٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
12
Tafseer
الرازي
تفسير : وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي {سَيَغْلِبُونَ وَيُحْشَرون} بالياء فيهما، والباقون بالتاء المنقطة من فوق فيهما، فمن قرأ بالياء المنقطة من تحت، فالمعنى: بلغهم أنهم سيغلبون، ويدل على صحة الياء قوله تعالى: {أية : قُل لّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ }تفسير : [الجاثية: 14] و {أية : قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ } تفسير : [النور: 30] ولم يقل غضوا، ومن قرأ بالتاء فللمخاطبة، ويدل على حسن التاء قوله {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيّيْنَ لَمَا ءاتَيْتُكُم مّن كِتَـٰبٍ } تفسير : [آل عمران: 81] والفرق بين القراءتين من حيث المعنى أن القراءة بالتاء أمر بأن يخبرهم بما سيجري عليهم من الغلبة والحشر إلى جهنم، والقراءة بالياء أمر بأن يحكي لهم والله أعلم. المسألة الثانية: ذكروا في سبب نزول هذه الآية وجوهاً الأول: لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً يوم بدر وقدم المدينة، جمع يهود في سوق بني قينقاع، وقال: يا معشر اليهود أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشاً، فقالوا: يا محمد لا تغرنك نفسك أن قتلت نفراً من قريش لا يعرفون القتال، لو قاتلتنا لعرفت، فأنزل الله تعالى هذه الآية. الرواية الثانية: أن يهود أهل المدينة لما شاهدوا وقعة أهل بدر، قالوا: والله هو النبي الأمي الذي بشرنا به موسى في التوراة، ونعته وأنه لا ترد له راية، ثم قال بعضهم لبعض: لا تعجلوا فلما كان يوم أُحد ونكب أصحابه قالوا: ليس هذا هو ذاك، وغلب الشقاء عليهم فلم يسلموا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. والرواية الثالثة: أن هذه الآية واردة في جمع من الكفار بأعيانهم علم الله تعالى أنهم يموتون على كفرهم، وليس في الآية ما يدل على أنهم من هم. المسألة الثالثة: احتج من قال بتكليف ما لا يطاق بهذه الآية، فقال: إن الله تعالى أخبر عن تلك الفرقة من الكفار أنهم يحشرون إلى جهنم، فلو آمنوا وأطاعوا لانقلب هذا الخبر كذباً وذلك محال، ومستلزم المحال محال، فكان الإيمان والطاعة محالاً منهم، وقد أمروا به، فقد أمروا بالمحال وبما لا يطاق، وتمام تقريره قد تقدم في تفسير قوله تعالى: {أية : سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } تفسير : [البقرة: 6]. المسألة الرابعة: قوله {سَتُغْلَبُونَ } إخبار عن أمر يحصل في المستقبل، وقد وقع مخبره على موافقته، فكان هذا إخباراً عن الغيب وهو معجز، ونظيره قوله تعالى: {أية : غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِى أَدْنَى ٱلأَرْضِ وَهُم مّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ } تفسير : الروم: 2، 3) الآية، ونظيره في حق عيسى عليه السلام {أية : وَأُنَبّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ } تفسير : [آل عمران: 49]. المسأُلة الخامسة: دلّت الآية على حصول البعث في القيامة، وحصول الحشر والنشر، وأن مرد الكافرين إلى النار. ثم قال: {وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } وذلك لأنه تعالى لما ذكر حشرهم إلى جهنم وصفه فقال: {بِئْسَ ٱلْمِهَادُ } والمهاد: الموضع الذي يتمهد فيه وينام عليه كالفراش، قال الله تعالى: {أية : وَٱلأَرْضَ فَرَشْنَـٰهَا فَنِعْمَ ٱلْمَـٰهِدُونَ } تفسير : [الذاريات: 48] فلما ذكر الله تعالى مصير الكافرين إلى جهنم أخبر عنها بالشر لأن بئس مأخوذ من البأساء هو الشر والشدة، قال الله تعالى: {أية : وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ } تفسير : [الأعراف: 165] أي شديد وجهنم معروفة أعاذنا الله منها بفضله.
القرطبي
تفسير : يعني اليهود. قال محمد بن إسحاق: لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً ببدر وقِدم المدينة جمع اليهود فقال: «حديث : يا معشر اليهود ٱحذروا من الله مثل ما نزل بقريش يوم بدرٍ قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم فقد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم»تفسير : ، فقالوا: يا محمد، لا يغرّنك أنك قتلت أقواماً أغْمَاراً لا عِلم لهم بالحرب فأصبت فيهم فرصة! والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس. فأنزل الله تعالى {قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ} بالتاء يعني اليهود: أي تهزمون {وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ} في الآخرة. فهذه رواية عِكرِمة وسعِيد بن جبير عن ٱبن عباس. وفي رواية أبي صالح عنه أن اليهود لما فرِحوا بما أصاب المسلمين يوم أُحُد نزلت. فالمعنى على هذا «سَيُغْلَبُونَ» بالياء، يعني قريشاً، «ويُحْشَرُونَ» بالياء فيهما، وهي قراءة نافع. قوله تعالى: {وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} يعني جهنم؛ هذا ظاهر الآية. وقال مجاهد: المعنى بئس ما مهدوا لأنفسهم، فكأنّ المعنى: بئس فعلهم الذي أدّاهم إلى جهنم.
البيضاوي
تفسير : {قُلْ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ} أي قل لمشركي مكة ستغلبون يعني يوم بدر، وقيل لليهود فإنه عليه الصلاة والسلام جمعهم بعد بدر في سوق بني قينقاع فحذرهم أن ينزل بهم ما نزل بقريش، فقالوا لا يغرنك أنك أصبت أغماراً لا علم لهم بالحرب لئن قاتلتنا لعلمت أنا نحن الناس، فنزلت. وقد صدق الله وعده لهم بقتل قريظة وإجلاء بني النضير وفتح خيبر، وضرب الجزية على من عداهم وهو من دلائل النبوة. وقرأ حمزة والكسائي بالياء فيهما على أن الأمر بأن يحكي لهم ما أخبره به من وعيدهم بلفظه. {وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } تمام ما يقال لهم، أو استئناف وتقدير بئس المهاد جهنم أو ما مهدوه لأنفسهم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: قل يا محمد للكافرين: {سَتُغْلَبُونَ} أي: في الدنيا، {وَتُحْشَرُونَ} أي: يوم القيامة {إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار عن عاصم بن عمر بن قتادة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أصاب من أهل بدر ما أصاب، ورجع إلى المدينة، جمع اليهود في سوق بني قينقاع، وقال: «حديث : يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله بما أصاب قريشاً»تفسير : . فقالوا: يا محمد لا يغرنك من نفسك أن قتلت نفراً من قريش كانوا أغماراً لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا، فأنزل الله في ذلك قوله: {قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} إلى قوله {لَعِبْرَةً لأُِوْلِى ٱلأَبْصَـٰرِ} وقد رواه محمد بن إسحاق أيضاً، عن محمد بن أبي محمد، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس، فذكره، ولهذا قال تعالى: {قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ} أي: قد كان لكم أيها اليهود القائلون ما قلتم آية، أي: دلالة على أن الله معز دينه، وناصر رسوله، ومظهر كلمته، ومُعْلٍ أمره {فِي فِئَتَيْنِ} أي: طائفتين {ٱلْتَقَتَا} أي: للقتال {فِئَةٌ تُقَـٰتِلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ} وهم مشركو قريش يوم بدر. وقوله: {يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْىَ ٱلْعَيْنِ} قال بعض العلماء فيما حكاه ابن جرير: يرى المشركون يوم بدر المسلمين مثليهم في العدد رأي أعينهم، أي: جعل الله ذلك فيما رأوه سبباً لنصرة الإسلام عليهم، وهذا لا إشكال عليه إلا من جهة واحدة، وهي أن المشركين بعثوا عمر بن سعد يومئذٍ قبل القتال يَحْزِر لهم المسلمين، فأخبرهم بأنهم ثلثمائة، يزيدون قليلاً أو ينقصون قليلاً، وهكذا كان الأمر، كانوا ثلثمائة وبضعة عشر رجلاً، ثم لما وقع القتال، أمدهم الله بألف من خواص الملائكة وساداتهم. (والقول الثاني) أن المعنى في قوله تعالى: {يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْىَ ٱلْعَيْنِ} أي: ترى الفئة المسلمة الفئة الكافرة مثليهم، أي: ضعفيهم في العدد، ومع هذا نصرهم الله عليهم، وهذا لا إشكال فيه على ما رواه العوفي عن ابن عباس: أن المؤمنين كانوا يوم بدر ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً، والمشركين كانوا ستمائة وستة وعشرين رجلاً، وكأن هذاالقول مأخوذ من ظاهر هذه الآية، ولكنه خلاف المشهور عند أهل التواريخ والسير وأيام الناس، وخلاف المعروف عند الجمهور من أن المشركين كانوا ما بين تسعمائة إلى ألف، كما رواه محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سأل ذلك العبد الأسود لبني الحجاج عن عدة قريش قال: كثير، قال: «حديث : كم ينحرون كل يوم»تفسير : ؟ قال: يوماً تسعاً، ويوماً عشراً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : القوم ما بين التسعمائة إلى الألف»تفسير : . وروى أبو إسحاق السبيعي، عن حارثة، عن علي رضي الله عنه، قال: كانوا ألفاً، وكذا قال ابن مسعود. والمشهور أنهم كانوا ما بين التسعمائة إلى الألف، وعلى كل تقدير كانوا ثلاثة أمثال المسلمين، وعلى هذا فيشكل هذا القول، والله أعلم، لكن وجه ابن جرير هذا، وجعله صحيحاً؛ كما تقول: عندي ألف، وأنا محتاج إلى مثليها، وتكون محتاجاً إلى ثلاثة آلاف، كذا قال، وعلى هذا فلا إشكال، لكن بقي سؤال آخر، وهو وارد على القولين، وهو أن يقال: ما الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى في قصة بدر: {أية : وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِىۤ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِىۤ أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِىَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً}تفسير : [الأنفال: 44] فالجواب أن هذا كان في حالة، والآخر كان في حالة أخرى، كما قال السدي عن الطيب عن ابن مسعود في قوله تعالى: {قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا} الآية، قال: هذا يوم بدر، قال عبد الله بن مسعود: وقد نظرنا إلى المشركين، فرأيناهم يضعفون علينا، ثم نظرنا إليهم، فما رأيناهم يزيدون علينا رجلاً واحداً، وذلك قوله تعالى: {أية : وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِىۤ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِىۤ أَعْيُنِهِمْ}تفسير : [الأنفال: 44] الآية. وقال أبو إسحاق عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود قال: لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جانبي: تراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة، قال: فأسرنا رجلاً منهم، فقلنا، كم كنتم؟ قال: ألفاً، فعندما عاين كل من الفريقين الآخر، رأى المسلمون المشركين مثليهم، أي: أكثر منهم بالضعف؛ ليتوكلوا ويتوجهوا ويطلبوا الإعانة من ربهم عز وجل، ورأى المشركون المؤمنين كذلك؛ ليحصل لهم الرعب والخوف والجزع والهلع، ثم لما حصل التصاف، والتقى الفريقان، قلل الله هؤلاء في أعين هؤلاء، وهؤلاء في أعين هؤلاء، ليقدم كل منهما على الآخر {لِّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً} أي: ليفرق بين الحق والباطل، فيظهر كلمة الإيمان على الكفر والطغيان، ويعز المؤمنين، ويذل الكافرين، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ} وقال ههنا: {وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لأُِوْلِى ٱلأَبْصَـٰرِ} أي: إن في ذلك لمعتبراً لمن له بصيرة وفهم يهتدي به إلى حكمة الله وأفعاله وقدره الجاري بنصر عباده المؤمنين في هذه الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُلْ } يا محمد {لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } من اليهود {سَتُغْلَبُونَ } بالتاء والياء، في الدنيا بالقتل والأسر وضرب الجزية وقد وقع ذلك {وَتُحْشَرُونَ } بالوجهين في الآخرة {إِلَىٰ جَهَنَّمَ } فتدخلونها {وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } الفراش هي.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {قُل لِّلَّذِينَ كَفَرواْ سَتُغْلَبُونَ} الآية. في سبب نزول هذه الآية ثلاثة أقوال: أحدها: أنها نزلت في قريش قبل بدر بسنة، فحقق الله قوله، وصدق رسوله، وأنجز وعده بمن قتل منهم يوم بدر، قاله ابن عباس، والضحاك. والثاني: أنها نزلت في بني قينقاع لمَّا هلكت قريش يوم بدر، فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، وحذرهم مثل ما نزل بقريش، فأبوا وقالوا: لسنا كقريش الأغمار الذين لا يعرفون الناس، فأنزل الله فيهم هذه الآية، قاله قتادة، وابن إسحاق. والثالث: أنها نزلت في عامة الكفار. وفي الغلبة هنا قولان: أحدهما: بالقهر والاستيلاء، إن قيل إنها خاصة. والثاني: بظهور الحجة، إن قيل إنها عامة. وفي {وَبِئْسَ الْمِهَادُ} قولان: أحدهما: بئس ما مهدوا لأنفسهم، قاله مجاهد. والثاني: معناه بئس القرار، قاله الحسن. وفي بئس وجهان: أحدهما: أنه مأخوذ من البأس، وهو الشدة. والثاني: أنه مأخوذ من البأساء وهو الشر. قوله عز وجل: {قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ} يعني المؤمنين من أهل بدر. {وَأُخْرَى كَافِرَةٌ} يعني مشركي قريش. {يَرَونَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ} وفي مثليهم قولان: أحدهما: أنهم مثلان زائدان على العدد المُتَحَقِّق، فيصير العدد ثلاثة أمثال، قاله الفراء. والثاني: هو المزيد في الرؤية، قاله الزجاج. اختلفوا في المخاطب بهذه الرؤية على قولين: أحدهما: أنها الفئة المؤمنة التي تقاتل في سبيل الله، بأن أراهم الله مشركي قريش يوم بدر مثلي عدد أنفسهم، لأن عدة المسلمين كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، وعدة المشركين في رواية عليٍّ وابن مسعود ألف، وفي رواية عروة، وقتادة، والربيع ما بين تسعمائة إلى ألف، فقلَّلهم الله في أعينهم تقوية لنفوسهم، قاله ابن مسعود، والحسن. والثاني: أن الفئة التي أراها الله ذلك هي الفئة الكافرة، أراهم الله المسلمين مثلي عددهم مكثراً لهم، لتضعف به قلوبهم. والآية في الفئتين هي تقليل الكثير في أعين المسلمين، وتكثير القليل في أعين المشركين، وما تقدم من الوعد بالغلبة، فتحقق، قتلاً، وأسراً، وسبياً. {وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ} يعني من أهل طاعته. وفي التأييد وجهان: أحدهما: أنه المعونة. والثاني: القوة. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأبْصَارِ} فيه وجهان: أحدهما: أن في نصرة الله لرسوله يوم بدر مع قلة أصحابه عبرة لذوي البصائر والعقول. والثاني: أن فيما أبصره المشركون من كثرة المسلمين مع قلتهم عبرة لذوي الأعين والبصائر.
ابن عطية
تفسير : قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وابن عامر، "ستغلبون وتحشرون" بالتاء من فوق و"يرونهم" بالياء من تحت، وحكى أبان عن عاصم "تُرونهم" بالتاء فمن فوق مضمومة، وقرا نافع ثلاثتهن بالتاء من فوق، وقرا حمزة ثلاثتهن بالياء من تحت، وبكل قراءة من هذه قرأ جمهور من العلماء، وقرأ ابن عباس، وطلحة بن مصرف وأبو حيوة، "يُرُونهم" بالياء المضمومة، وقرا أبو عبد الرحمن، بالتاء من فوق مضمومة، واختلف من الذين أمر بالقول لهم من الكفار، فقيل هم جميع معاصريه من الكفار، أمر بأن يقول لهم هذا الذي فيه إعلام بغيب ووعيد، قد صدق بحمد الله غلب الكفر وصار من مات عليه إلى جهنم، ونحا إلى هذا أبو علي في - الحجة - وتظاهرت روايات بأن المراد يهود المدينة، قال ابن عباس وغيره: لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً يوم بدر، وقدم المدينة، جمع اليهود في سوق بني قينقاع فقال: يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشاً فقالوا يا محمد: لا يغرنك نفسك أن قتلت نفراً من قريش كانوا أغماراً لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، فأنزل الله في قولهم هذه الآية، وروي حديث آخر ذكره النقاش، وهو أن النبي عليه السلام لما غلب قريشاً ببدر قالت اليهود: هذا هو النبي المبعوث الذي في كتابنا وهو الذي لا تهزم له راية، وكثرت فتنتهم بالأمر، فقال لهم رؤساؤهم وشياطينهم: لا تعجلوا وأمهلوا حتى نرى أمره في وقعة أخرى، فلما وقعت أحد كفر جميعهم وبقوا على أولهم، وقالوا: ليس محمد بالنبي المنصور فنزلت الآية في ذلك، أي قل لهؤلاء اليهود سيغلبون يعني قريشاً، وهذا التأويل إنما يستقيم على قراءة "سيغلبون ويحشرون" بالياء من تحت، ومن قرأ بالتاء فمعنى الآية: قل للكفار جميعاً هذه الألفاظ، ومن قرأ بالياء من تحت، فالمعنى قل لهم كلاماً هذا معناه، ويحتمل قراءة التاء التأويل الذي ذكرناه آنفاً، أي قل لليهود ستغلب قريش، ورجح أبو علي قراءة التاء على المواجهة، وأن الذين كفروا يعم الفريقين، المشركين واليهود، وكل قد غلب بالسيف والجزية والذلة، والحشر: الجمع والإحضار، وقوله {وبئس المهاد} يعني جهنم، هذا ظاهر الآية، وقال مجاهد: المعنى بس ما مهدوا لأنفسهم، فكأن المعنى، وبئس فعلهم الذي أداهم إلى جهنم. وقوله تعالى: {قد كان لكم آية في فئتين} الآية تحتمل أن يخاطب بها المؤمنون وأن يخاطب بها جميع الكفار وأن يخاطب بها يهود المدينة، وبكل احتمال منها قد قال قوم، فمن رأى أن الخطاب بها للمؤمنين فمعنى الآية تثبيت النفوس وتشجيعها، لأنه لما قال للكفار ما أمر به أمكن أن يستبعد ذلك المنافقون وبعض ضعفه المؤمنين، كما قال قائل يوم الخندق: يعدنا محمد أموال كسرى وقيصر، ونحن لا نأمن على أنفسنا في المذهب، وكما قال عدي بن حاتم حين أخبره النبي عليه السلام بالأمنة التي تأتي، فقلت في نفسي: وأين دعار طيىء الذين سعروا البلاد؟ الحديث بكماله، فنزلت الآية مقوية لنفوس المؤمنين ومبينة صحة ما أخبر به بالمثال الواقع، فمن قرأ "ترونهم" بالتاء من فوق فهي مخاطبة لجميع المؤمنين إذ قد رأى ذلك جمهور منهم، والهاء والميم في "ترونهم" تجمع المشركين، وفي "مثلهم" تجمع المؤمنين، ومن قرأ بالياء من تحت فالمعنى يرى الجمع من المؤمنين جمع الكفار مثلي جمع المؤمنين، ومن رأى أن الخطاب لجميع الكفار ومن رأى أنه لليهود فالآية عنده داخلة فيما أمر محمد عليه السلام أن يقوله لهم احتجاجاً عليهم، وتبييناً لصورة الوعيد المتقدم في أنهم سيغلبون، فمن قرأ بالياء من تحت، فالعنى يرى الجمع من المؤمنين جمع الكفار مثلي جمع المؤمنين، ومن قرأ بالتاء فالمعنى لو حضرتم أو إن كنتم حضرتم وساغت العبارة لوضوح الأمر في نفسه ووقوع اليقين به لكل إنسان في ذلك العصر، ومن قرأ بضم التاء أو الياء فكأن المعنى، أن اعتقاد التضعيف في جميع الكفار إنما كان تخميناً وظناً لا يقيناً، فلذلك ترك في العبارة من الشك وذلك أن أرى بضم الهمزة تقولها فيما بقي عندك فيه نظر و-أرى- بفتح الهمزة تقولها فيما قد صح نظرك فيه، ونحا هذا المنحى أبو الفتح وهو صحيح، قال أبو علي: والرؤية في هذه الآية عين، ولذلك تعدت إلى مفعول واحد، و {مثليهم} نصب على الحال من الهاء والميم في {ترونهم} وأجمع الناس على الفاعل بــ {ترونهم} المؤمنون والضمير المتصل هو للكفار، إلا ما حكى الطبري عن قوم أنهم قالوا: بل كثر الله عدد المؤمنين في عيون الكفار حتى كانوا عندهم ضعفيهم، وضعف الطبري هذا القول، وكذلك هو مردود من جهات، بل قلل الله كل طائفة في عين الأخرى، ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، فقلل الكفار في عيون المؤمنين ليقع التجاسر ويحتقر العدو، وهذا مع اعتقاد النبي وقوله، واعتقاد أولي الفهم من أصحابه أنهم من التسعمائة إلى الألف، لكن أذهب الله عنهم البهاء وانتشار العساكر وفخامة الترتيب، حتى قال ابن مسعود في بعض ما روي عنه: لقد قلت لرجل إلى جنبي أتراهم سبعين؟ فقال: أظنهم مائة، فلما أخذنا الأسرى أخبرونا أنهم كانوا ألفاً، وقلل الله المؤمنين في عيون الكفار ليغتروا ولا يحزموا، وتظاهرت الروايات أن جمع الكفار ببدر كان نحو الألف فوق التسعمائة وأن جمع المؤمنين كان ثلاثمائة وأربعة عشر رجلاً وقيل وثلاثة عشر فكان الكفار ثلاثة من المؤمنين، لكن رجع بنو زهرة مع الأخنس بن شريق، ورجع طالب بن أبي طالب وأتباع وناس كثير حتى بقي للقتال من يقرب من المثلين، وقد ذكر النقاش نحواً من هذا فذكر الله تعالى المثلين، إذ أمرهما متيقن لم يدفعه قط أحد، وقد حكى الطبري عن ابن عباس: أن المشركين في قتال بدر كانوا ستمائة وستة وعشرين رجلاً، وقد ذهب الزجاج وبعض المفسرين، أنهم كانوا نحو الألف وأراهم الله للمؤمنين مثليهم فقط، قال: فهذا التقليل في الآية الأخرى، ثم نصرهم عليهم مع علمهم بأنهم مثلاهم في العدد، لأنه كان أعلم المسلمين أن المائة منهم تغلب المائتين من الكفار، وروى علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي عليه السلام أنه قال يوم بدر: القوم ألف، وقوله تعالى: {لكم آية} يريد علامة وأمارة ومعتبراً، والفئة: الجماعة من الناس سميت بذلك لأنها يفاء إليها، أي يرجع في وقت الشدة، وقال الزجاج: الفئة الفرقة، مأخوذة من فأوت رأسه بالسيف، ويقال: فأيته إذا فلقته، ولا خلاف أن الإشارة بهاتين الفئتين هي إلى يوم بدر، وقرأ جمهور الناس "فئةٌ تقاتل" برفع "فئةٌ" على خبر ابتداء، تقديره إحداهما فئة، وقرأ مجاهد والحسن والزهري وحميد:"فئةٍ" بالخفض على البدل، ومنهم من رفع "كافرةٌ" ومنهم من خفضها على العطف، وقرأ ابن أبي عبلة: "فئةً" بالنصب وكذلك "كافرة" قال الزجاج: يتجه ذلك على الحال كأنه قال: التقتا مؤمنة وكافرة، ويتجه أن يضمر فعل أعني ونحوه و {رأي العين} نصب على المصدر، و {يؤيد} معناه يقوي من الأيد وهو القوة.
ابن عبد السلام
تفسير : {سَتُغْلَبُونَ} نزلت في قريش قبل بدر بسنة فأنجز الله ـ تعالى ـ وعده بمن قُتل ببدر، أو في يهود بني قينقاع لما حذرهم الرسول صلى الله عليه وسلم ما نزل بأهل بدر، قالوا: لسنا بقريش الأغمار، أو نزلت في عامة الكفار. {الْمِهَادُ} ما مهدوه لأنفسهم، أو القرار.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون} قرئ بالتاء فيهما فمن قرأ بالياء المنقوطة فمعناه بلغهم يا محمد أنهم سيغلبون ويحشرون، ومن قرأ التاء المنقوطة فوق فمعناه قل لهم: ستغلبون وتحشرون {إلى جهنم} قيل: أراد بالذين كفروا مشركي قريش والمعنى قل لكفار مكة: ستغلبون يوم بدر وتحشرون في الآخرة إلى جهنم فلما نزلت هذه الآية قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر: حديث : إن الله غالبكم وحاشركم إلى جهنم تفسير : وقيل: إن أبا سفيان جمع جماعة من قومه بعد وقعة بدر فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقيل: إن هذه الآية نزلت في اليهود. وقال ابن عباس: إن يهود المدينة قالوا لما هزم رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين يوم بدر، هذا والله النبي الذي بشر به موسى لا ترد له راية وأرادوا إتباعه ثم قال بعضهم لبعض: لا تعجلوا حتى تنظروا واقعة أخرى. فلما كان يوم أحد ونكب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شكواً وغلب عليهم الشقاء فلم يسلموا، وكان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلى مدة فنقضوا العهد وانطلق كعب بن الأشرف في ستين راكباً إلى مكة ليستفزهم فأجمعوا أمرهم على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الاية. وقال ابن عباس وغيره: لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً يوم بدر ورجع إلى المدينة جمع اليهود في سوق بني قينقاع وقال: يا معشر اليهود احذروا من الله ما أنزل بقريش يوم بدر، وأسلموا قبل أن ينزل لكم ما نزل بهم فقد عرفتم إني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم فقالوا: يا محمد لا يغرنك أنك لقيت قوماً أغماراً لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة وإنا الله لو قاتلناك لعرفت إنا نحن الناس. فأنزل الله عز وجل {قل للذين كفروا} يعني من اليهود {ستغلبون} أي ستهزمون {وتحشرون} يعني في الآخرة إلى جهنم {وبئس المهاد} أي الفراش والمعنى: بئس ما مهد لهم في النار. قوله عز وجل {قد كان لكم آية في فئتين التقتا} قيل: الخطاب للمؤمنين يروى ذلك عن ابن مسعود والحسن. وقيل: هو خطاب لكفار مكة فيكون عطفاً على الذي قبله فيخرج على قول ابن عباس (1). وقيل: هو خطاب لليهود قاله ابن جرير. فإن قلت: لم قال قد كان لكم آية ولم يقل قد كانت لأن الآية مؤنثة؟ قلت: كل ما ليس بمؤنث حقيقي يجوز تذكيره وقيل: إنه رد المعنى إلى البيان فمعناه قد كان لكم بيان فذهب إلى المعنى وترك اللفظ. وقال الفراء: إنما ذكر لأنه حالت الصفة بين الفعل والاسم المؤنث فذكر الفعل وكل ما جاء من هذا فهذا وجهه ومعنى الاية قد كان لكم آية أي عبرة ودلالة على صدق ما أقول إنكم ستغلبون في فئتين أي فرقتين وأصلها في الحرب لأن بعضهم يفيء إلى بعض أي يرجع {التقتا} يعني يوم بدر {فئة تقاتل في سبيل الله} أي في طاعة الله وهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً سبعة وسبعون رجلاً من المهاجرين ومائتان وستة وثلاثون رجلاً من الأنصار، وكان صاحب راية المهاجرين علي بن أبي طالب وصاحب راية الأنصار سعد بن عبادة وكان فيهم سبعون بعيراً وفرسان وكان معهم من السلاح ستة أذرع وثمانية سيوف. وقوله تعالى: {وأخرى كافرة} أي وفرقة أخرى كافرة وهم مشركو مكة وكانوا تسعمائة وخمسين رجلاً من المقاتلة وكان رأسهم عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وكان فيهم مائة فرس وكانت وقعة بدر أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة وقوله تعالى: {يرونهم مثليهم} قرئ بالتاء يعني ترون أهل مكة ضعفي المسلمين يا معشر اليهود وذلك أن جماعة من اليهود كانوا قد حضروا قتال بدر لينظروا على من تكون الدائرة ولمن النصر فرأوا المشركين مثلي عدد المسلمين، ورأوا النصر للمسلمين فكان ذلك معجزة. وقرئ يرونهم بالياء واختلفوا في وجه قراءة الياء فجعل بعضهم الرؤية للمسلمين ثم له تأويلان أحدهما: يرى المسلمون المشركين مثليهم كما هم. فإن قلت: كيف قال مثليهم وإنما كانوا ثلاثة أمثالهم. قلت: هذا مثل قول الرجل وعنده درهم أنا محتاج إلى مثلي هذا الدرهم يعني إلى مثليه سواه فيكون ثلاثة دراهم ووجه آخر وهو أن يكون الله تعالى أظهر للمسلمين من عدد المشركين القدر الذي يعلم المؤمنون أنهم يغلبونهم لإزالة الخوف من قلوبهم، وهذا التأويل الثاني هو الأصح قلل الله المشركون في أعين المسلمين حتى رأوهم مثليهم. فإن قلت كيف الجمع بين قوله تعالى {يرونهم مثليهم} وبين قوله: {أية : وإذ يريكموهم إذا التقيتم في أعينكم قليلاً ويقللكم في أعينهم}تفسير : [الأَنفال: 44] وكيف يقال: إن المشركين استكثروا المسلمين أو المسلمين استكثروا المشركين، وإن الفئتين تساويا في استقلال إحداهما الأخرى. قلت: إن التقليل والتكثير كانا في حالتين مختلفتين فإن قيل: إن الفئة الرائية هم المسلمون فإنهم رأوا عدد المشركين عند بداية القتال على ما هم عليه. ثم قلل الله المشركين في أعين المسلمين حتى اجترؤوا عليهم فصبروا على قتالهم بذلك السبب. قال ابن مسعود: نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يضعفون علينا، ثم نظرنا فاهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلاً واحداً. وفي رواية أخرى عنه قال: لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبي: تراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة قال فأسرنا منهم رجلاً فقلنا: كم كنتم قال: ألفاً وإن قلنا إن الفئة الرائية هم المشركون على قول بعضهم إن الرؤية راجعة إلى المشركين يعني رأى المشركون المسلمين مثليهم فقلل الله المسلمين في أعين المشركين في أول القتال ليجترئوا عليهم ولا ينصرفوا، فلما أخذوا في القتال كثر الله المسلمين في أعين المشركين ليجبنوا فيكون ذلك سبب خذلانهم، وقد روي أن المشركين لما أسروا يوم بدر قالوا للمسلمين: كم كنتم قالوا: كنا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً قالوا: يعني المشركين ما كنا نراكم إلاّ تضعفون علينا فكان في وقعة بدر أحوال في التكثير والتقليل وما ذلك إلاّ إظهاراً للقدرة التامة وقوله تعالى: {رأي العين} أي في رأي العين {والله يؤيد} أي يقوي {بنصره من يشاء إن في ذلك} يعني الذي ذكر من النصرة. وقيل رؤية الجيش مثليهم {لعبرة} أي لآية والعبرة الدلالة الموصلة إلى اليقين المؤدية إلى العلم وأصلها من العبور كأنه طريق يعبرونه فيوصلهم إلى مرادهم. وقيل: العبرة هي التي يعبر منها من منزلة الجهل إلى منزلة العلم {لأولي الأبصار} لذوي العقول والبصائر.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {سيغلبون ويحشرون} بياء الغيبة: حمزة وعليّ وخلف وعباس مخير. الباقون بتاء الخطاب {ترونهم} بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب. الباقون بالياء {مثليهم} بضم الهاء: سهل ويعقوب وكذلك ما انفتح قبل الياء مثل {أية : بجنتيهم} تفسير : [سبأ: 16] {رأى العين} بغير همز: أبو عمرو غير شجاع ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف. الباقون بهمزة ساكنة {أونبئكم} بهمزة غير ممدودة بعدها واو مضمومة: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب غير عباس وأوقية وأبي شعيب ونافع غير قالون. {آونبئكم} بالمد والواو المضمومة: يزيد وقالون وعباس وأوقية وأبو شعيب. الباقون بهمزتين هشام يدخل بينهما مدة. {ورضوان} بضم الراء حيث كان: الأعشى والبرجمي وافقا يحيى وحماداً إلا في {أية : من اتبع رضوانه} تفسير : [المائدة: 16] في المائدة {أن الدين} بفتح "إن" علي. الباقون بالكسر. {وجهي} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر غير النجاري عن هشام وحفص والمفضل والأعشى والبرجمي. {ومن اتبعني} بإثبات الياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل وافق أبو عمر وأبا جعفر ونافع غير قالون في الوصل. {ويقاتلون الذين}: حمزة ونصير في رواية علي بن نصير. الباقون {ويقتلون}. {ليحكم} بضم الياء وفتح الكاف: أبو جعفر. الباقون بالعكس. / الوقوف: {جهنم} ط، {المهاد} ه، {التقتا} ط لأن التقدير منهما فئة أو إحداهما. {العين} ط {من يشاء} ط {الأبصار} ه، {والحرث} ط {الدنيا} ج للفصل بين النقيضين مع اتفاق الجملتين. {المآب} ج {من ذلكم} ط لتناهي الاستفهام. {من الله} ط {بالعباد} ج للاية على جعل "الذين" خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين، أو مدحاً على "أعني الذين" ولجواز أنه نعت للعباد أو للمتقين. {النار} ج لأن "الصابرين" يصلح بدلاً من "الذين" والوقف أجود نصباً على المدح. {بالأسحار} ط {إلا هو} ط للعطف، ولو وقف احترازاً عن وهم دخول الملائكة وأولو العلم في الاستثناء والمشاركة في الألوهية كان جيداً. {بالقسط} ط، {الحكيم} ط إلا لمن قرأ "إن" بالفتح على البدل من "أنه" {الإسلام} ه، {بينهم} ط لإطلاق حكم غير مخصوص بما قبله. {الحساب} ه {ومن اتبعن} ط لابتداء أمر يشمل أهل الكتاب والعرب، والأول مختص بأهل الكتاب فلم يكن الثاني من جملة جزاء الشرط، {أأسلمتم} ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط {اهتدوا} ج لابتداء شرط آخر مع العطف. {البلاغ} ط، {بالعباد} ه، {بغير حق} ز لمن قرأ {ويقاتلون} لعدول المعنى من قوله {يقتلون} {أليم} ه، {والآخرة} ز للابتداء بالنفي مع اتحاد المقصود. {من ناصرين} ه، {معرضون} ه، {معدودات} ص لأن الواو للعطف أو الحال. {يفترون} ه، {يظلمون} ه. التفسير: عن ابن عباس في رواية أبي صالح عنه قال: حديث : لما هزم الله المشركين يوم بدر قالت يهود المدينة: هذا والله النبي الأمي الذي بشرنا به موسى ونجده في كتابنا بنعته وصفته وأنه لا ترد له راية وأرادوا تصديقه واتباعه. ثم قال بعضهم لبعض: لا تعجلوا حتى ننظر إلى وقعة أخرى. فلما كان يوم أحد ونكب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شكوا فقالوا: لا والله ما هو به. وغلب عليهم الشقاء فلم يسلموا. وكان بينهم وبين رسول الله عهد إلى مدة فنقضوا ذلك العهد. وانطلق كعب بن الأشرف في ستين راكباً إلى أهل مكة أبي سفيان وأصحابه فوافقوهم وأجمعوا أمرهم وقالوا: لتكونن كلمتنا واحدة. ثم رجعوا إلى المدينة فأنزل الله فيهم هذه الآيةتفسير : . وقال محمد بن إسحق بن يسار في رواية عكرمة وسعيد بن جبير عن ابن عباس: حديث : لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً ببدر وقدم المدينة جمع اليهود في سوق بني قينقاع فقال: يا معشر اليهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش يوم بدر، وأسلموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم، فقد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم. فقالوا: يا محمد، لا يغرّنك أنك لقيت قوماً أغماراً لا علم لهم بالحرب فأصبت فيهم فرصة. أما والله لو قاتلناك لعرفت أنا نحن الناس تفسير : فأنزل الله {قل للذين كفروا} يعني اليهود {ستغلبون} / تهزمون {وتحشرون إلى جهنم} في الآخرة. ومعنى جهنم قد مر في البقرة في قوله: {أية : فحسبه جهنم ولبئس المهاد}تفسير : [البقرة: 206] وقيل: هم مشركو مكة {ستغلبون} يعني يوم بدر من قرأ بتاء الخطاب فمعناه الأمر بأن يخبرهم بما سيجري عليهم من الغلبة والحشر بأي لفظ أراد صلى الله عليه وسلم، ومن قرأ بالياء فالأمر متوجه إلى حكاية هذا اللفظ أي قل لهم قولي لك: {سيغلبون}. وفي الآية حجاج للقائل بتكليف ما لا يطاق، فإنه تعالى أخبر عنهم بأنهم يحشرون إلى جهنم، فلو آمنوا وأطاعوا لانقلب الخبر كذباً. وفيها دليل على صحة البعث والحشر بإخبار الصادق وفي قوله {ستغلبون} وقد وقع كما أخبر إخبار عن الغيب فيكون معجزاً دالاً على صدق النبي صلى الله عليه وسلم. نظيره في حق عيسى عليه السلام {أية : وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم} تفسير : [آل عمران: 49] ثم إنه تعالى ذكر ما يجري مجرى الدلالة على صحة ذلك الحكم فقال {قد كان لكم آية في فئتين التقتا} يوم بدر {فئة} إحداهما جماعة {تقاتل في سبيل الله} وهم المسلمون لأنهم يقاتلون لنصرة دين الله وإعلاء كلمته {وفئة} أخرى {كافرة} هم كفار قريش. وبيان كون تلك الواقعة آية من وجوه: أحدها أن المسلمين كان قد اجتمع فيهم من أسباب الضعف أمور منها: قلة العَدَدِ والعُدَدِ، كانوا ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً مع كل أربع منهم بعير، ومعهم من الدروع ستة ومن الخيل فرسان. ومنها أنهم خرجوا غير قاصدين للحرب فلم يتأهبوا. ومنها أن ذلك ابتداء غارة في الحرب لأنها من أول غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قد حصل في المشركين أضداد هذه المعاني. كانوا تسعمائة وخمسين رجلاً وفيهم أبو سفيان وأبو جهل، ومعهم مائة فرس وسبعمائة بعير، وأهل الخيل كلهم دارعون، وكان معهم دروع سوى ذلك، وكانوا قد مرنوا على الحرب والغارات. وإذا كان كذلك كانت غلبة المسلمين خارقة للعادة فكانت معجزة. وثانيها أنه صلى الله عليه وسلم كان قد أخبر عن ذلك بإخبار الله في قوله تعالى {أية : وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين} تفسير : [الأنفال: 7] يعني جمع قريش أو عير أبي سفيان. وكان أخبر قبل الحرب بأن هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان والإخبار عن الغيب معجز. وثالثها إمداد الملائكة كما سيجيء في هذه السورة. ورابعها قوله {يرونهم مثليهم} وفيه أربعة احتمالات لأن الضمير في "يرون" إما أن يعود إلى الفئة الكافرة أو إلى الفئة المسلمة، وعلى كلا التقديرين يجوز عود الضمير في {مثليهم} إلى كل منهما فهذه أربعة: الأول أن الفئة الكافرة رأت المسلمين مثلي عدد المشركين قريباً من ألفين. الثاني أنها رأت المسلمين مثلي عدد المسلمين ستمائة ونيفاً وعشرين، ودليل هذا الاحتمال قراءة من قرأ {ترونهم} بتاء الخطاب أي ترون يا مشركي قريش المسلمين مثلي أنفسهم. ودليل الاحتمالين جميعاً أن عود الضمير في "يرون" إلى / الأقرب وهو الفئة الكافرة أولى، ولأنه سبحانه جعل هذه الحالة آية للكفار حيث خاطبهم بقوله {قد كان لكم آية} فوجب أن يكون الراؤون هم الكفار حتى تكون حجة عليهم، ولو كانت الآية مما شاهدها المؤمنون لم يصلح جعلها حجة على الكفرة. والحكمة في ذلك أن يهابهم المشركون ويجبنوا عن قتالهم وهذا لا يناقض قوله في سورة الأنفال {أية : ويقللكم في أعينهم} تفسير : [الآية: 44] لاختلاف الوقتين فكأنهم قللوا أوّلاً في أعينهم حتى اجترؤا عليهم، فلما لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا. على أن تقليلهم تارة في أعينهم وتكثيرهم أخرى أبلغ في القدرة وإظهار الآية. الاحتمال الثالث أن الرائين هم المسلمون والمرئيين هم المشركون. فالمسلمون رأوا المشركين مثلي المسلمين والسبب فيه ما قرر عليه أمرهم من مقاومة الواحد الاثنين في قوله تعالى: {أية : إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} تفسير : [الأنفال: 65] والكافرون كانوا قريباً من ثلاثة أمثالهم، فلو رأوهم كما هم لجبنوا وضعفوا. الاحتمال الرابع أن يكون الراؤون هم المسلمين، ثم إنهم رأوا المشركين على الضعف من عدد المشركين وهذا قول لا يمكن أن يقول به أحد لأن هذا يوجب نصرة الكفار وإيقاع الخوف في قلوب المؤمنين، والآية تنافي ذلك. وفي الآية احتمال خامس وهو أن أول الآية قد بينا أنه خطاب مع اليهود فيكون المراد: ترون أيها اليهود المشركين مثلي المؤمنين في القوة. وههنا بحث وهو أن الاحتمال الأول والثاني يقتضي أن المعدوم صار مرئياً، والاحتمال الثالث يوجب أن يكون الموجود والحاضر غير مرئي. أما الأول فهو محال عقلاً والقول به سفسطة فلهذا قيل: لعل الله تعالى أنزل الملائكة حتى صار عسكر المسلمين كثيراً. وعلى هذا تكون الرؤية البصر، ويكون {مثليهم} نصباً على الحال، أو تحمل الرؤية على الظن والحسبان فإن من اشتد خوفه قد يظن في الجمع القليل أنه في غاية الكثرة، لكن قوله: {رأى العين} لا يجاوب ذلك إذ معناه رؤية ظاهرة مكشوفة لا لبس فيها معاينة كسائر المعاينات. وأما الثاني فهو جائز عند الأشاعرة إذ عند حصول الشرائط وصحة الحاسة لا يكون الإدراك واجب الحصول بل يكون عندهم جائزاً لا واجباً والزمان زمان خوارق العادات. وأما المعتزلة فعندهم الإدراك واجب الحصول عند استجماع الشروط وسلامة الحس، فاعتذروا عن ذلك بأن الإنسان عند الخوف لا يتفرغ للتأمل البالغ، فقد يرى البعض دون البعض. أو لعل الغبار صار مانعاً عن إدراك البعض، أو خلق الله تعالى في الهواء ما صار مانعاً عن رؤية ثلث العسكر، أو يحدث في عيونهم ما يستقل به الكثير كما أحدث في أعين الحول ما يرون به الواحد اثنين وكل ذلك محتمل. {والله يؤيد بنصره من يشاء} إما بالغلبة كيوم بدر، وإما بالحجة والعاقبة كيوم أحد. {إن في ذلك} الذي ذكره من / الآية {لعبرة} نوع عبور وهو المجاوزة من منزل الجهل إلى مقام العلم {لأولي الأبصار} ذوي العقول التي تصير القضايا معها كالمشاهد المعاين. ثم ذكر ما هو كالشرح والبيان لمعتبر الإنسان وهو أنه {زين للناس} اللذات الجسمانية والآخرة. وهي عالم الروحانيات - خير وأبقى، وأنها معدة لمن واظب على العبودية واتصف بالخصال الحميدة. وأما ما يتعلق بالقصة فإنا روينا أن أبا حارثة بن علقمة النصراني اعترف لأخيه بأنه يعرف صدق محمد صلى الله عليه وسلم إلا أنه يمنعه من اتباعه حب المال والجاه. وروينا أيضاً أنه صلى الله عليه وسلم لما دعا اليهود إلى الإسلام بعد غزوة بدر أظهروا من أنفسهم القوة والشدة والاستظهار بالعدة والعدد، فبيّن الله تعالى في هذه الآية أن تلك الأشياء متاع الدنيا وزينتها، والآخرة خير. والمزين هو الله تعالى. أما عند الأشاعرة فلأنه خالق أفعال العباد كلها، ولو كان المزين هو الشيطان فمن الذي زين الكفر والبدعة للشيطان؟ وأما عند جمهور المعتزلة فلحكمة الابتلاء {أية : إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً} تفسير : [الكهف: 7] ولأنها وسائل إلى منافع الآخرة وهو أن يتصدق بها أو يتقوى بها على طاعة الله أو يشتغل بشكرها. كان الصاحب بن عباد يقول: شرب الماء البارد في الصيف يستخرج الحمد لله من أقصى القلب. ولأن القادر على وجوه اللذات إذا تركها وأقبل على أداء وظائف الخدمة كان أشق له وأكثر ثواباً. وعن الجبائي واختاره القاضي، أن كل ما كان واجباً أو مندوباً أو مباحاً فالتزيين فيه من الله تعالى، وكل ما كان حراماً فالتزيين فيه من الشيطان. وحكي عن الحسن أنه قال: الشيطان زينها لهم وكان يحلف بالله على ذلك. واحتجاجه في الآية بأنه أطلق الشهوات فيدخل فيها المحرمات، وإن تزيينها وظيفة الشيطان. وذكر القناطير المقنطرة وحب المال الكثير إلى هذه الغاية لا يليق إلا بمن جعل الدنيا قبلة طلبه ومنتهى مقصوده. وقال في معرض الذم {ذلك متاع الحياة الدنيا} والذام للشيء لا يكون مزيناً له. وقال {قل أؤنبئكم بخير من ذلكم} والغرض تقبيح الدنيا فكيف يكون مزيناً لها؟. ثم إنه تعالى جعل الأعيان المشتهاة شهوات مبالغة في كونها مشتهاة محروصاً على الاستمتاع بها وذلك للتعلق والاتصال كما يقال للمقدور "قدرة" وللمرجو "رجاء". وفيه فائدة أخرى هي أن الشهوة صفة مسترذلة عند الحكماء، مذموم من اتبعها، شاهد على نفسه بالبهيمية. فكان المقصود من ذكر هذا اللفظ تخسيسها والتنفير عنها. قال المتكلمون: في الآية دليل على أن الحب غير الشهوة لأن المضاف يجب أن يكون مغايراً للمضاف إليه. فالشهوة من فعل الله تعالى، والمحبة من أفعال العباد، وهي أن يجعل الإنسان كل همته مصروفة إلى اللذات والطيبات. واعلم أن الإنسان قد يحب شيئاً ولكنه يحب أن لا يحبه، وقد يحبه ويحب أن يحبه ويعتقد مع ذلك أن تلك المحبة حسنة وفضيلة وهذا هو كمال المحبة، ومنه قوله تعالى حكاية عن سليمان / عليه السلام {أية : إني أحببت حب الخير} تفسير : [ص: 32] ومعناه أحب الخير وأحب أن أكون محباً للخير. فقوله: {حب الشهوات} قريب من ذلك لأن الشهوة نوع محبة. ولفظ {الناس} عام فظاهره يقتضي أن هذا المعنى عام لجميع الناس ولا شك أنه موجود في الأغلب وفي أكثر الأوقات فلا يبعد التعميم، فطالما أعطى للأغلب حكم الكل. على أن من همته بجوامعها مقصورة على طلب اللذات الروحانية في غاية الندرة، وبقاء ذلك النادر في جميع الأحيان على ذلك الخاطر أعز وأمنع. ثم شرع في بيان تلك الأعيان المشتهيات فذكر منها ما هي الأمهات ورتبها في سبع مراتب: الأولى النساء لأن الالتذاذ بهن أكثر والاستئناس بهن أتم {أية : خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودّة ورحمة} تفسير : [الروم: 21] وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن أخوف ما أخاف على أمتي النساء " تفسير : الثانية الأولاد ولا سيما البنين ولهذا خصوا بالذكر، ومحبة النساء والأولاد كأنها حالة غريزية ولولاها لم يتصور بقاء النسل للحيوانات. الثالثة والرابعة القناطير المقنطرة من الذهب والفضة. قال الزجاج: القنطار مأخوذ من عقد الشيء وإحكامه ومنه القنطرة. والمال الكثير قنطار لأن الإنسان يتوثق بها في دفع النوائب. أبو عبيد: إنه وزن لا يحد. روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: " حديث : القنطار اثنا عشر ألف أوقية " تفسير : وروى أنس عنه هو ألف دينار. وروى أبي بن كعب عنه هو ألف ومائتا أوقية. وقال ابن عباس: ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم وهو مقدار الدية. وبه قال الحسن. وزعم الكلبي أن القنطار بلسان الروم ملء مسك ثور من ذهب أو فضة. وعن سعيد بن جبير أنه مائة ألف دينار. والمقنطرة مبنية من لفظ القنطار للتوكيد كقولهم "ألف مؤلفة وبدرة مبدّرة وإبل مؤبلة". قال الكلبي: القناطير ثلاثة والمقنطرة المضاعفة فكان المجموع ستة. وإنما كان الذهب والفضة محبوبين لأنهما جعلا ثمن جميع الأشياء فمالكهما كالمالك لجميع الأشياء. شعر : وكل الصيد يوجد في الفرا ولولا التقى لقلت جلت قدرته تفسير : وصفة المالكية هي القدرة، وأنها صفة كمال والكمال محبوب لذاته. والخامسة الخيل المسوّمة قال الواحدي: الخيل جمع لا واحد له من لفظه كالقوم والنساء والرهط، وسميت الأفراس خيلاً لاختيالها وهو جولانها في مشيتها. ويسمى الخيال خيالاً لجولان هذه القوة في استحضار الصور. والمسومة قيل المرعية. أسمت الدابة وسوّمتها إذا أرسلتها في مرجها للرعي. ولا شك أنها إذا رعت ازدادت حسناً وبهاء. وقيل: هي المعلمة من السومة / العلامة. ثم اختلفوا في تلك العلامة فعن أبي مسلم: الغرة والتحجيل، وقال الأصم: هي البلق. وقال قتادة: الشية - وقيل: الكي. وقال مجاهد وعكرمة: المسومة المطهمة أي الحسان. قال الأصمعي: رجل مطهم وفرس مطهم وفرس مطهم أي تام، كل شيء على حدته فهو بارع الجمال. السادسة الأنعام وهو جمع نعم وهي الإبل والبقر والغنم. ولا يقال للجنس الواحد منها نعم إلا للإبل خاصة فإنها غلبت عليها. السابعة الحرث وهو الزراعة ذلك الذي ذكر متاع الحياة الدنيا لأن وجوه الانتفاعات الدنيوية للإنسان إما أن تكون من بني نوعه أو من غيره. والأول أصل وهو المرأة وفرع وهو الولد، وإنما فرض الكلام في الذكور لشرفهم. والثاني إما أن تكون من المعدنيات وأكثرها فائدة وأعمها عائدة الجوهران الثمينان فخصا بالذكر، وإما أن تكون من الحيوانات للركوب والكر والفر وهو الخيل، أو للحمل واللحم وهو الأنعام، وإما أن تكون من النباتات وهو الحاصل من الزراعة وإنما لم يتعرض للدور والقصور لأنها لم تكن معتادة عند العرب، والقرآن يخاطب أولاً معهم. {والله عنده حسن المآب} أي المرجع. وإنما لم يذكر المآب القبيح وهو النار لأنها غير مقصودة بالذات لأنه سبحانه خلق الخلق للرحمة لا للعذاب ولهذا قال: " حديث : سبقت رحمتي غضبي " تفسير : ثم بيّن أن ذلك المرجع كما أنه حسن في نفسه فهو أحسن وأفضل من هذه الدنيا. والمقصود أن يعلم العبد أنه كما أن الدنيا أطيب وأفسح من بطن الأم فكذلك الآخرة أفسح وأوسع من الدنيا، أو لأنه لما عدد نعم الدنيا بين أن منافع الآخرة خير منها فقال مستفهماً على سبيل التقرير {قل أؤنبئكم بخير} أي بشيء هو خير {من ذلكم} الذي عددنا. ثم استأنف بيانه وتقريره فقال: {للذين اتقوا عند ربهم جنات} كما تقول: هل أدلكم على حبر خير من فلان؟ عندي رجل من صفته كيت وكيت. وبيان الخيرية ظاهر من وصف الجنات والأزواج مع قيد الخلود، فإن النعمة وإن عظمت، فتوهم الانقطاع والزوال ينغص صفوها وينقص لذتها، وبعد زوال هذا الوهم لن يتكامل طيبها إلا بالنساء فبهن يحصل الأنس. ثم وصف الأزواج بصفة واحدة جامعة فقال: {مطهرة} أي من الأقذار والمنفرات. وبعد ذكر تمام النعمة ذكر ماهو فوق التمام فقال: {ورضوان من الله} ويندرج فيه جميع المطالب والمقاصد لأن العبد إذا رضي عنه المولى لم يتصور منصب أجل منه وأعلى، وكأن المولى وما يملكه للعبد، كما أن العبد وما يملكه للمولى {أية : ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم} تفسير : [التوبة: 72] ويحتمل أن يكون اللام في قوله: {للذين اتقوا} متعلقاً بخير. واختص المتقين لأنهم / هم المنتفعون به ويرتفع {جنات} على الخبر أي هو جنات ويعضده قراءة بعضهم {جنات} بالجر على البدل من {خير} وذلك أن اللام في هذه القراءة يتعين أن يكون متعلقاً بخير. وقوله: {عند ربهم} يحتمل أن يتعلق بما يتعلق بما تعلق به قوله: {للذين} أي ثبت لهم عند ربهم. ويحتمل أن يكون صفة لخير، ويحتمل أن يكون من تمام قوله: {اتقوا} فيكون إشارة إلى أن هذا الثواب لا يحصل إلا لمن كان متقياً عند الله تعالى فلا يدخل فيه إلا من كان مؤمناً في علم الله {والله بصير بالعباد} عالم بمصالحهم فيجب أن يرضوا لأنفسهم ما اختار لهم من نعيم الآخرة، وأن يزهدوا فيما زهدهم فيه من أمور الدنيا، أو بصير بهم يثيب ويعاقب بحسب الاستحقاق، أو بصير بالذين اتقوا ربهم وبأحوالهم فلذلك أعدّ لهم الجنات {الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا} توسلوا بمجرد الإيمان إلى طلب المغفرة. وقد حكى الله تعالى ذلك عنهم في معرض المدح لهم والثناء عليهم فقيل: دل ذلك على أن الإيمان هو التصديق فقط، فإن العمل الصالح لو كان داخلاً فيه كما زعموا كان إدخاله في النار قبيحاً عندهم فيكون ممتنع الوقوع من الله تعالى، وضده واجب الوقوع، وسؤال الواجب وقوعه عبث فلا يصلح للمدح. ويمكن أن يجاب عنه بأن العبد قد يدعو بما يعلم أنه حاصل له إظهار الذل و العبودية وإبداء للاستكانة والخشوع. وأيضاً صورة العمل الصالح لا تفيد ما لم تقع في حيز القبول. فعلى المتقي أن لا يتكل عليها ويبتهل إلى الله في مواجب الغفران. ثم عدد من أوصاف عباده خمسة ووسط العاطف بينها دلالة على كمالهم في كل واحد منها، أو إشارة إلى أن كل واحد منها يكفي في استحقاق المدح والثواب فقال: {الصابرين} أي في أداء الطاعات وعلى ترك المحظورات وعند المحن والشدائد. وقف رجل على الشبلي فقال: أيّ صبر أشد على الصابرين؟ فقال: الصبر في الله تعالى. فقال: لا. فقال: الصبر لله. فقال: لا. فقال: الصبر مع الله. قال: لا. قال: فأي شيء؟ قال: الصبر عن الله. فصرخ الشبلي صرخة كاد يتلف روحه. {والصادقين} أي في الأقوال وفي الأفعال بأن لا ينصرف عنها قبل تمامها، وفي النيات بأن يمضي العزم على الخيرات. {والقانتين} والمقيمين على الطاعات والمواظبين عليها {والمنفقين} ما تيسر على من تيسر بشروطه ومصارفه وجوباً وندباً {والمستغفرين بالأسحار} أي فيها. والسحر قبل طلوع الفجر. وخص هذا الوقت لأنهم كانوا يقدمون قيام الليل حتى إذا كان السحر أخذوا في الدعاء والاستغفار هذا ليلهم وذلك نهارهم. وللاستغفار بالأسحار مزيد آثار وأنوار لأن السحر وقت النوم والغفلة، فإذا أعرض العبد عن تلك اللذة عرض الذلة على حضرة العزة لا يبعد أن يفيض عليه سجال المغفرة وأن يطلع صبح العالم الصغير عند طلوع صبح العالم الكبير فيستنير قلب المؤمن بأنوار المعارف وآثار اللطائف. أما بيان ترتيب الأوصاف، / فالصبر يشمل أداء جميل التكاليف. ثم الإنسان قد يلتزم من نفسه ما هو غير واجب عليه، فالصادق من يخرج عن عهدة ذلك {أية : رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه} تفسير : [الأحزاب: 23] ثم المواظبة على سلوك سبيل الخيرات أمر محمود فأشير إلى ذلك بقوله:{والقانتين} ثم إن ههنا أمرين يعينان على الطاعة: الخدمة بالمال والابتهال والتضرع إلى حصرة القدس والجلال وذلك قوله: {والمنفقين والمستغفرين بالأسحار} فقوله: {والمنفقين} معناه الشفقة على خلق الله وباقي الأوصاف حاصله التعظيم لأمر الله. قال الكلبي: حديث : لما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة قدم عليه حبران من أحبار أهل الشام، فلما أبصرا المدينة قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبي صلى الله عليه وسلم الذي يخرج في آخر الزمان! فلما دخلا على النبي صلى الله عليه وسلم عرفاه بالصفة والنعت فقالا: أنت محمد؟ قال: نعم. قالا: وأنت أحمد؟ قال: نعم. قالا: إنا نسألك عن شهادة فإن أنت أخبرتنا بها آمنا بك وصدقناك. فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: سلاني. قالا: أخبرنا من أعظم شهادة في كتاب الله فأنزل الله على نبيه {شهد الله أنه لا إله إلا هو} فأسلم الرجلان وصدقا رسول الله صلى الله عليه وسلمتفسير : . ووجه النظم أنه مدح المؤمنين وأثنى عليهم بقوله: {ربنا إننا آمنا} ثم بين أن دلائل الإيمان ظاهرة جلية. واعلم أن الشهادة من الله تعالى ومن الملائكة ومن أولي العلم يحتمل أن تكون بمعنى واحد، ويحتمل أن لا تكون كذلك. أما الأول فتقريره من وجهين: أحدهما أن الشهادة عبارة عن الإخبار المقرون بالعلم، فهذا المعنى مفهوم واحد وهو حاصل في حق الله تعالى وفي حق الملائكة وفي حق أولي العلم. أما من الله فذلك أنه أخبر في القرآن أنه إله واحد لا إله إلا هو وذلك في مواضع كثيرة كالإخلاص وآية الكرسي وغيرهما، التمسك بالدلائل السمعية في هذه المسألة جائز لأن العلم بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم لا يتوقف على العلم بها. وأما من الملائكة وأولي العلم وهم الذين عرفوا وحداينة الله تعالى بالدلائل القاطعة، فكلهم أخبروا أيضاً أن الله واحد لا شريك له. وثاني الوجهين أن تجعل الشهادة عبارة عن الإظهار والبيان. فالله تعالى أظهر ذلك وبيّن بأن خلق ما يدل على ذلك، والملائكة وأولو العلم أظهروا ذلك وبينوه. أيضاً الملائكة للرسل والرسل للعلماء والعلماء لعامة الخلق. فالتفاوت إنما وقع في الشيء الذي به حصل الإظهار والبيان. فأما مفهوم الإظهار والبيان فشيء واحد في حق الكل، فكأنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن وحدانية الله تعالى أمر قد ثبت بشهادة الله وشهادة جميع المعتبرين من خلقه، ومثل هذا الدين المبين والمنهج القويم لا يضعف بمخالفة بعض الجهال من النصارى وعبدة الأوثان، فأثبت أنت وقومك يا محمد على ذلك، فإنه هو الإسلام والدين عند الله هو الإسلام. وأما الثاني فهو قول من يقول شهادة الله تعالى على / توحيده عبارة عن أنه خلق الدلائل الدالة على توحيده، وشهادة الملائكة وأولي العلم عبارة عن إقرارهم بذلك ونظيره قوله تعالى: {أية : إن الله وملائكته يصلون على النبي} تفسير : [الأحزاب: 56] فالصلاة من الله غير الصلاة من الملائكة. فإن قيل: المدعي للوحدانية هو الله. فكيف يكون المدعي شاهداً؟ فالجواب أنه ليس الشاهد بالحقيقة إلا الله لأنه خلق الأشياء وجعلها دلائل على توحيده، ثم وفق العلماء لمعرفة تلك الدلائل والتوصل بها إلى معرفة الوحدانية، ثم وفقهم حتى أرشدوا غيرهم إلى ذلك ولهذا قال: {أية : قل أي شيء أكبر شهادة قل الله} تفسير : [الأنعام: 19] وفي انتصاب {قائماً بالقسط} وجوه: الأول أنه حال مؤكدة والتقدير: شهد الله قائماً بالقسط، أو لا إله إلا هو قائماً بالقسط. وهذا أوجه لكون الإلهية والتفرد بها مقتضياً للعدالة مثل: هذا أبوك عطوفاً. أو لا رجل إلا عبد الله شجاعاً. ويحتمل أن يكون حالاً من "أولي العلم" أي حال كون كل واحد منهم قائماً بالقسط في أداء هذه الشهادة. الثاني أن يكون صفة للمنفي كأنه قيل: لا إله قائماً بالقسط إلا هو. وقد رأيناهم يتسعون في الفصل بين الصفة والموصوف. الثالث أن يكون نصباً على المدح وإن كان نكرة كقوله: شعر : ويأوي إلى نسوة عطل وشعثاً مراضيع مثل السعالى تفسير : ومعنى كونه قائماً بالقسط قائماً بالعدل كما يقال: فلان قائم بالتدبير أي يجريه على سن الاستقامة، أو مقيماً للعدل فيما يقسم من الأرزاق والآحال، ويثيب ويعاقب وفيما يأمر به عباده من إنصاف بعضهم لبعض والعمل على السوية فيما بينهم. واعلم أن وجوب الوجود يلزمه الغنى المطلق والعلم التام والفيض العام والحكمة الكاملة والرحمة الشاملة وعدم الانقسام بجهة من الجهات وعدم الافتقار بوجه من الوجوه إلى شيء من الأشياء وعدم النقص والنقض في شيء من الأفعال والأحكام إلى غير ذلك من الأسماء الحسنى والصفات العليا. ومركوز في العقل السليم أن من هذا شأنه لا يصدر منه شيء إلا على وفق العدالة وقضية التسوية ورعاية الأصلح عموماً أو خصوصاً. فكل ما يخيل إلى المكلف أنه خارج عن قانون العدالة أو يشبه الجور أو القبح، وجب أن ينسب ذلك إلى قصور فهمه وعدم إحاطته التامة بسلسلة الأسباب والمسببات والمبادىء والغايات، فانظر في كيفية خلقه أعضاء الإنسان حتى تعرف عدل الله وحكمته فيها، ثم انظر إلى اختلاف أحوال الخلق في الحسن والقبح والغنى والفقر والصحة والسقم وطول العمر وقصره واللذة والألم، واقطع بأن كل ذلك عدل وصواب. ثم انظر في كيفية خلقه العناصر وأجرام الأفلاك والكواكب وتقدير كل منها بقدر معين وخاصية معينة، فكلها حكمة وعدالة. وانظر إلى تفاوت الخلائق / في العلم والجهل والفطانة والبلادة والهداية والغواية واقطع بأن كل ذلك عدل وقسط، فإن الإنسان بل كل ما سوى الله تعالى لم يخلق مستعداً لإدراك تفاصيل كلمات الله. فالخوض في ذلك خوض فيما لا يعنيه بل لا يسعه ولا ينفعه إلا العلم الإجمالي بأنه تعالى واحد في ملكه، وملكه لا منازع له فيه ولا مضاد ولا مانع لقضائه ولا راد، وأن الكل بقضائه وقدره، وفي كل واحد من مصنوعاته ولكل شيء من أفعاله حكم ومصالح لا يحيط بذلك علماً إلا موجده وخالقه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. هذا هو الدين القويم والاعتقاد المستقيم، والعدول عنه مراء، والجدال فيه هراء. فمن نسبه إلى الجور في فعل من الأفعال فهو الجائر لا على غيره بل على نفسه إذ لا يعترف بجهله وقصوره، ولكن ينسب ذلك إلى علام الخفيات والمطلع على الكليات والجزئيات من أزل الآزال إلى أبد الآباد. ومن زعم أن شيئاً من الأشياء خيراً أو شراً في اعتقاده حسناً أو قبيحاً بحسب نظره خارج عن مشيئته وإرادته فقد كذب ابن أخت خالته، لأنه يدعي التوحيد ثم يثبت قادراً آخر أو خالقاً غير الله تعالى، ولا خالق إلا هو، فلهذا كرر مضمون الشهادة وقال: {لا إله إلا هو} والتقدير: شهد الله أنه لا إله إلا هو. وإذا شهد بذلك فقد صح أنه لا إله إلا هو كقولك: الدليل دل على وحدانية الله، ومتى كان كذلك فقد صح القول بوحدانية الله. وفيه إيقاظ لأمة محمد أن يقولوا على وفق شهادة الله والملائكة وأولي العلم {لا إله إلا هو} وإعلام بأن هذه الكلمة يجب أن يكررها المسلم ما أمكنه شعر : هو المسك ما كررته يتضوّع تفسير : ثم أكد كونه منفرداً بالألوهية وقائماً بالعدل بقوله: {الغزيز الحكيم} فالعزيز إشارة إلى كمال القدرة، والحكيم إشارة إلى كمال العلم. ولا تتم القدرة إلا بالتفرد والاستقلال، ولا العدالة إلا بالاطلاع على المصالح والأحوال {إن الدين عند الله الإسلام} جملة مستأنفة مؤكدة للأولى. والدين في اللغة الجزاء ثم الطاعة. سميت ديناً لأنها سبب الجزاء. والإسلام في اللغة الانقياد والدخول في السلم أو في السلامة أو في إخلاص العبادة من قولهم: "سلم له الشيء" أي خلص له. والإسلام في عرف الشرع يطلق تارة على الإقرار باللسان في الظاهر ومنه قوله تعالى: {أية : قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} تفسير : [الحجرات: 17] ويطلق أخرى على الانقياد الكلي وهو المراد ههنا. وفيه إيذان بأن الدين هو العدل والتوحيد. أما التوحيد فأن يعلم أن الله تعالى لا شريك له ولا نظير في الذات ولا في صفة من الصفات كما شهد هو به، وأما العدل فهو أن يعلم أن كل ما خلق وأمر المكلف به ونهاه / عنه فإنه عدل وصواب وفيه حكم ومصالح، فيأتمر بذلك وينتهي عنه ليكون عبداً منقاداً معترفاً بأنه تعالى قائم بالقسط. ومن قرأ بفتح "أن" فتقديره عند البصريين ذلك بدل من الأول، بدل الكل فكأنه قيل: شهد الله أن الدين عند الله الإسلام فيكون من باب وضع الظاهر موضع المضمر كقوله: شعر : لا أرى الموت يسبق الموت شيء تفسير : وقيل: تقديره شهد الله أنه لا إله إلا هو وأن الدين عند الله الإسلام. وقيل: شهد الله أنه لا إله إلا هو أن الدين عند الله الإسلام. لأن كونه تعالى واحداً يوجب أن يكون الدين الحق هو الإسلام، لأن دين الإسلام مشتمل على هذه الواحدانية. وقرىء الأول بالكسر والثاني بالفتح على أن الفعل واقع على الثاني وما بينهما اعتراض. ثم ذكر أنه أوضح الدلائل وأزل الشبهات، والقوم ما كفروا إلا لقصورهم وتقصيرهم فقال: {وما اختلف الذين أوتوا الكتاب} قيل: هم اليهود واختلافهم أن موسى عليه موسى عليه السلام لما قرب وفاته سلم التوراة إلى سبعين رجلاً من الأحبار وجعلهم أمناء عليها واستخلف يوشع، فلما مضى قرن بعد قرن اختلف أبناء السبعين بعد ما جاءهم التوراة بغياً بينهم وتحاسداً على طلب الدنيا. وقيل: المراد النصارى واختلافهم في أمر عيسى عليه السلام بعد ما جاءهم العلم أنه عبد الله ورسوله. وقيل: المراد اليهود والنصارى واختلافهم هو أنه قالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله. وأنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا: نحن أحق بالنبوة من قريش لأنهم أميون ونحن أهل كتاب. {إلا من بعد ما جاءهم العلم} أي الدلائل التي لو نظروا فيها لحصل لهم العلم. لأنا لو حملناه على العلم لزم نسبة العناد إلى جمع عظيم وهو بعيد قاله في التفسير الكبير. {ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب} لا يصعب عليه عدة أفعاله ومعاصيه وإن كانت كثيرة، أو المراد أنه سيصل إلى الله سريعاً فيحاسبه أي يجازيه على كفره. ثم بين للرسول صلى الله عليه وسلم ما يقوله في محاجتهم فقال: {فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله} قال الفراء: أي أخلصت عملي لله. فعلى هذا "الوجه" في معنى العمل. وقيل: أي أسلمت وجه عملي لله. فحذف المضاف والمعنى كل ما يصدر مني من الأعمال. فالوجه في الإتيان بها هو عبودية الله والانقياد لإلهيته وحكمه. وقيل: الوجه مقحم، والتقدير: أسلمت نفسي لله، وليس في العبادة مقام أعلى من إسلام النفس كأنه موقوف على عبادته معرض عن كل ما سواه، وقوله: {ومن اتبعن} معطوف على الضمير المرفوع في {أسلمت} وحسن للفصل. أو مفعول معه والواو بمعنى "مع". ثم في كيفية إيراد هذا الكلام طريقان: أحدهما أن هذا إعراض عن المحاجة لأنه صلى الله عليه وسلم كان قد أظهر المعجزات / كالقرآن ودعاء الشجرة وكلام الذئب وغيرها، وقد مر في هذه السورة إبطال إلهية عيسى وإثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. ثم بيّن نفي الضد والند والصاحبة والولد بقوله: {شهد الله أنه لا إله إلا هو} وذكر أن اختلاف هؤلاء اليهود والنصارى إنما هو لأجل البغي والحسد فلم يبق إلا أن يقول: أما أنا ومن اتبعن فمنقادون للحق مستسلمون له مقبلون على عبودية الله تعالى. وهذا طريق قد يذكره المحتج المحق مع المبطل المصر في آخر كلامه. وثانيهما أن قوله: {أسلمت} محاجة وبيانه أن القوم كانوا مقرين بوجود الصانع وكونه مستحقاً للعبادة، فكأنه صلى الله عليه وسلم قال هذا القول متفق عليه بين الكل فأنا متمسك بهذا القدر المتفق عليه وداعي الخلق إليه، وإنما الخلاف في أمور وراء ذلك. فاليهود يدعون التشبيه والجسمية، والنصارى يدعون إلهية عيسى، والمشركون يدعون وجوب عبادة الأوثان. فهؤلاء هم المدعون لهذه الأشياء فعليهم إثباتها ونظير هذه الآية {أية : قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً} تفسير : [آل عمران: 64] وعن أبي مسلم أن الآية في هذا الموضع كقول إبراهيم عليه السلام {أية : إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض} تفسير : [الأنعام: 79] كأنه قيل: فإن نازعوك يا محمد في هذه التفاصيل فقل: أنا متمسك بطريقة إبراهيم وأنتم معترفون بأنه كان محقاً في قوله صادقاً في دينه، فيكون من باب التمسك بالإلزامات وداخلاً تحت قوله: {أية : وجادلهم بالتي هي أحسن} تفسير : [النحل: 125] {وقل للذين أوتوا الكتاب} من اليهود والنصارى {والأميين} وهم مشركو العرب الذين لا كتاب لهم {أأسلمتم} ومعناه الأمر وفائدته التعيير بالعناد وقلة الإنصاف كقولك لمن لخصت له المسئلة ولم تأل جهداً في سلوك طريقة الكشف والبيان له: هل فهمتها؟ فإنه يكون توبيخاً له بالبلادة وكلال الذهن ومثله في آية تحريم الخمر {أية : فهل أنتم منتهون} تفسير : [المائدة: 91] إشارة إلى التقاعد عن الانتهاء. {فإن أسلموا فقد اهتدوا} إلى ما يهدي الله إليه أو إلى الفوز والنجاة في الآخرة {وإن تولوا} أعرضوا عن الإسلام لي والاتباع لك {فإنما عليك البلاغ}. ما عليك إلا أن تبلغ الرسالة وتنبه على طريق الرشاد {والله بصير بالعباد} يوفق للصلاح من شاء ويترك على الضلالة من أراد. ثم وصف المتولي بصفات ثلاث وأردفه بوعيده فقال: {إن الذين يكفرون بآيات الله} أي ببعضها المعهود لأن اليهود كانوا مقرين ببعض الآيات الدالة على وجود الصانع وقدرته وعلمه وشيء من المعاد أو بكلها كما هو ظاهر الجمع المضاف، وتوجيهه أن المكذب ببعض آيات الله كالكافر بجميعها {ويقتلون النبيين} أي المعهودين لأنهم ما قتلوا كلهم ولا أكثرهم {بغير حق} من غير ما شبهة عندهم {ويقتلون} أو يقاتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس. عن الحسن أن في الآية دلالة على أن الآمر / بالمعروف والناهي عن المنكر تلي منزلته عند الله منزل الأنبياء فلهذا ذكرهم عقيبهم. "حديث : وروي أن رجلاً قام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيّ الجهاد أفضل؟ فقال صلى الله عليه وسلم: أفضل الجهاد كلمة حق عند سطان جائر"تفسير : . فإن قيل: إذا كان قوله: {إن الذين يكفرون} في حكم المستقبل لا أقل من الحال لأنه وعيد لمن هو في زمن رسول الله، ولم يقع منهم قتل الأنبياء ولا القائمين بالقسط، فكيف يصح الكلام؟ قلنا: إن القوم كانوا يريدون قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين جميعاً، إلا أنه تعالى عصمهم منهم فصح إطلاق القاتل عليهم كما يقال: السم قاتل أي ذلك من شأنه إن وجد القابل. أو نقول: وصفوا بسيرة أسلافهم لأنهم راضون بذلك. عن أبي عبيدة بن الجراح حديث : قلت: يا رسول الله أيّ الناس أشد عذاباً يوم القيامة؟ قال: رجل قتل نبياً أو رجلاً أمر بمعروف ونهى عن منكر ثم قرأ هذه الآية. ثم قال: يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً من أول النهار في ساعة واحدة. فقام مائة واثنا عشر رجلاً من عباد بني إسرائيل فأمروا قتلتهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعاً من آخر النهار تفسير : {فبشرهم بعذاب أليم} إنما دخلت الفاء لتضمن اسم "إن" معنى الشرط، فإن لا يغير معنى الابتداء بخلاف "ليت" و"لعل". واعلم أنه تعالى قسم وعيدهم إلى ثلاثة أقسام: الأول اجتماع أسباب الآلام والمكاره عليهم وهو العذاب الأليم، واستعارة البشارة ههنا للتهكم. الثاني زوال أسباب المنافع عنهم بالكلية وهو قوله: {أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة} أما في الدنيا فإبدال المدح بالذم والثناء باللعن وأسباب الاحترام والاحتشام بأصناف الذل والهوان من السبي والقتل والجزية، وأما في الآخرة فكما قال عز من قائل {أية : وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً} تفسير : [الفرقان: 23] الثالث لزوم ذلك في حقهم وهو قوله: {وما لهم من ناصرين} ثم ذكر غاية عناد أهل الكتاب فقال: {ألم تر إلى الذين} عن ابن عباس قال: "حديث : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المدراس على جماعة من اليهود فدعاهم إلى الله فقال له نعيم بن عمرو والحرث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟ فقال: على ملة إبراهيم. فقالا: إن إبراهيم كان يهودياً. فقال رسول الله: فهلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم فأبيا" تفسير : فنزلت. وقال الكلبي: نزلت في اللذين زنيا من خيبر وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهما بالرجم وأنكر اليهود عليه صلى الله عليه وسلم وسوف تجيء القصة في سورة المائدة مفصلة. وقيل: دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم أو إياهم والنصارى إلى الآيات الدالة على صحة نبوته من التوراة أو منها ومن الإنجيل فأبوا فنزلت. ومعنى قوله: {أوتوا نصيباً} أي حظاً وافراً من علم الكتاب يريد أحبار اليهود. و"من" إما للتبعيض وإما للبيان. والكتاب يراد به غير القرآن من الكتب التي كانوا مقرين بحقيتها. / وقيل: أي حصلوا من جنس الكتب المنزلة أو من اللوح التوراة وهي نصيب عظيم. ثم بين سبب التعجيب بقوله: {يدعون إلى كتاب الله} وهو التوراة كما مر في أسباب النزول، ولأنه تعالى عجب رسوله من تمردهم وإعراضهم، وإنما يتوجه التعجيب إذا تمردوا عن حكم الكتاب الذي يعتقدون صحته. وعن ابن عباس أنه القرآن وليس ببعيد لأنهم دعوا إليه بعد قيام الحجج على أنه كتاب من عند الله ليحكم أي الكتاب بينهم أي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحذف الثاني للعلم به. أو يراد الحكم في الاختلاف الواقع بينهم كما في قصة الزانيين، ولهذا راجعوا في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم رجاء أن يكون عنده رخصة في ترك الرجم، قال في الكشاف: والوجه أن يراد ما وقع من الاختلاف والتعادي بين من أسلم من أحبارهم وبين من لم يسلم وأنهم دعوا إلى كتاب الله الذي لا اختلاف بينهم في صحته وهو التوراة ليحكم بين المحق والمبطل منهم {ثم يتولى فريق منهم} وهم الرؤساء والأحبار أو الذين لم يسلموا من أحبارهم ومعنى "ثم" استبعاد ما بين رتبتي الدعاء والتولي {وهم معرضون} قوم لا يزال الإعراض ديدنهم وهجيراهم. والضمير في "هم" إما أن يرجع إلى الفريق أي هم جامعون بين التولي والإعراض لا عن استماعهم الحجة في ذلك المقام فقط، بل عنه وعن سائر المقامات. وإما أن يرجع إلى الباقين منهم فيكون قد وصف العلماء والرؤساء بالتولي والباقين بالإعراض لأجل إعراض علمائهم ومتقدميهم. وإما أن يرجع إلى كل أهل الكتاب أي هم قوم عادتهم الإعراض عن قبول الحق ذلك التولي والإعراض، أو ذلك العقاب أو الوعيد بسبب أنهم كانوا يتساهلون في أمر العقاب ولا يفرقون بين ما يتعلق بأصول الدين وبين ما يتعلق بفروعها فقالوا: {أية : لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات} تفسير : [البقرة: 8] هي أيام عبادة العجل فاستوجبوا الذم من وجوه: أحدها استقصار مدة العذاب ومن أين لهم العلم بذلك؟ وثانيها أن عبادة العجل كفر والكفر يستحق به الكافر عذاباً دائماً. وثالثها أن استثناء الأيام المعدودات فقط فيه دليل على أنهم استحقروا تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وذلك كفر صريح. {وغرّهم في دينهم ما كانوا يفترون} من قولهم: {أية : نحن أبناء الله وأحباؤه} تفسير : [المائدة: 18] أو من قولهم: {أية : لن تمسنا النار إلا أياماً} تفسير : [البقرة: 8] أو من قولهم "نحن أولى بالنبوة من قريش" أو من زعمهم أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم. {فكيف} يصنعون؟ أو فكيف حالهم؟ وفي هذا الحذف فخامة لما فيه من تحريك النفس على استحضار كل نوع من العذاب {إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه} قال الفراء: إذا قلت جمعوا اليوم الخميس معناه جمعوا لفعل يوجد في يوم الخميس. أما إذا قلت: جمعوا في يوم الخميس فلا تضمر فعلاً. وأيضاً من المعلوم أن ذلك اليوم لا فائدة فيه إلا المجازاة والفرق بين المثاب والمعاقب. {ووفيت كل نفس ما كسبت} من ثواب أو عقاب أو جزاء / ما عملت {وهم لا يظلمون} يرجع إلى كل نفس على المعنى لأنه في معنى كل الناس كما تقول: ثلاثة أنفس تريد ثلاثة أناسي. روي أن أول راية ترفع لأهل الموقف من رايات الكفار راية اليهود فيفضحهم الله على رؤوس الإشهاد ثم يأمر بهم إلى النار. التأويل: {ستغلبون} إشارة إلى أن المبتلى بالكفر مغلوب الحكم الأزلي بالشقاوة {أية : ربنا غلبت علينا شقوتنا} تفسير : [المؤمنون: 106] ثم مغلوب الهوى والنفس والشيطان ولذات الدنيا. فبغلبات النفس والهوى يرد إلى أسفل سافلي الطبيعة فيعيش فيها ثم يموت على ما عاش فيه ويحشر على ما مات عليه في قعر جهنم وبئس المهاد، مهاد مهده في معاشه. {قد كان لكم آية في فئتين التقتا} إن لله تعالى فئتين في الظاهر من المؤمن والكافر، وفئتين في الباطن من القلب وصفاته والنفس وصفاتها الذميمة، ولهما الحرب والالتقاء على الدوام وهو الجهاد الأكبر {والله يؤيد بنصره من يشاء} من القلب وجنوده وهم الروح والسر والأوصاف الحميدة والملائكة، ومن النفس وأعوانها وهم الهوى والدنيا والأوصاف الذميمة والشياطين ثم أخبر عن جنود الفئتين وأعوان الفرقتين بقوله: {زين للناس}. واعلم أن الله خلق الخلق على طبقات ثلاث: العوام ويعبر عنهم بلفظ الناس والغالب عليهم الهوى وهم أصحاب النفوس، والخواص ويعبر عنهم بلفظ المؤمن وهم أرباب الأرواح والغالب عليهم التقوى، وخواص الخواص ويذكرهم بلفظ الولي {أية : ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} تفسير : [يونس: 62] والغالب فهيم المحبة والشوق. ثم إن لجهنم سبع دركات محفوفة بالشهوات. فأشار بالنساء إلى شهوة الفرج، وبالبنين إلى شهوة الطبيعة الحيوانية المائلة إلى الولد، وبالقناطير المقنطرة من الذهب والفضة إلى شهوة الحرص على المال، وبالخيل المسوّمة إلى شهوة الجاه والخيلاء بالركوب عليها، وبالأنعام إلى شهوة الجمال والاقتناء {أية : ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون} تفسير : [النحل: 6] وبالحرث إلى شهوة الحكم والرياسة على الرعايا وأهل القرى. ثم ذكر درجات الجنات الثمانية للخواص منها التقوى للذين اتقوا والرضا بالقضاء {ورضوان من الله} والإيمان {ربنا إننا آمنا} والصبر والصدق والقنوت والإنفاق والاستغفار بالأسحار هذه جنات عاجلة تجري من تحتها الأنهار الألطاف والواردات. والأزواج المطهرة الأخلاق الفاضلة التي تتولد منها، فإذا عاش في الجنات مات وحشر كذلك. ثم أشار إلى أحوال خواص الخواص مستورة من نظر الخواص محفوظة عن فهم العوام بقوله: {والله عنده حسن المآب} ما احلولى لهم الدنيا يا دنيا مري على أوليائي ولا وقفوا عند جنة المأوى {أية : ما زاغ البصر وما طغى} تفسير : [النجم: 17] وإنما طلبوا قرب المولى {أية : للذين أحسنوا الحسنى} تفسير : [يونس: 26] {شهد الله} بكلامه / الأزلي عن عمله السرمدي على ذاته الأحدي وكونه الصمدي {أنه لا إله إلا هو} وهي شهادة الحق للحق بالحق أنه الحق، وهو متفرد بهذه الشهادة الأزلية الأبدية لا يشاركه فيها أحد، فكما أن ذاته لا تشبه الذوات وصفاته لا تشبه الصفات، فشهادته لا تشبه الشهادات. شهد بجلال قدره على كمال عزه حين لا حين ولا أين ولا عقل ولا جهل ولا غير ولا شرك ولا عرش ولا فرش ولا الجنة ولا النار ولا الليل ولا النهار ولا الجن ولا الإنس ولا الملائكة ولا أولو العلم ولا الإنكار ولا الإقرار، فأخبر الذي كان عما كان كما كان وهو أنه لا إله إلا هو، ثم أبدع الموجودات كما شاء على ما شاء لما شاء. فكل جزء من أجزائها، وكل ذرة من ذراتها، بوجوده مفصح، ولربوبيته موضح، وعلى قدمه شاهد، ولكن ينبوع ماء التوحيد هو القدم فجرى في مجاري أنهار المحدثات إلى أن ظهر من عيون الملائكة وأولي العلم. ثم الملائكة وإن كانوا مظهر ماء التوحيد كما كان أولو العلم، ولكن اختص أولو العلم منهم بمشربية {أية : وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها} تفسير : [الفتح: 26]. شعر : لي سكرتان وللندمان واحدة شيء خصصت به من بينهم وحدي تفسير : فحقيقة معنى الآية: شهد الله أنه لا إله إلا هو وهو قائم بالقسط على أمور عباده حتى يشهد على شهادته الملائكة وأولو العلم. ثم فائدة التكرار بقوله {لا إله إلا هو} عائدة إلى أولي العلم الذين لهم شركة مع الملائكة في مظهرية ماء التوحيد بالشهادة، ولهم اختصاص بالمشربية لماء التوحيد فشاهدوا حقيقة {لا إله إلا هو العزيز} الذي لا يشاهد عزته إلا أعزته من بين البرية {الحكيم} الذي بحكمته اختارهم لهذه العزة من جملة الخليقة. {وما اختلف الذين أوتوا الكتاب} الاختلاف في الصورة من نتائج تناكر الأرواح في عالم المعنى والأرواح فما تعارف منها في الميثاق لتقاربهم في الصف أو لتقابلهم في المنزل ائتلف، وما تناكر منها لتباعدهم في الصف أو لتدابرهم في المنزل اختلف. {إلا من بعد ما جاءهم العلم} فيه أن العلم مظنة الحسد، ولكن المحمود منه ما يخص باسم الغبطة. {ويقتلون النبيين} الإنسان خلق مستعداً لقبول فيض صفات لطف الحق وقهره، فكما أن كمال الإنسان في قبول فيض اللطف أن يفدي نفسه في متابعة الأنبياء حتى يكون خير البرية، فنقصانه في قبول فيض القهر أن يقتل الأنبياء حتى يكون شر البرية، فلهذا تحبط أعماله ولا ترجى توبته وترجى توبة إبليس {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب} فيه إشارة إلى أن من أوتي حظاً من العلم فعليه إذا دعي إلى حكم من أحكام الله أو إلى ترك الدنيا ومخالفة الهوى أن يمتثل وينقاد وإلا كان مغروراً بالدنيا مفترياً في الدعوى، وهذه حال أكثر من أوتي نصيباً / من علم الظاهر ولم يؤت حظاً من علم الباطن، فهم أهل العزة بالله فكيف حال المغرورين إذا جمعهم الله؟
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ...} الآية: ٱختلف في تعيين هؤلاءِ الذين أمِرَ صلى الله عليه وسلم بالقَوْل لهم: فقيل: هم جميعُ معاصريه أمر أنْ يقول لهم هذا الذي فيه إعلامٌ بغَيْب، فوقع بحَمْدِ اللَّه كذلك، فغُلِبُوا، وصار مَنْ مات منهم على الكُفْرِ إلى جهنم. وتظاهرتْ رواياتٌ عن ابن عبَّاس وغيره؛ بأنَّ المراد يهودُ المدينةِ، لما قَدِمَ رسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم من غزوة بَدْرٍ، جمعهم، وقال: «حديث : يَا مَعْشَرَ يَهُودَ أَسْلِمُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَ قُرَيْشاً»تفسير : ، فقالوا: يَا مُحَمَّدُ، لاَ تَغُرَّنَّكَ نَفْسُكَ أَنْ قَتَلْتَ نَفَراً مِنْ قُرَيْشٍ كَانُوا أَغْمَاراً لاَ يَعْرِفُونَ القِتَالَ، إِنَّكَ لَوْ قَاتَلْتَنَا، لَعَرَفْتَ أَنَّا نحْنُ النَّاسُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ» والحَشْر: الجمْعُ والإِحضار. وقوله تعالى: {وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ}: يعني: جهنَّم؛ هذا ظاهر الآية، وقال مجاهدٌ: المعنى: بِئْسَ ما مهدوا لأنفسهم. قال * ع *: فكان المعنَىٰ: وبئس فعْلُهُم الذي أدَّاهم إِلى جهنَّم. وقوله تعالى: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ...} الآيةُ تحتملُ أنْ يخاطب بها المؤمنون؛ تثبيتاً لنفوسهم، وتشجيعاً لها، وأن يُخَاطَبَ بها جميعُ الكُفَّار، وأنْ يخاطب بها يهودُ المدينةِ، وبكلِّ ٱحتمالٍ منْها قد قال قومٌ، وقرىء شاذًّا: «تَروْنَهُمْ»؛ بضم التاء؛ فكأن معناها أنَّ اعتقادَ التضْعيف في جَمْعِ الكفَّار؛ إنما كان تخميناً وظَنًّا لا يقيناً، وذلك أنَّ «أُرَىٰ»؛ بضم الهمزة: تقولها فيما بَقِيَ عندك فيه نَظَرٌ، وأَرَىٰ؛ بفتح الهمزةِ: تقولها في ما قد صَحَّ نظرك فيه، ونحا هذا المنحى أبو الفَتْحِ، وهو صحيحٌ، والمراد بالفئتَيْنِ: جماعةُ المؤمنين، وجماعةُ الكفَّار ببَدْرٍ. قال * ع *: ولا خلاف أن الإِشارة بهاتين الفئَتَيْنِ هي إِلى يوم بدر؛ و {يُؤَيِّدُ}: معناه يُقَوِّي؛ من «الأَيْد»، وهو القُوَّة.
ابن عادل
تفسير : قرأ الأخوان: "سَيُغلبُونَ" و "يُحْشَرُونَ" - بالغيبة - والباقون بالخطاب، وهما واضحان كقولك: قل لزيد: قم؛ على الحكاية، وقل لزيد: يقوم وقد تقدم نحو من هذا في قوله: {أية : لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ} تفسير : [البقرة: 83]. وقال أبو حيّان: - في قراءة الغيبة-: "الظاهر أنَّ الضميرَ للذين كفروا، وتكون الجملة - إذ ذاك ليست محكية بـ "قل" بل محكية بقول آخَرَ، التقدير: قل لهم قولي: سيغلبون وإخباري أنهم سيقع عليهم الغَلَبةُ، كما قال: "قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إن يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سلف" فبالتاء أخبرهم بمعنى ما أخبر به من أنهم سيُغْلَبون، وبالياء أخبرهم باللفظ الذي أخبر به أنهم سيُغْلَبُون". وهذا الذي قاله سبقه إليه الزمخشريُّ، فأخذه منه، ولكن عبارة الزمخشريِّ أوضحُ، قال رحمه الله: فإن قلت: أيُّ فَرْقٍ بين القراءتين - من حيث المعنى؟ قلت معنى القراءة بالتاء - أي من فوق - الأمر بأن يخبرهم بما سيجري عليهم من الغلبة والحَشْر إلى جهنَّمَ، فهو إخبار بمعنى: ستُغْلَبُون وتُحْشَرون، فهو كائن من نفس المتوعَّد به، وهو الذي يدل عليه اللفظ ومعنى القراءة بالياء الأمر بأن يحكي لهم ما أخْبِرَ به من وعيدهم بلفظه، كأنه قال: أدِّ إليهم هذا القول الذي هو قولي لك: "سيُغْلَبون ويُحْشَرون". وجوَّز الفرَّاءُ وثعلبُ أن يكون الضمير في "سَيُغْلَبُونَ وَيُحْشَرُونَ" لكفار قريش، ويُرَاد بالذين كفروا اليهود، والمعنى: قل لليهود: ستُغْلَبُ قريش. وهذا إنما يتجه على قراءة الغيبة فقط. قال مَكيٌّ: "ويقوِّي القراءة بالياء - أي من تحت - إجماعهم على الياء في قوله: {أية : قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ} تفسير : [الأنفال: 38]، والتاء يعني من فوق أحَبُّ إليَّ، لإجماع الحَرَميَّينِ وعاصم وغيرهم على ذلك". قال شهابُ الدينِ: ومِثْل إجماعهم على قوله: {أية : قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ} تفسير : [الأنفال: 38] إجماعُهم على قوله {أية : قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ}تفسير : [النور: 30]، وقوله: {أية : قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ} تفسير : [الجاثية: 14]، وقال الفرّاء: "مَن قرأ بالتاءِ جعل اليهود والمشركين داخِلينَ في الخطاب، ثم يجوز - في هذا المعنى - التاء والياء، كما تقول في الكلام: قل لعبد الله: إنه قائم، وإنك قائم". وفي حرف عبد الله: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن تَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ}، ومَن قرأ بالياء فإنه ذهب إلى مخاطبة اليهود، وأنَّ الغَلَبَةَ تقع على المشركين، كأنه قيل: قل يا محمد لليهود سيُغْلَب المشركون، ويُحْشَرُونَ، فليس يجوز في هذا المعنى إلاَّ الياءُ لأن المشركين غيب. فصل في سبب النزول في سبب نزول الآية أوجه: الأول: قال ابن إسحاق - ورواه سعيدُ بنُ جُبَيْر، وعكرمةُ عن ابن عباس-: لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً ببدر، ورجع إلى المدينة، جمع اليهودَ في سوق بني قينقاع، وقال: يا معشرَ اليهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش يوم بدر، فأسلموا قبل أن يَنْزِل بكم ما نزل بهم، فقد عرفتم أني نَبِيٌّ مُرْسَل، تجدون ذلك في كتابكم، فقالوا: يا محمد، لا يَغُرَّنَّكَ أنك لقيت قوماً أغماراً - لا عِلْم لهم بالحرب - فأصَبْتَ منهم فُرْصَةً، وإنا - والله - لو قاتلناك لعرفْتَ أنَّا نحن الناس، فأنزل الله تعالى: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ}، يعني اليهود "سَتُغْلَبُونَ" تُهْزَمُونَ، "وَتُحْشَرُونَ" فِي الآخرة "إلَى جَهَنَّم وَبِئْسَ الْمِهَادُ" أي: الفراش. الثاني: قال الكلبيُّ عن ابن عباس - أيضاً -: إن يهود أهل المدينة - لما شاهَدُوا هزيمة المشركين يومَ بدر - قالوا: والله إن هذا لهو النبيُّ الأميُّ الذي بَشَّرَنَا به موسى، وفي التوراة نعته، وأنه لا يُرَدُّ عليه رأيه، وأرادوا اتباعه، ثم قال بعضهم لبعض: لا تعجلوا حتى ننظر إلى وقعة له أخرى، فلما كان يوم أحد، ونُكِبَ أصحابُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم شَكُّوا، وقالوا: ليس هو ذلك، فغَلَبَ عليهمُ الشقاءُ فلم يُسْلِموا، وقد كان بينهم وبين أصحابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم عهدٌ إلى مدة فنقضوا ذلك العهدَ، وانطلق كعبُ بن الأشرف في ستين راكباً - إلى مكة يستنفرهم، فأجمعوا أمرهم على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية. الثالث: أن هذه الآية واردة في جميع الكفار. فصل في تكليف ما لا يطاق استدلوا على [جواز] تكليف ما لا يطاق بهذه الآية، قالوا: لأن الله تعالى أخبر عن الكفارِ بأنهم يُحْشَرونَ إلى جهنم، فلو آمنوا لانقلب هذا الخبر كَذِباً، وذلك محال، فكأنَّ الإيمان منهم محال، وقد أمِروا به، فيكون تكليفاً بالمحال. {سَتُغْلَبُونَ} إخبار عن أمر يحصل في المستقبل، وقد وقع مخبره على موافقته، فكان هذا إخباراً عن الغيب، فهو مُعْجز، ونظيره - في حق عيسى - {أية : وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ} تفسير : [آل عمران: 49]. قوله: {وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} المخصوص بالذم محذوفٌ، أي بئس المهاد جهنمُ، والحذف للمخصوص يدل على صحة مذهب سيبويه من أنه مبتدأ. والجملة قبله خبره، ولو كان - كما قال غيره - مبتدأ محذوف الخبر، أو بالعكس، لما حذف ثانياً؛ للإجحاف بحذف سائر الجملة. و "بئس" مأخوذ من البأساء، وهو الشر والشدة، قال تعالى: {أية : بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} تفسير : [الأعراف: 165] أي: شديد.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن اسحاق وابن جرير والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أصاب ما أصاب من بدر ورجع إلى المدينة، جمع اليهود في سوق بني قينقاع وقال: يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله بما أصاب قريشاً فقالوا: يا محمد لا يغرنك من نفسك أن قتلت نفراً من قريش كانوا أغماراً ولا يعرفون القتال، إنك والله لو ما قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا. فأنزل الله {قل للذين كفروا ستغلبون} إلى قوله {لأولي الأبصار} ". تفسير : وأخرج ابن إسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن عاصم بن عمر عن قتادة. مثله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال: قال فنحاص اليهودي في يوم بدر: لا يغرن محمداً أن غلب قريشاً وقتلهم، إن قريشاً لا تحسن القتال. فنزلت هذه الآية {قل للذين كفروا ستغلبون} . وأخرج ابن جرير عن قتادة {قد كان لكم آية} عبرة وتفكر. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس {قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله} أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر {وأخرى كافرة} فئة قريش الكفار. وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عكرمة قال: في أهل بدر نزلت {أية : وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم}تفسير : [الأنفال: 7] وفيهم نزلت {أية : سيهزم الجَمْعُ...}تفسير : [القمر: 45] الآية. وفيهم نزلت {أية : حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب}تفسير : [المؤمنون:64] وفيهم نزلت {أية : ليقطع طرفاً من الذين كفروا}تفسير : [آل عمران: 127] وفيهم نزلت {أية : ليس لك من الأمر شيء} تفسير : [آل عمران: 128] وفيهم نزلت {أية : ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً}تفسير : [إبراهيم: 28] وفيهم نزلت {أية : ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء} تفسير : [الأنعام: 47] وفيهم نزلت {قد كان لكم آية في فئتين التقتا}. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع في قوله {قد كان لكم آية} يقول: قد كان لكم في هؤلاء عبرة ومتفكر. أيدهم الله ونصرهم على عدوّهم وذلك يوم بدر، كان المشركون تسعمائة وخمسين رجلاً، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة عشر رجلاً. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله {قد كان لكم آيةٌ في فئتين} الآية. قال: هذا يوم بدر فنظرنا إلى المشركين فرأيناهم يضعفون علينا، ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلاً واحداً. وذلك قول الله {أية : وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلاً ويقللكم في أعينهم}تفسير : [الأنفال: 44]. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {قد كان لكم آية في فئتين...} الآية. قال: أنزلت في التخفيف يوم بدر على المؤمنين، كانوا يومئذ ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، وكان المشركون مثليهم ستة وعشرين وستمائة، فأيد الله المؤمنين فكان هذا في التخفيف على المؤمنين. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس، أن أهل بدر كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر. المهاجرون منهم خمسة وسبعون، وكانت هزيمة بدر لسبع عشرة من رمضان ليلة جمعة. وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله {يؤيد بنصره من يشاء} قال: يقوي بنصره من يشاء قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت قول حسان بن ثابت رضي الله عنه: شعر : برجال لستمو أمثالهم أيدوا جبريل نصراً فنزل
ابو السعود
تفسير : {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} المرادُ بهم اليهودُ لما رويَ عن ابن عباس رضي الله عنهما أن يهودَ المدينة لما شاهدوا غلبةَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم على المشركين يومَ بدرٍ قالوا: والله إنه النبـيُّ الأميُّ الذي بشرنا به موسى في التوراة نعتُه وهموا باتباعه فقال بعضُهم: لا تعجَلوا حتى ننظُر إلى وقعة له أخرى فلما كان يومُ أحُد شكّوا وقد كان بـينهم وبـين رسول الله عهدٌ إلى مدة فنقضوه وانطلق كعبُ بن الأشرف في ستين راكباً إلى أهل مكة فأجمعوا أمرهم على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت، وعن سعيد بن جبـير وعِكرمةَ عن ابن عباس رضي الله عنهم أن النبـي صلى الله عليه وسلم لما أصاب قريشاً ببدر ورجع إلى المدينة جمع اليهودَ في سوق بني قَينُقاع فحذّرهم أن ينزل بهم ما نزل بقريش فقالوا: لا يغرَّنك أنك لقِيت قوماً أغماراً لا علم لهم بالحرب فأصبْتَ منهم فرصة لئن قاتلْتَنا لعلِمْتَ أنا نحنُ الناسُ فنزلت، أي قل لهم: {سَتُغْلَبُونَ} اْلبتةَ عن قريب في الدنيا وقد صدق الله عز وجل وعدَه بقتل بني قريظة وإجلاءِ بني النضِير وفتح خبـير وضربِ الجزية على مَنْ عداهم وهو من أوضح شواهد النبوة وأما ما روي عن مقاتل من أنها نزلت قبل بدر وأن الموصول عبارة عن مشركي مكةَ ولذلك قال لهم النبـي صلى الله عليه وسلم يوم بدر: «حديث : إنَّ الله غالبُكم وحاشرُكم إلى جهنم وبئس المهاد» تفسير : فيؤدي إلى انقطاع الآية الكريمة عما بعدها لنزوله بعد وقعة بدر {وَتُحْشَرُونَ} أي في الآخرة {إِلَىٰ جَهَنَّمَ} وقرىء الفعلان بالياء على أنه عليه السلام أُمر بأن يحكيَ لهم ما أخبر الله تعالى به من وعيدهم بعبارته كأنه قيل: أدِّ إليهم هذا القول {وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} إما من تمام ما يقال لهم أو استئنافٌ لتهويل جهنم وتفظيع حالِ أهلها، والمخصوصُ بالذم محذوف أي وبئس المهاد جهنمُّ أو ما مَهَدوه لأنفسهم.
القشيري
تفسير : أخبرهم أنهم يفوتهم حديث الحق في الآجل، ولا تكون لهم لذةُ عيشٍ في العاجل، والذي يلقونه في الآخرة من شدة العقوبة بالحُرْقة فوق ما يصيبهم في الدنيا من الغيبة عن الله والفرقة، ولكن سَقِمتْ البصائر فلم يحسوا بأليم العقاب.
اسماعيل حقي
تفسير : {قل للذين كفروا} المراد بهم اليهود لما روى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما ان يهود المدينة لما شاهدوا غلبة رسول الله صلى الله عليه وسلم على المشركين يوم بدر قالوا والله انه النبي الامى الذى بشرنا به موسى وفى التوراة نعته وهموا باتباعه فقال بعضهم لا تعجلوا حتى ننظر الى وقعة له اخرى فلما كان يوم احد شكوا وقد كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد الى مدة فنقضوه وانطلق كعب بن الاشرف فى ستين راكبا الى اهل مكة فاجمعوا امرهم على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت {ستغلبون} البتة عن قريب فى الدنيا وقد صدق الله وعده بقتل بنى قريظة واجلاء بنى النضير وفتح خيبر وضرب الجزية على من عداهم وهو من اوضح شواهده النبوة {وتحشرون} اى فى الآخرة {الى جهنم} والحشر السوق والجمع اى يغلبون فى الدنيا ويساقون فى الآخرة مجموعين الى جهنم {وبئس المهاد} اى بئس الفراش والمقر جهنم.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: لمَّا رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة بدر غالباً منصوراً بالغنائم والأسارى، جمع اليهود في سوق بني قينقاع، وقال لهم: يا معشر اليهود، اتقوا الله وأسلموا، فإنكم تعلمون أني رسول الله حقّاً، واحذوا أن يُنزل الله بكم من نقمته ما أنزل على قريش يوم بدر، فقالوا: يا محمد، لا يَغُرَّنَّكَ أنك لقيت أغماراً لا علم له علم لهم بالحرب، لئن قاتلتنا لتعلَمنَّ أنَّا نحن الناس. فأنزل الله فيهم هذه الآية. يقول الحقّ جلّ جلاله: {قل} يا محمد {للذين كفروا} من بني إسرائيل، أو مطلقاً: {ستغلبون} إن قاتلتم المسلمين، {وتحشرون} بعد الموت والهزيمة {إلى جهنم وبئس المهاد} ما مهدتم لأنفسكم من العذاب، وقد صدق وعده بقتل قريظة، وإجلاء بني النضير، وفتح خيبر، وضرب الجزية على من عداهم، فقد غُلِبوا أينما ثُقفوا، وحشروا إلى جهنم، إلا من أسلم منهم. ثم ندبهم للاعتبار بما وقع من النصر للمسلمين يوم بدر فقال لهم: {قد كان لكم} يا معشر اليهود، {آية} أي: عبرة ظاهرة، ودلالة على صدق ما أقول لكم: إنكم ستغلبون، {في فئتين} أي: جماعتين {التقتا} يوم بدر، وهم المسلمون، وكانوا ثلاثمائة وأربعة عشر، والمشركون كانوا زهاء ألف، {فئة تقاتل في سبيل الله} وهم المؤمنون، {وأخرى كافرة}، وهم المشركون، {ترونهم مثليهم} أي: ترون، يا معشر اليهود، الكفارَ مثلي عدد المسلمين رأي تحقيق، ومع ذلك أيدهم الله بالنصر والمدد حتى نصرهم على عدوهم، وكذلك يفعل بهم معكم. والرؤية، على هذا، علمية. ومن قرأ (بالياء) يكون الضمير راجعاً للكفار، أي: يرى الكفارُ المسلمين مثليهم، وذلك بعد أن قللهم الله في أعينهم حتى اجترأوا عليهم، وتوجهوا إليهم، فلما لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا، مدداً من الله للمؤمنين. أو: يرى المؤمنون المشركين مثلي المؤمنين، وكانوا ثلاثة أمثالهم، ليثبتوا لهم، ويتيقنوا بالنصر الذي وعدهم الله بقوله:{أية : إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ...}تفسير : [الأنفَال: 65] الآية. {والله يؤيد} أي: يقوي {بنصره من يشاء} نصره، كما أيد أهل بدر، {إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار} المفتوحة. وذلك حين نصر الله قوماً لا عدد لهم ولا عدة، على قوم لهم عدد وعدة، فلم تغن عنهم من الله شيئاً. الإشارة: إذا توجه القلب إلى مولاه تعرض له جندان، أحدهما: جند الأنوار، وهو جند القلب، والثاني: جند الأغيار، وهو جند النفس، فيلتحم بينهما القتال، فجند الأنوار يريد أن يرتقي بالروح إلى وطنها؛ وهو حضرة الأسرار، وجند الأغيار يريد أن يهبط بالنفس إلى أرض الحظوظ والشهوات، فيحبسها في سجن الأكوان، فإذا أراد الله تعالى سعادة عبد، قوي له جند الأنوار، وضَعَّفَ عنه جند الأغيار، فينهزم عنه جند الأغيار، ويستولي على قلبه جند الأنوار، فلا تزال انوار تتوارد عليه حتى تشرق عليه أنوار المواجهة، فيدخل حضرة الأسرار، وهي حضرة الشهود، ويتحصن في جوار الملك الودود، وتناديه ألسنة الهواتف: أيها العارف، قل للذين كفروا، وهم جند الأغيار: ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد. وإذا أراد الله خذلان عبده، بعدله، قطع عنه مدد الأنوار، وقوي لديه جند الأغيار، فتستولي ظلمة النفس على نور القلب، فتحبسه في سجن الأكوان، وتسجنه في ظلمة هيكل الإنسان، {والله يؤيد بنصره من يشاء}. ففي التقاء جندي الأنوار والأغيار عبرة لأولي الأبصار.
الطوسي
تفسير : القراءة، والحجة: قرأ أهل الكوفة إلا عاصماً سيغلبون، ويحشرون بالياء، فيهما: الباقون بالتاء. من اختار التاء، فلقوله: {قد كان لكم آية في فئتين} فأجري جميعه على الخطاب. ومن اختار الياء، فللتصرف في الكلام والانتقال من خطاب المواجه إلى الخبر بلفظ الغائب. وقيل: إن الخطاب لليهود. والاخبار عن عبدة الأوثان لأن اليهود أظهروا، الشماتة بما كان من المشركين يوم أحد، فقيل لهم سيغلبون يعني المشركين. وعلى هذا لا يجوز إلا بالياء. وقيل التاء في عموم الفريقين. ومثله قال زيد المال ماله. وقال المال مالي. وقل له سنخرج وسيخرج. وكل ذلك جائز حسن. النزول: وقال ابن عباس، وقتادة وابن اسحاق: إن هذه الآية نزلت لما هلكت قريش يوم بدر، فجمع النبي (صلى الله عليه وسلم) اليهود بسوق قينقاع فدعاهم إلى الاسلام وحذرهم مثل مانزل بقريش من الانتقام، فقالوا: لسنا كقريش الاغمار الذين لا يعرفون القتال، لئن حاربتنا لتعرفن البأس. فانزل الله {قل للذين كفروا سيغلبون ويحشرون} الآية. المعنى: ومعنى {وبئس المهاد} قال مجاهد: بئس ما مهدوا، لأنفسهم. وقال الحسن: معناه بئس القرار، وقيل بئس الفراش الممهد لهم، وقال البلخي: لا يجوز الوعد، والوعيد بغير شرط، لأن فيه بأساً من الايمان أو الكفر وذلك بمنزلة الصد عنه. وتأول الآية على حذف الشرط، فكأنه قال: وبئس المهاد لمن مات على كفره غير تائب منه. وقال الرماني: وهذا لا يصح من قبل أن السورة قد دلت على معنى الوعد من غير شرط يوجب الشك، فلو كان في قطع الوعيد بأس بمنزلة الصد عن الايمان لكان في قطع الوعد بأمان ما يوجب الاتكال عليه دون ما يلزم من الاجتهاد. والذي يخرجه من ذلك أن العقاب من أجل الكفر كما أن الثواب من أجل الايمان. وهذا ليس بشيء، لأن للبلخي أن يشرط الوعد بالثواب بانتفاء ما يبطله من الكبائر، كما أنه شرط الوعيد بالعقاب بانتفاء ما يزيله من التوبة، فقد سوى بين الأمرين. وقال البلخي والجبائي: قوله: {وبئس المهاد} مجاز كما قيل للمرض: شر، وإن كان خيراً من جهة أنه حكمة، وصواب، فقيل لجهنم {بئس المهاد} لعظيم الآلام، لأن أصل نعم وبئس: الحمد، والذم إلا أنه كثر استعماله في المنافع، والمضار حتى سقط عن اسم مجاز. وإن كان مغيراً عن أصله. وفي الآية دلالة على صحة نبوة النبي (صلى الله عليه وسلم) لأنها تضمنت الخبر عما يكون من غلبة المؤمنين للمشركين. وكان الأمر على ما قال، ولا يكون ذلك على الاتفاق، وكما أنه بين أخباراً كثيرة من الاستقبال، فكان كما قال، فكما أن كل واحد منهما كان معجزاً، لأنه من علام الغيوب اختص به الرسول ليبينه من سائر الناس كذلك هذه الآية.
الهواري
تفسير : قال: {قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ المِهَادُ} أي: بئس الفراش. وقال في آية أخرى: (أية : لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ)تفسير : [الأعراف:41]: وقال في آية أخرى: (أية : لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ)تفسير : [الزمر:16]؛ وهو واحد كله. وقال الحسن: فهزمهم الله يوم بدر وحشرهم إلى جهنم. قوله: {قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا} وهما فئتا بدر، فئة المؤمنين، وفئة مشركي العرب في تفسير الحسن ومجاهد وغيرهما. فقال: {فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ} يعني النبي عليه السلام وأصحابه {وَأُخْرَى كَافِرَةٌ} يعني المشركين {يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ}. قال الحسن: يقول: قد كان لكم أيها المشركون آية في فئتكم وفئة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إذ ترونهم مثليهم رأي العين لمّا أراد الله أن يُرعب قلوبهم [ويخذلهم] ويخزيهم، وكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الملائكة وجبريل، بما أراد الله. وقال الكلبي: لما هزم الله المشركين يوم بدر قالت اليهود: هو والله النبي الذي ذُكِر لنا؛ لا والله لا تُرفع له راية إلا أظفره الله عليها؛ فقال بعضهم لبعض: اتبعوه ترشدوا وتفلحوا. وتربّصوا به إلى يوم أحد؛ فلمّا نكب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شكّت اليهود وارتابوا. فأنزل الله: {قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا...} إلى آخر الآية. قال: {وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ} قال بعض المفسّرين: أي: ما أيّد به رسول الله من الملائكة ومن نصره. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُِوْلِي الأَبْصَارِ} أي مُتَفَكَّراً لأولي العقول، وهم المؤمنون.
اطفيش
تفسير : {قُلْ للّذِينَ كَفَروا سَتُغْلَبُون وتُحْشَرُونَ إلىَ جَهَنَّمَ وبئْسَ المِهَادُ} وفى رواية عن ابن عباس لما هزم رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين يوم بدر، قالوا: هذا والله النبى الذى بشر به موسى، لا ترد له راية، وأرادوا اتباعه، ثم قال بعضهم لبعض: لا تعجلوا حتى ننظر وقعة أخرى، ولما كان يوم أحد، نكب أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فشك اليهود وغلب عليهم الشقاء، فلم يسلموا، وقد كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلى مدة، فنقضوا العهد، وانطلق كعب بن الأشرف فى ستين راكباً إلى مكة يستنفرهم، فأجمعوا أمرهم على قتال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية، وقيل إن أبا سفيان جمع جماعة من قومه بعد وقعة بدر، فنزلت هذه الآية، وقيل: الذين كفروا مشركوا العرب، أى: قل لكفار مكة ستغلبون يوم بدر، وتحشرون فى الآخرة إلى جهنم، ولما نزلت قال لهم النبى صلى الله عليه وسلم يوم بدر: "حديث : إن الله غالبكم وحاشركم إلى جهنم"تفسير : ، والمخصوص بالذنب محذوف، أى: بئس المهاد جهنم، وقال مجاهد: ما مهدوه من الأعمال، وجملة {وبئْسَ المِهَاد} من تمام ما يقال لهم، أو استئناف وصدق وعد بقتل قريظة، وإجلاء بنى النضير، وفتح خيبر، وضرب الجزية على غيرهم ومن بقى منهم وذلك من دلائل النبوة. وقرأ حمزة والكسائى: {سيغلبون ويحشرون} بالمثناة التحتية فيهما، وفيه النقات عند السكاكى وهو على معنى: قل لهم أخبار بأنهم سيغلبون ويحشرون.
اطفيش
تفسير : {قُل للِّذِينَ كَفَرُوا} من أهل مكة وأشياعهم {سَتُغْلَبُونَ} يوم بدر {وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ} يوم القيامة من الموقف أو من موتكم إلى جهنم، لأن القبر أول أمور الآخرة، وأرواحهم تعذب بالنار، أو فيها من حين ماتوا، أو تجمعون في جهنم على أن إلى بمعنى فى، وهنا تم القول، أو مع قوله {وَبِئْسَ الْمِهَادُ} جهنم أعدوها لأنفسهم، كما يعد الفراش، أو بئس المهاد ما قدموه من العمل الموجب لها، والآية قبل بدر، وقيل الذين كفروا لليهود والآية بعد بدر لما رجع من بدر جمع اليهود فى سوق بنى قينقاع، فحذرهم أن ينزل بهم ما نزل بقريش من القتل، وأمرهم بالإسلام وأبوا، وقالوا، لا يغرنك أن قتلت نفراً من قريش أغمارا، لا يعرفون القتال، لئن قاتلتنا لتعلمنَّ أنما نحن الناس، وقد قتل من بنى قريظة فى يوم واحد ستمائة، جمعهم فى سوق بنى قينقاع، وأمر السياف بضر أعناقهم ورماهم بحفيرة ودفنهم، وضرب الجزية على أهل خيبر بعد فتحهما، وعلى غيرهم، والأسر كان لبعض قريظة وأهل خيبر، وأجلى بنى النضير، والأول أولى، لأن الغالب في القرآن ذكر النصارى واليهود بأَهل الكتاب لا بالكفار، وروى ضعيفا، أنه لما كان يوم بدر اهتم اليهود بالإسلام، وقالوا، إنه الذى بشر به موسى، فقال بعضهم: لا تعجلوا حتى يكون قتال آخر، ولما كان أحد شكوا ونقضوا عهداً كان بينهم وبينه صلى الله عليه وسلم، فانطلق كعب بن الأشرف في ستين راكبا إلى أهل مكة، فكانت الأحزاب.
الالوسي
تفسير : {قُلْ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ } روى أبو صالح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن يهود أهل المدينة قالوا لما هزم الله تعالى المشركين يوم بدر: هذا والله النبـي الأمي الذي بشرنا به موسى عليه الصلاة والسلام ونجده في كتابنا بنعته وصفته وأنه لا يرد له راية وأرادوا تصديقه واتباعه ثم قال بعضهم لبعض: لا تعجلوا حتى تنظروا إلى وقعة له أخرى فلما كان يوم أحد ونكب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شكوا وقالوا: لا والله ما هو به وغلب عليهم الشقاء فلم يسلموا وكان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلى مدة فنقضوا ذلك العهد وانطلق كعب بن الأشرف في ستين راكباً إلى أهل مكة أبـي سفيان وأصحابه فوافقوهم وأجمعوا أمرهم وقالوا: لتكونن كلمتنا واحدة ثم رجعوا إلى المدينة فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية. وأخرج ابن جرير وابن إسحاق والبيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أيضاً «حديث : أن رسول الله لما أصاب ما أصاب من بدر ورجع إلى المدينة جمع اليهود في سوق بني قينقاع وقال: يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله تعالى بما أصاب قريشاً فقالوا: يا محمد لا يغرنك من نفسك أن قتلت نفراً من قريش كانوا أغماراً لا يعرفون القتال إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس وأنك لم تكن مثلنا» تفسير : فأنزل الله تعالى: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } إلى قوله سبحانه: {أية : لاِوْلِى ٱلاْبْصَـٰرِ } تفسير : [آل عمران: 13] فالمراد من الموصول اليهود، والسين لقرب الوقوع أي تغلبن عن قريب وأريد منه في الدنيا، وقد صدق الله تعالى وعده رسوله صلى الله عليه وسلم / فقتل ـ كما قيل ـ من بني قريظة في يوم واحد ستمائة جمعهم في سوق بني قينقاع وأمر السياف بضرب أعناقهم وأمر بحفر حفيرة ورميهم فيها وأجلى بني النضير وفتح خيبر وضرب الجزية عليهم ـ وهذا من أوضح شواهد النبوة ـ. {وَتُحْشَرُونَ } عطف على {سَتُغْلَبُونَ } والمراد في الآخرة {إِلَىٰ جَهَنَّمَ } وهي غاية حشرهم ومنتهاه ـ فإلى ـ على معناها المتبادر، وقيل: بمعنى ـ في ـ والمعنى أنهم يجمعون فيها، والآية كالتوكيد لما قبلها فإن الغلبة تحصل بعدم الانتفاع بالأموال والأولاد، والحشر إلى جهنم مبدأ كونهم وقوداً لها، وقرأ أهل الكوفة غير عاصم ـ سيغلبون ويحشرون ـ بالباء، والباقون بالتاء، وفرق بين القراءتين بأن المعنى على تقدير تاء الخطاب أمر النبـي صلى الله عليه وسلم أن يخبرهم من عند نفسه بمضمون الكلام حتى لو كذبوا كان التكذيب راجعاً إليه، وعلى تقدير ياء الغيبة أمره بأن يؤدي ما أخبر الله تعالى به من الحكم بأنهم ـ سيغلبون ـ بحيث لو كذبوا كان التكذيب راجعاً إلى الله تعالى. وقوله سبحانه: {وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } إما من تمام ما يقال لهم أو استئناف لتهويل جهنم وتفظيع حال أهلها، ومهاد ـ كفراش لفظاً ومعنى، والمخصوص بالذم مقدر وهو جهنم، أو ما مهدوه لأنفسهم.
ابن عاشور
تفسير : استئناف ابتدائي، للانتقال من النذارة إلى التهديد، ومن ضَرب المثل لهم بأحوال سلفهم في الكفر، إلى ضرب المثل لهم بسابق أحوالهم المؤذنة بأنّ أمرهم صائر إلى زوال، وأنّ أمر الإسلام ستندكّ له صمّ الجبال. وجيء في هذا التهديد بأطنب عبارة وأبلغها؛ لأنّ المقام مقام إطناب لمزيد الموعظة، والتذكير بوصف يوم كانَ عليهم، يعلمونه. {أية : والذين كفروا}تفسير : [البقرة: 39] يحتمل أنّ المراد بهم المذكورون في قوله: {أية : إنّ الذين كفروا لن تغني عنهم}تفسير : [آل عمران: 116] فيجيء فيه ما تقدّم والعدول عن ضمير (هم) إلى الاسم الظاهر لاستقلال هذه النذارة. والظاهر أنّ المراد بهم المشركون خاصّة، ولذلك أعيد الاسم الظاهر، ولم يؤت بالضمير بقرينة قوله بعدَه: {قد كان لكم آية} إلى قوله {يرونهم مثليهم رأى العين} وذلك ممّا شاهده المشركون يوم بدر. وقد قيل: أريد بالذين كفروا خصوص اليهود، وذكروا لذلك سبباً رواه الواحدي، في أسباب النزول: أنّ يهود يَثرب كانوا عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مدّة فلمّا أصاب المسلمين يوم أحد ما أصابهم من النكبة. نقضوا العهد وانطلق كعب بن الأشْرَف في ستين راكباً إلى أبي سفيان بمكة وقالوا لهم: لتكونَنّ كلمتنا واحدة، فلمّا رجعوا إلى المدينة أنزلت هذه الآية. وروى محمد بن إسحاق: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما غَلَب قريشاً ببدر، ورجع إلى المدينة، جمع اليهودَ وقال لهم: «حديث : يا معشر اليهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش وأسلموا فقد عرفتم، أنّي نبيء مرسل»تفسير : فقالوا: «يا محمد لا يغرنّك أنّك لقيتَ قوماً أغمارَا لا معرفة لهم بالحرب فأصبْتَ فيهم فرصة أمَا والله لو قاتلناك لعرفتَ أنّا نحن الناس» فأنزل الله هذه الآية. وعلى هاتين الروايتين فالغلب الذي أنذروا به هو فتح قريظة والنضِير وخَيبر، وأيضاً فالتهديد والوعيد شامل للفريقين في جميع الأحوال. وعطف {بئس المهاد} على {ستغلبون} عطف الإنشاء على الخبر. وقرأ الجمهور {ستُغلبون وتُحشرون} -ـ كلتيهما بتاء الخطاب - وقرأه حمزة، والكسائي، وخلَف: بياء الغيبة، وهما وجهان فيما يحكَى بالقول لمخاطب، والخطابُ أكثر: كقوله تعالى: {أية : ما قلتُ لهم إلاّ ما أمرتني به أن اعبُدوا الله ربّي وربّكم}تفسير : [المائدة: 117] ولم يقل ربَّك وربَّهم. والخطاب في قوله: {قد كان لكم آية} خطاب للذين كفروا، كما هو الظاهر؛ لأنّ المقام للمحاجّة، فأعقب الإنذار والوعيد بإقامة الحجّة. فيكون من جملة المقول، ويجوز أن يكون الخطاب للمسلمين، فيكون استئنافاً ناشئاً عن قوله ستُغلبون؛ إذ لعلّ كثرة المخاطبين من المشركين، أو اليهود، أو كليهما، يثير تعجّب السامعين من غلبهم فذكرهم الله بما كان يوم بدر. والفئتان هما المسلمون والمشركون يوم بدر. والالتقاء: اللقاء، وصيغة الافتعال فيه للمبالغة، واللقاء مصادفة الشخصِ شخصاً في مَكان واحد، ويطلق اللقاء على البروز للقتال كما في قوله تعالى: {أية : يأيها الذين ءامنوا إذا لقيتم الذين كفروا زَحفاً فلا تولّوهم الأدبار}تفسير : [الأنفال: 15] وسيأتي. والالتقاء يطلق كذلك كقول أنَيْف بن زَبَّان: شعر : فلَمَّا التقينا بيَّن السيف بينَنَا لسائلةٍ عنّا حَفيَ سُؤَالُها وهذه الآية تحتمل المعنيين. تفسير : وقوله: {فئة تقاتل} تفصيل للفئتين، وهو مرفوع على أنّه صدر جملة للاستئناف في التفصيل والتقسيمِ، الوارد بعد الإجمال والجمع. والفئة: الجماعة من الناس؛ وقد تقدّم الكلام عليها في قوله تعالى: {أية : كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن اللَّه}تفسير : في سورة البقرة. والخطاب في: {يرونهم} كالخطاب في قوله: {قد كان لكم}. والرؤية هنا بصرية لقوله: {رأى العين}. والظاهر أنّ الكفار رأوا المسلمين يوم بدر عند اللقاء والتلاحم مثلي عددهم، فوقع الرعب في قلوبهم فانهزموا. فهذه الرؤية جعلت آية لمن رأوها وتحقّقوا بعد الهزيمة أنّهم كانوا واهمين فيما رأوه ليكون ذلك أشدّ حسرة لهم، وتكون هذه الرؤية غير الرؤية المذكورة في الأنفال (44) بقوله: {أية : ويقلِّلُكم في أعينهم}تفسير : فإنّ تلك يناسب أن تكون وقعت قبل التلاحم، حتى يستخفّ المشركون بالمسلمين، فلا يأخذوا أهبتهم للقائهم، فلمّا لاَقوهم رأوهم مثلي عددهم فدخلهم الرعْب والهزيمة، وتحققوا قلّة المسلمين بعد انكشاف الملحمة فقد كانت إرادة القلّة وإرادة الكثرة سببي نصر للمسلمين بعجيب صنع الله تعالى. وجوّز أن يكون المسلمون رأوا المشركين مِثلي عدد المؤمنين، وكان المشركون ثلاثة أمثالهم، فقلّلهم الله في أعين المسلمين لئلا يفشلوا؛ لأنهم قد علموا من قبل ان المسلم بغلب كافرين فلو علموا أنّهم ثلاثةُ أضعافهم لخافوا الهزيمة، وتكون هذه الإراءة هي الإراءة المذكورة في سورة الأنفال (44): {أية : وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلاً}تفسير : ويكون ضمير الغيبة في قوله: {مِثليهم} راجعاً للمسلمين على طريقة الالتفات، وأصله ترونهم مثليكُم على أنّه من المقول. وقرأ نافع وأبو جعفر ويعقوب: ترونهم بتاء الخطاب وقرأه الباقون بياء الغيبة: على أنّه حال من {أخرى كافرة}، أو من {فئة تقاتل في سبيل الله} أي مثلي عدد المرئين. إن كان الراءون هم المشركين، أو مثلي عدد الرائين، إن كان الراءون هم المسلمين؛ لأنّ كليهما جرى ضميره على الغيبة وكلتا الرؤيتين قد وقعت يوم بدر. وكلّ فئة علمت رؤيتها وتُحُدّيت بهاته الآية. وعلى هذه القراءة يكون العدول عن التعبير بفئتكم وفئتهم إلى قوله: {فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة}، لقصد صلوحية ضمير الغيبة لكلتا الفئتين، فيفيد اللفظ آيتين على التوزيع، بطريقة التوجيه. و «رأيَ العين» مصدر مبيّن لنوع الرؤية: إذ كان «فعل رأى» يحتمل البصر والقلب، وإضافته إلى العَين دليل على أنّه يستعمل مصدراً لرأى القلبية، كيف والرأي اسم للعقل، وتشاركها فيها رأى البصرية، بخلاف الرؤية فخاصّة بالبصرية. وجملة {والله يؤيد بنصره من يشاء} تذييل؛ لأنّ تلك الرؤية كيفما فسّرت تأييد للمسلمين، قال تعالى: {أية : وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلاً ويقلّلكم في أعينهم ليقضي الله أمراً كان مفعولاً}تفسير : [الأنفال: 44].
الواحدي
تفسير : {قل للذين كفروا} يعني: يهود المدينة ومشركي مكَّة {ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد} بئس ما مُهِّد لكم. {قد كان لكم آية} علامة تدلُّ على صدق محمَّدٍ عليه السَّلام {في فئتين} يعني: المسلمين والمشركين {التقتا} اجتمعتا يوم بدرٍ للقتال {فئةٌ تقاتل في سبيل الله} وهم المسلمون {وأخرى كافرة يرونهم مثليهم} وهم كانوا ثلاثة أمثالهم، ولكنَّ الله تعالى قلَّلهم في أعينهم، وأراهم على قدر ما أعلمهم أنَّهم يغلبونهم لتقوى قلوبهم، وذلك أنَّ الله عزَّ وجلَّ كان قد أعلم المسلمين أنَّ المائة منهم تغلب المائتين من الكفَّار {رأي العين} أَيْ: من حيث يقع عليهم البصر {والله يؤيد} يقوّي {بنصره} بالغلبة والحجَّة مَنْ يشاء {إنَّ في ذلك لعبرة} وهي الآية التي يُعبر بها من منزلة الجهل إلى العلم {لأولي الأبصار} لذوي العقول. {زُيِّن للناس حبُّ الشهوات} جمع الشَّهوة، وهي تَوَقَانُ النَّفس إلى الشَّيء {والقناطير المقنطرة} الأموال الكثيرة المجموعة {والخيل المسوَّمة} الرَّاعية، وقيل: المُعلَّمة كالبلق وذوات الشِّياتِ، وقيل: الحسان. والخيل: الأفراس {والأنعام} الإِبل والبقر والغنم [ {والحرث} وهو ما يُزرع ويغرس]، ثمَّ بيَّن أنَّ هذه الأشياء متاع الدُّنيا، وهي فانيةٌ زائلةٌ {واللَّهُ عنده حسن المآب} المرجع، ثمَّ أعلم أنَّ خيراً من ذلك كلِّه ما أعدَّه لأوليائه.
القطان
تفسير : قل يا محمد للكافرين عامة: ستُغلبون أيها الكافرون، وستُحشرون الى جهنم التي ستكون لكم فراشا، وياله من فراش سوء!. وفي سنن أبي داود والبَيْهَقي (في الدلائل) ان رسول الله لما رجع من وقعة بدر، جمع اليهود في سوق قينقاع وقال: يا معشر يهود، أَسلِموا قبل ان يصيبكم الله بما أصاب قريشا، فقالوا: يا محمد لا يغرّنَك من نفسك ان قتلت نفرا من قريش كانوا أَغْماراً لا يعرفون القتال. إنك والله لو قاتلتنا لعرفتَ انا نحن الناس وأنك لم تلق مثلنا. فأنزل الله تعالى هذه الآية {قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ...} وقد صدق وعدَه بقتل بني قريظة وإجلاء بني النضير، وفتح خيبر. لقد كان لكم عبرة ظاهرة في طائفتين من المحاربين التقتا يوم بدر، إحداهما مؤمنة تحارب لإعلاء كلمة الله، والاخرى كافرة تحارب في سبيل الشيطان. فأيد الله المؤمنين ونصَرهم. لقد جعل الكافرين يرونهم ضعف عددهم الحقيقي، وبذلك وقع الرعب في قلوبهم فانهزموا. أليس في هذا النصر عبرة لأصحاب البصائر الرشيدة والعقول السليمة! قراءات: قرأ حمزة والكسائي "سيغلبون ويحشرون" بالياء. وقرأ نافع "ترونهم مثليهم" بالتاء.
د. أسعد حومد
تفسير : (12) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلْكَافِرينَ - وَهُمْ هُنَا اليَهُودُ - : إنَّهُمْ سَيُغْلَبُونَ فِي الدُّنيا وَيُحْشَرونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَيُسَاقُونَ إلى جَهَنَّمَ، لِتَكُونَ لَهُمْ مَهْداً وَفِرَاشاً، وَبِئْسَ ذَلِكَ المَهْدُ وَالفِرَاشُ. (هَذِهِ الآيةُ نَزَلَتْ فِي يَهُودِ بَني قَيْنُقَاع. فَبَعْدَ أنْ نَصَرَ اللهُ المُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، جَمَعَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم يَهُودَ المَدِينةِ، وَقَالَ لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ اليَهُودِ أسْلِمُوا قَبْلَ أنْ يُصِيبَكُمْ اللهُ بِمَا أصَابَ بِهِ قُرَيْشاً. فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ لاَ يَغُرَّنَّكَ مِنْ نَفْسِكَ أنَّكَ قَتَلْتَ نَفَراً مِنْ قُرَيشٍ لاَ يَعْرِفُونَ القِتَالَ، إنَّكَ وَاللهِ لَوْ قَاتَلْتَنَا لَعَرَفْتَ أنَّا نَحْنُ النَّاسُ، وَأنَّكَ لَمْ تَلْقَ مِثْلَنَا. فَأنَزَلَ اللهُ تَعَالَى هذِهِ الآيَةَ والتي بَعْدَهَا، وَقَدْ صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ فَقَتَلَ المُسْلِمُونَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَأجْلَوا بَنِي النَّضِيرِ وَبَنِي قَيْنُقَاع، وَفَتَحُوا خَيْبَرَ). المِهَادُ - الفِرَاشُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إنه أمر من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم وهو المبلغ عن الله، أن يحمل للكافرين خبراً فيه إنذار. من هم هؤلاء الكفار؟ هل هم كفار قريش؟ الأمر جائز. هل هم اليهود؟ الأمر جائز. فالبلاغ يشمل كل كافر. والنص القرآني حينما يأتي فهو يأتي على غير عادة الناس في الخطاب، ولأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى وسبحانه منزه عن التشبيه أو المثل - أنت تقول لابنك: اذهب إلى عمك، وقل له: إن أبي سيحضر لزيارتك غداً. فماذا يكون كلام الابن للعم؟ إن الابن يذهب للعم ويقول له: إن أبي سيزورك غداً. لكن الآمر وهو الأب يقول: قل لعمك إن أبي سيزورك غداً. فإذا كان الابن دقيق الأمانة فهو يقول: - قال أبي: - قل لعمك إن أبي سيزورك غداً. وعندما يقول الحق سبحانه {قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} [آل عمران: 12]. فهذا معناه قمة الأمانة من الرسول المبلغ عن الله، فنَقَل للكافرين النص الذي أمره الله بتبليغه للكافرين. وإلا كان يكفي الرسول صلى الله عليه وسلم أن يذهب للكافرين ويقول لهم: ستُغلبون وتُحشرون. لكن من يدريهم أن هذا الكلام ليس من عند محمد وهو بشر؟ لذلك يبلغهم الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله أبلغه أن يبلغهم بقوله: {قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} [آل عمران: 12]. إن الرسول لم يبلغهم بمقول القول: لا، إنما أبلغهم نص البلاغ الذي أبلغه به الله. وساعة يأمر الحق في قرآنه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ أمراً للكافرين فإن الرسول صلى الله عليه وسلم مُخاطب، والكفار مُخاطبون، فعندما يواجههم فإنه يقول لهم: ستُغلبون .. وفي آية أخرى يقول الحق: {أية : قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ}تفسير : [الأنفال: 38]. إن القياس أن يقول: إن تنتهوا يغفر لكم ما قد سلف، لكن الحق قال: "إن ينتهوا"، فكأن الله حينما قال كان الكفار غير حاضرين للخطاب ورسول الله هو الحاضر للخطاب، والله يتكلم عن غائبين. ولكن الله - سبحانه - في هذه الآية التي نحن بصددها يحمل الرسول تمام البلاغ فمرة يكون النقل من الآمر الأول كما صدر منه سبحانه كقوله: "إن ينتهوا" ومرة يأمره الآمر الأول أن يبلغ الكلمة التي يكون بها مخاطباً أي لا تقل: سيغلبون وقل: "ستغلبون" لأنك أنت الذي ستخاطبهم. وهذه الدقة الأدائية لا يمكن إلا أن تكون من قادر حكيم. إنه بلاغ إلى كفار قريش أو إلى مطلق الذين كفروا. والغلب سيكون في الدنيا، والحشر يكون في الآخرة. فإذا ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل النص القرآني "ستُغلبون" فمتى قالها رسول الله؟ لقد قالها والمسلمون قلة لا يستطيعون حماية أنفسهم، ولا يقدرون على شيء. وكل مؤمن يحيا في كنف آخر، أو يهاجر إلى مكان بعيد. فهل يمكن أن يأتي هذا البلاغ إلا ممن يملك مطلق الأسباب؟ لقد قالها الرسول مبلغاً عن الله، والمسلمون في حالة من الضعف واضحة، وما دام قد قالها، فهي حجة عليه، لأنَ مَن أبلغه إياها وهو الله قادر على أن يفعلها. {قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ} [آل عمران: 12] ليس العقاب في الدنيا فقط، ولكن في الآخرة أيضا {وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} [آل عمران: 12] هذه المسألة بشارة لرسول الله ولأصحابه، وإنذار للكافرين به، ويتم تحقيقها في موقعة بدر. فسيدنا عمر بن الخطاب لما نزل قول الله: {أية : سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ}تفسير : [القمر: 45]. تساءل عمر بن الخطاب: أي جمع هذا؟ إنه يعلم أن المسلمين ضعاف لا يقدرون على ذلك، وأسباب انتصار المسلمين غير موجودة، ولكن رسول الله لم يكن يكلم المؤمنين بالأسباب، إنما برب الأسباب، فإذا ما تحدى وأنذرهم، مع أنه وصحبه ضعاف أمامهم، فقد جاء الواقع ليثبت صدق الحق في قوله: "ستُغلبون" ويتم انتصار المسلمين بالفعل، ويغلبون الكافرين. ألا يُجعل صدق بلاغ الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يحدث في الدنيا دليل صدق على ما يحدث في الآخرة؟ إن تحقيق "ستُغلبون" يؤكد "وتحشرون إلى جهنم". وفي هذه الآية شيئان: الأول؛ بلاغ عن هزيمة الكفار في الدنيا وهو أمر يشهده الناس جميعاً، والأمر الآخر هو في الآخرة وقد يُكذبه بعض الناس. وإذا كان الحق قد أنبأ رسوله بأنك يا محمد ستَغلب الكافرين وأنت لا تملك أسباب الغَلَبَة عليهم. ومع ذلك يأتي واقع الأحداث فيؤكد أن الكافرين قد تمت هزيمتهم. وما دام قد صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في البلاغ عن الأولى ولم يكن يملك الأسباب فلابد أن يكون صادقاً في البلاغ في الثانية وهي البلاغ عن الحشر في نار جهنم. وبعض المفسرين قد قال: إن هذه المقولة لليهود؛ لأن اليهود حينما انتصر المسلمون في بدر زُلزِلوا زِلزَالاً شديداً، فلم يكن اليهود على ثقة في أن الإسلام والمسلمين سينتصرون في بدر، فلما انتصر الإسلام في بدر؛ قال بعض اليهود: إن محمداً هو الرسول الذي وَعَدَنا به الله والأوْلَى أن نؤمن به فقال قوم منهم: انتظروا إلى معركة أخرى. أي لا تأخذوها من أول معركة، فانتظروا، وجاءت معركة أُحد، وكانت الحرب سجالاً. ولنا أن نقول: وما المانع أن تكون الآية لليهود وللمشركين ولمطلق الذين كفروا؟ فاللفظ عام وإن كان قد ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جمع اليهود في سوق بني قينقاع وقال لهم: يا معشر اليهود احذروا مثل ما نزل بقريش وأَسْلِموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم، فقد عرفتم أني نبيّ مرسل. فماذا قالوا له؟ قالوا له: لا يَغُرنَّك أنك لقيت قوماً أغماراً - أي قوماً من غمار الناس لم يجربوا الأمور - لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة، لئن قاتلتنا لعلمت أنَّا نحن الناس، فأنزل الله قوله: {قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ ...} [آل عمران: 12] إلخ الآية. والمهاد هو ما يُمهّد عادة للطفل حتى ينام عليه نوماً مستقراً أي له قرار، وكلمة "بئس المهاد" تدل على أنهم لا قدرة لهم على تغيير ما هم فيه، كما لا قدرة للطفل على أن يقاوم من يضعه للنوم في أي مكان. ويقول الحق بعد ذلك: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):