Verse. 304 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

كَدَاْبِ اٰلِ فِرْعَوْنَ۝۰ۙ وَالَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِہِمْ۝۰ۭ كَذَّبُوْا بِاٰيٰتِنَا۝۰ۚ فَاَخَذَھُمُ اللہُ بِذُنُوْبِہِمْ۝۰ۭ وَاللہُ شَدِيْدُ الْعِقَابِ۝۱۱
Kadabi ali firAAawna waallatheena min qablihim kaththaboo biayatina faakhathahumu Allahu bithunoobihim waAllahu shadeedu alAAiqabi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

دأبُهم «كدأب» كعادة «آل فرعون والذين من قبلهم» من الأمم كعاد وثمود «كذبوا بآياتنا فأخذهم الله» أهلكم «بذنوبهم» والجملة مفسرة لما قبلها «والله شديد العقاب» ونزل لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم اليهودَ بالإسلام بعد مرجعه من بدر فقالوا لا يغرنك أن قتلت نفراً من قريش أغمارا لا يعرفون القتال.

11

Tafseer

الرازي

تفسير : يقال: دأبت الشيء أدأب دأبا ودؤبا إذا أجهدت في الشيء وتعبت فيه، قال الله تعالى: {أية : سَبْعُ سِنِينَ دَأَبًا } تفسير : [يوسف: 47] أي بجد واجتهاد ودوام، ويقال: سار فلان يوماً دائباً، إذا أجهد في السير يومه كله، هذا معناه في اللغة، ثم صار الدأب عبارة عن الشأن والأمر والعادة، يقال: هذا دأب فلان أي عادته، وقال بعضهم: الدؤب والدأب الدوام. إذا عرفت هذا فنقول: في كيفية التشبيه وجوه الأول: أن يفسر الدأب بالاجتهاد، كما هو معناه في أصل اللغة، وهذا قول الأصم والزجاج، ووجه التشبيه أن دأب الكفار، أي جدهم واجتهادهم في تكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وكفرهم بدينه كدأب آل فرعون مع موسى عليه السلام، ثم إنا أهلكنا أولئك بذنوبهم، فكذا نهلك هؤلاء. الوجه الثاني: أن يفسر الدأب بالشأن والصنع، وفيه وجوه الأول: {كَدَأْبِ ءالِ فِرْعَوْنَ } أي شأن هؤلاء وصنعهم في تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم، كشأن آل فرعون في التكذيب بموسى، ولا فرق بين هذا الوجه وبين ما قبله إلا أنا حملنا اللفظ في الوجه الأول على الاجتهاد، وفي هذا الوجه على الصنع والعادة والثاني: أن تقدير الآية: أن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً، ويجعلهم الله وقود النار كعادته وصنعه في آل فرعون، فإنهم لما كذبوا رسولهم أخذهم بذنوبهم، والمصدر تارة يضاف إلى الفاعل، وتارة إلى المفعول، والمراد ههنا، كدأب الله في آل فرعون، فإنهم لما كذبوا برسولهم أخذهم بذنوبهم، ونظيره قوله تعالى: {أية : يُحِبُّونَهُمْ كَحُبّ ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 165] أي كحبهم الله وقال: {أية : سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا } تفسير : [الإسراء: 77] والمعنى: سنتي فيمن أرسلنا قبلك والثالث: قال القفال رحمه الله: يحتمل أن تكون الآية جامعة للعادة المضافة إلى الله تعالى، والعادة المضافة إلى الكفار، كأنه قيل: إن عادة هؤلاء الكفار ومذهبهم في إيذاء محمد صلى الله عليه وسلم كعادة من قبلهم في إيذاء رسلهم، وعادتنا أيضاً في إهلاك هؤلاء، كعادتنا في إهلاك أولئك الكفار المتقدمين، والمقصود على جميع التقديرات نصر النبي صلى الله عليه وسلم على إيذاء الكفرة وبشارته بأن الله سينتقم منهم. الوجه الثالث: في تفسير الدأب والدؤب، وهو اللبث والدوام وطول البقاء في الشيء، وتقدير الآية، وأولئك هم وقود النار كدأب آل فرعون، أي دؤبهم في النار كدؤب آل فرعون. والوجه الرابع: أن الدأب هو الاجتهاد، كما ذكرناه، ومن لوازم ذلك التعب والمشقة ليكون المعنى ومشقتهم وتعبهم من العذاب كمشقة آل فرعون بالعذاب وتعبهم به، فإنه تعالى بيّن أن عذابهم حصل في غاية القرب، وهو قوله تعالى: {أية : أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً} تفسير : [نوح: 25] وفي غاية الشدة أيضاً وهو قوله {أية : ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُواْ ءالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ } تفسير : [غافر: 46]. الوجه الخامس: أن المشبه هو أن أموالهم وأولادهم لا تنفعهم في إزالة العذاب، فكان التشبيه بآل فرعون حاصلاً في هذين الوجهين، والمعنى: أنكم قد عرفتم ما حل بآل فرعون ومن قبلهم من المكذبين بالرسل من العذاب المعجل الذي عنده لم ينفعهم مال ولا ولد، بل صاروا مضطرين إلى ما نزل بهم فكذلك حالكم أيها الكفار المكذبون بمحمد صلى الله عليه وسلم في أنه ينزل بكم مثل ما نزل بالقوم تقدم أو تأخر ولا تغني عنكم الأموال والأولاد. الوجه السادس: يحتمل أن يكون وجه التشبيه أنه كما نزل بمن تقدم العذاب المعجل بالاستئصال فكذلك ينزل بكم أيها الكفار بمحمد صلى الله عليه وسلم وذلك من القتل والسبي وسلب الأموال ويكون قوله تعالى: {أية : قُلْ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ } تفسير : [آل عمران: 12] كالدلالة على ذلك فكأنه تعالى بيّن أنه كما نزل بالقوم العذاب المعجل، ثم يصيرون إلى دوام العذاب، فسينزل بمن كذب بمحمد صلى الله عليه وسلم أمران أحدهما: المحن المعجلة وهي القتل والسبي والإذلال، ثم يكون بعده المصير إلى العذاب الأليم الدائم، وهذان الوجهان الأخيران ذكرهما القاضي رحمه الله تعالى. أما قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } فالمعنى: والذين من قبلهم من مكذبي الرسل، وقوله {كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا } المراد بالآيات المعجزات ومتى كذبوا بها فقد كذبوا لا محالة بالأنبياء. ثم قال: {فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ } وإنما استعمل فيه الأخذ لأن من ينزل به العقاب يصير كالمأخوذ المأسور الذي لا يقدر على التخلص. ثم قال: {وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } وهو ظاهر.

القرطبي

تفسير : الدأب العادة والشأن. ودأب الرجل في عمله يدأب دأباً ودؤوباً إذا جدّ وٱجتهد، وأدأبته أنا. وأدأب بعيره إذا جهدَه في السير. والدائبان الليل والنهار. قال أبو حاتم: وسمعت يعقوب يذكر «كدَأَبِ» بفتح الهمزة، وقال لي وأنا غُلَيِّمٌ: على أيّ شيء يجوز «كدَأَب»؟ فقلت له: أظنه من دَئِبَ يدْأَب دَأَباً. فقبِل ذلك مِني وتعجب من جودة تقديري على صِغري؛ ولا أدري أيقال أم لا. قال النحاس: «وهذا القول خطأ، لا يقال أَلبتّة دَئِب، وإنما يقال: دَأَب يدْأَب دُءُوباً ودَأْباً؛ هكذا حكى النحويون، منهم الفرّاء حكاه في (كتاب المصادر)؛ كما قال ٱمرؤ القيس:شعر : كدأْبِك مِن أم الحُوَيْرِث قَبْلَها وجارَتِهاأُمِّ الرَّبَابِ بمَأْسَلِ تفسير : فأمّا الدَّأَب فإنه يجوز؛ كما يقال: شَعْرٌ وشَعَرٌ ونَهْرٌ ونَهَرٌ؛ لأن فيه حرفاً من حروف الحلق». وٱختلفوا في الكاف؛ فقيل: هي في موضع رفع تقديره دَأْبُهم كدَأْب آل فرعون، أي صنيع الكفّار معك كصنيع آل فرعون مع موسى. وزعم الفرّاء أن المعنى: كفرت العرب ككفر آل فرعون. قال النحاس: لا يجوز أن تكون الكاف متعلقة بكفروا، لأن كفروا داخلة في الصِّلة. وقيل: هي متعلقة بـ {أَخَذَهُمُ الله}، أي أخذ آل فرعون. وقيل: هي متعلقة بقوله {لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم} أي لم تُغْنِ عنهم غَنَاء كما لم تُغن الأموال والأولاد عن آل فرعون. وهذا جواب لمن تخلّف عن الجهاد وقال: شغلتنا أموالنا وأهلونا. ويصح أن يعمل فيه فعلٌ مقدّر من لفظ الوقود، ويكون التشبيه في نفس الاحتراق. ويؤيد هذا المعنى {وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوۤءُ ٱلْعَذَابِ} {ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ} [غافر: 45، 46]. والقول الأوّل أرجح، وٱختاره غير واحد من العلماء. قال ٱبن عرفة: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ} أي كعادة آل فرعون. يقول: ٱعتاد هؤلاء الكفرة الإلحاد والإعنات للنبيّ صلى الله عليه وسلم كما ٱعتاد آل فرعون من إعنات الأنبياء؛ وقال معناه الأزهريّ. فأمّا قوله في سورة (الأنفال) {أية : كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ} تفسير : [الأنفال: 52] فالمعنى جُوزِي هؤلاء بالقتل والأسر كما جُوزِي آل فرعون بالغرق والهلاك. قوله تعالى: {بِآيَاتِنَا} يحتمل أن يريد الآيات المتلوّة، ويحتمل أن يريد الآيات المنصوبة للدّلالة على الوحدانية.{فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}.

البيضاوي

تفسير : {كَدَأْبِ ءالِ فِرْعَوْنَ} متصل بما قبله أي لن تغن عن أولئك، أو توقد بهم كما توقد بأولئك، أو استئناف مرفوع المحل تقديره دأب هؤلاء كدأبهم في الكفر والعذاب، وهو مصدر دأب في العمل إذا كدح فيه فنقل إلى معنى الشأن. {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} عطف على {آل فِرْعَوْنَ}. وقيل استئناف. {كَذَّبُواْ بِأَيَـٰتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ} حال بإضمار قد، أو استئناف بتفسير حالهم، أو خبر إن ابتدأت بالذين من قبلهم. {وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} تهويل للمؤاخذة وزيادة تخويف الكفرة.

المحلي و السيوطي

تفسير : دأبهم {كَدَأْبِ } كعادة {ءَالِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } من الأمم كعاد وثمود {كَذَّبُواْ بِئَايَٰتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ } أهلكهم {بِذُنُوبِهِمْ } والجملة مفسرة لما قبلها {وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } ونزل لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم اليهود بالإسلام بعد مرجعه من بدر فقالوا له: لا يغرّنك أن قتلت نفراً من قريش أغماراً لا يعرفون القتال.

ابن عبد السلام

تفسير : {كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ} كعادتهم في تكذيب الحق، أو في العقوبة على ذنوبهم.

ابن عادل

تفسير : في كاف "كَدَأب" وجهانِ: أحدهما: أنها في محل رَفْع؛ خَبَراً لِمبتدأ مُضْمَر، تقديره: دأبهم - في ذلك "كَدَأبِ آلِ فِرعَوْن" وبه بدأ الزمخشريُّ، وابنُ عطية. الثاني: أنها في محل نَصْب، وفي الناصب لها تسعةُ أقوالٍ: أحدها: أنها نَعْتٌ لمصدر محذوف، والعامل فيه "كَفَرُوا"، تقديره: إنَّ الذين كفروا كُفْراً كدأب آل فرعون، أي: كعادتهم في الكفر، وهو رأي الفرَّاءِ. وهذا القول مردود بأنه قد أخبر عن الموصول قبل تمام صلته، فلزم الفصلُ بينَ أبْعَاضِ العلةِ بالأجنبيِّ، وهو لا يجوز. الثاني: أنه منصوب بـ "كَفَرُوا" لكن مقدر؛ لدلالة هذا الملفوظ به عليه. الثالث: أن الناصبَ مقدَّر، مدلول عليه بقوله: "لَنْ تُغْنِيَ" أي: بطل انتفاعهم بالأموالِ والأولادِ كعادة آل فرعونَ في ذلك. والمعنى: إنكم قد عرفتم ما حلَّ بآل فرعون ومَنْ قبلَهم من المكذبين بالرسل - من العذاب المعجل الذي عنده - لم ينفعهم مال ولا ولد. الرابع: أنه منصوب بلفظ "وَقُودُ"، أي: تُوقَد النارُ بهم كما توقد بآل فرعون، كما تقول: إنك لتظلم الناس كدأبِ أبيك، تريد: كظلم أبيك، قاله الزمخشريُّ، وفيه نظر؛ لأن الوقود - على القراءة المشهورة - الأظهر فيه أنه اسم لِما يوقد به، وإذا كان اسماً فلا عَمَل له، فإن قيل: إنه مصدر على قراءة الحَسن صَحَّ، ويكون معنى الدأب: الدؤوب - وهو اللُّبْثُ والدوام، وطول البقاء في الشيء - وتقدير الآية: "وَأُولَئِكَ هُم وَقُودُ كَدَأْبِ آل فِرْعَونَ". [أي: دؤوبهم في النار كدأب آل فرعون]. الخامس: أنه منصوب بنفس "لَنْ تُغْنِي" أي: لن تغني عنهم مثل ما لم تُغنِ عن أولئك، ذكره الزمخشري، وضعَّفه أبو حيَّان بلزوم الفصل بين العامل ومعموله بالجملة - التي هي قوله: {وَأُولَـٰئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ} قال: "على أي التقديرين اللَّذَيْنِ قدرناهما فيهما من أن تكون معطوفة على خبر "إنَّ" أو على الجملة المؤكَّدة بـ "إنَّ" قال: فإن جعلتها اعتراضيةً - وهو بعيد - جازَ ما قال الزمخشريُّ". السادس: أن يكون العامل فيها فعلاً مقدَّراً، مدلولاً عليه بلفظ "الوَقُود"، تقديره: توقَد بهم كعادة آل فرعون، ويكون التشبيه في نفس الاحتراق، قاله ابنُ عطية. السابع: أن العامل يُعَذَّبُونَ كعادةِ آل فرعونَ، يدل عليه سياق الكلام. الثامن: أنه منصوب بـ {كَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَا}، والضمير في "كَذَّبُوا" - على هذا - لكفار مكة وغيرهم من معاصِرِي رسولِ الله صلى الله عليه وسلم - أي: كذبوا تكذيباً كعادة آل فرعونَ في ذلك التكذيب. التاسع: أن العامل فيه قوله: {فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ}، أي: فأخذهم الله أخْذاً كأخذه آل فرعون، والمصدر تارةً يضاف إلى الفاعل، وتارةً إلى المفعول، والمعنى: كَدَأبِ الله في آل فرعون، ونظيره قوله تعالى: {أية : يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 165] أي: كَحُبِّهم لله، وقال: {أية : سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ} تفسير : [الإسراء: 77] والمعنى: سنتي فيمن أرسلنا قبلك، وهذا مردود؛ فإن ما بعد الفاء العاطفة لا يعمل فيما قبلها، لا يجوز قمت زيداً فضربت وأما زيداً فاضرب، فقد تقدم الكلام عليه في البقرة. وقد حكى بعضُ النحاةِ - عن الكوفيين - أنهم يجيزون تقديم المعمول على حرف العطف، فعلى هذا يجوز هذا القول، وفي كلام الزمخشريِّ سهو؛ فإنه قال: ويجوز أن ينتصب محلُّ الكاف بـ "لَنْ تُغْنِيَ" أو بـ "خَالِدُونَ"، [أي: لم تُغنِ عنهم مثل ما لم تغن عن أولئك، أو هم فيها خالدون كما يُخَلَّدُون]. وليس في لفظ الآية الكريمة {خَالِدُونَ}، إنما نظم الآية {وَأُولَـٰئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ}، ويبعد أن يقال: أراد "خَالِدُون" مُقَدَّراً، يدل عليه السياق، اللهم إلا إن فسرنا الدأبَ باللُّبْث والدوام وطول البقاء. وقال القفَّالُ: "يحتمل أن تكون الآية جامعة للعادة المضافة إلى الله تعالى، والعادة المضافة إلى الكفار، كأنه قيل: إن عادة هؤلاء الكفار في إيذاء محمد صلى الله عليه وسلم كعادة من قبلهم في إيذاء رُسُلِهِم وعادتنا أيضاً في إهلاك الكفارِ، كعادتنا في إهلاك أولئك الكفار المتقدمين، والمقصود - على جميع التقديراتِ - نصر النبي صلى الله عليه وسلم على إيذاء الكفار، وبشارته بأن الله سينتقم منهم". الدأب: العادة، يقال: دأب، يَدْأبُ، أي: واظب، ولازم، ومنه {أية : تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً} تفسير : [يوسف: 47]، أي: مداومة. وقال امرؤ القيس: [الطويل] شعر : 1347 - كَدَأبكَ مِنْ أمِّ الْحُوَيْرِثِ قَبْلَهَا وَجَارَتِهَا أمِّ الرَّبَابِ بِمَأسَلِ تفسير : وقال زُهير: [الطويل] شعر : 1348 - لأرْتَحِلَنّ بِالْفَجْرِ ثُمَّ لأدْأبَنّْ إلَى اللَّيْلِ إلاَّ أنْ يُعَرِّجَنِي طِفْلُ تفسير : وقال الواحديُّ: "الدأب: الاجتهاد والتعب، يقال: صار فلان يومه كله يَدْأب فيه، فهو دائب، أي: اجتهد في سَيْرِه، هذا أصله في اللغة، ثم [يصير] الدأب عبارة عن الحال والشأن والأمر والعادة؛ لاشتمال العمل والجهد على هذا كله". وكذا قال الزمخشريُّ، قال: "مصدر دأب في العمل إذا كَدَح فيه، فوُضِع مَوْضِعَ ما عليه الإنسان من شأنه وحاله". ويقال: دأَب، ودأْب - بفتح الهمزة وسكونها - وهما لغتان في المصدر كالضأْن والضأَن وكالمَعْز والمَعَز وقرأ حفص: {سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً} بالفتح. قال الفرَّاء: "والعرب تثقل ما كان ثانيه من حروف الحلق كالنَّعْل والنَّعَل، والنَّهْر والنَّهَر، والشَّأْم والشَّأَم. وأنشد: [البسيط] شعر : 1349 - قَدْ سَارَ شَرْقِيُّهُمْ حَتَّى أتَوْا سَبَأ وَانْسَاحَ غَرْبِيُّهُمْ حَتَّى هَوى الشَّأَمَا تفسير : {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} يجوز أن يَكُونَ مجروراً نسقاً على {آلِ فِرْعَوْنَ}، وأن يكونَ مرفوعاً على الابتداء، والخبر قوله - بعد ذلك - {كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ}، وهذان الاحتمالان جائزان مطلقاً، وخص أبو البقاء جواز الرفع بكون الكافِ في محل رفع، فقال: "فعلى هذا - أي: على كونها مرفوعة المحل؛ خبراً لمبتدأ مضمر - يجوز في {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} وجهان: أحدهما: الجر، بالعطف أيضاً، و ـ "كَذَّبُوا" في موضع الحال، و "قَدْ" مَعَهُ مُضمَرة، ويجوز أن يكون مستأنفاً لا موضع له، ذُكِرَ لِشَرْح حَالِهِم. الوجه الآخر: أن يكون الكلامُ تمَّ على {ءَالِ فِرْعَوْنَ} و {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} مبتدأ، و "كَذَّبُوا" خبره". قوله: {كَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَا} قد تقدم أنه يجوز أن يكون خَبراً عن "الَّذِينَ" إن قيل: إنه مبتدأ، فإن لم يكن مبتدأ فقد تقدم أيضاً أنه يكون تفسيراً للدأب، كأنه قيل: ما فعلوا، وما فعل بهم؟ فقيل: كذبوا بآياتِنا، فهو جوابُ سؤال مقدر، وأن يكون حالاً، وفي قوله: {بِآيَٰتِنَا} التفات؛ لأن قبله {مِّنَ ٱللَّهِ} وهو اسم ظاهر. والمراد بالآيات: المعجزات، والباء في "بِذُنُوبِهِمْ" يَجوز أن تكون سببيةً، أي: أخذهم بسبب ما اجترحوا، وأن تكون للحالِ، أي أخذهم متلبسين بالذنوب، غير تائبين منها والذنب في الأصل - التِّلْو والتابع، وسُمِّيَت الجريمةُ ذَنْباً؛ لأنها يتلو، أي: يتبع عقابُها فاعلمه والذَّنُوب: الدَّلْو؛ لأنها تتلو الحبلَ في الجذبِ، وأصل ذلك من ذَنَب الحيوان؛ لأن يذنبه أي: يتلوه، يقال: ذنبه يذنبه ذنباً، أي: تبعه، واستعمل في الأخذ؛ لأن مَنْ بينَ يده العقاب كالمأخوذ المأسور الذي لا يَقْدر على التخلُّص. قوله {شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} كقوله: {أية : سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ}تفسير : [البقرة: 202]، أي: شديدٌ عِقَابه وقد تقدم تحقيقه.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {كدأب آل فرعون} قال: كصنيع آل فرعون. وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {كدأب آل فرعون} قال: كفعل. وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد. مثله. وأخرج ابن جرير عن الربيع {كدأب آل فرعون} يقول: كسنَّتهم.

القشيري

تفسير : أصرُّوا في العتوِّ على سَنَنهم، وأدَمْنَا لهم في الانتقام سَنَنَا، فلا عن الإصرار أقلعوا، ولا في المَبَارِّ طَعِمُوا، ولعمري إنهم هم الذين نَدِموا وتحسَّرُوا على ما قدَّموا - ولكن حينما وجدوا البابَ مسدوداً، والندمَ عليهم مردوداً.

البقلي

تفسير : {آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً} اشكل الامرين من تلك الطائفتين انهما يبلغ الى درجة الولاية المعرفة الموجبة مشاهدة الله وقربه الى لو وقعت ذرة منها لاحد من هذه الامة لتنجوا بشفاعته من النار سبعون الفا بغير حساب اى خدموا اباؤكم وارحموا اولادكم فربما يخرج منهم صاحب الولاية يشفع لكم عند الله سبحانه حكمة الابهام ههنا يشمل الرحمة والشفقة على الجمهور لتوقع ذلك المولى الصدق قال ابن عباس فى قوله ايهم اقرب لكم نفعا اطوعكم الله عز وجل من الابآء والابناء ارفعكم درجة يوم القيامة لان الله سبحانه وتعالى يشفع المؤمنين بعضهم فى بعض فان كان الولد ارفع درجة من والديه رفع الله والديه الى درجته لتقر بذلك عينه وان كان الوالد ارفع درجة من ولده رفع الله الولد الى درجتهم لتقر بذلك اعينهم قيل أباؤكم نيرهم وانباؤكم بالشفقة عليهم والتاديب لهم هما بمحل النفع.

اسماعيل حقي

تفسير : {كداب آل فرعون} الدأب مصدر دأب فى العمل اذا كدح فيه وتعب غلب استعماله فى معنى الشان والحال والعادة ومحل الكاف الرفع على انه خبر لمبتدأ محذوف اى دأب هؤلاء فى الكفر وعدم النجاة من اخذ الله تعالى وعذابه كدأب آل فرعون {والذين من قبلهم} اى آل فرعون من الامم الكافرة كقوم نوح وثمود وقوم لوط وهو عطف على ما قبله {كذبوا بآياتنا} بيان وتفسير لدأبهم الذى فعلوا على الإستئناف المبنى على السؤال كأنه قيل كيف كان دأبهم فقيل كذبوا بآياتنا اى بكتبنا ورسلنا {فأخذهم الله بذنوبهم} تفسير لدأبهم الذي فعل بهم أي فأخذهم الله تعالى وعاقبهم ولم يجدوا من بأس الله تعالى محيصا فدأب هؤلاء الكفرة ايضا كدأبهم والذنب فى الاصل التلو والتابع وسميت الجريمة ذنبا لانها تتلو اى يتبع عقابها فاعلها {والله شديد العقاب} لمن كفر بالآيات والرسل.

الطوسي

تفسير : اللغة: الدأب: العادة، يقال دأب يدأب دأباً ودئاباً إذا اعتاد الشيء وتمرن عليه. قال امرؤ القيس: شعر : كدأبك من أم الحويرث قبلها وجارتها أم الرباب بمأسل تفسير : أي كعادتك من أم الحويرث. المعنى: ومعنى قوله: {كدأب آل فرعون} كعادتهم في التكذيب بالحق وقيل في الكفر وقيل في قبح الفعل وقيل في تكذيب الرسل وكل ذلك متقارب في المعنى. وقال قوم: معناه كدأب آل فرعون في عقاب الله إياهم على ما سلف من ذنوبهم، ومعاصيهم، والكاف في قوله: {كدأب آل فرعون} متصلة بمحذوف. وتقديره عادتهم كدأب آل فرعون. وموضع الكاف رفع لأنها في موضع خبر الابتداء، ولا يجوز أن يعمل فيها كفروا، لأن صلة الذي قد انقطعت بالخبر، وهو {لن تغني عنهم أموالهم} ولا أولادهم ولكن يجوز نصبه بـ {وقود النار}، لأن فيه معنى الفعل على تقدير تتقد النار باجسادهم كما تتقد باجسام آل فرعون فهذا تقديره في المعنى. وقوله: {فأخذهم الله بذنوبهم} بمعنى عاقبهم الله بذنوبهم وسمى المعاقبة مؤاخذة لأنها أخذ بالذنب والاخذ بالذنب عقوبة والذنب والجرم واحد تقول أذنب يذنب اذناباً فهو مذنب والذنب التلو للشيء ذنبه يذنبه ذنباً إذا تلا والذنوب الدلو لأنها تالية للحبل في الجذب والذنوب النصيب لأنه كالدلو في الانعام قال الشاعر: شعر : لنا ذنوب ولكم ذنوب فان أبيتم فلنا قليب تفسير : والذنوب: الفرس الوافر شعر الذنب. وأصل الباب: التلو، فالذنب الجرم لما يتلوه من استحقاق الذم كما قيل العقاب، لأنه يستحق عقيب الذنب.

الجنابذي

تفسير : {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ} اى شأنهم وديدنهم وهو متعلّق بلن تغنى، او بوقود النّار، او خبر لمحذوف {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} بالرّسل واوصيائهم وسائر الآيات {فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ} التفات من التكلّم الى الغيبة لانّ المؤاخذة لا تكون الاّ فى المظاهر الدّانية لله بخلاف الآيات فانّها منسوبة اليه تعالى باعتبار المقام العالى {بِذُنُوبِهِمْ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ قُلْ} يا محمّد (ص) {لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ} فى الدّنيا وحال الموت وفى البرازخ وفى المحشر {وَتُحْشَرُونَ} بعد الانتهاء الى المحشر {إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} نسب الى الرّواية انّه لمّا اصاب رسول الله (ص) قريشاً ببدرٍ وقدم المدينة جمع اليهود فى سوق قينقاع فقال: "حديث : يا معشر اليهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش يوم بدر وأسلموا قبل ان ينزل بكم ما نزل بهم فقد عرفتم انّى نبىّ مرسل تجدون ذلك فى كتابكم فقالوا: يا محمّد (ص) لا يغرّنك انّك لقيت قوماً اغماراً لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة امّا والله لو قاتلتنا لعرفت انّا نحن النّاس"تفسير : فأنزل الله هذه الآية وقد فعل الله ذلك بهم وصدق وعده بقتل بنى قريظة واجلاء بنى النّضير وفتح خيبر ووضع الجزية على من بقى منهم وغلب المشركين وهو من دلائل النّبوّة.

اطفيش

تفسير : {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَونَ}: أى دأب أولئك كدأب آل فرعون، والدأب: العادة، وذلك خبر بمحذوف، كما رأيت، أى هم كآل فرعون فى التكذيب كذبوا بك، كما كذب فرعون والقبط بموسى وهارون، أو هم كآل فرعون فى أن توقد بهم النار، أو فى عدم إغناء أموالهم وأولادهم عنهم شيئاً، فيجوز تعليقه بتغنى، أو بوقود، ولو بفتح الواو، ولأن فيهم معنى الفعل، أو هو مفعول مطلق لتغنى أو وقود، وأصل الدأب مصدر دأب فى العمد إذا سعى فيه مجتهداً فوضع موضع ما عليه الإنسان من شأن، وكان عادة لهُ وسنة. {والَّذيِنَ مِنْ قَبْلِهِمْ}: من كفار الأمم عطف على آل، فجملة: {كَذَّبُوا بآيَتِنَا}: حال من {آل} و {الذين}، ولا يحتاج إلى تقدير قد، وقيل: لا يقع الماضى المثبت مع مرفوعه حالا، إلا بعد ظاهره أو مقدره، ويجوز أن تكون هذه الجملة مستأنفة فى تفسير حال آل فرعون، والذين من قبلهم، كأنه قيل: ما حالهم فأجاب بها، ويجوز أن يكون "الذين" مبتدأ و {كَذَّبُوا} خبره. {فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ}: أهلكهم وجازاهم بذنوبهم بسبب تكذيبهم، وإنما قلت ذلك لأن الفاء سببية، فلم أفسر الباء بالسببية، ولو لم يكذبوا لم يأخذهم بذنوبهم الواقعة فى الشرك، ولا بذنوب بعد بعث الرسل إليهم، ولك أن تجعل الفاء لمجرد العطف بلا سببية، على قله، فتكون الباء سببية، ولك أن تجعلها للسببية تأكيداً على أن تفسر الذنوب بالتكذيب، لأن تكذيب كل واحد من هؤلاء الكفرة ذنب، فتلك ذنوب، بل تكذيب كل واحد مشتمل على ذنوب. {وَاللهُ شَدِيدُ العِقَابِ}: إذا عاقب من يعاقب مطلقاً، فيكون أخذه لهؤلاء أخذاً شديداً ففى هذا تهويل للمؤاخذة، وزيادة تخويف للكفرة. قال ابن عباس: لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم بدر قريشاً ورجع إلى المدينة، جمع اليهود فى سوق بنى قينقاع، وقال: حديث : "يا معشر اليهود احذروا من الله مثل ما أنزل بقريش يوم بدر، وأسلموا قبل أن ينزل بكم مثل ما نزل بهم، فقد علمتم أنى نبى مرسل، تجدون ذلك فى كتابكم"، فقالوا: يا محمد لا يغرنك أنك لقيت قريشاً وهم قوم أغمار لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة، وإن والله لو قاتلناكم لعرفتم أنا نحن الناس - فنزل قوله تعالى: {قُلْ للّذيِنَ كَفًروا سَتُغْلَبُون وتُحْشَرُونَ إلىَ جَهَنَّمَ وبئْسَ المِهَادُ}.

الالوسي

تفسير : {كَدَأْبِ ءالِ فِرْعَوْنَ } الدأب العادة والشأن، وأصله من دأب في الشيء دأباً ودءوباً إذا اجتهد فيه وبالغ ـ أي حال هؤلاء في الكفر واستحقاق العذاب كحال آل فرعون ـ فالجار والمجرور خبر لمبتدأ محذوف، والجملة منفصلة عما قبلها مستأنفة استئنافاً بيانياً بتقدير ـ ما سبب هذا ـ على ما قاله بعض المحققين. ومن الناس من جوز أن يكون الجار متعلقاً بمحذوف وقع صفة لمصدر {أية : تغني}تفسير : [آل عمران: 10] أي إغناء كائناً كعدم إغناء،/ أو بوقود أي توقد بهم كما توقد بأولئك ـ ولا يخفى ما في الوجهين ـ أما الأول: فقد قال فيه أبو حيان: إنه ضعيف للفصل بين العامل والمعمول بالجملة التي هي، و (أولئك) الخ إذا قدرت معطوفة، فإن قدرت استئنافية وهو بعيد جاز. وأما الثاني: فقد اعترضه الحلبـي بأن الوقود على المشهور الأظهر فيه اسم لما يوقد به وإذا كان اسماً فلا عمل له. فإن قيل إنه مصدر كما في قراءة الحسن صح لكنه لم يصح وأورد عليهما معاً أنهما خلاف الظاهر لأن المذكور في تفسير الدأب إنما هو التكذيب والأخذ من غير تعرض لعدم الإغناء لا سيما على تقدير كون {مِنْ } بدلية ـ ولا ـ لإيقاد النار فليفهم. {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } وهم كفار الأمم الماضية فالضمير لآل فرعون، وقيل: للذين كفروا، والمراد بالموصول معاصرو رسول الله صلى الله عليه وسلم. {كَذَّبُواْ بآيَاتنَا} تفسير لدأبهم الذي فعلوا على سبيل الاستئناف البياني، والمراد بالآيات إما المتلوة في كتب الله تعالى أو العلامات الدالة على توحيد الله تعالى وصدق أنبيائه عليهم الصلاة والسلام {فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ} تفسير ـ لدأبهم ـ الذي فعل بهم أي فعاقبهم الله تعالى ولم يجدوا من بأس الله تعالى محيصاً، وقيل: إن جملة {كَذَّبُواْ} الخ في حيز النصب على الحال من {ءآلِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} بإضمار قد، ويجوز على بعد أن تكون في حيز الرفع على أنها خبر عن (الذين) والالتفات للتكلم أولاً: في آياتنا للجري على سنن الكبرياء، وإلى الغيبة ثانياً: بإظهار الجلالة لتربية المهابة وإدخال الروعة. {بِذُنُوبِهِمْ } أي بسببها أو متلبسين بها غير تائبين، والمراد من الذنوب على الأول: التكذيب بالآيات المتعددة، وجيء بالسببية تأكيداً لما تفيده الفاء، وعلى الثاني: سائر الذنوب، وفي ذلك إشارة إلى أن لهم ذنوباً أخر، وأصل الذنب التلو والتابع، ثم أطلق على الجريمة لأنها يتلو ـ أي يتبع ـ عقابها فاعلها {وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } لمن كفر بآيات، والجملة تذييل مقررة لمضمون ما قبلها من الأخذ.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ}. لم يبين هنا من هؤلاء الذين من قبلهم وما ذنوبهم التي أخذهم الله بها. وبين في مواضع أخر أن منهم قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط وقوم شعيب وأن ذنوبهم التي أخذهم بها هي الكفر بالله وتكذيب الرسل وغير ذلك من المعاصي، كعقر ثمود للناقة وكلواط قوم لوط، وكتطفيف قوم شعيب للمكيال والميزان، وغير ذلك كما جاء مفصلاً في آيات كثيرة كقوله في نوح وقومه: {أية : فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} تفسير : [العنكبوت: 14] ونحوها من الآيات وكقوله في قوم هود: {أية : إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ} تفسير : [الذاريات: 41] الآية ونحوها من الآيات وكقوله في قوم صالح: {أية : وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيْحَةُ} تفسير : [هود: 67] الآية ونحوها من الآيات وكقوله في قوم لوط: {أية : فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا} تفسير : [الحجر: 74] الآية ونحوها من الآيات وكقوله في قوم شعيب: {أية : فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}تفسير : [الشعراء: 189] ونحوها من الآيات.

د. أسعد حومد

تفسير : {آلِ فِرْعَوْنَ} {بِآيَاتِنَا} (11) - وَسَيَكُونُ حَالُ هَؤُلاَءِ المُكَذِّبِينَ وَشَأنُهُمْ (دَأبُهُمْ) مِثْلَ حَالِ قَوْمِ فِرْعُوْنَ (آلِ فِرْعَونَ)، وَمَنْ قَبْلَهُمْ مِمَّنْ كَذَّبُوا الرُّسُلَ فِيمَا جَاؤُوهُمْ بِهِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، فَعَاقَبَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ، وَبِمَا ارْتَكَبُوهُ مِنْ كُفْرٍ وَآثامٍ، واللهُ شَدِيدُ العَذابِ ألِيمُهُ، لاَ يَمْتَنِعُ عليهِ أحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ. الدَّأبُ - العَادَةُ وَالحَالُ. آلِ فِرعَوْنَ - قَوْمِ فِرْعَوْنَ. أَخَذَهُمْ - عَاقَبَهُمْ وَأهْلَكَهُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وساعة تسمع "كدأب كذا" فالدأب هو العمل بكدح وبلا انقطاع فنقول: فلان دأبه أن يفعل كذا أي هو معتاد دائماً أن يفعل كذا. أو نقول: ليس لفلان دأب إلا أن يغتاب الناس. فهل معنى ذلك أن كل أفعاله محصورة في اغتياب الناس، أو أنه يقوم بأفعال أخرى؟ إنه يقوم بأفعال أخرى لكن الغالب عليه هو الاغتياب، وهذا هو الدأب. فالدأب هو السعي بكدح وتوالٍ حتى يصبح الفعل بالتوالي عادة. إذن فقوله الحق: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ} [آل عمران: 11] أي كعادة آل فرعون. وآل فرعون هم قوم جاءوا قبل الرسالة الإسلامية، وقبلهم كان قوم ثمود وعاد وغيرهم. ويلفتنا الحق سبحانه إلى أن ننظر إلى هؤلاء ونرى ما الذي حدث لهم، إنه سبحانه لم يؤخر عقابهم إلى الآخرة؛ لأنه ربما ظن الناس أن الله قد ادخر عذاب الكافرين إلى الآخرة؛ لأنه قال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً وَأُولَـٰئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ}تفسير : [آل عمران: 10]. لا، بل العذاب أيضاً في الدنيا مصداقاً لقوله الحق: {أية : لَّهُمْ عَذَابٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ}تفسير : [الرعد: 34]. إن العذاب لو تم تأجيله إلى الآخرة لشقي الناس بالأشقياء، لذلك يأتي الله بأمثلة من الحياة ويقول: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ} [آل عمران: 11] أي كعادة آل فرعون، ولا تصير مسألة عادة إلا بالكدح في العمل، وكان دأب آل فرعون هو التكذيب والطغيان وادّعاء فرعون الألوهية. ويقول سبحانه: {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} [آل عمران: 11] فصار الدأب منهم، ومما وقع بهم، فإذا كانوا قد اعتادوا الكفر والتكذيب فقد أوقع الله عليهم العذاب. لقد كان دأب آل فرعون هو التكذيب، والخالق - سبحانه - يجازيهم على ذلك بتعذيبهم، ولتقرأ إن شئت قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَٱلْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ * وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ * وَٱلَّيلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ * أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ * ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ * وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ * ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُواْ فِيهَا ٱلْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ}تفسير : [الفجر: 1-14]. فدأبهم التكذيب وجزاء الله لهم على ذلك هو العذاب والعقاب. إذن فقوله الحق: {فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} [آل عمران: 11] أي أوقع بهم العذاب في الدنيا، وكانت النهاية ما كانت في آل فرعون وثمود ومَن قبلهم من القوم الكافرين. وعندما تسمع قول الله: {وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} [آل عمران: 11] فالذهن ينصرف إلى أن هناك ذنباً يستحق العقاب. وكل الأمور من المعنويات مأخوذة دائماً من المُحسَّات؛ لأن الأصل في إيجاد أي معلومات معنوية هو المشاهد الحسِّية، وتُنقل الأشياء الحسّية إلى المعنويات بعد ذلك. لماذا؟ لأن الشيء الحسِّي مشهود من الجميع، أما الشيء المعنوي فلا يفهمه إلا المتعقلون، والإنسان له أطوار كثيرة. ففي طور الطفولة لا يفهم ولا يعقل الإنسان إلا الأمر المحسوس أمامه. وقلت قديماً في معنى كلمة "الغصب": إنه أخذ وسلب شيء من إنسان صاحب حق بقوة، وهذا أمر معنوي له صورة مشهدية؛ لأن الذي يسلخ الجلد عن الشاة نسميه غاصباً. ولنر كيف يكون أخذ الحق من صاحبه، إنه كالسلخ تماماً، فالكلمة تأتي للإيضاح. وكلمة "ذنب" وكلمة "عقوبة" مترابطتان؛ فكلمة "ذنب" مأخوذة من مادة ذنب؛ لأن المادة كلها تدل على "التالي" والذَنَب يتلو المقدمة في الحيوان. والعقاب هو ما يأتي عقب الشيء. إذن فهناك ذنب وهناك عقاب. لكن ماذا قبل الذنب، وماذا يتلو العقاب؟ لا يوجد ذنب إلا إذا وُجِدَ نص يُجرّم، فلا ذنب إلاّ بنص. فليس كل فعل هو ذنب، بل لابد من وجود نص قبل وقوع الذنب. يجرّم فعله؛ ولذلك أخذ التقنين الوضعي هذا الأمر، فقال: لا يمكن أن يعاقب إنسان إلا بتجريم، ولا تجريم إلا بنص، فلا يمكن أن يأتي إنسان فجأة ويقول: هذا العمل جريمة يعاقب عليها. بل لابد من التنبيه والنص من قبل ذلك على تجريم هذا العمل. إنه لا عقوبة إلا بتجريم، ولا تجريم إلا بنص. فالنص يوضح تجريم فعل نوع ما من العمل، وإن قام إنسان بهذا العمل فإنه يُجّرم، ويكون ذلك هو الذنب، فكأن الذنب جاء تالياً لنص التجريم. والعقاب يأتي عقب الجريمة، وهكذا نجد أن كلاً من الذنب والجريمة يأخذان واقع اللفظ ومدلوله ومعناه؛ فالذَّنَبُ هو التالي للشيء. ولذلك يسمّون الدلو الذي يملأونه بالماء "ذَنُوبَاً" لأنه هو الذي يتلو الحبل. وأيضاً الجزاء في الآخرة: {أية : فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوباً مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ}تفسير : [الذاريات: 59]. أي ذَنوباً تتبع، وتتلو جريمتهم. إذن فالنص القرآني في أي ذنب وفي أي عقاب يؤكد لنا القضية القانونية الإصطلاحية الموجودة في كل الدنيا: إنه لا عقوبة دون تجريم. فكان العقابُ بعد الجريمة أي بعد الذنب، والذنب بعد النص، فلا نأتي لواحد بدون نص سابق ونقول له: أنت ارتكبت ذنباً. وهذه تحل إشكالات كثيرة، مثال ذلك: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰ إِثْماً عَظِيماً}تفسير : [النساء: 48]. إن الله يغفر ما دون الشرك بالله، فالشرك بالله قمة الخيانة العظمى؛ وهذا لا غفران فيه وبعد ذلك يغفر لمن يشاء. ويقول الحق في آية أخرى: {أية : قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ}تفسير : [الزمر: 53]. فهناك بعض من الناس يقولون: إن الله قال: إنه لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، حتى إنهم قالوا: إن ابن عباس ساعة جاءت هذه الآية التي قال فيها الحق: "إن الله يغفر الذنوب جميعاً" قال: "إلا الشرك" وذلك حتى لا تصطدم هذه الآية من الآية الاخرى. والواقع أنه حين يدقق أولو الألباب فلن نجد اصطداماً، لأن الذين أسرفوا على أنفسهم. هم من عباد الله الذين آمنوا ولم يشركوا بربهم أحداً، ولكنهم زلُّوا وغووا ووقعوا في المعاصي فهؤلاء يقال عنهم: إنهم مذنبون؛ لأنهم مؤمنون بالله معترفون بالذي أنزله، أما المشرك فلم يعترف بالله ولا بما شرع وقنن من أحكام، فما هو عليه لا يسمى ذنباً وإنما هو كفر وشرك. فلا تعارض ولا تصادم في آيات الرحمن. وعندما يقول الحق: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} [آل عمران: 11]. فهذا القول الحكيم مُتوازن ومُتّسِق، فالذنب يأتي بعد النص، والعقاب من بعد ذلك. ويقول الحق آمراً رسوله ببلاغ الكافرين: {قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ} أي كَشَأنِهِم وعَادَتِهم.