٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
13
Tafseer
الرازي
تفسير : إعلم أن في الآية مسائل: /المسألة الأولى: لم يقل: قد كانت لكم آية، بل قال: {قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ } وفيه وجهان: الأول: أنه محمول على المعنى، والمراد: قد كان لكم إتيان هذا آية. والثاني: قال الفرّاء: إنما ذكر للفصل الواقع بينهما، وهو قوله {لَكُمْ }. المسألة الثانية: وجه النظم أنا ذكرنا أن الآية المتقدمة، وهي قوله تعالى: {سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ } نزلت في اليهود، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دعاهم إلى الإسلام أظهروا التمرد وقالوا ألسنا أمثال قريش في الضعف وقلة المعرفة بالقتال بل معنا من الشوكة والمعرفة بالقتال ما يغلب كل من ينازعنا فالله تعالى قال لهم إنكم وإن كنتم أقوياء وأرباب العدة والعدة فإنكم ستغلبون ثم ذكر الله تعالى ما يجري الدلالة على صحة ذلك الحكم، فقال: {قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا فِئَةٌ } يعني واقعة بدر كانت كالدلالة على ذلك لأن الكثرة والعدة كانت من جانب الكفار والقلة وعدم السلاح من جانب المسلمين ثم إن الله تعالى قهر الكفار وجعل المسلمين مظفرين منصورين وذلك يدل على أن تلك الغلبة كانت بتأييد الله ونصره، ومن كان كذلك فإنه يكون غالباً لجميع الخصوم، سواء كانوا أقوياء أو لم يكونوا كذلك فهذا ما يجري مجرى الدلالة على أنه عليه السلام يهزم هؤلاء اليهود ويقهرهم وإن كانوا أرباب السلاح والقوة، فصارت هذه الآية كالدلالة على صحة قوله {قُلْ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ } الآية، فهذا هو الكلام في وجه النظم. المسألة الثالثة: {الفئة} الجماعة، وأجمع المفسرون على أن المراد بالفئتين: رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يوم بدر ومشركوا مكة روي أن المشركين يوم بدر كانوا تسعمائة وخمسين رجلاً، وفيهم أبو سفيان وأبو جهل، وقادوا مائة فرس، وكانت معهم من الإبل سبعمائة بعير، وأهل الخيل كلهم كانوا دارعين وهم مائة نفر، وكان في الرجال دروع سوى ذلك، وكان المسلمون ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً بين كل أربعة منهم بعير، ومعهم من الدروع ستة، ومن الخيل فرسان، ولا شك أن في غلبة المسلمين للكفار على هذه الصفة آية بينة ومعجزة قاهرة. واعلم أن العلماء ذكروا في تفسير كون تلك الواقعة آية بينة وجوهاً الأول: أن المسلمين كان قد اجتمع فيهم من أسباب الضعف عن المقاومة أمور، منها: قل العدد، ومنها: أنهم خرجوا غير قاصدين للحرب فلم يتأهبوا، ومنها قلة السلاح والفرس، ومنها أن ذلك ابتداء غارة في الحرب لأنها أول غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قد حصل للمشركين أضداد هذه المعاني منها: كثرة العدد، ومنها أنهم خرجوا متأهبين للحرب، ومنها كثرة سلاحهم وخيلهم، ومنها أن أولئك الأقوام كانوا ممارسين للمحاربة، والمقاتلة في الأزمنة الماضية، وإذا كان كذلك فلم تجر العادة أن مثل هؤلاء العدد في القلة والضعف وعدم السلاح وقلة المعرفة بأمر المحاربة يغلبون مثل ذلك الجمع الكثير مع كثرة سلاحهم وتأهبهم للمحاربة، ولما كان ذلك خارجاً عن العادة كان معجزاً. والوجه الثاني: في كون هذه الواقعة آية أنه عليه الصلاة والسلام كان قد أخبر قومه بأن الله ينصره على قريش بقوله {أية : وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ } تفسير : [الأنفال: 7] يعني جمع قريش أو عير أبي سفيان، وكان قد أخبر قبل الحرب بأن هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان، فلما وجد مخبر خبره في المستقبل على وفق خبره كان ذلك إخباراً عن الغيب، فكان معجزاً. والوجه الثالث: في بيان كون هذه الواقعة آية ما ذكره تعالى بعد هذه الآية، وهو قوله تعالى: {يَرَوْنَهُمْ مّثْلَيْهِمْ رَأْىَ ٱلْعَيْنِ } والأصح في تفسير هذه الآية أن الرائين هم المشركون والمرئيين هم المؤمنون، والمعنى أن المشركين كانوا يرون المؤمنون مثلي عدد المشركين قريباً من ألفين، أو مثلي عدد المسلمين وهو ستمائة، وذلك معجز. فإن قيل: تجويز رؤية ما ليس بموجود يفضي إلى السفسطة. قلنا: نحمل الرؤية على الظن والحسبان، وذلك لأن من اشتد خوفه قد يظن في الجمع القليل أنهم في غاية الكثرة، وإما أن نقول إن الله تعالى أنزل الملائكة حتى صار عسكر المسلمين كثيرين والجواب الأول أقرب، لأن الكلام مقتصر على الفئتين ولم يدخل فيهما قصة الملائكة. والوجه الرابع: في بيان كون هذه القصة آية، قال الحسن: إن الله تعالى أمد رسوله صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوة بخمسة آلاف من الملائكة لأنه قال: {أية : فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أنّى مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ } تفسير : [الأنفال: 9] وقال: {أية : بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءالافٍ مّنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ } تفسير : [آل عمران: 125] والألف مع الأربعة آلاف: خمسة آلاف من الملائكة وكان سيماهم هو أنه كان على أذناب خيولهم ونواصيها صوف أبيض، وهو المراد بقوله {وَٱللَّهُ يُؤَيّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء } والله أعلم. ثم قال الله تعالى: {فِئَةٌ تُقَـٰتِلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: القراءة المشهورة {فِئَةٌ } بالرفع، وكذا قوله {وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ } وقرىء {فِئَةٌ فَقَاتِلْ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ } بالجر على البدل من فئتين، وقرىء بالنصب إما على الاختصاص، أو على الحال من الضمير في التقتا، قال الواحدي رحمه الله: والرفع هو الوجه لأن المعنى إحداهما تقاتل في سبيل الله فهو رفع على استئناف الكلام. المسألة الثانية: المراد بالفئة التي تقاتل في سبيل الله هم المسلمون، لأنهم قاتلوا لنصرة دين الله. وقوله {وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ } المراد بها كفار قريش. ثم قال تعالى: {يَرَوْنَهُمْ مّثْلَيْهِمْ رَأْىَ ٱلْعَيْنِ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ نافع وأبان عن عاصم {تَرَوْنَهُمْ } بالتاء المنقطة من فوق، والباقون بالياء فمن قرأ بالتاء فلأن ما قبله خطاب لليهود، والمعنى ترون أيها اليهود المسلمين مثل ما كانوا، أو مثلي الفئة الكافرة، أو تكون الآية خطاباً مع مشركي قريش والمعنى: ترون يا مشركي قريش المسلمون مثلي فئتكم الكافرة، ومن قرأ بالياء فللمغالبة التي جاءت بعد الخطاب، وهو قوله {فِئَةٌ تُقَـٰتِلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مّثْلَيْهِمْ } فقوله {يَرَوْنَهُمْ } يعود إلى الإخبار عن إحدى الفئتين. المسألة الثانية: إعلم أنه قد تقدم في هذه الآية ذكر الفئة الكافرة وذكر الفئة المسلمة فقوله {يرونهم مثليهم} يحتمل أن يكون الراؤن هم الفئة الكافرة، والمرئيون هم الفئة المسلمة، ويحتمل أن يكون بالعكس من ذلك فهذان احتمالان، وأيضاً فقوله {مّثْلَيْهِمْ } يحتمل أن يكون المراد مثلي الرائين وأن يكون المراد مثلي المرئين فإذن هذه الآية تحتمل وجوهاً أربعة الأول: أن يكون المراد أن الفئة الكافرة رأت المسلمين مثلي عدد المشركين قريباً من ألفين. والاحتمال الثاني: أن الفئة الكافرة رأت المسلمين مثلي عدد المسلمين ستمائة ونيفاً وعشرين، والحكمة في ذلك أنه تعالى كثر المسلمين في أعين المشركين مع قلتهم ليهابوهم فيحترزوا عن قتالهم. فإن قيل: هذا متناقض لقوله تعالى في سورة الأنفال {أية : وَيُقَلّلُكُمْ فِى أَعْيُنِهِمْ } تفسير : [الأنفال: 44]. فالجواب: أنه كان التقليل والتكثير في حالين مختلفين، فقللوا أولاً في أعينهم حتى اجترؤا عليهم، فلما تلاقوا كثرهم الله في أعينهم حتى صاروا معلوبين، ثم إن تقليلهم في أول الأمر، وتكثيرهم في آخر الأمر، أبلغ في القدرة وإظهار الآية. والاحتمال الثالث: أن الرائين هم المسلمون، والمرئيين هم المشركون، فالمسلمون رأوا المشركين مثلى المسلمين ستمائة وأزيد، والسبب فيه أن الله تعالى أمر المسلم الواحد بمقاومة الكافرين قال الله تعالى: {أية : إِن يَكُن مّنكُمْ مّاْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ } تفسير : [الأنفال: 66]. فإن قيل: كيف يرونهم مثليهم رأي العين، وكانوا ثلاثة أمثالهم؟. الجواب: أن الله تعالى إنما أظهر للمسلمين من عدد المشركين القدر الذي علم المسلمون أنهم يغلبونهم، وذلك لأنه تعالى قال: {إِن يَكُن مّنكُمْ مّاْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ } فأظهر ذلك العدد من المشركين للمؤمنين تقوية لقلوبهم، وإزالة للخوف عن صدورهم. والاحتمال الرابع: أن الرائين هم المسلمون، وأنهم رأوا المشركين على الضعف من عدد المشركين فهذا قول لا يمكن أن يقول به أحد، لأن هذا يوجب نصرة المشركين بإيقاع الخوف في قلوب المؤمنين، والآية تنافي ذلك، وفي الآية احتمال خامس، وهو أنا أول الآية قد بينا أن الخطاب مع اليهود، فيكون المراد ترون أيها اليهود المشركين مثلي المؤمنين في القوة والشوكة. فإن قيل: كيف رأوهم مثليهم فقد كانوا ثلاثة أمثالهم فقد سبق الجواب عنه. بقي من مباحث هذا الموضع أمران: البحث الأول: أن الاحتمال الأول والثاني يقتضي أن المعدوم صار مرئياً، والاحتمال الثالث يقتضي أن ما وجد وحضر لم يصر مرئياً أما الأول: فهو محال عقلاً، لأن المعدوم لا يرى، فلا جرم وجب حمل الرؤية على الظن القوي، وأما الثاني: فهو جائز عند أصحابنا، لأن عندنا مع حصول الشرائط وصحة الحاسد يكون الإدراك جائزاً لا واجباً، وكان ذلك الزمان زمان ظهور المعجزات وخوارق العادات، فلم يبعد أن يقال: إنه حصل ذلك المعجز، وأما المعتزلة فعندهم الإدراك واجب الحصول عند اجتماع الشرائط وسلامة الحاسد، فلهذا المعنى اعتذر القاضي عن هذا الموضع من وجوه أحدها: أن عند الاشتغال بالمحاربة والمقاتلة قد لا يتفرغ الإنسان لأن يدير حدقته حول العسكر وينظر إليهم على سبيل التأمل التام، فلا جرم يرى البعض دون البعض وثانيها: لعلّه يحدث عند المحاربة من الغبار ما يصير مانعاً عن إدراك البعض وثالثها: يجوز أن يقال: إنه تعالى خلق في الهواء ما صار مانعاً عن إدراك ثلث العسكر، وكل ذلك محتمل. البحث الثاني: اللفظ وإن احتمل أن يكون الراؤن هم المشركون، وأن يكون هم المسلمون فأي الاحتمالين أظهر فقيل: إن كون المشرك رائياً أولى، ويدل عليه وجوه الأول: أن تعلق الفعل بالفاعل أشد من تعلقه بالمفعول، فجعل أقرب المذكورين السابقين فاعلاً، وأبعدهما مفعولاً أولى من العكس، وأقرب المذكورين هو قوله {وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ } والثاني: أن مقدمة الآية وهو قوله {قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ } خطاب مع الكفار فقراءة نافع بالتاء يكون خطاباً مع أولئك الكفار والمعنى ترون يا مشركي قريش المسلمين مثليهم، فهذه القراءة لا تساعد إلا على كون الرائي مشركاً الثالث: أن الله تعالى جعل هذه الحالة آية الكفار، حيث قال: {قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا } فوجب أن تكون هذه الحالة مما يشاهدها الكافر حتى تكون حجة عليه، أما لو كانت هذه الحالة حاصلة للمؤمن لم يصح جعلها حجة الكافر والله أعلم. واحتج من قال: الراؤن هم المسلمون، وذلك لأن الرائين لو كانوا هم المشركين لزم رؤية ما ليس بموجود وهو محال، ولو كان الراؤن هم المؤمنون لزم أن لا يرى ما هو موجود وهذا ليس بمحال، وكان ذلك أولى والله أعلم. ثم قال: {رَأْىَ ٱلْعَيْنِ } يقال: رأيته رأياً ورؤية، ورأيت في المنام رؤيا حسنة، فالرؤية مختص بالمنام، ويقول: هو مني مرأى العين حيث يقع عليه بصري، فقوله {رَأْىَ ٱلْعَيْنِ } يجوز أن ينتصب على المصدر، ويجوز أن يكون ظرفاً للمكان، كما تقول: ترونهم أمامكم، ومثله: هو مني مناط العنق ومزجر الكلب. ثم قال: {وَٱللَّهُ يُؤَيّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء } نصر الله المسلمين على وجهين: نصر بالغلبة كنصر يوم بدر، ونصر بالحجة، فلهذا المعنى لو قدرنا أنه هزم قوم من المؤمنين لجاز أن يقال: هم المنصورون لأنهم هم المنصورون بالحجة، وبالعاقبة الحميدة، والمقصود من الآية أن النصر والظفر إنما يحصلان بتأييد الله ونصره، لا بكثرة العدد والشوكة والسلاح. ثم قال: {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لَعِبْرَةً } والعبرة الاعتبار وهي الآية التي يعبر بها من منزلة الجهل إلى العلم وأصله من العبور وهو النفوذ من أحد الجانبين إلى الآخر، ومنه العبارة وهي كلام الذي يعبر بالمعنى إلى المخاطب، وعبارة الرؤيا من ذلك، لأنها تعبير لها، وقوله {لأُوْلِى ٱلأَبْصَـٰرِ } أي لأولي العقول، كما يقال: لفلان بصر بهذا الأمر، أي علم ومعرفة، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ} أي علامة. وقال {كان} ولم يقل «كانت» لأن {آية} تأنيثها غير حقيقي. وقيل: ردّها إلى البيان، أي قد كان لكم بيان؛ فذهب إلى المعنى وترك اللفظ؛ كقول ٱمرىء القيس:شعر : بَرَهْرَهَةٌ رُؤْدَةٌ رَخْصَةٌ كخُرْعُوبَة الْبَانَةِ المُنْفَطِرْ تفسير : ولم يقل المنفطرة؛ لأنه ذهب إلى القضيب. وقال الفرّاء: ذكّره لأنه فرّق بينهما بالصفة، فلما حالت الصفة بين الاسم والفعل ذُكِّر الفعل. وقد مضى هذا المعنى في «البقرة» في قوله تعالى: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً ٱلْوَصِيَّةُ} تفسير : [البقرة: 180]. قوله تعالى {فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا} يعني المسلمين والمشركين يوم بدر {فِئَةٌ} قرأ الجمهور «فئة» بالرفع، بمعنى إحداهما فئة. وقرأ الحسن ومجاهد «فِئةٍ» بالخفض «وأُخْرَى كَافِرةٍ» على البدل. وقرأ ٱبن أبي عبلة بالنصب فيهما. قال أحمد بن يحيى: ويجوز النصب على الحال، أي التقتا مختلفتين مؤمنة وكافرة. قال الزجاج: النصب بمعنى أعني. وسمِّيت الجماعة من الناس فئة لأنها يُفَاء إليها، أي يرجع إليها في وقت الشدّة. وقال الزجاج: الفئة الفرقة، مأخوذة من فَأَوْتُ رأسَه بالسيف ـ ويقال: فأيته ـ إذا فلقته. ولا خلاف أن الإشارة بهاتين الفئتين هي إلى يوم بَدْر. وٱختلف من المخاطب بها؛ فقيل: يحتمل أن يخاطب بها المؤمنون، ويحتمل أن يخاطب بها جميع الكفار، ويحتمل أن يخاطب بها يهود المدينة؛ وبكل ٱحتمال منها قد قال قوم. وفائدة الخطاب للمؤمنين تثبيت النفوس وتشجيعها حتى يقدِموا على مثليْهم وأمثالهم كما قد وقع. قوله تعالى: {يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ ٱلْعَيْنِ وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ} قال أبو عليّ: الرؤية في هذه الآية رؤية عين؛ ولذلك تعدّت إلى مفعول واحد. قال مكيّ والمهدويّ: يدل عليه {رَأْيَ الْعَيْنِ}. وقرأ نافع «تَرَوْنَهُم» بالتاء والباقون بالياء. {مِّثْلَيْهِمْ} نصب على الحال من الهاء والميم في «ترونهم». والجمهور من الناس على أن الفاعل بترون هم المؤمنون، والضمير المتصل هو للكفار. وأنكر أبو عمرو أن يقرأ «ترونهم» بالتاء؛ قال: ولو كان كذلك لكان مِثليكم. قال النحاس: وذا لا يلزم، ولكن يجوز أن يكون مِثلى أصحابكم. قال مكيّ: «تَرَوْنَهُم» بالتاء جرى على الخطاب في {لَكُم} فيحسن أن يكون الخطاب للمسلمين، والهاء والميم للمشركين. وقد كان يلزم من قرأ بالتاء أن يقرأ مثليكم بالكاف، وذلك لا يجوز لمخالفة الخط؛ ولكن جرى الكلام على الخروج من الخطاب إلى الغيبة؛ كقوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم} تفسير : [يونس: 22]، وقوله تعالى: {أية : وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ} تفسير : [الروم: 39] فخاطب ثم قال: {أية : فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ}تفسير : [الروم: 39] فرجع إلى الغيبة. فالهاء والميم في {مِثْلَيْهِم} يحتمل أن يكون للمشركين، أي ترون أيها المسلمون المشركين مثليْ ما هم عليه من العدد؛ وهو بعيد في المعنى؛ لأن الله تعالى لم يُكْثر المشركين في أعين المسلمين بل أعلمنا أنه قلَّلَهم في أعين المؤمنين، فيكون المعنى ترون أيها المؤمنون المشركين مِثليْكم في العدد وقد كانوا ثلاثة أمثالهم، فقلَّلَ الله المشركين في أعين المسلمين فأراهم إياهم مِثَليْ عِدّتهم لتقوى أنفُسهم ويقع التجاسُر، وقد كانوا أُعلِموا أنّ المائة منهم تغلب المائتين من الكفار، وقلّل المسلمين في أعين المشركين ليجْتَرئوا عليهم فينْفُذ حكم الله فيهم. ويحتمل أن يكون الضمير في {مِثليْهِم} للمسلمين، أي ترون أيها المسلمون المسلمين مِثليْ ما أنتم عليه من العدد، أي ترون أنفسكم مثليْ عددكم؛ فعل الله ذلك بهم لتقوى أنفسهم على لقاء المشركين. والتأويل الأوّل أولى؛ يدل عليه قوله تعالى: {أية : إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً} تفسير : [الأنفال: 43] وقوله: {أية : وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِيۤ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً} تفسير : [الأنفال: 44]. وروى عن ٱبن مسعود أنه قال: قلت لرجل إلى جنبي: أتراهم سبعين؟ قال: أظنهم مائة. فلما أخذنا الأسارى أخبرونا أنهم كانوا ألفاً. وحكى الطبريّ عن قوم أنهم قالوا: بل كثر الله عدد المؤمنين في عيون الكافرين حتى كانوا عندهم ضِعفيْهم. وضعَّف الطبري هذا القول. قال ٱبن عطية: وكذلك هو مردود من جهات. بل قلّل الله المشركين في أعين المؤمنين كما تقدّم. وعلى هذا التأويل كان يكون «ترون» للكافرين، أي ترون أيها الكافرون المؤمنين مثليهم، ويحتمل مثليكم، على ما تقدّم. وزعم الفرّاء أنّ المعنى تروْنَهم مثلَيْهم ثلاثةَ أمثالهم. وهو بعيدٌ غير معروف في اللغة. وقال الزجاج: وهذا باب الغلط، فيه غلط في جميع المقاييس؛ لأنا إنما نعقل مثل الشيء مساوياً له، ونعقِل مثليْه ما يساويه مرتين. قال ٱبن كَيْسان: وقد بين الفرّاء قوله بأن قال: كما تقول وعندك عبدٌ: أحتاج إلى مثله، فأنت محتاج إليه وإلى مثله. وتقول: أحتاج إلى مثليه، فأنت محتاج إلى ثلاثة. والمعنى على خلاف ما قال، واللغةُ. والذي أوقع الفرّاء في هذا أن المشركين كانوا ثلاثة أمثال المؤمنين يوم بدر؛ فتوهّم أنه لا يجوز أن يكونوا يرونهم إلا على عِدّتهم، وهذا بعيد وليس المعنى عليه. وإنما أراهم الله على غير عِدّتهم لجهتين: إحداهما أنه رأى الصلاح في ذلك؛ لأن المؤمنين تقوى قلوبهم بذلك. والأخرى أنه آية للنبيّ صلى الله عليه وسلم. وسيأتي ذكر وقعة بدر إن شاء الله تعالى. وأمّا قراءة الياء فقال ٱبن كيسان: الهاء والميم في {يرونهم} عائدة على {وَأُخْرَى كَافِرَةٌ} والهاء والميم في {مثليْهم} عائدة على {فِئَةٌ تُقَاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ} وهذا من الإضمار الذي يدل عليه سياق الكلام، وهو قوله: {يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ}. فدل ذلك على أن الكافرين كانوا مِثْلَي المسلمين في رأي العين وثلاثة أمثالهم في العدد. قال: والرؤية هنا لليهود. وقال مكيّ: الرؤية للفئة المقاتلة في سبيل الله، والمرئية الفئة الكافرة؛ أي ترى الفئةُ المقاتلة في سبيل الله الفئةَ الكافرة مثْلَي الفئة المؤمنة، وقد كانت الفئة الكافرة ثلاثة أمثال المؤمنة فقلّلهم الله فى أعينهم على ما تقدّم. والخطاب في {لكم} لليهود. وقرأ ٱبن عباس وطلحة «تُرَوْنَهم» بِضم التاء، والسلميّ بالتاء مضمومة على ما لم يسم فاعله. {وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ} تقدّم معناه والحمد لله.
البيضاوي
تفسير : {قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ} الخطاب لقريش أو لليهود، وقيل للمؤمنين. {فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا} يوم بدر. {فِئَةٌ تُقَـٰتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مّثْلَيْهِمْ} يرى المشركون المؤمنين مثلي عدد المشركين، وكان قريباً من ألف، أو مثلي عدد المسلمين وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر، وذلك كان بعد ما قللهم في أعينهم حتى اجترؤوا عليهم وتوجهوا إليهم، قلما لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا مدداً من الله تعالى للمؤمنين، أو يرى المؤمنون المشركين مثلي المؤمنين وكانوا ثلاثة أمثالهم ليثبتوا لهم ويتيقنوا بالنصر الذي وعدهم الله به في قوله: {أية : فَإِن يَكُن مّنكُمْ مّاْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ }تفسير : [الأنفال: 66] ويؤيده قراءة نافع ويعقوب بالتاء وقرىء بهما على البناء للمفعول أي يريهم الله، أو يريكم ذلك بقدرته، وفئة بالجر على البدل من فئتين والنصب على الاختصاص، أو الحال من فاعل التفتا. {رَأْيَ ٱلْعَيْنِ} رؤية ظاهرة معاينة. {وَٱللَّهُ يُؤَيّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء } نصره كما أيد أهل بدر. {إِنَّ فِي ذَلِكَ} أي التقليل والتكثير، أو غلبة القليل عديم العدة في الكثير شاكي السلاح، وكون الواقعة آية أيضاً يحتملها ويحتمل وقوع الأمر على ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم. {لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَـٰرِ} أي لعظة لذوي البصائر. وقيل لمن أبصرهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ } عبرة وذكر الفعل للفصل {فِي فِئَتَيْنِ } فرقتين {ٱلْتَقَتَا } يوم بدر للقتال {فِئَةٌ تُقَٰتِلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي طاعته،وهم النبي وأصحابه وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً معهم فرسان وست أدرع وثمانية سيوف وأكثرهم رجالة {وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ } أي الكفار {مّثْلَيْهِمْ } أي المسلمين أي أكثر منهم وكانوا نحو ألف {رَأْىَ ٱلْعَيْنِ } أي رؤية ظاهرة معاينة وقد نصرهم الله مع قلتهم {وَٱللَّهُ يُؤَيّدُ } يقوي {بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء } نصره {إِنَّ فِى ذَلِكَ } المذكور {لَعِبْرَةًلأُوْلِى ٱلأَبْصَٰرِ } لذوي البصائر أفلا تعتبرون بذلك فتؤمنون؟.
ابن عبد السلام
تفسير : {فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ} المؤمنون ببدر. {وَأُخْرَى كَافِرَةٌ} قريش. {يَرَوْنَهُم} كان المؤمنون ثلاثمائة وبضعة عشر، والكفار ألف، أو ما بين تسعمائة إلى ألف، فرأى المؤمنون الكافرين مثلي عدد المؤمنين تقوية من الله ـ لقلوبهم، أو رأى الكافرون المؤمنون مثلي عددهم إضعافاً من الله ـ تعالى ـ لقلوبهم.
ابن عادل
تفسير : "قَدْ كَانَ" جواب قسم محذوفٍ، و "آيَةٌ" اسم "كان" ولم يُؤنث الفعلُ؛ لأن تأنيث الآية مجازيٌّ، ولأنها بمعنى الدليل والبرهان. فهذا كقول امرئِ القيسِ: [المتقارب] شعر : 1350 - بَرَهْرَهَةٌ، رُؤدَةٌ، رَخْصَةٌ كَخُرُعُوبَةِ الْبَانَةِ الْمُنْفَطِرْ تفسير : قال الأصمعي: "البَرَهْرَهَةُ: الممتلِئَة المُتَرَجْرِجَة، والرُّؤدَة، والرادة: الناعمة". قال أبو عمرو: وإنما قال: الْمُنْفَطِر، ولم يقل: المنفطرة؛ لأنه رَدٌّ على القضيب، فكأنه قال: البان المنفطر، والخرعوبة: القضيب، والمنفطر: الذي ينفطر بالورق، وهو ألين ما يكون. قال أبو حيّان: أوَّل البانةَ بمعنى القضيب، فلذلك ذكر المنفطر، ولوجود الفصل بـ "لَكُم" فإن الفصلَ مسوغ لذلك مع كون التأنيث حقيقيًّا، كقوله: [البسيط] شعر : 1351 - إنَّ امْرَأ غَرَّهُ مِنكُنَّ وَاحِدَةٌ بَعْدِي وَبَعْدَكِ فِي الدُّنْيا لَمَغْرُورُ تفسير : وقال بعضهم: محمول على المعنى، والمعنى: قد كان لكم بيانُ هَذه الآيةِ. وفي خبر "كان" وَجهَانِ: أحدهما: أنه "لَكُم" و "فِي فِئَتَيْنِ" في محل رفع نَعْتاً لـِ "آيَةٌ". والثاني: أنه "فِي فِئَتَيْنِ" وفي "لَكُمْ" وجهانِ: أحدهما: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من "آية"؛ لأنه - في الأصل - صفة لآية، فلمَّا تقدَّم نُصِبَ حَالاً. الثاني: أنه متعلق بـ "كان" ذكره أبو البقاء، وهذا عند مَنْ يَرَى أنها تعمل في الظرف وحرف الجر ولكن في جَعْل "فِي فِئَتَيْنِ" الخَبَرَ إشْكالٌ، وهو أن حكم اسم "كان" حكم المبتدأ، فلا يجوز، أن يكونَ اسماً لها إلا ما جاز الابتداء به، وهنا لو جعلت "آية" مبتدأ، وما بعدها خبراً لم يجز؛ إذْ لا مُسَوِّغَ للابتداء بهذه النكرة، بخلاف ما إذا جَعَلْتَ "لَكُم" الخبرَ، فإنَّه جائز لوجود المسوِّغ، وهو تقدُّمُ الخبرِ حرفَ جَرٍّ. قوله: {ٱلْتَقَتَا} في محل جر، صفة لـ "فِئَتَيْنِ"، أي: فئتين ملتقيتين، يعني بالفئتين المسلمين والمشركين يوم بَدر. قوله: {فِئَةٌ تُقَاتِلُ} العامة على رفع "فِئَةٌ" وفيها أوجُه: أحدها: أن تَرْتَفِعَ على البدل من فاعل "الْتَقَتَا"، وعلى هذا فلا بد من ضمير محذوف يعود على "فِئَتَيْنِ" المتقدمتين في الذكر؛ ليسوغ الوصف بالجملة؛ إذ لو لم يقدَّر ذلك لما صَحَّ؛ لخلو الجملة الوصفية من ضمير، والتقدير: في فئتين التقت فئةٌ منهما مؤمنة، وفئة أخرى كافرة. الثاني: أن يرتفع على خبر ابتداء مُضْمَرٍ، تقديره: إحداهما فئةٌ تقاتل، فقطع الكلام عن أوله، ومِثْلُه ما أنشده الفرّاء على ذلك: [الطويل] شعر : 1352 - إذَا مِتُّ كَانَ النَّاسُ صِنْفَيْنِ شَامِتٌ وَآخَرُ مُثنٍ بالذي كُنْتُ أصْنَعُ تفسير : أي أحدهما شامت، وآخر مُثنٍ، ومثله في القطع قول الآخر: [البسيط] شعر : 1353 - حَتَّى إذَا مَا اسْتَقَلَّ النَّجْمُ فِي غَلَسٍ وَغُودِرَ البَقْلُ مَلْوِيٌّ وَمَحْصُودُ تفسير : أي: بعضه مَلْويٌّ، وبَعْضُه مَحْصُود. قال أبو البقاء: فإن قلتَ: إذا قدرت في الأولى إحداهما مبتدأ كان القياس أن يكون والأخرى أي الفئة الأخر كافرة. قيل: لمَّا عُلِم أن التفريقَ هنا لنفس الشيء المقدم ذكره كان التعريفُ والتنكيرُ واحداً، ومثل الآية الكريمة في هذا السؤال وجوابه البيت المتقدِّم: شامت، وآخر مُثْنٍ، فجاء به نكرة دون أل. الثالث: أن يرتفع على الابتداء، وخبره مُضْمَر، تقديره: منهما فئةٌ تقاتل، وكذا في البيت، أي: منهم شامت، ومنهم مثنٍ. ومثله قول النابغةِ: [الطويل] شعر : 1354 - تَوهَّمْتُ آيَاتٍ لهَا فَعَرَفْتُهَا لِستَّةِ أعْوَامٍ، وَذَا الْعَامُ سَابِعُ رَمَادٌ كَكُحْلِ الْعَيْن لأياً أبِينُهُ نُؤيٌ كجذمِ الْحَوْضِ أثْلَمُ خَاشِعُ تفسير : تقديره: منهنَّ - أي من الآيات - رمادٌ، ومنهن نُؤيٌ ويحتمل البيت أن يكون - كما تقدم - من تقدير مبتدأ، ورماد خبره، كما تقدم في نظيره. وقرأ الحسنُ ومجاهدٌ وحُمَيدٌ: و {فِئَةٌ تُقَاتِلُ} بالجر على البدل من "فِئَتَيْنِ"، ويُسَمَّى هذا البدل بدلاً تفصيلياً كقول كُثَيِّر عَزَّةَ: [الطويل] شعر : 1355 - وَكُنْتُ كَذِي رِجْلَيْن رِجْلٍ صَحِيحَةٍ وَرِجْلٍ رَمَى فِيْهَا الزَّمَانُ فَشَلَّتِ تفسير : هو بدل بعض من كل، وإذا كان كذلك فلا بد من ضمير يعود على المبدل منه، تقديره: فئةٍ منهما. وقرأ ابن السَّمَيْفَع، وابن أبي عَبْلَة "فِئَةً" بالنصب، وفيه أربعة أوجهٍ: أحدها: النصب بإضمار أعني. والثاني: النصب على المَدْح، وتحرير هذا القول أن يقال على المدح في الأول وعلى الذم في الثاني، كأنه قيل: أمدح فئةٌ تقاتل في سبيل الله، وأذمُّ أخرى كافرةً. والثالث: أن ينتصب على الاختصاص، جوَّزَه الزمخشريُّ. قال أبو حيّان: "وليس بجيد؛ لأن المنصوبَ لا يكون نكرةٌ ولا مُبْهَماً". قال شهابُ الدينِ: لا يعني الزمخشريُّ الاختصاصَ المبوَّبَ له في النحو نحو: "نَحْنُ - مَعَاشِرَ الأنبياءِ - لا نُورَثُ"، إنما على النصب بإضمار فعلٍ لائقٍ، وأهل البيان يُسَمُّونَ هذا النحوَ اختصاصاً. الرابع: أن ينتصب "فِئَةٌ" على الحال من فاعل "الْتَقَتَا"، كأنه قيل: التقتا مؤمنةً وكافرةً، فعلى هذا يكون "فئة" و "أخرى" توطئةً للحال؛ لأن المقصود ذكر وَصْفَيْهما، وهذا كقولهم: زيد رجلاً صالحاً، ومثله في باب الإخبار - {أية : بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} تفسير : [الأعراف: 81]، ونحوه. قوله: {وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ} "أخْرَى" صفة لموصوف محذوف، تقديره: وفِئَةٌ أخْرَى كَافِرَةٌ وقرئت "كافرة" بالرفع والجر على حسب القراءتين المذكورتين في "فِئَةٌ تُقَاتِلُ"، وهذه منسوقة عليها. وكان من حق من قرأ "فِئَةٌ" - بالنصب - أن يقرأ "وأخْرَى كَافِرَةٌ" بالنصب عطفاً على الأولى، وفي عبارة الزَّمخشريِّ ما يوهم القراءة به؛ فإنه قال: "وقرئ "فِئَةٍ تقاتلُ" "وأخرى كافرةٍ" بالجر على البدل من "فئتين"، والنصب على الاختصاص أو الحال" فظاهر قوله: و "بالنصب" أي في جميع ما تقدم وهو فئةً تقاتلُ أخرى كافرةً وقد تقدم سؤال أبي البقاء، وهو لو لم يقل: والأخرى بالتعريف أعني حال رفع فئة تقاتل على خبر ابتداء مضمر تقديره إحداهما، والجواب عنه. والعامة على "تُقَاتِلُ" - بالتأنيث"؛ لإسناد الفعل إلى ضمير المؤنث، ومتى أسْنِد إلى ضمير المؤنث وجب تأنيثه، سواء كان التأنيث حقيقةً أو مجازاً، نحو الشمس طلعت، وعليه جمهور الناس. وخالف ابنُ كَيْسان، فأجاز: الشمسُ طلع. مستشهداً بقول الشاعر: [المتقارب] شعر : 1356 - فَلاَ مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَهَا وَلا أرْضَ أبْقَلَ إبْقَالَِهَا تفسير : حيث قال: أبقل - وهو مسند لضمير الأرض - ولم يقل: أبقلت، وغيره يخصه بالضرورة. وقالوا: إذ كان يمكن أن يَنقلَ حركةَ الهمزةِ على تاء التأنيثِ الساكنةِ، فيقول: ولا أرضَ أبقلتِ ابْقَالَها. وقد رَدُّوا عليه بأن الضرورة ليس معناها ذلك، ولئن سلمنا ذلك فلا نُسَلِّم أن هذا الشاعرَ كان ممن لغته النقل، لأن النقل ليس لغةَ كلِّ العربِ. وقرأ مجاهدٌ ومقاتل: "يُقَاتِلُ" - بالياء من تحت - وهي مُخَرَّجةٌ على مذهب ابنِ كَيْسَانَ، ومُقوِّيَةٌ له، قالوا: والذي حسن ذلك كونُ "فِئَةٌ" في معنى القوم والناس، فلذلك عاد الضمير عليها مذكراً. قوله: "يَرَوْنَهُمْ"، قرأ نافع - وحده - من السبعة، ويعقوب، وسهل: "تَرَوْنَهُمْ" بالخطاب والباقون من السبعة بالغيبة. فأما قراءة نافع ففيها ثمانية أوجهٍ: أحدها: أن الضميرَ في "لَكُمْ" والمرفوع في "تَرَوْنَهُمْ" للمؤمنين، والضمير المنصوب في "تَرَوْنَهُمْ" والمجرور في "مِثْلَيْهِمْ" للكافرين، والمعنى: قد كان لكم - أيها المؤمنون - آية في فئتين بأن رأيتم الكفارَ مثلي أنفسهم في العدد، وهو أبلغ في القدرة؛ حيث رأى المؤمنون الكافرين مثلي عَدَدِ الكافرين، ومع ذلك انتصروا عليهم وغلبوهم، وأوقعوا بهم الأفاعيلَ، ونحوه قوله تعالى: {أية : كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 249]. واستبعد بعضهم هذا التأويلَ؛ لقوله تعالى - في الأنفال [الآية: 44] -: {أية : وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِيۤ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً}تفسير : فالقصة واحدة، وهناك تدل الآية على أن الله - تعالى - قلَّل المشركين في أعين المؤمنين؛ لئلا يَجْبُنُوا عنهم، وعلى هذا التأويل - المذكور ههنا - يكون قد كثرهم في أعينهم. ويمكن أن يجاب باختلاف الحالين؛ وذلك أنه في وقتٍ أراهم [إياهم] مثلي عددهم؛ ليمتحنهم ويبتليهم، ثم قلَّلهم في أعينهم؛ ليقدموا عليهم، فالآيتان باعتبارين، ومثله قوله تعالى: {أية : فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ}تفسير : [الرحمن: 39]، وقوله: {أية : فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [الحجر: 92] وقوله: {أية : وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً} تفسير : [النساء: 42] مع قوله: {أية : هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ}تفسير : [المرسلات: 35]. قال الفرّاء: المراد بالتقليل: التهوين، كقولك - في الكلام - إني لأرى كثيركم قليلاً، أي: قد هوّن عليّ، [لا أني أرى الثلاثة اثنين]. الثاني: أن يكون الخطاب في "تَرَوْنَهُم" للمؤمنين - أيضاً - والضمير المنصوب في "تَرَوْنَهُمْ" للكافرين - أيضاً - والضمير المجرور في "مِثْلَيْهِمْ" للمؤمنين، والمعنى: تَرَوْنَ أيُّها المؤمنون الكافرين مثلَي عدد أنفسكم، وهذا تقليلٌ للكافرين عند المؤمنين في رأي العينِ؛ وذلك أن الكفار كانوا ألفاً ونَيِّفاً، والمسلمون على الثلث منهم، فأراهم إياهم مِثْلَيْهم، على ما قرر عليهم - في مقاومة الواحدِ للاثنين - في قوله تعالى: {أية : فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ} تفسير : [الأنفال: 66] بعدما كُلِّفوا أن يقاوم كلُّ واحد عشرة في قوله تعالى: {أية : إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تفسير : [الأنفال: 65]. قال الزمخشريُّ - رحمه الله - "وقراءة نافع لا تُساعِد عليه"، يعني على هذا التأويل المذكور ولم يُبين وجه عدم المساعدةِ، ووجهه - والله أعلم - أنه كان ينبغي أن يكون التركيبُ: ترونهم مثليكم - بالخطاب في "مِثْلَيهم" لا بالغيبة. قال أبو عبدِ الله الفارسيّ - بعد الذي ذكره الزمخشريّ-: "قلت: بل يُساعد عليه، إن كان الخطاب في الآية للمسلمين، وقد قيل ذلك" اهـ، فلم يأت أبو عبدِ الله بجواب؛ إذ الإشكالُ باقٍ. وقد أجاب بعضهم عن ذلك بجوابين: أحدهما: أنه من باب الالتفاتِ من الخطاب إلى الغيبة، وأنَّ حقَّ الكلام: مثلَيْكم - بالخطاب - إلا أنه التفت إلى الغيبة، ونظَّره بقوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم} تفسير : [يونس: 22]. والثاني: أن الضمير في "مِثْلَيْهِمْ" وإن كان المراد به المؤمنين إلا أنه عاد على قوله: {فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}، والفئة المقاتلة في سبيل الله عبارة عن المؤمنين المخاطبين. والمعنى: تَرَوْنَ - أيها المؤمنون - الفئةَ الكافرةَ مثلي الفئة المقاتلة في سبيل الله، [فكأنه] قيل: ترونهم - أيها المؤمنون - مثليكم، وهو جواب حسن. فإن قيل: كيف يرونهم مثليهم رأيَ العينِ، وقد كانوا ثلاثة أمثالهم؟ فالجواب: أن الله - تعالى - إنما أظهر للمسلمين من عدد المشركين القدر الذي علم المسلمون أنهم يغلبونهم؛ وذلك لأنه - تعالى - قال: {فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ} فأظهر ذلك العدد [من المشركين] للمؤمنين؛ تقوية لقلوبهم، وإزالةٌ للخوف عن صدورهم. الثالث: أن يكون الخطاب في "لَكُمْ" وفي "تَرَونَهُم" للكفار وهم قريش، والضمير المنصوب والمجرور للمؤمنين أي: قد كان لكم - أيها المشركون - آية؛ حيث ترون المسلمين مثلي أنفسهم في العدد، فيكون قد كثرهم في أعين الكفارِ، ليجبنُوا عنهم، فيعود السؤالُ المذكور بين هذه الآية، وآية الأنفال، وهي قوله تعالى: {أية : وَيُقَلِّلُكُمْ فِيۤ أَعْيُنِهِمْ}تفسير : [الأنفال: 44]، فكيف يقال - هنا - إنه يكثرهم؟ فيعود الجواب المتقدم باختلاف الحالتين، وهو أنه قللهم أولاً، ليجترئ عليهم الكفارُ، فلما التقى الجمعان كثرهم في أعينهم؛ ليحصل لهم الخَوَرُ والفَشَلُ. الرابع: كالثالث، إلا أن الضمير في "مثليهم" يعود على المشركين، فيعودُ ذلك السؤالُ، وهو أنه كان ينبغي أن يقال: مثليكم، ليطابق الكلام، فيعود الجوابان. وهما: إما الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، وإما عوده على الفئة الكافرة؛ لأنها عبارة عن المشركين، كما كان ذلك الضمير عبارة عن الفئة المقاتلة، ويكون التقدير: ترون - أيها المشركون - المؤمنين مثلي فئتكم الكافرة. وعلى هذا فيكونون قد رَأوا المؤمنين مثلي أنفسِ المشركين - ألفين ونيفاً - وهذا مَدَدٌ من الله تعالى، حيثُ أرى الكفارَ المؤمنين مثلي عدد المشركين، حتى فشلوا، وجبنوا، فطمع المسلمون فيهم، فانتصروا عليهم، ويؤيده قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ} [آل عمران: 13] الإرادة - هنا - بمنزلة المدد بالملائكة في النصرة بكليهما، ويعود السؤال، وهو كيف كثرهم إلى هذه الغايةِ مع قوله - في الأنفال -: {أية : وَيُقَلِّلُكُمْ فِيۤ أَعْيُنِهِمْ} تفسير : [الأنفال: 44]؟ ويعود الجواب. الخامس: أن الخطاب في "لَكُم" و "تَرَوْنَهُمْ" لليهود، والضميران - المنصوب والمجرور - على هذا عائدان على المسلمين، على معنى: ترونهم - لو رأيتموهم - مثليهم، وفي هذا التقدير تكلُّف لا حاجة إليه. وكأن هذا القائل اختار أن يكون الخطاب في الآية المتقدمة - وهي قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} - {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ} - لليهود، فجعله في "تَرَوْنَهُم" لهم - أيضاً - ولكن الخروج من خطاب اليهود إلى خطاب قوم آخرين أوْلَى من هذا التقدير المتكلف؛ لأن اليهود لم يكونوا حاضري الوقعةِ، حتى يُخَاطَبُوا برؤيتهم لهم كذلك، ويجوز - على هذا القول - أن يكون الضمير - المنصوب والمجرور - عائدَيْن على الكفار، أي: أنهم كُثِّرَ في أعينهم الكفارُ، حتى صاروا مثلي عدد المؤمنين، ومع ذلك غلبهم المؤمنون، وانتصروا عليهم، فهو أبلغ في القدرة. ويجوز أن يعود المنصوب على المسلمين، والمجرور على المشركين، أي: ترون - أيها اليهود المسلمين مثلي عدد المشركين؛ مهابةً لهم، وتهويلاً لأمر المؤمنين، كما كان ذلك في حق المشركين - فيما تقدم من الأقوال -، ويجوز أن يعود المنصوب على المشركين، والمجرور على المسلمين، والمعنى: ترون - أيها اليهود لو رأيتم - المشركين مثلي عدد المؤمنين وذلك أنتم قُلِّلوا في أعينهم؛ ليَحْصُل لهم الفزَعُ والغَمُّ؛ لأنه كان يغمهم قلةُ المؤمنين، ويعجبهم كثرتهم ونصرتهم على المسلمين، حَسَداً وبَغْياً. فهذه ثلاثة أوجهٍ مرتبة على الوجهِ الخامسِ، فتصير ثمانية أوجهٍ في قراءة نافع. أما قراءة الباقين ففيها أوجه: أحدها: أنها كقراءة الخطاب، فكل ما قيل في المراد به الخطابُ هناك قيل به هنا، ولكنه جاء على باب الالتفاتِ من خطاب إلى غيبةٍ. الثاني: في أن الخطاب في "لَكُمْ" للمؤمنين، والضمير المرفوع في "يَرَوْنَهُم" للكفار، والمنصوب والمجرور للمسلمين، والمعنى: يرى المشركون المؤمنين مثلي عدد المؤمنين - ستمائة ونيفاً وعشرين - أراهم الله - مع قتلهم - إياهم ضعفهم؛ ليهابوهم، ويجبنوا عنهم. الثالث: أن الخطاب في "لَكُم" للمؤمنين - أيضاً - والضمير المرفوع في "يَرَوْنَهُم" للكفار، والمنصوب للمسلمين، والمجرور للمشركين، أي: يرى المشركون [المؤمنين] مثلي عدد المشركين أراهم الله المؤمنين أضعافهم؛ لما تقدم في الوجه قبله. الرابع: أن يعود الضميرُ المرفوعُ في "يَرَوْنَهُم" على الفئة الكافرةِ؛ لأنها جمع في المعنى، والضمير المنصوب والمجرور على ما تقدم من احتمال عودهما على الكافرين، أو [على] المسلمين، أو أحدهما لأحدهم. والذي تقوى في هذه الآيةِ - من جميع الوجوه المتقدمةِ - من حيث المعنى أن يكون مدارُ الآيةِ على تقليل المسلمين، وتكثير الكافرين؛ لأن مقصود الآية ومساقها للدلالةِ على قدرةِ الله الباهرةِ، وتأييده بالنصر لعباده المؤمنين مع قلة عددهم، وخُذْلان الكافرين مع كَثْرةِ عددهم وتحزبهم لنعلم أن النصر كله من عند الله، وليس سببه كثرتكم وقلةَ عدوِّكم، بل سببه ما فعله الله تعالى من إلقاء الرعب في قلوب أعدائكم، ويؤيده قوله بعد ذلك: {وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ} وقال في موضع آخر: {أية : وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً}تفسير : [التوبة: 25]. وقال أبو شامة - بَعْدَ ذِكر هذا المعنى وتقويته-: فالهاء في "يَرَوْنَهُمْ" للكفار، سواء قُرِئ بالغيبة أم بالخطاب، والهاء في "مِثلَيْهم" للمسلمين. فإن قلت: إن كان المراد هذا فهلاَّ قيل: يَرَونَهُمْ ثلاثةَ أمثالهم، فكان أبلغ في الآية، وهي نَصْر القليل على هذا الكثير، والعدة كانت كذلك أو أكثر؟ قلت: أخبر عن الواقع، وكان آية أخرى مضمومة إلى آيةِ البصر، وهي تقليل الكفارِ في أعين المسلمين وقللوا إلى حد وعد المسلمون النصر عليهم فيه، وهو أن الواحد من المسلمين يَغْلِب الاثنين، فلم تكن حاجة إلى التقليل بأكثر من هذا، وفيه فائدةُ وقوع ما ضَمِنَ لهم من النصر فيه انتهى. قال شهاب الدين: "وإلى هذا المعنى ذهب الفراء، أعني أنهم يرونهم ثلاثةَ أمثالهم فإنه قال: مثليهم: ثلاثة أمثالهم، كقول القائل: عندي ألف وأنا محتاج إلى مثليها". وغلطه أبو إسحاقَ - في هذا - وقال: مِثْل الشيء: ما ساواه، ومثلاه [ما ساواه] مرتين. قال ابن كَيْسان: الذي أوقع الفراء في ذلك أن الكفار كانوا - يوم بدر - ثلاثة أمثالِ المؤمنين فتوهَّم أنه لا يجوز أن يروهم إلا على عدتهم، والمعنى ليس عليه، وإنما أراهم الله على غير عدتهم لجهتين: إحداهما: أنه رأى الصلاح في ذلك؛ لأن المؤمنين تقوى قلوبُهم بذلك. والأخرى: أنه آية للنبي صلى الله عليه وسلم. والجملة - على قراءة نافع - يحتمل أن تكون مستأنفةً، لا محل لها من الإعراب، ويحتمل أن يكون لها محل، وفيه - حينئذ - وجهانِ: أحدهما: النصب على الحال من الكاف في "لَكُم" أي: قد كان لكم حال كونكم ترونهم. والثاني: الجر؛ نعتاً لـ "فِئَتَيْنِ"؛ لأن فيها ضميراً يرجع عليهما، قاله أبو البقاء وأما على قراءة الغيبة فيحتمل الاستئناف، ويحتمل الرفع؛ صفة لإحدى الفئتين، ويحتمل الجر؛ صفة لـ "فِئَتَيْنِ" أيضاً، على أن تكون الواو في "يَرَوْنَهُمْ" ترجع إلى اليهود؛ لأن في الجملة ضميراً يعود على الفئتين. وقرأ ابن عباس وطلحة "تُرَوْنَهُمْ" - مبنياً للمفعول على الخطاب - والسُّلَميّ كذلك إلا أنه بالغيبة وهما واضحتان مما تقدم تقريره والفاعل المحذوف هو الله تعالى والرؤية - هنا - فيها رأيان: أحدهما: أنها البصرية، ويؤيد ذلك تأكيده بالمصدر المؤكد، وهو قوله: "رَأيَ الْعينِ". قال الزمخشريُّ: "رؤية ظاهرة مكشوفة، لا لبس فيها"؛ لأن الإدراك عند المعتزلة واجب الحصول عند اجتماع الشرائط، وسلامة الحاسَّةِ، ولهذا اعتذر القاضي عن هذا الموضع [بوجوه]: أحدها: أن عند الاشتغالِ بالمحاربةِ لا يتفرغ الإنسان لأن يُدِيرَ حدقته حول العسكر، وينظر إليهم على سبيل التأمل وثانيها: أنه قد يحصل من الغبار ما يمنع من إدراك البعض. وثالثها: يجوز أن يقال: إن الله تعالى خلق في الهواء ما منع من إدراك ثلث العسكر، [فعلى هذا]، يتعدى لواحد، ومثليهم نصب على الحالِ. الثاني: أنها من رؤية القلبِ، فعلى هذا يكون "مِثْلَيهِم" مفعولاً ثانياً، وقد ردّه أبو البقاء فقال: ولا يجوز أن تكون الرؤية من رؤية القلب - على كل الأقوال - لوجهين: أحدهما: قوله: "رأي العين". الثاني: أن رؤية القلب علم، ومحال أن يُعْلَمَ الشيء شَيْئَين. وأجيب عن [الوجه] الأول بأن انتصابهَ انتصابُ المصدر التشبيهي، أي: رأياً مثل رأي العين، أي: يشبه رأي العين، فليس إياه على التحقيق، وعن الثاني بأن الرؤية هنا يُرَاد بها الاعتقاد، فلا يلزم المحال المذكور، وإذا كانوا قد أطلقوا العلم - في اللغة - على الاعتقاد - دون اليقين - فلأن يطلقوا عليه الرأيَ أوْلَى وأحْرَى. ومن إطلاق العلم على الاعتقاد قوله تعالى: {أية : فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} تفسير : [الممتحنة: 10]؛ إذْ لا سبيلَ إلى العلم اليقيني في ذلك؛ إذ لا يعلم ذلك إلاَّ اللهُ تعالى، فالمعنى: فإن اعتقدتموهن، والاعتقاد قد يكون صحيحاً، وقد يكون فاسداً، ويدل على هذا التأويل قراءة من قرأ "تُرَوْنَهُمْ" - بالتاء والياء مبنيًّا للمفعول -؛ لأن قولهم: أرَى كذا - بضم الهمزة - يكون فيما عند المتكلم فيه شك وتخمينٌ، لا يقين وعلم، فلما كان اعتقاد التضعيفِ في جمع الكفار، أو في جمع المؤمنين تضميناً وظناً؛ لا يقيناً دخل الكلامَ ضربٌ من الشكِّ، وأيضاً - كما يستحيل حملُ الرؤيةِ هنا على العلم - يستحيل أيضاً حملها على رؤية البصر بعين ما ذكرتم من المحال، وذلك كما أنه لا يقع العلم غيرَ مطابقٍ للمعلوم، كذلك لا يقع النظر البصري غير مطابق لذلك الشيء المُبْصَر المنظور إليه، فكان المراد التخمين والظن، لا اليقين والعلم، كذا قيل، وفيه نظر؛ لأنا لا نسلم أن البصر لا يخالف المُبْصَر؛ لجواز أن يحصل خَلَلٌ في البصر، وسوء في النظر، فيتخيل الباصر الشيءَ شيئَيْن فأكثر، وبالعكس. احتج من قال: إن الرائي هو المشركون بوجوه: الأول: أن تعلُّق الفعل بالفاعل أشدُّ من تعلُّقهِ بالمفعول، فجَعْلُ أقرب المذكورين السابقين فاعلاً وأبعدهما مفعولاً أوْلَى من العكس، وأقرب المذكورين هو قوله: {كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ}. الثاني: مُقَدَّمُ الآية - وهو قوله {قَدْ كَانَ لِكُمْ آيَةٌ} خطاب مع الكفار، فقراءة نافع - بالتاء - تكون خطاباً مع أولئك الكفار، والمعنى: تَرَوْنَ يا مشركي قريش المسلمين مثليهم، فهذه القراءة لا تساعد إلا على كون الرائي مشركاً. الثالث: أن الله تعالى جعل هذه الحالة آية للكفار حتى تكونَ حُجَّةً عليهم، ولو كانت هذه الحالةُ حاصلة للمؤمن لم يصح جَعْلُها حُجَّةٌ على الكافر. واحتج من قال: الراءون هم المسلمون بأن الرائين لو كانوا هم المشركين لزم رؤيةُ ما ليس بموجود وهو محال - ولو كان الراءون هم المؤمنين لزم أن لا يرى ما هو موجود، وهذا ليس بمحال فكان أولى، قال ابن مسعودٍ: نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يضعفون علينا، ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلاً واحداً، ثم قللهم الله - أيضاً - في أعينهم حتى رَأوْا عدداً يسيراً أقل من أنفسهم، قال ابن مسعود: "حَتَّى قلت لرجل إلى جنبي: تراهم سبعينَ؟ قال: أراهم مائة، فأسرنا رجلاً منهم، فقلنا: كم كنتم؟ قال: ألفاً". فصل وجه النظم أنه - تعالى - لما أنزل الآية المتقدمة في اليهود، وهي قوله: {أية : سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ} تفسير : [آل عمران: 12]، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، أظهروا التمرد، وقالوا: لسنا أمثال قريشٍ في الضعفِ، وقلة المعرفة بالقتال، بل معنا من الشوكة والمعرفة بالقتال ما نغلب به كل مَنْ ينازعنا، فقال تعالى: إنكم - وإن كنتم [أغنياء]، أقوياء، أرباب قدرة وعدة فإنكم - ستغلبون، ثم ذكر - تعالى - ما يجري مجرى الدلالة على صحة ذلك، فقال: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا} يعني واقعة بدر؛ فإن الكثرة والعُدَّة كانت للكفار، والقلة وعدم السلاح من جانب المسلمين، ثم إن الله تعالى قهر الكفارَ، ونصر المسلمين، وهذا يدل على أن النصر بتأييد الله ونصرِه. الفئة: الجماعة، والمراد بالفئة التي تقاتل في سبيل الله - أي: في طاعته ـ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يوم بدر، وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، سبعة وسبعين رجلاً من المهاجرين، ومائتين وستة وثلاثين من الأنصار، وصاحب راية المهاجرين عليّ بن أبي طالب، وصاحب راية الأنصار سعد بن عبادة، وكان فيهم سبعون بعيراً، بين كل أربعة منهم بعير، وفرسان: فرس للمقدادِ بن عمرو، وفرس لمرثد بن أبي مرثد، وأكثرهم رجَّالةٌ، وكان معهم من الدروع ستة، وثمانية سيوف، والمراد بالأخْرَى الكافرة مُشركو مكة، وكانوا تسعمائة وخمسين رجلاً من المقاتلة، رأسهم عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وفيهم مائةُ فرس، وكان فيهم أبو سفيان وأبو جهلٍ، وكان معهم من الإبل سبعمائةُ بعيرٍ، وأهل الخيل كلُّهم كانوا دارعين وهم مائة نفرٍ، وكان في الرجال دروع سوى ذلك. فصل ذكر العلماءُ في كَوْنِ هذه الواقعةِ آية وجوهاً: أحدها: أن المسلمين كانوا قد اجتمع فيهم من أسباب الضعف أمور، منها: قِلَّةٌ العَدَد. ومنها: أنهم خرجوا غير قاصدين للحرب فلم يتأهبوا. ومنها: قِلَّةُ السلاح والخيل. ومنها: أن ذلك أول غزواتهم، وكان قد حصل للمشركين أضداد هذه المعاني من كثرة العدد، وأنهم خرجوا متأهبين للمحاربة، وأنهم كانوا معتادين للحروب في الأزمنة الماضية، وإذْ كان الأمر كذلك فكان غَلَبُ هؤلاء الضعفاء خارجاً عن العادة، فيكون مُعْجزاً. وثانيها: أنه - عليه السلام - كان قد أخبر قومه بأن الله ينصره على قريش، بقوله: {أية : وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ}تفسير : [الأنفال: 7]، يعني جمع قريش، وكان قد أخبر - قبل الحرب - بأن هذا مصرع فلان، فلما وُجِدَ مَخْبَرُ خَبَرهِ في المستقبل على وَفقِ خَبَرِه، كان ذلك إخباراً عن الغَيْب؛ فكان مُعْجِزاً. وثالثها: قوله تعالى: {يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ ٱلْعَيْنِ}، والصحيح أن الرائين هم المشركون، والمرئيين هم المؤمنون، وعلى كلا التقديرين يكون مُعْجِزاً. ورابعها: قال الحسنُ: إن الله - تعالى - أمدَّ رسولَه في تلك الغزوة بخمسةِ آلافِ من الملائكة، لقوله تعالى: {أية : فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ} تفسير : [الأنفال: 9]، وقال: {أية : بَلَىۤ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاۤفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُسَوِّمِينَ} تفسير : [آل عمران: 125] قيل: إنه كان على أذناب خيولهم ونواصيهم صوفٌ أبيض، وهو المراد من قوله: {وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ}. قوله: {رَأْيَ ٱلْعَيْنِ} في انتصابه ثلاثة أوجهٍ، تقدم منها اثنان النصب على المصدر التوكيدي، أو النصب على المصدر التشبيهيّ. الثالث: أنه منصوب على ظرف المكانِ، قال الواحديُّ: ".. كما تقول: ترونهم أمامكم، ومثله هو مني مَزجَرَ الكلب، وَمَناطَ [الْعُنق]، وهذا إخراج للفظ عن موضوعه - مع عدم المساعد - معنًى أو صناعةً. و "رأى" مشترك بين "رأى" معنى أبصر، ومصدره: الرَّأي، والرؤية، وبمعنى اعتقد وله الرأي وبمعنى الحلم، وله الرؤيا كالدنيا، فوقع الفرق بالمصدر، فالرؤية للبصر خاصةً، والرؤيا للحلم فقط، والرأي مشترك بين البصرية والاعتقادية، يقال: هذا رأي فلان، أي: اعتقاده. قال: [الطويل] شعر : 1357 - رَأى النَّاسَ - إلاَّ مَنْ رَأى مِثْلَ رَأيِهِ خَوَارِجَ تَرَّاكِينَ قَصْدَ الْمَخَارِجِ تفسير : قوله: {وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ} التأييد: تفعيل، من الأَيْد، وهو القوَّة، والباء سببية أي: سبب تأييده، ومفعول "يَشَاءُ" محذوف، أي: من يشاء تأييده. وقرأ ورش "يُويِّدُ"، بإبدال الهمزة واواً مَحْضَةً، وهو تسهيل قياسيٌّ؛ قال أبو البقاء وغيره: "ولا يجوز أن يُجْعَل بَيْنَ بَيْنَ؛ لقربها من الألف، والألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحاً، ولذلك لم تجعل الهمزة المبدوء بها بَيْنَ بَيْنَ لاستحالة الابتداء بالألف". وهو مذهب سيبويه في الهمزة المفتوحة بعد كسرة قلبها ياء محضة، وبعد الضمة قَلْبُها واواً محضة للعلة المذكورة وهي قُرْب الهمزة التي بَيْنَ بَيْنَ من الألف، والألف لا تكون ضمة ولا كسرة. و "عبرة": فِعْلَة - من العبور كالركبة وكالجِلْسة، والعبور: التجاوز، ومنه عبرتُ النهر، والمعبر السفينة؛ لأن بها يُعْبَر إلى الجانب الآخر، وعَبْرَةُ العين: دَمْعُهَا؛ لأنها تجاوزها، وعَبَّر بالعِبْرة عن الاتعاظ والاستيقاظ؛ لأن المتَّعِظَ يَعْبُر من الجَهْل إلى العلم، ومن الهلاك إلى النجاة، والاعتبار: افتعال منه، والعبارة: الكلام الموصل إلى الغرض، لأن فيه مجاوزةً، وعبرت الرؤيا وعبَّرتها، - مخفَّفاً ومثقلاً - لأنك نقلت ما عندك من تأويلها إلى رائيها. و "لأولي أبصار" صفة لـ "عبرة"، أي: عبرة كائنة لأولي الأبصار - لذوي العقول يقال: لفلان بصر بهذا الأمر. وقيل: لمن أبصر الجمعين.
البقاعي
تفسير : ولما كان الكفرة من أهل الكتاب وغيرهم من العرب بمعرض أن يقولوا حين قيل لهم ذلك: كيف نغلب وما هم فينا إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود؟ قيل لهم: إن كانت قصة آل فرعون لم تنفعكم لجهل أو طول عهد فإنه {قد كان لكم آية} أي عظيمة بدلالة تذكير كان {في فئتين} تثنية فئة ـ للطائفة التي يفيء إليها ـ أي يرجع ـ من يستعظم شيئاً، استناداً إليها حماية بها لقوتها ومنعتها {التقتا} أي في بدر {فئة} أي منهما مؤمنة، لما يرشد إليه قوله: {تقاتل في سبيل الله} أي الملك الأعلى لتكون كلمة الله هي العليا، ومن كان كذلك لم يكن قطعاً إلا مؤمناً {وأخرى} أي منهما {كافرة} أي تقاتل في سبيل الشيطان، فالآية كما ترى من وادي الاحتباك، وهو أن يؤتى بكلامين يحذف من كل منهما شيء إيجازاً، يدل ما ذكر من كل على ما حذف من الآخر، وبعبارة أخرى: هو أن يحذف من كل جملة شيء إيجازاً ويذكر في الجملة الأخرى ما يدل عليه. ولما نبه سبحانه وتعالى على الاعتبار بذكر الآية نبه على موضعها بقوله: {يرونهم} وضمن يرى البصيرية القاصرة على مفعول واحد فعل الظن، وانتزع منه حالاً ودل عليها بنصب مفعول ثان فصار التقدير: ظانيهم {مثليهم} فعلى قراءة نافع بالتاء الفوقانية يكون المعنى: ترون أيها المخاطبون الكفار المقاتلين للمؤمنين، وعلى قراءة غيره بالغيب المعنى، يرى المسلمون الكفار مثلي المسلمين {رأي العين} أي بالحزر والتخمين، لا بحقيقة العدد، هذا أقل ما يجوزونه فيهم، وقد كانوا ثلاثة أمثالهم ومع ذلك فجزاهم الله على مصادمتهم ونصرهم عليهم، أو يرى الكفار المسلمين مثلي الكفار مع كونهم على الثلث من عدتهم، كما هو المشهور في الآثار تأييداً من الله سبحانه وتعالى لأوليائه ليرعب الأعداء فينهزموا، أو يرى الكفار المسلمين ضعفي عدد المسلمين ـ قال الحرالي: لتقع الإراءة على صدقهم في موجود الإسلام الظاهر والإيمان الباطن، فكان كل واحد منهم بما هو مسلم ذاتاً، وبما هو مؤمن ذاتاً، فالمؤمن المسلم ضعفان أبداً{أية : فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين}تفسير : [الأنفال:66] وذلك بما أن الكافر ظاهر لا باطن له فكان ذات عين، لا ذات قلب له، فكان المؤمن ضعفه، فوقعت الإراءة للفئة المؤمنة على ما هي عليه شهادة من الله سبحانه وتعالى بثبات إسلامهم وإيمانهم، وكان ذلك أدنى الإراءة لمزيد موجود الفئة المقاتلة في سبيل الله بمقدار الضعف الذي هو أقل الزيادة الصحيحة، وأما بالحقيقة فإن التام الدين بما هو مسلم مؤمن صاحب يقين إنما هو بالحقيقة عشر تام نظير موجود الوجود الكامل، فهو عشر ذوات بما هو صاحب يقين ودين{أية : إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين}تفسير : [الأنفال:65] انتهى. وهذا التقليل والتكثير واقع بحسب أول القتال وآخره، وقبل اللقاء وبعده، لما أراد الله سبحانه وتعالى من الحكم كما في آية الأنفال، والمعنى: إنا فاعلون بكم أيها الكفارعلى أيديهم ما فعلناه بأولئك، وقد كانوا قائلين أعظم من مقالاتكم، فلم تغن عنهم كثرتهم شيئاً، ولا شدة شكيمتهم ونخوتهم فإن الله سبحانه وتعالى ولي المؤمنين لطيبهم {أية : قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث}تفسير : [المائدة:100]. ولما كان التقدير: فنصر الله سبحانه وتعالى الفئة القليلة،عطف عليه قوله: {والله} أي الذي له الأمر كله {يؤيد} والأيد تضعيف القوة الباطنة {بنصره} قال الحرالي: والنصر لا يكون إلا لمحق، وإنما يكون لغير المحق الظفر والانتقام انتهى. {من يشاء} أي فلا عجب فيه في التحقيق، فلذلك اتصل به قوله: {إن في ذلك} أي الأمر الباهر، وفي أداة البعد ـ كما قال الحرالي ـ إشارة بعد إلى محل علو الآية {لعبرة} قال: هي المجاوزة من عدوة دنيا إلى عدوة قصوى، ومن علم أدنى إلى علم أعلى، ففي لفظها بشرى بما ينالون من ورائها مما هو أعظم منها إلى غاية العبرة العظمى من الغلبة الخاتمة التي عندها تضع الحرب أوزارها, حيث يكون من أهل الكمال بعدد أهل بدر ثلاثمائة ثلاثة عشر، فهو غاية العبرة لمن له بصر نافذ ونظر جامع بين البداية والخاتمة {أية : كما بدأنا أول خلق نعيده}تفسير : [الأنبياء: 104] - انتهى. {لأولي الأبصار *} أي يصيرون بها من حال إلى أشرف منها في قدرة الله وعظمته وفعله بالاختيار. قال الحرالي: أول موقع العين على الصورة نظر، ومعرفة خبرتها الحسية بصر، ونفوذه إلى حقيقتها رؤية، فالبصر متوسط بين النظر والرؤية كما قال سبحانه وتعالى: {أية : وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون}تفسير : [الأعراف: 198] فالعبرة هي المرتبة الأولى لأولي الأبصار الذين يبصرون الأواخر بالأوائل، فأعظم غلبة بطشه في الابتداء غلبة بدر، وأعظمها في الانتهاء الغلبة الخاتمة التي لا حرب وراءها، التي تكون بالشام في آخر الزمان - انتهى. ولما علم بهذا أن الذي وقف بهم عن الإيمان من الأموال والأولاد وسائر المتاع إنما هو شهوات وعرض زائل، لا يؤثره على اتباع ما شرعه الملك إلا من انسلخ من صفات البشر إلى طور البهائم التي لا تعرف إلا الشهوات، وختم ذلك بذكر آية الفئتين كان كأنه قيل: الآية العلامة، ومن شأنها الظهور، فما حجبها عنهم؟ فقيل: تزيين الشهوات لمن دنت همته. وقال الحرالي: لما أظهر سبحانه وتعالى في هذه السورة ما أظهره بقاء لعلن قيوميته من تنزيل الكتاب الجامع الأول، وإنزال الكتب الثلاثة: إنزال التوراة بما أنشاء عليه قومها من وضع رغبتهم ورهبتهم في أمر الدنيا، فكان وعيدهم فيها ووعدهم على إقامة ما فيها إنما هو برغبة في الدنيا ورهبتها، لأن كل أمة تدعى لنحو ما جبلت عليه من رغبة ورهبة، فمن مجبول على رغبة ورهبة في أمر الدنيا، ومن مجبول على ما هو من نحو ذلك في أمر الآخرة, ومن مفطور على ما هو من غير ذلك من أمر الله، فيرد خطاب كل أمة وينزل عليها كتابها من نحو ما جبلت عليه، فكان كتاب التوراة كتاب رجاء ورغبة وخوف ورهبة في موجود الدنيا، وكان كتاب الإنجيل كتاب دعوة إلى مكلوت الآخرة، وكانا متقابلين، بينهما ملابسة، لم يفصل أمرهما فرقان واضح، فكثر فيهما الاشتباه، فأنزل الله تعالى الفرقان لرفع لبس ما فيهما فأبان فيه المحكم والمتشابه من منزل الوحي، وكما أبان فيه فرقان الوحي أبان فيه أيضاً فرقان الخلق وما اشتبه من أمر الدنيا والآخرة ووام التبس على أهل الدنيا من أمر الخلق بلوائح آيات الحق عليهم، فتبين في الفرقان محكم الوحي من متشابهه، ومحكم الخلق من متشابهه وكان متشابه الخلق هو المزين من متاع الدنيا، ومحكم الخلق هو المحقق من دوام خلق الآخرة، فاطلع نجم هذه الآية لإنارة غلس ما بنى عليه أمر التوراة من إثبات أمر الدنيا لهم وعداً ووعيداً، لتكون هذه الآية تطئة لتحقيق صرف النهي عن مد اليد والبصر إلى ما متع به أهلها، فأنبأ تعالى أن متاع الدنيا أمر مزين، لا حقيقة لزينته ولا حسن لما وراء زخرفه فقال: {زين للناس} فأبهم المزين لترجع إليه ألسنة التزيين مما كانت في رتبة علو أو دنو، وفي إناطة التزيين بالناس دون الذين آمنوا ومن فوقهم إيضاح لنزول سنهم في أسنان القلوب وأنهم ملوك الدنيا وأتباعهم ورؤساء القبائل وأتباعهم الذين هم أهل الدنيا {حب الشهوات} جمع شهوة، وهي نزوع النفس إلى محسوس لا تتمالك عنه - انتهى. وفي هذا الكلام إعلام بأن الذي وقع عليه التزين الحب، لا الشيء المحبوب، فصار اللازم لأهل الدنيا إنما هو محبة الأمر الكلي من هذه المسميات وربما إذا تشخص في الجزئيات لم تكن تلك الجزئيات محبوبة لهم، وفيه تحريك لهمم أهل الفرقان إلى العلو عن رتبة الناس الذين أكثرهم لا يعلمون ولا يشكرون ولا يعقلون، ثم بين ذلك بما هو محط القصد كله، وآخر العمل من حيث إن الأعلق بالنفس حب أنثاها التي هي منها {أية : خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها} تفسير : [النساء: 1] فقال: {من النساء} أي المبتدئة منهن، وأتبعه ما هو منه أيضاً وهو بينه وبين الأنثى فقال: {والبنين} قال الحرالي: وأخفى فتنة النساء بالرجال ستراً لهن، كما أخفى أمر حواء في ذكر المعصية لآدم حيث قال: {أية : وعصى آدم ربه}تفسير : [طه:121] فأخفاهن لما في ستر الحرم من الكرم، والله سبحانه وتعالى حي كريم - انتهى. ثم أتبع ذلك ما يكمل به أمره فقال: {والقناطير} قال الحرالي: جمع قنطار، يقال: هو مائة رطل ويقال: إن الرطل اثنتا عشرة أوقية، والأوقية أربعون درهماً، والدرهم خمسون حبة وخمساً من حب الشعير، وأحقه أن يكون من شعير المدينة {المقنطرة} أي المضاعفة مرات - انتهى. ثم بينها بقوله: {من الذهب والفضة} ثم أتبعها الزينة الظاهرة التي هي أكبر الأسباب في تحصيل الأموال فقال: {والخيل} قال الحرالي: اسم جمع لهذا الجنس المجبول على هذا الاختيال لما خلق له من الاعتزاز به وقوة المنة في الافتراس عليه الذي منه سمي واحدة فرساً {المسومة} أي المعلمة بأعلام هي سمتها وسيماها التي تشتهر بها جودتها، من السومة - بضم السين، وهي العلامة التي تجعل على الشاة لتعرف بها، وأصل السوم بالفتح الإرسال للرعي مكتفي في المرسل بعلامات تعرف بها نسبتها لمن تتوفر الدواعي للحفيظة عليها من أجله من الواقع عليها من الخاص والعام، فهي مسومة بسيمة تعرف بها جودتها ونسبتها {والأنعام} وهي جمع نعم، وهي الماشية فيها إبل، والإبل واحدها، فإذا خلت منها الإبل لم يجر على الماشية اسم نعم - انتهى. وقال في القاموس: النعم - وقد تسكن عينه - الإبل والشياء جمع أنعام، وجمع جمعه أناعيم. وقال القزاز في جامعه: النعم اسم يلزم الإبل خاصة، وربما دخل في النعم سائر المال، وجمع النعم أنعام، وقد ذكر بعض اللغويين أن النعم في الإبل خاصة، فإذا قلت: الأنعام - دخل فيها البقر والغنم، قال: وإن أفردت الإبل والغنم لم يقل فيها نعم ولا أنعام. وقال قوم: النعم والأنعام بمعنى، وقال في المجمل: والأنعام البهائم، وقال الفارابي في ديوان الأدب: والنعم واحد الأنعام، وأكثر ما يقع هذا الاسم على الإبل. ولما ذكر هذه الأعيان التي زين حبها في نفسها أتبعها ما يطلب لأجل تحصيلها أو تنيتها وتكثيرها فقال: {والحرث}. ولما فصلها وختمها بما هو مثل الدنيا في البداية والنهاية والإعادة أجمل الخبر عن ثمرتها وبيان حقيقتها فقال: {ذلك} أي ما ذكر من الشهوات المفسر بهذه الأعيان تأكيداً لتخسيسه البعيد من إخلاد ذوي الهمم إليه ليقطعهم عن الدار الباقية. وقال الحرالي: الإشارة إلى بعده عن حد التقريب إلى حضرة الجنة انتهى. {متاع الحياة الدنيا} أي التي هي مع دناءتها إلى فناء. قال الحرالي: جعل سبحانه وتعالى ما أحاط به حس النظر العاجل من موجود العادل أدنى، فافهم أن ما أنبأ به على سبيل السمع أعلى، فجعل تعالى من أمر اشتباه كتاب الكون المرئي به وذكر المشهود أن عجل محسوس العين وحمل على تركه وقبض اليد بالورع والقلب بالحب عنه، وأخر مشهود مسموع الأذن من الآخرة وأنبأ بالصدق عنه ونبه بالآيات عليه ليؤثر المؤمن مسمعه على منظره، كما آثر الناس منظرهم على مسمعهم، حرض لسان الشرع على ترك الدنيا والرغبة في الأخرى، فأبت الأنفس وقبلت قلوب وهيم لسان الشعر في زينة الدنيا فقبلته الأنفس ولم تسلم القلوب منه إلا بالعصمة، فلسان الحق يصرف إلى حق الآخرة ولسان الخلق يصرفه إلى زينة الدنيا، فأنبا سبحانه وتعالى أن ما في الدنيا متاع، والمتاع ما ليس له بقاء، وهو في نفسه خسيس خساسة الجيفة انتهى. ثم أتبع ذلك سبحانه وتعالى حالاً من فاعل معنى الإشارة لقال: {والله} الذي بيده كل شيء، ويجوز أن يكون عطفاً على ما تقديره: وهو سوء المبدأ في هذا الذهاب إلى غاية الحياة، والله {عنده حسن المآب *} قال الحرالي: مفعل من الأوب وهو الرجوع إلى ما منه كان الذهاب انتهى. فأرشد هذا الخطاب اللطيف كل من ينصح نفسه إلى منافرة هذا العرض الخسيس بأنه إن حصل له يعرض عنه بأن يكون في يده، لا في قلبه فلا يفرح به بحيث يشغله عن الخير، بل يجعل عوناً على الطاعة وأنه إن منع منه لا يتأسف عليه لتحقق زواله ولرجاء الأول إلى ما عند خالقه الذي ترك ذلك لأجله. ولما ذكر سبحانه وتعالى ما أوجب الإعراض عن هذا العرض فكان السامع جديراً بأن يقول فعلاً أقبل؟ أمر سبحانه وتعالى أقرب الخلق إليه وأعزهم لديه بجوابه لتكون البشارة داعية إلى حبه فقال: {قل} أي لمن فيه قابلية الإقبال إلينا، ولما أجرى سبحانه وتعالى هذه البشارة على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم لتقوم الحجة على العباد بحاله كما تقوم بمقاله من حيث إنه لا يدعو إلى شيء إلا كان أول فاعل له، ولا ينهى عن شيء إلا كان أول تارك له، لإيثاره الغائب المسموع من بناء الآخرة على العاجل المشهود من أثر الدنيا كما قال صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله تعالى عنه حين أشفق عليه من تأثير رمال السرير في جنبه فذكر ما فيه فارس والروم من النعيم: "حديث : أو في شك أنت يا ابن الخطاب؟ أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ "تفسير : شوق إليها بالاستفهام في قوله: {أؤنبئكم بخير من ذلكم} أي الذي ذكر من الشهوات، وعظمه بأداة البعد وميم الجمع لعظمته عندهم والزيادة في التعظيم ما يرشد إليه، ثم استأنف بيان هذا الخير بقوله: {للذين اتقوا} أي اتصفوا بالتقوى فكان مما أثمر لهم اتصافهم بها أن أعرضوا عن هذه الشهوات من حيث إنها شهوات وجعلوها عبادات واقية لهم من عذاب ربهم، فتلذذوا بالنساء لا لمجرد الشهوة بل لغض البصر من الجانبين وابتغاء ما كتب لهم من الولد إنفاذاً لمراد ربهم من تكثير خلائفهم في الأرض للإصلاح، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : تناكحوا تناسلوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة "تفسير : ونحو ذلك, وفرحوا بالبنين لا لمجرد المكاثرة بل لتعليمهم العلم وحملهم على الذكر والجهاد والشكر وأنواع السعي في رضى السيد، وحازوا النقدين لا للكنز، بل للإنفاق في سبيل الخيرات، وربطوا للجهاد، لا للفخر والرئاسة على العباد بل لقمع أولياء الشيطان ورفع أولياء الرحمن المسلتزم لظهور الإيمان، كما بين النبي صلى الله عليه وسلم متشابه اقتنائها فقال: " حديث : وهي لرجل أجر ولرجل ستر وعلى رجل وزر" تفسير : ثم عظم سبحانه وتعالى ما لهم بقوله مرغباً بلفت القول إلى وصف الإحسان المقتضي لتربية الصدقات وغيرها من الأعمال الصالحات: {عند ربهم} أي المحسن إليهم بلباس التقوى الموجب لإيثارهم الآخرة على الدنيا، وقوله: {جنّات} مرفوع بالابتداء، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف إذا كان وللذين، متعلقاً بخير، ثم وصفها بقوله: {تجري من تحتها الأنهار} أي أن ماءها غير مجلوب، بل كل مكان منها متهيىء لأن ينبع منه ماء يجري لتثبت بهجتها وتدوم زهرتها ونضرتها، ثم أشار بقوله: {خالدين فيها} إلى أنها هي المشتملة على جميع الإحسان المغنية عن الحرث والأنعام، وأن ذلك على وجه لا انقطاع له. قال الحرالي: وفي معنى لفظ الخلود إعلام بسكون الأنفس إليها لما فيها من موافقتها ـ انتهى. ولعله إنما خص من بين ما تقدم من الشهوات ذكر النسوان في قوله: {وأزواج} لأنها أعظم المشتهيات، ولا يكمل التلذذ بها إلا بحصول جميع ما يتوقف ذلك عليه، فصار ذكرهن على سبيل الامتنان من القادر كناية عن جميع ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين. ولما كانت التقوى حاملة على تطهير الأنفس من أوضار الأدناس من الأوصاف السيئة وكان الوصف بالمفرد أدل على أنهن في أصل الطهارة كأنهن نفس واحدة قال عادلاً عما هو الأولى من الوصف بالجمع لجمع من يعقل: {مطهرة} لأنهن مقتبسات من أنفسهم {أية : خلق لكم من أنفسكم أزواجاً}تفسير : [الروم:31]. ولما ذكر حظ البدن قرر لذة هذا النعيم بما للروح، وزاده من الأضعاف المضاعفة ما لا حد له بقوله: {ورضوان} قال الحرالي: بكسر الراء وضمها، اسم مبالغة في معنى الرضى، وهو على عبرة امتلاء بما تعرب عنه الألف والنون وتشعر ضمة رائه بظاهر إشباعه، وكسرتها بباطن إحاطته - انتهى. ولما جرى وعد الجنات على اسم الربوبية الناظر إلى الإحسان بالتربية فخم أمر هذا الجزاء وأعلاه على ذلك بنوطه بالاسم الأعظم فقال: {من الله} أي المحيط بصفات الكمال. ولما كان شاملاً لجميعهم وكان ربما ظن أنهم فيه متساوون أشار إلى التفاوت بقوله مظهراً في موضع الإضمار إشارة إلى الإطلاق عن التقييد بحيثية ما: {والله} أي الذي له الحكمة البالغة {بصير بالعباد} أي بنياتهم ومقادير ما يستحقونه بها على حسب إخلاصها، وبغير ذلك من أعمالهم وأقوالهم وسائر أحوالهم.
ابو السعود
تفسير : {قَدْ كَانَ لَكُمْ} جوابُ قسمٍ محذوفٍ وهو من تمام القول المأمور به جيء به لتقرير مضمونِ ما قبله وتحقيقِه، والخطابُ لليهود أيضاً والظرف خبر كان على أنها ناقصة ولتوسطه بـينها وبـين اسمها تُرك التأنيث كما في قوله: [البسيط] شعر : إن أمراً غرّه منكن واحدةٌ بعدي وبعدك في الدنيا لمغرورُ تفسير : على أن التأنيث هٰهنا غير حقيقي أو هو متعلق بكان على أنها تامة وإنما قدم على فاعلها لما مر مراراً من الاعتناء بما قُدّم والتشويق إلى ما أُخِّر أي والله قد كان لكم أيها المغترون بعددهم وعُدَدهم {ءَايَةٌ} عظيمة دالة على صدق ما أقول لكم إنكم ستُغلبون {فِي فِئَتَيْنِ} أي فرقتين أو جماعتين فإن المغلوبة منهما كانت مدلة بكثرتها معجبة بعزتها وقد لقِيَها ما لقيها فسيصيبُكم ما يصيبكم، ومحلُ الظرف الرفعُ على أنه صفة لآيةٌ وقيل: النصب على خبرية كان والظرف الأول متعلق بمحذوف من آية {ٱلْتَقَتَا} في حيز الجر على أنه صفة فئتين أي تلاقتا بالقتال يوم بدر {فِئَةٌ} بالرفع خبرُ مبتدإٍ محذوف أي إحداهما فئة كما في قوله: [الطويل] شعر : إذا متّ كان الناسُ حزبـين: شامتٌ وآخَرُ مُثنٍ بالذي كنت أصنعُ تفسير : أي أحدهما شامت والآخر مثنٍ وقولِه: شعر : حتى إذا ما استقلّ النجمُ في غلَسٍ وغودر البقلُ ملويٌّ ومحصودُ تفسير : والجملة مع ما عطف عليها مستأنفةٌ لتقرير ما في الفئتين من الآية وقوله تعالى: {تُقَـٰتِلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} في محل الرفع على أنه صفةُ {فِئَةٌ} كأنه قيل: فئة مؤمنة ولكن ذُكر مكانه من أحكام الإيمان ما يليقُ بالمقام مدحاً لهم واعتداداً بقتالهم وإيذاناً بأنه المدارُ في تحقق الآية وهي رؤية القليل كثيراً وقرىء يقاتل على تأويل الفئة بالقوم أو الفريق {وَأُخْرَىٰ} نعت لمبتدأ محذوف معطوف على ما حذف من الجملة الأولى أي وفئة أخرى وإنما نكرت والقياس تعريفها كقرينتها لوضوح أن التفريق لنفس المثنى المقدم ذكره وعدم الحاجة إلى التعريف وقوله تعالى: {كَافِرَةٌ} خبرُ المبتدأ المحذوف وإنما لم توصف هذه الفئة بما يقابل صفة الفئة الأولى إسقاطاً لقتالهم عن درجة الاعتبار وإيذاناً بأنهم لم يتصدَّوْا للقتال لما اعتراهم من الرعب والهيبة وقيل: كلٌّ من المتعاطِفَين بدل من الضمير في {ٱلْتَقَتَا} وما بعدهما صفة فلا بد من ضمير محذوفٍ عائدٍ إلى المبدل منه مسوِّغٍ لوصف البدل بالجملة العارية عن ضميره أي فئةٌ منهما تقاتل الخ وفئة أخرى كافرة، ويجوز أن يكون كلٌّ منهما مبتدأً وما بعدهما خبراً، وقيل: كل منهما مبتدأ محذوف الخبر أي منمهما فئة تقاتل الخ وقرىء فئةٍ بالجر على البدلية من فئتين بدلَ بعض من كل وقد مر أنه لا بد من ضمير عائد إلى المبدل منه ويسمى بدلاً تفصيلياً كما في قول كثير عزة: [الطويل] شعر : وكنت كذي رِجلين رِجلٍ صحيحة ورجلٍ رمى فيها الزمانُ فَشُّلَّت تفسير : وقرىء فئة الخ بالنصب على المدح أو على الحالية من ضمير التقتا كأنه قيل: التقتا مؤمنةً وكافرةً فيكون {فِئَةٌ} و{أُخْرَىٰ} توطئةً لما هو الحال حقيقة إذ المقصودُ بالذكر وصْفاهما كما في قولك: جاءني زيد رجلاً صالحاً. {يَرَوْنَهُمْ} أي يري الفئةُ الأخيرةُ الفئةُ الأولى، وإيثارُ صيغة الجمعِ للدلالة على شمول الرؤيةِ لكل واحدٍ واحدٍ من آحاد الفئة، والجملةُ في محل الرفع على أنها صفةٌ للفئة الأخيرة أو مستأنفة مبـيّنةٌ لكيفية الآية {مّثْلَيْهِمْ} أي مثليْ عددِ الرائين ألفين إذا كانوا قريباً من ألف. كانوا تسعمائةٍ وخمسين مقاتلاً رأسَهم عُتْبةُ بنُ ربـيعةَ بنِ عَبْد شَمْس وفيهم أبو سفيانَ وأبو جهلٍ وكان فيهم من الخيل والإبل مائةُ فرسٍ وسبعُمائة بعير ومن أصناف الأسلحة عددٌ لا يحصى، عن محمد بن أبـي الفرات عن سعد بن أوس أنه قال: أسرَ المشركون رجلاً من المسلمين فسألوه كم كنتم؟ قال: ثلثُمائةٍ وبضعةَ عشرَ قالوا: ما كنا نراكم إلا تُضعِفون علينا، أو مثلي عددِ المرئيّـين أي ستَّمائةٍ ونيفاً وعشرين حيث كانوا ثلثمائة وثلاثةَ عشرَ رجلاً سبعةٌ وسبعون رجلاً من المهاجرين ومائتان وستة وثلاثون من الأنصار رضوانُ الله تعالى عليهم أجمعين وكان صاحبَ رايةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرين عليُّ بن أبـي طالب رضي الله عنه وصاحبَ راية الأنصار سعدُ بن عبادة الخزرجي وكان في العسكر تسعون بعيراً وفَرَسان أحدُهما للمِقداد بن عَمْرو والآخر لمَرْثَد بن أبـي مَرْثَد وستُّ أدرع وثمانيةُ سيوف وجميع من استُشهد يومئذ من المسلمين أربعةَ عشرَ رجلاً ستةٌ من المهاجرين وثمانية من الأنصار رضوان الله تعالى عليهم أجمعين أراهم الله عز وجل كذلك مع قِلتهم ليَهابوهم ويَجبُنوا عن قتالهم مدداً لهم منه سبحانه كما أمدهم بالملائكة عليهم السلام وكان ذلك عند التقاء الفئتين بعد أن قلَّلَهم في أعينهم عند ترائيهما ليجترئوا عليهم ولا يهرُبوا من أول الأمر حين ينجيهم الهرب، وقيل: يري الفئةُ الأولى الفئةُ الأخيرةَ مثليْ أنفسِهم مع كونهم ثلاثةَ أمثالِهم ليثبُتوا ويطمئنوا بالنصر الموعود في قوله تعالى: {أية : فَإِن يَكُن مّنكُمْ مّاْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ} تفسير : [الأنفال، الآية 66] والأول هو الأولى لأن رؤية المِثلين غيرُ متعيّنةٍ من جانب المؤمنين بل قد وقعت رؤيةُ المثل بل أقلَّ منه أيضاً فإنه روي أن ابن مسعود رضي الله عنه قال: نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يُضعِفون علينا ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلاً واحداً ثم قلّلهم الله تعالى أيضاً في أعينهم حتى رأوهم عدداً يسيراً أقلَّ من أنفسهم. قال ابن مسعود رضي الله عنه: لقد قُلِّلوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لرجل إلى جنبـي: تراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة، فأسرنا منهم رجلاً فقلنا: كم كنتم؟ قال: ألفاً، فلو أريد رؤية المؤمنين المشركين أقلَّ من عددهم في نفس الأمر كما في سورة الأنفال لكانت رؤيتُهم إياهم أقلَّ من أنفسهم أحقَّ بالذكر في كونهم آيةً من رؤيتهم مِثلَيهم على أن إبانةَ آثارِ قُدرةِ الله تعالى وحكمتِه للكفرة بإراءتهم القليلَ كثيراً والضعيفَ قوياً وإلقاءِ الرعب في قلوبهم بسبب ذلك أدخلُ في كونها آيةً لهم وحجةً عليهم وأقربَ إلى اعتراف المخاطبـين بذلك لكثرة مخالطتِهم الكفرةَ المشاهدين للحال وكذا تعلقُ الفعل بالفاعل أشد من تعلقه بالمفعول، فجعلُ أقربِ المذكورَين السابقَين فاعلاً وأبعدِهما مفعولاً سواءٌ جعلُ الجملة صفةً أو مستأنفة أولى من العكس هذا ما تقضيه جزالةُ التنزيلِ على قراءة الجُمهور، ولا ينبغي جعلُ الخطاب لمشركي مكة كما قيل أما إن جُعل الوعيد عبارةً عن هزيمة بدر كما صرحوا به فظاهرٌ لا خفاء فيه وأما إن جُعل عبارةً عن هزيمة أخرى فلأن الفئةَ التي شاهدت تلك الآيةَ الهائلة هم المخاطبون حينئذ بالتعبـير عنهم بفئة مُبهمةٍ تارة وموصوفةٍ أخرى ثم إسنادُ المشاهدة إليها مع كون إسنادها إلى المخاطبـين أوقعُ في إلزام الحجة وأدخلُ في التبكيت مما لا داعي إليه، وبهذا يتبـين سرُّ جعلِ الخطابِ الثاني للمؤمنين، وأما قراءة ترونهم بتاء الخطاب فظاهرُها وإن اقتضى توجيهَ الخطابِ الثاني إلى المشركين لكنه ليس بنص في ذلك لأنه وإن اندفع به المحذورُ الأخيرُ فالأولُ باقٍ بحاله فلعل رؤية المشركين نزلت منزلةَ رؤيةِ اليهود لما بـينهم من الاتحاد في الكفر والاتفاق في الكلمة لا سيما بعد ما وقع بـينهم بواسطة كعب بن الأشرف من العهد والميثاق، فأُسندت الرؤيةُ إليهم مبالغةً في البـيان وتحقيقاً لعُروض مثلِ تلك الحالة لهم فتدبر. وقيل: المرادُ جميعُ الكفرة ولا ريب في صحته وسَداده، وقرىء يُرَونهم وتُرَونهم على البناء للمفعول من الإراءة أي يُريهم أو يريكم الله تعالى كذلك{رَأْىَ ٱلْعَيْنِ} مصدر مؤكدٌ ليَرَوْنهم إن كانت الرؤية بصريةً، أو مصدر تشبـيهيّ إن كانت قلبـية أي رؤيةً ظاهرة مكشوفةً جارية مَجرىٰ رؤية العين {وَٱللَّهُ يُؤَيّدُ} أي يقوي {بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء} أي يؤيده من غير توسيط الأسباب العادية كما أيد الفئةَ المقاتلة في سبـيله بما ذكر من النصر وهو تمام القول المأمور به {إِنَّ فِى ذَلِكَ} إشارةٌ إلى ما ذكر من رؤية القليل كثيراً المستتبعةِ لغَلَبة القليل العديمِ العُدة على الكثير الشاكي السلاحِ، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببُعد منزلةِ المشار إليه في الفضل {لَعِبْرَةً} العبرة فِعلة من العبور كالرِّكبة من الركوب والجِلْسة من الجلوس والمرادُ بها الاتعاظ فإنه نوعٌ من العبور أي لعبرةً عظيمة كائنة {لأُوْلِى ٱلأبْصَـٰرِ} لذوي العقولِ والبصائر وقيل: لمن أبصرهم، وهو إما من تمام الكلام الداخلِ تحت القول مقرِّر لما قبله بطريق التذيـيل وإما واردٌ من جهته تعالى تصديقاً لمقالته عليه الصلاة والسلام.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ} [الآية: 13]. قال القاسم: يُوفق من يشاءُ من عبادهِ للزوم السُّنَّةِ وترك البدعة.
القشيري
تفسير : إذا أراد اللهُ إمضاءَ أمرٍ قلَّل الكثير في أعين قوم، وكثَّر القليل في أعين قوم، وإذا لبَّس على بصيرة قوم لم ينفعهم نفاذ أبصارهم، وإذا فتح أسرار آخرين فلا يضرهم انسداد بصائرهم.
البقلي
تفسير : {وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ} حتى يجاهد نفسه على شرائط السنة من يشاء من خواص عباده وايضاً البس اولياؤه انوار هيتبته ليفرق الشيطان بها عن اسرار مراقباتهم وقيل يوفق من يشاء من عباده للزوم السنة وترك البدعة.
اسماعيل حقي
تفسير : {قد كان لكم} جواب قسم محذوف وهو من تمام القول المأمور به اى والله قد كان لكم ايها اليهود المغتربون بعددهم وعددهم {آية} عظيمة دالة على صدق ما اقول لكم انكم ستغلبون {فى فئتين} اى جماعتين فان المغلوبة منهما كانت مدلة بكثرتها معجبة بعزتها وقد لقيها ما لقيها فسيصيبكم ما يصيبكم {التقتا} اى تلاقيا بالقتال يوم بدر {فئة} خبر مبتدا محذوف اى احدهما فئة {تقاتل} تجاهد {فى سبيل الله} وهم لا كثرة فيهم ولا شوكة وهم اصحاب محمد صلى الله عليه وسلم {واخرى} اى وفئة اخرى {كافرة} بالله ورسوله {يرونهم} اى ترى الفئة الاخيرة الكافرة الفئة الاولى المؤمنة والجملة صفة للفئة الاخيرة {مثليهم} اى مثلى عدد الرائين قريبا من الف كانوا تسعمائة وخمسين مقاتلا راسهم عتبة من ربيعة بن عبد شمس وفيهم ابو سفيان وابو جهل وكان فيهم من الخيل والابل مائة فرس وسبعمائة بعير ومن اصناف الاسلحة عدد لا يحصى. وعن سعد بن اوس انه قال اسر المشركون رجلا من المسلمين فسالوه كم كنتم قال ثلاثمائة وبضعة عشر قالوا ما كنا نراكم الا تضعفون علينا أو مثل عدد المرئيين اى ستمائة ونيفا وعشرين حيث كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا سبعة وسبعون رجلا من المهاجرين ومائتان وستة وثلاثون من الانصار رضى الله عنهم وكان صاحب راية النبى صلى الله عليه وسلم والمهاجرين على بن ابى طالب رضى الله تعالى عنه وصاحب راية الانصار سعد بن عبادة الخزرجى رضى الله عنه وكان فى العسكر تسعون بعيرا وفرسان احدهما للمقداد بن عمرو والآخر لمرثد بن بى مرثد وست ادرع وثمانية سيوف وجميع من استشهد يومئذ من المسلمين اربعة عشر رجلا ستة من المهاجرين وثمانية من الانصار اراهم الله عز وجل كذلك مع قلتهم ليهابوهم ويتجنبوا عن قتالهم مددا لهم منه سبحانه كما امدهم بالملائكة عليهم السلام. فان قلت فهذا مناقض لقوله فى سورة الانفال {أية : ويقللكم فى أعينهم} تفسير : [الأنفال: 44]. قلت قللهم اولا فى اعينهم حتى اجترأوا عليهم فلما لاقوهم كثروا فى اعينهم حتى غلبوا فكان التقليل والتكثير فى حالين مختلفين وتقليلهم تارة وتكثيرهم اخرى ابلغ فى القدرة واظهار الآية {رأى العين} نصب على المصدر يعنى رؤية ظاهرة مكشوفة لالبس فيها معاينة كسائر المعاينات {والله يؤيد} اى يقوى {بنصره من يشاء} اى يريد من غير توسيط الاسباب العادية كما ايد الفئة المقاتلة في سبيله بما ذكر من النصر وهو من تمام القول المأمور به {ان فى ذلك} اشارة الى ما ذكر من رؤية القليل كثيرا المستتبعة لغلبة القليل العديم العدة على الكثير الشاكى السلاح {لعبرة} من العبور كالجلسة من الجلوس والمراد بها الاتعاظ فانه نوع من العبور اى لعبرة عظيمة كائنة {لاولى الابصار} لذوى العقول والبصائر. فعلى العاقل ان يعتبر بالآيات ولا يغتر بكثرة الاعداد من الاموال والاولاد وعدم اجتهاده لمعاده فان الله يمتعه قليلا ثم يضطره الى عذاب غليظ. واعلم ان المبتلى بالكفر مغلوب الحكم الازلى بالشقاوة ثم مغلوب الهوى والنفس والشيطان ولذات الدنيا فغلبات الهوى والنفس ترد الى اسفل سافلين الطبيعة فيعيش فيها ثم يموت على ما عاش فيه ويحشر على ما مات عليه فى قعر جهنم وبئس المهاد فانه مهده فى معاشه والنار ناران نار الله ونار الجحيم فاما نار الله فهى نار حسرة القطيعة عن الله فيها يعذب قلوب المحجوبين عن الله كقوله تعالى {أية : نار الله الموقدة التي تتطلع على الأفئدة}تفسير : [الهمزة: 6-7]. واما نار الجحيم فهى نار الشهوات والمعاملات على الغفلات من المخالفات فهى تحرق قشور الجلود كما قال تعالى {أية : كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزاً حكيماً}تفسير : [النساء: 56]. ولا يتخلص من هذه النار إلا لب القلوب وان عذاب حرقة الجلد بالنسبة الى عذاب حرقة القلوب كنسيم الحياة وسموم الممات فلا بد من تزكية النفس فانها سبب للخلاص من عذاب الفرقة. قيل لبعضهم بم يتخلص العبد من نفسه قال بربه انتهى فاذا اراد الله ان ينصر عبده على ما طلب منه امده بجنود الانوار فكلما اعترته ظلمة قام لها نور فاذهبها وقطع عنه مواد الظلم والأغيار فلم يبق للهوى مجال ولا للشهوة والاخلاق الذميمة مقال ولا قال فالنور جند القلب كما ان الظلمة جند النفس والمراد بالنور حقائق ما يستفاد من معانى الاسماء والصفات وبالظلمة معانى ما يستفاد من الهوى والعوائد الردئية قال تعالى {أية : إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها}تفسير : [النمل 34]. اى غيروا حالها عما هى عليه وكذلك اذا وردت الواردات الربانية على القلوب الممتلئة اخرجت منها كل صفة ردئية وكستها كل خلق زكية فهذه الدولة انما تنال بترك الدنيا والعقبى فكيف يمتلىء بالأنوار قلب من خالط الاغيار واحب المال والاولاد ولم يخف من رب العباد * وقدم على الاستاذ ابى على الدقاق رحمه الله فقير وعليه مسح وقلنسوة فقال له بعض اصحابه بكم اشتريت هذا المسح على وجه المطايبة فقال اشتريته بالدنيا فطلب منى بالآخرة فلم ابعه. قال ابو بكر الوراق رحمه الله طوبى للفقراء فى الدنيا والآخرة فسألوه عنه فقال لا يطلب السلطان منه فى الدنيا الخراج ولا الجبار فى الآخرة الحساب شعر : قناعت سر افرازد اى مرد هوش سرير طمع برنيايد زدوش كر آزاداه برزمين خسب وبس مكن بهر مالى زمين بوس كس تفسير : حققنا الله واياكم بحقتئق التوحيد.
الطوسي
تفسير : القراءة، والحجة: قرأ أهل المدينة، وأبان عن عاصم، وابن شاهي عن حفص "ترونهم" بالتاء الباقون بالياء. من قرأ بالياء، فلأن الخطاب لليهود والخبر عن غيرهم ممن حضر بدراً. ومن قرأ بالتاء وجه الخطاب إلى الجميع. اللغة، والمعنى، والاعراب: الآية: العلامة، والدلالة على صدق النبي (صلى الله عليه وسلم). والفئة الفرقة من فأوت رأسه بالسيف إذا فلقته. وقال ابن عباس: ها هنا هم المؤمنون من أهل بدر ومشركوا قريش، وبه قال الحسن، ومجاهد. وقوله: {فئة} يحتمل ثلاثة أوجه من الاعراب: الرفع على الاستئناف بتقدير منهم فئة كذا، وأخرى كذا. ويجوز الجر على البدل. ويجوز النصب على الحال كقول كثير: شعر : وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ورجل رمى فيها الزمان فشلت تفسير : أنشد بالرفع والجر وقال ابن مفرغ: شعر : وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ورجل رماها صائب الحدثان فأما التي صحت فأزد شنوءة وأما التي شلت فأزد عمان تفسير : وقال آخر: شعر : إذا مت كان الناس نصفين شامت وآخر مثن بالذي كنت أصنع تفسير : ولا يجوز أن تقول مررت بثلاثة صريع وجريح بالجر، لأنه لم يستوف العدة ولكن يجوز بالرفع على تقدير منهم صريع ومنهم جريح. فان قلت: مرررت بثلاثة صريع، وجريح، وسليم، جاز فيه الرفع والجر، فان زدت فيه اقتتلوا جاز فيه الأوجه الثلاثة. ولم يقرأ إلا بالرفع. المعنى: وقال ابن مسعود، والحسن: الفئة: المسلمة هي التي كانت ترى الكافرة مثليهم. وقال السدي: رأى المشركون المسلمين مثل عددهم، لأنهم كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر فرأوهم أضعاف ذلك. وهذا يحتمل على قراءة من قرأ بالياء، فأما من قرأ بالتاء، فلا يحتمل ذلك إلا أن يكون الخطاب لليهود الذين ما حضروا وهم المعنيون بقوله: {مثل الذين كفروا} وهم يهود بني قينقاع فكأنه قيل لهم ترون المشركين مثلي المسلمين مع أن الله ظفرهم بهم، فلا تغتروا بكثرتكم. واختار البلخي هذا الوجه واختلفوا في عدة المشركين يوم بدر، فروي عن علي (ع) وابن مسعود أنهم كانوا الفاً. وقال عروة بن الزبير، وقتادة، والربيع كانوا بين تسعمائة إلى الالف وأما عدة المسلمين، فثلاثمائة وبضعة عشر في قول قتادة، والربيع، وأكثر المفسرين. وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع). ومعنى "يرونهم مثليهم" يحتمل وجوهاً أحدها - ما روي عن ابن مسعود، وغيره من أهل العلم أن الله قلل المشركين يوم بدر في أعين المسلمين لتقوى قلوبهم فرأوهم مثلي عدتهم. وقال الفراء يحتمل ثلاثة أمثالهم كما يقول القائل إلى الف واحتاج إلى مثليه أي مضافاً إليه لا بمعنى بدلا منه، فكذلك ترونهم مثليهم مضافاً إليهم فذلك ثلاثة أمثالهم، وأنكر هذا الوجه الزجاج، لمخالفته لظاهر الكلام. وما جاء في الآية الأخرى في الانفال من تقليل الاعداد. فان قيل كيف يصح تقليل الاعداد مع حصول الرؤية وارتفاع الموانع وهل هذا إلا ما تقوله المجبرة من أنه يجوز أن يكون بحضرتنا أشياء تدرك بعضها دون بعض بحسب ما يفعل فينا من الادراك وهذا عندنا سفسطة تقليل في المشاهدات؟ قلنا: يحتمل أن يكون التقليل في أعين المؤمنين بأن يظنونهم قليلي العدد، لأنهم أدركوا بعضهم دون بعض، لأن العلم بما يدركه الانسان جملة غير العلم بما يدركه مفصلا، ولهذا: إذا رأينا جيشاً كبيراً أو جمعاً عظيما ندرك جميعهم، ونتبين أطرافهم ومع هذا نشك في أعدادهم حتى يقع الخلف بين الناس في حزر عددهم، فعلى هذا يكون تأويل الآية. وقد ذكر الفراء عن ابن عباس أنه قال: رأى المسلمون المشركين مثليهم في الحزر بستمائة وكان المشركون سبعمائة وخمسين. فأما قوله في الأنفال: {أية : وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلاً ويقللكم في أعينهم}تفسير : فلا ينافي هذا لأن هذه آية للمسلمين أخبرهم بها وتلك آية لأهل الكفر حجة عليهم. على أنك تقول في الكلام إني لأرى كثيركم قليلاً أي تهونون على لأني أرى الثلاثة اثنين ذكره الفراء، وهو جيد. وقيل: الوجه في تقليل الكفار في أعين المؤمنين أن يكون أقوى لقلوب المؤمنين، فلا يفزعوا، ولا يفشلوا، ويتجرأوا على قتالهم. والوجه في تقليل المؤمنين في أعين الكفار إذا رأوهم قليلين استهانوا بهم واستحقروهم فلم يأخذوا إهبتهم ولم يستعدوا كل الاستعداد فيظفر بهم المؤمنون، وهو جيد أيضاً. وقال البلخي إنما قال مثليهم وهم كانوا ثلاثة أمثالهم لأنه أقام الحجة عليهم بأنهم وإن كانواثلاثة أمثالهم فلم يخرجوا من أن يكونوا مثليهم. والمعتمد ما قلناه أولا. اللغة والمعنى: وقوله: {والله يؤيد بنصره من يشاء} فالأيد القوة ومنه قوله: {أية : داود ذا الأيد}تفسير : وتقول: ادته أئيده أيداً، كقولك بعته أبيعه بيعاًَ بمعنى قويته. وأيدته أؤيده تأييداً. والنصر: المعونة على الاعداء، وهو على وجهين: نصر بالغلبة، ونصر بالحجة، ولو هزم قوم من المؤمنين، لجاز أن يقال: هم المنصورون بالحجة ومحمودوا العاقبة، وان سر عدوهم بظفر العاجل. والآية التي ذكرها الله تعالى كانت في الفئتين من وجهين: أحدهما - غلبة القليل العدد في نفسه للكثير في ذلك بخلاف ما تجري به العادة بما أمدهم الله به من الملائكة وقوّى به نفوسهم من تقليل العدة. والثاني - بالوعد المتقدم بالغلبة لاحدى الطائفتين لا محالة. وقوله: {إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار} معناه لأولي العقول، كما يقال له بصر بالأمور، وليس المراد بالابصار الحواس التي يشترك فيها سائر الحيوان. والعبرة الآية تقول: اعتبرت بالشيء عبرة واعتباراً والعبور: النفوذ عبرت النهر أعبره عبوراً: إذا قطعته. والمعبرة: السفينة التي يعبر فيها. والعبارة الكلام، يعبر بالمعنى إلى المخاطب، فالعبارة تفسير الرؤيا. والتعبير وزن الدنانير، وغيرها. والعبرة: الدمعة من العين. وأصل الباب العبور النفوذ.
الجنابذي
تفسير : {قَدْ كَانَ لَكُمْ} ايّها اليهود او مطلق الكفّار او مطلق النّاس من المسلمين والكفّار {آيَةٌ} علامة دالّة على صدق محمّد (ص) فى رسالته {فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا} ببدرٍ {فِئَةٌ} قليلة عددهم ثلاثمائة وثلاثة عشر {تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ} كثيرة عددهم قريب من الالف وهم مشركوا مكّة {يَرَوْنَهُمْ} الفاعل راجع الى الفئة المسلمة او الكافرة والمفعول امّا راجع الى مرجع الفاعل او الى مقابله وهكذا ضمير قوله تعالى {مِّثْلَيْهِمْ} راجع الى مرجع الفاعل او مقابله والكلّ صحيح بحسب المعنى وبحسب اللّفظ فانّ المسلمين رأوا المشركين قليلين ليجترؤا عليهم ولعلّهم رأوهم قبل الغزو كثيرين ليلتجئوا الى الله ولا يتّكلوا على عددهم وقوّتهم، والمشركين رأوا المسلمين قليلين قبل الغزو ليقدموا على المقاتلة ثمّ رأوهم كثيرين حين الغزو ليجنبوا ويهزموا {رَأْيَ ٱلْعَيْنِ} لا رأى الخيال {وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ إِنَّ فِي ذٰلِكَ} التّقليل والتكثير والغلبة من القليل على الكثير {لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ} المدركة من الاشياء ما يعتبرون به ولمّا صار المقام مقام ان يسأل ما كان سبب توقّف النّاس عن القبول بعد وضوح الآيات اجاب بانّه { زُيِّنَ لِلنَّاسِ}.
الأعقم
تفسير : {قد كان لكم آية في فئتين التقتا} نزلت في قصة بدر والخطاب لمشركي قريش، وقيل: إلى اليهود وكان عدد المشركين ألفاً عن علي (عليه السلام) وابن مسعود، وأما عدد المسلمين فثلاثمائة وبضع عشرة، وقيل: ثلاثة عشر على عدد أصحاب طالوت، تسعة وتسعين من المهاجرين والباقي من الأنصار، وصاحب راية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمير المؤمنين وسيد الوصيّين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وصاحب راية الأنصار سعد بن عَبادة، وكان في الجيش سبعون بعيراً وفرسان، فرس للمقداد، وفرس لمرثد بن أبي مرثد، وستة أدرع، وثمانية سيوف. وكان رئيس المشركين عتبة بن ربيعة، وهو أول مشهد شهده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من المدينة وخروجه يلتقي عير أبي سفيان، فبعث أبو سفيان إلى مكة يعلمهم بذلك، فخرجوا والتقوا ببدر، وشهد الوقعة الملائكة وحاربوا ولم يحاربوا غيرها، وشهدها من مؤمني الجن سبعون نبياً، وحضر في عسكر الكفار ابليس نعوذ بالله منه ومعه سبعون ألفاً، وكان الذي قتل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سبعين رجلاً من المشركين وأسر منهم سبعين رجلاً {يرونهم مثليهم رأي العين} أي قريباً من العين، أو مثلي عدد المسلمين ستمائة ونيفاً وعشرين أراهم الله إياهم مع قلّتهم أضعافهم ليهابوهم، وكان ذلك إمداداً لهم من الله تعالى كما أمدّهم بالملائكة، وقيل: ترون يا مشركي قريش المسلمين كمثلي فئتكم الكافرة أو مثلي أنفسهم، قوله تعالى: {زين للناس حب الشهوات} المزين الله تعالى للابتلاء كقوله تعالى: {أية : إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها} تفسير : [الكهف: 7] ويدل عليه قراءة مجاهد زين للناس على تسمية الفاعل، وعن الحسن المزين هو الشيطان، قيل: كان أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في فقر وشدة والكفار في غنى وسعة، فنزلت الآية تسلية لهم، وإن ما أعد لهم خير مما أعطي هؤلاء، فرتب تعالى هذه الأشياء على وفق ما يعلمه من الترتيب قال تعالى: {حبّ الشهوات من النساء} ثم {والبنين} {والقناطير المقنطرة} جمع قنطار، والقنطار ألف دينار، أو اثني عشر ألف درهم، وقيل: ألف ومائتا أوقيَّة، وقيل: ملء مسك ثور ذهباً أو فضة ثم: {والخيل المسومة} المعلمة، ثم {والأنعام} ثم {والحرث} الزرع، فرتبها الله تعالى على منازلها في قلوب خلقه الأزواج الثمانية. {الصابرين} على الطاعة وعن المعصيَّة {والصادقين} في أفعالهم وأقوالهم واعتقادهم في السرّ والعلانية {والقانتين} قيل: المطيعين، وقيل: الدائم على العبادة، وقيل: القنوت القيام بالواجب على التمام {والمنفقين} المؤَدون الزكاة، قيل: في السر {والمستغفرين بالأسحار} قيل: هم المصلّون وقت السحر، وقيل: السائلون المغفرة، وقيل: المصلّون الفجر جماعات، روي أن داوود (عليه السلام) سأل جبريل (عليه السلام): أي الليل أفضل؟ فقال: لا أدري إلا أن العرش يهتز عند السحر.
اطفيش
تفسير : {قَدْ كَانَ لَكُم آيةٌ فى فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا}: يوم بدر، فئة المؤمنين وفئة المشركين، والخطاب لقريش، كما يدل له كلام ابن عباس أو لليهود. وقال ابن مسعود والحسن: للمؤمنين، وجملة {الْتَقَتَا} نعت فئتين، ولم يقل: كانت بالتاء للفصل، ولكون التأنيث غير حقيق، ولكن خبر كان وفى فئتين متعلق بـ "كان"، أو نعت لـ "آية"، ويجوز تعليق "لكم" بـ "كان" فيكون فى {فِئَتَيْنِ} خبر لـ "كان". {فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِى سَبِيلِ اللهِ}: دينه، وهم النبى صلى الله عليه وسلم، والمؤمنون، ومسوغ الابتداء التفضيل، وكونها فاعلا معنى. {وَأُخْرَى كَافِرَةٌ}: تقاتل فى سبيل الشيطان، كما دل عليه لفظ كافرة كما أن أصل قوله تعالى {فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِى سَبِيلِ اللهِ} فئة مؤمنة، فحذف مؤمنة ودل عليهِ قوله {فِى سَبِيلِ اللهِ} فحذف من كل واحد، مقابل ما ذكر فى الآخر، وسمى السيوطى ذلك: احتباكاً، وقرىء بنصب فئة، وأخرى كافرة على الحال من الفاعل التقتا، أو على الاختصاص، وبالجر على البداية المطابقة، بحسب المعطوف من فئتين. {يَرَوْنَهُمْ}: أيها المسلمون. {مِثْلَيْهِمْ}: أى مثلى المسلمين، أى ترون يا مسلمون المشركين مثلى المسلمين، والخطاب لنحو ثلاثة من المسلمين، أى ثلاثة كانوا يرون المشركين مثلى جملة المسلمين التى منهم هؤلاء الثلاثة، أو نحوهم. ويجوز أن يكون الأصل: ترونهم مثليكم، فعدل عن الخطاب، وعلى الوجهين فالحكمة فى رؤيتهم مثليهم مع أنهم ثلاثة أمثال المسلمين. وقيل: مثلاهم، فقط ليستشعروا الوعد فى قوله تعالى: {أية : إن تكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين.. }تفسير : الآية، فإنه وعد بالنصر. قيل: كان المشركون قريباً من ألف، أو مثلى عدد المؤمنين، والمؤمنون ثلثمائة وثلاثة عشر، وفيهم سبعون بعيراً، وفرسان: أحدهما للمقداد بن عمرو وآخر لزيد بن أبى مرثد، وستة أدرع، وثمانية سيوف. سبعة وسبعون رجلا من المهاجرين، ومائتان وستة وثلاثون رجلا من الأنصار، وراية المهاجرين مع على، وراية الأنصار مع سعد بن عبادة، وكان المشركون تسعمائة وخمسين رجلا، ورأسهم عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وفيهم مائة فرس، وسبعمائة بعير، وتلك وقعة بدر وهى أول مشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإذا قيل: إن المشركين ثلاثة أمثال المؤمنين، فمعنى قول الله مثليهم أن المشركين زادوا عليهم بمثليهم، كما تقول: نحتاج إلى مثلى هذا الدرهم، فيكون لنا ثلاثة أو أظهر الله للمؤمنين مثليهم فقط، وأخفى ثلثاً آخر، وأظهر من الملائكة للمؤمنين معهم عدداً يكون المشركون معه مثلى المؤمنين فقط قلل الله المؤمنين فى أعين المشركين ليثبتوا طامعين فى أن يغلبوا المؤمنين، وقللهم فى أعين المؤمنين، لتقوى قلوبهم. عن ابن مسعود رأيناهم يضعفون علينا كما فى آية آل عمران. ثم رأيناهم يزيدون علينا رجلا واحدا، وذلك بإظهار الملائكة للمؤمنين، أو بإخفاء المشركين، وقال: لقد قللوا فى أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبى: تراهم سبعين، قال: أراهم مائة، فأسرنا منهم رجلا فقلنا: كم أنتم؟. قال: ألفاً أو ذلك مواطن، تارة يرون مثليهم، وتارة مثلهم مثل أن يقللوا فى أعين المشركين، قبل القتال، ثم يكثروا فى أعينهم عند القتال، وقيل: الخطاب لليهود، أى ترون أيها اليهود المسلمين مثلى المشركين، أو ترون المشركين مثلى المسلمين، فالهاء الأولى - كما ترى - للمسلمين، والثانية للمشركين، وبالعكس. وكان اليهود حضروا القتال ليروا على من تكون الدائرة، وكذا حضر جماعة من العرب على جبل، وأبسط القصة فى غير هذه السورة، فكان ذلك معجزة، إذ رأوا المسلمين نصف المشركين، ومع ذلك غلبوا المشركين، أو إذ رأوا المسلمين مثلى المشركين، ومع ذلك كان المشركون أكثر من مثلى المسلمين، فأراكهم الله إياهم مثل ما أراهم أنهم أكثر من المشركين حال القتال، ويجوز أن يكون الخطاب لمشركى العرب، بقصد ثلاثة، أى ثلاثة كانوا فأكثر، أى: ترون المشركين الذين أنتم منهم مثلى المسلمين قبل القتال، أو ترون المسلمين مثلى المشركين عند القتال، وقرأ غير نافع ويعقوب: {يَرَوْنَهْم} بتحتية أى يرى المشركون المؤمنين عند القتال مثليهم، أى: مثلى المشركين، أو يرىالمشركون أنفسهم مثلى المؤمنين قبل القتال، أو الواو للمسلمين أو لليهود على حد ما مر، وقرأ ابن مصرف: {ترونهم} بالمثناة، وبالتحتية والبناء للمفعول فيهما، والفاعل هو الله، ومرح الخطاب والغيبة فيهما - على حد ما مر - ويجوز على البناء للمفعول أن يكون المعنى تظنونهم أو يظنونهم. {رَأْىَ العَيْنِ} مفعول مطلق، إما على البناء للفاعل، فلا إشكال، وإما على البناء للمفعول فى {ترونهم}، أو {يَرَوْنَهْم} لأن الفعل على البناء للمفعول، من أرى المتعدى لاثنين، إذ تعدى بالهمزة الأول نائب فاعل، والثانى الهاء الأولى، وإما على البناء للفاعل، فلواحد هو الهاء، ومثلى على كل حال، هو حال ومعنى رأى العين: رؤية ظاهرة، منكشفة لا لبس فيها، ويجوز أن يكون المعنى: رؤية العين، لا رؤية الحقيقة، لأنهم فى الحقيقة على غير ما يرونهم. {والله يُؤَيِّدُ}: أى يقوى. {بِنَصْرهِ مَنْ يَشَاءُ}: نصره كما أيد بنصره أهل بدر. {إنّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرةً لأُولى الأَبْصَارِ}: أى إن فى ذلك التقليل والتكثير، أو وقوع الأمر على ما أخبر به الرسول، صلى الله عليه وسلم، أو المذكور من غلبة القليل العدد، والعدة، على الكثير العدد والعدة، أو المذكور من الوقعة، لاشتمالها على ذلك، تعظة لأولى البصائر، بصائر القلوب إلى آخر الدهر، أو لذوى العيون المشاهدين للوقعة بأعينهم، وأصل العبرة: العبور الذى هو النفوذ من جانب لآخر، وإن ذلك موصل لمن اتعظ به إلى مراده، أو من الجهل إلى العلم، قال المحدث الأندلسى أبو عمرو ابن عبد البر بسنده إلى معاذ بن جبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : تعلموا العلم فان تعليمهُ لله خشية، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنهُ جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، لأنهُ معالم الحلال والحرام، ومنار سبل أهل الجنة، وهو الأنيس فى الوحشة، والصاحب فى الغربة، والمحدث فى الخلوة، والدليل فى السراء والضراء، والسلاح على الأعداء، والزين عند الأخلاء، ويرفع الله به أقواماً فيجعلهم للخير قادة، وأئمة تقتص آثارهم، ويقتدى بأفعالهم، وينتهى إلى رأيهم، وترغب الملائكة فى خلتهم، وبأجنحتها تمسحهم، ويستغفر لهم كل رطب ويابس، وحيتان البحر وهوامه، وسباع البر وأنعامه، لأن العلم حياة القلوب من الجهل، ومصابح الأبصار من الظلم، يبلغ العبد بالعلم منازل الأخيار، والدرجات العلى فى الدنيا والآخرة، والفكر فيه يعدل الصيام، ومدارسته تعدل القيام، به توصل الأرحام، وبه يعرف الحلال من الحرام، هو أمام العمل، والعمل تابعه، يلهمه السعداء، ويحرمه الأشقياء ". تفسير : قيل: ومن علامة نور العلم إذا حَلَّ بالقلب: المعرفة، والمراقبة، والحياء والتوبة، والورع، والزهد، والتوكل، والصبر، والرضى، والأنس، والمجاهدة، والصمت، والخوف، والرجاء، والقناعة وذكر الموت.
اطفيش
تفسير : {قَدْ كَانَ لكُمْ} أيها الكفار مطلقا، أو يهود المدينة القائلون، لا يغرنك أن قتلت نفراً...الخ، وذلك مستأنف، أو من القول المذكور في الآية، أو يا أيها المؤمنون، فيكون مستأنفا لكن لم يتقدم ذكرهم {ءايَةٌ} عبرة أو دلالة على صدق ما قلت لكم، ستغلبون، أفلا تعتبرون فتؤمنوا، وثباتا للمؤمنين على الإيمان وزيادة، لأن ذلك معجرة {فِى فِئَتْينِ الْتَقَتمَا} يوم بدر للقتال {فِئَةٌ} مؤمنة {تُقْاتِلُ فِى سَبِيلِ اللهِ} لم يقل فئة مؤمنه كما قال وأخرى كافرة رمزا لهم بما يليق بالمقام، ولأن إخلاص القتال في الله ما هو إلا نتيجة الإيمان، وهم النبى وأصحابه، سبعة وسبعون من المهاجرين، رأيتهم مع على، ومائتان وستة وثلاثون من الأنصار، رأيتهم مع سعد بن عبادة، استشهد من المهاجرين ستة، ومن الأنصار ثمانية، ومعهم فرس للمقداد بن عمر، وفرس لمرثد بن أبى مرثد، وسبعون بعيرا يتعاقبون عليها وسبعة أذرع، وثمانية أسيف، وبسطت ذلك في هميان الزاد، وأشد البسط في شرحى على نونية المديح، وسميت الجماعة فئة لأنه يفاء إليها عند الشدة، أى يرجع {وَأُخْرَى كَافِرَةٌ} بالله، تقاتل في سبيل الشيطان، رئيسهم عتبة بن ربيعة، وفيهم أبو جهل، ولم يذكرهم بالقتال لضعف قتالهم، للذل، وأنه كلا قتال في عدم النفع {يَرَوْنَهُم} الخطاب للمسلمين الذين لم يحضروا بدراً والهاء للمشركين الحاضرين {مِّثْلَيْهِمْ} الهاء للمسلمين الحاضرين بدراً، والرؤية علمية، شبهت برؤية البصر، كما قال {رَأْيَ الْعَيْنِ} أو الهاء، أن للمسلمين الحاضرين على طريق الالتفات إلى الغيبة، والأصل مثلكم، وهو جائز ولو في جلمة واحدة، أو ترونكم أيها المشركون، أى ترون أنفسكم، فاغتاب فى موضع الخطاب، أى مثلى المسلمين، والرؤية فى الوجهين بصرية؛ والخطاب للمشركين الحاضرين ولم يقتلوا، أو اليهود، أو لهم ولسائر المشركين الذين لم يحضروا فالرؤية علمية، وقد قيل: حضر اليهود ولم يقاتلوا فالرؤية بصرية، وقد مر أن المسلمين ثلاثمائة وثلاث عشر، فالمشركون ستمائة وستة وعشرون، وعن الفراء مثليهم معهم، فهم ثلاثمائة وثلاث عشر ثلاث مرات، ومع رؤية المسلمين أنفسهم أو المشركين واليهود، أن المسلمين نصف المشركين، كان المسلمون غالبين، فاعتبروا أيها اليهود والمشركون وآمنوا ويأيها المؤمنون وازدادوا إيمانا، وشهد أن المشركين نحو ألف، فنقول ازداد المشركون بعد الرؤية، أو أراهم الله إياهم فى عدد أكثر مما هم عليه، وأقل مما المشركون عليه في نفس الأمر، أو أراد بالمثلين مطلق الكثرة، وقد قلل الله الكفار فى أعين المسلمين كأنهم مائة أو سبعون مع أنهم ألف أو أكثر، أو تسعمائة وخمسون، معهم مائة فارس وسبعمائة بعير وسلاح ودروع لا تحصى، لئلا يجبنوا، وعن سعيد بن أوس، أنه أَسر المشركون مسلما، فسألوه، كم أنتم؟ فقال: ثلاثمائة، وبضعة عشر قالوا: ما نراكم إلا تضعفون علينا، وأَرادوا أَلفا وتسعمائة، وهو المراد من مثليهم، كذا قيل، وعن ابن مسعود، رأيناهم يضعغون علينا، ثم رأيناهم ما زادوا علينا رجلا واحدا، ثم قلت لرجل إلى جنبى، تراهم سبعين، قال، مائة، وقلنا لأسير، كم أنتم؟ قال، ألف، وقلل عز وجل المسلمين في أعين الكفار، ليقوموا ويلتحم القتال، ولما التحم أراهم أن المشركين مثلاهم، وزادهم الله قوة، فقاوموهم، وهم كالثلث من المشركين، وقد كلفوا أن يقاوم مسلم عشرة رجال من الكفار، ثم خفف إلى واحد لاثنين، ووعدهم، أن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين {وَاللهُ يُؤيِّدُ} يقوى {بنَصْرِهِ مَن يَشَآء} نصره، كما أيد أهل بدر وغلبوا أضعافهم، وبنصر من يشاء ولو بدون أسباب عادية {إنَّ فِى ذَلِكَ} أى فيما ذكر من رؤية القليل كثيرا، وغلبة قليل السلاح وضعيفه لكثيره وقويه، المعلومة من قوله، {يؤيد بنصره من يشاء}، ورأى العين مفعول مطلق، والرؤية الأولى بصرية أيضا فمثلى حال، أو علمية فرأى العين مفعول مطلق تشبيهى، أى كرأى العين، ومثلى مفعول ثان {لَعِبْرَةً} عظة، من العبور، وهو النفوذ من جانب لأخر، إذ ينتقل عن الجهل إلى العلم بالعظة، تعبيرا بالمحسوس عن المعقول {لأِوْلَِى الأَبْصَارِ} القوات القلبية الموصلة إلى اتباع الحق الشبيهة بأبصار الوجوه الموصلة إلى المصالح أفلا تعتبرون فتؤمنوا، أو بأبصار الوجه، أى لعبرة لمن شاهدهم.
الالوسي
تفسير : {قَدْ كَانَ لَكُمْ } من تتمة القول المأمور به جيء به لتقرير مضمون ما قبله وتحقيقه والخطاب لليهود أيضاً ـ واختاره شيخ الإسلام ـ وذهب إليه البلخي أي قد كان لكم أيها اليهود المغترون بعددهم وعددهم {ءايَةً } أي علامة عظيمة دالة على صدق ما أقول لكم أنكم ـ ستغلبون ـ {فِي فِئَتَيْنِ } أي فرقتين أو جماعتين من الناس كانت المغلوبة منهما مدلة بكثرتها معجبة بعزتها فأصابها ما أصابها {ٱلْتَقَتَا } يوم بدر {فِئَةٌ تُقَـٰتِلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} فهي في أعلى درجات الإيمان ولم يقل مؤمنة مدحاً لهم بما يليق بالمقام ورمزاً إلى الاعتداد بقتالهم، وقرىء ـ يقاتل ـ على تأويل الفئة بالقوم أو الفريق {وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ } بالله تعالى فهي أبعد من أن تقاتل في سبيله وإنما لم توصف بما يقابل صفة الفئة الأولى إسقاطاً لقتالهم عن درجة الاعتبار وإيذاناً بأنه لم يتصدوا له لما عراهم من الهيبة والوجل. و {كَانَ } ناقصة ـ وعليه جمهور المعربين و {ءايَةً } اسمها وترك التأنيث في الفعل لأن المرفوع غير حقيقي التأنيث ولأنه مفصول ولأن الآية والدليل بمعنى، وفي الخبر وجهان: أحدهما {لَكُمْ } و {فِي فِئَتَيْنِ } نعت ـ لآية ـ والثاني أن الخبر هو هذا النعت و {لَكُمْ } متعلق بـ {كَانَ } على رأي من يرى ذلك، وجوز أن يكون {لَكُمْ } في موضع نصب على الحال ـ وقد تقدم مراراً أن وصف النكرة إذا قدم عليها كان حالاً ـ و (التقتا) في حيز الجر نعت ـ لفئتين ـ وفئة خبر لمحذوف أي إحداهما فئة وأخرى نعت لمقدر أي ـ وفئة أخرى ـ والجملة مستأنفة لتقرير ما في الفئتين من الآية، وقيل: فئة وما عطف عليها بدل من الضمير في {ٱلْتَقَتَا } وما بعدهما صفة فلا بد من ضمير محذوف عائد إلى المبدل منه مسوغ لوصف البدل بالجملة العارية عن ضمير أي فئة منهما تقاتل الخ، وجوز أن يكون كل من المتعاطفين مبتدأ وما بعدهما خبر أي فئة منهما تقاتل الخ، ـ فِئة. أخرى كافرة، وقيل: كل منهما مبتدأ محذوف الخبر أي منهما فئة الخ، وقرىء (وأخرى كافرة) ـ بالنصب فيهما وهو على المدح في الأولى والذم في الثاني، وقيل: على الاختصاص، واعترضه أبو حيان بأن المنصوب عليه لا يكون نكرة، وأجيب بأن القائل لم يعن الاختصاص المبوب له في النحو كما في «حديث : نحن معاشر الأنبياء لا نورث» تفسير : وإنما عنى النصب بإضمار فعل لائق وأهل البيان يسمون هذا النحو اختصاصاً ـ كما قاله الحلبـي ـ/ وجوز أن يكونا حالين كأنه قيل: التقتا مؤمنة وكافرة، وفئة وأخرى على هذا توطئة للحال، وقرىء بالجر فيهما على البدلية من (فئتين) بدل بعض من كل والضمير العائد إلى المبدل منه مقدر على نحو ما مر ويسمى بدلاً تفصيلياً كما في قوله:شعر : وكنت كذي رجلين ـ رجل صحيحة ورجل رماها صائب الحدثان تفسير : وقوله سبحانه: {يَرَوْنَهُمْ مّثْلَيْهِمْ } في حيز الرفع صفة للفئة الأخيرة أو مستأنفة مبينة لكيفية الآية. والمراد كما قال السدي: ترى الفئة الأخيرة الكافرة الفئة الأولى المؤمنة مثل عدد الرائين وقد كانوا تسعمائة وخمسين مقاتلاً كلهم شاكو السلاح، وعن علي كرم الله تعالى وجهه، وابن مسعود كانوا ألفاً وسقف بيت حلهم وربطهم عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وفيهم من صناديد قريش ورؤساء الضلال أبو جهل وأبو سفيان وغيرهما، ومن الإبل والخيل سبعمائة بعير ومائة فرس، روى محمد بن الفرات عن سعيد بن أوس أنه قال: أسر المشركون رجلاً من المسلمين فسألوه كم كنتم؟ قال: ثلثمائة وبضعة عشر قالوا: ما كنا نراكم إلا تضعفون علينا وأرادوا ألفاً وتسعمائة ـ وهو المراد من {يَرَوْنَهُمْ مّثْلَيْهِمْ } وزعم الفراء أنه يحتمل إرادة ثلاثة أمثالهم لأنك إذا قلت: عندي ألف وأحتاج إلى مثليها فإنما تريد إلى ألفين مضافين إليها لا بدلاً منها فهم كانوا يرونهم ثلاثة أمثالهم، وأنكر هذا الوجه الزجاج لمخالفته لظاهر الكلام، أو مثلي عدد المرئيين أي ستمائة ونيفاً وعشرين حيث كانوا عدة المرسلين سبعة وسبعون رجلاً من المهاجرين ومائتا وستة وثلاثون من الأنصار وكان صاحب لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرين عليّ الكرار كرم الله تعالى وجهه، وصاحب راية الأنصار سعد بن عبادة وكان معهم من الإبل سبعون بعيراً، ومن الخيل فرسان فرس للمقداد بن عمرو، وفرس لمرثد بن أبـي مرثد، ومن السلاح ست أدرع وثمانية سيوف وكان أكثرهم رجالة، واستشهد منهم يومئذ أربعة عشر رجلاً ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار ـ وقد مرت إليه الإشارة ـ وإنما أراهم الله تعالى كذلك مع أنهم ليسوا كذلك ليهابوهم ويجبنوا عن قتالهم وهو نوع من التأييد والمدد المعنوي وكان ذلك عند تداني الفئتين بعد أن قللهم الله تعالى في أعينهم عند الترائي ليجترءوا عليهم ولا يرهبوا فيهربوا حيث ينفع الهرب، وذهب جماعة من العلماء إلى أن المراد ترى الفئة المؤمنة الفئة الكافرة مثلي أنفسهم مع كونهم ثلاثة أمثالهم ليثبتوا ويطمئنوا بالنصر الموعود في قوله تعالى: {أية : فَإِن يَكُن مّنكُمْ مّاْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ }تفسير : [الأنفال: 66]. قال شيخ الإسلام مولانا مفتي الديار الرومية: والأول: هو أولى لأن رؤية المثلين غير متعينة من جانب المؤمنين بل وقد وقعت رؤية المثل بل أقل منه أيضاً فإنه روي أن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يضعفون علينا ثم نظرنا إليهم فلما رأيناهم يزيدون علينا رجلاً واحداً ثم قللهم الله تعالى أيضاً في أعينهم حتى رأوهم عدداً يسيراً أقل من أنفسهم قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: لقد قللوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لرجل إلى جنبـي: تراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة فأسرنا منهم رجلاً فقلنا كم كنتم؟ قال: ألفاً فلو أريد رؤية المؤمنين المشركين أقل من عددهم في نفس الأمر ـ كما في الأنفال ـ لكانت رؤيتهم إياهم أقل من أنفسهم أحق بالذكر في كونها آية من رؤيتهم مثليهم على أن إبانة آثار قدرة الله تعالى وحكمته للكفرة بإراءتهم القليل كثيراً والضعيف قوياً وإلقاء الرعب في قلوبهم بسبب ذلك أدخل في كونها آية لهم وحجة عليهم وأقرب إلى اعتراف المخاطبين بذلك لكثرة مخالطتهم للكفرة المشاهدين للحال وكذا تعلق الفعل بالفاعل أشد من تعلقه بالمفعول فجعل أقرب المذكورين السابقين فاعلاً وأبعدهما مفعولاً سواء جعل الجملة صفة أو مستأنفة أولى من العكس انتهى. / ويمكن أن يقال من طرف الجمهور الذاهبين إلى أن المراد رؤية المؤمنين المشركين مثلي أنفسهم بأنه التفسير المأثور عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، ولا نسلم أن رؤيتهم إياهم أقل من أنفسهم أحق بالذكر في كونها آية من رؤيتهم مثليهم لجواز أن تكون الآية والعلامة لليهود على أنهم سيغلبون قتال المؤمنين لهؤلاء المشركين وغلبتهم عليهم مع وجود السبب العادي للجبن وهو رؤية المؤمنين إياهم أكثر من أنفسهم وأوفر من عددهم فكأنه قيل: يا معشر اليهود تحققوا قتال المسلمين لكم وغلبتهم عليكم ولا تغتروا بعلمهم بقلتهم وكثرتكم فإنهم يقدمون على قتال من يرونه أكثر منهم عدداً ولا يجبنون ولا يهابون وينتصرون فما ذاك إلا لأن الله تعالى قد ملأ قلوبهم إيماناً وشدة على من خالفهم وأحاطهم بتأييده ونصره ووعدهم الوعد الجميل. لا يقال: إن الأوفق لهذا الغرض أن يرى المؤمنون المشركين على ما هم عليه من كون المشركين ثلاثة أمثالهم أو يرونهم أكثر من ذلك لأن إقدامهم حينئذٍ على قتالهم أدل على سبب الغلبة على اليهود لأنا نقول: نعم الأمر كما ذكر إلا أن هذه الرؤية لوفائها بالمقصود مع تضمنها مدح المؤمنين بالثبات الناشىء من قوة الإيمان بالنصر الموعود آخراً بقوله تعالى: {أية : فَإِن يَكُن مّنكُمْ مّاْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ }تفسير : [الأنفال: 66] اختيرت على ما ليس فيها إلا أمر واحد غير متضمن لذلك المدح المخصوص وعلى هذا لا يحتاج إلى التزام كون التثنية مجازاً عن التكثير كما في قوله تعالى: {أية : ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ }تفسير : [الملك: 4] ولا إلى القول بأن ضمير {مّثْلَيْهِمْ } راجع إلى ـ الفئة ـ الأخيرة أي ترى الفئة المؤمنة الفئة الكافرة مثلي عدد الفئة الكافرة أعني قريباً من ألفين ـ وإن ذهب إلى ذلك البعض ـ ويرد أيضاً على قوله: على أن إبانة الخ بعد تسليم أن الإراءة نفسها كانت هي الآية أن إراءة القليل كثيراً لم تقع لليهود المخاطبين بصدر الآية لتكون إبانة آثار قدرته تعالى بذلك أدخل في كونها آية لهم وحجة عليهم وكون ذلك أقرب لاعترافهم لكثرة مخالطتهم الكفرة الرائين يتوقف على أن الرائين قد أخبروهم بذلك وأنهم صدقوا به ولم يحملوه على أنه خيل لهم لخوفهم بسبب عدم علمهم بالحرب والخائف ـ يخيل إليه أن أشجار البيداء شجعان شاكية، وأسد ضارية ـ وإثبات كل من هذه الأمور صعب على أن فيما روى سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ـ من أن اليهود قالوا له صلى الله عليه وسلم بعد تلك الواقعة: لا يغرنك أنك لقيت قوماً أغماراً لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة ولئن قاتلتنا لعلمت أنا نحن الناس ـ ما يشعر في الجملة بأنهم لو أخبروهم بذلك وصدّقوا لحملوه على نحو ما ذكرنا، وما ذكر من أن تعلق الفعل بالفاعل أشد الخ، فمسلم إلا أنا لا نسلم أنه يستدعي أولوية جعل أول المذكورين السابقين فاعلاً وأبعدهما مفعولاً من العكس مطلقاً بل ذلك إذا لم يكن في العكس معنى لطيف تحسن مراعاته نظراً للمقام ـ وهنا قد كان ذلك ـ لا سيما وقد سبق مدح الفئة الأولى بالمقاتلة في سبيل الله تعالى وعدل عن مدحهم بالإيمان الذي هو الأساس إليه ولا شك أن مقاتلتهم للمشركين مع رؤيتهم إياهم أكثر من أنفسهم ومثليهم أمدح وأمدح كما لا يخفى. وقرأ نافع ويعقوب (ترونهم) بالتاء ـ واستشكلت ـ على تقدير كون الخطاب لليهود بأنهم لم يروا المؤمنين مثلي أنفسهم ولا مثلي الكافرين ولم يروا الكافرين أيضاً مثلي أنفسهم ولا مثلي المؤمنين، وأجيب بأنه يصح أن يقال: إنهم رأوا المؤمنين مثلي أنفسهم أو مثلي الكافرين على سبيل المجاز حيث نزلت رؤية المشركين منزلة رؤيتهم لما بينهم من الاتحاد في الكفر والاتفاق في الكلمة لا سيما بعد ما وقع بينهم بواسطة كعب بن الأشرف من العهد والميثاق فأسندت الرؤية إليهم مبالغة في البيان وتحقيقاً لعروض مثل تلك الحالة لهم، وكذا يصح أن يقال: إنهم رأوا حقيقة الكافرين مثلي المؤمنين، / وتحمل الرؤية على العلم والاعتقاد الناشىء عن الشهرة والتواتر ويلتزم كون الآية لهم قتال المؤمنين الكافرين وغلبة الأولين الآخرين مع كونهم أكثر منهم إلا أنه اقتصر على أقل اللازم ويعلم منه كون قتال المؤمنين وغلبتهم على الفئة الكافرة مع كونها ثلاثة أمثالهم في نفس الأمر المعلوم لهم أيضاً آية من باب أولى. ولما في هذين الجوابين ـ كيفما كان ـ التزم بعضهم كون الخطاب من أول الأمر للمشركين ليتضح أمر هذه القراءة وأوجب عليه أن يكون قوله سبحانه: {قَدْ كَانَ لَكُمْ } خطاباً لهم بعد ذلك ولا يكون داخلاً تحت الأمر بناءاً على أن الوعيد كان بوقعة بدر ولا معنى للاستدلال بها قبل وقوعها، وجعل ذلك داخلاً في مفعول الأمر إلا أنه عبر عن المستقبل بلفظ الماضي لتحقق وقوعه لا يخلو عن شيء، وجعل بعضهم الخطاب في قراءة نافع للمؤمنين والتزم كون الخطاب السابق لهم أيضاً على أنه ابتداء خطاب في معرض الامتنان عليهم بما سبق الوعد به، وقيل: إنه لجميع الكفرة، وقال بعض أئمة التحقيق: القول بأن الخطاب عام للمؤمنين واليهود ومشركي مكة هو الذي يقتضيه المقام لئلا يقتطع الكلام ويقع التذييل بقوله سبحانه: {وَٱللَّهُ يُؤَيّدُ } الخ موقع المسك في الختام، ثم إن من عد التعبير عن جماعة بطريق من الطرق الثلاثة مع التعبير بعد عن البعض بطريق آخر يخالفه منها من الالتفات قال بوجوده في الآية على بعض احتمالاتها، ومن لم يعد ذلك منه كما هو الظاهر أنكر الالتفات فيها وبهذا يجمع بين أقوال الناظرين في الآية من هذه الحيثية واختلافهم في وجود الالتفات وعدمه فيها فأمعن النظر فإنه لمثل هذا المبحث كله يدخر. وقرأ ابن مصرف ـ يرونهم ـ على البناء للمفعول بالياء والتاء أي يريهم الله تعالى ذلك بقدرته. {رَأْيَ ٱلْعَيْنِ } مصدر مؤكد ـ ليرونهم ـ على تقدير جعلها بصرية ـ فمثليهم ـ حينئذٍ حال، ويجوز أن يكون مصدراً تشبيهياً على تقدير جعلها علمية اعتقادية ـ أي رأيا مثل رأي العين ـ فمثليهم حينئذٍ مفعول ثان، وقيل: إن ـ رأى ـ منصوب على الظرفية أي في رأي العين {وَٱللَّهُ } المتصف بصفات الجمال والجلال {يُؤَيّدُ } أي يقوي {بِنَصْرِهِ } أي بعونه، وقيل: بحجته وليس بالقوى {مَن يَشَآء } أن يؤيده من غير توسط الأسباب المعتادة كما أيد الفئة المقاتلة في سبيله وهو من تمام القول المأمور به. {إِنَّ فِى ذَلِكَ } المذكور من النصر، وقيل: من تلك الرؤية {لَعِبْرَةً } أي اتعاظاً ودلالة، وهي فعلة من العبور كالركبة والجلسة وهو التجاوز، ومنه عبرت النهر وسمي الاتعاظ عبرة لأن المتعظ يعبر من الجهل إلى العلم ومن الهلاك إلى النجاة، والتنوين للتعظيم أي عبرة عظيمة كائنة {لأُِوْلِى ٱلأَبْصَـٰرِ } جمع بصر بمعنى بصيرة مجازاً أو بمعناه المعروف أي لذوي العقول والبصائر أو لمن أبصرهم ورآهم بعيني رأسه، وهذه الجملة إما من تمام الكلام الداخل تحت القول مقررة لما قبلها بطريق التذييل وإما واردة من جهته تعالى تصديقاً لمقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا} الآية. ذكر في هذه الآية الكريمة أن وقعة بدر آية أي: علامة على صحة دين الإسلام إذ لو كان غير حق لما غلبت الفئة القليلة الضعيفة المتمسكة به الفئة الكثيرة القوية التي لم تتمسك به. وصرح في موضع آخر أن وقعة بدر بينة أي: لا لبس في الحق معها وذلك في قوله: {أية : لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ}تفسير : [الأنفال: 42]. وصرح أيضاً بأن وقعة بدر فرقان فارق بين الحق والباطل وهو قوله: {أية : وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ} تفسير : [الأنفال: 41] الآية.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 13- لقد كان لكم آية بيِّنة وعبرة ظاهرة فى طائفتين من المحاربين التقتا يوم بدر، إحداهما مؤمنة تحارب لإعلاء كلمة الله ونشر الحق، والأخرى كافرة تحارب فى سبيل الأهواء والشهوات، فكان من تأييد الله للمؤمنين أن جعل الكافرين يرونهم ضعف عددهم الحقيقى، وبذلك وقع الرعب فى قلوب الكفار فانهزموا، والله يمنح نصره لمن يشاء. وإن فى ذلك لعبرة لأصحاب البصائر الرشيدة التى لا تنحرف فى إدراكها عن الحق. 14- إن البشر جبلوا على حب الشهوات التى تتمثل فى النساء والبنين والكثرة من الذهب والفضة، والخيل الحسان المعلَّمة، والأنعام التى منها الإبل والبقر والغنم، وتتمثل أيضاً فى الزرع الكثير. لكن ذلك كله متاع الحياة الدنيا الزائلة الفانية، وهو لا يُعد شيئاً إذا قيس بإحسان الله إلى عباده الذين يجاهدون فى سبيله عند أوبتهم إليه فى الآخرة. 15- قل يا أيها النبى: أأخبركم بما هو خير من ذلك الذى زُيِّن للناس فى الدنيا؟، إن للذين اتقوا ثواباً مضموناً - عند ربهم، هو جنات تجرى من تحت ظلال أشجارها الأنهار، يتمتعون بالحياة الطيبة فيها لا يساورهم خوف من زوال نعيمها إذ كتب لهم الخلود فيها، وأزواج طاهرة نقية من كل ما يشين نساء الدنيا، ورضاء من الله يشعرون فى ظله بنعيم أكبر، والله مطلع على أحوال عباده لا يخفى عليه أمر أو سر من أمورهم وأسرارهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {آيَةٌ} {تُقَاتِلُ} {ٱلأَبْصَارِ} (13) - ثُمَّ حَذَّرَهُمُ اللهُ تَعَالَى وَأنْذَرَهُمْ بَألاَّ يَعْتَرُّوا بِكَثْرَةِ العَدَدِ وَالعُدَّةِ، فَلَهُمْ فِيمَا يُشَاهِدُونَهُ عِبْرَةٌ. فَأمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يَقُولَ لليَهُودِ الذِينَ قَالُوا لَهُ مَا قَالُوا: إنَّ اللهَ مُعِزٌّ دِينَهُ، وَنَاصِرٌ رَسُولَهُ، وَإنَّ الدَّلِيلَ عَلَى ذَلِكَ مَا أظْهَرَهُ اللهُ يَوْمَ بَدْرٍ، إذِ التَقَتْ فِئَتَانِ فِي سَاحَةِ الحَرْبِ فِئةٌ مُؤْمِنَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبيلِ إعلاءِ كَلِمَةِ اللهِ، وَنَصْرِ دِينهِ، (وَهُمُ المُسْلِمُونَ)، وَفِئَةٌ أخْرَى كَافِرَةٌ (وَهُمْ مُشْرِكُو قُرَيشٍ). وَقَدْ أرَى اللهُ تَعَالَى المُشْرِكينَ المُسْلِمِينَ فِي مِثْلَي عَدَدِ المُشْرِكِينَ (أيْ قَرِيباً مِنْ ألْفَي مُقَاتِلٍ) بِصُورَةٍ جَلِيَّةٍ وَاضِحَةٍ، وَهُمْ إنَّما كَانُوا فِي الحقِيقَةِ ثَلاَثَمِئَةٍ وَسَبْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً، وَكَانَ ذَلِكَ إضْعَافاً لِقُلُوبِ المُشْرِكِينَ، وَلِيَهَابُوا المُسْلِمِينَ، وَلِيَجْبُنُوا عَنْ قِتَالِهِمْ، وَكَانَ ذَلِكَ مَدَداً مِنَ اللهِ، كَمَا أمَدَّهُمْ بِالمَلاَئِكَةِ. وَقَدْ أرَى اللهُ المُسْلِمِينَ المُشْرِكِينَ قَلِيلِي العَدَدِ لِيَجْتَرِئُوا عَلَيهِمْ. وَدَارَتِ المَعْرَكَةُ فَانْتَصَرَ جُنْدُ اللهِ، وَأعَزَّ اللهُ دِينَهُ، وَقُتِلَ رُؤوسُ الكُفْرِ. وَفي ذَلِكَ عِبْرَةٌ لأولِي البَصَائِرِ لِيَهْتَدُوا إلى حِكَمِ اللهِ وَأفْعَالِهِ وَقَدَرِهِ الجَارِي بِنَصْرِ عِبَادِهِ المُؤْمِنينَ الذِينَ يَمْتَثِلُونَ لِمَا أوْصَاهُمْ بِهِ رَبُّهُمْ بِقَدَرِ طَاقَتِهِمْ، فَيُقَاتِلُونَ ثَابِتِينَ وَاثقِينَ بِنَصْرِ اللهِ. لَعِبْرَةً - لَعِظَةً وَدَلاَلَةً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وحين يقول الحق: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ} [آل عمران: 13]. فمَنْ المُخَاطَب بهذه الآية؟ لا شك أن المخاطب بهذه الآية كل مَنْ كانت حياته بعد هذه الواقعة، سواء كان مؤمناً أو كافراً، فالمؤمن تؤكد له أن نصر الله يأتي ولو من غير أسباب، والكافر تأتي له الآية بالعبرة في أن الله يخذله ولو بالأسباب، إن الله جعل من تلك الموقعة آية. والآية هي الشيء العجيب أَيْ إن واقعه ونتائجه لا تأتي وَفق المقدمات البشرية. نعم هذا خطاب عام لكل من ينتسب إلى أيِّ فئة من الفئتين المتقاتلين، سواء كانت فئة الإيمان أو فئة الكفر. ففئة الإيمان لكي تفهم أنه ليست الأسباب المادية هي كل شيء في المعركة بين الحق والباطل، لأن لله جنوداً لا يرونها. وكذلك يُخطِّئ هذا الخطاب فئة الكافرين فلا يقولون: إن لنا أسبابنا من عدد وعُدَّة قوية، فقد وقعت المعركة بين الحق والباطل من قبل؛ وقد انتصر الحق. وكلمة "فئة" إذا سمعتها تصورت جماعة من الناس، ولكن لها خصوصيّة؛ فقد توجد جماعة ولكن لكل واحد حركة في الحياة. ولكن حين نسمع كلمة "فئة" فهي تدل على جماعة، وهي بصدد عمل واحد. ففي غير الحرب كل واحد له حركة قد تختلف عن حركة الآخر. ولكن كلمة "فئة" تدل على جماعة من الناس لها حركة واحدة في عمل واحد لغاية واحدة. ولا شك أن الحرب تصور هذه العملية أدق تصوير، بل إن الحرب هي التي تُوَحّد كل فئةٍ في سبيل الحركةِ الواحدة والعمل الواحد للغاية الواحدة؛ لأن كل واحد من أي فئة لا يستطيع أن يحمي نفسه وحده، فكل واحد يفئ ويرجع إلى الجماعة، ولا يستطيع أن ينفصل عن جماعته. ولكن الفرد في حركة الحياة العادية يستطيع أن ينفصل عن جماعته. إذن فكلمة "فئة" تدل على جماعة من الناس في عملية واحدة، وتأتي الكلمة دائماً في الحرب لتصور كل معسكر يواجه آخر. وحين يقول الحق: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا} [آل عمران: 13] أي أن هناك صراعاً بين فئتين، ويوضح الحق ماهية كل فئة فيقول: {فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ} [آل عمران: 13]. وحين ندقق النظر في النص القرآني، نجد أن الحق لم يورد لنا وصف الفئة التي تقاتل في سبيل الله ولم يذكر أنها فئة مؤمنة، وأوضح أن الفئة الأخرى كافرة، وهذا يعني أنّ الفئة التي تقاتل في سبيل الله لابد أن تكون فئة مؤمنة، ولم يورد الحق أن الفئة الكافرة تقاتل في سبيل الشيطان اكتفاء بأن كفرها لابد أن يقودها إلى أن تقاتل في سبيل الشيطان. لقد حذف الحق من وصف الفئة الأولى ما يدل عليه في وصف الفئة الثانية. وعرفنا وصف الفئة التي تقاتل في سبيل الله من مقابلها في الآية وهي الفئة الأخرى. فمقابل الكافرة مؤمنة، وعرفنا - أيضاً - أن الفئة الكافرة إنما تقاتل في سبيل الشيطان لمجرد معرفتنا أن الفئة الأولى المؤمنة تقاتل في سبيل الله. ويسمون ذلك في اللغة "احتباك". وهو أن تحذف من الأول نظير ما أثبت في الثاني، وتحذف من الثاني نظير ما أثبت في الأول، وذلك حتى لا تكرر القول، وحتى توضح الالتحام بين القتال في سبيل الله والإيمان، والقتال في سبيل الشيطان والكفر. إذن فالآية على هذا المعنى توضح لنا الآتي: لقد كان لكم آية، أي أمر عجيب جداً لا يسير ولا يتفق مع منطق الأسباب الواقعية في فئتين، فعندما التقت الفئة المؤمنة في قتال مع الفئة الكافرة، استطاعت الجماعة المؤمنة المحددة بالغاية التي تقاتل من أجلها - وهي القتال في سبيل الله - أن تنتصر على الفئة الكافرة التي تقاتل في سبيل الشيطان. وبعد ذلك يقول الحق: {يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ ٱلْعَيْنِ} [آل عمران: 13] فنحن أمام فئتين، فمن الذي يَرى؟ ومن الذي يُرى؟ ومن الرائي ومن المرئي؟ إن كان الرائي هم المؤمنين فالمرئي هم الكافرون. وإن كان الرائي هم الكافرين فالمرئي هم المؤمنون ولنر الأمر على المعنيين: فإن كان الكافرون هم الذين يرون المؤمنين، فإنهم يرونهم مثليهم؛ أي ضعف عددهم، وكان عدد الكافرين يقرب من ألف. إذن فالكافرون يرون المؤمنين ضعف أنفسهم، أي ألفين. وقد يكون المعنى مؤدياً إلى أن المؤمنين يرون الكافرين ضعف عددهم الفعلي. وقد يؤدى المعنى الى أن الكافرين يرون المؤمنين ضعف عددهم وكان عدد المؤمنين يقرب من ثلاثمائة وأربعة عشر، وضعف هذا العدد هو ستمائة وثمانية وعشرون مقاتلاً. فأن أخذنا معنى "مثليهم" على عدد المؤمنين، فالكافرون يرونهم حوالي ستمائة وثمانية وعشرين مقاتلاً، وإن أخذنا معنى "مثليهم" على عدد الكافرين فالكافرون يرون المؤمنين حوالي ألفين. وما الهدف من ذلك؟ إن الحق سبحانه يتكلم عن المواجهة بين الكفر والإيمان حيث ينصر الله الإيمان على الكفر. وبعض من الذين يتصيدون للقرآن يقولون: كيف يقول القرآن: {يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ ٱلْعَيْنِ} [آل عمران: 13] وهو يقول في موقع آخر:{أية : إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ * وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِيۤ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِيۤ أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ}تفسير : [الأنفال: 43-44]. وهذه الآية تثبت كثرة، سواء كثرة المؤمنين أو كثرة الكافرين، والآية التي نحن بصدد تناولها بالخواطر الإيمانية تثبت قلة، والمشككون في القرآن يقولون: كيف يتناول القرآن موقعة واحدة على أمرين مختلفين؟ ونقول لهؤلاء المشككين: أنتم قليلو الفطنة؛ لأن هناك فرقاً بين الشجاعة في الإقبال على المعركة وبين الروح العملية والمعنوية التي تسيطر على المقاتل أثناء المعركة، والحق سبحانه قد تكلم عن الحالين: قلل الحق هؤلاء في أعين هؤلاء، وقلل هؤلاء في أعين هؤلاء، لأن المؤمنين حين يرون الكافرين قليلاً فإنهم يتزودون بالجرأة وطاقة الإيمان ليحققوا النصر. والكافرون عندما يرون المؤمنين قلة فإنهم يستهينون بهم ويتراخون عند مواجهتهم. ولكن عندما تلتحم المعركة فما الذي يحدث؟ لقد دخلوا جميعاً المعركة على أمل القلة في الأعداد المواجهة، فما الذي يحدث في أعصابهم؟ إن المؤمن يدخل المعركة بالاستعداد المكثف لمواجهة الكفار. وأعصاب الكافر تخور لأن العدد أصبح على غير ما توقع، إذن فقول الحق: {أية : وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِيۤ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِيۤ أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ}تفسير : [الأنفال: 44]. يُصور الحالة قبل المعركة؛ لأن الله لا يريد أن يتهيب طرف من طرف فلا تنشأ المعركة. لكن ما إن تبدأ المعركة حتى يقلب الحق الأمور على عكسها، إنه ينقل الشيء من الضد إلى الضد. ونقل الشيء من الضد إيذان بأن قادراً أعلى يقود المشاعر والأحاسيس، والقدرة العالية تستطيع أن تصنع في المشاعر ما تريد. لقد قلل الحق الأعداد أولاً حتى لا يتهيبوا المعركة، وفي وقت المعركة جعلهم الله كثيراً في أعين بعضهم البعض، فترى كلّ فئةٍ الطرف الآخر كثيراً، فتتفجر طاقات الشجاعة المؤمنة من نفوس المؤمنين فيقبلون على القتال بحماسة، وتخور نفوس الكافرين عندما يواجهون أعداداً أكثر مما يتوقعون. والحق سبحانه وتعالى يقول: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ ٱلْعَيْنِ وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ} [آل عمران: 13]. إن هذه الآية هي خبر تبشيري لكل مؤمن بالنصر، وهي في الوقت نفسه خبر إنذاري لكل كافر بأن الهزيمة سوف تلحق به إن واجه الجماعة المؤمنة. فإياكم أن تقيموا الأمور بمقاييس الأسباب، فالأسباب المطلوبة منكم هي المقدور عليها للبشر وعليكم أن تتركوا تتمة كل ذلك للقدر، فلا تخور الفئة المؤمنة أمام عدد كثير، ولا تغتروا معشر الكفار بأعدادكم الكثيرة؛ فالسابقة أمامكم تؤكد أن عدداً قليلاً من المؤمنين قد غلب عدداً كثيراً من الكافرين. ومن معاني الآية - أيضاً - أن الكافرين يرون المؤمنين مثلي عدد الكافرين، أي ضعف عددهم. ومن معانيها - ثالثاً - أن الكافرين يرون المؤمنين ضعف عدد المؤمنين الفعلي. ومن معاني الآية - رابعاً - أن يرى المسلمون الكافرين مثليهم، أي مثل المؤمنين مرتين، أي ستمائة نفر وقليلاً، وحينئذ يكون عدد الكافرين في عيون المؤمنين أقل من العدد الفعلي لهؤلاء الكافرين. إذن فما حكاية "مثليهم" هذه؟ لقد وعد الله المؤمنين بنصره حين قال:{أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ}تفسير : [الأنفال: 65]. والنسبة هنا أن المؤمن الواحد يخرج إلى عشرة من الكافرين فيهزمهم، ذلك وعد الله، وحين أراد الله التخفيف قال الحق:{أية : ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ}تفسير : [الأنفال: 66]. لقد خفف الله النسبة، فواحد من المؤمنين يغلب اثنين من الكافرين. فالمؤمنون موعودون من الله بالغلبة حتى وهم ضعاف. والحق يقول في الآية المبشرة للمؤمنين، المنذرة للكافرين، والتي نحن بصددها الآن: {وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ} [آل عمران: 13]. ونحن نسمع كلمة "عبرة" كثيراً، والمادة المأخوذة منها تدل على الدخول من مكان إلى مكان، فيقال عن ذلك "عُبور"، ونحن في حياتنا العادية نخصص في الشوارع أماكن لعبور المشاة، أي المسافة التي يمكن للمشاة أن ينفذوا منها من ضفة الشارع إلى الضفة الأخرى من الشارع نفسه. وعبور البحر هو النفاذ من شاطئ إلى شاطئ آخر. إذن فمادة "العبور" تدل على النفاذ من مكان إلى مكان، و"العَبرة" أي الدمعة لأنها تسقط من محلها من العين على الخد. و"العِبارة" أي الجملة التي نتكلم بها، فهي تنتقل من الفم إلى الأذن، وهي عبور أيضاً. و"العبير" أي الرائحة الجميلة التي تنتقل من الوردة البعيدة عن الإنسان قليلاً لتنفذ إلى أنفه. إذن فمادة "العبور" تدل على "النفاذ". وحين يقول الحق: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَعِبْرَةً} [آل عمران: 13]. أي تنقلكم من أمر قد يخيفكم أيها المؤمنون لأنكم قليل، وهم كثير، إنها تنقلكم إلى نصر الله أيها المؤمنون، وتنقلكم أيها الكافرون إلى الهزيمة برغم كثرة عُدتكم وعَددكم. فالعبرة هي حدث ينقلك من شيء إلى شيء مغاير، كالظالم الذي نرى فيه يوماً، ونقول إن ذلك عبرة لنا، أي إنها نقلتنا من رؤيته في الطغيان إلى رؤيته في المهانة. وهكذا تكون العبرة هي العظمة اللافتة والناقلة من حكم إلى حكم قد يستغربه الذهن، فتذييل هذه الآية الكريمة بهذا المعنى هو إيضاح وبيان كامل، فالحق يقول في بداية هذه الآية: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا} [آل عمران: 13] وتنتهي الآية بقوله: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ} [آل عمران: 13]. إذن فالعبرة شيء ينقلنا من أمر إلى أمر قد تستغربه الأسباب وذلك إن كنت متروكا لسياسة نفسك، لكن المؤمن ليس متروكا لسياسة نفسه؛ لأن الله لو أراد أن يعذب الكفار بدون مواجهة المؤمنين وحربهم لعذبهم بدون ذلك، ولكن الله يريد أن يكون عذاب الكافرين بأيدي المؤمنين:{أية : قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ}تفسير : [التوبة: 14]. ولو كان الله يريد أن يعذب الكافرين بغير أيدي المؤمنين لأحدث ظاهرة في الكون تعذبهم، كزلزال يحدث ويدمرهم، ولكن الله يريد أن يعذب الكافرين بأيدي المؤمنين. {وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ} [آل عمران: 13]، و"الأيد" هو القوة، إذن فهو يريد منك فقط النواة العملية، ثم بعد ذلك يكملها الله بالنصر، "وأيَّده" أي قواه، ويؤيد الله بنصره من يشاء، وتكون العبرة لأولي الأبصار. وقد يقول قائل: أتكون العبرة لأولي الأبصار أم لأولي البصائر؟ وهنا نقول: إن العبرة هنا لأولي الأبصار لأن الأمر الذي تتحدث عنه الآية هو أمر مشهدي، أمر محسوس، فمن له عينان عليه أن يبصر بهما، فإذا كان التفكير والتدبير ليس أمراً موهوباً لكل مخلوق من البشر، فإن البصر موجود للغالبية من الناس، وكل منهم يستطيع أن يفتح عينيه ليرى هذا الأمر المشهدي. وإذا ما نظرنا إلى المعركة بذاتها وجدنا الدليل الكامل على صدق العبارة؛ فالمؤمنون قلة وعددهم معروف محدود، وعتادهم قليل، ولم يخرجوا بقصد حرب، إنما خرجوا لقصد الاستيلاء على العير المحملة بالأرزاق من طعام وكسوة تعويضاً عما اغتصبه المشركون من أموالهم في مكة، ولو أنّهم استولوا على العير فقط لما كان النصر عظيما بالدرجة التي كان عليها؛ لأن العِير عادة لا تسير بعتاد ضخم إنما تحفظ بالحراسة فقط. ولكن الله يريد لهم النصر على ذات الشوكة، أي الطائفة القوية المسلحة، لقد وعدهم الله بالنصر على إحدى الطائفتين:{أية : وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [الأنفال: 7]. لقد كان وعد الله أن ينصر المؤمنين على إحدى الطائفتين، والأمل البشرى كان يود الانتصار على طائفة غير ذات الشوكة أي الطائفة غير المسلحة وهي العير، ولكن مثل هذا النصر لا يكون له دَوِيُّ النصر على الطائفة المسلحة، فقد كان من السهل أن يقال: إن محمداً ومن معه تعرضوا لجماعة من التجار لا أسلحة معهم ولا جيش، ولكن الله يريد أن يجعل من هذه المعركة فرقانا وأن يحق الحق. إنكم أيها المؤمنون لم تخرجوا إلاَّ لِقصد العير أي لم يكن استعدادكم كافيا للقتال، أما الكفار فقد جاءوا بالنفير، أي بكل قوتهم فقد ألقت مكة في هذه المعركة بأفلاذ أكبادها. وعندما يأتي النصر من الله للمؤمنين في مثل هذه الموقعة فهو نصر حقيقي، ويكون آية غاية في العجب من آيات الله. وتصير عبرة للغير. لذلك نجد العجائب في هذه المعركة - معركة بدر -. الغرائب أنك تجد الأخوين يكون لكل منهما موقف ومجابهة. وتجد الأب والابن لكل منهما موقف ومجابهة برغم عمق الصلة بينهما، فمثلاً ابن أبي بكر رضي الله عنه، وكان هذا الابن لم يسلم بعد، وكان في جانب الكفار، وأبوه الصديق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد أن أسلم ابن أبي بكر يحكي الابن لأبيه بشيء من الامتنان والبر: لقد تراءيت لي يوم بدر فزويت وجهي عنك. فيرد أبو بكر الرد الإيماني الصدِّيقي: والله لو تراءيت لي أنت لقتلتك. وكلا الموقفين منطقي، لماذا؟ لأن ابن أبي بكر حين يلتقي بأبي بكر، ويرى وجه أبيه، فإنه يقارن بين أبي بكر وبين ماذا؟ إنه يقارن بين أبيه وبين باطل، ويعرف تمام العلم أنه باطل، فيرجح عند ابن أبي بكر أبوه، ولذلك يحافظ على أبيه فلا يلمسه. ولكنَّ أبا بكر الصديق حينما يقارن فهو يقارن بين الإيمان بالله وابنه، ومن المؤكد أن الإيمان يزيد عند الصديق أبي بكر، فلو رآه يوم بدر لقتله. ولله حكمة فيمن قُتل على أيدي المؤمنين من مجرمي الحرب من قريش، ولله حكمة فيمن أبقى من الكفار بغير قتل؛ لأن هؤلاء مدخرون لقضية إيمانية كبرى سوف يبلون فيها البلاء الحسن. فلو مات خالد بن الوليد في وقعة من المواقع التي كان فيها في جانب الكفر لحزنا نحن المسلمين؛ لأن الله قد ادخره لمعارك إيمانية يكون فيها سيف الله المسلول، ولو مات عكرمة لفقدت أمة الإسلام مقاتلاً عبقرياً. لقد حزن المسلمون في موقعة بدر لأنهم لم يقتلوا هؤلاء الفرسان؛ لأنهم لم يعلموا حكمة الله في ادخار هؤلاء المقاتلين؛ لينضموا فيما بعد إلى صفوف الإيمان. والله لم يمكِّن مقاتلي المسلمين يوم بدر من المحاربين الذين كانوا على دين قومهم آنئذٍ إلاّ لأن الله قد ادخرهم لمواقع إيمانية قادمة يقفون فيها، ويحاربون في صفوف المؤمنين، وهذا نصر جديد. ونرى أبا عزيز وهو شقيق الصحابي مصعب بن عمير الذي أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبشر بدين الله، ويعلِّم أهل المدينة، وكان مصعب فتى فريش المدلل صاحب ترف، وأُمُّهُ صاحبة ثراء، وبعد ذلك رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يلبس جلد شاة بعد أن كان يلبس الحرير، فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : انظروا إلى الإيمان ماذا فعل بصاحبكم ". تفسير : والتقى مصعب في المعركة مع أخيه أبي عزيز، وأبو عزيز على الكفر، ومصعب رضي الله عنه مسلم يقف مع النبي صلى الله عليه وسلم، وحين يرى مصعب رضي الله عنه أخاه أبا عزيز وهو أسير لصحابي اسمه أبو اليسر، فيقول مصعب: يا أبا اليسر اشدد على أسيرك؛ فإن أُمَّه غنية وذات متاع، وستفديه بمال كثير. فيقول له أخوه أبو عزيز: أهذه وصاتك بأخيك؟ فيقول مصعب مشيراً إلى أبي اليسر: هذا أخي دونك. كانت هذه هي الروح الإيمانية التي تجعل الفئة القليلة تنتصر على أهل الكفر، طاقة إيمانية ضخمة تتغلب على عاطفة الأخوة، وعاطفة الأبوة، وعاطفة البنوة. وقد جعل الله من موقعة بدر آية حتى لا يخور مؤمن وإن قل عدد المؤمنين، أو قلت عُدَتهم، وحتى لا يغتر كافر، وإن كثر عددُ قومه وعتادهم. وقد جعلها الله آية للصدق الإيماني، ولذلك يقال: احرص على الموت توهب لك الحياة. وقد كانت القضية الإيمانية هي التي تملأ نفس المؤمن، إنَّها قضية عميقة متغلغلة في النفوس. ولماذا يتربص الكفار بالمؤمنين؟ إنهم إن تربصوا بهم، فسيدخل المؤمنون الجنة إن قُتِلوا أو ينتصرون على الكفار، وفي ذلك يقول الحق على لسان المؤمنين:{أية : قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ}تفسير : [التوبة: 52]. فالظفر هنا بأحد أمرين: إما النصر على الكافرين، وإما الاستشهاد في سبيل الله، ونيل منزلة الشهداء في الجنة وكلاهما جميل. والمؤمنون يتربصون بالكافرين، إما أن يصيب الله الكافرين بعذاب من عنده، وإما أن يصيبهم بأيدي المؤمنين. إنها معادلة إيمانية واضحة جلية. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا فِئَةٌ} [الآية: 13] في محمد، صلى الله عليه وسلم وأَصحابه. ومشركي قريش يوم بدر. أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، [عن مجاهد] قال: الْقِنْطَارُ، سبعون أَلف دينار [الآية: 14]. أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ} [الآية: 14] قال: المصورة حسناً.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ ٱلْعَيْنِ} معناهُ ظَاهراتٌ. تفسير : وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ} معناهُ يُقوّي ويَنصُرُ. تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ} معناهُ معرِفَةٌ لأولِي العُقولِ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن برهان ما ادعى من الأمر فيما غلبوا يوم بدر بقوله تعالى: {ثم قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [آل عمران: 13]، إِشارة في الآية: إن الله تعالى {فِئَتَيْنِ} [آل عمران: 13]، في الظاهر من المؤمن والكافر، وفئتين في الباطن من القلب وصفاته الحميدة، {وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ} [آل عمران: 13]؛ وهي النفس الأمارة بالسوء وصفاتها الذميمة، ولهم الحرب والالتقاء على الدوام؛ وهو الجهاد الأكبر، فتارة يؤيد الله تعالى فئة القلب بالنصر ويريهم في أعين فئة النفس كثير، {يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ ٱلْعَيْنِ} [آل عمران: 13]، وتارة يؤيد فئة النفس بالنصر فيريهم في أعين فئة القلب كثيراً، {يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ ٱلْعَيْنِ} [آل عمران: 13]، من القلب وجنوده وهم: الروح والسر والأوصاف الحميدة والملائكة، ومن النفس وأعوانها وهم: الهوى والدنيا والأوصاف الذميمة والشياطين و{آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا} [آل عمران: 13]، أن لو كان المنصور فيه القلب والمغلوب في النفس، {أية : سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ}تفسير : [القمر: 45]، لا ترى النفس في فئتها إلا قليلاً، ينهزم الشيطان والدنيا والهوى فلا يبقى مع النفس من جنودها وأعوانها، إلا بعض أوصافها، فينظرون إلى جنود القلب مجتمعين تائبين يقاتلون في سبيل الله، {أية : كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ} تفسير : [الصف: 4]، {يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ ٱلْعَيْنِ} [آل عمران: 13]، ولو كان المنصور فئة النفس والمغلوب فئة القلب، لا يرى القلب من فئة إلا قليلاً من أوصافه، فينظرون إلى أعوان النفس، {يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ ٱلْعَيْنِ} [آل عمران: 13]؛ لأن الهوى والدنيا والشياطين أوصاف النفس، {يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ ٱلْعَيْنِ} [آل عمران: 13]؛ لأن الهوى والدنيا والشياطين أوصاف النفس مجتمعون ثابتون مع النفس في قتال القلب، إن الله تعالى وقضائه {أية : وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُواْ}تفسير : [البقرة: 253] وفق المشيئة {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ}تفسير : [البقرة: 253]، {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَعِبْرَةً} [آل عمران: 13]، من رؤية الحق في الأحكام الأزلية وأجزائها على وفق المشيئة {لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ} [آل عمران: 13]، المؤيدة بصائرهم بأنوار {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} [فصلت: 53]. ثم أخبر عن جنود الفئتين وأعوان الفرقتين بقوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ مِنَ ٱلنِّسَاءِ} [آل عمران: 14]، إشارة في الآيتين: إن الله تعالى خلق الخلق على طبقات ثلاث: عوام وهم: أرباب النفوس، والغالب عليهم الهوى والشهوات، والخواص وهم: أرباب القلوب، والغالب عليهم الهدى والتقوى، وخواص الخواص وهم: أرباب القلوب عليهم المحبة والشوق، وإن الله تعالى يذكر كل صنف منهم باسم يناسب أحوالهم، فيذكر العوام باسم الناس، كقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ}تفسير : [الحجرات: 13]، وقوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 14]، والناس مشتق من النسيان، ويذكر الخواص باسم المؤمن {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ}تفسير : [آل عمران: 100]، وقوله تعالى: والمؤمنون {أية : وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 285]، ويذكر خواص الخواص باسم الولي، كقوله تعالى: {أية : أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}تفسير : [يونس: 62]. ثم شرح أحوال العوام المردودين إلى أسفل دركات البعد، المطرودين من أعلى الدرجات القرب بقوله تعالى: {لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ...} [آل عمران: 14]، الآية. ثم اعلم أن لجهنم سبع دركات محفوفة، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : حفت النار بالشهوات"تفسير : ، والشهوات سبع لكل دركة شهوة، فإذا ابتلي المرء بشهوة منها يكون من أهل دركة منها، والشهوات السبع ما عده الله تعالى في هذه الآية، إشارة بكل واحد منها إلى شهوة بقوله تعالى: {مِنَ ٱلنِّسَاءِ} [آل عمران: 14]، وهي شهوة الفرج، {وَٱلْبَنِينَ} [آل عمران: 14]، وهي شهوة الطبيعة الحيوانية المائلة إلى الولد، {وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ} [آل عمران: 14]، وهي شهوة الحرص على جميع المال، {وَٱلْفِضَّةِ} [آل عمران: 14]، وهي شهوة الزينة بالحلي والأواني المتخذة منها، {وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ} [آل عمران: 14]، وهي شهوة الجاه والرفعة بالركوب عليها، {وَٱلأَنْعَامِ} [آل عمران: 14]، وهي شهوة الخيلاء بالتمايل بها، {وَٱلْحَرْثِ} [آل عمران: 14]، وهي شهوة الحكم والأوامر والنواهي على الرعايا، فهذه سبع شهوات خفت سبع دركات النار بها، {ذٰلِكَ مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا [آل عمران: 14]؛ يعني: متمتعان أهل الدنيا الذين يأكلون الدنيا {أية : كَمَا تَأْكُلُ ٱلأَنْعَامُ وَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ}تفسير : [محمد: 12]. ثم شرح أحوال الخواص وخواصهم المقبولين بقبول العناية المجذوبين عن شهوات نفوسهم، والطبائع الحيوانية بجذبات الهداية الربانية بقوله تعالى: {وَٱللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ ٱلْمَآبِ} [آل عمران: 14]، {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذٰلِكُمْ} [آل عمران: 15]؛ يعني: قل لأرباب النفوس المتمتعين بالحياة الفانية أنبتكم بخير من ذلكم مما أنتم فيه {لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا} [آل عمران: 15]، حذروا واحترزوا من الشهوات والشبهات وما يشغلهم من الله تعالى؛ وهم الخواص {عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ} [آل عمران: 15]، فكما أن لأرباب النفوس، فعصيان الشهوات النفسانية سوء حظ من دركات الجحيم عاجلاً، ثم يصلونها عاجلاً، كما قال تعالى: {أية : وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ}تفسير : [الأنفطار: 14]؛ يعني: الآن عاجلاً، {أية : وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ}تفسير : [الانفطار: 16] اليوم، فكذلك لأرباب القلوب بغلبات الأخلاق الروحانية حسن حظ من درجات الجنات ونعيمها عاجلاً، ثم يدخلونها أجلاً، كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} تفسير : [المطففين: 22]؛ يعني: الآن عاجلاً النعيم الذي يتمتعون به أرباب القلوب ثمانية، وقد ذكرها الله تعالى في الآيتين وما بعدها وهي الإيمان بقوله تعالى: {رَبَّنَآ إِنَّنَآ آمَنَّا} [آل عمران: 16]، والتقوى؛ لقوله تعالى: {ٱلصَّابِرِينَ وَٱلصَّادِقِينَ وَٱلْقَانِتِينَ وَٱلْمُنْفِقِينَ وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ} [آل عمران: 17]، والطاعة؛ لقوله تعالى: {وَٱلْقَانِتِينَ} [آل عمران: 17]؛ أي: المطيعين، والإنفاق في طاعة الله؛ لقوله تعالى: {وَٱلْمُنْفِقِينَ} [آل عمران: 17]، والاستغفار بقوله تعالى: {وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ} [آل عمران: 17]، والرضاء بالقضاء بقوله تعالى: {أية : وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ}تفسير : [التوبة: 72]، هذه جنات في قلوب الخواص {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} [آل عمران: 15]، الألطاف واردات ترد على القلوب، فيسقي بها جنات الأخلاق الجنات {وَأَزْوَاجٌ} [آل عمران: 15]، من نظرات الحق، {مُّطَهَّرَةٌ} [آل عمران: 15]، من الحدوث من كل حدث، كما قال تعالى: {أية : وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً}تفسير : [الإنسان: 21]، فمن تلك الأزواج المطهرة تتولد الأخلاق المطهرة. ثم أشار إلى أحوال خواص الخواص، مستورة من نظر الخواص محفوظة من فهم العوام؛ لقوله تعالى: {وَٱللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ ٱلْمَآبِ} [آل عمران: 14]؛ يعني: لأرباب الأرواح جذبهم عنهم بجذبات المحبة، فما استحلوا لهم الدنيا ليسكنوا فيها، كما قال تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَجْتَبِيۤ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ} تفسير : [الشورى: 13]، قال تعالى: {أية : فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ مَآباً}تفسير : [النبأ: 39]، {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ} [آل عمران: 15]؛ أي: بعوامِّهم ومثواهم، وخواصهم ومآبهم، وخواص خواصهم ومآبهم، ورجعتم كما قال تعالى: {أية : إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ} تفسير : [العلق: 8]، فافهم جيداً. ثم أخبر عن أقوالهم من نتائج أحوال بقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ آمَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ} [آل عمران: 16]، إشارة في الآيتين: إن {ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ آمَنَّا} [آل عمران: 16]، ما هم من {أية : يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ}تفسير : [آل عمران: 136] بل إنما هم من {أية : ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا} تفسير : [فصلت: 30] بأفواههم، {أية : ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ}تفسير : [فصلت: 30]، بقلوبهم على الإيمان، {ٱلصَّابِرِينَ} [آل عمران: 17]، على حقوق الإيمان وعن حظوظ الإنسان، {وَٱلصَّادِقِينَ} [آل عمران: 17] بصدق اللسان والأركان والجنان، {وَٱلْقَانِتِينَ} [آل عمران: 17]، لله وبالله في كل زمان ومكان، {وَٱلْمُنْفِقِينَ} [آل عمران: 17]، من وجودهم في الله بقدر الإمكان {وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ} [آل عمران: 17]، عما كان منهم كيفما كان، {فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} [آل عمران: 16]،، فأغفر بك عنا ذنوبنا {وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ} [آل عمران: 16]، إنابتنا الصابرين بك عنا، {وَٱلصَّادِقِينَ} [آل عمران: 17]، فيك {وَٱلْقَانِتِينَ} [آل عمران: 17]، لك بك {وَٱلْمُنْفِقِينَ} [آل عمران: 17]، منا عليك، {وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ} [آل عمران: 17]، عنا عنك.
همام الصنعاني
378تفسير : - عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا فِئَةٌ}: [الآية: 13] إلى قوله: {رَأْيَ ٱلْعَيْنِ}: [الآية: 13]، قال: يُضْعَفون عليهم، فَقَتَلُوا منهم سبعين وأَسَروا سبعين يوم بَدْر. 379- عبد الرزاق، قال: حدثنا الثّوري عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله تعالى: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}: [الآية: 13]، قال: ذلك يوم بَدْر، التقى المسلمون والكُفَّار.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):