين مثلي عدد المشركين، أو مثلي عدد المسلمين، وهذا على قراءة الجمهور بالياء التحتية، وقرأ نافع بالفوقية. وقوله: {مّثْلَيْهِمْ } منتصب على الحال. وقد ذهب الجمهور إلى أن فاعل ترون هم المؤمنون، والمفعول هم الكفار. والضمير في مثليهم يحتمل أن يكون للمشركين، أي: ترون أيها المسلمون المشركين مثلي ما هم عليه من العدد، وفيه بُعْد أن يكثر الله المشركين في أعين المؤمنين، وقد أخبرنا أنه قللهم في أعين المؤمنين، فيكون المعنى ترون أيها المسلمون المشركين مثليكم في العدد، وقد كانوا ثلاثة أمثالهم، فقلل الله المشركين في أعين المسلمين، فأراهم إياهم مثلي عدتهم لتقوى أنفسهم. وقد كانوا أعلموا أن المائة منهم تغلب المائتين من الكفار، ويحتمل أن يكون الضمير في {مثليهم} للمسلمين، أي: ترون أيها المسلمون أنفسكم مثلي ما أنتم عليه من العدد لتقوى بذلك أنفسكم، وقد قال من ذهب إلى التفسير الأوّل - أعني: أن فاعل الرؤية المشركون، وأنهم رأوا المسلمين مثلي عددهم - أنه لا يناقض هذا ما في سورة الأنفال من قوله تعالى: {أية : وَيُقَلّلُكُمْ فِى أَعْيُنِهِمْ } تفسير : [الأنفال: 44] بل قللوا أوّلا في أعينهم ليلاقوهم، ويجترئوا عليهم، فلما لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا. قوله: {رَأْىَ ٱلْعَيْنِ } مصدر مؤكد لقوله: {يَرَوْنَهُمْ } أي: رؤية ظاهرة مكشوفة لا لبس فيها {وَٱللَّهُ يُؤَيّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء } أي: يقوّي من يشاء أن يقويه، ومن جملة ذلك تأييد أهل بدر بتلك الرؤية {إِنَّ فِى ذَلِكَ } أي: في رؤية القليل كثيراً {لَعِبْرَةً } فعلة من العبور، كالجلسة من الجلوس. والمرد الاتعاظ، والتنكير للتعظيم، أي: عبرة عظيمة، وموعظة جسيمة. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {كَدَأْبِ ءالِ فِرْعَوْنَ } قال: كصنيع آل فرعون. وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عنه قال كفعل. وأخرج مثله أبو الشيخ، عن مجاهد. وأخرج ابن جرير، عن الربيع قال: كسنتهم. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أصاب من أهل بدر ما أصاب، ورجع إلى المدينة جمع اليهود في سوق بني قينقاع قال: حديث : يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله بما أصاب قريشاً، تفسير : قالوا يا محمد لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفراً كانوا غماراً لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا، فأنزل الله: {قُلْ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ } إلى قوله: {أُوْلِى ٱلأبْصَـٰرِ }». وأخرج ابن جرير، وابن إسحاق، وابن أبي حاتم، عن عاصم بن عمر بن قتادة مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن عكرمة قال: قال فنحاص اليهودي، وذكر نحوه. وأخرج ابن جرير، عن قتادة في قوله: {قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ } عبرة، وتفكر. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَـٰتِلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر {وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ } فئة قريش الكفار. وأخرج عبد الرزاق أن هذه الآية نزلت في أهل بدر. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الربيع في قوله: {قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ } يقول: قد كان لكم في هؤلاء عبرة، ومتفكر أيدهم الله، ونصرهم على عدوهم يوم بدر، كان المشركون تسعمائة وخمسين رجلاً، وكان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً. وأخرج ابن جرير، عن ابن مسعود في الآية قال: هذا يوم بدر نظرنا إلى المشركين، فرأيناهم يضعفون علينا ثم نظرنا إليهم، فما رأيناهم يزيدون علينا رجلاً واحداً. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في الآية قال: أنزلت في التخفيف يوم بدر على المؤمنين كانوا يومئذ ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً، وكان المشركون مثليهم ستمائة وستة وعشرين، فأيد الله المؤمنين.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ} فيه وجهان: أحدهما: أن الدأب: العادة، (أي) كعادة آل فرعون والذين من قبلهم. والثاني: أن الدأب هنا الاجتهاد، مأخوذ من قولهم: دأبت في الأمر، إذا اجتهدت فيه. فإذا قيل إنه العادة ففيما أشار إليه من عادتهم وجهان: أحدهما: كعادتهم في التكذيب بالحق. والثاني: كعادتهم من عقابهم على ذنوبهم. وإذا قيل إنه الاجتهاد، احتمل ما أشار إليه من اجتهادهم وجهين: أحدهما: كاجتهادهم في نصرة الكفر على الإِيمان. والثاني: كاجتهادهم في الجحود والبهتان. وفيمن أشار إليهم أنهم كدأب آل فرعون قولان: أحدهما: أنهم مشركو قريش يوم بدر، كانوا في انتقام الله منهم لرسله والمؤمنين، كآل فرعون في انتقامه منهم لموسى وبني إسرائيل، فيكون هذا على القول الأول تذكيراً للرسول والمؤمنين بنعمة سبقت، لأن هذه الآية نزلت بعد بدر استدعاء لشكرهم عليها، وعلى القول الثاني وعداً بنعمة مستقبلة لأنها نزلت قبل قتل يهود بني قينقاع، فحقق وعده وجعله معجزاً لرسوله.

ابن عطية

تفسير : هم الكفار الذين لا يقرون ببعث إنما هي على وجه الدهر وإلى يوم القيامة في زينة الدنيا وهي المال والبنون، فأخبر الله تعالى في هذه الآية، أن ذلك المتهم فيه لا يغني عن صاحبه شيئاً ولا يمنعه من عذاب الله وعقابه، و {من} في قوله: {من الله} لابتداء الغاية، والإشارة بالآية إلى معاصري النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا يفخرون بأموالهم وأبنائهم، وهي - بعد - متناولة كل كافر، وقرأ أبو عبد الرحمن: "لن يغني" بالياء، على تذكير العلامة، والوقود بفتح الواو ما يحترق في النار من حطب ونحوه، وكذلك هي قراءة جمهور الناس، وقرأ الحسن ومجاهد وجماعة غيرهما {وُقُود} بضم الواو وهذا على حذف مضاف تقديره، حطب {وقود النار}، والوقود بضم الواو المصدر، وقدت النار تقد إذا اشتعلت، والدأْب والدأَب، بسكون الهمزة وفتحها، مصدر دأب يدأب - إذا لازم فعل شيء ودام عليه مجتهداً فيه، ويقال للعادة - دأب - فالمعنى في الآية، تشبيه هؤلاء في لزومهم الكفر ودوامهم عليه بأولئك المتقدمين، وآخر الآية يقتضي الوعيد بأن يصيب هؤلاء مثل ما أصاب أولئك من العقاب. والكاف في قوله {كدأب} في موضع رفع، التقدير: دأبهم {كدأب}، ويصح أن يكون الكاف في موضع نصب، قال الفراء: هو نعت لمصدر محذوف تقديره كفراً {كدأب}، فالعامل فيه {كفروا}، ورد هذا القول الزجاج بأن الكاف خارجة من الصلة فلا يعمل فيها ما في الصلة. قال القاضي رحمه الله: ويصح أن يعمل فيه فعل مقدر من لفظ "الوقود" ويكون التشبيه في نفس الاحتراق، ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى: {أية : النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعةُ أدخلوا آل فرعون أشد العذاب } تفسير : [غافر: 46]، والقول الأول أرجح الأقوال أن يكون الكاف في موضع رفع، والهاء في {قبلهم} عائدة على {آل فرعون}، ويحتمل أن تعود على معاصري رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكفار، وقوله: {بآياتنا} يحتمل أن يريد بالآيات المتلوة، ويحتمل أن يريد العلامات المنصوبة، واختلفت عبارة المفسرين، في تفسير الدأب، وذلك كله راجع إلى المعنى الذي ذكرناه.

النسفي

تفسير : {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا } لا تملها عن الحق بخلق الميل في القلوب {بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا } للعمل بالمحكم والتسليم للمتشابه {وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً } من عندك نعمة بالتوفيق والتثبيت {إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ } كثير الهبة، والآية من مقول الراسخين ويحتمل الاستئناف أي قولوها وكذلك التي بعدها وهي {رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ } أي تجمعهم لحساب يوم أو لجزاء يوم {لاَ رَيْبَ فِيهِ } لا شك في وقوعه {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ } الموعد. والمعنى أن الإلهية تنافي خلف الميعاد كقولك «إن الجواد لا يخيب سائله» أي لا يخلف ما وعد المسلمين والكافرين من الثواب والعقاب. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } برسول الله {لَن تُغْنِيَ } تنفع أو تدفع {عَنْهُمْ أَمْوٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلـٰدُهُم مّنَ ٱللَّهِ } من عذابه {شَيْئاً } من الأشياء {وَأُولَـٰئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ } حطبها {كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } الدأب مصدر دأب في العمل إذا كدح فيه فوضع موضع ما عليه الإنسان من شأنه وحاله. والكاف مرفوع المحل تقديره دأب هؤلاء الكفرة في تكذيب الحق كدأب من قبلهم من آل فرعون وغيرهم، أو منصوب المحل بـ « لن تغني أي لن تغني عنهم مثل ما لم تغن عن أولئك. «كداب» بلا همز حيث كان: أبو عمرو. {كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا } تفسير لدأبهم مما فعلوا، أو فعل بهم على أنه جواب سؤال مقدر عن حالهم، ويجوز أن يكون حالاً أي قد كذبوا {فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ } بسبب ذنوبهم يقال أخذته بكذا أي جازيته عليه {وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } شديد عقابه فالإضافة غير محضة {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } هم مشركو مكة {سَتُغْلَبُونَ } يوم بدر {وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ } من الجهنام وهي بئر عميقة. وبالياء فيهما: حمزة وعلي {وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } المستقر جهنم. {قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ } الخطاب لمشركي قريش {فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا } يوم بدر {فِئَةٌ تُقَـٰتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } وهم المؤمنون {وَأُخْرَىٰ } وفئة أخرى {كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مّثْلَيْهِمْ } يرى المشركون المسلمين مثلي عدد المشركين ألفين، أو مثلي عدد المسلمين ستمائة ونيفاً وعشرين، أراهم الله إياهم مع قلتهم أضعافهم ليهابوهم ويجبنوا عن قتالهم. «ترونهم» نافع أي ترون يا مشركي قريش المسلمين مثلي فئتكم الكافرة، أو مثلي أنفسهم. ولا يناقض هذا ما قال في سورة الأنفال {أية : وَيُقَلّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ }تفسير : [الأنفال: 44] لأنهم قللوا أولاً في أعينهم حتى اجترؤا عليهم، فلما اجتمعوا كثروا في أعينهم حتى غلبوا فكان التقليل والتكثير في حالتين مختلفتين ونظيره من المحمول على اختلاف الأحوال {أية : فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْـئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ }تفسير : [الرحمن: 39]. {أية : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْؤولُونَ } تفسير : [الصافات: 24]. وتقليلهم تارة وتكثيرهم أخرى في أعينهم أبلغ في القدرة وإظهار الآية. و«مثليهم» نصب على الحال لأنه من رؤية العين بدليل قوله {رَأْيَ ٱلْعَيْنِ } يعني رؤية ظاهرة مكشوفة لا لبس فيها {وَٱللَّهُ يُؤَيّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ } كما أيد أهل بدر بتكثيرهم في أعين العدو {إِنَّ فِي ذَلِكَ } في تكثير القليل {لَعِبْرَةً } لعظة {لأُوْلِي ٱلأَبْصَـٰرِ } لذوي البصائر. {زُيِّنَ لِلنَّاسِ } المزين هو الله عند الجمهور للابتلاء كقوله: {أية : إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ }تفسير : [الكهف: 7]. دليله قراءة مجاهد «زين للناس» على تسمية الفاعل. وعن الحسن: الشيطان {حُبُّ ٱلشَّهَوٰتِ } الشهوة توقان النفس إلى الشيء، جعل الأعيان التي ذكرها شهوات مبالغة في كونها مشتهاة، أو كأنه أراد تخسيسها بتسميتها شهوات إذ الشهوة مسترذلة عند الحكماء، مذموم من اتبعها، شاهد على نفسه بالبهيمية {مِّنَ ٱلنِّسَاءِ } والإماء داخلة فيها {وَٱلْبَنِينَ } جمع ابن وقد يقع في غير هذا الموضع على الذكور والإناث، وهنا أريد به الذكور فهم المشتهون في الطباع والمعدون للدفاع {وَٱلْقَنَـٰطِيرِ } جمع قنطار وهو المال الكثير. قيل: ملء مسك ثور أو مائة ألف دينار، ولقد جاء الإسلام وبمكة مائة رجل قد قنطروا {ٱلْمُقَنطَرَةِ } المنضدة أو المدفونة {مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ } سمي ذهباً لسرعة ذهابه بالإنفاق، وفضة لأنها تتفرق بالإنفاق والفض التفريق {وَٱلْخَيْلِ } سميت به لاختيالها في مشيها {ٱلْمُسَوَّمَةِ } المعلمة من السومة وهي العلامة أو المرعية من أسام الدابة وسومها {وَٱلأَنْعَـٰمِ } هي الأزواج الثمانية {وَٱلْحَرْثِ } الزرع {ذٰلِكَ } المذكور {مَّتَاعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } يتمتع به في الدنيا {وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلْمَأَبِ } المرجـع. ثم زهدهم في الدنيا فقال { قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذٰلِكُمْ } من الذي تقدم {لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ عِندَ رَبّهِمْ جَنَّـٰتٌ } كلام مستأنف فيه دلالة على بيان ما هو خير من ذلكم، فـ «جَنات» مبتدأ «لَلذين اتقوا» خبره {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } صفة لـ «جنات»، ويجوز أن يتعلق اللام بـ «خير» واختص المتقين لأنهم هم المنتفعون به. ويرتفع «جنات» على هو جنات وتنصره قراءة من قرأ «جناتٍ» بالجر على البدل من «خير» {خَـٰالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوٰنٌ مّنَ ٱللَّهِ } أي رضا الله {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ } عالم بأعمالهم فيجازيهم عليها أو بصير بالذين اتقوا وبأحوالهم فلذا أعد لهم الجنات. {ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ } نصب على المدح أو رفع أو جر صفة للمتقين أو للعباد {رَبَّنَا إِنَّنَا ءَامَنَّا } إجابة لدعوتك {فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا } إنجازاً لوعدك {وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ } بفضلك {ٱلصَّـٰبِرِينَ } على الطاعات والمصائب وهو نصب على المدح {وَٱلصَّـٰدِقِينَ } قولاً بإخبار الحق، وفعلاً بإحكام العمل، ونية بإمضاء العزم {وَٱلْقَـٰنِتِينَ } الداعين أو المطيعين {وَٱلْمُنـفِقِينَ } المتصدقين {وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ } المصلين أو طالبين المغفرة، وخص الأسحار لأنه وقت إجابة الدعاء، ولأنه وقت الخلوة. قال لقمان لابنه: يا بني لا يكن الديك أكيس منك ينادي بالأسحار وأنت نائم. والواو المتوسطة بين الصفات للدلالة على كمالهم في كل واحدة منها، وللإشعار بأن كل صفة مستقلة بالمدح. {شَهِدَ ٱللَّهُ } أي حكم أو قال {أَنَّهُ } أي بأنه {لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ } بما عاينوا من عظيم قدرته {وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ } أي الأنبياء والعلماء {قَائِمَاً بِٱلْقِسْطِ } مقيماً للعدل فيما يقسم من الأرزاق والآجال ويثيب ويعاقب، وما يأمر به عباده من إنصاف بعضهم لبعض والعمل على السوية فيما بينهم. وانتصابه على أنه حال مؤكدة من اسم الله تعالى أو من «هو»، وإنما جاز إفراده بنصب الحال دون المعطوفين عليه ولو قلت «جاء زيد وعمرو راكباً» لم يجز لعدم الإلباس فإنك لو قلت «جـاءني زيد وهند راكبا» جاز لتميزه بالذكورة أو على المدح. وكرر {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } للتأكيد {ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ } رفع على الاستئناف أي هو العزيز وليس بوصف لـ «هو» لأن الضمير لا يوصف يعني أنه العزيز الذي لا يغالب، الحكيم الذي لا يعدل عن الحق {إِنَّ الدّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلَـٰمُ } جملة مستأنفة. وقرىء أن الدين على البدل من قوله أنه لا إله إلا هو أي شهد الله أن الدين عند الله الإسلام. قال عليه السلام«حديث : من قرأ الآية عند منامه خلق الله تعالى منها سبعين ألف خلق يستغفرون له إلى يوم القيامة، ومن قال بعدها: وأنا أشهد بما شهد الله به وأستودع الله هذه الشهادة وهي لي عند الله وديعة يقول الله تعالى يوم القيامة: إن لعبدي عندي عهداً وأنا أحق من وفى بالعهد أدخلوا عبدي الجنة»تفسير : {وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } أي أهل الكتاب من اليهود والنصارى، واختلافهم أنهم تركوا الإسلام وهو التوحيد فثلثت النصارى وقالت اليهود عزير بن الله {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ٱلْعِلْمُ } أنه الحق الذي لا محيد عنه {بَغْياً بَيْنَهُمْ } أي ما كان ذلك الاختلاف إلا حسداً بينهم وطلباً منهم للرياسة وحظوظ الدنيا واستتباع كل فريق ناساً لا شبهة في الإسلام. وقيل: هو اختلافهم في نبوة محمد عليه الصلاة والسلام حيث آمن به بعض وكفر به بعض. وقيل: هم النصارى واختلافهم في أمر عيسى بعد ما جاءهم العلم أنه عبد الله ورسوله {وَمَن يَكْفُرْ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ } بحججه ودلائله {فَإِنَّ ٱللَّهِ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } سريع المجازاة {فَإنْ حَاجُّوكَ } فإن جادلوك في أن دين الله الإسلام والمراد بهم وفد بني نجران عند الجمهور {فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ } أي أخلصت نفسي وجملتي لله وحده لم أجعل فيها لغيره شريكاً بأن أعبده وأدعو إلهاً معه، يعني أن ديني دين التوحيد وهو الدين القويم الذي ثبتت عندكم صحته كما ثبتت عندي وما جئت بشيء بديع حتى تجادلوني فيه ونحوه: {أية : قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَن لا نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً }تفسير : [آل عمران: 64]. فهو دفع للمحاجة بأن ما هو عليه ومن معه من المؤمنين هو اليقين الذي لا شك فيه فما معنى المحاجة فيه! {وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ } عطف على التاء في «أسلمت» أي أسلمت أنا ومن أتبعني وحسن للفاصل، ويجوز أن يكون الواو بمعنى «مع» فيكون مفعولاً معه. «ومن اتبعني» في الحالين: سهل ويعقوب وافق أبو عمرو في الوصل. «وجهي»: مدني وشامي وحفص والأعشى والبرجمي. {وَقُلْ لّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } من اليهود والنصارى {وَٱلأُمِّيِّينَ } والذين لا كتاب لهم من مشركي العرب {ءَأَسْلَمْتُمْ } بهمزتين: كوفي، يعني أنه قد أتاكم من البينات ما يقتضي حصول الإسلام فهل أسلمتم أم أنتم بعد على كفركم؟ وقيل: لفظه لفظ الاستفهام ومعناه الأمر أي أسلموا كقوله {أية : فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ }تفسير : [المائدة: 91] أي انتهوا {فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ } فقد أصابوا الرشد حيث خرجوا من الضلال إلى الهدى {وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ } أي لم يضروك فإنك رسول منبه ما عليك إلا أن تبلغ الرسالة وتنبه على طريق الهدى {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ } فيجازيهم على إسلامهم وكفرهم.

ابن عادل

تفسير : لما حكى دعاءَ المؤمنين وتضرُّعَهم حكى كيفيةَ حال الكافرين، وشدة عقابهم، وفيهم قولان: أحدهما: أن المراد بهم وفد نجران؛ لأنا روينا في قصتهم أن أبا حارثة بن علقمة قال لأخيه إني أعلم أنه رسولُ اللهِ حقاً، ولكني إن أظهرتُ ذلك أخذ ملوكُ الرومِ مني ما أعطَوْنِي من المال، فبيَّن الله تعالى أن أموالهم لا تدفع عنهم عذابَ الله. الثاني: أن اللفظ عام، وخصوصُ السبب لا يمنع عمومَ اللفظ. قوله: {لَن تُغْنِيَ} العامة على "تُغْنِي" بالتاء من فوق؛ مراعاةً لتأنيث الجميع، وقرأ الحسنُ وأبو عبد الرحمن بالياء من تحت - بالتذكير - على الأصل، وسكن الحسن ياءَ "تُغْنِي"؛ استثقالاً للحركةِ على حرف العلة، وذهاباً به مَذْهَبَ الألف، وَبَعضهم يخص هذا بالضرورةِ. قوله: {مِّنَ ٱللَّهِ} في "مِن" هذه أربعة أوجه: أحدها: أنها لابتداء الغايةِ - مجازاً - أي: من عذاب الله وجزائه. الثاني: أنها بمعنى "عند" قاله أبو عبيدة، وجعله كقوله تعالى: {أية : أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} تفسير : [قريش: 4]، أي: عند جوع، وعند خوف، وهذا ضعيف عند النحويين. الثالث: أنها بمعنى بدل. قال الزمخشري: قوله: {مِّنَ ٱللَّهِ} مثل قوله: {أية : إَنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً} تفسير : [يونس: 36]، والمعنى: لن تغني عنهم من رحمة الله، أو من طاعته شيئاً، أي: بدل رحمته وطاعته، وبدل الحق ومنه [قوله]: "حديث : ولا ينفع ذا الجد منك الجد"تفسير : أي: لا ينفعه جده وحظه من الدنيا بدلاً، أي: بدل طاعتك وما عندك، وفي معناه قوله تعالى: {أية : وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ} تفسير : [سبأ: 37]، وهذا الذي ذكره من كونها بمعنى بدل جمهور النحاة يَأبَاه؛ فإن عامة ما أوْرَدَهُ يتأوَّله الجمهورُ. ومنه قوله: [الرجز] شعر : 1345 - جاريةٌ لَمْ تَأكُلِ الْمُرَقَّقَا وَلَمْ تَذُقْ مِنَ الْبُقُولِ الْفُسْتُقَا تفسير : وقول الآخر: [الكامل] شعر : 1346 - أخَذُوا الْمَخَاضَ مِنَ الْفصيلِ غُلُبَّةً ظُلْماً، وَيَكْتُبُ للأميرِ أفِيلا تفسير : وقوله تعالى: {أية : لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلاَئِكَةً} تفسير : [الزخرف: 60]، وقوله: {أية : أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلآخِرَةِ} تفسير : [التوبة: 38]؟ الرابع: أنها تبعيضية، إلا أن هذا الوجه لما أجازه أبو حيّان مبنياً على إعراب "شَيْئاً" مفعولاً به، بمعنى: لا تدفع، ولا تمنع، قال: فعلى هذا يجوز أن يكون "من" في موضع الحال من "شَيْئاً"؛ لأنه لو تأخر لكان في موضع النعتِ له، فلما تقدم انتصب على الحال، وتكون "من" إذ ذاك - للتبعيض. قال شهاب الدينِ: "وهذا ينبغي أن لا يجوز ألبتة؛ لأن "منَ" التبعيضية تؤوَّلُ بلفظ بعض مضافةً لما جرَّتْه "مِنْ" ألا ترى أنك إذا قلتَ: رأيت رجلاً من بني تميم، معناه: بعض بني تميم، وأخذت من الدراهم: أي: بعضَ الدراهم، وهنا لا يُتَصَوَّرُ ذلك أصْلاً، وإنما يصح جعله صفة لـِ "شَيْئاً" إذا جعلنا "مِنْ" لابتداء الغاية، كقولك: عندي درهم من زيد، أي: كائن أو مستقر من زيد، ويمتنع فيها التبعيض، والحال كالصفة في المعنى، فامتنع أن تكون من للتبعيض مع جعله "مِنَ اللهِ" حالاً من "شَيْئاً"، وأبو حيّان تبع أبا البقاءِ في ذلك، إلا أن أبا البقاء حين قال ذلك - قَدَّر مضافاً وضَّح به قوله، والتقدير: شيئاً من عذاب الله، فكان ينبغي أن يتبعه - في هذا الوجهِ - مُصَرِّحاً بما يدفع هذا الذي ذكرته". و "شَيْئاً" إما منصوب على المفعول به وقد تقدم تأويله وإما على المصدرية، أي: شَيْئاً من الإغناء. قوله: {وَأُولَـٰئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ} هذه الجملة تحتمل وجهَيْن: أحدهما: أن تكون مستأنفةً. والثاني: أن تكون منسوقة على خبر "إنَّ" و "هم" تحتمل الابتداء والفصل. وقرأ العامة "وَقُودُ" بفتح الواو، والحَسن بِضَمِّها وتقدم تحقيقُ ذلك في البقرة، وأن المصدرية محتملة في المفتوح الواو أيضاً، وحيث كان مصدراً فلا بد من تأويله، فلا حاجة إلى إعادته. فصل اعلم أن كمال العذاب هو أن يزول عنهم كل ما يُنْتَفَعُ به، ثم تجتمع عليه الأسبابُ المؤلمة. الأول هو المراد بقوله: {لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم}؛ فإن المرء - عند الخطوب - يفزع إلى المال والولد؛ لأنهما أقربُ الأمور التي يُفْزَع إليها في دَفْع النوائب، فبيَّن تعالى أن صفة ذلك اليوم مخالِفَةٌ لصفةِ الدنيا، وإذا تعذَّر عليه الانتفاع في ذلك اليوم بالمالِ والولدِ - وهما أقرب الطرق - فما عداه بالتعذُّر أوْلَى، ونظيره: {أية : يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} تفسير : [الشعراء: 88, 89]. وأما الثاني من أسباب كمال العذاب - وهو اجتماع الأسباب المُؤْلمةِ - فهو المراد بقوله: {وَأُولَـٰئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ} وهذا هو النهايةُ في العذابِ؛ فإنه لا عذابَ أعظم من أن تشتَعِل النارُ فيهم كاشتعالها في الحطب اليابِسِ.

ابو السعود

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} إثرَ ما بـين الدينَ الحقَّ والتوحيد وذكر أحوالَ الكتب الناطقةِ به وشرح شأن القرآنِ العظيم وكيفيةِ إيمانِ العلماء الراسخين به شَرَع في بـيان حال مَنْ كفر به، والمرادُ بالموصول جنسُ الكفرة الشاملُ لجميع الأصناف، وقيل: وفدُ نجرانَ أو اليهودُ من قريظةَ والنضِير أو مشركو العرب {لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ} أي لن تنفعَهم وقرىء بالتذكير وبسكون الياء جِدّاً في استثقال الحركة على حروف اللين {أَمْوٰلَهُمُ} التي يبذُلونها في جلب المنافع ودفعِ المضارّ {وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ} الذين بهم يتناصرون في الأمور المُهمة وعليهم يعوّلون في الخطوب المُلمة، وتأخيرُ الأولاد عن الأموال مع توسيط حرف النفي بـينهما إما لعراقة الأولادِ في كشف الكروب، أو لأن الأموال أولُ عُدّة يُفزع إليها عند نزول الخطوب {مِنَ ٱللَّهِ} من عذابه تعالى {شَيْئاً} أي شيئاً من الإغناء، وقيل: كلمة من بمعنى البدل والمعنى بدلَ رحمةِ الله أو بدلَ طاعته كما في قوله تعالى: {أية : إَنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقّ شَيْئًا }تفسير : [يونس، الآية 36] أي بدل الحق ومنه قوله: ولا ينفع ذا الجَدّ منك الجَدُّ أي لا ينفعه جَدُّه بدلك أي بدلَ رحمتك كما في قوله تعالى: {أية : وَمَا أَمْوٰلُكُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُكُمْ بِٱلَّتِى تُقَرّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ} تفسير : [سبأ، الآية 37] وأنت خبـير بأن احتمال سدِّ أموالِهم وأولادهم مسدَّ رحمة الله تعالى أو طاعته مما لا يخطُر ببال أحد حتى يُتصدَّى لنفيه، والأولُ هو الأليقُ بتفظيع حال الكفرة وتهويل أمرهم والأنسبُ بما بعده من قوله تعالى: {وَأُولَـئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ} ومن قوله تعالى: {فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ} [آل عمران، الآية 11] أي أولئك المتّصفون بالكفر حطبُ النار وحصَبُها الذي تُسعّر به، فإن أريد بـيانُ حالِهم عند التسعير فإيثارُ الجملةِ الاسمية للدِلالة على تحقق الأمر وتقرّره، وإلا فهو للإيذان بأن حقيقة حالِهم ذلك، وأن أحوالهم الظاهرةَ بمنزلة العدم فهم حال كونهم في الدنيا وَقودُ النار بأعيانهم. وفيه من الدلالة على كمال ملابستهم بالنار ما لا يخفىٰ و{هُمْ} يحتمل الابتداءَ وأن يكون ضميرَ فصلٍ والجملة إما مستأنفةٌ مقرِّره لعدم الإغناء أو معطوفة على خبر إن، وأيا ما كان ففيها تعيـينٌ للعذاب الذي بـيّن أن أموالهم وأولادهم لا تغني عنهم منه شيئاً. وقرىء وُقود النار بضم الواو وهو مصدر أي أهلُ وقودها {كَدَأْبِ ءالِ فِرْعَوْنَ} الدأبُ مصدر دأَبَ في العمل إذا كدح فيه وتعِب غلب استعمالُه في معنى الشأن والحال والعادة، ومحلُّ الكاف الرفعُ على أنه خبرٌ لمبتدإٍ محذوف وقد جُوِّز النصبُ بلن تغني أو بالوَقود أي لن تغني عنهم كما لم تغنِ عن أولئك أو توقد بهم النارُ كما توقد بهم، وأنت خبـير بأن المذكور في تفسير الدأب إنما هو التكذيبُ والأخذ من غير تعرُّض لعدم الإغناء لا سيما على تقدير كونِ مِنْ بمعنى البدل كما هو رأيُ المجوِّز، ولا لإيقاد النار فيُحمل على التعليل وهو خلافُ الظاهر على أنه يلزَمُ الفصلُ بـين العامل والمعمول بالأجنبـي على تقدير النصب بأن تغني وهو قوله تعالى: {وَأُولَـٰئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ} إلا أن يُجعل استئنافاً معطوفاً على خبر إن فالوجهُ هو الرفعُ على الخبرية أي دأبُ هؤلاءِ في الكفر وعدمِ النجاة من أخْذِ الله تعالى وعذابه كدأب آلِ فرعون {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي من قبل آلِ فرعونَ من الأمم الكافرة، فالموصولُ في محل الجر عطفاً على ما قبله وقوله تعالى: {كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا} بـيانٌ وتفسير لدأبهم الذي فعلوا، على طريق الاستئناف المبني على السؤال كأنه قيل: كيف كان دأبهم؟ فقيل: كذبوا بآياتنا وقوله تعالى: {فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ} تفسيرٌ لدأبهم الذي فُعل بهم أي فأخذهم الله وعاقبهم ولم يجدوا من بأس الله تعالى محيصاً، فدأبُ هؤلاء الكفرةِ أيضاً كدأبهم، وقيل: كذبوا الخ حال من {فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ} على إضمار قد أي دأبُ هؤلاء كدأب أولئك وقد كذبوا الخ، وأما كونه خبراً عن الموصول كما قيل فمما يذهب برونق النظم الكريم، والالتفاتُ إلى التكلم أولاً للجري على سنن الكبرياء، وإلى الغَيبة ثانياً بإظهار الجلالة لتربـية المهابةِ وإدخالِ الروعة. {بِذُنُوبِهِمْ} إن أريد بها تكذيبُهم بالآيات فالباء للسببـية جيء بها تأكيداً لما تفيده الفاء من سببـية ما قبلها لما بعدها وإن أريد بها سائرُ ذنوبهم فالباء للملابسة جيء بها للدلالة على أن لهم ذنوباً أخرى أي فأخذهم ملتبسين بذنوبهم غيرَ تائبـين عنها كما في قوله تعالى: {أية : وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَـٰفِرُونَ } تفسير : [التوبة: 55] والذنب في الأصل التِلْوُ والتابع، وسُمّيت الجريمةُ ذنباً لأنها تتلو أي يتبعُ عقابُها فاعلَها {وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} تذيـيلٌ مقرِّر لمضمون ما قبله من الأخذ وتكملةٌ له.

القشيري

تفسير : فلا فداء ينفعهم، ولا غناء يدفعهم، ولا مال يُقبَلُ منهم، ولا حجاب يُرفَع عنهم، ولا مقال يسمع فيهم، بهم يُسَعَّرُ الجحيم، ولهم الطرد الأليم، والبعد الحميم.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان الذين كفروا لن تغنى عنهم} اى لن تنفعهم {أموالهم} التي يبذلونها فى جلب المنافع ودفع المضار قدم الاموال على الاولاد لانها اول عدة يفزع اليها عند نزول الخطوب {ولا اولادهم} الذين بهم يتناصرون فى الامور المهمة وعليهم يعولون فى الخطوب الملمة وتوسيط حروف النفى لعراقة الاولاد فى كشف الكروب {من الله} اى عذابه تعالى {شيأ} اى شيأ من الاغناء ومعناه لا يصرف عنهم كثرة الاموال والاولاد والتناصر بهما عذابه وكانوا يقولون نحن اكثر اموالا واولادا وما نحن بمعذبين قال تعالى فى ردهم {أية : وما أموالكم ولا أولادكم بالتى تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا}تفسير : [سبأ: 37]. {واولئك} اى اولئك المتصفون بالكفر {هم وقود النار} حطب النار وحصبها الذى تسعر به.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {الوقود} بالفتح: الحطب، وبالضم: المصدر، {كدأب آل فرعون} خير، أي: دأبهم كدأب آل فرعون. والدأب. مصدر دأب، إذا دام، ثم نقل إلى الشأن والعادة، و {كذبوا}: حال بإضمار "قد"،. أو مستأنف، تفسير حالهم، أو خبر؛ إن ابتدأت بالذين من قبلهم. يقول الحقّ جلّ جلاله: {إن الذين كفروا} بما أنزلته، على نبينا محمد - عليه الصلاة والسلام -، إذا عاينوا العذاب {لن تُغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله}، أي: بدلاً من رحمته أو طاعته، أو بدلاً من عذابه، {شيئاً} وأولئك هم حطب جهنم، فشأنهم كشأن {آل فرعون والذين من قبلهم}، قد {كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم} أي: أهلكهم، وشدد العقوبة عليهم، {والله شديد العقاب} لمن أعرض عنه وركن إلى غيره. الإشارة: كل من جحد أهل الخصوصية، وفاته حظه من مشاهدة عظمة الربوبية، حتى حصل له الطرد والبعاد، وفاته مرافقة أهل المحبة والوداد، لن تغني عنه - بدلاً مما فاته - أموالُ ولا أولاد، واتصلت به الأحزان والأنكاد؛ كما قال الشاعر: شعر : مَنْ فَاتَه منكَ وصلٌ حَظُّه الندمُ ومَنْ تَكُنْ هَمِّه تَسْمُو به الهممُ تفسير : وقال آخر: شعر : مَنْ فاتَهُ طَلَبُ الوُصُولِ وَنَيْلُهُ مِنْه، فقُلْ: ما الذِي هُوَ يَطلُبُ! حَسْبُ المحِبِّ فناؤه عما سِوى مَحْبوبِهِ إنْ حاضِرٌ وَمُغَيَّبُ تفسير : وقال آخر: شعر : لكُلِّ شَيء إذا فارقْتَهُ عِوَضٌ وَلَيْسَ لله إنْ فارقْتَ مِنْ عَوِضِ تفسير : وفي الحكم: "ماذا وَجَدَ مَنْ فقدك؟ وما الذي فَقَدَ مَنْ وَجَدَك؟ لقد خاب مَنْ رَضِي دونك بدلاً، ولقد خسر من بغى عنك مُتحولاً". فكل من وقف مع شيء من السِّوى، وفاته التوجه إلى معرفة المولى، فهو في نار القطيعة والهوى، مع النفوس الفرعونية، وأهل الهمم الدنية. نسأل الله تعالى العافية. ثم بدأ بعتاب اليهود، بعد أن قرر شأن كتابه العزيز وما اشتمل عليه من المحكم والمشابه، توطئة للكلام معه.

الطوسي

تفسير : المعنى: إن قيل كيف تتصل هذه الآية بما قبلها؟ قلنا: اتصال الوعيد بالدعاء، للاخلاص منه خوفاً من استحقاق المتوعد به، والفرق بين {لن تغني عنهم من الله} وبين لن تغنيهم عن الله شيئاً. أن لن تغنيهم عن الله لا يدل على الوعيد كما يدل {لن تغني عنهم من الله} لأن تقديره من عذاب الله. ومعنى من ها هنا يحتمل أمرين: قال أبو عبيدة معناها: عند. وقال المبرد: من ها هنا على أصلها، لابتداء الغاية. وتقديره {لن تغني عنهم} غناء ابتداء الشيء الذي خلقه، ولا يكون الغناء إلا منه، فمن هذه تقع على ما هو أول الغناء وآخره والوقود: الحطب، والوقود اللهب. وهو إيقاد النار. والغنى ضد الحاجة. وبمعنى {لن تغني عنهم من الله} أنه إن يكون شيء تبقى الحاجة إلى الله تعالى بل الحاجة باقية على كل حال.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} ابتداء كلام من الله منقطع عن سابقه، ويجوز ان يكون من جملة مقول المؤمنين تعليلاً للسّابق والمراد بالكفر الكفر بالولاية فانّ الآية تعريضٌ بالامّة ويدلّ عليه قوله تعالى كذّبوا بآياتنا {لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ} اغنى زيداً عن عمر وجعله غنيّاً عن الاحتياج الى عمرو، واغنى العذاب عن زيد جعل العذاب غنيّاً عن الاحتياج الى زيد كأنّ العذاب محتاج اليه فى وروده فجعله غنيّاً عنه كناية عن دفعه عنه فالمعنى لن تدفع عنهم {أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ} حال عن قوله تعالى {شَيْئاً} اى لن تدفع شيئاً حال كونه نازلاً من الله {وَأُولَـٰئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ} فى الجحيم كما انّهم فى الدّنيا وقود نار الغضب والحرص والحسد وغيرها.

اطفيش

تفسير : {إنَّ الَّذِين كَفَروا لَنْ تُغْنِىَ عَنْهُمْ أمْوَالُهُمْ ولاَ أولاَدُهُمْ} أى لن تدفع. {مِنَ اللهِ شَيْئاً}: أى من عذاب الله شيئاً أو من عند الله شيئاً، أو لا تفيدهم شيئاً من طاعة الله، أو من رحمته، بمعنى أنه لا يرحمهم بها. ولا يعدها لهم بدلا من الطاعة الواجبة عليهم، أو لا يستغنون بها عن رحمة الله و {شَيْئاً}: مفعول به، ويجوز أن يكون مفعولاً مطلقاً، أى لن تغنى عنهم إغناءً، وذلك عام فى الكفار، وقيل: المراد وفد نجران، وأما غيرهم فبمثلهم. قال ابن عباس: قريظة والنضير، وذلك أن الكفار يتفاخرون بأموالهم وأولادهم، فرد الله عليهم ومثل ذلك قوله تعالى: {أية : وَمَا أموالُكُمْ ولاَ أوْلادكم بالتى تُقربكم عِنْدَنَا زُلفى}. تفسير : وقرأ على بإسكان ياء {تُغْنىِ} وصلا، وذلك من المبالغة فى اشتغال الحركة على حرف اللين، حين اشتغل عليهِ الفتحة، ولعله أجراه للوصل مجرى الوقف. {وأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ}: أى ما توقد به فهم كحطب. وقرىء بضم الواو على المصدرية فيقدر مضاف، أى أهل وقودها.

اطفيش

تفسير : {إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} كوفد نجران ويهود قريظة والنضير ومشركي العرب وغيرهم {لَنْ تُغْنِىَ} لن تدفع {عَنهُمْ أَمْوَالُهُمْ} وقد أعدوها لدفع النوائب وجر المصالح {وَلآَ أوْلادُهُمْ} وهم يتفاخرون بها، ويتناحرون في الأمور المهمة، وقدم الأموال لأنها أول ما يفزع إليه عند الخطوب، ويقوت بها الأولاد {مِّنَ اللهِ} من عذاب الله {شَيْئَا} مفعول تغنى بمعنى تدفع، وإن قلنا تغنى بمعنى تنفع فشيئا بمعنى نقما مفعول مطلق، أو المعنى، لم تكن بدلا من طاعة الله ورحمته، كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا ينفع ذا الجد منك الجد"تفسير : ، أى لم تغنهم عن الطاعة والرحمة، بل يتحسرون باشتغالهم عن الطاعة والرحمة بها، وهذا مما يتصدى لنفيه، فنفى بالآية، ومِنْ بدليه، كأنه قيل، بدل عذاب الله، أو تبعيضية، أى بعض عذاب الله عز وجل كما رأيت {وَأُلَئِكَ هُمْ وَقُُودُ النَّارِ} في الآخرة، كالحطب الذى توقد به النار في الدنيا، والحصر حقيقى إن أريد عموم الكفرة، وادعائى إن أريد وفد نجران أو مشركو العرب أو قريظة والنضير، أو الفرق الأربع لكن قوله: {كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِين مِن قَبْلِهِمْ} يقتضى عموم كفرة هذه الأمة، فالقصر ادعائى، أو قصر إضافى، باعتبار قول اليهود، نكون فيها ثم يخلفنا المرمنون فيها، فقال الله جل وعلا، أنتم وقودها دون المؤمنين، والمعنى دأب هؤلاء الكفرة، أى عادتهم كدأب آل فرعون والذين من قبلهم في التكذيب، والهاء لآل فرعون، وذلك خبر لمحذوف كما رأيت، أو لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم شيئاً كعادة آل فرعون ومن قبلهم في أن لن تغنى عنهم أموالهم، ولا أولادهم، أو أولئك وقود النار كعادة آل فرعون ومن قبلهم في أنهم وقودها، والعادة ولو نسبت إليهم لكن الله خلقها لهم حتى كأنهم اعتادوها في الوقود وعدم الإغناء، وأما في التكذيب فظاهر، والدأب بمعنى الشأن، وأصله إتعاب النفس في العمل، وقيل، الهاء للذين كفروا، والمراد بالذين معاصروه صلى الله عليه وسلم، أو الذين مبتدأ، أى أن الذين كفروا قبلهم، وعليه فخبره قوله: {كَذَّبُوا بِئَايَاتِنَا} أي النازلة في الكتب والمعجزات والأيات العقلية وعلى غيره تكون الجملة تفسيراً لدأبهم مستأنفه أو حالا {فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ} وهى التكذيب، وما يترتب عليه من الصغائر والكبائر، أو ذنوبهم ما سوى التعذيب، فالتكذيب من باب أولى، وصحت سبية الفاء مع هذا الوجه لأن ذنوبهم ناشئة من التكذيب {وَاللهُ شَدِيدُ العِقَابِ} فأخذ الله إياهم شديد، فاحذروا يا كفرة الأمة.

الالوسي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } الظاهر أن المراد بهم جنس الكفرة الشامل لجميع الأصناف، وقيل: وفد نجران، أو اليهود من قريظة والنضير، وحكي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أو مشركو العرب {لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ } أي لن تنفعهم، وقرىء بالتذكير وسكون الياء وهو من الجد في استثقال الحركة على حروف اللين {أَمْوٰلَهُمُ } التي أعدوها لدفع المضار وجلب المصالح {وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ } الذين يتناصرون بهم في الأمور المهمة ويعولون عليهم في الملمات المدلهمة وتأخيرهم عن الأموال مع توسيط حرف النفي ـ كما قال شيخ الإسلام إما لعراقتهم في كشف الكروب أو لأن الأموال أول عدة يفزع إليها عند نزول الخطوب ـ {مِنَ ٱللَّهِ } أي من عذابه تعالى ـ فمن ـ لابتداء الغاية كما قال المبرد، وقوله تعالى: {شَيْئاً } نصب على المصدرية أي شيئاً من الإغناء، وجوز أن يكون مفعولاً به لما في (أغنى) من معنى الدفع و {مِنْ } للتبعيض وهي متعلقة بمحذوف وقع صفة له إلا أنها قدمت عليه فصارت حالاً، وأن يكون مفعولاً ثانياً بناءاً على أن معنى أغنى عنه كفاه ولا يخفى ما فيه، وقال أبو عبيدة: {مِنْ } هنا بمعنى عند وهو ضعيف، وقال غير واحد: هي بدلية مثلها في قوله:شعر : فليت لنا (من) ماء زمزم شربة مبردة باتت على طهيان تفسير : ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ولا ينفع ذا الجد منك الجد»تفسير : وقوله تعالى: {أية : وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلاَئِكَةً فِي ٱلأَرْضِ يَخْلُفُونَ }تفسير : [الزخرف: 60] والمعنى لن تغني عنهم بدل رحمة الله تعالى، أو بدل طاعته سبحانه أموالهم ولا أولادهم ونفى ذلك سبحانه مع أن احتمال سد أموالهم وأولادهم مسد رحمة الله تعالى وطاعته عز شأنه مما يبعد بل لا يكاد يخطر ببال حتى يتصدى لنفيه إشارة إلى أن هؤلاء الكفار قد ألهتهم أموالهم وأولادهم عن الله تعالى والنظر فيما ينبغي له إلى حيث يخيل للرائي أنهم ممن يعتقد أنها تسد مسد رحمة الله تعالى وطاعته. وقريب من ذلك قوله تعالى: {أية : وَمَا أَمْوٰلُكُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُكُمْ بِٱلَّتِى تُقَرّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ }تفسير : [سبأ: 37] واعترض بأن أكثر النحاة ـ كما في «البحر» ـ ينكرون إثبات البدلية ـ لمن ـ مع أن الأول هو الأليق في الظاهر بتهويل أمر الكفرة والأنسب بقوله تعالى: {وَأُولَـٰئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ} وكذا بما بعد. و ـ الوقود ـ بفتح الواو ـ وهي قراءة الجمهور ـ الحطب ـ أي أولئك المتصفون بالكفر المبعدون عن عز الحضور ـ حطب النار التي تسعر به لكفرهم، وقيل: الوقود بالفتح لغة في الوقود بالضم ـ وبه قرأ الحسن ـ مصدر بمعنى الإيقاد فيقدر حينئذ مضاف أي أهل وقودها ـ والأول هو الصحيح ـ وإيثار الجملة الإسمية للدلالة على تحقق الأمر وتقرره، أو للإيذان بأن حقيقة حالهم ذلك وأنهم في حال كونهم في الدنيا وقود النار بأعيانهم، وهي إما مستأنفة مقررة لعدم الإغناء أو معطوفة على الجملة الأولى الواقعة خبراً لأن، و {هُمْ } يحتمل أن يكون مبتدأ ويحتمل أن يكون فصلاً.

ابن عاشور

تفسير : استئناف كلام ناشيء عن حكاية ما دعا به المؤمنون: من دوام الهداية، وسؤال الرحمة، وانتظار الفوز يوم القيامة، بذكر حال الكافرين في ذلك اليوم، على عادة القرآن في إرداف البشارة بالنذارة. وتعقيب دعاء المؤمنين، بذكر حال المشركين، إيماء إلى أنّ دعوتهم استجيبت. والمراد بالذين كفروا: المشركون، وهذا وصف غالب عليهم في اصطلاح القرآن وقيل: الذين كفروا بنبوءة محمد صلى الله عليه وسلم أريد هنا قُريظة والنضير وأهلُ نجران؛ ويُرجَّح هذا بأنّهم ذُكِّروا بحال فرعون دون حال عاد وثمود - فإنّ اليهود والنصارى أعلق بأخبار فرعون. كما أنّ العرب أعلق بأخبار عاد وثمود، وأنّ الردّ على النصارى من أهمّ أغراض هذه السورة. ويجوز أن يكون المراد جميع الكافرين: من المشركين، وأهل الكتابَيْن، ويكون التذكير بفرعون لأنّ وعيد اليهود في هذه الآية أهم. ومعنى «تُغني» تُجزِي وتكفي وتدفع، وهو فِعل قاصر يتعدّى إلى المفعول بعن نحو: «ما أغنى عَني مَالِيَهْ». ولدلالة هذا الفعل على الإجزاء والدفع، كان مؤذناً بأنّ هنالك شيئاً يدفع ضُرّه، وتُكفى كلفتُه، فلذلك قَد يذكرون مع هذا الفعل متعلِّقاً ثانياً ويُعَدُّونَ الفعل إليه بحرف (مِن) كما في هذه الآية. فتكون (مِن) للبدل والعوض على ما ذهب إليه في «الكشاف»، وجعل ابن عطية (من) للابتداء. وقوله: {من الله} أي من أمر يضاف إلى الله؛ لأنّ تعليق هذا الفعل، تعليقاً ثانياً، باسم ذات لايقصد منه إلاّ أخصّ حال اشتهرت به، أو في الغرض المسوق له الكلام فيقدّر معنى اسم مضاف إلى اسم الجلالة. والتقدير هنا من رحمة الله، أو من طاعته، إذا كانت (مِنْ) للبدل وكَذا قدّره في «الكشاف»، ونظّره بقوله تعالى: {أية : وإنّ الظنّ لا يغني من الحق شيئاً}تفسير : [النجم: 28]. وعلى جعل (من) للابتداء كما قال ابن عطية تقدّر من غضب الله، أو من عذابه، أي غناء مبتدِئاً من ذلك: على حدّ قولهم: نَجَّاه من كذا أي فصله منه، ولا يلزم أن تكون (مِن) مَعَ هذا الفعل، إذا عدّي بعَن، مماثلة لمِنْ الواقعة بعد هذا الفعل الذي يُعَدّ بعن، لإمكان اختلاف معنى التعلّق باختلاف مساق الكلام. والغالب أن يأتوا بعد فعل أغنى بلفظ (شيء) مع ذكر المتعلِّقين كما في الآية، وبدون ذكر متعلِّقين، كما في قول أبي سفيان، يومَ أسْلَمَ: «لقد علمتُ أنْ لَوْ كان معه إله غيرُه لقد أغنى عنّي شيئاً». وانتصب قوله: {شيئاً} على النيابة عن المفعول المطلق أي شيئاً من الغَناء. وتنكيره للتحقير أي غناء ضعيفاً، بله الغناء المهم، ولا يجوز أن يكون مفعولاً به لعدم استقامة معنى الفعل في التعدي. وقد ظهر بهذا كيفية تصرفّ هذا الفعل التصرّفَ العجيب في كلامهم، وانفتح لك ما انغلق من عبارة الكشّاف، وما دونها، في معنى هذا التركيب. وقد مرّ الكلام على وقوع لفظ شيء عند قوله: {أية : ولنبلونَّكم بشيء من الخوف}تفسير : [البقرة: 155]. وإنّما خصّ الأموال والأولاد من بين أعلاق الذين كفروا؛ لأنّ الغناءَ يكون بالفداء بالمال، كدفع الديات والغرامات، ويكون بالنصر والقتال، وأوْلى مَن يدافع عن الرجل، من عشيرته، أبناؤه، وعن القبيلة أبناؤُها. قال قيس بن الخطيم: شعر : ثَأرْتُ عَدِيَّا والخَطِيمَ ولَمْ أضعْ وَلاَيَة أشْيَاخٍ جُعِلْتُ إزَاءَها تفسير : والأموال المكاسب التي تقتات وتدخّرُ ويتعاوض بها، وهي جمع مال، وغلب اسم المال في كلام جلِّ العرب على الإبل قال زهير: شعر : صَحيحاتِ مالٍ طَالعات بمخرم تفسير : وغلب في كلام أهل الزرع والحرث على الجنّات والحوائط وفي الحديث «حديث : كان أبو طلحة أكثرَ أنصاري بالمدينة مالاً وكان أحَبُّ أمواله إليه بئر حاء»تفسير : ، ويطلق المال غالباً على الدراهم والدنانير كما في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - للعباس «حديث : أيْن المال الذي عند أم الفضل» تفسير : . والظاهر أنّ هذا وعيد بعذاب الدنيا؛ لأنّه شُبِّه بأنّه {كدأب ءال فرعون} - إلى قوله - {فأخذهم الله بذنوبهم} وشأنُ المشبّه به أن يكون معلوماً؛ ولأنّه عطف عليه عذاب الآخرة في قوله: {وأولئك هم وقود النار}. وجيء بالإشارة في قوله: {وأولئك} لاستحضارهم كأنّهم بحيث يشار إليهم، وللتنبيه على أنّهم أحرياء بما سيأتي من الخَبر وهو قوله: {هم وقود النار}. وعطفت هذه الجملة، ولم تفصل، لأنّ المراد من التي قبلها وعيد في الدنيا وهذه في وعيد الآخرة بقرينة قوله، في الآية التي بعد هذه: {أية : ستُغْلبون وتحشرون إلى جهنّم وبئس المهاد}تفسير : [آل عمران: 12]. والوَقود بفتح الواو ما يوقد به كالوَضوء، وقد تقدّم نظيره في قوله: {التي وقودها الناس والحجارة} في سورة البقرة. وقوله: {كدأب ءال فرعون} موقع كاف التشبيه موقع خبرٍ لمبتدأ محذوف يدل عليه المشبّه به، والتقدير: دأبُهم في ذلك كدأب آل فرعون، أي عادتهم وشأنهم كشأن آل فرعون. والدأب: أصله الكَدْح في العمل وتكريره، وكأنّ أصل فعله متعدَ، ولذلك جاء مصدره على فَعْل، ثم أطلق على العادة لأنّها تأتي من كثرة العمل، فصار حقيقة شائعة قال النابغة:شعر : كدأبِك في قومٍ أرَاكَ اصطنعتَهُم تفسير : أي عادتك، ثم استعمل بمعنى الشَّأن كقول امرىء القيس: شعر : كدأبك من أم الحُويرث قبلَها تفسير : وهو المراد هنا، في قوله: {كدأب ءال فرعون}، والمعنى: شأنهم في ذلك كشأن آل فرعون؛ إذ ليس في ذلك عادة متكرّرة، وقد ضرب الله لهم هذا المثل عبرة وموعظة؛ لأنّهم إذا استقْرَوْا الأمم التي أصابها العذاب، وجدوا جميعهم قد تماثلوا في الكفر: بالله، وبرسله، وبآياته، وكفَى بهذا الاستقراء موعظة لأمثال مشركي العرب، وقد تعيّن أن يكون المشبّه به هو وعيد الاستئصال والعذاب في الدنيا؛ إذ الأصل أنّ حال المشبّه، أظهر من حال المشبّه به عند السامع. وعليه فالأخذ في قوله: {فأخذهم الله بذنوبهم} هو أخذ الانتقام في الدنيا كقوله: {أية : أخذناهم بغتة فإذا هم مُبلسون فقطع دابر القوم الذين ظلموا}تفسير : [الأنعام: 44، 45]. وأريد بآل فرعون فرعون وآلهُ؛ لأنّ الآل يطلق على أشدّ الناس اختصاصاً بالمضاف إليه، والاختصاص هنا اختصاص في المتابعةِ والتواطؤ على الكفر، كقوله: {أية : أدْخِلُوا ءال فرعون أشدّ العذاب} تفسير : [غافر: 46] فلذكر الآل هنا من الخصوصية ما ليس لذكر القوم؛ إذ قوم الرجل قد يخالفون، فلا يدل الحكم المتعلّق بهم على أنّه مساوٍ لهم في الحكم، قال تعالى: {أية : ألا بعداً لعاد قوم هود}تفسير : [هود: 60] في كثير من الآيات نظائرها، وقال: {أية : أن ائْتِ القومَ الظالمين قومَ فرعون}تفسير : [الشعراء: 10، 11]. وقوله: «كذبوا» بيان لدأبهم، استئناف بياني. وتخصيص آل فرعون بالذكر - من بين بقية الأمم - لأنّ هلكهم معلوم عند أهل الكتاب، بخلاف هلك عاد وثمود فهو عند العرب أشهر؛ ولأنّ تحدّي موسى إياهم كان بآيات عظيمة فما أغنتهم شيئاً تُجاه ضلالهم؛ ولأنّهم كانوا أقرب الأمم عهداً بزمان النبي صلى الله عليه وسلم فهو كقول شعيب: {أية : وما قوم لوط منكم ببعيد}تفسير : [هود: 89] وكقول الله تعالى للمشركين: {أية : وإنّها لبسبيل مقيم}تفسير : [الحجر: 76] وقوله: {أية : وإنّهما لبإمام مبين}تفسير : [الحجر: 79] وقوله: {أية : وإنّكم لَتَمُرُّون عليهم مُصبحين وبالليلِ أفلا تعقلون}تفسير : [الصافات: 137، 138].

الشنقيطي

تفسير : ذكر في هذه الآية الكريمة أن الكفار يوم القيامة لا تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم شيئاً، وذكر أنهم وقود النار أي: حطبها الذي تتقد فيه، ولم يبين هنا هل نفيه لذلك تكذيب لدعواهم أن أموالهم وأولادهم تنفعهم، وبين في مواضع أخر أنهم ادعوا ذلك ظناً منهم أنه ما أعطاهم الأموال والأولاد في الدنيا إلا لكرامتهم عليه واستحقاقهم لذلك، وأن الآخرة كالدنيا يستحقون فيها ذلك أيضاً فكذبهم في آيات كثيرة فمن الآيات الدالة على أنهم ادعوا ذلك قوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} تفسير : [سبأ: 35] وقوله: {أية : أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً} تفسير : [مريم: 77] يعني في الآخرة كما أوتيته في الدنيا وقوله: {أية : وَلَئِن رُّجِّعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ} تفسير : [فصلت: 50] أي: بدليل ما أعطاني في الدنيا وقوله: {أية : وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً} تفسير : [الكهف: 36] قياساً منه للآخرة على الدنيا ورد الله عليهم هذه الدعوى في آيات كثيرة كقوله هنا: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ} الآية. وقوله: {أية : أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ} تفسير : [المؤمنون: 55-56] وقوله: {أية : وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ} تفسير : [سبأ 37] وقوله: {أية : وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} تفسير : [آل عمران: 178] وقوله {أية : سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} تفسير : [الأعراف: 182-183] إلى غير ذلك من الآيات. وصرح في موضع آخر أن كونهم وقود النار المذكور هنا على سبيل الخلود وهو قوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً وَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} تفسير : [آل عمران: 116].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: إن الذين كفروا: هم وفد نجران ويهود المدينة والمشركون والمنافقون. لن تغني عنهم: لن تجزي عنهم ولن تقيهم عذاب الله إذا حلّ بهم. وقود النار: الوقود ما توقد به النار من حطب أو فحم حجري أو غاز. كدأب آل فرعون: كعادتهم وسنتهم في كفرهم وتكذيبهم وما حل بهم من عذاب في الدنيا والآخرة. قل للذين كفروا: هم يهود المدينة بنو قَيْنُقَاع. آية في فئتين: علامة واضحة والفئتان: المسلمون وقريش إلتقتا في بدر. يؤيد بنصره: يُقوِّي. عبرة لأولي الأبصار: العبرة العظة وما يَعْبُر به ذو البصيرة مواضع الخطر فينجو. معنى الآيات: لما أصرَّ وفد نجران على الكفر والتكذيب واتباع المتشابه من آي الكتاب ابتغاء الفتنة وابتغاء التأويل من الحق والخروج عنه. توعّد الرب تعالى جنس الكافرين من نصارى ويهود وعرب وعجم فقال {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...} بالحق لما جاءهم وعرفوه معرفة لا لبس فيها ولا غموض ولكن منعهم من قبوله الحفاظ على المناصب والمنافع هؤلاء جميعهم سيعذبهم الله تعالى في نار جهنم ولن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله شيئا، واعلم أنهم وقود النار، التي مهدوا لها بكفرهم وبئس المهاد مهدوه لأنفسهم. ثم أخبر تعالى أنهم في كفرهم وعنادهم حتى يأتيهم العذاب كدأب وعادة آل فرعون والذين من قبلهم من الأمم التي كذبت رسلها كقوم نوح وقوم هود وقوم صالح حتى أخذهم الله بالعذاب في الدنيا بالهلاك والدمار، وفي الآخرة بعذاب النار وبئس المهاد، وكان ذلك بذنوبهم لا بظلم الله تعالى ثم أمر الله تعالى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم أن يقول ليهود المدينة الذين قالوا للرسول لا يغرنك أنك قاتلت من لا يحسن الحرب فانتصرت عليهم يريدون قريشاً في موقعة بدر، إنك إن قابلتنا ستعلم أنا نحن الناس، لما قالوا قولتهم هذه يهددون بها رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين أمره أن يقول لهم {سَتُغْلَبُونَ} يريد في المعركة وتنهزمون وتموتون، وبعد موتكم تحشرون إلى جهنم وبئس المهاد جهنم مهدتموها لأنفسكم بكفركم وعنادكم وجحودكم للحق بعد معرفته. وفَتَح أعينهم على حقيقة لو تأملوها لما تورطوا في حرب الرسول حت هزمهم وقتل من قتل منهم وأجلى من أجلاهم. وهي أن المسلمين الذين قاتلوا المشركين في بدر وانتصروا عليهم كانوا أقلّ عدد وأنقص عدة، ومع ذلك انتصروا لأنهم يقاتلون في سبيل الله والكافرون يقاتلون في سبيل الطاغوت والشرك والظلم والطغيان ونصر الله الفئة القليلة المسلمة وهزم الفئة الكافرة الكثيرة فلو اعتبر اليهود بهذه الحقيقة لما تورطوا في حرب مع الرسول صلى الله عليه وسلم أبداً. ولكنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور وهي البصائر. فقال تعالى لهم: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا} - في بدر - فئة - جماعة - تقاتل في سبيل الله -إعلاء لكلمته - وأخرى فئة كافرة تقاتل في سبيل الطاغوت {يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ ٱلْعَيْنِ} لقربهم منهم. ومع هذا نصر الله الأقلية المسلمة وهزم الأكثرية الكافرة، وذلك لأن الله تعالى يؤيد بنصره من يشاء، فأيد أولياءه وهزم أعداءه، وإن في هذه الحادثة لعبرة وعظة ومتفكر ولكن لمن كان ذا بصيرة، أما من لا بصيرة له فإنه لا يرى شيئاً حتى يقع في الهاوية قال تعالى: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} المذكور لهم: {..لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ}. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- الكفر مورِّث لعذاب يوم القيامة والكافر معذَّب قطعاً. 2- الأموال والأولاد والرجال والعتاد مهما كثروا لن يغنوا من بأس الله شيئاً إذا أراده بالكافرين في الدنيا والآخرة. 3- الذنوب بريد العذاب العاجل والآجل. 4- ذم الفخر والتعالي وسوء عاقبتهما. 5- العاقل من اعتبر بغيره، ولا عبرة لغير أولي الأبصار أي البصائر. 6- صدق خبر القرآن في ما أخبر به اليهود من هزيمتهم، فكان هذا دليل صدق على أن القرآن وحي الله، وأن محمداً رسول الله، وأن الإسلام دين الله الحق.

القطان

تفسير : وقود النار (فتح الواو): الحطب وكل ما يُحرق فيها. الدأب: العادة. بعد ان بين الله لنا الدّين الحق وقرر التوحيد، ثم نوّه بشأن القرآن الكريم وايمان العلماء الراسخين بالمحكم والمتشابه به من آياته ـ شرع يذكر حال أهل الكفر والجحود ويبين أسباب غرورهم بأموالهم وأولادهم، فقال ما تفسيره: ان الذين كفروا وجحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لن تنجيهم أموالهم الوافرة، ولا أولادهم الكثيرون ـ من عذاب الله يوم القيامة، بل سيكونون حطبا لنار جهنم. ذلك أنهم في تكذيبهم بمحمد وكفرهم بشريعته مثلُ آل فرعون مع موسى، ومثل من كان قبلهم من الأمم مع أنبيائهم، كذّبوا بآيات الله، فنكل بهم وأهلكهم بسبب كفرهم، والله شديد العقاب.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَمْوَالُهُمْ} {أَوْلاَدُهُم} {أُولَـٰئِكَ} (10) - إنَّ الذِينَ كَفَروا بِاللهِ، وَبِآيَاتِهِ وَرُسُلِهِ، وَجَحَدُوا مَا عَرَفُوهُ مِنْ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، لَنْ تُفِيدَهُمْ شَيْئاً عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ أمْوالُهُمْ (التِي يَبْذلُونَهَا فِي جَلْبِ المَنَافِعِ، وَدَفْعِ المَضَارِّ) وَلاَ أوْلاَدُهُمُ (الذِينَ يَتَنَاصَرُونَ بِهِمْ فِي الدُّنيا)، وَسَيَكُونُونَ حَطَباً تُوْقَدُ بِهِ جَهَنَّمُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ساعة تسمع وأنت المؤمن، ويسمع معك الكافر، ويسمع معك المنافق: {أية : رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ} تفسير : [آل عمران: 9] ربما فكر الكافر أو المنافق أن هناك شيئاً قد ينقذه مما سيحدث في ذلك اليوم، كعزوة الأولاد، أو كثرة مال يشتري نفسه به، أو خُلة، أو شفاعة، هنا يقول الحق لهم: لا، إن أولادكم وأموالكم لا تغني عنكم شيئاً. وفي اللغة يقال: هذا الشيء لا يغني فلاناً، أي أنه يظل محتاجاً إلى غيره؛ لأن الغِنَى هو ألا تحتاج إلى الغير، فالأموال والأولاد لا تُغني أحداً في يوم القيامة، والمسألة لا عِزوة فيها، لا أنساب بينهم يومئذ والجنة ليست للبيع، فلا أحد يستطيع شراء مكان في الجنة بمال يملكه. وكان الكافرون على أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون ذلك القول الشاذ يقولون: ما دام الله قد أعطانا أموالاً وأولاداً في الدنيا فلا بد أن يعطينا في الآخرة ما هو أفضل من ذلك. ولذلك يقول الله لهم: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} [آل عمران: 10] إذن فالأمر كله مردود إلى الله. صحيح في هذه الدنيا أن الله قد يخلق الأسباب، والكافر تحكمه الأسباب، وكذلك المؤمن، فإذا ما أخذ الكافر بالأسباب فإنه يأخذ النتيجة، ولكن في الآخرة فالأمر يختلف؛ فلن يملك أحد أسباباً، ولذلك يقول الحق عن اليوم الآخر: {أية : يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ}تفسير : [غافر: 16]. إن البشر في الدنيا يملكون الأسباب، ويعيشون مختلفين في النعيم على اختلاف أسبابهم، واختلاف كدحهم في الحياة، واختلاف وجود ما يحقق للإنسان المُتع، لكن الأمر في الآخرة ليس فيه كدح ولا أسباب؛ لأن الإنسان المؤمن يعيش بالمُسبب في الآخرة وهو الله - جلت قدرته - فبمجرد أن يخطر الشيء على بال المؤمن في الجنة فإن الشيء يأتي له. أما الكفار فلا يغني عنهم مالهم ولا أولادهم، لأنهم انشغلوا في الدنيا بالمال والأولاد وكفروا بالله. {أية : سَيَقُولُ لَكَ ٱلْمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ..}تفسير : [الفتح: 11]. إذن فما انشغل به الكفار في الدنيا لن ينفعهم، ويضيف الحق عن الكفار في تذييل الآية التي نحن بصددها: {وَأُولَـٰئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ} [آل عمران: 10] إنهم المعَذبون، وسوف يتعذبون في النار. ولنر النكاية الشديدة بهم، إن الذين يُعَذَّبون هم الذي يُعَذَّبُون؛ لأنهم بأنفسهم سيكونون وقود النار. إن المعَذَّب - بفتح العين وفتح الذال مع التشديد - يكون هو المعَذِّب - بفتح العين وكسر الذال مع التشديد. فهذه ثورة الأبعاض. فذرّات الكافر مؤمنة، وذرات العاصي طائعة، والذي جعل هذه الذرات تتجه إلى فعل ما يُغضب الله هو إرادة صاحبها عليها. وضربنا قديماً المثل - ولله المثل الأعلى - وقلنا: هب أن كتيبة لها قائد، فالمفروض في الكتيبة أن تسمع أمر القائد، وتقوم بتنفيذ ما أمر به؛ فإذا ما جاءوا للآمر والقائد الأعلى بعد ذلك فإنهم يرفعون أمرهم إليه ويقولون له: بحكم الأمر نفذنا العمل الذي صدر لنا من قائدنا المباشر وكنا غير موافقين على رأيه. وفي الحياة الإيمانية نجد القول الحكيم من الخالق: {أية : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}تفسير : [النور: 24]. فكان اللسان ينطق بكلمة الكفر وهو لاعِنٌ لصاحبه. واليد تتقدم إلى المعصية وهي كارهةٌ لصاحبها ولاعِنةٌ له، إن إرادة الله العليا هي التي جعلت للكافر إرادة على يده ولسانه في الدنيا، وينزع الله إرادة الكافر عن جوارحه يوم القيامة فتشهد عليه أنه أجبرها على فعل المعاصي، وتعذب الأبعاض بعضها، وعندما يقول الحق: {وَأُولَـٰئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ} [آل عمران: 10] وهنا مسألة يجب أن نلتفت إليها ونأخذها من واقع التاريخ، هذه المسألة هي أن الذين كفروا برسالات الله في الأرض تلقوا بعض العذاب في الدنيا؛ لأن الله لا يدّخر كل العقاب للآخرة وإلا لشقي الناس بالكافرين وبالعاصين، ولذلك فإن الله يُعَجِّلُ بشيء من العقاب للكافرين والعاصين في هذه الدنيا. ويقول الحق مثالاً على ذلك: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما حكى تعالى عن المؤمنين دعاءهم وتضرعهم أن يثبتهم الله على الإِيمان، حكى عن الكافرين سبب كفرهم وهو اغترارهم في هذه الحياة بكثرة المال والبنين، وبيّن أنها لن تدفع عنهم عذاب الله، كما لن تغني عنهم شيئاً في الدنيا، وضرب على ذلك الأمثال بغزوة بدر حيث التقى فيها جند الرحمن بجند الشيطان، وكانت النتيجة اندحار الكافرين مع كثرتهم وانتصار المؤمنين مع قلتهم، فلم تنفعهم الأموال ولا الأولاد، ثم أعقب تعالى ذلك بذكر شهوات الدنيا ومُتَع الحياة التي يتنافس الناس فيها، ثم ختمها بالتذكير بأن ما عند الله خيرٌ للأبرار. اللغَة: {تُغْنِيَ} الإِغناء: الدفع والنفع {وَقُودُ ٱلنَّارِ} الوَقود بفتح الواو الحطبُ الذي توقد به النار وبالضم مصدر بمعنى الاتقاد {دَأْبِ} الدأب: العادة والشأن وأصله من دأب الرجل في عمله إِذا جدَّ فيه واجتهد ثم أُطلق الدأب على العادة والشأن لأن من دأب على شيء أمداً طويلاً صار له عادةً {آيَةٌ} علامة {فِئَةٌ} جماعة وسميت الجماعة من الناس فئةً لأنه يُفاء إِليها في وقت الشدة {َعِبْرَةً} العبرة: الاتعاظ ومنه يقال: اعتبر، واشتقاقها من العبور وهو مجاوزة الشيء إِلى الشيء ومنه عبور النهر، فالاعتبار انتقال من حالة الجهل إِلى حالة العلم {زُيِّنَ} التزيين: تحسين الشيء وتجميله في عين الإِنسان {ٱلشَّهَوَاتِ} الشهوة: ما تدعو النفس إِليه وتشتهيه والفعل منه اشتهى ويُجمع على شهوات {وَٱلْقَنَاطِيرِ} جمع قنطار وهو العُقدة الكبيرة من المال أو المال الكثير الذي لا يحصى {ٱلْمُقَنْطَرَةِ} المضعَّفة وهو للتأكيد كقولك ألوف مؤلَّفة وأضعاف مضاعفة قاله الطبري، وروي عن الفراء أنه قال: القناطير جمع القنطار، والمقنطرة جمع الجمع فيكون تسع قناطير {ٱلْمُسَوَّمَةِ} المعلّمة بعلامة تجعلها حسنة المنظر تجتلب الأنظار وقيل المسوَّمة: الراعية وقال مجاهد وعكرمة: إِنها الخيل المطهّمة الحسان {ٱلْمَآبِ} المرجع يقال: آب الرجل إِياباً ومآباً قال تعالى {إِن إِلينا إِيابهم} {ٱلأَسْحَارِ} السَّحر: الوقت الذي قبل طلوع الفجر. سَبَبُ النّزول: حديث : لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً ببدر، ورجع إِلى المدينة جمع اليهود فقال لهم: يا معشر اليهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله بما أصاب قريشاً فقد عرفتم أني نبيٌ مرسل، فقالوا يا محمد: لا يغرنّك من نفسك أنك قتلتَ نفراً من قريش كانوا أغماراً - يعني جهالاً - لا علم لهم بالحرب، إِنك والله لو قاتلتنا لعرفتَ أنا نحن الرجال، وأنك لم تلق مثلنا فأنزل الله {قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ} تفسير : الآية. التفسِير: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم} أي لن تفيدهم الأموال والأولاد، ولن تدفع عنهم من عذاب الله في الآخرة {مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} أي من عذاب الله وأليم عقابه {وَأُولَـٰئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ} أي هم حطب جهنم الذي تُسْجر وتوقد به النار {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ} أي حال هؤلاء الكفار وشأنهم كحال وشأن آل فرعون، وصنيعُهم مثلُ صنيعهم {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي من قبل آل فرعون من الأمم الكافرة كقوم هود وصالح وشعيب {كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} أي كذبوا بالآيات التي تدل على رسالات الرسل {فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ} أي أهلكهم وعاقبهم بسبب الكفر والمعاصي {وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} أي أليم العذاب شديد البطش، والغرض من الآية أن كفار قريش كفروا كما كفر أولئك المعاندون من آل فرعون ومن سبقهم، فكما لم تنفع أولئك أموالهم ولا أولادهم فكذلك لن تنفع هؤلاء. {قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي قل يا محمد لليهود ولجميع الكفار {سَتُغْلَبُونَ} أي تُهزمون في الدنيا {وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ} أي تُجمعون وتساقون إِلى جهنم {وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} أي بئس المهاد والفراش الذي تمتهدونه نار جهنم {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ} أي قد كان لكم يا معشر اليهود عظة وعبرة {فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا} أي في طائفتين التقتا للقتال يوم بدر {فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي طائفةٌ مؤمنة تقاتل لإِعلاء دين الله {وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ} أي وطائفة أخرى كافرة تقاتل في سبيل الطاغوت وهم كفار قريش {يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ} أي يرى الكافرون المؤمنين أكثر منهم مرتين {رَأْيَ ٱلْعَيْنِ} أي رؤية ظاهرةً مكشوفة بالعين المجردة لا بالوهم والخيال، وقيل: المراد يرى المؤمنون الكافرين ضعفيهم في العدد، وذلك أن الله أكثر المؤمنين في أعين الكافرين ليرهبوهم ويجبنوا عن قتالهم، والقول الأول اختيار ابن جرير وهو الأظهر لقوله تعالى {رَأْيَ ٱلْعَيْنِ} أي رؤية حقيقية لا بالخيال {وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ} أي يقوّي بنصره من يشاء {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَعِبْرَةً} أي لآية وموعظة {لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ} أي لذوي العقول السليمة والأفكار المستقيمة. ومغزى الآية أن القوة المادية ليست كل شيء، وأن النصر لا يكون بكثرة العَدد والعتاد، وإِنما يكون بمعونة الله وتأييده كقوله {أية : إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ} تفسير : [آل عمران: 160] ثم أخبر تعالى عن اغترار الناس بشهوات الحياة الفانية فقال {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ مِنَ ٱلنِّسَاءِ} أي حُسِّن إِليهم وحُبّب إِلى نفوسهم الميل نحو الشهوات، وبدأ بالنساء لأن الفتنة بهن أشد، والإِلتذاذ بهن أكثر وفي الحديث "حديث : ما تركتُ بعدي فتنةً أضرَّ على الرجال من النساء" تفسير : ثم ذكر ما يتولد منهن فقال {وَٱلْبَنِينَ} وإِنما ثنّى بالبنين لأنهم ثمرات القلوب وقرة الأعين كما قال القائل: شعر : وإِنما أولادنا بيننا أكبادُنا تمشي على الأرض لو هبَّت الريح على بعضهم لامتنعتْ عيني عن الغَمْض تفسير : وقُدّموا على الأموال لأن حب الإِنسان لولده أكثر من حبه لماله {وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ} أي الأموال الكثيرة المكدَّسة من الذهب والفضة، وإِنما كان المال محبوباً لأنه يحصل به غالب الشهوات، والمرء يرتكب الأخطار في تحصيله {أية : وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً} تفسير : [الفجر: 2] والذهب والفضة أصل التعامل ولذا خُصَّا بالذكر {وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ} أي الأصيلة الحسان {وَٱلأَنْعَامِ} أي الإِبل والبقر والغنم فمنها المركب والمطعم والزينة {وَٱلْحَرْثِ} أي الزرع والغراس لأن فيه تحصيل أقواتهم {ذٰلِكَ مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي إِنما هذه الشهوات زهرة الحياة الدنيا وزينتُها الفانية الزائلة {وَٱللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ ٱلْمَآبِ} أي حسن المرجع والثواب {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذٰلِكُمْ} أي قل يا محمد أأخبركم بخيرٍ ممّا زُيِّن للناس من زهرة الحياة الدنيا ونعيمها الزائل؟ والاستفهام للتقرير {لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أي للمتقين يوم القيامة جناتٌ فسيحات تجري من خلال جوانبها وأرجائها الأنهار {خَالِدِينَ فِيهَا} أي ماكثين فيها أبد الآباد {وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ} أي منزهةٌ عن الدنس والخبث، الحسي والمعنوي، لا يتغوَّطن ولا يتبولن ولا يحضن ولا ينفسن، ولا يعتريهن ما يعتري نساء الدنيا {وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ} أي ولهم مع ذلك النعيم رضوانٌ من الله وأيُّ رضوان، وقد جاء في الحديث "حديث : أُحلُّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً" تفسير : {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ} أي عليم بأحوال العباد يعطي كلاً بحسب ما يستحقه من العطاء. ثم بيّن تعالى صفات هؤلاء المتقين الذين أكرمهم بالخلود في دار النعيم فقال {ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ آمَنَّا} أي آمنا بك وبكتبك ورسلك {فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ} أي اغفر لنا بفضلك ورحمتك ذنوبنا ونجنا من عذاب النار {ٱلصَّابِرِينَ وَٱلصَّادِقِينَ وَٱلْقَانِتِينَ} أي الصابرين على البأساء والضراء، والصادقين في إِيمانهم وعند اللقاء، والمطيعين لله في الشدة والرخاء {وَٱلْمُنْفِقِينَ} أي الذين يبذلون أموالهم في وجوه الخير {وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ} أي وقت السحر قُبيل طلوع الفجر. البَلاَغَة: {مِّنَ ٱللَّهِ} فيه إِيجاز بالحذف أي من عذاب الله {شَيْئاً} التنكير للتقليل أي لن تنفعهم أيّ نفع ولو قليلاً {وَأُولَـٰئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ} الجملة إِسمية للدلالة على ثبوت الأمر وتحققه {كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ} فيه التفات من الغيبة إِلى الحاضر والأصل فأخذناهم {لَكُمْ آيَةٌ} الأصل "آيةٌ لكم" وقدّم للإِعتناء بالمقدم والتشويق إِلى المؤخر، والتنكير في آية للتفخيم والتهويل أي آية عظيمة ومثله التنكير في {رِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ} وقوله تعالى {يَرَوْنَهُمْ} و {رَأْيَ ٱلْعَيْنِ} بينهما جناس الاشتقاق {حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ} يراد به المشتهيات قال الزمخشري: عبَّر بالشهوات مبالغة كأنها نفس الشهوات، وتنبيهاً على خستها لأن الشهوة مسترذلة عند الحكماء {بِخَيْرٍ مِّن ذٰلِكُمْ} إِبهام الخير لتفخيم شأنه والتشويق لمعرفته {لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ} قال أبو السعود: التعرض لعنوان الربوبية مع الإِضافة إلى ضمير المتقين لإِظهار مزيد اللطف بهم {وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ} بينهما من المحسنات البديعية ما يسمى بالجناس الناقص. فَائِدَة: الأولى: من هو المزيّن للشهوات؟ قيل: هو الشيطان ويدل عليه قوله تعالى {أية : وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} تفسير : [النمل: 24] وتزيين الشيطان: وسوسته وتحسينه الميل إِليها وقيل: المزيّن هو الله ويدل عليه {أية : إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً} تفسير : [الكهف: 7] وتزيين الله للابتلاء ليظهر عبد الشهوة من عبد المولى وهو ظاهر قول عمر: "اللهم لا صبر لنا على ما زينتَ لنا إِلا بك". الثانية: تخصيص الأسحار بالاستغفار لأن الدعاء فيها أقرب إِلى الإجابة، لأن النفس أصفى، والروح أجمع، والعبادة أشق فكانت أقرب إِلى القبول، قال ابن كثير: كان عبد الله بن عمر يصلى من الليل ثم يقول يا نافع: هل جاء السحر؟ فإِذا قال نعم أقبل على الدعاء والاستغفار حتى يصبح.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} معناه من عِنْدِ الله شيئاً

الجيلاني

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالله، وأعرضوا عن كتبه ورسله وأصروا عليه اغترارً بمزخرفاتهم الباطلة من الأموال والأولاد {لَن تُغْنِيَ} وترفع {عَنْهُمْ} في النشأة الأخرى {أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ} غضب {ٱللَّهِ شَيْئاً وَأُولَـٰئِكَ} المصرون المعاندون فيها {هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ} [آل عمران: 10] أي: أجسامهم وقود نار الحسرة و الخذلان دأبهم وديدنتهم في النشأة الأولى. {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ} مضروا {مِن قَبْلِهِمْ} كعاد وثمود {كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} الدالة على توحيدنا، المنزل على رسلنا المستخلفين من عندنا {فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ} باسمه المنتقم {بِذُنُوبِهِمْ} الصادرة منهم من التكذيب والإنكار والعناد والاستكبار، فاستأصلهم بالمرة في النشأة الأولى، وأحرقهم بالنار في النشأة الأخرى جزاء بما كسبوا في الأولى {وَٱللَّهُ} القادر المقتدر على ما يشاء {شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} [آل عمران: 11] لكل من عاندوا واستكبروا. {قُلْ} يا أكمل الرسل نيابة عنا {لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ} بك وبكتابك إخباراً لهم عما سيجري عليهم: {سَتُغْلَبُونَ} بقهر الله وغضبه في يوم الجزاء {وَتُحْشَرُونَ} بين يدي الله، وتحاسبون عنده سبحانه عما جرى عليهم في النشأة الأولى، وبعد ذلك تساقون {إِلَىٰ جَهَنَّمَ} البعد والخذلان مطرودين مهانين {وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} [آل عمران: 12] ما مهدوا فيها بما اقترفته نفوسهم من الاستكبار على الأنبياء والإصرار على ما هم عليه من الكفر والضلالة، بعد ظهور آيات الإيمان وعلامات الهدى؛ إذ: {قَدْ كَانَ لَكُمْ} أيها الضالون في تيه الحرمان {آيَةٌ} ظاهرة دالة على الهدى الحقيقي {فِي} التقاء {فِئَتَيْنِ} حين {ٱلْتَقَتَا} إحداهما {فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} لإعلاء كلمته وإظهار توحيده {وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ} تقاتل مع الموحدين مكابرة وعناداً، ومع كونكم أيها الكافرون المعاندون بأضعاف المؤمنين الموحدين، وكثرة عددكم وعُددكم {يَرَوْنَهُمْ} أي: الموحدون {مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ ٱلْعَيْنِ} أي: في بادي النظر ويرهبون منهم رهبة شديدة بتأييد الله ونصره {وَٱللَّهُ} المحيط بجميع ما جرى في ملكه {يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ} العزيز {مَن يَشَآءُ} من عباده المخلصين في إطاعته وانقياده {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} التأييد والنصر مع ظهور عكسه {لَعِبْرَةً} تبصرة وتذكرة {لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ} [آل عمران: 13] المستبصرين بنظر الاعتبار عن سرائر الأمور وأسرارها بلا التفات إلى مزخرفات الدنيا الدنية من شهواتها ولذاتها، لا للمنهمكين المستغرقين في بحر الغفلة والغرور إذ:

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى أن الكفار به وبرسله، الجاحدين بدينه وكتابه، قد استحقوا العقاب وشدة العذاب بكفرهم وذنوبهم وأنه لا يغني عنهم مالهم ولا أولادهم شيئا، وإن كانوا في الدنيا يستدفعون بذلك النكبات التي ترد عليهم، ويقولون { نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين } فيوم القيامة يبدو لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون {أية : وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن } تفسير : وليس للأولاد والأموال قدر عند الله، إنما ينفع العبد إيمانه بالله وأعماله الصالحة، كما قال تعالى {أية : وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون } تفسير : وأخبر هنا أن الكفار هم وقود النار، أي: حطبها، الملازمون لها دائما أبدا، وهذه الحال التي ذكر الله تعالى أنها لا تغني الأموال والأولاد عن الكفار شيئا، سنته الجارية في الأمم السابقة. كما جرى لفرعون ومن قبله ومن بعدهم من الفراعنة العتاة الطغاة أرباب الأموال والجنود لما كذبوا بآيات الله وجحدوا ما جاءت به الرسل وعاندوا، أخذهم الله بذنوبهم عدلا منه لا ظلما والله شديد العقاب على من أتى بأسباب العقاب وهو الكفر والذنوب على اختلاف أنواعها وتعدد مراتبها ثم قال تعالى { قل } يا محمد { للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد } وفي هذا إشارة للمؤمنين بالنصر والغلبة وتحذير للكفار، وقد وقع كما أخبر تعالى، فنصر الله المؤمنين على أعدائهم من كفار المشركين واليهود والنصارى، وسيفعل هذا تعالى بعباده وجنده المؤمنين إلى يوم القيامة، ففي هذا عبرة وآية من آيات القرآن المشاهدة بالحس والعيان، وأخبر تعالى أن الكفار مع أنهم مغلوبون في الدار أنهم محشورون ومجموعون يوم القيامة لدار البوار، وهذا هو الذي مهدوه لأنفسهم فبئس المهاد مهادهم، وبئس الجزاء جزاؤهم. { قد كان لكم آية } أي: عبرة عظيمة { في فئتين التقتا } وهذا يوم بدر { فئة تقاتل في سبيل الله } وهم الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه { وأخرى كافرة } أي: كفار قريش الذين خرجوا من ديارهم بطرا وفخرا ورئاء الناس، ويصدون عن سبيل الله، فجمع الله بين الطائفتين في بدر، وكان المشركون أضعاف المؤمنين، فلهذا قال { يرونهم مثليهم رأي العين } أي: يرى المؤمنون الكافرين يزيدون عليها زيادة كثيرة، تبلغ المضاعفة وتزيد عليها، وأكد هذا بقوله { رأي العين } فنصر الله المؤمنين وأيدهم بنصره فهزموهم، وقتلوا صناديدهم، وأسروا كثيرا منهم، وما ذاك إلا لأن الله ناصر من نصره، وخاذل من كفر به، ففي هذا عبرة لأولي الأبصار، أي: أصحاب البصائر النافذة والعقول الكاملة، على أن الطائفة المنصورة معها الحق، والأخرى مبطلة، وإلا فلو نظر الناظر إلى مجرد الأسباب الظاهرة والعدد والعُدد لجزم بأن غلبة هذه الفئة القليلة لتلك الفئة الكثيرة من أنواع المحالات، ولكن وراء هذا السبب المشاهد بالأبصار سبب أعظم منه لا يدركه إلا أهل البصائر والإيمان بالله والتوكل على الله والثقة بكفايته، وهو نصره وإعزازه لعباده المؤمنين على أعدائه الكافرين.