Verse. 307 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّہَوٰتِ مِنَ النِّسَاۗءِ وَالْبَنِيْنَ وَالْقَنَاطِيْرِ الْمُقَنْطَرَۃِ مِنَ الذَّھَبِ وَالْفِضَّۃِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَۃِ وَالْاَنْعَامِ وَالْحَرْثِ۝۰ۭ ذٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيٰوۃِ الدُّنْيَا۝۰ۚ وَاللہُ عِنْدَہٗ حُسْنُ الْمَاٰبِ۝۱۴
Zuyyina lilnnasi hubbu alshshahawati mina alnnisai waalbaneena waalqanateeri almuqantarati mina alththahabi waalfiddati waalkhayli almusawwamati waalanAAami waalharthi thalika mataAAu alhayati alddunya waAllahu AAindahu husnu almaabi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«زُيَّن للناس حبُّ الشهوات» ما تشتهيه النفس وتدعوا إليه زينها الله ابتلاءً أو الشيطانُ «من النساء والبنين والقناطير» الأموال الكثيرة «المقنطرة» المجمعة «من الذهب والفضة والخيل المسومة» الحسان «والأنعام» أي الإبل والبقر والغنم «والحرث» الزرع «ذلك» المذكور «متاع الحياة الدنيا» يتمتع به فيها ثم يفنى «والله عنده حسن المآب» المرجع وهو الجنة فينبغي الرغبة فيه دون غيره.

14

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: في كيفية النظم قولان الأول: ما يتعلق بالقصة فإنا روينا أن أبا حارثة بن علقمة النصراني اعترف لأخيه بأنه يعرف صدق محمد صلى الله عليه وسلم في قوله إلا أنه لا يقر بذلك خوفاً من أن يأخذ منه ملوك الروم المال والجاه، وأيضاً روينا أنه عليه الصلاة والسلام لما دعا اليهود إلى الإسلام بعد غزوة بدر أظهروا من أنفسهم القوة والشدة والاستظهار بالمال والسلاح، فبيّن الله تعالى في هذه الآية أن هذه الأشياء وغيرها من متاع الدنيا زائلة باطلة، وأن الآخرة خير وأبقى. القول الثاني: وهو على التأويل العام أنه تعالى لما قال في الآية المتقدمة {وَٱللَّهُ يُؤَيّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء إِنَّ فِى ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِى ٱلأَبْصَـٰرِ } ذكر بعد هذه الآية ما هو كالشرح والبيان لتلك العبرة وذلك هو أنه تعالى بيّن أنه زين للناس حب الشهوات الجسمانية، واللذات الدنيوية، ثم أنها فانية منقضية تذهب لذاتها، وتبقى تبعاتها، ثم إنه تعالى حث على الرغبة في الآخرة بقوله {أية : قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذٰلِكُمْ } تفسير : [آل عمران: 15] ثم بيّن طيبات الآخرة معدة لمن واظب على العبودية من الصابرين والصادقين إلى آخر الآية. المسألة الثانية: اختلفوا في أن قوله {زُيّنَ لِلنَّاسِ } من الذي زين ذلك؟ أما أصحابنا فقولهم فيه ظاهر، وذلك لأن عندهم خالق جميع الأفعال هو الله تعالى وأيضاً قالوا: لو كان المزين الشيطان فمن الذي زين الكفر والبدعة للشيطان، فإن كان ذلك شيطاناً آخر لزم التسلسل، وإن وقع ذلك من نفس ذلك الشيطان في الإنسان فليكن كذلك الإنسان، وإن كان من الله تعالى، وهو الحق فليكن في حق الإنسان كذلك، وفي القرآن إشارة إلى هذه النكتة في سورة القصص في قوله {أية : رَبَّنَا هَـؤُلاء ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَـٰهُمْ كَمَا غَوَيْنَا } تفسير : [القصص: 63] يعني إن اعتقد أحد أنا أغويناهم فمن الذي أغوانا، وهذا الكلام ظاهر جداً. أما المعتزلة فالقاضي نقل عنهم ثلاثة أقوال: القول الأول: حكي عن الحسن أنه قال: الشيطان زين لهم، وكان يحلف على ذلك بالله، واحتج القاضي لهم بوجوه أحدها: أنه تعالى أطلق حب الشهوات، فيدخل فيه الشهوات المحرمة ومزين الشهوات المحرمة هو الشيطان وثانيها: أنه تعالى ذكر القناطير المقنطرة من الذهب والفضة وحب هذا المال الكثير إلى هذا الحد لا يليق إلا بمن جعل الدنيا قبلة طلبه، ومنتهى مقصوده، لأن أهل الآخرة يكتفون بالغلبة وثالثها: قوله تعالى: {ذٰلِكَ مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } ولا شك أن الله تعالى ذكر ذلك في معرض الذم للدنيا والذم للشيء يمتنع أن يكون مزيناً له ورابعها: قوله بعد هذه الآية {أية : قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذٰلِكُمْ } تفسير : [آل عمران: 15] والمقصود من هذا الكلام صرف العبد عن الدنيا وتقبيحها في عينه، وذلك لا يليق بمن يزين الدنيا في عينه. والقول الثاني: قول قوم آخرين من المعتزلة وهو أن المزين لهذه الأشياء هو الله واحتجوا عليه بوجوه أحدها: أنه تعالى كما رغب في منافع الآخر فقد خلق ملاذ الدنيا وأباحها لعبيده، وإباحتها للعبيد تزيين لها، فإنه تعالى إذا خلق الشهوة والمشتهى، وخلق للمشتهي علماً بما في تناول المشتهى من اللذة، ثم أباح له ذلك التناول كان تعالى مزيناً لها وثانيها: أن الانتفاع بهذه المشتهيات وسائل إلى منافع الآخرة، والله تعالى قد ندب إليها، فكان مزيناً لها، وإنما قلنا: إن الانتفاع بها وسائل إلى ثواب الآخرة لوجوه الأول: أن يتصدق بها والثاني: أن يتقوى بها على طاعة الله تعالى والثالث: أنه إذا انتفع بها وعلم أن تلك المنافع إنما تيسرت بتخليق الله تعالى وإعانته صار ذلك سبباً لاشتغال العبد بالشكر العظيم، ولذلك كان الصاحب ابن عباد يقول: شرب الماء البارد في الصيف يستخرج الحمد من أقصى القلب وذكر شعراً هذا معناه والرابع: أن القادر على التمتع بهذه اللذات والطيبات إذا تركها واشتغل بالعبودية وتحمل ما فيها من المشقة كان أكثر ثواباً، فثبت بهذه الوجوه أن الانتفاع بهذه الطيبات وسائل إلى ثواب الآخر والخامس: قوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً } تفسير : [البقرة: 29] وقال: {أية : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَـٰتِ مِنَ ٱلرّزْقِ } تفسير : [الأعراف: 32] وقال: {أية : إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا } تفسير : [الكهف: 7] وقال: {أية : خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ } تفسير : [الأعراف: 31] وقال في سورة البقرة {أية : وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ } تفسير : [البقرة: 22] وقال {أية : كُلُواْ مِمَّا فِى ٱلأَرْضِ حَلَـٰلاً طَيّباً } تفسير : [البقرة: 168] وكل ذلك يدل على أن التزيين من الله تعالى، ومما يؤكد ذلك قراءة مجاهد {زُيّنَ لِلنَّاسِ } على تسمية الفاعل. والقول الثالث: وهو اختيار أبي علي الجبائي والقاضي وهو التفصيل، وذلك أن كل ما كان من هذا الباب واجباً أو مندوباً كان التزيين فيه من الله تعالى، وكل ما كان حراماً كان التزيين فيه من الشيطان هذا ما ذكره القاضي، وبقي قسم ثالث وهو المباح الذي لا يكون في فعله ولا في تركه ثواب ولا عقاب والقاضي ما ذكر هذا القسم، وكان من حقه أن يذكره ويبيّن أن التزيين فيه من الله تعالى، أو من الشيطان. المسألة الثالثة: قوله {حُبُّ ٱلشَّهَوٰتِ } فيه أبحاث ثلاثة: البحث الأول: أن الشهوات ههنا هي الأشياء المشتهيات سميت بذلك على الاستعارة للتعلق والاتصال، كما يقال للمقدور قدرة، وللمرجو رجاء وللمعلوم علم، وهذه استعارة مشهورة في اللغة، يقال: هذه شهوة فلان، أي مشتهاه، قال صاحب «الكشاف»: وفي تسميتها بهذا الاسم فائدتان: إحداهما: أنه جعل الأعيان التي ذكرها شهوات مبالغة في كونها مشتهاة محروصاً على الاستمتاع بها والثانية: أن الشهوة صفة مسترذلة عند الحكماء مذمومة من اتبعها شاهد على نفسه بالبهيمية، فكان المقصود من ذكر هذا اللفظ التنفير عنها. البحث الثاني: قال المتكلمون: دلّت هذه الآية على أن الحب غير الشهوة لأنه أضاف الحب إلى الشهوة والمضاف غير المضاف إليه، والشهوة من فعل الله تعالى، والمحبة من أفعال العباد وهي عبارة عن أن يجعل الإنسان كل غرضه وعيشه في طلب اللذات والطيبات. البحث الثالث: قال الحكماء: الإنسان قد يحب شيئاً ولكنه يحب أن لا يحبه مثل المسلم فإنه قد يميل طبعه إلى بعض المحرمات لكنه يحب أن لا يحب، وأما من أحب شيئاً وأحب إن يحبه فذاك هو كمال المحبة، فإن كان ذلك في جانب الخير فهو كمال السعادة، كما في قوله تعالى حكاية عن سليمان عليه السلام {أية : إِنّى أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ } تفسير : [صۤ: 32] ومعناه أحب الخير وأحب أن أكون محباً للخير، وإن كان ذلك في جانب الشر، فهو كما قال في هذه الآية فإن قوله {زُيّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوٰتِ } يدل على أمور ثلاثة مرتبة أولها: أنه يشتهي أنواع المشتهيات وثانيها: أنه يحب شهوته لها وثالثها: أنه يعتقد أن تلك المحبة حسنة وفضيلة، ولما اجتمعت في هذه القضية الدرجات الثلاثة بلغت الغاية القصوى في الشدة والقوة، ولا يكاد ينحل إلا بتوفيق عظيم من الله تعالى، ثم إنه تعالى أضاف ذلك إلى الناس، وهو لفظ عام دخله حرف التعريف فيفيد الاستغراق، فظاهر اللفظ يقتضي أن هذا المعنى حاصل لجميع الناس، والعقل أيضاً يدل عليه، وهو أن كل ما كان لذيذاً ونافعاً فهو محبوب ومطلوب لذاته واللذيذ النافع قسمان: جسماني وروحاني، والقسم الجسماني حاصل لكل أحد في أول الأمر، وأما القسم الروحاني فلا يكون إلا في الإنسان الواحد على سبيل الندرة، ثم ذلك الإنسان إنما يحصل له تلك اللذة الروحانية بعد استئناس النفس باللذات الجسمانية، فيكون انجذاب النفس إلى اللذات الجسمانية كالملكة المستقرة المتأكدة، وانجذابها إلى اللذات الروحانية كالحالة الطارئة التي تزول بأدنى سبب فلا جرم كان الغالب على الخلق إنما هو الميل الشديد إلى اللذات الجسمانية وأما الميل إلى طلب اللذات الروحانية فذاك لا يحصل إلا للشخص النادر، ثم حصوله لذلك النادر لا يتفق إلا في أوقات نادرة، فلهذا السبب عم الله هذا الحكم فقال: {زُيّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوٰتِ }. وأما قوله تعالى: {مِنَ ٱلنّسَاء وَٱلْبَنِينَ } ففيه بحثان: البحث الأول: {مِنْ } في قوله {مِنَ ٱلنّسَاء وَٱلْبَنِينَ } كما في قوله {أية : فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَـٰنِ } تفسير : [الحج: 30] فكما أن المعنى فاجتنبوا الأوثان التي هي رجس فكذا أيضاً معنى هذه الآية: زين للناس حب النساء وكذا وكذا التي هي مشتهاة. البحث الثاني: إعلم أنه تعالى عدد ههنا من المشتهيات أموراً سبعة أولها: النساء وإنما قدمهن على الكل لأن الالتذاذ بهن أكثر والاستئناس بهن أتم ولذلك قال تعالى: {أية : خَلَقَ لَكُم مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوٰجاً لّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً } تفسير : [الروم: 21] ومما يؤكد ذلك أن العشق الشديد المفلق المهلك لا يتفق إلا في هذا النوع من الشهوة. المرتبة الثانية: حب الولد: ولما كان حب الولد الذكر أكثر من حب الأنثى، لا جرم خصه الله تعالى بالذكر، ووجه التمتع بهم ظاهر من حيث السرور والتكثر بهم إلى غير ذلك. واعلم أن الله تعالى في إيجاد حب الزوجة والولد في قلب الإنسان حكمة بالغة، فإنه لولا هذا الحب لما حصل التوالد والتناسل ولأدى ذلك إلى انقطاع النسل، وهذه المحبة كأنها حالة غريزية ولذلك فإنها حاصلة لجميع الحيوانات، والحكمة فيه ما ذكرنا من بقاء النسل. المرتبة الثالثة والرابعة: {ٱلْقَنَـٰطِيرِ ٱلْمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ } وفيه أبحاث: البحث الأول: قال الزجاج: القنطار مأخوذ من عقد الشيء وإحكامه، والقنطرة مأخوذة من ذلك لتوثقها بعقد الطاق، فالقنطار مال كثير يتوثق الإنسان به في دفع أصناف النوائب، وحكى أبو عبيد عن العرب أنهم يقولون: إنه وزن لا يحد، واعلم أن هذا هو الصحيح، ومن الناس من حاول تحديده، وفيه روايات: فروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«حديث : القنطار إثنا عشر ألف أوقية» تفسير : وروى أنس عنه أيضاً أن القنطار ألف دينار، وروى أُبي بن كعب أنه عليه السلام قال: حديث : القنطار ألف ومائتا أوقية تفسير : وقال ابن عباس: القنطار ألف دينار أو إثنا عشر ألف درهم، وهو مقدار الدية، وبه قال الحسن، وقال الكلبي: القنطار بلسان الروم ملء مسك ثور من ذهب أو فضة، وفيه أقوال سوى ما ذكرنا لكنا تركناها لأنها غير مقصودة بحجة ألبتة. البحث الثاني: {ٱلْمُقَنطَرَةِ } منفعلة من القنطار، وهو للتأكيد، كقولهم: ألف مؤلفة، وبدرة مبدرة، وإبل مؤبلة، ودراهم مدرهمة، وقال الكلبي: القناطير ثلاثة، والمقنطرة المضاعفة، فكان المجموع ستة. البحث الثالث: الذهب والفضة إنما كانا محبوبين لأنهما جعلا ثمن جميع الأشياء، فمالكهما كالمالك لجميع الأشياء، وصفة المالكية هي القدرة، والقدرة صفة كمال، والكمال محبوب لذاته، فلما كان الذهب والفضة أكمل الوسائل إلى تحصيل هذا الكمال الذي هو محبوب لذاته وما لا يوجد المحبوب إلا به فهو محبوب، لا جرم كانا محبوبين. المسألة الخامسة: {ٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ } قال الواحدي: الخيل جمع لا واحد له من لفظه، كالقوم والنساء والرهط، وسميت الأفراس خيلاً لخيلائها في مشيها، وسميت حركة الإنسان على سبيل الجولان اختيالا، وسمي الخيال خيالا، والتخيل تخيلا، لجولان هذه القوة في استحضار تلك الصورة، والأخيل الشقراق، لأنه يتخيل تارة أخضر، وتارة أحمر، واختلفوا في معنى {ٱلْمُسَوَّمَةِ } على ثلاثة أقوال الأول: أنها الراعية، يقال: أسمت الدابة وسومتها إذا أرسلتها في مروجها للرعي، كما يقال: أقمت الشيء وقومته، وأجدته وجودته، وأنمته ونومته، والمقصود أنها إذا رعت ازدادت حسناً، ومنه قوله تعالى: {أية : فِيهِ تُسِيمُونَ } تفسير : [النحل: 10]. والقول الثاني: المسومة المعلمة قال أبو مسلم الأصفهاني: وهو مأخوذ من السيما بالقصر والسيماء بالمد، ومعناه واحد، وهو الهيئة الحسنة، قال الله تعالى: {أية : سِيمَـٰهُمْ فِى وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ } تفسير : [الفتح: 29] ثم القائلون بهذا القول اختلفوا في تلك العلامة، فقال أبو مسلم: المراد من هذه العلامات الأوضاح والغرر التي تكون في الخيل، وهي أن تكون الأفراس غراً محجلة، وقال الأصم: إنما هي البلق، وقال قتادة: الشية، وقال المؤرج: الكي، وقول أبي مسلم أحسن لأن الإشارة في هذه الآية إلى شرائف الأموال، وذلك هو أن يكون الفرس أغر محجلا، وأما سائر الوجوه التي ذكروها فإنها لا تفيد شرفاً في الفرس. القول الثالث: وهو قول مجاهد وعكرمة: أنها الخيل المطهمة الحسان، قال القفال: المطهمة المرأة الجميلة. المرتبة السادسة: {ٱلأَنْعَـٰمِ } وهي جمع نعم، وهي الإبل والبقر والغنم، ولا يقال للجنس الواحد منها: نعم إلا للإبل خاصة فإنها غلبت عليها. المرتبة السابعة: {ٱلْحَرْثِ } وقد ذكرنا اشتقاقه في قوله {أية : وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ } تفسير : [البقرة: 205]. ثم إنه تعالى لما عدد هذه السبعة قال: {ذٰلِكَ مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } قال القاضي: ومعلوم أن متاعها إنما خلق ليستمتع به فكيف يقال إنه لا يجوز إضافة التزيين إلى الله تعالى، ثم قال للاستمتاع بمتاع الدنيا وجوه: منها أن ينفرد به من خصه الله تعالى بهذه النعم فيكون مذموماً ومنها أن يترك الانتفاع به مع الحاجة إليه فيكون أيضاً مذموماً، ومنها أن ينتفع به في وجه مباح من غير أن يتوصل بذلك إلى مصالح الآخرة، وذلك لا ممدوح ولا مذموم، ومنها أن ينتفع به على وجه يتوصل به إلى مصالح الآخرة وذلك هو الممدوح. ثم قال تعالى: {وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلْمَأَبِ } اعلم أن المآب في اللغة المرجع، يقال: آب الرجل إياباً وأوبة وأبية ومآبا، قال الله تعالى: {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ } والمقصود من هذا الكلام بيان أن من آتاه الله الدنيا كان الواجب عليه أن يصرفها إلى ما يكون فيه عمارة لمعاده ويتوصل بها إلى سعادة آخرته، ثم لما كان الغرض الترغيب في المآب وصف المآب بالحسن. فإن قيل: المآب قسما: الجنة وهي في غاية الحسن، والنار وهي خالية عن الحسن، فكيف وصف المآب المطلق بالحسن. قلنا: المآب المقصود بالذات هو الجنة، فأما النار فهي المقصود بالغرض، لأنه سبحانه خلق الخلق للرحمة لا للعذاب، كما قال: سبقت رحمتي غضبي، وهذا سر يطلع منه على أسرار غامضة.

القرطبي

تفسير : فيه إحدى عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ} زين من التزيين. وٱختلف الناس مَن المزيِّن؛ فقالت فرقةٌ: الله زيَّن ذلك؛ وهو ظاهر قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ذكره البخاريّ. وفي التنزيل: {أية : إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا} تفسير : [الكهف: 7]؛ ولما قال عمر: الآن يا ربِّ حين زيّنتها لنا! نزلت {أية : قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذٰلِكُمْ}تفسير : [آل عمران: 15] وقالت فرقة: المزيِّن هو الشيطان؛ وهو ظاهر قول الحسن، فإنه قال: مَنْ زيّنَها؟ ما أحدٌ أشدّ لها ذَمّا من خالقها. فتزيين الله تعالى إنما هو بالإيجاد والتهيئة للانتفاع وإنشاء الجِبِلّة على الميل إلى هذه الأشياء. وتزيين الشيطان إنما هو بالوَسْوَسة والخديعة وتحسين أخْذِها من غير وجوهها. والآية على كلا الوجهين ٱبتداء وعظ لجميع الناس، وفي ضمن ذلك توبيخٌ لمعاصري محمد صلى الله عليه وسلم من اليهود وغيرهِم. وقرأ الجمهور «زُيِّنَ» على بناء الفعل للمفعول، ورفع {حُبُّ}. وقرأ الضحاك ومجاهد «زَيَّنَ» على بناء الفعل للفاعل، ونصب «حُبَّ». وحركت الهاء من {الشَّهَوَاتِ} فرقاً بين الاسم والنعت. والشّهوات جمع شَهْوة وهي معروفة. ورجل شهوان للشيء، وشيء شهيّ: أي مُشْتَهًى. وٱتباع الشهوات مردٍ وطاعتها مهلكة. وفي صحيح مسلم: «حديث : حُفِّت الجنة بالمكاره وحُفّت النار بالشهوات» تفسير : رواه أنس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وفائدة هذا التمثيل أن الجنة لا تنال إلا بقطع مفاوز المكاره وبالصبر عليها. وأن النار لا ينْجَى منها إلا بترك الشهوات وفِطام النفس عنها. وقد روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : طريق الجنة حزْنٌ برَبْوة وطريق النار سهل بسَهْوَة»تفسير : ؛ وهو معنى قوله: «حديث : حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات»تفسير : . أي طريق الجنة صعبة المسلك فيه أعلى ما يكون من الرّوَابِي، وطريق النار سهل لا غِلظ فيه ولا وعورة، وهو معنى قوله «سهل بسهوة» وهو بالسين المهملة. الثانية ـ قوله تعالى: {مِنَ ٱلنِّسَاءِ} بدأ بهِنّ لكثرة تشوّف النفوس إليهن؛ لأنهنّ حبائل الشيطان وفتنة الرجال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما تركت بعدي فِتنةً أشدَّ على الرجال من النساء»تفسير : أخرجه البخاريّ ومسلم. ففتنة النساء أشدّ من جميع الأشياء. ويقال: في النساء فتنتان، وفي الأولاد فتنة واحدة. فأمّا اللتان في النساء فإحداهما: أن تؤدِّي إلى قطع الرِحم؛ لأن المرأة تأمر زوجها بقطعه عن الأُمَّهَات والأخوات. والثانية: يُبْتلي بجمع المال من الحلال والحرام. وأمّا البنون فإن الفتنة فيهم واحدة، وهو ما ٱبْتُلِي بجمع المال لأجلهم. وروى عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تُسْكِنوا نساءكم الغُرَفَ ولا تُعَلِّموهنّ الكِتاب»تفسير : . حذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن في إسكانهن الغرف تطلّعاً إلى الرجال، وليس في ذلك تحْصِينٌ لهن ولا سِتْر؛ لأنهن قد يُشْرفْن على الرجال فتحدُث الفتنة والبلاء، ولأنهن قد خُلِقْن من الرجل؛ فهِمّتها في الرجل والرجلُ خُلِق فيه الشهوة وجُعِلَتْ سَكَناً له؛ فغير مأمونٍ كل واحد منهما على صاحبه. وفي تعلمهن الكتاب هذا المعنى من الفتنة وأشد. وفي كتاب (الشِّهاب) عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أعْرُوا النساء يَلْزَمْن الحِجَال»تفسير : . فعلى الإنسان إذا لم يصبر في هذه الأزمان أن يبحث عن ذات الدِّين ليسلَم له الدِّين؛ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : عَلَيْكَ بذاتِ الدين تَرِبَتْ يداك»تفسير : أخرجه مسلم عن أبي هريرة. وفي سنن ٱبن ماجه عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تَزَوَّجوا النساء لحسنِهن فعسى حسنُهن أن يُرْدِيهن ولا تزوجوهنّ لأموالهن فعسى أموالهن أن تُطْغِيهن ولكن تَزوجوهن على الدِّين ولأُمَةٌ سَوْداء خَرْمَاء ذات دِين أفضلُ».تفسير : الثالثة: قوله تعالى: {وَٱلْبَنِينَ} عطف على ما قبله. وواحد من البنين ٱبن. قال الله تعالى مخبراً عن نوح: {إِنَّ ٱبُنِي مِنْ أَهْلِي}. وتقول في التصغير «بُنَيّ» كما قال لقمان. وفي الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأشعث بن قيس: «هل لك من ٱبنة حمزة من ولد»؟ قال؟ نعم، لي منها غلام ولَوَدِدْتُّ أنّ لي به جَفنَةً مِنْ طعام أطعمها مَن بقي من بَنِي جَبَلة. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : لئن قلت ذلك إنهم لثمرة القلوب وقرّة الأعين وإنهم مع ذلك لمَجْبَنَةٌ مبْخَلَةٌ محزَنَةٌ».تفسير : الرابعة: قوله تعالى: {وَٱلْقَنَاطِيرِ} القناطير جمع قنطار، كما قال تعالى: {أية : وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً} تفسير : [النساء: 20] وهو العُقْدَة الكبيرة من المال، وقيل: هو ٱسم للمِعْيار الذي يُوزَن به؛ كما هو الرطل والربع. ويقال لِما بَلَغ ذلك الوزنَ: هذا قنطار، أي يعدل القنطار. والعرب تقول: قَنْطَر الرجلُ إذا بلغ ماله أن يوزن بالقنطار. وقال الزجاج: القِنطار مأخوذ من عقد الشيء وإحكامه؛ تقول العرب: قنطرتَ الشيء إذا أحكمته؛ ومنه سميت القنطرة لإحكامها. قال طرفة:شعر : كَقَنْطَرَةِ الرُّوميِّ أقسم ربُّها لتُكْتَنَفَنْ حتّى تُشَادُ بقَرْمَدِ تفسير : والقنطرة المعقودة؛ فكأنّ القنطار عَقْدُ مالٍ. وٱختلف العلماء في تحرير حَدِّهِ كم هو على أقوال عديدة؛ فروى أُبيّ بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : القنطار ألف أُوقِيَّة ومائتا أوقِية»تفسير : ؛ وقال بذلك معاذ بن جبل وعبد الله بن عمر وأبو هريرة وجماعة من العلماء. قال ٱبن عطية: «وهو أصح الأقوال، لكن القنطار على هذا يختلف بٱختلاف البلاد في قدر الأوقية». وقيل: ٱثنا عشر ألف أوقية؛ أسنده البستِيّ في مسنده الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : القنطار ٱثنا عشر ألف أوْقية الأوقية خير مما بين السماء والأرض»تفسير : . وقال بهذا القول أبو هريرة أيضاً. وفي مسند أبي محمد الدارميّ عن أبي سعِيد الخدريّ قال: «من قرأ في ليلة عشر آيات كُتِب من الذاكرين، ومن قرأ بمائة آية كتب من القانتين، ومن قرأ بخمسمائة آية إلى الألف أصبح وله قنطار من الأجر» قيل: وما القنطار؟ قال: «ملء مَسْك ثَوْرٍ ذهباً». موقوف؛ وقال به أبو نَضْرَة العَبْديّ. وذكر ٱبن سِيدَه أنه هكذا بالسريانية. وقال النقاش عن ٱبن الكلبيّ أنه هكذا بلغة الروم. وقال ٱبن عباس والضحاك والحسن: ألف ومائتا مِثقالٍ من الفضة؛ ورفعه الحسن. وعن ٱبن عباس: ٱثنا عشر ألف درهم من الفضة، ومن الذهب ألف دينار دِية الرجل المسلم؛ وروي عن الحسن والضحاك. وقال سعِيد بن المسَيِّب: ثمانون ألفاً. قتادة: مائة رطل من الذهب أو ثمانون ألف درهم من الفضة. وقال أبو حمزة الثُّمَاليّ: القنطار بإقرِيفية والأندلس ثمانية آلاف مثقال من ذهب أو فضة. السديّ: أربعة آلاف مثقال. مجاهد: سبعون ألف مثقال؛ وروي عن ٱبن عمر. وحكى مكيّ قولاً أن القنطار أربعون أوقية من ذهب أو فضة؛ وقاله ٱبن سِيَدة في المحكم، وقال: القنطار بلغة بَرْبَرْ ألف مثقال. وقال الربيع ابن أنس: القنطار المال الكثير بعضه على بعض؛ وهذا هو المعروف عند العرب، ومنه قوله: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً} أي مالاً كثيراً. ومنه الحديث: «إنّ صفوان بن أُمية قَنْطَر في الجاهلية وقَنْطَر أبوه» أي صار له قنطار من المال. وعن الحكم: القنطار هو ما بين السماء والأرض. وٱختلفوا في معنى «المُقَنْطَرَةِ» فقال الطبرِيّ وغيره: معناه المُضَعَّفَة، وكأنّ القناطير ثلاثةٌ والمقنطرة تسعٌ. وروي عن الفرّاء أنه قال: القناطير جمع القنطار، والمقنطرة جمع الجمع، فيكون تسع قناطير. السديّ: المقنطرة المضروبة حتى صارت دنانير أو دراهم. مكيّ: المقنطرة المُكَملة؛ وحكاه الهروي؛ كما يقال: بِدَرٌ مُبَدَّرَة، وآلافٌ مؤَلّفة. وقال بعضهم. ولهذا سمي البناء القنطرة لتكاثف البناء بعضه على بعض. ٱبن كيسان والفرّاء: لا تكون المقنطرة أقل من تسع قناطير. وقيل: المقَنْطَرة إشارة إلى حضور المال وكونه عتيداً. وفي صحيح البستيِّ عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين ومن قام بمائة آية كتب من القانتين ومن قام بألف آية كتب من المقنطِرِين».تفسير : الخامسة: قوله تعالى: {مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ} الذهب مؤنثة؛ يقال: هي الذهب الحسنةُ، جمعها ذهاب وذُهُوب. ويجوز أن يكون جمع ذَهْبَة، ويجمع على الأذْهَاب. وذهب فلان مذهباً حسناً. والذهب: مكيالٌ لأهل اليمن. ورجل ذَهِبٌ إذا رأى معدِن الذّهَبِ فدَهِش. والفضّة معروفة، وجمعها فِضَضٌ. فالذهب مأخوذة من الذَّهَاب، والفضة مأخوذة من ٱنفَضّ الشيء تفرّق؛ ومنه فَضَضْتُ القوم فٱنفضوا، أي فرّقتهم فتفرّقوا. وهذا الاشتقاق يُشعر بزوالهما وعدم ثُبوتهما كما هو مشاهد في الوجود. ومن أحسن ما قيل في هذا المعنى قول بعضهم:شعر : النّار آخرُ دِينارٍ نطقتَ به والهمُّ آخِرُ هذا الدِّرْهمِ الجاري والمرءُ بينهما إن كان ذا وَرَعٍ مُعذّبَ القلبِ بَيْن الهَمِّ والنار تفسير : السادسة: قوله تعالى: {وَٱلْخَيْلِ} الخيل مؤنثة. قال ٱبن كيسان: حُدِّثت عن أبي عبيدة أنه قال: واحد الخيل خائل، مثل طائر وطير، وضائن وضَيْن؛ وسمِّي الفرس بذلك لأنه يختال في مشيه. وقال غيره: هو ٱسم جمع لا واحد له من لفظه، واحده فرس، كالقوم والرهْط والنساء والإبل ونحوها. وفي الخبر من حديث عليّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله خلق الفرس من الريح ولذلك جعلها تطير بلا جناح»تفسير : . وَهْبُ بن مُنَبِّه: خلقها من رِيح الجَنُوب. قال وهب: فليس تسبيحة ولا تكبيرة ولا تهليلة يكبرها صاحبها إلا وهو يسمعها فيجيبه بمثلها. وسيأتي لذكر الخَيْل ووصفها في سورة «الأنفال» ما فيه كفايةٌ إن شاء الله تعالى. وفي الخبر: «إن الله عرض على آدم جميع الدواب، فقيل له: ٱختر منها واحداً فاختار الفرس؛ فقيل له: ٱخترت عِزّك؛ فصار ٱسمه الخير من هذا الوجه». وسميّت خيلاً لأنها مَوْسُومَة بالعِزِّ فمن ركبه ٱعتز بِنحْلة الله له ويختال به على أعداء الله تعالى. وسمّي فرساً لأنه يفترس مسافات الجوّ ٱفتراس الأسد وثبانا، ويقطعها كالالتهام بيديه على شيء خبطاً وتناولاً، وسمي عربياً لأنه جيء به من بعد آدم لإسماعيل جزاء عن رفع قواعد البيت، وإسماعيل عربي، فصار له نِحلة من الله تعالى فسمي عربياً. وفي الحديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يدخل الشيطان داراً فيها فرس عتِيق»تفسير : . وإنما سمي عتيقاً لأنه قد تخلص من الهجانة. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : خير الخيلِ الأدهم الأقرح الأرثم (ثم الأقرح المحجل) طلق اليمين فإن لم يكن أدهم فكميت على هذه الشيةِ»تفسير : . أخرجه الترمِذِيّ عن أبي قتادة. وفي مسند الدارميّ عنه حديث : أن رجلاً قال: يا رسول الله، إني أُريد أن أشتري فرساً (فأيها أشترِي)؟ قال: «إِشترِ أدهم أرثم محجلاً طلق اليمين أو من الكميت على هذه الشية تغنم وتسلم»تفسير : . وروى النسائِي عن أنس قال: لم يكن أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد النساء من الخيل. وروى الأئمة عن أبي هريرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الخيل ثلاثة لرجلٍ أجر ولرجلٍ سِتر ولرجل وِزر»تفسير : الحديث بطوله، شهرته أغنت عن ذكره. وسيأتي ذكر أحكام الخيل في «الأنفال» و «النحل» بما فيه كفاية إن شاء الله تعالى. السابعة: قوله تعالى: {ٱلْمُسَوَّمَةِ} يعني الراعية في المروج والمسارح؛ قاله سعيد ٱبن جبير. يقال: سامت الدابة والشاة إذا سرحت تسوم سوماً فهي سائمة. وأسمتها أنا إذا تركتها لذلك فهي مسامة. وسوّمتها تسويماً فهي مُسوَّمة. وفي سنن ٱبن ماجه عن عليّ قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السَّوْم قبل طلوع الشمس، وعن ذبح ذوات الدرّ. السوم هنا في معنى الرعي. وقال الله عز وجل: {أية : فِيهِ تُسِيمُونَ} تفسير : [النحل: 10]. قال الأخطل:شعر : مثل ٱبنِ بزعة أو كآخر مثلِه أولى لك ٱبن مِسيمةِ الأجْمالِ تفسير : أراد ٱبن راعية الإبل. والسوام: كل بهيمة ترعى، وقيل: المعدّة للجهاد؛ قاله ٱبن زيد. مجاهد: المُسَوَّمَة المطَهَّمَة الحسان. وقال عِكرمة: سوّمها الحسن؛ وٱختاره النحاس، من قولهم: رجل وسِيم. وروى عن ٱبن عباس أنه قال: المسومة المعلمة بشيات الخيل في وجوهها، من السيما وهي العلامة. وهذا مذهب الكسائيّ وأبي عبيدة. قلت: كل ما ذكر يحتمله اللفظ، فتكون راعية مُعَدَّة حساناً مُعْلَمَة لِتُعرفَ من غيرها. قال أبو زيد: أصل ذلك أن تجعل عليها صوفة أو علامة تخالف سائر جسدها لتبين من غيرها في المرعى. وحكى ٱبن فارس اللغويّ في مجمله: المسَوَّمَة المرْسَلَة وعليها ركبانها. وقال المؤرِّج: المسوّمة المكْوِية. المبرّد: المعروفة في البلدان. ٱبن كيسان: البُلْقُ. وكلها متقارب من السيما. قال النابغة:شعر : وضُمْرٍ كالقِدَاح مُسَوَّمَاتٍ عليها مَعْشَرٌ أشْبَاهُ جِنِّ تفسير : الثامنة: قوله تعالى: {وَٱلأَنْعَامِ} قال ٱبن كيسان: إذا قلت نَعَمٌ لم تكن إلا للإبل، فإذا قلت أنعامٌ وقعت للإبل وكل ما يرعى. قال الفرّاء: هو مُذَكَّر ولا يؤنّث؛ يقولون: هذا نَعَمٌ واردٌ، ويجمع أنعاماً. قال الهَروِيّ: والنَّعَم يذكّر ويؤنّث، والأنعام المَواشي من الإبل والبقر والغنم؛ وإذا قيل: النّعَم فهو الإبل خاصّة. وقال حسان:شعر : وكانت لا يزال بها أنِيس خِلاَلَ مُروجِها نَعَمٌ وشَاءُ تفسير : وفي سنن ٱبن ماجه عن عروة البارِقيّ يرفعه قال: «حديث : الإبلُ عِزٌّ لأهلها والغنم بركةٌ والخيرُ معقودٌ في نواصي الخيل إلى يوم القيامة»تفسير : . وفيه عن ٱبن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الشاة من دوابّ الجنة»تفسير : . وفيه عن أبي هريرة قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الأغنياء باتخاذ الغنم، والفقراء باتخاذ الدَّجَاج. وقال: «حديث : عند ٱتخاذَ الأغنياءِ الدجاج يأذن الله تعالى بهلاك القرى»تفسير : وفيه عن أُمِّ هانِىء أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لها: «حديث : ٱتّخذِي غَنَماً فإنّ فيها بركة»تفسير : . أخرجه عن أبي بكر بن أبي شَيْبة عن وكيع عن هِشام بن عُرْوة عن أبيه عن أُمّ هانِىء، إسناد صحيح. التاسعة: قوله تعالى: {وَٱلْحَرْثِ} الحرث هنا ٱسم لكل ما يُحْرَث، وهو مصدر سمِّي به؛ تقول: حَرَث الرجل حَرْثاً إذا أثار الأرض لمعنى الفِلاَحَة؛ فيقع ٱسم الحراثةَ على زرع الحبوب وعلى الجَنّات وعلى غير ذلك من نوع الفِلاحة. وفي الحديث: «حديث : ٱحرث لدنياك كأنك تعيش أبدا»تفسير : . يقال حرثت وٱحترثت. وفي حديث عبد الله. «ٱحْرُثوا هذا القرآن» أي فَتِّشُوه. قال ٱبن الأعرابيّ: الحرث التّفْتِيشُ؛ وفي الحديث: «حديث : أصدقُ الأسماء الحارِثُ» تفسير : لأن الحارث هو الكاسب، وآحتراث المال كسبه، والمِحْراث مُسْعر النار والحَرَاثُ مَجْرى الوَتَر في القوس، والجمع أحْرِثه، وأحرث الرجل ناقتَه أهْزَلها. وفي حديث معاوية: ما فعلتْ نَواضحُكم؟ قالوا: حرَثْناها يومَ بَدْر. قال أبو عبيد: يعنون هزلناها؛ يقال: حرثت الدابة وأحرثتها، لغتان. وفي صحيح البخاريّ. عن أبي أُمامة الباهِلِيّ قال وقد رأى سِكّة وشيئاً من آلة الحرث فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : لا يدخلُ هذا بيت قومٍ إلا دخله الذُّلّ»تفسير : . قيل: إنّ الذلّ هنا ما يلزَم أهل الشغلَ بالحرث من حقوق الأرض التي يطالبهم بها الأئمة والسلاطين. وقال المهلب: معنى قوله في هذا الحديث والله أعلم الحَضّ على مَعالي الأحوال وطلب الرزق من أشرف الصناعات؛ وذلك لِما خشِي النبيّ صلى الله عليه وسلم على أُمّته من الاشتغال بالحرث وتضييع ركوب الخيل والجهاد في سبيل الله؛ لأنهم إن ٱشتغلوا بالحرث غلبتهم الأُمم الراكبة للخير المتعيشة من مكاسبها؛ فحضهم على التعيُّش من الجهاد لا من الخلود إلى عمارة الأرض ولزوم المِهْنَة. ألا ترى أنّ عمر قال: تمعْدَدوا وٱخْشَوشِنوا وٱقطعوا الرّكُبَ وثِبوا على الخيل وَثْباً لا تغلبنّكم عليها رعاة الإبل. فأمرهم بملازمة الخيل، ورياضة أبدانهم بالوثوب عليها. وفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما مِن مسلم غَرَسَ غَرْساً أو زَرَع زرعاً فيأكل منه طيرٌ أو إنسانٌ أو بهيمةٌ إلا كان له به صدقة».تفسير : قال العلماء: ذكر الله تعالى أربعة أصناف من المال، كل نوع من المال يتموّل به صنف من الناس؛ أمّا الذهب والفضة فيتموّل بها التجار، وأمّا الخيل المسوّمة فيتموّل بها الملوك، وأمّا الأنعام فيتموّل بها أهل البوادِي، وأمّا الحرث فيتموّل بها أهل الرساتيق. فتكون فتنة كل صنف في النوع الذي يتموّل، فأمّا النساء والبنون ففتنة للجميع. العاشرة: قوله تعالى: {ذٰلِكَ مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي ما يُتَمتّع به فيها ثم يذهب ولا يبقى. وهذا منه تزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة. روى ٱبن ماجه وغيره عن عبد الله بن عمر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إنما الدنيا متاع وليس من متاع الدنيا شيء أفضل من المرأة الصالحة»تفسير : . وفي الحديث: «حديث : إزهد في الدنيا يحِبك الله»تفسير : أي في متاعها من الجاه والمال الزائد على الضروريّ. قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال بيتٌ يسكنه وثوبٌ يُوارِي عورتَه وجِلْف الخبز والماء» تفسير : أخرجه الترمذِي من حديث المقدام بن معد يكرب. وسئل سهل بن عبد الله: بِم يسهل على العبد ترك الدنيا وكل الشهوات؟ قال: بتشاغله بما أُمِر به. الحادية عشرة: قوله تعالى: {وَٱللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ ٱلْمَآبِ} ابتداءٌ وخبر. والمآب المرجع؛ آب يؤوب إياباً إذا رجع؛ قال ٱمرؤ القيس.شعر : وقد طوفت في الآفاق حتى رضِيتُ من الغَنِيمَةِ بالإيَابِ تفسير : وقال آخر:شعر : وكلّ ذي غَيْبَةٍ يؤُوبُ وغائِبُ الْمَوْتِ لا يؤوبُ تفسير : وأصل مآب مأوب، قلبت حركة الواو إلى الهمزة وأبدل من الواو ألف، مثل مقال. ومعنى الآية تقليل الدنيا وتحقيرها والترغيب في حسن المرجع إلى الله تعالى في الآخرة.

البيضاوي

تفسير : {زُيّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوٰتِ} أي المشتهيات سماها شهوات مبالغة وإيماء على أنهم انهمكوا في محبتها حتى أحبوا شهوتها كقوله تعالى: {أية : أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ }تفسير : [ص: 32] والمزين هو الله تعالى لأنه الخالق للأفعال والدواعي، ولعله زينه إبتلاء، أو لأنه يكون وسيلة إلى السعادة الأخروية إذا كان على وجه يرتضيه الله تعالى، أو لأنه من أسباب التعيش وبقاء النوع. وقيل الشيطان فإن الآية في معرض الذم. وفرق الجبائي بين المباح والمحرم. {مِنَ ٱلنّسَاءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَـٰطِيرِ ٱلْمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلأَنْعَـٰمِ وَٱلْحَرْثِ } بيان للشهوات، والقنطار المال الكثير. وقيل مائة ألف دينار. وقيل ملء مسك ثور. واختلف في أنه فعلال أو فنعال، والمقنطرة مأخوذة منه للتأكيد كقولهم بدرة مبدرة. والمسومة المعلمة من السومة وهي العلامة، أو المرعية من أسام الدابة وسومها، أو المطهمة. والأنعام الإِبل والبقر والغنم {ذٰلِكَ مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } إشارة إلى ما ذكر. {وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلْمَآبِ} أي المرجع، وهو تحريض على استبدال ما عنده من اللذات الحقيقية الأبدية بالشهوات المخدجة الفانية.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من أنواع الملاذ من النساء والبنين، فبدأ بالنساء؛ لأن الفتنة بهن أشد، كما ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء»تفسير : فأما إذا كان القصد بهن الإعفاف وكثرة الأولاد، فهذا مطلوب مرغوب فيه، مندوب إليه، كما وردت الأحاديث بالترغيب في التزويج والاستكثار منه، وإن خير هذه الأمة من كان أكثرها نساء، وقوله صلى الله عليه وسلم «حديث : الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة، إن نظر إليها سرته، وإن أمرها أطاعته، وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله»تفسير : وقوله في الحديث الآخر: «حديث : حبب إليّ النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة»تفسير : . وقالت عائشة رضي الله عنها: لم يكن شيء أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من النساء، إلا الخيل، وفي رواية: من الخيل إلا النساء. وحب البنين تارة يكون للتفاخر والزينة، فهو داخل في هذا، وتارة يكون لتكثير النسل وتكثير أمة محمد صلى الله عليه وسلم ممن يعبد الله وحده لا شريك له، فهذا محمود ممدوح؛ كما ثبت في الحديث: «حديث : تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة»تفسير : ، وحب المال كذلك، تارة يكون للفخر والخيلاء والتكبر على الضعفاء والتجبر على الفقراء، فهذا مذموم، وتارة يكون للنفقة في القربات، وصلة الأرحام والقرابات، ووجوه البر والطاعات، فهذا ممدوح محمود شرعاً. وقد اختلف المفسرون في مقدار القنطار على أقوال، وحاصلها أنه المال الجزيل؛ كما قاله الضحاك وغيره، وقيل: ألف دينار، وقيل: ألف ومائتا دينار، وقيل: اثنا عشر ألفاً، وقيل: أربعون ألفاً، وقيل: ستون ألفاً، وقيل: سبعون ألفاً، وقيل: ثمانون ألفاً، وقيل غير ذلك، وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : القنطار اثنا عشر ألف أوقية، كل أوقية خير مما بين السماء والأرض»تفسير : ، وقد رواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن حماد بن سلمة، به. وقد رواه ابن جرير عن بندار، عن ابن مهدي، عن حماد بن زيد، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة موقوفاً، كرواية وكيع في تفسيره حيث قال: حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن ذكوان أبي صالح عن أبي هريرة قال: «حديث : القنطار اثنا عشر ألف أوقية، الأوقية خير مما بين السماء والأرض»تفسير : وهذا أصح، وهكذا رواه ابن جرير عن معاذ بن جبل وابن عمر، وحكاه ابن أبي حاتم عن أبي هريرة وأبي الدرداء، أنهم قالوا: القنطار ألف ومائتا أوقية، ثم قال ابن جرير رحمه الله: حدثنا زكريا بن يحيى الضرير، حدثنا شبابة، حدثنا مخلد بن عبد الواحد، عن علي بن زيد، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن زر بن حبيش، عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : القنطار ألف أوقية ومائتا أوقية»تفسير : . وهذا حديث منكر أيضاً، والأقرب أن يكون موقوفاً على أبي بن كعب كغيره من الصحابة. وقد روى ابن مردويه من طريق موسى بن عبيدة الربذي، عن محمد بن إبراهيم، عن يُحَنَّس أبي موسى، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من قرأ مائة آية، لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ مائة آية إلى ألف، أصبح له قنطار من أجر عند الله، القنطار منه مثل الجبل العظيم»تفسير : ورواه وكيع عن موسى بن عبيدة بمعناه. وقال الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عيسى بن زيد اللخمي بتَنيس، حدثنا عمرو بن أبي سلمة، حدثنا زهير بن محمد، حدثنا حميد الطويل ورجل آخر، عن أنس بن مالك، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى: {وَٱلْقَنَـٰطِيرِ ٱلْمُقَنطَرَةِ} قال: «حديث : القنطار ألفا أوقية»تفسير : صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، هكذا رواه الحاكم، وقد رواه ابن أبي حاتم بلفظ آخر، فقال: أنبأنا أحمد بن عبد الرحمن الرقي، أنبأنا عمرو بن أبي سلمة، أنبأنا زهير، يعني: ابن محمد، حدثنا حميد الطويل، ورجل آخر قد سماه، يعني: يزيد الرقاشي، عن أنس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: «حديث : قنطار يعني ألف دينار»تفسير : وهكذا رواه ابن مردويه والطبراني عن عبد الله بن محمد بن أبي مريم، عن عمرو بن أبي سلمة، فذكر بإسناده مثله سواء، وروى ابن جرير عن الحسن البصري مرسلاً عنه وموقوفاً عليه: القنطار ألف ومائتا دينار، وكذا رواه العوفي عن ابن عباس، وقال الضحاك: من العرب من يقول: القنطار ألف دينار، ومنهم من يقول: اثنا عشر ألفاً، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عارم عن حماد عن سعيد الجَريري، عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري، قال: القنطار ملء مسك الثور ذهباً، قال أبو محمد: ورواه محمد بن موسى الحرشي عن حماد بن زيد مرفوعاً، والموقوف أصح. (وحب الخيل على ثلاثة أقسام): تارة يكون ربطها أصحابها معدة لسبيل الله، متى احتاجوا إليها غزوا عليها، فهؤلاء يثابون، وتارة تربط فخراً ونواء لأهل الإسلام، فهذه على صاحبها وزر، وتارة للتعفف واقتناء نسلها، ولم ينس حق الله في رقابها، فهذه لصاحبها ستر؛ كما سيأتي الحديث بذلك إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى: {أية : وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ}تفسير : [الأنفال: 60] الآية، وأما المسومة، فعن ابن عباس رضي الله عنهما: المسومة: الراعية، والمطهمة: الحسان، وكذا روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعبد الرحمن بن عبد الله بن أبزى والسدي والربيع بن أنس وأبي سنان وغيرهم، وقال مكحول: المسومة: الغرة والتحجيل. وقيل غير ذلك. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الحميد بن جعفر، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سويد بن قيس، عن معاوية بن حُديج، عن أبي ذر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ليس من فرس عربي إلا يؤذن له مع كل فجر يدعو بدعوتين يقول: اللهم إنك خولتني من بني آدم، فاجعلني من أحب ماله وأهله إليه، أو أحب أهله وماله إليه»تفسير : وقوله تعالى: {وَٱلأَنْعَـٰمِ} يعني: الإبل والبقر والغنم، {وَٱلْحَرْثِ} يعني: الأرض المتخذة للغراس والزراعة، وقال الإمام أحمد: حدثنا روح بن عبادة، حدثنا أبو نعامة العدوي، عن مسلم بن بديل، عن إياس بن زهير، عن سويد بن هبيرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: «حديث : خير مال امرىء له مهرة مأمورة، أو سكة مأبورة»تفسير : المأمورة: الكثيرة النسل، والسكة: النخل المصطف، والمأبورة: الملقحة. ثم قال تعالى: {ذَٰلِكَ مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا} أي: إنما هذا زهرة الحياة الدنيا وزينتها الفانية الزائلة { وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلْمَأَبِ} أي: حسن المرجع والثواب. وقد قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير عن عطاء، عن أبي بكر بن حفص بن عمر بن سعد. قال: قال عمر بن الخطاب: لما نزلت: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ} قلت: الآن يا رب حين زينتها لنا، فنزلت: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذَٰلِكُمْ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ} الآية، ولهذا قال تعالى: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذَٰلِكُمْ} أي: قل يا محمد للناس: أؤخبركم بخير مما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من زهرتها ونعيمها الذي هو زائل لا محالة؟ ثم أخبر عن ذلك فقال: {لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّـٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلاَْنْهَارُ} أي: تنخرق بين جوانبها وأرجائها الأنهار؛ من أنواع الأشربة من العسل واللبن والخمر والماء وغير ذلك مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر {خَـٰلِدِينَ فِيهَا} أي: ماكثين فيها أبد الآباد، لا يبغون عنها حولاً، {وَأَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ} أي: من الدنس والخبث والأذى، والحيض والنفاس، وغير ذلك مما يعتري نساء الدنيا {وَرِضْوَٰنٌ مِّنَ ٱللَّهِ} أي: يحل عليهم رضوانه، فلا يسخط عليهم بعده أبداً، ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى التي في براءة: {وَرِضْوَٰنٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} أي: أعظم مما أعطاهم من النعيم المقيم، ثم قال تعالى: {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ} أي: يعطي كلاً بحسب ما يستحقه من العطاء.

المحلي و السيوطي

تفسير : {زُيّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوٰتِ } ما تشتهيه النفس وتدعو إليه، زينها الله ابتلاءً أو الشيطان {مِنَ ٱلنّسَاء وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَٰطِيرِ } الأموال الكثيرة {ٱلْمُقَنطَرَةِ } المجمعة {مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ } الحسان {وَٱلأَنْعَٰمُ } أي الإبل والبقر والغنم {وَٱلْحَرْثِ } الزرع {ذٰلِكَ } المذكور {مَتَٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } يتمتع به فيها ثم يفنى {وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلْمَأَبِ } المرجع وهو الجنة فينبغي الرغبة فيه دون غيره.

الشوكاني

تفسير : قوله: {زُيّنَ لِلنَّاسِ } الخ: كلام مستأنف لبيان حقارة ما تستلذه الأنفس في هذه الدار، والمزين قيل: هو الله سبحانه، وبه قال عمر، كما حكاه عنه البخاري، وغيره، ويؤيد قوله تعالى: {أية : إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ } تفسير : [الكهف: 7]. وقيل: المزين هو الشيطان، وبه قال الحسن، حكاه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عنه. وقرأ الضحاك: «زين» على البناء للفاعل. وقرأه الجمهور على البناء للمفعول. والمراد بالناس: الجنس. والشهوات جمع شهوة، وهي نزوع النفس إلى ما تريده. والمراد هنا: المشتهيات عبر عنها بالشهوات، مبالغة في كونها مرغوباً فيها، أو تحقيراً لها؛ لكونها مسترذلة عند العقلاء من صفات الطبائع البهيمية، ووجه تزيين الله سبحانه لها: ابتلاء عباده، كما صرح به في الآية الأخرى. وقوله: {مِنَ ٱلنّسَاء وَٱلْبَنِينَ } في محل الحال: أي: زين للناس حب الشهوات حال كونها من النساء، والبنين الخ. وبدأ بالنساء لكثرة تشوّق النفوس إليهنّ؛ لأنهن حبائل الشيطان، وخص البنين دون البنات؛ لعدم الاطراد في محبتهن. والقناطير جمع قنطار، وهو اسم للكثير من المال. قال الزجاج: القنطار مأخوذ من عقد الشيء وإحكامه: تقول العرب قنطرت الشيء: إذا أحكمته، ومنه سميت القنطرة لإحكامها. وقد اختلف في تقديره على أقوال للسلف ستأتي إن شاء الله. واختلفوا في معنى {المقنطرة}، فقال ابن جرير الطبري: معناها المضعفة، وقال القناطير: ثلاثة، والمقنطرة تسعة. وقال الفراء: القناطير جمع القنطار، والمقنطرة جمع الجمع، فتكون تسع قناطير، وقيل: المقنطرة: المضروبة، وقيل: المكلمة كما يقال: بدرة مبدرة، وألوف مؤلفة، وبه قال مكي، وحكاه الهروي. وقال ابن كيسان: لا تكون المقنطرة أقلّ من سبع قناطير. وقوله: {مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ } بيان للقناطير، أو حال {وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ } قيل: هي المرعية في المروج، والمسارح، يقال سامت الدابة، والشاة: إذا سرحت، وقيل: هي المعدّة للجهاد. وقيل: هي الحسان، وقيل: المعلمة من السومة، وهي العلامة، أي: التي يجعل عليها علامة لتتميز عن غيرها. وقال ابن فارس في المجمل: المسومة: المرسلة، وعليها ركبانها. وقال ابن كيسان: البلق. والأنعام هي: الإبل، والبقر، والغنم، فإذا قلت: نعم: فهي الإبل خاصة قاله الفراء، وابن كيسان، ومنه قول حسان:شعر : وَكَانَتْ لا يَزَالُ بِها أنِيس خِلاَلَ مُروجَهَا نَعمٌ وشَاءُ تفسير : والحرث: اسم لكل ما يحرث، وهو مصدر سمي به المحروث، يقول حرث الرجل حرثاً: إذا أثار الأرض، فيقع على الأرض، والزرع. قال ابن الأعرابي الحرث: التفتيش. قوله: {ذٰلِكَ مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } أي: ذلك المذكور ما يتمتع به، ثم يذهب، ولا يبقى، وفيه تزهيد في الدنيا، وترغيب في الآخرة. و{المآب}: المرجع آب يئوب إياباً: إذا رجع، ومنه قول امريء القيس:شعر : لَقَد طَوّفْتُ فِي الآفَاقِ حَتَّى رَضِيتُ منَ الغَنِيمةِ بالإيَابِ تفسير : قوله: {قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذٰلِكُمْ } أي: هل أخبركم بما هو خير لكم من تلك المستلذات؟ وإبهام الخير للتفخيم، ثم بينه بقوله: {لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ عِندَ رَبّهِمْ جَنَّـٰتٌ } وعند في محل نصب على الحال من جنات، وهي مبتدأ، وخبرها للذين اتقوا، ويجوز أن تتعلق اللام بخير. وجنات خبر مبتدأ مقدّر، أي: هو جنات، وخص المتقين؛ لأنهم المنتفعون بذلك. وقد تقدّم تفسير قوله: {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأنْهَـٰرُ } وما بعده. قوله: {ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ } بدل من قوله: {لّلَّذِينَ ٱتَّقَواْ } أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هم الذين، أو منصوب على المدح، والصابرين، وما بعده نعت للموصول على تقدير كونه بدلاً، أو منصوباً على المدح، وعلى تقدير كونه خبراً يكون الصابرين، وما بعده منصوبة على المدح، وقد تقدّم تفسير الصبر، والصدق، والقنوت. قوله: {وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأسْحَارِ } هم: السائلون للمغفرة بالأسحار. وقيل: المصلون. والأسحار جمع سحر بفتح الحاء، وسكونها. قال الزجاج: هو من حين يدبر الليل إلى أن يطلع الفجر، وخص الأسحار؛ لأنها من أوقات الإجابة. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن عمر بن الخطاب، لما نزلت: {زُيّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوٰتِ } قال: الآن يا ربّ حين زينتها لنا، فنزلت: {قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ }. وأخرجه ابن المنذر عنه بلفظ "خير" انتهى إلى قوله: {قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ } فبكى، وقال: بعد ماذا، بعد ماذا بعد ما زينتها. وأخرج أحمد، وابن ماجه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : القنطار اثنا عشر ألف أوقية»تفسير : . رواه أحمد من حديث عبد الصمد بن عبد الوارث، عن حماد، عن عاصم عن أبي صالح عنه. ورواه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الصمد به. وقد رواه ابن جرير موقوفاً على أبي هريرة. قال ابن كثير: وهذا أصح. وأخرج الحاكم وصححه، عن أنس قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القناطير المقنطرة، فقال: «حديث : القنطار ألف أوقية»تفسير : . ورواه ابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه مرفوعاً بلفظ "ألف دينار". وأخرج ابن جرير، عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : القنطار ألف أوقية، ومائتا أوقية»تفسير : . وأخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي من قول معاذ بن جبل. وأخرجه ابن جرير من قول ابن عمر. وأخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، والبيهقي من قول أبي هريرة. وأخرجه ابن جرير، والبيهقي من قول ابن عباس. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن أبي سعيد الخدري، قال: القنطار ملء مسك جلد الثور ذهباً. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عمر أنه قال: القنطار سبعون ألفاً، وأخرجه عبد بن حميد، عن مجاهد. وأخرج أيضاً عن سعيد بن المسيب قال القنطار ثمانون ألفاً. وأخرج أيضاً، عن أبي صالح قال: القنطار مائة رطل. وأخرجه أيضاً عن قتادة، وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي جعفر قال: القنطار خمسة عشر ألف مثقال، والمثقال أربعة وعشرون قيراطاً، وأخرج ابن جرير، عن الضحاك قال: هو المال الكثير من الذهب، والفضة. وأخرجه أيضاً، عن الربيع. وأخرج عن السدي: أن المقنطرة: المضروبة. وأخرج ابن جرير من طريق العوفي، عن ابن عباس {وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ } قال: الراعية. وأخرج ابن المنذر، عنه من طريق مجاهد. وأخرج ابن جرير عنه قال: هي الراعية، والمطهمة الحسان. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد قال: هي المطهمة الحسان. وأخرجا، عن عكرمة قال: تسويمها حسنها. وأخرج ابن أبي حاتم، قال: {ٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ } الغرّة، والتحجيل، وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة في قوله الصابرين قال: قوم صبروا على طاعة الله، وصبروا عن محارمه، والصادقون: قوم صدقت نياتهم، واستقامت قلوبهم، وألسنتهم، وصدقوا في السرّ، والعلانية، والقانتون: هم المطيعون، والمستغفرون بالأسحار: أهل الصلاة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير، نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة قال: هم الذين يشهدون صلاة الصبح. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه، عن أنس قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستغفر بالأسحار سبعين مرة. وأخرج ابن جرير، وأحمد في الزهد، عن سعيد الجريري؛ قال: بلغنا أن داود عليه السلام سأل جبريل، فقال: يا جبريل أي الليل أفضل؟ قال: يا داود ما أدري إلا أن العرش يهتز في السحر. وقد ثبت في الصحيحين، وغيرهما، عن جماعة من الصحابة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ينزل الله تبارك وتعالى في كل ليلة إلى سماء الدنيا حتى يبقي ثلث الليل الآخر، فيقول هل من سائل، فأعطيه، هل من داع، فأستجيب له، هل من مستغفر، فأغفر له؟».

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ} معنى زين: أي حُسِّن حب الشهوات، والشهوة من خَلْق الله في الإنسان، لأنها ضرورة لا يقدر على دفعها. وفي المُزّيِّن لحب الشهوات ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه الشيطان، لأنه لا أحد أشد ذَمًّا لها من الله تعالى الذي خَلَقَها، قاله الحسن. الثاني: تأويل أن الله زين حب الشهوات لِمَا جعله في الطبائع من المنازعة كما قال تعالى: {أية : إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرْضِ زِينَةً لَّهَا} تفسير : [الكهف: 7]، قاله الزجاج. والثالث: أن الله زين من حبها ما حَسُن، وزين الشيطان من حبها ما قَبُح. {وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ} اختلفوا في مقدار القنطار على سبعة أقاويل: أحدها: أنه ألف ومائتا أوقية، وهو قول معاذ بن جبل، وأبي هريرة ورواه زر بن حبيش عن أُبيّ بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : القِنْطَارُ أَلفٌ وَمِائَتا أُوقِيَّةٍ ". تفسير : والثاني: أنه ألف ومائتا دينار، وهو قول الضحاك، والحسن، وقد رواه الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم. والثالث: أنه اثنا عشر ألف درهم أو ألف دينار، وهو قول ابن عباس. والرابع: أنه ثمانون ألفاً من الدراهم، أو مائة رطل من الذهب، وهو قول سعيد بن المسيب، وقتادة. والخامس: أنه سبعون ألفاً، قاله ابن عمر، ومجاهد. والسادس: أنه ملء مسك ثور ذهباً، قاله أبو نضرة. والسابع: أنه المال الكثير، وهو قول الربيع. وفي {المُقَنْطَرَةِ} خمسة أقاويل: أحدها: أنها المضاعفة، وهو قول قتادة. والثاني: أنها الكاملة المجتمعة. والثالث: هي تسعة قناطير، قاله الفراء. والرابع: هي المضروبة دراهم أو دنانير، وهو قول السدي. والخامس: أنها المجعولة كذلك، كقولهم دراهم مدرهمة. ويحتمل وجهاً سادساً: أن القناطير المذكورة مأخوذة من قنطرة الوادي، إما لأنها بتركها مُعَدَّة كالقناطر المعبورة، وإما لأنها معدة لوقت الحاجة، والقناطير مأخوذة من عقد الشيء وإحكامه كالقنطرة. {وَالْخَيلِ الْمُسَوَّمَةِ} فيها خمسة تأويلات: أحدها: أنها الراعية، قاله سعيد بن جبير، والربيع، ومنه قوله تعالى: {وفيه تسيمون} أي ترعون. والثاني: أن المسومة الحسنة، قاله مجاهد، وعكرمة، والسدي. والثالث: أنها المعلَّمة، قاله ابن عباس، وقتادة. والرابع: أنها المعدة للجهاد، قاله ابن زيد. والخامس: أنها من السيما مقصورة وممدود، قاله الحسن، قال الشاعر: شعر : غلامٌ رماه اللهُ بالحُسْن يافعاً له سيمياء لا تَشُقُّ على البصر تفسير : {والأنْعَامِ} هي الإِبل، والبقر، والغنم من الضأن والمعز، ولا يقال النعم لجنس منها على الإِنفراد إلا للإِبل خاصة. {والْحَرْثِ} هو الزرع. ويحتمل وجهاً ثانياً: أن يريد أرض الحرث لأنها أصل، ويكون الحرث بمعنى المحروث.

ابن عطية

تفسير : قرأ جمهور الناس "زُين" على بناء الفعل للمفعول ورفع "حبُّ" على أنه مفعول لم يسم فاعله، وقرأ الضحاك ومجاهد "زَين" على بناء الفعل للفاعل ونصب "حبَّ" على أنه المفعول، واختلف الناس من المزين؟ فقالت فرقة: الله زين ذلك وهو ظاهر قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأنه قال لما نزلت هذه الآية: قلت الآن يا رب حين زينتها لنا فنزلت: {أية : قل أؤنبئكم بخير من ذلكم} تفسير : [آل عمران: 15]، وقالت فرقة: المزين هو الشيطان، وهذا ظاهر قول الحسن بن أبي الحسن، فإنه قال من زينها؟ ما أحد أشد لها ذماً من خالقها. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وإذا قيل زين الله، فمعناه بالإيجاد والتهيئة لانتفاع وإنشاء الجبلة عن الميل إلى هذه الأشياء، وإذا قيل زين الشيطان فمعناه بالوسوسة والخديعة وتحسين أخذها من غير وجوهها. والآية تحتمل هذين النوعين من التزيين ولا يختلف مع هذا النظر، وهذه الآية على كلا الوجهين ابتداء وعظ لجميع الناس، وفي ضمن ذلك توضح لمعاصري محمد عليه السلام من اليهود وغيرهم، و {الشهوات} ذميمة واتباعها مردٍ وطاعتها مهلكة، وقد قال عليه السلام: "حديث : حفت النار بالشهوات وحفت الجنة بالمكاره" تفسير : فحسبك أن النار حفت بها، فمن واقعها خلص إلى النار، و {والقناطير} جمع قنطار، وهو العقدة الكبيرة من المال، واختلف الناس في تحرير حده كم هو؟ فروى أبي بن كعب، عن النبي عليه السلام أنه قال: القنطار ألف ومائتا أوقية، وقال بذلك معاذ بن جبل وعبد الله بن عمر وأبو هريرة وعاصم بن أبي النجود وجماعة من العلماء، وهو أصح الأقوال، لكن القنطار على هذا يختلف باختلاف البلاد في قدر الأوقية، وقال ابن عباس والضحاك بن مزاحم والحسن بن أبي الحسن: القنطار ألف ومائتا مثقال، وروى الحسن ذلك مرفوعاً عن النبي عليه السلام، قال الضحاك وهو من {الفضة} ألف ومائتا مثقال، وروي عن ابن عباس أنه قال: القنطار من {الفضة} اثنا عشر ألف درهم، ومن {الذهب} ألف دينار، وروي بذلك عن الحسن والضحاك وقال سعيد بن المسيب: القنطار ثمانون ألفاً، وقال قتادة: القنطار مائة رطل من {الذهب} أو ثمانون ألف درهم من {الفضة}، وقال السدي: القنطار ثمانيه آلاف مثقال وهي مائة رطل، وقال مجاهد القنطار سبعون ألف دينار، وروي ذلك عن ابن عمر، وقال أبو نضرة: القنطار ملء مسك ثور ذهباً. قال ابن سيده: هكذا هو بالسريانية، وقال الربيع بن أنس: القنطار المال الكثير بعضه على بعض، وحكى النقاش عن ابن الكلبي، أن القنطار بلغة الروم ملء مسك ثور ذهباً، وقال النقاش: {القناطير} ثلاثة، {والمقنطرة} تسعة لأنه جمع الجمع، وهذا ضعف نظر وكلام غير صحيح، وقد حكى مكي نحوه عن ابن كيسان أنه قال: لا تكون {المقنطرة} أقل من تسعة وحكى المهدوي عنه وعن الفراء، لا تكون {المقنطرة} أكثر من تسعة، وهذا كله تحكم. قال أبو هريرة: القنطار اثنا عشر ألف أوقية، وحكى مكي قولاً إن القنطار أربعون أوقية ذهباً أو فضة، وقاله ابن سيده في المحكم، وقال: القنطار بلغة بربر ألف مثقال، وروى أنس بن مالك عن النبي عليه السلام في تفسير قوله تعالى: {أية : وآتيتم إحداهن قنطاراً} تفسير : [النساء: 20] قال ألف دينار ذكره الطبري، وحكى الزجاج أنه قيل: إن القنطار هو رطل ذهباً أوفضة وأظنها وهماً، وإن القول مائة رطل فسقطت مائة للناقل، والقنطار إنما هو اسم المعيار الذي يوزن به، كما هو الرطل والربع، ويقال لما بلغ ذلك الوزن هذا قنطار أي يعدل القنطار، والعرب تقول: قنطر الرجل إذا بلغ ماله أن يوزن بالقنطار، وقال الزجاج: القنطار مأخوذ من عقد الشيء وأحكامه والقنطرة المعقودة نحوه، فكأن القنطار عقدة مال. واختلف الناس في معنى قوله: {المقنطرة} فقال الطبري: معناه المضعفة، وكأن {القناطير} ثلاثة و {المقنطرة} تسع، وقد تقدم ذكر هذا النظر، وقال الربيع: معناه المال الكثير بعضه فوق بعض، وقال السدي: معنى {المقنطرة}، المضروبة حتى صارت دنانير أو دراهم، وقال مكي: {المقنطرة} المكملة، والذي أقول: إنها إشارة إلى حضور المال وكونه عتيداً، فذلك أشهى في أمره وذلك أنك تقول في رجل غني من الحيوان والأملاك: فلان صاحب قناطير مال أي لو قومت أملاكه لاجتمع من ذلك ما يعدل قناطير، وتقول في صاحب المال الحاضر العتيد هو صاحب قناطير مقنطرة أي قد حصلت كذلك بالفعل بها، أي قنطرت فهي مقنطرة، وذلك أشهى للنفوس وأقرب للانتفاع وبلوغ الآمال. وقد قال مروان بن الحكم، ما المال إلا ما حازته العياب، وإذا كان هذا فسواء كان المال مسكوكاً، أو غير مسكوك، أما أن المسكوك أشهى لما ذكرناه، ولكن لا تعطي ذلك لفظة {المقنطرة}. {والخيل}: جمع خائل عند أبي عبيدة، سمي الفرس لأنه يختال في مشيه فهو كطائر وطير، وقال غيره: هو اسم جمع لا واحد له من لفظه، واختلف المفسرون في معنى {المسومة} فقال سعيد بن جبير وابن عباس وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى والحسن والربيع ومجاهد، معناه الراعية في المروج والمسارح تقول: سامت الدابة أو الشاة إذا سرحت وأخذت سومها من الرعي أي غاية جهدها ولم تقصر عن حال دون حال، وأسمتها أنا إذا تركتها لذلك، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : في سائمة الغنم الزكاة" تفسير : ومنه قوله عز وجل: {أية : فيه تسيمون} تفسير : [النحل: 10] وروي عن مجاهد أنه قال: {المسومة} معناه المطهمة الحسان، وقاله عكرمة، سومها الحسن، وروي عن ابن عباس أنه قال: {المسومة} معناه المعلمة، شيات الخيل في وجوهها وقاله قتادة، ويشهد لهذا القول بيت لبيد: [الكامل] شعر : وَغَدَاةَ قاعِ الْقرْنَتينِ أتيْنَهُمْ زُجْلاً يلوحُ خِلالها التَّسْوِيمُ تفسير : وأما قوله النابغة: [الوافر]: شعر : بسمرٍ كَالْقِداحِ مُسَوَّمَاتٍ عَلَيْهَا مَعْشَرٌ أَشْبَاهُ جنِّ تفسير : فيحتمل أن يريد المطهمة الحسان، ويحتمل أن يريد المعلمة بالشيات ويحتمل أن يريد المعدة، وقد فسر الناس قوله تعالى: {أية : مسومة عند ربك} تفسير : [هود: 83] بمعنى معدة، وقال ابن زيد في قوله تعالى: {والخيل المسومة} معناه: المعدة للجهاد. قال القاضي أبو محمد عبد الحق: قوله: للجهاد ليس من تفسير اللفظة، {والأنعام} الأصناف الأربعة: الإبل والبقر والضأن والمعز {والحرث} هنا اسم لكل ما يحرث، وهو مصدر سمي به، تقول: حرث الرجل إذا أثار ألأرض لمعنى الفلاحة فيقع اسم الحرث على زرع الحبوب وعلى الجنات وغير ذلك من أنواع الفلاحة. وقوله تعالى: {أية : إذ يحكمان في الحرث} تفسير : [الأنبياء: 78] قال جمهور المفسرين، كان كرماً، والمتاع ما يستمتع به وينتفع مدة ما منحصرة، و {المآب} المرجع، تقول: آب الرجل يؤوب، ومنه قول الشاعر: [الوافر] شعر : رضيتُ من الْغَنِيمَةِ بالإيَابِ تفسير : وقول الآخر [بشر بن أبي خازم]: [الوافر] شعر : إذا ما القَارِظُ العنَزِيّ آبا تفسير : وقول عبيد: [مخلع البسيط] شعر : وَغَائِبُ الموتِ لا يؤوبُ تفسير : وأصل مآب مأوب، نقلت حركة الواو إلى الهمزة وأبدل من الواو ألف، مثل مقال، فمعنى الآية تقليل أمر الدنيا وتحقيرها، والترغيب في حسن المرجع إلى الله تعالى في الآخرة، وفي قوله: {زين للناس} تحسر ما على نحو ما في قول النبي عليه السلام: تتزوج المرأة لأربع -الحديث- وقوله تعالى: {أية : قل أؤنبئكم} تفسير : [آل عمران: 15] بمثابة قول النبي عليه السلام: "فاظفر بذات الدين".

ابن عبد السلام

تفسير : {زُيِّنَ لِلنَّاسِ} حُسِّن. والشهوة: من خلق ا لله ـ تعالى ـ ضرورية لا يقدر العبد على دفعها، زينها الشيطان، لأن الله ـ تعالى ـ ذمها، أو زينها الرب بما جعله في الطبع من المنازعة إليها، أو زين الله ـ تعالى ـ ما حَسُنَ وزين الشيطان ما قَبُحَ. {وَالْقَنَاطِيرٍ} القنطار: ألف ومائتا أوقية وهو مروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أو الف دينار ومائتا دينار، عن الرسول صلى الله عليه وسلم أيضاً، أو اثنا عشر ألف درهم، أو ألف دينار، أو ثمانون ألفاً، من الدراهم، أو مائة رطل من الذهب، أو سبعون ألفاً، أو ملء مسك ثور ذهباً، أو المال الكثير. {الْمُقَنطَرَةِ} المقنطرة: المضاعفة، أو تسعة قناطر، أو المضروبة دراهم أو دنانير، أو المجعولة كذلك، لقولهم: "دراهم مدرهمة". {الْمُسَوَّمَةِ} الراعية، أو الحسنة، أو المعلمة، أو المعدة للجهاد، أو من السيما مقصور وممدود. {وَالأَنْعَامِ} الإبل، والبقر والغنم، ولا يفرد بعضها باسم النَّعم إلا الإبل. {وَالْحَرْثِ} الزرع.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {زين للناس} قال أهل السنة: المزين هو الله تعالى لأنه تعالى خالق الجميع أفعال العباد ولأن الله تعالى خلق جميع ملاذ الدنيا وأباحها لعبيده وإباحتها للعبد تزيين لها قال الله تعالى: {أية : هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً} تفسير : [البقرة: 29] وقال تعالى: {أية : قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق} تفسير : [الأَعراف: 32] وقال الله تعالى: {أية : إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها} تفسير : [الكهف: 7] وقال تعالى: {أية : وكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيباً} تفسير : [النحل: 114] وكل ذلك يدل على أن المزين هو الله تعالى. ومما يؤيد ذلك قراءة مجاهد زين بفتح الزاي على تسمية الفاعل وقال الحسن: المزين هو الشيطان وهو قول طائفة من المعتزلة ويدل على ذلك أن الله تعالى زهد في هذه الأشياء بأن أعلم عباده زوالها. ولأن الله تعالى أطلق حب الشهوات فيدخل فيه الشهوات المحرمة، والمزين لذلك هو الشيطان، ولأن الله تعالى ذكر هذه الأشياء في معرض الذم للدنيا ويدل عليه آخر الآية وهو قول تعالى {والله عنده حسن المآب}. ونقل عن أبي علي الجبائي من المعتزلة أن كل ما كان حراماً كان المزين له هو الشيطان، وكل ما كان مباحاً كان المزين له هو الله تعالى، والصحيح ما ذهب إليه أهل السنة لأن الله تعالى خالق كل شيء ولا شريك له في ملكه. وقوله تعالى: {حب الشهوات} يعني المشتهيات لأن الشهوة توقان النفس إلى الشيء المشتهى {من النساء} إنما بدأ بذكر النساء لأن الالتذاذ بهن أكثر، والاستئناس بهن أتم، ولأنهن حبائل الشيطان وأقرب إلى الافتتان {والبنين} إنما خص البنين بالذكر لأن حب الولد الذكر أكثر من حب الأنثى ووجه حبه ظاهر لأنه يتكثر به ويعضده ويقوم مقامه. وقد جعل الله تعالى في قلب الإنسان حب الزوجة والولد لحكمه بالغة وهي بقاء التوالد ولو زالت تلك المحبة لما حصل ذلك {والقناطير المقنطرة} جمع قنطار وسمي قنطاراً من الإحكام والعقد يقال: قنطرته إذا أحكمته ومنه القنطرة المحكمة الطاق واختلفوا في القنطار هل محدود أو غير محدود؟ على قولين أحدهما: أنه محدود ثم اختلفوا في حده فروي عن معاذ بن جبل أن القنطار ألف ومائتا أوقية. وقال ابن عباس: ألف ومائتا مثقال وعنه أنه اثنا عشر ألف درهم أو ألف دينار دية أحدكم وبه قال الحسن: وقال سعيد بن جبير: هو مائة ألف ومائة من ومائة رطل ومائة مثقال ومائة درهم. ولقد جاء الإسلام يوم جاء بمكة مائة رجل قد قنطروا، وقال سعيد بن المسيب وقتادة: هو ثمانون ألفاً وقال مجاهد: سبعون ألفاً. وقال السدي: هو أربعة آلاف مثقال والقول الثاني: إن القنطار ليس بمحدود. وقال الربيع بن أنس: القنطار مال الكثير بعضه على بعض وروي عن أبي عبيدة أنه حكي عن العرب أن القنطار وزن لا يحد وهو اختيار ابن جرير الطبري وغيره. وقال الحاكم القنطار ما بين السماء والأرض من مال. وقال أبو نصرة: القنطار ملء مسك ثور ذهباً أو فضة وقال القنطار من المال ما فيه عبور الحياة تشبيهاً بعبور القنطرة المقنطرة أي المجموعة وقيل: المضاعفة لأن القناطير جمع وأقله ثلاثة والمقنطرة المضاعفة أن تكون ستة أو تسعة وقيل المقنطرة المسكوكة المنقوشة {من الذهب والفضة} إنما بدأ بهما من بين سائر أصناف الأموال لأنهما قيم الأشياء وإنما كانا محبوبين لأن المالك لهما مالك قادر على ما يريده وهي صفة كمال وهي محبوبة. وقيل سمي الذهب ذهباً لأنه يذهب ولا يبقى والفضة لأنها تنفض أي تتفرق {والخيل المسومة} الخيل جمع لا واحد له من لفظه كالقوم والرهط سميت الأفراس خيلاً لاختيالها في مشيتها. وقيل: لأن الخيل لا يركبها أحد إلاّ وجد في نفسه مخيلة عجباً واختلفوا في معنى المسومة على ثلاثة أقوال القول الأول: إنها الراعية يقال أممت الدابة وسومتها إذا أرسلتها المرعى والمقصود أنها إذا رعت زاد حسنها والقول الثاني أنها من السمة وهي العلامة ثم القائلون بهذا القول اختلفوا في تلك العلامة فقيل: الثالث هي الغرة والتحجيل التي تكون في الخيل وقيل: هي الخيل البلق وقيل: هي المعلمة بالكي. والقول الثالث: إنها المضمرة الحسان وتسويمها حسنها {والأنعام} جمع نعم وهي الإبل والبقر والغنم ولا يقال للجنس الواحد منها إلاّ للإبل خاصة فإنه غلب عليها {والحرث} يعني الزرع {ذلك} يعني ذلك الذي ذكر من هذه الأصناف {متاع الحياة الدنيا} أي الذي يستمتع به في الحياة الدنيا وهي زائلة فانية يشير إلى أن الحياة الدنيا متاع يفني {والله عنده حسن المآب} أي المرجع، فيه إشارة إلى التزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة. وقيل: فيه إشارة إلى أن مَنْ أتاه الله الدنيا كان الواجب عليه أن يصرفها فيما يكون فيه صلاحه في الآخرة لأنها السعادة القصوى.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ...} الآيةُ هذه الآيةُ ابتداءُ وعظٍ لجميع الناس، وفي ضمن ذلك توبيخٌ، والشهواتُ ذميمةٌ، وٱتباعها مُرْدٍ، وطاعتها مَهْلَكَةٌ، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : حُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ، وَحُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكَارِهِ»تفسير : ، فَحَسْبُكَ أَنَّ النَّارَ حُفَّتْ بِهَا، فمَنْ واقعها، خلص إِلى النَّار، قلْتُ: وقد جاءت أحاديثٌ كثيرةٌ في التزْهِيدِ في الدنيا، ذكَرْنا من صحيحها وحَسَنِهَا في هذا المُخْتَصَرِ جملةً صالحةً لا توجد في غيره من التَّفَاسير، فعلَيْكَ بتحصيله، فتَطَّلعَ فيه على جواهرَ نفيسةٍ، لا توجَدُ مجموعةً في غيره؛ كما هي بحَمْدِ اللَّه حاصلةٌ فيه، وكيف لا يكونُ هذا المختصر فائقاً في الحُسْن، وأحاديثه بحَمْد اللَّه مختارةٌ، أكثرها من أصولِ الإسلامِ الستَّةِ: البخاريِّ، ومسلمٍ، وأبي داود، والتِّرمذيِّ، والنَّسائِيِّ، وابنِ مَاجَة، فهذه أصول الإِسلام، ثم مِنْ غيرها؛ كصحيح ٱبْنِ حِبَّانَ، وصحيح الحاكمِ، أعني: «المُسْتَدْرَكَ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ»، وأَبِي عَوَانَةَ، وابْنِ خُزَيْمَةَ، والدَّارِمِيِّ، وَالمُوَطَّإِ، وغيرِها من المسانيدِ المشهورةِ بيْن أئمَّة الحديثِ؛ حَسْبما هو معلومٌ في علْمِ الحديث، وقصْدِي من هذا نُصْحُ من اطلع على هذا الكتاب أنْ يعلم قَدْرَ ما أنعم اللَّه به علَيْه، فإِن التحدُّث بالنعم شُكْر، ولنرجَعْ إلى ما قصدناه من نَقْلِ الأحاديث: روى الترمذيُّ عن عَائِشَةَ ـــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ـــ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إِنْ أَرَدتِّ اللُّحُوقَ بِي، فَلْيَكْفِيكِ مِنَ الدُّنْيَا، كَزَادِ الرَّاكِبَ، وإِيَّاكِ وَمُجَالَسَةَ الأَغْنِيَاءِ، وَلاَ تَسْتَخْلِفِي ثَوْباً حَتَّىٰ تَرْقَعِيهِ» تفسير : حديث غَرِيبٌ، وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إِنَّ البَذَاذَةَ مِنَ الإِيمَانِ»تفسير : ، خرَّجه أبو داود وقد نقله البغويُّ في «مصابيحه»، والبَذَاذَةُ: هي رث الهَيْئَة. اهـ و {القَناطير}: جمع قِنْطَارٍ، وهو العُقْدة الكثيرةُ من المال؛ واختلف النَّاس في تحريرِ حَدِّه، وأصحُّ الأقوالِ فيه: ما رواه أُبَيُّ ابنُ كَعْبٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنَّهُ قَالَ: «حديث : القِنْطَارُ أَلْفٌ ومِائَتَا أُوقِيَّةٍ»تفسير : ، لكنَّ القنْطارَ على هذا يختلفُ بٱختلافِ البلادِ في قَدْر الأَوقِيَّةِ. وقوله: {ٱلْمُقَنطَرَةِ}، قال الطبريُّ: معناه: المُضَعَّفة، وقال الربيعُ: المالُ الكثيرُ بعْضُه علَىٰ بعض. * ص *: {ٱلْمُقَنطَرَةِ}: مُفَعْلَلَة، أو مُفَنْعَلَة؛ مِن القِنْطَار، ومعناه: المجتمعة. * م *: أبو البقاء: و {مِنَ ٱلذَّهَبِ}: في موضعِ الحالِ من {ٱلْمُقَنطَرَةِ} اهـ. وقوله: {ٱلْمُسَوَّمَةِ}: قال مجاهدٌ: معناه المُطَهَّمة الحِسَان، وقال ابن عبَّاس وغيره: معناه: الراعيَةُ، وقيل: المُعَدَّة، {وَٱلأَنْعَـٰمِ}: الأصنافُ الأربعةُ: الإِبلُ، والبَقَرُ، والضَّأْنُ، والمَعْز. * ص *: والأنعامُ: واحدُها نَعَمٌ، والنَّعَمُ: الإِبل فقَطْ، وإِذا جُمِعَ، ٱنطلق على الإِبلِ والبقرِ والغنمِ. اهـ. {وَٱلْحَرْثِ}: هنا اسمٌ لكلِّ ما يُحْرَثُ من حَبٍّ وغيره، والمَتَاعُ: ما يستمتعُ به، وينتفعُ مدَّةً مَّا منحصرة، و {ٱلْمَآبِ}: المَرْجِعُ، فمعنى الآية: تقليلُ أمر الدُّنيا وتحقيرُها، والترغيبُ في حُسْن المَرْجِع إِلى اللَّه تعالَىٰ. وقوله تعالى: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذٰلِكُمْ...} الآية: في هذه الآية تَسْلِيَةٌ عن الدنيا، وتقويةٌ لنفوسِ تاركيها؛ ذَكَر تعالَىٰ حالَ الدُّنْيا، وكَيْف ٱستقرَّ تزيينُ شهواتها، ثم جاء بالإِنباءِ بخَيْرٍ من ذلك هَازًّا للنفُوس، وجامعاً لها؛ لتَسْمَعَ هذا النبأَ المستغْرَبَ النافعَ لِمَنْ عقل، وأُنَبِّىءُ: معناه: أُخْبِرُ. وقوله تعالى: {وَرِضْوَٰنٌ مِّنَ ٱللَّهِ}، الرِّضْوَانُ: مصدر مِنْ «رَضِيَ»، وفي الحديث الصحيحِ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ، إذا ٱسْتَقَرُّوا فِيهَا، وَحَصَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلاَ خَطَرَ عَلَىٰ قَلْبِ بَشَرٍ، قَالَ اللَّهُ لَهُمْ: أَتُرِيدُونَ أنْ أُعْطِيَكُمْ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا؟ قَالُوا: يَا رَبَّنَا، وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا؟ فَيَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي، فَلاَ أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ أَبَداً»تفسير : ، هذا سياقُ الحديثِ، وقد يجيءُ مختلِفَ الألفاظِ، والمعنَىٰ قريبٌ بعضُه من بعض، قال الفَخْر: وذلك أن معرفة أهْلِ الجَنَّة، مع هذا النعيم المقيم بأنَّه تعالَىٰ راضٍ عنهم، مُثْنٍ عليهم ـــ أزيدُ عليهم في إِيجابِ السُّرور. اهـــ. وباقي الآية بيِّن، وقد تقدَّم في سورة البقرة بيانُهُ. وقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} الآية: «الَّذِينَ»: بدلٌ من «الَّذِينَ ٱتَّقَوْا»، وفسر سبحانه في هذه الآية أحوال المتقين الموعودِينَ بالجَنَّات، والصَّبْرُ؛ في هذه الآية: معناه: على الطَّاعاتِ، وعن المعاصي والشهواتِ، والصِّدْقُ: معناه: في الأقوالِ والأفعالِ، والقُنُوتُ: الطاعةُ والدعاءُ أيضاً، وبكلِّ ذلك يتصف المتَّقِي، والإِنْفَاقُ: معناه: في سبِيلِ اللَّه ومَظَانِّ الأجر، والاِستغفارُ: طلبُ المَغْفرة من اللَّه سبحانه، وخصَّ تعالى السَّحَر؛ لما فيه من الفَضْل؛ حسْبَما وَرَدَ فيه مِنْ صحيحِ الأحاديثِ؛ كحديث النُّزُول: «حديث : هَلْ مِنْ دَاعٍ، فَأَسْتجِيبَ لَهُ، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ، فَأَغْفِرَ لَهُ»تفسير : ، إِلى غير ذلك ممَّا ورد في فَضْله. قلت: تنبيهٌ: قال القرطبيُّ في «تذكرته»، وقد جاء حديثُ النزولِ مفسَّراً مبيَّناً في ما خرَّجه النسائِيُّ عن أبي هُرَيْرة، وأبي سَعِيدٍ، قَالاَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إِنَّ اللَّهَ (عَزَّ وَجَلَّ) يُمْهِلُ حَتَّىٰ يَمْضِيَ شَطْرُ اللَّيْلِ الأَوَّل، ثُمَّ يَأْمُرُ مُنَادِياً يَقُولُ: هَلْ مِنْ دَاعٍ يُسْتَجَابُ لَهُ، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرُ لَهُ، هَلْ مِنْ سَائِلٍ يُعْطَىٰ»تفسير : ، صحَّحه أبو محمَّد عبْدُ الحقِّ. اهـــ. وخرَّج أبو بكرِ بْنُ الخَطِيبِ بسنده، عن عبد الرحمن بْنِ عَوْفٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: قَالَ: «حديث : إِنَّ نُزُولَ اللَّهِ تَعَالَىٰ إِلَى الشَّيْءِ إِقْبَالُهُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ نُزُولٍ»تفسير : . اهـ. والسَّحَر: آخرُ الليل، قال نافِعٌ: «كان ابْنُ عُمَرَ يُحْيِي الليْلَ صلاةً، ثم يقولُ: يا نَافِعُ، أسْحَرْنَا، فأقول: لاَ، فَيُعَاوِدُ الصَّلاة، ثم يسأل، فَإِذا قُلْتُ: نَعَمْ، قَعَدَ يَسْتَغْفِرُ». قال * ع *: وحقيقةُ السَّحَرِ في هذه الأحكامِ الشرعيَّة من الاستغفارِ المحمودِ، وسُحُورِ الصَّائِمِ، ومِنْ يَمِين لَوْ وَقَعَتْ، إنما هي مِنْ ثُلُثِ اللَّيْلِ الآخر إِلى الفَجْر.

ابن عادل

تفسير : والعامة على بناء "زُيِّنَ" للمفعول، والفاعل المحذوف هو الله تعالى؛ لما ركب في طباع البشر من حب هذه الأشياء، وقيل: هو الشيطان، فالأوّل قول أهلِ السنة؛ قالوا: لو كان المزين هو الشيطان فمن ذا الذي زَيَّن الكفرَ والبدعةَ للشيطان؟ فإن كان ذلك شيطاناً آخرَ لزم التسلسل، وإن وقع ذلك من نفس ذلك الشيطان في الإنسان فليكن في الإنسان كذلك، وإن كان من الله وهو الحق - فليكن في حَقِّ الإنسان أيضاً كذلك، ويؤيده قوله تعالى: {أية : هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَآ أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا} تفسير : [القصص: 63] يعني إن اعتقد أحد أنَّا أغويناهم، فمَن الذي أغوانا؟ وهذا ظاهر جداً، وقال تعالى: {أية : إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا} تفسير : [الكهف: 7] ونُقِل عن المعتزلة ثلاثةُ أقوالٍ: أحدها: أن الشيطان زَيَّن لهم، حكي عن الحسن أنه [كان] - يحلف بالله على ذلك - ويقول: من زينها؟ إنما زيَّنها الشيطانُ؛ لأنه لا أحد أبغض لها من خالقها. احتج لهم القاضي بوجوه: الأول: أنه تعالى أطلق حبَّ الشهواتِ، فيدخل فيه حُبُّ الشهواتِ المحرمةِ، ومُزَينُ الشهواتِ المحرمة هو الشيطانُ. الثاني: أنه - تعالى - ذكر القناطيرَ المقنطرةَ من الذهبِ والفضةِ، وحُبُّ هذا المالِ الكثيرِ لا يليق إلا بمَنْ جعل الدنيا قِبْلَةَ طلبه، ومُنتَهَى مقصودِه؛ لأن أهْلَ الآخرةِ يكتفون بالبُلْغَةِ. الثالث: قوله تعالى: {ذٰلِكَ مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}، فذكره في مَعْرض ذَمِّ الدنيا، والذامُّ للشيء لا يزينُهُ. الرابع: قوله: {أية : قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذٰلِكُمْ} تفسير : [آل عمران: 15] والمقصود من هذا الكلامِ صرفُ العبدِ عن الدنيا وتقبيحُها له، وذلك لا يليق بمن يزيِّنُ الدنيا في عينه. القول الثاني: أن المزين هو الله تعالى، واحتجوا عليه بوجوه: أحدها: أنه تعالى كما رغَّب في منافِع الآخرةِ فقد خلق مَلاَذَّ الدنيا، وأباحها لعبيده؛ فإنه إذا خلق الشهوةَ والمُشْتَهَى، وخلق للمشتهى عِلْماً بما في تناوُل المشتَهَى من اللذةِ، ثم أباح له ذلك التناولَ؛ يقال: إنه زيَّنَها له. وثانيها: أن الانتفاع بهذه الشهواتِ وسائلُ إلى منافع الآخرةِ، والله تعالى نَدَب إليها، فكان تزييناً لها، أمَّا كونها وسائلَ إلى ثوابِ الآخرةِ أنه يتصدق بها، ويتقوَّى بها على الطاعة وأيضاً إذا علم أن تلك المنافع إنما تيسرت بتخليق الله حمله ذلك على الاشتغال بالشكر. قال صاحب بن عبَّادٍ: "شُرْبُ الْماءِ الْبَارِدِ في الصَّيْفِ يَسْتَخْرِجُ الْحَمْدَ مِنْ أقْصَى الْقَلْبِ" وأيضاً فإن القادرَ على التمتُّع باللذات إذا تركها واشتغل بالعبادة، وتحمل ما في ذلك من المشقة كان أكثرَ ثواباً. وثالثها: قوله تعالى: {أية : خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} تفسير : [البقرة: 29]، وقوله: {أية : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ} تفسير : [الأعراف: 32]، وقوله: {أية : إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا} تفسير : [الكهف: 7] وقال: {أية : خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} تفسير : [الأعراف: 31]، وقال: {أية : وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ}تفسير : [البقرة: 22]، وقال: {أية : كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً} تفسير : [البقرة: 168]، وكل ذلك يدل على أن التزيين من الله تعالى. القول الثالث - وهو اختيار الجبائي والقاضي -: وهو التفصيل، فإن كان حراماً فالتزيين فيه من الشيطان، وإن كان واجباً، أو مندوباً، فالتزيين فيه من الله تعالى ذكره القاضي في تفسيره وبقي قسمٌ ثالث، وهو المباح الذي ليس في فعله ثواب، ولا في تركه عقابٌ، وكان من حق القاضي أن يذكره فلم يذكره. ويُبَيِّنَ التزيين فيه، هل هو من الله تعالى أو من الشيطان؟ وقرأ مجاهد: "زَيَّنَ" مبنيًّا للفاعل، و "حُبَّ" مفعول به نصاً، والفاعل إما ضمير الله تعالى؛ المتقدم ذكره في قوله: {أية : وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ} تفسير : [آل عمران: 13]، وإما ضمير الشيطان، أضمر - وإنْ لم يجر له ذكر - لأنه أصل ذلك، فذكرُ هذه الأشياءِ مُؤذِنٌ بذِكْرِه، وأضافَ المصدر لمفعوله في {حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ}. والشهوات جمع شَهْوَة - بسكون العين - فحُرِّكت في الجمع، ولا يجوز التسكين إلا في ضرورة، كقوله: [الطويل] شعر : 1358 - وَحُمِّلتُ زَفْرَاتِ الضُّحَى فَأطَقْتُهَا وَمَا لِي بِزَفْرَاتِ العَشِيِّ يَدَانِ تفسير : بتسكين الفاء. والشهوةُ مصدر يُراد به اسم المفعول، أي: المشتهيات، فهو من باب: رَجُل عَدل حيث جعلت نفس المصدر مبالغةً. والشهوة: مَيْل النفس، وتُجْمَع على شهوات - كالآية الكريمة - وعلى شُهًى - كغُرَفٍ -. قالت امرأة من بني نصر بن معاوية: [الطويل] شعر : 1359 - فَلَوْلاَ الشُّهَى - وَاللهِ - كُنْتُ جَدِيرَةً بِأنْ أتركَ اللَّذَاتِ في كُلِّ مشْهَدِ تفسير : قال النحويون: لا تُجْمَع فَعْلَة - المعتلة اللام يعنون بفتح الفاء وسكون العين على فُعَل إلا ثلاثة ألفاظٍ: قرية وقُرًى، ونَزْوَة ونُزًى، وكَوَّة - عند من فتح الكاف - وكُوًى. واستدرك أبو حيّان: "واستدركت - أنا - شُهًى، وأنشد البيت". وقال الراغب: ".... وقد يُسَمَّى المشتهى، شهوةً، وقد يقال للقوَّة التي بها يُشْتَهَى الشيء: شهوة، وقوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ} يحتمل الشهوتين". قال الزمخشريُّ: وفي تسميتها بهذا الاسم فائدتان: إحداهما: أنه جعل الأعيانَ التي ذكرها شهواتٍ؛ مبالغةً في كونها مشتهاةٌ، محروصاً على الاستمتاع بها. الثانية: أن الشهوة صفة مسترذلة عند الحكماء، مذموم من اتبعها، شاهد على نفسه بالبهيمية، فكأن المقصود من ذكر هذا اللفظ التنفير منها. فصل وَجهُ النظم: أنا روينا أن أبا حارثة بن علقمة النصراني قال لأخيه: إنه يعرف صدق محمد فيما جاء به، إلا أنه لا يُقرُّ بذلك؛ خوفاً من أن يأخذ ملكُ الروم منه المالَ والجاهَ، وأيضاً روينا أن النبي - عليه السلام - لما دعا اليهود إلى الإسلام - بعد غزوة بدر - أظهروا من أنفسهم القوةَ والشدةَ، والاستظهارَ والسلاحَ، فبين - تعالى - في هذه الآية أن هذه الأشياء وغيرها - من متاع الدنيا - زائلة، باطلة، وأن الآخرة خير وأبقى. فصل قال المتكلمون: دلت هذه الآية على أن الحبَّ غيرُ الشهوةِ؛ لأنه أضافهُ إليها، والمضاف غيرُ المضافِ إليه، والشهوة فعل الله تعالى، والمحبة فعل العبد. قالت الحكماءُ: الإنسان قد يحب شيئاً، ولكنه يحب ألا يحبه، كالمسلم قد يميل طبعه إلى بعض المحرمات، لكنه يحب ألا يحبه، وأما من أحب شيئاً، وأحب أن يحبه، فذلك هو كمال المحبة، فإن كان ذلك في جانب الخير، فهو كمال السعادة، كقول سليمان: {أية : إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ} تفسير : [ص: 32]، ومعناه: أحب الخير، وأحب أن أكون محباً للخير، وإن كان ذلك في جانب الشرِّ فهو كما قال في هذه الآية؛ فإن قوله: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَات} يدل على ثلاثةِ أمور مترتبة: أولها: أنه يشتهي أنواع المشتهيات. ثانيها: أنه يحب شهوته لها. ثالثها: أنه يعتقد أن تلك المحبة حسنة. ولما اجتمعت هذه الدرجاتُ الثلاثُ في هذه القضية بلغت الغايةَ القصوى في الشدة، فلا تنحلّ إلا بتوفيق عظيمٍ من الله تعالى، ثم إنه أضاف ذلك إلى الناس، ولفظ "النَّاس" عام، دخله حرف التعريف فيفيد الاستغراق، فظاهر اللفظ يقتضي أن هذا المعنى حاصل لجميع الناس، والعقل - أيضاً - يدل عليه؛ لأن كل ما كان لذيذاً ونافعاً فهو محبوب، ومطلوب لذاته، والمنافع قسمان: جسماني، وروحاني، فالجسماني حاصل لكل أحد في أول الأمر، والروحاني لا يحصل إلا في الإنسان الواحد على سبيل الندرة، ثم إن انجذاب نفسه إلى اللذات الجسمانية كالملكة المستقرة وانجذابها إلى اللذات الروحانية كالحالة الطارئة التي تزول بأدنى سبب، فلا جرم كان الغالب على الخلق هو الميل الشديد إلى اللذات الجسمانية، فلهذا السبب عم الله هذا الحكمَ في الكل. قوله تعالى: {مِنَ ٱلنِّسَاءِ} في محل نَصْب على الحال من الشهوات، والتقدير: حال كون الشهوات من كذا وكذا، فهي مفسرة لها في المعنى. ويجوز أن تكون "مِنْ" لبيان الجنس، لقول الزمخشريِّ: "ثم يفسره بهذه الأجناس". كقوله: {أية : فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ} تفسير : [الحج: 30]، والمعنى: فاجتنبوا الأوثان التي هي رِجْسٌ. وقدم النساءَ على الكل، قال القرطبيُّ: لكثرة تشوُّق النفوس إليهن؛ لأنهن حبائلُ الشيطان، وفتنة الرجالِ، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أضَرَّ عَلَى الرِّجالِ مِنَ النِّسَاءِ" تفسير : أخرجه البخاري ومسلم لأن الالتذاذ منهن أكثرُ، والاستئناسَ بهن أتَمُّ، ولذلك قال تعالى: {أية : خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} تفسير : [الروم: 21]، ثم ثَنَّى بالولد الذَّكَر؛ لأن حُبَّ الولد الذكر أكثر من حب الولد الأنثى، واعلم أن الله تعالى - في إيجاد حُبِّ الزوجة والولد في قلب الإنسان - حكمةً بالغةً؛ إذْ لولا هذا الحُبُّ لَمَا حصل التوالُدُ والتناسُل، وهذه المحبة غريزة في جميع الحيوان، والبنين: جمع ابن، قال نوح: {أية : رَبِّ إِنَّ ٱبُنِي مِنْ أَهْلِي} تفسير : [هود: 45] ويُصَغَّر "ابن" على بُنَيّ، قال لقمان: {أية : يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ} تفسير : [لقمان: 13]، وقال نوح: {أية : يٰبُنَيَّ ٱرْكَبَ مَّعَنَا} تفسير : [هود: 42]. قوله تعالى: {وَٱلْقَنَاطِيرِ} هي جمع قِنْطار، وفي نونه قولان: أحدهما: أنها أصلية، وأن وَزْنَه فِعْلاَل، كحِمْلاق، وقِرْطاس. والثاني: أنها زائدة، وأن وزنه فِنْعال كفِنْعاس، وهو الجمل الشديد، واشتقاقه من قطر يقطر - إذا سال؛ لأن الذهب والفضة يُشَبَّهَان بالماء في سرعة الانقلابِ، وكثرة التقلُّب. وقال الزَّجَّاج: هو مأخوذ من قَنْطَرتُ الشيء - إذا عقدته وأحكمته - ومنه القنطرة؛ لإحْكام عقدها. حكى أبو عبيدة عن العرب أنهم يقولون: القنطار وزن لا يُحَدُّ. قال ابن الخطيب: "وهذا هو الصحيح". وقال الربيع بن أنس: القنطار: المال الكثير بعضه على بعض. وقال القرطبي: "والعرب تقول قنطر الرجل إذا بلغ ماله أن يوزن بالقنطار". وقال معاذ بن جبل - ورواه أبَيّ بنُ كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم - قال: "القنطارُ ألفٌ ومئتا أوقية". وقال ابن عباس والضحاك: ألف ومائتا مثقالٍ، وعنهما - في رواية أخرى - اثنا عشر ألفَ درْهمٍ أو ألف دينار دية أحدكم، وبه قال الحسن. وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : القِنْطَارُ اثْنَا عَشَرَ ألْفَ أوْقيةٍ ". تفسير : وروى أنس - أيضاً - عنه أن القنطار ألف دينار. وروى سعيد بن المسيب وقتادة: ثمانون ألفاً. وقال مجاهدٌ: سبعون ألفاً. وقال السُّدِّيُّ: أربعة آلاف مثقالٍ. وقال الكلبيُّ أبو نضرة: القنطار - بلسان الروم - ملء مسك الثور من ذهب، أو فضة. وقال الحكم: القنطار ما بين السماء والأرض من مال. وقال سعيد بن جبير وعكرمة: مائة ألفٍ، ومائة مَنّ، ومائة رَطل، ومائة مثقال، ومائة درهم، وقد جاء الإسلام - يوم جاء - وبمكة مائة رجل قد قَنْطروا. قوله: "الْمُقَنطَرَة" مُنَفْعَلَة من القنطار وهو للتأكيد، كقولهم: ألف مؤلَّفة، وبدرة مبدرة، وإبل مُؤبَّلة، ودراهم مُدَرْهمة. وقال الكلبي: القناطير الثلاثة، والمقنطرة المضاعفة، فكان المجموع ستة. وقال الضحاك: معنى "الْمُقَنْطَرَة": المحَصَّنة المُحْكمة. وقال قتادة: هي الكثير بعضها فوق بعض. وقال السُّدِّي: المضروبة، المنقوشة حتى صارت دراهم ودنانير. وقال الفراء: المضعّفة، والقناطير الثلاثة، فالمقنطرة تسعة وجاء في الحديث أن القنطار ألف ومائتا أوقية، والأوقية خير مما بين السماء والأرض. وقال أبو عبيدة: القناطير أحدها قنطار، ولا نجد العرب تعرف وزنه ولا واحد للقنطار من لفظه. وقال ثعلب: المعوَّل عليه عند العرب أنه أربعة آلاف دينار، فإذا قالوا: قَنَاطير مقنطرةٌ، فهي اثنا عشر ديناراً وقيل: إن القنطار ملء جلد ثور ذهباً. وقيل: ثمانون ألفاً وقيل: هو جملة كثيرة مجهولة من المال نقله ابن الأثير. قوله: {مِنَ الذَّهَبِ} كقوله: {مِنَ النِّسَاءِ}، [والذَّهَب] مؤنث، ولذلك يُصَغَّر على ذهيبة، ويُجْمَع على أذهاب وذُهوب، واشتقاقه من الذهاب، ويقال: رجل ذَهِب بكسر الهاء - رأى معدن الذهب فدُهِش و ["الفضة" تجمع على فضض، واشتقاقها من انفض إذا تفرق]. قال القرطبيُّ: والذهب مكيالٌ لأهل اليَمَن، قال: واشتقاق الذهب والفضة، يشعر بزوالهما وعدم ثبوتهما كما هو مشاهد في الوجود، ومن أحسن ما قيل في ذلك قول بعضهم: [البسيط] شعر : 1360 - النَّارُ آخِرُ دِينَارٍ نَطَقْتَ بِهِ وَالهَمُّ آخِرُ هَذَا الدِّرْهَمِ الجَارِي وَالمَرْءُ بَيْنَهُمَا إذْ كَانَ ذَا وَرَعٍ مُعَذَّبُ القَلْبِ بَيْنَ الهَمِّ وَالنَّارِ تفسير : والذهب والفضة: إنما كانا محبوبَيْن لأنهما جُعِلا ثَمَن جميع الأشياء، فمالكها كالمالك لجميع الأشياء. قوله: "وَالْخَيْلِ" عطف على النساء، قال أبو البقاء: [معطوف على النساء]، لا على الذهب والفضة، لأنها لا تسمى قنطاراً وتوهم مثل هذا بعيد جداً، والخيل فيه قولان: أحدهما: قال الواحديُّ: "إنه جمع لا واحد له من لفظه، كالقَوْم، والنساء والرهط". الثاني: أن واحده خائل، فهو نظير راكب وركب، وتاجر وتجر، وطائر وطير. وفي هذا خلاف بين سيبويه والأخفش، فسيبويه يجعله اسم جمع، والأخفش يجعله جمع تكسير. وفي اشتقاقها وجهان: أحدهما: من الاختيال - وهو العجب - سُمِّيت بذلك؛ لاختيالها في مِشيتها بطول أذنابها قال امرؤ القيس: [المتقارب] شعر : 1361 - لَهَا ذَنَبٌ مِثْلُ ذَيْلِ الْعَرُوسِ تَسُدُّ بِهِ فَرْجَهَا مِنْ دُبُرْ تفسير : الثاني: من التخيل، قيل: لأنها تتخيل في صورة من هو أعظم منها. وقيل: أصل الاختيال من التخيل، وهو التشبيه بالشيء؛ لأن المختال يتخيل في صورة من هو أعظم منه كِبْراً. والأخيل: الشَّقِرَّاق؛ لأنه يتغير لونهُ، فمرة أحمر، ومرة أصفر وعليه قوله: [مجزوء الكامل] شعر : 1362 - كَأبِي بَرَاقِشَ كُلُّ لَوْ نٍ لَوْنُهُ يَتَخَيَّلُ تفسير : وجوز بعضهم: أن يكون مخفَّفاً من "خَيَّل" - بتشديد الياء - نحو مَيْت - في ميِّت - وهيْن في هَيِّن، وفيه نظر؛ لأن كل ما سُمِع فيه التخفيف سُمِع فيه التثقيل، وهذا لم يُسْمع إلا مخفَّفاً؛ وهذا تقدم. وقال الراغب: "الخيل - في الأصل - اسم للأفراس والفرسان جميعاً، قال تعالى: {أية : وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ} تفسير : [الأنفال: 60] في الأصل للأفراس، ويستعمل في كل واحد منهما منفرداً، نحو ما رُوِي "حديث : يَا خَيْلَ اللهِ ارْكَبي" تفسير : فهذا للفرسان، وقوله - عليه السلام -: "حديث : عَفَوْتُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ"تفسير : يعني الأفراس، وفيه نظر؛ لأن أهل اللغة نَصُّوا على أن قوله - عليه السلام - "حديث : يَا خَيْلَ اللهِ ارْكَبي" تفسير : إما مجاز إضمار أو مجاز علاقة، ولو كان للفرسان حقيقة لما ساغ قولهم. قوله: "الْمُسَوَّمَة" أصل التسويم: التعليم، ومعنى مسومة: مُعَلَّمة. قال أبو مسلم: مأخوذ من السيما - بالمد والقصر - ومعناه واحد، وهو الهيئة الحسنة، قال تعالى: {أية : سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ} تفسير : [الفتح: 29] واختلفوا في تلك العلامة. فقال أبو مسلم: هي الأوضاح والغُرَر التي تكون في الخيل وهي أن تكون غُرًّا محجلة. وقال الأصم: البلق. وقال قتادة: الشِّية. وقال المؤرج: الكَيّ، والأول أحسن؛ لأن الإشارة في الآية إلى أشرف أحوالها وقال: بل هي من سوم الماشية، أي: مرعية، يقال: أسَمْتُ ماشيتي، فسامت، قال تعالى: {أية : فِيهِ تُسِيمُونَ} تفسير : [النحل: 10]، وسومتها فاستامت، أي: مرعية، فيتعدى - تارة - بالهمزة، وتارة بالتضعيف. وقيل: بل هو من السيمياء - وهي الحسن - فمعنى مُسَومة: أي: ذات حُسن، قاله عكرمة، واختاره النحاس؛ قال لأنه من الوَسْم، ورد عليه بعضهم: باختلاف المادتين، وأجاب بعضهم بأنه من باب المقلوب، فيصح ما قاله وتقدم تحقيق ذلك في "يسومونكم" وقوله "بسيماهم". فصل قال القرطبيُّ: جاء في الخبر عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل خلق الفرس من الريح، ولذلك جعلها تطير بلا جناح. قال وهب بن منبه: خلقها من ريح الجنوب. وفي الخبر: أن الله تعالى عرض على آدم جميع الدواب، فقال له: اختر منها واحدة، فاختار الفرس، فقيل له: اخترتَ عِزَّك، فصار اسمه الخيل من هذا الوجه، وسُمِّي خَيْلاً؛ لأن من ركبها اختال على أعداء الله، وسُمِّي فرساً؛ لأنه يفترس مسافات الجو افتراس السبع، ويقطعها كالالتهام بيديه على الشيء خَطْفاً وتَنَاولاً، وسمي عَربيًّا؛ لأنه جيء به من بعد آدم لإسماعيل؛ جزاء على رفع قواعد البيت، وإسماعيل عربي، فصارت له نحلةً من الله، وسمي عربياً، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يَدْخُلُ الشَّيْطَان دَاراً فِيهَا فَرَسٌ عَتِيقٌ"تفسير : وإنما سمي عتيقاً؛ لأنه تخلص من الهجانة، وقال - عليه السلام -: "حديث : خَيْرُ الْخَيْلِ الأدْهَمُ، الأقرعُ، الأرْثم ثم الأقرح المحجل طَلْقُ اليَمينِ ". تفسير : قوله: {وَٱلأَنْعَامِ} جمع نَعَمٍ، والنعم مختصة بالإبل، والبقر، والغنم. وقال الهروي: النعم يذكر ويؤنث، فإذا جُمِع أطلق على الإبل والبقر والغنم، وظاهر هذا أنه - قبل جمعه على أنعام - لا يطلق على الثلاثة، بل يختص بواحد منها، وقد صرَّح الفراء بهذا، فقال النعم: الإبل فقط قال بعضهم لكونها تشبه النعام في جزاء الصبر. وقال ابن كيسان: إذا قلت: نعم لم يكن إلا للإبل وإذا قلت: أنعام وقعت على الإبل وكل ما يرعى؛ قال حسان: [الوافر] شعر : 1363 - وَكَانَتْ لاَ يَزَالُ بِهَا أنِيْسٌ خِلالَ مُرُوجِهَا نَعَمٌ وَشَاءُ تفسير : وهو مذكر ولا يؤنث، تقول: هذا نعم وارد، وهو جمعٌ، لا واحد له من لفظه. وقال ابن قتيبة: "الأنعام: الإبل والبقر والغنم، واحده: نَعَمٌ وهو جمع لا واحد له من لفظه"، سميت بذلك؛ لنعومة مشيها ولينها، وعلى الجملة فالاشتقاق في أسماء الأجناس قليل جدًّا. قوله: "وَالْحَرْثِ"، الحرث تقدم تفسيره وهو - هنا - مصدر واقع موقع المفعول به، فلذلك وُحِّد، ولم يُجْمع كما جُمِعت أخواته، ويجوز إدغام الثاء في الذال، وإن كان بعض الناس ضعفه: بأنه يلزم الجمع بين ساكنين، والأول ليس حرف لين، قال: بخلاف "يَلْهَثْ ذلك" حيث أدغم الثاء في الذال؛ لانتفاء التقاء الساكنين، إذ الهاء قبل الثاء متحركة. فصل الحرث هنا اسم لكل ما يحرث. تقول: حرث الرجل حرثاً إذا أثار الأرض بمعنى الفلاحة، ويقال: حرث وفي الحديث: "حديث : احرثوا هذا القرآن أي: فتشوه" تفسير : قال ابن الأعرابي الحرث: التفتيش، وفي الحديث أصدق الأسماء الحارث، لأن الحارث هو الكاسب، واحترس المال كسبه، والمحراث مسعر النار والحراث مجرى الوتر في القوس، والجمع: أحْرِثَة، وأحرث الرجل ناقته أهزلها. وقد تضمنت هذه الآية الكريمة أنواعاً من الفصاحة والبلاغة، منها: الإتيان بها مجملة، ومنها جعله لها نفس الشهوات؛ مبالغة في التنفير عنها، ومنها: البداءة بالأهم، فالأهم، فذكر - أولاً - النساء لأنهن أكثر امتزاجاً، ومخالطة بالإنسان، وهن حبائل الشيطان، قال - عليه السلام -: "حديث : مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتنَةً أضَرَّ عَلَى الرَّجَالِ مِنَ النسَاءِ"تفسير : وقال: "حديث : مَا رَأيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أسْلَبَ لِلُبِّ الرَّجُل الْحَلِيمِ مِنكُنَّ"تفسير : ويُرْوَى: الحازم منكن. وقيل: فيهن فتنتان، وفي البنين فتنة واحدة؛ لأنهن يقطعن الأرحام والصلات بين الأهل - غالباً -، وهن سبب في جَمْع المال من حلال وحرام - غالباً -، والأولاد يُجْمَع لأجلهم المال، فلذلك ثنى بالبنين، وفي الحديث: "حديث : الْوَلدُ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ"تفسير : ولأنهم فروع منهن، وثمراتٌ نشأت عنهن، وفي كلامهم: "المرء مفتون بولده"، وقُدِّمت على الأموال؛ لأنها أحَبُّ إلى المرء من ماله. وأما تقديمُ المال على الولد - في بعض المواضع - فإنما ذلك في سياق امتنان، وإنعام أو نُصْرة، ومعاونة؛ لأن الرجالَ تُستمال بالأموال - ثم ذكر تمامَ اللذةِ، وهو المركوب البهيمي من بينِ سائر الحيوانات، ثم أتى بما يَحصل به جمال حين تريحون وحين تسرحون، كما تشهد به الآية الأخرى ثم ذكر ما به قوامهم، وحياة بنيتهم، وهو الزروع والثمار. ومنها الإتيان بلفظ يشعر بشدة حب هذه الأشياء، بقوله: "زين" والزينة محبوبة في الطباع. ومنها: بناء الفعل للمفعول؛ لأن الغرضَ الإعلام بحصول ذلك. ومنها: إضافة الحبِّ للشهوات، والشهوات هي الميل والنزوع إلى الشيء. ومنها التجنيس: القناطير المقنطرة. ومنها: الجمع بين ما يشبه المطابقة في قوله: {ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ}؛ لأنهما صارا متقابلَيْن في غالبِ العُرْف. ومنها: وصف "الْقَنَاطِيرِ" بـ "الْمُقَنْطَرَةِ" الدالة على تكثيرها مع كَثْرتها في ذاتها. ومنها: ذكر هذا الجنس بمادة "الْخَيْلِ" لما في اللفظ من الدلالة على تحسينه، ولم يقل: الأفراس، وكذا قوله "الأنْعَامِ"، ولم يَقُل: الإبل والبقر والغنم؛ لأنه أخصر. فصل قال القرطبيُّ: قال العلماء: ذكر الله - تعالى - أربعة أصناف من المال، كل نوع منها يتموَّل به صِنْفٌ من الناس، أمَّا الذهب والفضة فيتموَّل به التُّجَّارُ، وأما الخيل المسومة فيتموّل بها الملوكُ، وأما الأنعامُ فيتموَّل بها أهلُ البوادِي، وأما الْحَرْثُ فيتموَّل به أهل البساتين، فتكون فتنة كل صنفٍ في النوع الذي يتموَّل به، وأما النساء والبنون ففتنة للجميع. قوله: {ذٰلِكَ مَتَاعُ} الإشارة بذلك للمذكور المتقدم، فلذلك وَحَّدَ اسم الإشارة والمشارُ إليه متعدد، كقوله: {أية : عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ} تفسير : [البقرة: 68]. وقد تقدم. فصل قال القاضي: وهذا يدل على أن هذا التزيين مضافٌ إلى الله تعالى؛ لأن متاعَ الدنيا إنما خُلِقَ ليُسْتَمْتَعَ بها، والاستمتاعُ بمتاع الدنيا على وجوه: منها: أن ينفرد به من خَصَّه الله تعالى بهذه النعم، فيكون مذموماً. ومنها: أن يتركَ الانتفاع به - مع الحاجة إليه - فيكون مذموماً. ومنها: أن ينتفع به في وجه مباحٍ، من غير أن يتوصل بذلك إلى مصالحِ الآخرةِ، وذلك لا ممدوح ولا مذموم. ومنها: أن ينتفع به على وَجْهٍ يتوصل به إلى مصالحِ الآخرةِ، وذلك هو الممدوحُ. قوله: {وَٱللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ ٱلْمَآبِ}، أي: الْمَرْجع، فالمآب: مَفْعَل، من آب، يئوب، إياباً، وأوْبَةً وأيبةً، ومآباً، أي: رجع، والأصل: مَأوَب، فنُقِلَتْ حركةُ الواوِ إلى الهمزةِ الساكنة قبلَها، فقلبت الواوُ ألفاً، وهو - هنا - اسم مصدر، أي: حسن الرجوع، وقد يقع اسم مكانٍ، أو زمان، تقول: آب يَئُوبُ أواباً وإياباً كقوله تعالى: {أية : إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ} تفسير : [الغاشية: 25] وقوله: {أية : إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً لِّلطَّاغِينَ مَآباً} تفسير : [النبأ: 21-22]. فإن قيل: المآب قسمان: الجنة، وهي في غاية الحُسْن، والنار، وهي خالية عن الحُسْن فكيف وصف المآب المطلق بالحسن؟ فالجواب: أنَّ المقصود - بالذات - هو الجنة، وأما النار فمقصودة بالعرض، والمقصود من الآية التزهيد في الدنيا، والترغيب في الآخرة؛ لأن قوله: {ذٰلِكَ مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي: ما يتَمتع به فيها، ثم يذهب ولا يَبقَى، قال - عليه السلام -: "حديث : إنما الدُّنْيا مَتَاعٌ, وَلَيْسَ مِنْ مَتَاع الدُّنْيَا شَيءٌ أفْضَلُ مِنَ المَرْأةِ الصَّالِحَةِ"تفسير : , وقال - عليه السلام -: "حديث : ازهد فِي الدُّنيا يحِبَّك اللهُ" تفسير : أي: في متاعِها من الجاهِ والمالِ الزائدِ على الضَّرورِيِّ والله تعالى - أعلم.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي بكر بن حفص بن عمر بن سعد قال: لما نزلت {زين للناس حب الشهوات...} إلى آخر الآية. قال عمر: الآن يا رب حين زينتها لنا فنزلت {أية : قل أؤنبئكم...}تفسير : [آل عمران: 15] الآية كلها. وأخرج ابن المنذر بلفظ حتى انتهى إلى قوله {أية : قل أؤنبئكم بخير}تفسير : [آل عمران: 15] فبكى وقال: بعد ماذا. بعد ما زينتها. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سيار بن الحكم، أن عمر بن الخطاب قرأ {زيِّن للناس...} الآية. ثم قال: الآن يا رب وقد زينتها في القلوب. وأخرج ابن أبي شيبة وعبدالله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم عن أسلم قال: رأيت عبدالله بن أرقم جاء إلى عمر بن الخطاب بحلية آنية وفضة فقال عمر: اللهم إنك ذكرت هذا المال. فقلت {زين للناس حب الشهوات} حتى ختم الآية وقلت {أية : لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم}تفسير : [الحديد: 23] وإنا لا أستطيع إلا أن نفرح بما زينت لنا، اللهم فاجعلنا ننفقه في حق، وأعوذ بك من شره. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله {زين للناس...} الآية. قال من زينها؟ ما أحد أشد لها ذماً من خالقها. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله تعالى عنه في قوله {زين للناس...} الآية. قال: زين لهم الشيطان. قوله تعالى: {من النساء}. أخرج النسائي وابن أبي حاتم والحاكم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : حبب إليَّ من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة ". تفسير : قوله تعالى: {والقناطير المقنطرة}. أخرج أحمد وابن ماجة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : القنطار اثنا عشر ألف أوقية ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن أنس قال: "حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله {والقناطير المقنطرة} قال: القنطار ألف أوقية ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : القنطار ألف دينار ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن أبي بن كعب قال: " حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "القنطار" ألف أوقية ومائتا أوقية ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: "حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "القنطار" ألف ومائتا دينار ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي الدرداء قال: "حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قرأ في ليلة مائة آية لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ مائتي آية بعث من القانتين، ومن قرأ خمسمائة آية إلى ألف آية أصبح له قنطار من الأجر، والقنطار مثل التل العظيم ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن معاذ بن جبل قال: القنطار ألف ومائتا أوقية. وأخرج ابن جرير عن ابن عمر قال: القنطار ألف ومائتا أوقية. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والبيهقي عن أبي هريرة مثله. وأخرج ابن جرير والبيهقي عن ابن عباس قال: القنطار اثنا عشر ألف درهم أو ألف دينار. وأخرج ابن جرير والبيهقي عن ابن عباس قال: القنطار ألف ومائتا دينار من الفضة وألف ومائتا مثقال. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: القنطار ملء مسك الثور ذهباً. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عمر، أنه سئل ما القنطار؟ قال: سبعون ألفاً. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: القنطار سبعون ألف دينار. وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن المسيب قال: القنطار ثمانون ألفاً. وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح قال: القنطار مائة رطل. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: كنا نحدث أن القنطار مائة رطل من الذهب، أو ثمانون ألفاً من الورق. وأخرج الطستي عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل {والقناطير} قال: أما قولنا أهل البيت فانا نقول: القنطار عشرة آلاف مثقال، وأما بنو حسل فإنهم يقولون: ملء مسك ثور ذهباً أو فضة. قال: فهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت عدي بن زيد وهو يقول: شعر : وكانوا ملوك الروم تجبى إليهم قناطيرها من بين قل وزائد تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي جعفر قال "القنطار" خمسة عشر ألف مثقال، والمثقال أربعة وعشرون قيراطاً. وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله {القناطير المقنطرة} يعني المال الكثير من الذهب والفضة. وأخرج عن الربيع {القناطير المقنطرة} المال الكثير بعضه على بعض. وأخرج عن السدي {المقنطرة} يعني المضروبة حتى صارت دنانير أو دراهم. قوله تعالى: {والخيل المسوّمة}. أخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس {والخيل المسوّمة} قال: الراعية. وأخرجه ابن المنذر من طريق مجاهد عن ابن عباس. وأخرج ابن جرير من طريق علي عن ابن عباس {والخيل المسوّمة} يعني معلمة. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس {والخيل المسوّمة} يعني معلمة. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس قال {الخيل المسوّمة} الراعية والمطهمة الحسان. ثم قرأ (شجر فيه تسيمون). وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد {والخيل المسوّمة} قال: المطهمة الحسان. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة قال: تسويمها حسنها. وأخرج ابن أبي حاتم عن مكحول {والخيل المسومة} قال: الغرة والتحجيل. أما قوله تعالى: {ذلك متاع الحياة الدنيا}. أخرج مسلم وابن أبي حاتم عن ابن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله {والله عنده حسن المآب} قال: حسن المنقلب. وهي الجنة.

ابو السعود

تفسير : {زُيّنَ لِلنَّاسِ} كلامٌ مستأنفٌ سيق لبـيان حقارةِ شأن الحظوظ الدنيوية بأصنافها وتزهيدٌ للناس فيها وتوجيهٌ لرغباتهم إلى ما عنده تعالى إثرَ بـيانِ عدم نفعِها للكفرة الذين كانوا يتعزّزون بها والمرادُ بالناس الجنس {حُبُّ ٱلشَّهَوٰتِ} الشهوة نزوعُ النفس إلى ما تريده والمراد هٰهنا المشتهَيات، عبّر عنها بالشهوات مبالغةَ كونِها مشتهاةً مرغوباً فيها كأنها نفسُ الشهوات أو إيذاناً بانْهماكِهم في حبها بحيث أحبوا شهواتِها كما في قوله تعالى: {أية : إِنّى أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ } تفسير : [ص، الآية 32] أو استرذالاً لها فإن الشهوة مسترذَلةٌ مذمومة من صفات البهائم، والمزيِّنُ هو الباري سبحانه وتعالى إذ هو الخالقُ لجميع الأفعال والدواعي والحكمةُ في ذلك ابتلاؤهم، قال تعالى:{أية : إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ } تفسير : [الكهف، الآية 7] الآية، فإنها ذريعة لنيل سعادة الدارين عند كونِ تعاطيها على نهج الشريعةِ الشريفة ووسيلةً إلى بقاء النوع، وإيثارُ صيغة المبني للمفعول للجري على سَنن الكبرياء، وقرىء على البناء للفاعل وقيل: المزيِّنُ هو الشيطان لما أن مساقَ الآية الكريمة على ذمها. وفرّق الجبائيّ بـين المباحات فأسند تزيـينها إليه تعالى، وبـين المحرمات فنسب تزيـينها إلى الشيطان {مِنَ ٱلنّسَاء وَٱلْبَنِينَ} في محل النصب على أنه حال من الشهوات وهي مفسِّرة لها في المعنى، وقيل: {مِنْ} لبـيان الجنس وتقديمُ النساء على البنين لعراقتهن في معنى الشهوة فإنهن حبائلُ الشيطان وعدم التعرض للبنات لعدم الاطّراد في حبهن {وَٱلْقَنَـٰطِيرِ ٱلْمُقَنطَرَةِ} جمعُ قِنطار وهو المالُ الكثير، وقيل: مائةُ ألفِ دينار وقيل: ملءُ مَسْكِ ثور، وقيل: سبعون ألفاً وقيل: أربعون ألفَ مثقالٍ، وقيل: ثمانون ألفاً وقيل: مائةُ رِطل وقيل: ألفٌ ومِائتَا مثقالٍ، وقيل: ألفُ دينار وقيل: مائة قنطار ومائة رطل ومائة مثقال ومائة درهم وقيل: ديةُ النفس واختلف في أن وزنه فعلال أو فنعال، ولفظُ (المقنطرة) مأخوذ منه للتأكيد كقولهم: بَدْرةٌ مُبدَرة، وقيل: المقنطرة المحْكمة المحْصنة، وقيل: الكثيرة المُنضّدة بعضُها على بعض أو المدفونة المضروبة المنقوشة. {مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ} بـيان للقناطير أو حال {وَٱلْخَيْلِ} عطف على القناطير وقيل: هي جمع لا واحد له من لفظه كالقوم والرهط، والواحد فرس وقيل: واحدُه خائل وهو مشتق من الخُيلاء {ٱلْمُسَوَّمَةِ} أي المُعْلمة من السِمة وهي العلامة أو المرْعيّة من أسام الدابة وسوَّمها إذا أرسلها وسيَّبها للرعي أو المُطَهّمة التامةُ الخَلقْ {وَٱلأَنْعَـٰمِ} أي الإبل والبقر والغنم {وَٱلْحَرْثِ} أي الزرع مصدر بمعنى المفعول. {ذٰلِكَ} أي ما ذكر من الأشياء المعهودة {مَّتَاعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا} أي ما يُتمتّع به في الحياة الدنيا أياماً قلائلَ فتفنىٰ سريعاً {وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلْمَأَبِ} حسنُ المرجِع، وفيه دلالةٌ على أن ليس فيما عُدّد عاقبةٌ حميدة، وفي تكرير الإسناد بجعل الجلالة مبتدأ وإسنادِ الجملة الظرفية إليه زيادةُ تأكيدٍ وتفخيم ومزيدُ اعتناء بالترغيب فيما عند الله عز وجل من النعيم المقيم، والتزهيدُ في ملاذّ الدنيا وطيباتها الفانية.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ مِنَ ٱلنِّسَاءِ وَٱلْبَنِينَ} [الآية: 14]. قيل: من اشتغل بهذه الأشياء قطعته عن الحق، ومن استصغرها وأعرض عنها عُوِّضَ عليها السلامةَ منها وفُتح له الطريقُ إلى الحقائق.

القشيري

تفسير : يذكر بعض الشهوات على ما سواها مما هو في معناها، وفي الجملة ما يحجبك عن الشهود فهو من جملتها. وأصعب العوائق في هذه الطريق الشهوة الخفية. وأداء الطاعات على وجه الاستحلاء معدودٌ عندهم في جملة الشهوة الخفية. ومن المقاطع المشكلة السكون إلى ما يلقاك به من فنون تقريبك، وكأنه في حال ما يناجيك يناغيك، فإنه بكل لطيفة يصفك فيطريك وتحتها خُدَعٌ خافية. ومن أدركته السعادة كاشفه بشهود جلاله وجماله (لا) بإثباته في لطيف أحواله وما يخصه به من أفضاله وإقباله.

البقلي

تفسير : {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ} الاية ابتلاهم حتى يظهروا الصادق بترك هذه الشهوات من الكاذب بالشرع فى طلبها قيل من اشتغل بهذه الاشياء قطعه عن طريق الحق ومن استصغرها واعرض عنها عوض عليها السلامة منها وفتح الطريق الى الحقائق.

اسماعيل حقي

تفسير : {زين للناس} اي حسن لهم والمزين هو الله لقوله تعالى {أية : زينا لهم أعمالهم} تفسير : [النمل: 4]. وذلك على جهة الامتحان او هو الشيطان لقوله تعالى{أية : وزين لهم الشيطان أعمالهم} تفسير : [النمل: 24]. وذلك على جهة الوسوسة {حب الشهوات} اى محبة مرادات النفوس والشهوة نزوع النفس الى ما تريده وهى مصدر اريد به المفعول اى المشتهيات لان الاعيان التي ذكرها كلها مشتهيات وانما عبر عنها بالمصدر مبالغة فى كونها مشتهاة مرغوبا فيها كأنها نفس الشهوات وانما عبر عنها بالمصدر مبالغة فى كونها مشتهاة مرغوبا فيها كأنها نفس الشهوات والوجه ان يقصد تخسيسها فيسميها شهوات لان الشهوة مسترذلة عند الحكماء مذموم من اتبعها شاهد على نفسه بالبهيمية. قالوا خلق الله الملائكة عقولا بلا شهوة والبهائم ذات شهوات لا عقل وجعلهما فى الانسان فمن غلب عقله شهوته فهو افضل من الملائكة ومن غلب عليه شهوته فهو ارذل من البهائم {من النساء} حال من الشهوات أى حال كونها من طائفة النساء وانما بدأ بهن لعرافتهن فى معنى الشهوات فانهن حبائل الشيطان {والبنين} والفتنة بهم ان الرجل يحرص بسببهم على جمع المال من الحلال والحرام ولأنهم يمنعونه عن محافظة حدود الله. قيل اولادنا فتنة ان عاشوا فتنونا وان ماتوا أحزنونا وعدم التعرض للبنات لعدم الاطراد فى حبهن {والقناطير المقنطرة} جمع قنطار وهو المال الكثير اى الاموال الكثيرة المجتمعة وهو مائة الف دينار او ملىء مسك ثور او سبعون الفا او اربعون الف مثقال او ثمانون الفا او مائة رطل او الف ومائتا مثقال او الف دينار او مائة من ومائة رطل ومائة مثقال ومائة درهم اودية النفس. وفى الكشاف المقنطرة مبنية من لفظ القنطار للتوكيد كقولهم الوف مؤلفة وبدر مبدرة {من الذهب والفضة} بيان للقناطير اى من هذين الجنسين وانما سمى الذهب ذهبا لأنه يذهب ولا يبقى والفضة لانها تنفض اى تتفرق {والخيل} عطف على القناطير. والخيل جمع لا واحد له من لفظه واحده فرس وهو مشتق من الخيلاء لاختيالها فى مشيها او من التخيل فانها لم يتخيل فى عين صاحبها اعظم منها لتمكنها من قلبه {المسومة} اى المعلمة وهى التى جعلت فيها العلامة بالسيمة واللون او بالكى او المرعية من سامت السائمة اى رعت {والانعام} اى الابل والبقر والغنم جمع نعم {والحرث} اى الزرع. قيل كل منهما فتنة للناس. اما النساء والبنون ففتنة للجميع. والذهب والفضة للتجار. والخيل فتنة للملوك. والانعام فتنة لاهل البوادى. والحرث فتنة لاهل الرساتيق {ذلك} اى ما ذكر من الاشياء المعهودة {متاع الحيوة الدنيا} اى ما يمتنع به فى الحياة الدنيا اياما قلائل فيفنى سريعا {والله عنده حسن المآب} اى حسن المرجع وهو الجنة. وفيه دلالة على انه ليس فيما عدد عاقبة حميدة وهذا تزهيد فى طيبات الدنيا الفانية وترغيب فيما عند الله من النعيم المقيم فعلى العاقل ان يأخذ من الدنيا قدر البلغة ولا يستكثر بالاستكثار الذى يورط صاحبه فى المحظور ويورثه المحذور.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {زُين}: بحذف الفاعل، وهو الله، حقيقة؛ إذ لا فاعل سواه، أو الشيطان، شَريعَةً؛ إذ هو منديل لمسح أوساخ الأقذار. والقنطار: المال الكثير، وقيل: مائة ألف دينار، وقيل: ملء مسك الثور. وروى عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال:"حديث : القنطار: ألف دينار"تفسير : ، وفي رواية:"حديث : ألفا دينار"تفسير : ، وفي عرفنا اليوم: ألف مثقال. والمقنطرة: المنضدة بعضها فوق بعض، وسمي الذهب ذهباً؛ لذهابه وفنائه، أو لذهابه بالقلوب عن حضرة الغيوب، وسميت الفضة فضة؛ لأنها تَنْفَضُّ أي: تنفرق، أو تفرق القلوب لمن اشتغل بها. والمسوَّمة: المعلمة أو الراعية أو المطهمة الحسان. يقول الحقّ جلّ جلاله: {زُين للناس حب الشهوات} والركون إلى المألوفات، حتى صرفهم ذلك عن النظر والاعتبار، أو الشهود والاستبصار، وذلك لمن وقف مع متعتها، وغرته شهوة لذتها، وأما من ذكرته نعيم الجنان، وأعانته على طاعة الملك الديان، فلم يقف مع متعتها، ولا التفت إلى عاجل شهوتها، بل نزل إليها بالإذن والتمكين، والرسوخ في اليقين، فلا يشمله تحذير الآية؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام -:"حديث : حُبِّبَ إلِيَّ من دنياكم ثلاث..." تفسير : الحديث. وقال بعض الأولياء: [كل شهوة تحجب القلب عن الله، إلا شهوة الجماع] يعني الحلال، وقال الورتجبي: ابتلاهم حتى يظهر الصادق بترك هذه الشهوات، من الكاذب بالشروع في طلبها، قيل: من اشتغل بهذه الأشياء قطعته عن طريق الحق، ومن استصغرها وأعرض عنها، عوض عليها السلامة منها، وفتح له الطريق إلى الحقائق. هـ. ثم بدأ برأس الشهوات فقال: {من النساء} وذلك لمن شُغف بهن فصرف عن ذكر الله، أو تناولهن على وجه الحرام. وفي الخبر عنه - عليه الصلاة والسلام -:"حديث : مَا تَرَكْتُ في الناس بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرُّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ"تفسير : . وفي خبر آخر:"حديث : النظر إلى محاسن المرأة من سهام إبليس"تفسير : . ومَنْ ثَمَّ جُعِلْنَ في القرآن عين الشهوات، قال تعالى: {زيّن للناس حب الشهوات من النساء}. وقال بعض العارفين: ما أيس الشيطانُ من إنسان قط إلا أتاه من قبل النساء. وقال عليّ رضي الله عنه: أيها الناس، لا تطيعوا للنساء أمراً، ولا تَدَعُوهُنَّ يدبرن أمر عيش، فإنهن إن تُرِكْنَ وما يُرِدْن أفسدن الملك، وعصَين المالك، وجدناهن لا دين لهن في خلَواتهن، ولا ورع لهن عن شهواتهن اللذة بهن يسيرة، والحيرة بهن كثيرة، فأما صوالحهن ففاجرات، وأما طوالحهن فعاهرات - أي: زانيات -، وأما المعصومات فهن المعدومات، يتظلمن وهن الظالمات، ويتمنعن وهن الراغبات، ويحلفن وهن الكاذبات، فاستعيذوا بالله من شرارهن، وكونوا على وجل من خيارهن، والسلام. هـ. {والبنين}: قال - عليه الصلاة والسلام -:"حديث : إنهم لثمرة القلوب، وقُرَّةُ الأعيُن، وأنهم مع ذلك لَمَجْبَنَةٌ مَبْخَلَةٌ مَحْزَنَةٌ"تفسير : . {والقناطير المقنطرة}: أي: المجموعة المنضدة، {من الذهب والفضة. والخيل المسومة} أي: المعلمة: وهي البلق، أو غيرها، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:"حديث : الخَيْلُ معقودٌ في نَواصِيها الخَيْرُ إلى يوْمِ القِيَامةِ، الأجرُ والمَغْنمُ ". تفسير : وعن أنس قال: (لم يكن شيء أحب إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم بعد النساء، من الخيل). وعن أبي وهب الجشمي قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"حديث : ارتبطوا الخيل، وامسحوا بنواصيها، وقَلِّدُوها، ولا تقلدوها الأوتار، وعليكم بكل كُمَيْت أغر مُحَجِّلِ، أو أشقر أغر محجل، أو أدهم أغر مُحَجَّل"تفسير : . وعن خباب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : الخيل ثلاثة: فرس للرحمن، وفرس للإنسان، وفرس للشيطان، فأما فرس الرحمن فما اتخذ لله في سبيل الله، وقوتل عليه أعداء الله، وأما فرس الإنسان فما استطرق عليهتفسير : - أي: ركب عليه في طريق حوائجه،حديث : وأما فرس الشيطان فما روهن عليه، وقومر عليه"تفسير : . وفي البخاري ما يشهد لهذا. ومما زُيِّن للناس أيضاً: حب {الأنعام}، وهي الإبل والبقر والغنم، إن شغلته عن ذكر الله، ومنع منها حق الله، {والحرث} أي: الزراعة والغراسة، {ذلك} الذي ذكرت {متاع الحياة الدنيا} الفانية الزائلة، {والله عنده حسن المآب}، أي: المرجع في دار البقاء التي لا يفنى نعيمها، ولا تنقطع حياتها إلى أبد الأبد. الإشارة: كل ما يقطع القلبّ عن الشهود، أوُ يُفَتِّرُهُ عن السير إلى الملك المعبود، فهو شهوة، كائناً ما كان، أغياراً أو أنواراً، أو علوماً أو أحوالاً، أو غير ذلك، فالنساء الأغيار، والبنون الأنوار، والقناطير المقنطرة من الذهب علوم الطريقة، والفضة علوم الشريعة، والخيل المسومة هي الأحوال، والأنعام الأذكار، والحرب استعمال الفكرة. فكل مَنْ وقف مع حلاوة شيء من هذا، ولم يُفْضِ إلى راحة الشهود والعيان، فهي في حقه شهوة. وبعد أن ذكر الحق تعالى أنواعاً من الشهوات، زَهَّدَ فيها فقال: {ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب} قال أبو هاشم الزاهد رضي الله عنه: وَسَمَ اللّهُ الدنيا بالوحشة؛ ليكون أنس المريد بربه دونها، وليقبل المطيعون بالإعراض عنها، وأهلُ المعرفة بالله من الدنيا مستوحشون، وإلا الله مشتاقون. هـ. وقد تعوّذ النبيّ صلى الله عليه وسلم من شر فتنتها، غناها وفقرها. وأكثرُ القرآن مشتملٌ على ذمها، وتحذير الخلق منها، بل ما من داع يدعو إلى الله تعالى إلا وقد حذر منها، ورغَّب في الآخرة، بل هو المقصود بالذات من بيان الشرائع، وكيف لا - وهي عدوة الله؛ لقطعها طريق الوصلة إليه، ولذلك لم ينظر إليها منذ خلقها. وعدوة لأوليائه؛ لأنها تزينت بزينتها حتى تجرعوا مرارة الصبر في مقاطعتها، وعدوة لأعدائه؛ لأنها استدرجتهم بمكرها، واقتنصتهم بشبكتها، فوثقوا بها، فخذلتهم أحوج ما كانوا إليها، كفانا الله شرّها بمنِّه وكرمه.

الطوسي

تفسير : المعنى، واللغة: قيل في المزين لحب الشهوات ثلاثة أقوال: قال الحسن: زينه الشيطان، لأنه لا أحد أشد ذماً لها من خالقها. الثاني - ما قاله الزجاج: انه زينه الله بما جعل في الطباع من المنازعة، كما قال تعالى {أية : إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها}تفسير : الثالث - ما قاله أبو علي أنه زين الله عز وجل ما يحسن منه، وزين الشيطان ما يقبح منه. والشهوات: جمع شهوة وهي توقان النفس إلى الشيء يقال: اشتهى يشتهي شهوة، واشتهاء وشهاه تشهية، وتشهى تشهياً. والشهوة من فعل الله تعالى لا يقدر عليها أحد من البشر، وهي ضرورية فينا، لأنه لا يمكننا دفعها عن أنفسنا. والقناطير: جمع قنطار. واختلفوا في مقدار القنطار، فقال معاذ بن جبل، وابن عمر، وأبي بن كعب، وأبوهريرة: هو ألف ومأتا أوقية. وقال ابن عباس، والحسن، والضحاك: هو ألف ومأتا مثقال. وروي عن الحسن أيضاً أنه ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم. وقال قتادة: ثمانون ألفاً من الدراهم أو مائة رطل. وقال مجاهد، وعطا: سبعون ألف دينار. وقال أبو نضر هو مليء مسك ثور ذهباً. وبه قال الفراء: وهو المروي عن أبي جعفر. وقال الربيع وابن أنس: هو المال الكثير. ومعنى المقنطرة: المضاعفة - على قول قتادة - وقال الفراء: هي تسعة قناطير، وقيل هي كقولك دراهم مدرهمة أي مجعولة كذلك. وقال السدي مضروبة دراهم أو دنانير. والقنطرة: البناء المعقود للعبور والقنطر الداهية. وأصل الباب القنطرة المعروفة. والقنطار لأنه مال عظيم كالقنطرة. والذهب، والفضة معروفان. وتقول فضضته تفضيضاً. وفض الجمع يفضه فضاً إذا فرقه. ومنه قوله: {أية : لانفضوا من حولك}تفسير : وفضضت الخاتم كسرته ولا يفضض الله فاك أي لا يكسره. وافتضضت الماء: إذا شربته. وأصل الباب التفرق. والخيل: الافراس سميت خيلا، لاختيالها في مشيها. والاختيال: من التخيل، لأنه يتخيل به صاحبه في صورة من هو أعظم منه كبراً. والخيال كالظل، لأنه يتخيل به صورة الشيء تقول: خلت زيداً أخال خيلاناً إذا خشيته لأنه يتخيل إلى النفس أنه هو. والاخيل: الشقراق وهو طائر الغالب عليه الخضرة مشرب حمرة، لأنه يتخيل مرة أخضر ومرة أحمر. وأصل الباب التخيل: التشبه بالشيء، ومنه أخال عليه الأمر يخيل إذا اشتبه عليه، فهو مخيل. وقوله: {المسومة} قيل في معناه أربعة أقوال قال سعيد بن جبير وابن عباس والحسن والربيع هي الراعية وقال مجاهد وعكرمة والسدي: هي الحسنة, وقال ابن عباس في رواية، وقتادة: المعلمة. وقال ابن زيد: هي المعدة للجهاد فمن قال: هي الراعية، فمن قولهم: اسمت الماشية وسومتها إذا رعيتها. وسأمت، فهي سائمة ذا كانت راعية، ومنه تسيمون: أي ترعون. ومن قال: الحسنة فمن السيما مقصور. ويقال فيه سيميا أيضاً وهو الحسن. قال الشاعر: شعر : غلام رماه الله بالحسن يافعاً له سيمياء لا يشق على البصر تفسير : ومن قال المعلمة، فمن السيماء التي هي العلامة كقوله تعالى: {يعرف المجرمون بسيماهم} ومن قال المعدة للجهاد، فهو راجع إلى العلامة لأنها معدة بالعلامة وأصل الباب العلامة. وقوله: "والأنعام" فهي الابل، والبقر، والغنم من الضان والمعز ولا يقال لجنس منها على الانفراد نعم إلا الابل خاصة لأنه غلب عليها في التفصيل والجملة. والحرث: الزرع. وقوله: {ذلك متاع الحياة الدنيا} فالمتاع: ما يستنفع به مدة ثم يفنى. وقوله: {والله عنده حسن المئاب} فالماب: المرجع من آب يؤوب أوباً وإياباً وأوبة، ومآباً إذا رجع وتأوب تأوباً: إذا ترجع وأوبه تأويباً: إذا رجعه. وأصل الباب الأوب الرجوع.

الجنابذي

تفسير : {زُيِّنَ لِلنَّاسِ} اى ذوى النسيان لا الانسان {حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ} الشّهوة هى المحبّة النفسانيّة والحبّ اعمّ منها، وتزيين الشّيء اراءته بحيث يكون مرغوباً فيه للرّائى وتعليق التّزيين على الحبّ للاشارة الى انّ تزيّن الشّيء وتزيينه ليس الاّ من حيث نفس الحبّ لا من حيث شيءٍ آخر ولا من حيث خصوصيّات المحبّة من كونها شهوة او حبّاً الهيّاً او عشقاً او شوقاً، واضافة الحقّ الى الشّهوات للاشارة الى انّ المانع من الاعتبار هو الحبّ الحاصل فى ضمن الشّهوة وعلى هذا فالحبّ والشّهوة على معانيهما المصدريّة وقوله تعالى {مِنَ ٱلنِّسَاءِ} حال من الشّهوات ولفظة من ابتدائيّة وتقديم النّساء لكونهنّ اتمّ فى الاشتهاء من سائر المشتهيات {وَٱلْبَنِينَ} بل مطلق الاولاد لكن لكراهة بعض النّفوس للبنات على الاطلاق وكراهة بعضها لهنّ قبل وجودهنّ ونموّهنّ لم يذكرهنّ فى المشتهيات {وَٱلْقَنَاطِيرِ} جمع القنطار وهو اربعون وُقيّةً من الذهب، او الف ومائتا دينار، او ثمانون الف درهم، او مئة رطل من ذهب، او فضّة، او الف ومائتا اُقيّة او سبعون الف دينار او ملء مسك ثور ذهباً او فضّة {ٱلْمُقَنْطَرَةِ} التامّة المكمّلة {مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ} المرعاة او المعلمة او الحسنة من السّيماء {وَٱلأَنْعَامِ} الثّلاثة البقر والغنم والابل {وَٱلْحَرْثِ} الكسب او جمع المال او الزّرع {ذٰلِكَ مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} جواب لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: ما حالها؟ - ومتى يكون التّمتّع بها؟ - وما لمن تركها؟ - {وَٱللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ ٱلْمَآبِ} لمن تركها.

الهواري

تفسير : قوله: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالبَنِينَ وَالقَنَاطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وَالخَيْلِ المُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا}. ذكروا عن الحسن أنه قال: القنطار ألف دينار ومائتا دينار. وقال بعضهم: ثمانية آلاف مثقال من ذهب أو فضة. وقال بعضهم: القناطير المقنطرة المال الكثير، بعضه على بعض. وقال بعضهم: الخيل المسوّمة، سيماها، يعني غرّها وتحجيلها. وقال الحسن: الراعية. قال وهي مثل قوله: (أية : شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ) تفسير : [النحل:10] أي: ترعون. وقال بعضهم: هي من السيما مثل قوله: (أية : مُسَوِّمِينَ) تفسير : [سورة آل عمران: 125] أي معلمين. وقوله: {ذَلِكَ مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا}، والمتاع ما يُستمتع به ثم يذهب. {وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ المَآبِ} أي: حسن المرجع، أي الجنة للمؤمنين. قوله: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيرٍ مِّن ذَلِكُمْ} أي من هذا الذي ذكر من متاع الحياة الدنيا. {لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحتِهَا الأَنْهَارُ}. ذكروا عن أنس بن مالك قال: أنهار الجنة تجري في غير خدود: الماء واللبن والعسل والخمر؛ وهو أبيض كله؛ فطينة النهر مسك أذفر، ورضراضه الدر والياقوت، وحافاته قباب اللؤلؤ. قوله: {خَالِدِينَ فِيهَا} أي لا يموتون ولا يخرجون منها. قوله: {وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ} أي مطهّرة من الاثم والأذى. قال الحسن: ومن مساوىء الأخلاق. ذكروا عن الحسن أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في نساء أهل الجنة: حديث : لا يحضن ولا يلدن ولا يمتخطن ولا يبلن ولا يقضين حاجة إلا حاجة ليس فيها قذر . تفسير : قوله: {وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}. ذكروا عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إذا أدخل الله أهل الجنة الجنة ورأوا ما فيها قال لهم: لكم عندي أفضل من هذا. قالوا: ربنا ليس شيء أفضل من الجنة. قال: بلى، أُحِلّ عليكم رضواني .

اطفيش

تفسير : {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهوَاتِ}: أى المشتهيات، فهو جمع شهوة مصدر بمعنى مفعول، وفتحة الهاء تبعاً للشين، كدعد ودعدات، والشهوة: ميل النفس إلى الشىء، والمراد هنا الشىء الذى مالت إليه، بدليل أنه ببنها بمن فى قوله: {مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ والْقَنَاطِير المُقَنْطَرةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والْخَيْلِ المُسَّومة والأنْعَامِ والْحَرثِ}: ذكرها بلفظ المصدر، مبالغة كانها نفس الاشتهاء، وقال {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهوَاتِ} ليكون المعنى حبب إليهم حبها، ولذلك لم يقل زُين للنَّاس الشهواتِ، أو أحب الناس الشهوات وذلك أن كمال المحبة أن تحب، محبة الشىء، كقول سليمان: {أية : إنى أحببتُ حُبّ الخير}تفسير : أى: أحب الخير، وأحب أن أكون محبا له، وذلك أن الإنسان قد يحب الشىء ولا يحبُّ أن يحبه، أو يفعل، والمزين هو الله تعالى، لأنه الخالق للأفعال، خيرها وشرها، طاعتها ومعصيتها، والخالق للدواعى إليها، وذلك ابتلاء منه تعالى، يخلق حبها فيتأوله الإنسان، ويشقى بالمقارفة للمعصية، لأنه قارف اختباراً، ولا يسئل عما يفعل، أو يسعد بمقارفة الطاعة، والغنى بالمباح عن الحرام، مثل: أن يشتهى امرأة فيتزوجها بنية النجاة من الزنا، فيلد فينتفع بولده للآخرة، ولو بالحزن على موته إذا صبر، وبنية تكثير أمة الإجابة، ومثل أن يتصدق بماله، ويدل على أن المزين الله، قوله تعالى {أية : إنّا جَعلْنَا ما عَلى الأْرضِ زينةً لها لنَبْلوَهُم أيُّهُمْ أحْسَن عَمَلاً}. تفسير : وقرأ مجاهد: زين، بالبناء للفاعل أى: زين الله. وقال الحسن: المزين الشيطان، قال إن الشيطان والله زينها لهم، لأنا لا نعلم أحداً لها من خالقها، وأيضاً ذكر هذه الأشياء فى معرض ذم الدنيا ويدل عليه أيضاً آخر الآية: {واللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المآب}. وقال الحباوى من المعتزلة: إن المزين للخير والطاعة هو الله تعالى، وللشر والمعصية الشيطان وقوله: {مِنَ النِّساء} حال من الشهوات، وقدم النساء، لشدة تشوق النفس النفس إليهن، لأنه حبائل الشيطان، وفتنة الرجال. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما تركت بعد فتنة أضر على الرجال من النساء"تفسير : ثم ثنى بالولد الذكر، لأن حبه أتم وأقوى من الولد الأنثى وحبب الله النساء والولد فى نوع الحيوان كله ليبقى التوالد، والقنطار: المال الكبير لا يحدُّ بوزن أو عدد على الصحيح، واختلف من قال بحده. فروى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أن القنطار اثنتا عشرة أوقية"تفسير : . وروى عنه أيضاً أنه ألف درهم، وروى أبىّ بن كعب عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : أن القنطار ألف ومائتا أوقية"تفسير : ، وهو قول معاذ، وقال ابن عباس رضى الله عنهما، والحسن: القنطار ألف دينار، أو عشرة آلاف درهم، وعن ابن عباس: ألف دينار ومائتا مثقال، وقال سعيد بن جبير: يطلق على مائة ألف، ويطلق على مائة رطل، وعلى مائة مثقال، وعلى مائة درهم، ولقد جاء الإسلام وما بمكة مائة رجل، قد قنطروا، وقال سعيد بن المسيب وقتادة: ثمانون ألفاً، وقال مجاهد: سبعون ألفاً، وقال السدى: أربعة آلاف مثقال، وقيل: القنطار ما بين السماء والأرض، وقيل: ما فيه عبور الحياة، كما يعبر بالقنطرة، وهو لفظ عربى، ونونه قيل أصل والألف زائدة وزنه: فعلال. وقيل: كلاهما زائد ووزنه فنعال. وعلىهذا الأخير، هو قطر إذا سال، لأن الذهب والفضة يشبهان الماء فى سرعة الانقلاب، وكثرة التقليب، وعلى الأول وهو قول الزجاج: هو من قنطرت الشىء إذا أحكمته، ومنه القنطرة بإحكامها، والإنسان يحكم بماله دفع النوائب، وقيل: أنه بلغة الروم، وأنه ملء جلد ثور ذهباً أو فضة، والمقنطرة مأخوذة من القنطار للتأكيد، كقولهم: ليلة ليلاء، ويوم أيوم لشدتهما أو طولهما، وبدرة: مبدرة، وهى عشرة آلاف درهم، أى تامة، ودراهم مدرهمة أى كاملة فى شأنها، وألف مؤلفة، وداهية دهياء، وشعر شاعر، وظل ظليل والمقنطرة بمعنى المجموعة أو التامة، وقيل: المسكوكة المنقوشة، ولا واحد من لفظ الخيل، وقيل: الفرس الواحد: خائل، كصاحب وصحب، سمى لاختياله فى مشيه، وقدم الذهب والفضة، لأنهما أكمل الوسائل إلى كل محبوب، وسمى الذهب ذهباً، لأنه يذهب عن صاحبه، والفضة فضة، لأنها تتفرق عن صاحبها، لأن مادة "ف ض ض" قد جاء فيها معنى التفرق، كما جاء فى مادة "فَ ظَ طَ" باشالة الظاء، والمسومة: المعلمة فإنه كما يقال فى العلامة: وسم وسمة ووسمة يسمها، يقال: سيمة وسامه يسومه سوما، والعلامة فيها الإحجال، والغرة عند أبى مسلم وهو أصح، لأنها أحسن فى الوصف. وقيل: البلغة. وقال قتادة: الشبة. وقيل: سومة المرعية، فإن الحيوان الذى يأكل من المرعى يكون أحسن وأنمى. وقال مجاهد وعكرمة: المليحة التامة الخلقة من السوم فى البيع، لأنها يكثر سوم السائمين، أو من السومة بمعنى العلامة، كأنها علم فى الحسن والقوة. والأنعام جمع نعم، للإبل والبقر والغنم. ولا يقال للجنس الواحد نعم فيما قيل للإبل فإنه غلب عليها، ويشكل عليه قوله تعالى {أية : مثلُ ما قتَلَ مِنَ النَّعَمِ}تفسير : وأخر "الحرث" للتعب فيه، وما فيه التعب يشق على النفس، ولأن غالبه فى البدو، ولأن المقصود به غالباً تحصيل الذهب والفضة، والخيل المسومة، والأنعام، وصدقات النساء. والله أعلم. {ذَلِكَ}: المذكور من النساء، والبنين، وما بعدهم.. {مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنيا}: أى شىء يتمتع به فيها، ويغنى قريبا. {واللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المآبِ}: حسن المرجع، أى حسن الرجوع: هو الرجوع إلى الجنة، لأنها كاملة التمتع دائمة، فارغبوا إليها بالعمل الصالح وازهدوا فى متاع الدنيا، بأن لا تملكوه، أو بأن يملكوه، وتقدموا منه للآخرة، وقد علمت أن الحسن، والمآب، كليهما مصدر، ويجوز أن يكون المآب اسم مكان، وحسن مصدر استعمل بمعنى الوصف، وأصله: أن يؤخر عن المآب نعتاً على هذا.

اطفيش

تفسير : {رُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ} المشتهيات مبالغة، كأنها نفس الاشتهاء، أى زين الله ابتلاء الناس مطلقا، وخذلانا للاشقياء زينة لها لنبلوهم، وهو إمالته القلب إليها، ويدل له قول عمر، اللهم لا صبر لنا على ما زينت لنا إلا بك، رواه البخارى، وقوله تعالى، {أية : زينا لهم أعمالهم} تفسير : [النمل: 4] ونحو ذلك ن فالتزيين بمعنى الخلق والخذلان، أو زين الشيطان بالوسوسة والإغراء، حتى كأنه تلفظ لهم بها أمرا، لأن المقام لذم الدنيا، ويدل له قوله تعالى، {أية : وزين لهم الشيطان أعمالهم} تفسير : [النمل: 24، العنكبوت: 38]، وكل فعل أو اعتقاد أو نطق اختيارى طاعة أو معصية مخلوق لله، ولله فاعله، أى خالقه، إلا أنه تجنب عبارة السوء، مثل فاعل الزنا مع أنه بمعنى خالفه، ومثل خالق القردة والخنازير إلا أن يقال والإبل والبقر ونحو ذلك، ولا يحض الله على المعصية، إلا أن من الشهوات ما هو من أسباب السعادة على وجه يرضاه الله، أو من أسباب التعيش وبقاء النوع الإنسانى، فالله آمر به، كما ورد، نعم الشهوات إذا وافقت الشرع، وقال الجبائى، تزيين المباح، والعبادة من الله، وتزيين المحرم من الشيطان. وإسناد التزيين للحب مبالغة، لأن المزين حقيقة هو المشتهيات، والحب اضطرارى، حتى كأنهم يشتهون أن يشتهوها، كما يقال المريض، ما تشتهى فيقول، اشتهى ان اشتهى، أو المراد أن الشهوات خسيسة في الأصل، فلا يحيها عاقل إلا بتحبب من الله الخالق لكل شىء {مِنَ النِّسَآءِ وَالبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ المُقنطَرةِ مِنَ الذَّهَبِ} من معنى الذهاب {وَالْفِضَّة} من معنى التفرق {وَالْخَيْلِ المَسْوَّمَةِ وَالأَنعَامِ وَالْحرْثِ} أى المحروث، حبا أو بقلا أو تمرا، قدم النساء لتقدمهن في الوجود، ولأصالتهن للمولد ولعراقتهن في الشهوة، وهن حبائل الشيطان والالتذاذ بهن أكثر، والاستئناس بهن أَتم وأقرب إلى الافتتان، وفى الحديث، حديث : ما نزلت فتنة أضر على الرجال من النساء، ما رأيت أسلب للب الرجل الحكيم، أو قال، الحزيم منكنتفسير : ، وروى، حديث : ما تركت بعدى فتنة أضر على الرجال من النساءتفسير : ، وفيهن فتنتان، يقطعن بين الأهل، وينسين فى جمع المال من الحلال والحرام، والولد فتنة واحدة، يكون سببا لجمع المال، وقدم الابن لأنه أهم وأحب من المال لمحتاجه، والمال يجمع له. كما جاء، الولد مبخلة مجبنة، وهو مقدم فى مقام الفخر، وأخر في الآية المتقدمة لمقام المال عند نزول النوائب والمصائب، وهو أول عدة يفزع إليها، ولم يذكر البنات لعدم اطراد حبهن، وقيل، دخلن في البنين، والقنطار فعلال بإصالة النون، وأو فنعال بزيادتها وهو أولى لمناسبة قطر إذا سال، ولا وجه لكونه من قنط وأنه زيدت الراء للإلحاق، بل إذا صبر إلى الزيادة للإلحاق فالمزيد النون، لأنه من حروفها، والمقنطرة تأكيد بالمبالغة، كظل ظليل، ويوم أيوم، وليلة ليلاء، ونسيا منسيا، وحجرا محجورا، وداهية دهياء، وشعر شاعر، وبدرة مبدرة، وهى عشرة آلاف درهم، والقنطار المال الكثير ورجح، أو مائة ألف دينار , وعن أبى سعد، ملء جلد الثور ذهبا، أوسبعون ألف دينار، ونسب لمجاهد، أو أربعون ألف مثقال ومائة درهم، أو دية النفس، أو مائة رطل أو إِثنا عشر ألف أوقية. وأخرج الحاكم عن أنس عنه صلى الله عليه وسلم، حديث : القنطار ألف أوقيةتفسير : ، وأخرج ابن أبى حاتم عنه حديث : ألف دينار تفسير : وروى عن ابن عباس ألف ينار، وألف درهم. وعنه ألف ومائتا دينار ومن الفضة ألف ومائتا مثقال. وعن أبى صالح، مائة رطل من الذهب قال قتادة، أو ثمانون ألف رطل من الفضة. وعن أبى بلو، خمسة عشر ألف مثقال، وقيل: ما بين السماء والأرض. وعن أُبىّ كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : القنطار ألف أوقيةتفسير : ، وبه قال معاذ وعبد الله بن عمر وأبو هريرة، ورجح وقال ابن المسيب، ثمانون ألف دينار أو غير ذلك والمسومة المعلّمة خلقة كالغرّاء المحجلة، أو المرعية أو الحسان التامة الخلق، والسيمى الحسنى، وسميت خيلاء لأنها في مشيها كالمختال في مشيه، قيل، بطول أَذنابها، أو لأنها تتخيل في صورة من هو أعظم منها. ومن حديث علىّ عن النبى صلى الله عليه وسلم، حديث : إن الله عز وجل خلق الفرس من الريحتفسير : . وعن كعب، حديث : من ريح الجنوبتفسير : ، وعنه، حديث : تجيب صاحبها بما سمعت منه من تسبيح أو تهليل أو تكبير تفسير : {ذَلِكَ} المزين بفتح الياء، كله {مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} يتمتع به، ويغنى مع ما فيه من الكدر، تكفر المرأة العشير، كما جاء، أن المرء مفتون بولده {وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَئَابِ} المرجع، وهو الجنة فاكتسبوها بذلك، أو بترك تلك الأموال.

الالوسي

تفسير : {زُيّنَ لِلنَّاسِ } كلام مستأنف سيق للتنفير عن الحظوظ النفسانية التي كثيراً ما يقع القتال بسببها إثر بيان حال الكفرة والتنصيص على عدم نفع أموالهم وأولادهم لهم وقد كانوا يتعززون بذلك، والمراد من الناس الجنس {حُبُّ ٱلشَّهَوٰتِ } أي المشتهيات وجعلها نفس الشهوات إشارة إلى ما ركز في الطباع من محبتها والحرص عليها حتى كأنهم يشتهون اشتهاءها كما قيل لمريض: ما تشتهي؟ فقال: أشتهي أن أشتهي، أو تنبيهاً على خستها لأن الشهوات خسيسة عند الحكماء/ والعقلاء ففي ذلك تنفير عنها وترغيب فيما عند الله تعالى، والمزين هو الله تعالى كما أخرجه ابن أبـي حاتم عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وروي عن الحسن ـ الشيطان ـ والله زينها لهم لأنا لا نعلم أحداً أذم لها من خالقها، وفي «الانتصاف» ((التزيين للشهوات يطلق ويراد به خلق حبها في القلوب وهو بهذا المعنى مضاف إليه تعالى حقيقة لأنه لا خالق إلا هو، ويطلق ويراد به الحض على تعاطي الشهوات المحظورة فتزيينها بالمعنى الثاني مضاف إلى الشيطان تنزيلاً لوسوسته وتحسينه منزلة الأمر بها والحض على تعاطيها، وكلام الحسن رحمه الله تعالى محمول على التزين بالمعنى الثاني لا بالمعنى الأول فإنه يتحاشى أن ينسب خلق الله تعالى إلى غيره)) والإسناد في كل حقيقة كما أشرنا إليه فيما تقدم، ومن قال: الظاهر أنه من قبيل ـ أقدمني بلدك حق لي عليك ـ إذ لا إقدام هنا بل قدوم محض أثبت له مقدم للمبالغة، والمراد أن الشهوات زينت في أعينهم لنقصانهم ولا زينة لها في الحقيقة من غير أن يكون هناك مزين إلا أنه أثبت مزين مبالغة في الزينة وتنزيلاً لسبب الزينة منزلة الفاعل فقد تعسف وتصلف، ومن قال: المزين في الحقيقة هو الشيطان لأن التزيين صفة تقوم به. والقائل بأنه هو الله تعالى لأنه الخالق للأفعال والدواعي مخطىء في الدعوى وغير مصيب في الدليل فالمخطىء ابن أخت خالته، وقرأ مجاهد ـ زين ـ بالبناء للفاعل ونصب {حُبَّ }. {مِنَ ٱلنّسَاء وَٱلْبَنِينَ } في محل النصب على الحال من (الشهوات) وهي مفسرة لها في المعنى، وقيل: {مِنْ } لبيان الجنس وقدم النساء لعراقتهن في معنى الشهوة وهن حبائل الشيطان، وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء» تفسير : ويقال: فيهن فتنتان قطع الرحم وجمع المال من الحلال والحرام، وثنى بالبنين لأنهم من ثمرات النساء في الفتن، وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : الولد مبخلة مجبنة» تفسير : ويقال فيهم فتنة واحدة وهي جمع المال، ولم يتعرض لذكر البنات لعدم الاطراد في حبهن، وقيل: إن البنين تشملهن على سبيل التغليب. {وَٱلْقَنَـٰطِيرِ ٱلْمُقَنطَرَةِ } جمع قنطار وهو المال الكثير كما أخرجه ابن جرير عن الضحاك. وأخرج أحمد عن أبـي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : القنطار إثنا عشر ألف أوقية»تفسير : وأخرج الحاكم عن أنس قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : القنطار ألف أوقية»تفسير : . وفي رواية ابن أبـي حاتم عنه القنطار ألف دينار. وأخرج ابن جرير عن أبـيّ بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : القنطار ألف أوقية ومائتا دينار» تفسير : وعن معاذ ألف ومائتا أوقية، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما اثنا عشر ألف درهم وألف دينار، وفي رواية أخرى عنه ألف ومائتا دينار ومن الفضة ألف ومائتا مثقال، وعن أبـي سعيد الخدري ملء جلد الثور ذهباً، وعن مجاهد سبعون ألف دينار، وعن ابن المسيب ثمانون ألفاً، وعن أبـي صالح مائة رطل، وعن قتادة قال: كنا نحدث أن القنطار مائة رطل من الذهب أو ثمانون ألفاً من الورق، وعن أبـي جعفر خمسة عشر ألف مثقال والمثقال أربعة وعشرون قيراطاً، وقيل: القنطار عند العرب وزن لا يحد، وقيل: ما بين السماء والأرض من مال وغير ذلك، ولعل الأولى كما قيل: ما روي عن الضحاك ويحمل التنصيص على المقدار المعين في هذه الأقوال على التمثيل لا التخصيص والكثرة تختلف بحسب الاعتبارات والإضافات، واختلف في وزنه فقيل: فعلال، وقيل: فِنْعَال: فالنون على الأول أصلية وعلى الثاني زائدة، ولفظ المقنطرة مأخوذ منه، ومن عادة العرب أن يصفوا الشيء بما يشتق منه للمبالغة ـ كظل ظليل ـ وهو كثير/ في وزن فاعل ويرد في المفعول كـ {أية : حِجْراً مَّحْجُوراً }تفسير : [الفرقان: 22] و {أية : نَسْياً مَّنسِيّاً } تفسير : [مريم: 23] وقيل: المقنطرة المضعفة، وخصها بعضهم بتسعة قناطير، وقيل: المقنطرة المحكمة المحصنة من قنطرت الشيء إذا عقدته وأحكمته، وقيل: المضروبة دنانير أو دراهم، وقيل: المنضدة التي بعضها فوق بعض، وقيل: المدفونة المكنوزة. {مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ } بيان للقناطير وهو في موضع الحال منها، والذهب مؤنث يقال: هي الذهب الحمراء ولذلك يصغر على ذهيبة، وقال الفراء: وربما ذكر، ويقال في جمعه: أذهاب وذهوب وذهبان، وقيل: إنه جمع في المعنى لذهبة واشتقاقه من الذهاب، والفضة تجمع على فضض واشتقاقه من انفض الشيء إذا تفرق {وَٱلْخَيْلِ } عطف على (النساء) أو (القناطير) لا على (الذهب والفضة) لأنها لا تسمى قنطاراً وواحده خائل وهو مشتق من الخيلاء مثل طائر وطير، وقال قوم: لا واحد له من لفظه بل هو اسم جمع واحده فرس ولفظه لفظ المصدر وجوز أن يكون مخففاً من خيل {ٱلْمُسَوَّمَةِ } أي الراعية قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في إحدى الروايات عنه فهي من سوم ماشيته إذا أرسلها في المرعى، أو المطهمة الحسان ـ قاله مجاهد ـ فهي من السيما بمعنى الحسن أو المعلمة ذات الغرة والتحجيل ـ قاله عكرمة ـ فهي من السمة أو السومة بمعنى العلامة {وَٱلأَنعَـٰمِ } أي الإبل والبقر والغنم وسميت بذلك لنعومة مشيها ولينه، والنعم مختصة بالإبل {وَٱلْحَرْثِ } مصدر بمعنى المفعول أي المزروع سواء كان حبوباً أم بقلاً أم ثمراً. {ذٰلِكَ } أي ما زين لهم من المذكور ـ ولهذا ذكر ـ وأفرد اسم الإشارة ويصح أن يكون ذلك لتذكير الخبر وإفراده وهو {مَتَٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } أي ما يتمتع به أياماً قلائل ثم يزول عن صاحبه {وَٱللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ ٱلْمَآبِ} أي المرجع الحسن فالمآب مفعل من آب يؤب أي رجع وأصله مأوب فنقلت حركة الواو إلى الهمزة الساكنة قبلها ثم قلبت ألفاً وهو اسم مصدر ويقع اسم مكان وزمان والمصدر أوب وإياب. أخرج ابن جرير عن السدي أنه قال: (حسن المآب) حسن المنقلب وهي الجنة، وفي تكرير الإسناد إلى الإسم الجليل زيادة تأكيد وتفخيم ومزيد اعتناء بالترغيب فيما عند الله تعالى من النعيم المقيم والتزهيد في ملاذ الدنيا السريعة الزوال، ومن غريب ما استنبط من الآية ـ كما قال أبو حيان ـ وجوب الزكاة في الخيل السائمة لذكرها مع ما تجب فيه الصدقة أو النفقة، والثاني: النساء والبنون ولا يخفى ما فيه.

ابن عاشور

تفسير : استئناف نشأ عن قوله: {أية : لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم}تفسير : [آل عمران: 10] إذ كانت إضافة أموالٍ وأولاد إلى ضمير «هم» دالة على أنّها معلومة للمسلمين. قُصد منه عِظة المسلمين ألاّ يغترّوا بحال الذين كفروا فتعجبهم زينة الدنيا، وتلهيهم عن التهمّم بما بِه الفوز في الآخرة؛ فإنّ التحذير من الغايات يستدعي التحذير من البدايات. وقد صُدّر هذا الوعظ والتأديب ببيان مدخل هذه الحالة إلى النفوس، حتى يكونوا على أشدّ الحذر منها؛ لأنّ ما قرارته النفس ينساب إليها مع الأنفاس. والتزيين تصْيير الشيء زَيناً أي حسَناً، فهو تحسين الشيء المحتاج إلى التحسين، وإزالةُ ما يعتريه من القبْح أو التشويه، ولذلك سمّي الحَلاق مزيِّناً. وقال امرؤ القيس: شعر : الحرب أول ما تكون فتيَّة تَسْعى بِزِينتها لكلّ جهول تفسير : فالزينة هي ما في الشيء من المحاسن: التي ترغِّب الناظرين في اقتنائه، قال تعالى: {أية : تريد زينة الحياةِ الدنيا}تفسير : [الكهف: 28]. وكلمة زَيْن قليلة الدوران في كلام العرب مع حسنِها وخفّتها قال عمر بن أبي ربيعة: شعر : أزمَعَتْ خُلَّتِي مع الفجر بَيْنَا جَلَّل اللَّهُ ذلك الوَجْهَ زيْنا تفسير : وفي حديث «سنن أبي داود»: أنّ أبا بَرزة الأسلَمِيّ دخل على عُبيد الله بن زياد - وقد أرسل إليه ليسأله عن حديث الحوض - فلمّا دخل أبو برزة قال عبيدُ اللَّه لجلسائه: إنّ محمَّدِيَّكُم هذا الدحْداح. قال أبو برزة: «ما كنتُ أحسب أنّي أبقَى في قوم يعيّرونني بصحبة محمد». فقال عبيد الله: «إنّ صُحبة محمد لك زَيْنٌ غيرُ شَيْن». والشهوات جمع شهوة، وأصل الشهوة مصدر شهِي كرضي، والشهوة بزنة المَرّة، وأكثر استعمال مصدر شَهِي أن يكون بزنة المَرة. وأطلقت الشهوات هنا على الأشياء المشتهاة على وجه المبالغة في قوة الوصف. وتعليقُ التزيين بالحبّ جرى على خلاف مقتضى الظاهر؛ لأنّ المزيَّن للناس هو الشهواتُ، أي المشتهيات نفسها، لا حبُّها، فإذا زُينت لهم أحَبُّوها؛ فإنّ الحبّ ينشأ عن الاستحسان، وليس الحبّ بمزيَّن، وهذا إيجاز يغني عن أن يقال زينت للناس الشهوات فأحبّوها، وقد سكت المفسّرون عن وجه نظم الكلام بهذا التعليق. والوجه عندي إمّا أن يجعل {حبّ الشهوات} مصدراً نائباً عن مفعول مطلق، مبيّناً لنوع التزيين: أي زيّن لهم تزيين حب، وهو أشدّ التزيين، وجُعل المفعول المطلق نائباً عن الفاعل، وأصل الكلام: زُيّن للناس الشهواتُ حُبَّاً، فحُوِّل وأضيف إلى النائب عن الفاعل، وجعل نائباً عن الفاعل، كما جعل مفعولاً في قوله تعالى: {أية : فقال إنّي أحببت حُبّ الخير عن ذكر ربي}تفسير : [ص: 32]. وإما أن يجعل حبّ مصدراً بمعنى المفعول، أي محبوبُ الشهوات أي الشهوات المحبوبة. وإمّا أن يجعل زُين كناية مراداً به لازم التزيين وهو إقبال النفس على ما في المزيَّن من المستحسنات مع ستر ما فيه من الأضرار، فعبّر عن ذلك بالتزيين، أي تحسِين ما ليس بخالص الحسن فإنّ مشتهيات الناس تشتمل على أمور ملائمة مقبولة، وقد تكون في كثير منها مضارّ، أشدُّها أنّها تشغل عن كمالات كثيرة فلذلك كانت كالشيء المزيَّن تغطَّى نقائصه بالمزيّنات، وبذلك لم يبق في تعليق زيّن بحُب إشكال. وحذف فاعل التزيين لخفائه عن إدراك عموم المخاطبين، لأنّ ما يدل على الغرائز والسجايا، لما جُهل فاعله في متعارف العموم، كان الشأن إسناد أفعاله للمجهول: كقولهم عُني بكذا، واضْطُرّ إلى كذا، لا سيما إذا كان المراد الكناية عن لازم التزيين، وهو الإغضاء عمّا في المزيَّن من المساوي؛ لأنّ الفاعل لم يبق مقصوداً بحال، والمزيِّنُ في نفس الأمر هو إدراك الإنسان الذي أحبّ الشهواتِ، وذلك أمر جبلِيٌّ جعله الله في نظام الخلقة قال تعالى: {أية : وذلّلناها لهم فمنها رَكوبهم ومنها يأكلون}تفسير : [يس: 72]. ولما رجع التزيين إلى انفعال في الجبلّة، كان فاعلُه على الحقيقة هو خالقَ هذه الجبلاّت، فالمزيِّن هو الله بخَلْقه لا بِدَعوته، وروى مثل هذا عن عُمر بن الخطاب، وإذا التفتنا إلى الأسباب القريبة المباشرة. كان المزّيِّن هو مَيْلَ النفس إلى المشتهى، أو ترغيبَ الداعين إلى تناول الشهوات: من الخِلاّن والقُرناء، وعن الحسن: المزيِّن هو الشيطان، وكأنّه ذهب إلى أنّ التزيين بمعنى التسويل والترغيب بالوسوسة للشهوات الذميمة والفساد، وقصَرَه على هذا - وهو بعيد - لأنّ تزيين هذه الشهوات في ذاته قد يوافق وجه الإباحة والطاعة، فليس يلازمها تسويل الشيطان إلاّ إذا جعلها وسائل للحرام، وفي الحديث: «حديث : قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدُنا شهوَته ولَهُ فيها أجْر. فقال: أرأيتم لو وضعَها في حرام أكان عليه وِزر، فكذلك إذا وضَعها في الحلال كان له أجر»تفسير : وسياق الآية تفضيل معالي الأمور وصالِح الأعمال على المشتهيات المخلوطةِ أنواعُها بحلال منها وحرام، والمعرَّضة للزوال، فإنّ الكمال بتزكية النفس لتبلُغ الدرجات القدسية، وتنال النعيم الأبدي العظيم؛ كما أشار إليه قوله: {ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب}. وبيان الشهوات بالنساء والبنين وما بعدهما، بيان بأصول الشهوات البشرية: التي تجمع مشتهيَات كثيرة، والتي لا تختلف باختلاف الأمم والعصور والأقطار، فالميْل إلى النساء مركوز في الطبع، وضعه الله تعالى لحكمةِ بقاء النوع بداعي طلب التناسل؛ إذ المرأة هي موضع التناسل، فجُعل ميل الرجل إليها في الطبع حتى لا يحتاج بقاء النوع إلى تكلّف رُبَّمَا تعقبه سآمة، وفي الحديث: «حديث : ما تركتُ بعدي فتنةً أشدّ على الرجال من فتنة النساء»تفسير : ولم يُذكر الرجالُ لأنّ ميل النساء إلى الرجال أضعف في الطبع، وإنّما تحصل المحبّة منهن للرجال بالإلف والإحسان. ومحبّة الأبناء - أيضاً - في الطبع: إذ جعل الله في الوالدين، من الرجال والنساء، شعوراً وجدانياً يُشعر بأنّ الولد قطعة منهما، ليكون ذلك مدعاة إلى المحافظة على الولد الذي هو الجيل المستقبل، وببقائه بقاء النوع، فهذا بقاءُ النوع بحفظه من الاضمحلال المكتوب عليه، وفي الولد أيضاً حفظ للنوع من الاضمحلال العارض بالاعتداء على الضعيف من النوع؛ لأنّ الإنسان يعرض له الضعف، بعد القوة، فيكون ولده دافعاً عنه عداء من يعتدي عليه، فكما دفع الوالد عن ابنه في حال ضعفه، يدفع الولد عن الوالد في حال ضعفه. والذهب والفضة شهوتان بِحسن منظرهما وما يتّخذ منهما من حلي للرجال والنساء، والنقدان منهما: الدنانيرُ والدراهم، شهوة لما أوْدَع الله في النفوس منذ العصور المتوغّلة في القدم من حبّ النقود التي بها دفع أعواض الأشياء المحتاج إليها. {والقناطير} جمع قنطار وهو ما يزن مائة رطل، وأصله معرّب قيل عن الرومية اللاتينية الشرقية، كما نقله النقّاش عن الكلبي، وهو الصحيح؛ فإن أصله في اللاّتينية «كِينْتال» وهو مائة رطل. وقال ابن سيده: هو معرّب عن السريانية. فما في «الكشاف» في سورة النساء أنّ القنطار مأخوذ من قنطَرت الشيءَ إذا رفعتَه، تكلّف. وقد كان القنطار عند العرب، وزنا ومقداراً، من الثروة، يبلغه بعض المثرين: وهو أن يبلغ مالُه مائةَ رطل فضة، ويقولون: قنطَر الرجلُ إذا بلغ ماله قنطاراً وهو اثنا عشر ألف دينارٍ أي ما يساوي قنطاراً من الفضة، وقد يقال: هو مقدار مائة ألف دينار من الذهب. و {المقنطرة} أريد بها هنا المضاعفة المتكاثرة، لأنّ اشتقاق الوصف من اسم الشيء الموصوفِ، إذا اشتهر صاحب الاسم بصفةِ، يؤذن ذلك الاشتقاقُ بمبالغة في الحاصل به كقولهم: لَيْلٌ ألْيَلُ، وظِلٌ ظَلِيلٌ، وداهِيَةٌ دَهْيَاء، وشِعْرٌ شَاعِر، وإبِل مُؤَبَّلَة، وآلاف مُؤَلَّفَة. {والخيل} محبوبة مرغوبة، في العصور الماضية وفيما بعدها، لم يُنسها ما تفنّن فيه البشر من صنوف المراكب برّاً وبحراً وجوّاً، فالأمم المتحضّرة اليوم مع ما لديم من القطارات التي تجري بالبخار وبالكهرباء على السكك الحديدية، ومن سَفائن البحر العظيمة التي تسيّرها آلات البخار، ومن السيّارات الصغيرة المسيّرة باللوالب تحرّكها حرارة النفظ المصفَّى، ومن الطيّارات في الهواء ممّا لم يبلغ إليه البشر في عصر مضى، كلّ ذلك لم يغن الناس عن ركوب ظهور الخيل، وجرّ العربات بمطهّمات الأفراس، والعناية بالمسابقة بين الأفراس. وذكر الخيل لتواطؤ نفوس أهل البَذخ على محبّة ركوبها، قال امرؤ القيس: شعر : كأنِّيَ لَمْ أركَبْ جَوادَا لِلَذّةٍ تفسير : و {المسوّمة} الأظهر فيه ما قيل: إنّه الراعية، فو مشتق من السَّوْم وهو الرعْي، يقال: أسام الماشية إذا رعَى بها في المرعى، فتكون مادة فعَّل للتكثير أي التي تترك في المراعي مدداً طويلة وإنّما يكون ذلك لسعة أصحابها وكثرة مراعيهم، فتكون خيلهم مكرمة في المروج والرياض وفي الحديث في ذكر الخيل «حديث : فأطال لَها في مَرْج أو روضة»تفسير : . وقيل: المسوّمة من السُّومَة - بضم السين - وهي السِّمة أي العلامة من صوف أو نحوه، وإنّما يجعلون لها ذلك تنويهاً بكرمها وحسن بلائها في الحرب، قال العَتَّابي: شعر : ولَوْلاَهُنّ قد سَوّمْتُ مُهري وفي الرحمان للضعفاء كاف تفسير : يريد جعلت له سُومة أفراسِ الجهاد أي علامتَها وقد تقدم اشتقاق السمة والسومة عند قوله تعالى: {أية : تعرفهم بسيماهم}تفسير : في سورة [البقرة: 273]. و {الأنعام} زينة لأهل الوبر قال تعالى: {أية : ولكم فيها جَمال حين تريحون وحين تسرحون}تفسير : [النحل: 6]. وفيها منافع عظيمة أشار إليها قوله تعالى: {أية : والأنعامَ خلقها لكم فيها دفء}تفسير : الآيات في سورة [النحل: 5]، وقد لا تتعلّق شهوات أهل المدن بشدّة الإقبال على الأنعام لكنّهم يحبّون مشاهدها، ويُعنَون بالارتياح إليها إجمالاً. {والحرث} أصله مصدر حرث الأرض إذا شقّها بآلة ليزرع فيها أو يغرس، وأطلق هذا المصدر على المَحروث فصار يطلق على الجَنّات والحوائطِ وحقول الزرع، وتقدم عند قوله تعالى: {أية : نساؤكم حَرث لكم}تفسير : في سورة [البقرة: 223] وعند قوله: {أية : ولا تَسقي الحرث}تفسير : [البقرة: 71] فيها. والإشارة بقوله: {ذلك متاع الحياة الدنيا} إلى جميع ما تقدم ذكره، وأُفرد كاف الخطاب لأنّ الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أو لغير معيَّن، على أنّ علامة المخاطب الواحد هي الغالب في الاقتران بأسماء الإشارة لإرادة البُعد، والبُعد هنا بُعد مجازي بمعنى الرفعة والنفاسة. والمتاع مؤذن بالقلة وهو ما يستمتع به مدة. ومعنى {والله عنده حسن مئاب} أنّ ثواب الله خير من ذلك. والمآب: المرجع، وهو هنا مصدرٌ، مَفْعَل من آب يَؤوب، وأصله مَأوَب نقلت حركة الواو إلى الهمزة، وقلبت الواو ألفاً، والمراد به العاقبة في الدنيا والآخرة.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلأَنْعَامِ وَٱلْحَرْثِ}. لم يبين هنا كم يدخل تحت لفظ الأنعام من الأصناف. ولكنه قد بين في مواضع أخر أنها ثمانية أصناف هي الجمل والناقة والثور والبقرة والكبش والنعجة والتيس والعنز كقوله تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً} تفسير : [الأنعام: 142] ثم بين الأنعام بقوله: {أية : ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ} تفسير : [الأنعام: 143] يعني الكبش والنعجة {أية : وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ} تفسير : [الأنعام:43] يعني التيس والعنز إلى قوله {أية : وَمِنَ ٱلإِبْلِ ٱثْنَيْنِ}تفسير : [الأنعام: 144] يعني الجمل والناقة {أية : وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ}تفسير : [الأنعام:144] يعني: الثور والبقرة وهذه الثمانية هي المرادة بقوله: {أية : وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} تفسير : [الزمر: 6] وهي المشار إليها بقوله: {أية : فَاطِرُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ ٱلأَنْعَامِ أَزْواجاً} تفسير : [الشورى: 11] الآية. تنبيه: ربما أطلقت العرب لفظ النعم على خصوص الإبل، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من حُمرِ النَّعَم" تفسير : يعني: الإبل وقول حسان رضي الله عنه: شعر : وكانت لا يزال بها أنيس خلال مروجها نعم وشاء تفسير : أي: إبل وشاء.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: زيّن للناس حب الشهوات: جعل حبها مستحسناً في نفوسهم لا يرون فيه قبحا ولا دمامة. الشهوات: جمع شهوة بمعنى المشتهى طبعاً وغريزة كالطعام والشراب اللذيذين. القناطير المقنطرة: القنطار ألف ومائة أوقية فضة والمقنطرة الكثيرة بعضها فوق بعض. الخيل المسومة: ذات السمات الحسان والمعدة للركوب عليها للغزو والجهاد. الأنعام: الإبل والبقر والغنم وهي الماشية. الحرث: الزروع والحقول وسائر النباتات النافعة. ذلك متاع الحياة الدنيا: أي ذلك المذكور من النساء والبنين الخ متاع الحياة الدنيا يريد يستمتع به فيها ويموت صاحبها ويتركها. معنى الآية الكريمة: لما ذكر تعالى عناد من كفر من النصارى، واليهود، والمشركين، وجحودهم، وكفرهم، ذكر علة الكفر وبيّن سببه ألا وهو ما زينه تعالى لبني البشر عامة ليفتنهم فيه ويمتحنهم به وهو حب الشهوات أي المشتهيات بالطبع البشرى من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث وهو كل ما يحرث من سائر الحبوب والنباتات الغذائية والعطرية وغيرها. هذا الذي جعل تلك الجماعات ترفض الحق وتدفعه لأنه يحول بينهم وبين هذه المشتهيات غالباً فلا يحصلون عليها، ولم يعلموا أنها مجرد متاع زائل فلا يبيعوا بها الجنة دار الخلد والسلام ولذا قال تعالى ذلك أي ما ذكر من أصناف المحبوبات متاع الحياة الدنيا لا غير أما الآخرة فلا ينفع فيها شيء من ذلك بل لا ينفع فيها إلا الزهد فيه والإِعراض عنه إلا ما لا بد منه لِلْبُلْغَةِ بهِ إلى عمل الدار الآخرة وهو الإِيمان وصالح الأعمال، والتخلي عن الكفر والشرك وسائر الذنوب والمعاصي. وختم تعالى الآية بقوله مرغبا في العمل للدار الآخرة داعيا عباده إلى الزهد في المتاع الفاني لتتعلق قلوبهم بالنعيم الباقي فقال: {وَٱللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ ٱلْمَآبِ}، أي المرجع الحسن، والنزل الكريم والجوار الطيب السعيد. هداية الآية: 1- يزين الله تعالى بمعنى يجعل الشيء زَيْناً محبوباً للناس للإبتلاء والإختبار قال تعالى: {أية : إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً} تفسير : [الكهف: 7] ويزين الشيطان للإضلال والإغواء، فالله يزين الزين ويقبح القبيح، والشيطان يزين القبيح، ويقبح الزين. فانظر الفرق وتأمل. 2- المزينات في هذه الآية من تزيين الله تعالى للإبتلاء، وكلها زينة في الواقع وليس فيها قبيح إلا إذا طلبت من غير حلِّها وأخذت بِشَره ونهم فأفسدت أخلاق آخذها أو طغت عليه محبتها فأنسته لقاء الله وما عنده فهلك بها كاليهود والنصارى والمشركين. 3- كل ما في الدنيا مجرد متاع والمتاع دائما قليل وزائل فعلى العاقل أن ينظر إليه كما هو فلا يطلبه بما يَحْرِمُه حسن المآب عند الله. اللهم لا تحرمنا حسن مآبك يا الله يا رحمن يا رحيم.

القطان

تفسير : الشهوات: مفردها شهوة. وهي التي فسرها الله في الآية بمعنى جميع ما يشتهي الانسان. الانعام: الابل والبقر والغنم. الخيل المسوّمة: الخيل الحسان المعدّة للركوب والقتال: فُطر الناس على حب التملك واشباع شهوتهم إلى الاستحواذ، كما في حال التمتع بالنساء وكثرة البنين وتركيم قناطير الذهب والفضة واقتناء الخيل الحسان، والانعام العائدة بالربح، والعقار، والاراضي المفلوحة.. ولكن ذلك كله لا يقاس بشيء مما عند الله الذي أعدّه لعباده في الحياة الآخرة. فلا ينبغي للناس ان يجعلوا همّهم في هذا المتاع العاجل بحيث يشغلهم عن الاستعداد لخير الثواب الآجل، والله عنده حسن المآب. روى البخاري ومسلم عن ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لو كان لابن آدم واديان من ذهب لتمنّى ان يكون لهما ثالث، ولا يملأ جوفَ ابن آدم الا التراب ويتوب الله على من تاب ".

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلشَّهَوَاتِ} {وَٱلْقَنَاطِيرِ} {وَٱلأَنْعَامِ} {مَتَاعُ} {ٱلْحَيَاةِ} {ٱلْمَآبِ} (14) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أنَّهُ فَطَرَ النَّاسَ عَلَى حُبِّ الشَّهَواتِ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا، مِنْ أنْواعِ المَلَذَّاتِ مِنَ النِّسِاءِ وَالبَنِينَ، وَالأَمْوَالِ وَالخَيْلِ وَالأنْعَامِ وَالحَرْث، وَهِيَ زَهْرَةُ الحَيَاةِ الدُّنيا الفَانِيَةِ، وَزِينَتُهَا الزَّائِلَةُ، وَهِيَ لاَ تُقَاسُ بِمَا ادَّخَرَهُ اللهُ لِعِبَادِهِ المُؤْمِنينَ الصَّالِحِينَ فِي الآخِرَةِ، وَعِنْدَ اللهِ حُسْنُ المَرْجِعِ، وَعِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ. الشَّهْوَةُ - رَغْبَةُ النَّفْسِ. الحَرْثِ - الزَّرْعِ وَالنَّبَاتِ. المُسَوَّمةِ - المُطْلَقَةِ لِتَرْعَى فِي أرْضِ اللهِ، أوِ المُعَلَّمَةِ. المَآبِ - المَرْجِعِ. المُقَنْطَرَةِ - المُضَاعَفَةِ أوِ المُحْكَمَةِ، المُحَصَّنَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الموضوع الذي تأتي فيه هذه الآية الكريمة هو: موقع ذكر المعركة الإسلامية التي جعلها الله آية مستمرة دائمة؛ لتوضح لنا أن المعارك الإيمانية تتطلب الانقطاع إلى الله، وتتطلب خروج الإنسان المؤمن عما ألف من عادة تمنحه كل المتع. والمعارك الإيمانية تجعل المؤمن الصادق يضحي بكثير من ماله في تسليح نفسه، وتسليح غيره أيضاً. فمن يقعد عن الحرب إنسان تغبه شهوات الدنيا، فيأتي الله بهذه الآية بعد ذكر الآية التي ترسم طريق الانتصار المتجدد لأهل الإيمان؛ وذلك حتى لا تأخذنا شهوات الحياة من متعة القتال في سبيل الله ولإعلاء كلمته فيقول: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ} [آل عمران: 14] وكلمة "زين" تعطينا فاصلاً بين المتعة التي يحلها الله، والمتعة التي لا يرضاها الله؛ لأن الزينة عادة هي شيء فوق الجوهر. فالمرأة تكون جميلة في ذاتها وبعد ذلك تتزين، فتكون زينتها شيئاً فوق جوهر جمالها. فكأن الله يريد أن نأخذ الحياة ولا نرفضها، ولكن لا نأخذها بزينتها وبهرجتها، بل نأخذها بحقيقتها الاستبقائية فيقول: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ مِنَ ٱلنِّسَاءِ} [آل عمران: 14]. وما الشهوة؟ الشهوة هي ميل النفس بقوة إلى أي عمل ما. وحين ننظر إلى الآية فإننا نجدها توضح لنا أن الميل إذا كان مما يؤكد حقيقة استبقاء الحياة فهو مطلوب ومقبول، ولكن إن أخذ الإنسان الأمر على أكثر من ذلك فهذا هو الممقوت. وسبق أن ضربنا المثل من قبل بأعنف غرائز الإنسان وهي غريزة الجنس، وأن الحيوان يَفْضُل الإنسان فيها، فالحيوان أخذ العملية الجنسية لاستبقاء النوع بدليل أن الأنثى من الحيوان إذا تم لقاحها من فحل لا تُمكِّن فحلاً آخر يقرب منها. والفحل أيضاً إذا ما جاء إلى أنثى وهي حامل فهو لا يُقبل عليها، إذن فالحيوانات قد أخذت غريزة الجنس كاستبقاء للحياة، ولم تأخذها كالإنسان لذة متجددة. ومع ذلك فنحن البشر نظلم الحيوانات، ونقول في وصف شهوة الإنسان: إن عند فلان شهوة بهيمية. ويا ليتها كانت شهوة بهيمية بالفعل؛ لأن البهيمة قد أخذتها على القدر الضروري، لكن نحن فلسفناها، إذن فخروجك بالشيء عما يمكن أن يكون مباحاً ومشروعاً يسمى : دناءة شهوة النفس. والحق سبحانة وتعالى يريد أن يضمن للكون بقاءه، والبقاء له نوعان: أن يُبقِي الإنسان حياته بالمطعم والمشرب، وتبقى حياة النوع الإنساني بالتزاوج. ولكن إن نظرت إلى المسألة وجدت الخالق حكيماً عليماً. إنه يعلم أن طفولة أي حيوان بسيطة بالنسبة لأبيه وأمه، مثال ذلك: الحمامة تطعم فرخها إلى أن يستطيع الطيران، ثم لا تعرف أين ذهب فرخها، لكن حصيلة الالتقاء بين الرجل والمرأة، والتي أراد الله لها أن تنتج الأولاد تحتاج إلى شقاء إلى أن يبلغ الولد، وذلك ليكون هناك تكافؤ وتناسب بين ما يحرص عليه الإنسان من شهوة، وما يتحمل من مشاق ومتاعب في سبيل الاستمتاع بها واستبقائها. فقول الحق سبحانه: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ مِنَ ٱلنِّسَاءِ} [آل عمران: 14] فمن المزين؟ إن كان في الأمر الزائد على ضروريات الأمر، فهذا من شغل الشيطان، وإن كان في الأمر الرتيب الذي يضمن استبقاء النوع فهذا من الله. ونجد الحق يضيف "البنين" إلى مجال الشهوات ويقصد بها الذكران، ولم يقل البنات، لماذا؟ لأن البنين هم الذين يُطلبون دائماً للعزوة كما يقولون ولا يأتي منهم العار، وكان العرب يئدون البنات ويخافون العار، والمحبوب لدى الرجل في الإنجاب حتى الآن هو إنجاب البنين، حتى الذين يقولون بحقوق المرأة وينادون بها، سواء كان رجلاً أو امرأة إن لم يرزقه الله بولد ذكر فإنه أو إنها تريد ولداً ذكراً. ويضيف الحق إلى مجال الشهوات: {وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ} [آل عمران: 14]، والقناطير هي جمع قنطار، والقنطار هو وحدة وزن، وهذا الوزن حددته كثافة الذهب، إلا أن القنطار قبل أن يكون وزناً كان حجماً، لكنهم رأوا الحجم هذا يزن قدراً كمياً، فانتقلوا من الحجم إلى الوزن. وكان علامة الثراء الواسع في الزمن القديم أن يأتوا بجلد الثور بعد سلخه ويملأوه ذهباً، وملء جلد الثور بالذهب يسمونه قنطاراً، وكانت هذه عملية بدائية. وبعد ذلك أخذوا ملء الجلد ذهباً ووزنوه فصار وزناً. إذن فالأصل فيه أنه كان حجماً، فصار ووزناً. وساعة تسمع "قناطير مقنطرة من الذهب والفضة" فهو يريد أن يحقق فيها القنطارية، وذلك يعني أن القنطار المقنطر هو القنطار الكامل الوزن وليس مجرد قنطاراً تقريباً، كما نقول أيضاً: "دنانير مدنرة". وعادة نجد في اللغة العربية لفظاً يأتي من جنس اللفظ يضم إليه كي يعطيه قوة، فيقال "ظل ظليل" أي ظل كثيف، ويقال "ليل أليل" أي أن الليل في ظلمة شديدة، وهي مبالغة في كثافة الظلام. والظلام على سبيل المثال يحجب الشمس، وحاجب الشمس عنك قد يكون حجاباً واحداً، وقد يكون الشيء الذي يظلك فوقه شيء آخر يظلله أيضاً فيكون الظل ظليلاً، ولذلك يكون الظل تحت الأشجار جميلاً، لأن ورقة تستر الشمس، وورقة أخرى تستر الورقة الأولى، وهكذا، فتصنع تكييفاً طبيعياً للهواء. ولذلك فهم يصنعون الآن خياماً مكيفة الهواء مصنوعة من قماش فوقه قماش آخر، وبينهما مسافة، فيكون هناك قماش يُظلل ظِلاً آخر، فإذا ما وضعوا قطعة ثالثة من القماش تظل الظلين الأولين، فإن الظل يكون ظليلاً، ولذلك قلنا: إن ظل الأشجار هو ظل ظليل، فيه حنان، فكل ورقة تظل الإنسان تكون نفسها مُظَلَّلة بورقة أخرى، وتكون أوراق الشجر التي تظلل بعضها بعضاً مختلفة الأوضاع، وتعطي الأوراق للنسيم فرصة المرور، أما الخيام فهي تحجب النسيم. والشاعر حين أراد أن يصف الروضة قال: شعر : تصد الشمس أَنَّى واجهتها فتحجبها وتأذن للنسيم تفسير : إذن فحين وصف الحق القناطير بأنها مقنطرة فذلك يعني القناطير الدقيقة الميزان، وهي قناطير مقنطرة من ماذا؟ {مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ} [آل عمران: 14]. وكانت الخيل هي أداة العز وأمارة وعلامة على العظمة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة" . تفسير : قول الحق: {وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ} [آل عمران: 14] نرى فيهِ أن اللفظ الواحد يشع في مجالات متعددة من المعاني، فمسوَّمة من سامها يَسوُمها، ومعنى ذلك أن لهذه الخيل مراعي تأكل منها كما تريد، وليست خيلاً مربوطة تأكل ما يُقدم لها فقط، ومسوّمة أيضاً تعني أن لهذا الخيل علامات، فهذا حصان أغرّ، وذلك أدهم وذاك أشقر. ومسوَّمة أيضاً، أن تكون مروضة، ومدربة، وتم تعليمها، فالأصل في الخيل أنها لم تكن مُستأنسة بل مُتوحشة، ولذلك لا بد من ترويضها حتى ينتفع بها الإنسان. فكم معنى إذن أعطته لما كلمة "مُسَوَّمَةِ"؟ سائمة، أي تأكل على قدر ما تشتهي لا على قدر ما نعطيها من طعام. ومُعلَّمة أي فيها علامات كالغّرة والتحجيل، وهذا جواد أدهم، وذلك جواد أشقر، أو أنها معلمة أي مروضة. فماذا تتطلب الحرب؟. إن الحرب تتطلب الانقطاع عن الأهل، فيجب ألا تكون شهوة النفس حاجزاً، سواء كانت شهوة للنساء، أو كانت شهوة العزوة للبنين ورعايتهم، أو كانت شهوة المال؛ فالمؤمن ينفقه في سبيل الله، والخيل أيضاً يستخدمها الإنسان في القتال لإعلاء كلمة الله. ونلحظ أن هذه الآية - التي تعدّد أنواع الزينة - جاءت بعد الآية التي تتحدث عن الجهاد في سبيل الله والتي يقول الحق تبارك وتعالى فيها: {أية : قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ ٱلْعَيْنِ وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ} تفسير : [آل عمران: 13]. وذلك ليرشدنا إلى أن الإنسان المؤمن لا يصح أن يضحي بشهوته الحقيقية وهي إدراك الشهادة في سبيل الله أو النصر على العدو بسبب الشهوات الزائلة التي تتمثل في النساء، وفي البنين، وفي القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، وفي الخيل المسوَّمة والأنعام وقد قال الله عن الأنعام في سورة الأنعام:{أية : ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَمِنَ ٱلإِبْلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنْثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّاكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [الأنعام: 143-144]. حساب ذلك هو اثنان من الضأن، واثنان من الماعز، واثنان من الإبل، واثنان من البقر أي ثمانية أزواج. ولا يمكن حسابها على أنها ستة عشر كما قال البعض قديماً، لا؛ إن الزواج لا يعني اثنين من الشيء، ولكن الزوج واحد، ولكن يُشترط أن يكون مع غيره من جنسه. ومثال آخر هو كلمة "التوأم"، إن التوأم هو واحدٌ معه غيره، وهما توأمان، وهم توائم إذا كان العدد أكثر من اثنين. والحق يقول في مجال زينة الشهوات: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ مِنَ ٱلنِّسَاءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلأَنْعَامِ وَٱلْحَرْثِ} [آل عمران: 14] وحين تسمع كلمة "الحرث" فافهم أن المراد بها هنا الزرع، ولكن الله سبحانه وتعالى يريد منك أن تعلم أن الله حين يُنبت لك أشياء بدون مُعالجتك فإنه يريد منك أيضاً أن تَسْتنبت أشياء بمعالجتك، وهذا لا يتأتى إلا بعملية الحرث. والحرث هو إهاجة الأرض؛ فالتربة تكون جامدة، فلا بد أن يهيّجها الإنسان بالحرث، أي أن تفك يبوستها وتَلاَصُقَ ذراتها لأن تلاصق ذرات التربة لا يصلح أن يكون بيئة للنبات؛ لأن النبات يحتاج إلى الماء ويحتاج إلى الهواء، ويحتاج من الإنسان أن يُمهد للشعيرات البسيطة أن تخرج، وتجد تربة سهلة تتحرك فيها إلى أن تقوى. إذن فالحرث يثير الأرض، ويجعلها ليّنة مُتفتتة حتى تستطيع البذرة أن تنمو؛ لأن الله قد أودع في فلقتي كل بذرة مقوّمات الحياة الى أن يوجب لها جذر يأخذ مقومات الحياة من الأرض، وكلما قوي الجذر في النبات فإن الفلقتين تضمحلان، وتصيران مجرد ورقتين. فأين يذهب حجم الفلقتين؟ لقد قامت الفلقتان بتغذية النبتة إلى أن أستطاعت النبتة أن تتغذى بنفسها من الأرض، ولا يمكن حدوث ذلك إلا إذا كانت الأرض محروثة. ولذلك يقولون: إن الأرض الطينية السوداء تكون صعبة، وغير خصبة، ويقال: إن الأرض الرملية أيضاً غير خصبة، لماذا؟. لأننا نريد صفتين اثنتين في الأرض: الصفة الأولى أن تكون الأرض صالحة أن يتخللها الماء ليشرب الزرع، والصفة الأخرى ألاَّ تُسرب الماء بعيداً، فإذا كانت الأرض طينية فإن جذور الزرع تختنق وتتعطن، وإذا كانت رملية فإن الماء يتسرب بعيداً، لذلك نحتاج في الزراعة الى أرض بين سوداء ورملية، أي أرض صفراء. والله حين يتكلم عن الزرع فإنه يقول: "الحرث" وذلك حتى يلفتنا إلى أن من يريد أن يأخذ زرعاً لا بد أن يجدّ ويحرث الأرض. وهو سبحانه القائل:{أية : أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ}تفسير : [الواقعة: 63-64]. وعبَِر الحق عن الزواج بالحرث لأنه السبب الذي يُوجِد الزرع. وكل ما تقدم من الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسوّمة والأنعام والحرث، كل ذلك تكون قيمته عند الإنسان ما يوضحه الحق بقوله: {ذٰلِكَ مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ ٱلْمَآبِ} [آل عمران: 14]. إن كل ذلك هو متاع الحياة الدنيا، والفيصل هو أن الإنسان يخشى أن تفوته النعمة فلا تكون عنده، أو أن يفوتها فيموت. وكل ما يفوتك أو تفوته، فلا تعتز به. وعندما نتأمل الآية في مجموعها نجد أن فيها مفاتيح كل شخصية تريد أن تنحرف عن منهج الله، إنه سبحانه يقول: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ مِنَ ٱلنِّسَاءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلأَنْعَامِ وَٱلْحَرْثِ ذٰلِكَ مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ ٱلْمَآبِ} [آل عمران: 14]. هكذا نرى المفاتيح التي قد تجذب الإنسان لينحرف عن مراد الله في منهجه، إنه - سبحانه - يطلب من عبده المؤمن أن يبني حركة حياته على مراد الله، فما الذي يجعل المؤمن يترك مراد الله من حكم لينصرف إلى حكم يناقضه؟. لا شك أنه الهوى، والهوى هو الذي يُميل ويُزيغ القلوب، ولكل هوى مفتاح، ولكل شخصية من المكلفين بمنهج الله مفتاح لهواه، فواحد مفتاحه النساء، وواحد مفتاحه البنون، يحب أن يرعاهم رعاية تفوق دَخْلَه من عمل أو صناعة مثلاً فقد يسرق أو يرتشي ليسعد هؤلاء. وأناس مفاتيحهم الشخصية في المال، أو في زينة الخيل، والعدة والعتاد فلكل شخصية مفتاح هوى. والذين يدخلون على الناس ليُزيِّنوا لهم غير منهج الله يأتون لهم بالمفتاح الذي يفتح شخصياتهم، فربما كان هناك إنسان لا تُغريه نظرة المرأة أو ملايين الذهب، إنما يتملكه حبه لأولاده وهو الهوى الغلاب. إذن فكل واحد له مفتاح لشخصيته، والذين يريدون إغراء الناس وغوايتهم يعرفون مفاتيح من يريدون إغراءه وإغواءه. وحين يقول الحق أنَّ هذه الأشياء هي المُزَيِّنة للناس. وقد يقول قائل: إذا كان الله يريد أن يصرفنا عن هذه الأشياء فلماذا خلقها لنا؟ وعلى هذا القول نرد: إن الحق ما دام قد قال: "زُيِّن" وبناها - كما يقول النحاة - للمجهول إي لما لم يُسَمَّ فاعله، فمن الذي زيَّن؟ لقد كان الله قادراً أن يقول لنا من الذي زَيَّن تلك الأشياء تحديداً، لكن الحق يريد أن يعلمنا أنه من الممكن أن يكون الشيطان هو الذي يُزيّن لنا هذه الأشياء، ومن الممكن أن يكون منطق المنهج هو الذي يزين، ألم يقل الحق سبحانه دعاء على لسان عباده الصالحين:{أية : رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً}تفسير : [الفرقان: 74]. إذن فما الفيصل في تلك المسألة؟ الفيصل في هذه المسألة أن الحق سبحانه وتعالى جعل لكل نعمة من نعم الحياة عملاً يعمله الإنسان فيها، فالمرأة إنما اتُّخِذَت سكناً أي ارتياحا عندها، ارتياحاً يعطيك كل الحنان والعطف، وهو سبحانه القائل:{أية : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}تفسير : [الروم: 21]. إن الحق يريد لنا أن يسكن الرجل إلى حلاله، وتصرف المرأة الحلال عَيْنَيْ زوجها عن أعراض الناس. لكن ماذا في الرجل الذي يُحب الأبناء؟ ألم يقل سيدنا زكريا:{أية : قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً * وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ مِن وَرَآئِي وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً}تفسير : [مريم: 4-6]. لقد طلب زكريا عليه السلام ولياً يرثه، والأنبياء لا يُورث منهم أموال، إنما يُورِّثون العلم والحكمة، إذن فقد طلب زكريا عليه السلام أن تُورَث ابنُه الحكمة منه ويرث من آل يعقوب وأن يجعله الله رضِياً. فلو كان الأنبياء يُورِّثون المال، لكان البعض قد فهم أن طلب زكريا للابن كي يرثه في المال، لكن الحق أراد لأنبيائه ألاَّ يُورِّثوا المال، بل يُورِّثون العلم بمنهج الله. وقد طلب زكريا الابن لتثبيت منهج الله في الأرض. وكذلك الذي يريد الأموال لينفقها في سبيل الله، وكذلك الذي يريد الخيل ليروضها على الجهاد، وكذلك الذي يريد الحرث ليملأ بطون خلق الله بما يَطعَمُون منه، كل هؤلاء ينالهم المدح والجزاء الكثير من الله. لذلك يجب أن نعلم أن الحكم يأتي من الله مُحتملاً أن تتجه به إلى الخير المراد لله، ومحتملاً أن تتجه به إلى الشر المراد لنفسك. وأنت - أيها العبد - حين تنظر إلى أي شهوة من هذه الشهوات فلسوف تجد أنه من الممكن أن تُوَجِّهها وِجْهة خير. يقول الحق:{أية : هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً}تفسير : [الفرقان: 74]. لقد أراد الله للأتقياء والأنبياء أن يكون لهم من الذرية أبناء ليرثوا المنهج السلوكي ويكونوا مثلا طيبة للناس يقتدون بهم. إذن فالمؤمن يحب أن تكون ذريته قدوة سلوكية. والذي يحب الخيل يمكن أن يُوجه هذا الحب إلى الخير، ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : مِنْ خير معاش الناس لهم رجل يمسك عِنَانَ فرسه في سبيل الله يطير على مَتنه كلما سمع هِيْعَة أو فَزْعةً طار عليه يبتغي القتل والموت مَظَانَّة ". تفسير : وقد أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن نُروِّض الخيل، إذن فمن الممكن أن تكون هذه الأشياء مساراً للخير. وإياكم أن تفهموا أن الله يزهدنا فيها أو ينفرنا منها، ولكنه يزهدنا أن نستعمل ما خلقه لنا في غير مراده. ولننظر إلى تعليق الله على الأشياء المُزَيَّنة: {ذٰلِكَ مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} [آل عمران: 14] أي أن الذي ينظر الى هذه الأشياء المزينة نظرة تقليدية سطحية سيجدها مجرد متاع، وما عمر هذا المتاع؟ إنه موقوت بالدنيا الفانية. ولننظر إلى الإنسان عندما يُصَعِّدُ في عمله قيمة الخير، وتصعيد قيمة الخير يأتي من تنمية نوعه، أي الزيادة في نوع الخير، ومن استدامته، ومن أن الإنسان لا يترك هذا الخير. إذن فتصعيد الخير يأتي على عدة صور تبدأ من تنمية الخير نفسه. واستدامة الخير فلا ينقطع، وضمان أن يحيا الإنسان للخير ويعيش له، وألاَّ يذهب الخير عنه، وأمر رابع هو ألاَّ تربط هذا الخير بأغيار، أي أن تربطه بواحد قوي يأتي لك به، فقد يضعف، أو يمرض، أو يغيب، أو يغدر بك. إذن فلا بد من أربعة عناصر: الأول: تصعيد الخير، أي نوع الخير الذي تفعله يكون أرقى من خير آخر، فنعمل دائماً على زيادته وتنميته. والثاني: استدامة الخير. والثالث: أن تدوم أنت للخير، وتحرص على أن تعيش له، والأمر الرابع: ألاَّ تربط هذا الخير بالأغيار. بل عليك أن تعتمد على الله ثم على نفسك. وكل الخير يأتي دون هذا فهو غير حقيقي. فإذا نظرت إلى شهوات النساء والمال والبنين والخيل والأنعام والحرث فإنها ستعطيك متاعَ الدنيا. ولنسلم جدلاً أن شيئاً لن يسلبك هذه الأشياء وأنت حيّ، وأنها ستظل معك طيلة دنياك. فما قيمة الدنيا وهي مقاسة بآلاف السنين، والإنسان لا يعيش فيها إلا قدراً محدداً من الأعوام يقرره الحق سبحانه وتعالى. إذن فالدنيا تقاس بعمر الإنسان فيها لا بعمر ذات الدنيا لغيره، لأن عمر الدنيا لغيرك لا يخصك. هب أن هذه الشهوات من نساء ومال وبنين وخيل وذهب وفضة وحرث وأنعام وعدة وعتاد قد دامت لك، فما الذي يحدث؟ إن الدنيا محدودة. ولا أحد يستطيع أن يستديم الدنيا، لذلك فلن يستطيع أحد أن يستديم الخير لأن عمره في الدنيا محدود. وحياة الإنسان في الدنيا لم يضع الله لها حداً يبلغه الإنسان. إن الله لم يحدد عمراً يموت فيه الإنسان، ولكنْ لكل إنسان عمْر خاصٌ محدود بحياته، فعندما يولد أي طفل لا تنزل معه بطاقة تحدد عدد السنوات التي سوف يحياها في الدنيا. وهو سبحانه قد جعل عدد سنوات الحياة مبهماً لكل إنسان، ولذلك يقال إن الإبهام هو أعلى درجات البيان، الحق أخفى توقيت الموت وسببه عن الإنسان. متى يأتي؟ في أي مكان؟ كل ذلك أخفاه فأصبح على المؤمن أن يكون مترقباً للموت في كل لحظة. إن الإبهام للموت هو البيان الوافي، وما دامت الدنيا مهما طالت فهي محدودة وغير مضمونة للإنسان أن يحياها، ونعيمه فيها على قدر إمكاناته وقدرته، وإن لم تذهب الدنيا من الإنسان فالإنسان نفسه يذهب منها. فإذا ما قارنت كل ذلك باسم الحياة التي نحياها الآن، إنّ اسمها "الدنيا" أي "السفلى" ومقابل "الدنيا" هو "العليا" وهي الحياة في الآخرة. ولماذا هي "عليا"؟ لأنها ستصعد الخير. فبعد انقضاء هذه الحياة المحدودة, يذهب المؤمن إلى الجنة وبها حياة غير محدودة، وهذا أول تصعيد. ويضمن المؤمن أن أكلها دائم لا ينقطع. ويضمن المؤمن أنه خالد في الجنة فلا يموت فيها. ويضمن المؤمن قيمة هذه الجنة؛ لأن الخير إنما يأتي على مقدار معرفة الفاعل للخير. ومعرفة الإنسان للخير جزئية محدودة، ومعرفة الله للخير كمال مطلق. فالمؤمن في الآخرة يتنعم في الخير على مقدار ما علم الله من الخير. إذن فحياتنا هي الدنيا، أي السفلى، وهناك الآخرة العليا. فإذا طلب المنهج منا ألاَّ ننخدع بالدنيا، وألاَّ ننقاد إلى المتاع فهل هذا لون من تشجيع الحب للنفس أو تشجيع للكراهية للنفس؟ إنه منهج سماوي يقود إلى حب النفس؛ لأنه يريد أن يُصَعِّد الخير لكل مؤمن، لقد بَيَّن المنهج أن في الدنيا ألواناً من المتع هي كذا وكذا وكذا، والدنيا محدودة ولا تدوم لإنسان، ولا يدوم إنسان لها، وإمكانات الإنسان في النعيم الدنيوي محدودة على قدر الإنسان، أما إمكانات النعيم في الآخرة فهي على قدر قدرة الخالق المربي، فمن المنطقي جداً أن يقول الله لنا: {ذٰلِكَ مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ ٱلْمَآبِ} [آل عمران: 14]. وحسن المآب تعني حسن المرجع. والحق حينما طلب منك أيها المؤمن أن تغض بصرك عما لا يحل لك، فقد يظن الإنسان السطْحي أن في ذلك حجراً على حرية العين، ولكن هذا الغض للبصر أمر به - سبحانه - إنما ليملأ العين في الآخرة بما أحل الله، إذن فهذا حب من الله للمخلوق وهذا تصعيد في الخير. ولنفترض أن معك مبلغاً قليلاً من المال وقابلت فقيراً مسكيناً فآثرت أنت هذا الفقير على نفسك، فأنت تفعل ذلك لتنال في الآخرة ثواباً مضاعفاً. إذن فقضية الدين هي أنانية عالية سامية، لا أنانية حمقاء. ويوضح الله بعد ذلك حسن المآب بقوله سبحانه: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذٰلِكُمْ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ} واحدُها قِنْطَارٌ. فالقِنْطَارُ: أَلفٌ ومَائَتا أُوقيةٍ. والقِنْطَارُ مائةٌ رطلٍ. والقِنْطَارُ ألفُ دينارٍ. ومن الوَرقِ اثنا عَشَر أَلفاً مِثل الدِيَّةِ. وقَدْ قِيلَ القِنْطَارُ: ثَمانونَ أَلفَ دِينارٍ. وقدْ قيلَ القِنْطارُ: سَبعونَ أَلفَ دِينارٍ. تفسير : وقوله تعالى: {وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ} معناهُ المُعلَّمَةُ المُسيَمَةُ. ويقالُ: المُطَهَّمةُ: الحِسانُ. والمُطَهَّمةُ: التي كُل شَيءٍ مِنْهَا حَسِنٍ عَلى حَدهِ والمُسَوَّمةُ: الرَّاعيةُ [{وَٱلأَنْعَامِ وَٱلْحَرْثِ}] والأَنْعَامُ: جَماعةُ النَّعمِ وهيَ الإِبل. والحَرْثُ: الزَّرعُ. تفسير : وقوله تعالى: {مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} معناهُ قِوامُهم. تفسير : وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ ٱلْمَآبِ} معناه المرجعُ.

الجيلاني

تفسير : {زُيِّنَ} حبب وحسن {لِلنَّاسِ} المغرورين بزخرفة الدنيا {حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ} أي: مشتهياتها المنحصرة أصولها في هذه المذكورات {مِنَ ٱلنِّسَاءِ} اللاتي هن لمن اشتهاها؛ إذ هو للوقاع الذي هو من ألذ الملذات النفسانية {وَٱلْبَنِينَ} للمظاهرة والمفاخرة والغلبة على الخصوم {وَٱلْقَنَاطِيرِ} الأموال الكثيرة {ٱلْمُقَنْطَرَةِ} المجتمعة المزخرفة {مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ} لكونها وسائل إلى المشتهيات التي مالت القلوب إليها بالطبع {وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ} المعلمة المنسوبة إليهم ليركبوها ويبطروا عليها {وَٱلأَنْعَامِ} من الإبل والبقر والغنم ليحملوها، ويأكلوا منها ويزرعوا بها {وَٱلْحَرْثِ} ليقتاتوا بها ويعيشوا بأكملها {ذٰلِكَ} الأصول المذكورة {مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} الفانية المانعة من الوصول إلى الجنة، الماوى التي هي دار القرار والخلود، وموعد لقاء الخلاق الودود {وَٱللَّهُ} الهادي إلى سبيل الصواب {عِنْدَهُ} لمن توجه نحوه واستقبل جنابه {حُسْنُ ٱلْمَآبِ} [آل عمران: 14] وخير المنقلب والمئاب. {قُلْ} يا أكمل الرسل للمؤمنين، للمخلصين في عبادة الله، الراغبين إلى جزيل عطائه، الطائرين إلى فضاء فنائه، الطالبين الوصول إلى شرف لقائه، الفانين في الله؛ ليفوزوا بشرف بقائه تحريكاً لهم سلسة الشوق والمحبة {أَؤُنَبِّئُكُمْ} أيها الحيارى في صحارى الإمكان، الموثقون بقيود الأكوان، المحبوسون في مضيق الجدران بسلاسل الزمان والمكان {بِخَيْرٍ} مراتب {مِّن ذٰلِكُمْ} الذي ملتم إليها واشتهيتم إلى نيلها في هذه النشأة، حاصل واصل إليكم في النشأة الأخرى {لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا} منكم عن محارم الله وتوجهوا إلى الله في الدنيا، ولم يرتكبوا ما نهاهم الله على ألسنة رسله {عِندَ رَبِّهِمْ} الذي رباهم بتوفيقه على ترك المحظورات واجتناب المكروهات {جَنَّاتٌ} معراف وحقائق {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} أنهار الكشوف والشهود {وَأَزْوَاجٌ} أعمال وحالات {مُّطَهَّرَةٌ} خالصة عن كدر الرعونة والرياء خالية عن الميل إلى البدع والأهواء {وَ} مع ذلك لهم {رِضْوَانٌ} عظيم {مِّنَ ٱللَّهِ} ليحققهم في مقام العبودية والرضاء بما جرى عليهم من القضاء، بحيث لا ينسبون شيئاً من الحوادث إلى الأسباب والوسائق، بل لا يرون الوسائط في البين أصلاً {وَٱللَّهُ} الهادي للكل {بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ} [آل عمران: 15] الراضين بقضائه، المرضيين بإنفاذه وإمضائه؛ يعني: {ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ} بألسنتهم موافقاً لما في قلوبهم عند مناجاتهم مع ربهم {رَبَّنَآ إِنَّنَآ آمَنَّا} بمقتضى توفيقك بوحدانيتك وبكتبك ورسلك {فَٱغْفِرْ لَنَا} بلطفك {ذُنُوبَنَا} التي صدرت عنا من أنانيتنا واستر عيوبنا التي كنا عليها قل انكشافنا بتوحيدك {وَقِنَا} بلطفك، واحفظنا بفضلك {عَذَابَ ٱلنَّارِ} [آل عمران: 16] المعد لأصحاب البعد الخذلان عن ساحة عز حضورك، واجعلنا بفضلك من: {ٱلصَّابِرِينَ} على عموم ما أصابهم من البأساء والضرءا في طريق توحيدك {وَٱلصَّادِقِينَ} عن الكذب مطلقاً في أقوالهم المعتبرة، المعربة عن أفئدتهم المطمئنة بالإيمان {وَٱلْقَانِتِينَ} الخاضعين الخاشعين إليك بظواهرهم وبواطنهم {وَٱلْمُنْفِقِينَ} من طيبات ما رزقت لهم؛ طلباً لمرضاتك بلا شوب المنة والأذى {وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ} لك الخائفين من سخطك وجلالك، الراجين العفو من عموم أوقاتهم خصوصاً {بِٱلأَسْحَارِ} [آل عمران: 17] الخالية عن جميع الموانع العائقة عن التوجه إلى جنابك الشاهدين بوحدانيتك بما: {شَهِدَ ٱللَّهُ} به لذاته، وهو {أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ} أي: لا موجود ولا وجود ولا كون ولا تحقق ولا كائن ولا ثابت {إِلاَّ هُوَ} الحي الحقيق بالحقية، الوحيد بالقيومية، الفريد بالديمومية، لا شيء سواه {وَ} بما شهد بوحدته {ٱلْمَلاَئِكَةُ} أي: الأسماء والصفات القائمة بالذات الأحدية؛ إذ الكل قائم به ثابت له لا مرجع لها سواه {وَ} بما شهد به {أُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ}من مظاهر المخلوقات على صورته المتأثرة من أوصافه وأسمائه، وإن كانت شهادة كل منها راجعة إلى شهادته؛ لكون الكل {قَآئِمَاً} مقوماً متحققاً {بِٱلْقِسْطِ} أي: العدل الإلهي المنبسط على ظواهر الكائنات أزلاً وأبداً؛ إذ {لاَ إِلَـٰهَ} أي: لا مظهر لها {إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ} الغالب القادر على إظهارها {ٱلْحَكِيمُ} [آل عمران: 18] المتقن في تربيتها وتدبيرها، القائلين طوعاً ورغبة بعدما تحققوا بمقام العبودية:

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى أنه زين للناس حب الشهوات الدنيوية، وخص هذه الأمور المذكورة لأنها أعظم شهوات الدنيا وغيرها تبع لها، قال تعالى { إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها } فلما زينت لهم هذه المذكورات بما فيها من الدواعي المثيرات، تعلقت بها نفوسهم ومالت إليها قلوبهم، وانقسموا بحسب الواقع إلى قسمين: قسم: جعلوها هي المقصود، فصارت أفكارهم وخواطرهم وأعمالهم الظاهرة والباطنة لها، فشغلتهم عما خلقوا لأجله، وصحبوها صحبة البهائم السائمة، يتمتعون بلذاتها ويتناولون شهواتها، ولا يبالون على أي: وجه حصلوها، ولا فيما أنفقوها وصرفوها، فهؤلاء كانت زادا لهم إلى دار الشقاء والعناء والعذاب، والقسم الثاني: عرفوا المقصود منها وأن الله جعلها ابتلاء وامتحانا لعباده، ليعلم من يقدم طاعته ومرضاته على لذاته وشهواته، فجعلوها وسيلة لهم وطريقا يتزودون منها لآخرتهم ويتمتعون بما يتمتعون به على وجه الاستعانة به على مرضاته، قد صحبوها بأبدانهم وفارقوها بقلوبهم، وعلموا أنها كما قال الله فيها { ذلك متاع الحياة الدنيا } فجعلوها معبرا إلى الدار الآخرة ومتجرا يرجون بها الفوائد الفاخرة، فهؤلاء صارت لهم زادا إلى ربهم. وفي هذه الآية تسلية للفقراء الذين لا قدرة لهم على هذه الشهوات التي يقدر عليها الأغنياء، وتحذير للمغترين بها وتزهيد لأهل العقول النيرة بها، وتمام ذلك أن الله تعالى أخبر بعدها عن دار القرار ومصير المتقين الأبرار، وأخبر أنها خير من ذلكم المذكور، ألا وهي الجنات العاليات ذات المنازل الأنيقة والغرف العالية، والأشجار المتنوعة المثمرة بأنواع الثمار، والأنهار الجارية على حسب مرادهم والأزواج المطهرة من كل قذر ودنس وعيب ظاهر وباطن، مع الخلود الدائم الذي به تمام النعيم، مع الرضوان من الله الذي هو أكبر نعيم، فقس هذه الدار الجليلة بتلك الدار الحقيرة، ثم اختر لنفسك أحسنهما واعرض على قلبك المفاضلة بينهما { والله بصير بالعباد } أي: عالم بما فيهم من الأوصاف الحسنة والأوصاف القبيحة، وما هو اللائق بأحوالهم، يوفق من شاء منهم ويخذل من شاء. فالجنة التي ذكر الله وصفها ونعتها بأكمل نعت وصف أيضا المستحقين لها وهم الذين اتقوه بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه، وكان من دعائهم أن قالوا: { رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنْا عَذَابَ النَّارِ } توسلوا بمنة الله عليهم بتوفيقهم للإيمان أن يغفر لهم ذنوبهم ويقيهم شر آثارها وهو عذاب النار، ثم فصل أوصاف التقوى. فقال { الصابرين } أنفسهم على ما يحبه الله من طاعته، وعن معصيته، وعلى أقداره المؤلمة، { والصادقين } في إيمانهم وأقوالهم وأحوالهم { والمنفقين } مما رزقهم الله بأنواع النفقات على المحاويج من الأقارب وغيرهم { والمستغفرين بالأسحار } لما بين صفاتهم الحميدة ذكر احتقارهم لأنفسهم وأنهم لا يرون لأنفسهم، حالا ولا مقاما، بل يرون أنفسهم مذنبين مقصرين فيستغفرون ربهم، ويتوقعون أوقات الإجابة وهي السحر، قال الحسن: مدوا الصلاة إلى السحر، ثم جلسوا يستغفرون ربهم. فتضمنت هذه الآيات حالة الناس في الدنيا وأنها متاع ينقضي، ثم وصف الجنة وما فيها من النعيم وفاضل بينهما، وفضل الآخرة على الدنيا تنبيها على أنه يجب إيثارها والعمل لها، ووصف أهل الجنة وهم المتقون، ثم فصل خصال التقوى، فبهذه الخصال يزن العبد نفسه، هل هو من أهل الجنة أم لا؟

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 138 : 2 : 27 - سفين عن حبيب بن أبي ثابت عن مجاهد قال، "الخيل المسومة" المطهمة. [الآية 14]. 139 : 3 : 28 - سفين عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير قال، هي الرائعة.

همام الصنعاني

380تفسير : - عبد الرزاق، قال: حدثنا الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن مجاهد في قوله تعالى: {وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ}: [الآية: 14]، قال: هي المطهمة الحسان. 381- قال حبيب: وقال سعيد بن جبير: هي الراعية، يعني: السائمة. 382- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن قتادة في قوله: {وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ}: [الآية: 14]، قال: شِيَةُ الخَيْل في وجوهها.