Verse. 308 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

قُلْ اَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّنْ ذٰلِكُمْ۝۰ۭ لِلَّذِيْنَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّہِمْ جَنّٰتٌ تَجْرِيْ مِنْ تَحْتِہَا الْاَنْہٰرُ خٰلِدِيْنَ فِيْہَا وَاَزْوَاجٌ مُّطَہَّرَۃٌ وَّرِضْوَانٌ مِّنَ اؘ۝۰ۭ وَاللہُ بَصِيْرٌۢ بِالْعِبَادِ۝۱۵ۚ
Qul aonabbiokum bikhayrin min thalikum lillatheena ittaqaw AAinda rabbihim jannatun tajree min tahtiha alanharu khalideena feeha waazwajun mutahharatun waridwanun mina Allahi waAllahu baseerun bialAAibadi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل» يا محمد لقومك «أؤنبِّئكم» أخبركم «بخير من ذلكم» المذكور من الشهوات استفهام تقرير «للذين اتقوا» الشرك «عند ربهم» خبر مبتدأُه «جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين» أي مقدرين الخلود «فيها» إذا دخلوها «وأزواج مطهرة» من الحيض وغيره مما يستقذر «ورضوان» بكسر أوله وضمه لغتان أي رضا كثير «من الله والله بصير» عالم «بالعباد» فيجازي كلاً منهم بعمله.

15

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي {أَؤُنَبّئُكُمْ } بهمزتين واختلفت الرواية عن نافع وأبي عمرو. المسألة الثانية: ذكروا في متعلق الاستفهام ثلاثة أوجه الأول: أن يكون المعنى: هل أؤنبئكم بخير من ذلٰكم، ثم يبتدأ فيقال: للذين اتقوا عند ربهم كذا وكذا والثاني: هل أؤنبئكم بخير من ذلٰكم للذين اتقوا، ثم يبتدأ فيقال: عند ربهم جنّات تجري والثالث: هل أنبئكم بخير من ذلٰكم للذين اتقوا عند ربهم، ثم يبتدى فيقال: جنّات تجري. المسألة الثالثة: في وجه النظم وجوه الأول: أنه تعالى لما قال: {أية : وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلْمَأَبِ } تفسير : [آل عمران: 14] بيّن في هذه الآية أن ذلك المآب، كما أنه حسن في نفسه فهو أحسن وأفضل من هذه الدنيا، فقال {قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذٰلِكُمْ } الثاني: أنه تعالى لما عدد نعم الدنيا بين أن منافع الآخرة خير منها كما قال في آية أخرى {أية : وَٱلأَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ } تفسير : [الأعلى: 17] الثالث: كأنه تعالى نبّه على أن أمرك في الدنيا وإن كان حسناً منتظماً إلا أن أمرك في الآخرة خير وأفضل، والمقصود منه أن يعلم العبد أنه كما أن الدنيا أطيب وأوسع وأفسح من بطن الأم، فكذلك الآخرة أطيب وأوسع وأفسح من الدنيا. المسألة الرابعة: إنما قلنا: إن نعم الآخرة خير من نعم الدنيا، لأن نعم الدنيا مشوبة بالمضرة، ونعم الآخرة خالية عن شوب المضار بالكلية، وأيضاً فنعم الدنيا منقطعة لا محالة، ونعم الآخرة باقية لا محالة. أما قوله تعالى: {لّلَّذِينَ ٱتَّقَواْ } فقد بينا في تفسير قوله تعالى: {أية : هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } تفسير : [البقرة: 2] أن التقوى ما هي وبالجملة، فإن الإنسان لا يكون متقياً إلا إذا كان آتياً بالواجبات، متحرزاً عن المحظورات، وقال بعض أصحابنا: التقوى عبارة عن اتقاء الشرك، وذلك لأن التقوى صارت في عرف القرآن مختصة بالإيمان، قال تعالى: {أية : وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ } تفسير : [الفتح: 26] وظاهر اللفظ أيضاً مطابق له، لأن الاتقاء عن الشرك أعم من الاتقاء عن جميع المحظورات، ومن الاتقاء عن بعض المحظورات، لأن ماهية الاشتراك لا تدل على ماهية الامتياز، فحقيقة التقوى وماهيتها حاصلة عند حصول الاتقاء عن الشرك، وعرف القرآن مطابق لذلك، فوجب حمله عليه فكان قوله {لّلَّذِينَ ٱتَّقَواْ } محمولاً على كل من اتقى الكفر بالله. أما قوله تعالى: {لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ عِندَ رَبّهِمْ } ففيه احتمالان الأول: أن يكون ذلك صفة للخير، والتقدير: هل أنبئكم بخير من ذلٰكم عند ربهم للذين اتقوا والثاني: أن يكون ذلك صفة للذين اتقوا والتقدير: للذين اتقوا عند ربهم خير من منافع الدنيا ويكون ذلك إشارة إلى أن هذا الثواب العظيم لا يحصل إلا لمن كان متقياً عند الله تعالى، فيخرج عنه المنافق، ويدخل فيه من كان مؤمناً في علم الله. وأما قوله {جَنَّـٰتُ } فالتقدير: هو جنّات، وقرأ بعضهم {جَنَّـٰت } بالجر على البدل من خير، واعلم أن قوله {جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } وصف لطيب الجنّة ودخل تحته جميع النعم الموجودة فيها من المطعم والمشرب والملبس والمفرش والمنظر، وبالجملة فالجنة مشتملة على جميع المطالب، كما قال تعالى: {أية : فِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ &#1649لأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ } تفسير : [الزخرف: 71]. ثم قال: {خَـٰلِدِينَ فِيهَا } والمراد كون تلك النعم دائمة. ثم قال: {وَأَزْوٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوٰنٌ مّنَ ٱللَّهِ } وقد ذكرنا لطائفها عند قوله تعالى في سورة البقرة: {أية : وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ } تفسير : [البقرة: 25] وتحقيق القول فيه أن النعمة وإن عظمت فلن تتكامل إلا بالأزواج اللواتي لا يحصل الأنس إلا بهن، ثم وصف الأزواج بصفة واحدة جامعة لكل مطلوب، فقال {مُّطَهَّرَةٍ } ويدخل في ذلك: الطهارة من الحيض والنفاس وسائر الأحوال التي تظهر عن النساء في الدنيا مما ينفر عنه الطبع، ويدخل فيه كونهن مطهرات من الأخلاق الذميمة ومن القبح وتشويه الخلقة، ويدخل فيه كونهن مطهرات من سوء العشرة. ثم قال تعالى: {وَرِضْوٰنٌ مّنَ ٱللَّهِ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ عاصم {وَرِضْوَانٍ } بضم الراء، والباقون بكسرها، أما الضم فهو لغة قيس وتميم، وقال الفرّاء: يقال رضيت رضا ورضوانا، ومثل الراضون بالكسر الحرمان والقربان وبالضم الطغيان والرجحان والكفران والشكران. المسألة الثانية: قال المتكلمون: الثواب له ركنان أحدهما: المنفعة، وهي التي ذكرناها، والثاني: التعظيم، وهو المراد بالرضوان، وذلك لأن معرفة أهل الجنة مع هذا النعيم المقيم بأنه تعالى راض عنهم، حامد لهم، مثن عليهم، أزيد في إيجاب السرور من تلك المنافع، وأما الحكماء فإنهم قالوا: الجنّات بما فيها إشارة إلى الجنة الجسمانية، والرضوان فهو إشارة إلى الجنة الروحانية وأعلى المقامات إنما هو الجنة الروحانية، وهو عبارة عن تجلي نور جلال الله تعالى في روح العبد واستغراق العبد في معرفته، ثم يصير في أول هذه المقامات راضياً عن الله تعالى، وفي آخرها مرضياً عند الله تعالى، والله الإشارة بقوله {أية : رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً } تفسير : [الفجر: 28] ونظير هذه الآية قوله تعالى: {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا وَمَسَـٰكِنَ طَيّبَةً فِى جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوٰنٌ مّنَ ٱللَّهِ أكْبَرُ ذٰلِكَ هُوَ ٱلفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} تفسير : [التوبة: 72]. ثم قال: {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ } أي عالم بمصالحهم، فيجب أن يرضوا لأنفسهم ما اختاره لهم من نعيم الآخرة، وأن يزهدوا فيما زهدهم فيه من أمور الدنيا.

القرطبي

تفسير : منتهى الاستفهام عند قوله {مِّن ذٰلِكُمْ}، {لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا} خبر مقدم، و {جَنَّاتٌ} رَفْع بالابتداء. وقيل: منتهاه {عِندَ رَبِّهِمْ}، و {جَنَّاتٌ} على هذا رفع بٱبتداء مضمر تقديره ذلك جنات. ويجوز على هذا التأويل «جَنَّاتٍ» بالخفض بدلاً من «خَيْرٍ» ولا يجوز ذلك على الأوّل. قال ابن عطية: وهذه الآية والتي قبلها نظير قوله عليه السلام: «حديث : تُنْكح المرأة لأربع لِمالِها وحسبها وجمالها ودِينها فاظفر بذات الدِّين تَرِبَتْ يَداك» تفسير : خرّجه مسلم وغيره. فقوله «فاظْفَرْ بذات الدين» مِثال لهذه الآية. وما قبلُ مثالٌ للأولى. فذكر تعالى هذه تسليةً عن الدنيا وتقويةً لنفوس تاركيها. وقد تقدّم في البقرة معاني ألفاظ هذه الآية. والرضوان مصدر من الرضا، وهو أنه إذا دخل أهل الجنةِ الجنة يقول الله تعالى لهم «تريدون شيئاً أزيدكم»؟ فيقولون: يا ربنا وأي شيء أفضل من هذا؟ فيقول: «رضاي فلا أسخط عليكم بعده أبداً» خرّجه مسلم. وفي قوله تعالى: {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ} وعدٌ ووَعِيدٌ.

البيضاوي

تفسير : {قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذٰلِكُمْ} يريد به تقرير أن ثواب الله تعالى خير من مستلذات الدنيا. {لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ عِندَ رَبّهِمْ جَنَّـٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَـٰالِدِينَ فِيهَا} استئناف لبيان ما هو خير، ويجوز أن يتعلق اللام بخير ويرتفع جنات على ما هو جنات، ويؤيده قراءة من جرها بدلاً من {خَيْرٌ}. {وَأَزْوٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ} مما يستقذر من النساء. {وَرِضْوٰنٌ مّنَ ٱللَّهِ} قرأ عاصم في رواية أبي بكر في جميع القرآن بضم الراء ما خلا الحرف الثاني في المائدة وهو قوله تعالى: {أية : رِضْوَانَهُ سُبُلَ ٱلسَّلَـٰمِ }تفسير : [المائدة: 16] بكسر الراء وهما لغتان. {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ} أي بأعمالهم فيثيب المحسن ويعاقب المسيء، أو بأحوال الذين اتقوا فلذلك أعد لهم جنات، وقد نبه بهذه الآية على نعمه فأدناها متاع الحياة الدنيا وأعلاها رضوان الله تعالى لقوله تعالى: {أية : وَرِضْوٰنٌ مّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ }تفسير : [التوبة: 72] وأوسطها الجنة ونعيمها.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ } يا محمد لقومك {أَؤُنَبّئُكُمْ } أخبركم {بِخَيْرٍ مّن ذٰلِكُمْ } المذكور من الشهوات، استفهام تقرير {لّلَّذِينَ ٱتَّقَواْ } الشرك {عِندَ رَبّهِمْ } خبر مبتدؤه {جَنَّٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَٰالِدِينَ } أي مقدّرين الخلود {فِيهَا } إذا دخلوها {وَأَزْوٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ } من الحيض وغيره مما يُستقذر {وَرِضْوَانٌ } بكسر أوله وضمه لغتان أي رضا كثير {مّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ } عالم {بِٱلْعِبَادِ } فيجازي كلاًّ منهم بعمله.

ابن عطية

تفسير : في هذه الآية تسلية عن الدنيا وتقوية لنفوس تاركيها، وذكر تعالى حال الدنيا وكيف استقر تزيين شهواتها، ثم جاء الإنباء بخير من ذلك، هازاً للنفوس وجامعاً لها لتسمع هذا النبأ المستغرب النافع لمن عقل، وأنبىء: معناه أخبر، وذهبت فرقة من الناس إلى أن الكلام الذي أمر النبي عليه السلام بقوله تم في قوله تعالى: {عند ربهم} و {جنات} على هذا مرتفع بالابتداء المضمر تقديره: ذلك جنات، وذهب آخرون إلى أن الكلام تم في قوله: {من ذلكم} وأن قوله {للذين} خبر متقدم، و {جنات} رفع بالابتداء، وعلى التأويل الأول يجوز في {جنات} الخفض بدلاً من خير، ولا يجوز ذلك على التأويل الثاني، والتأويلان محتملان، وقوله {من تحتها} يعني من تحت أشجارها وعلوها من الغرف ونحوها و {خالدين} نصب على الحال، وقوله: {وأزواج} عطف على الجنات وهو جمع زوج وهي امرأة الإنسان، وقد يقال زوجة، ولم يأت في القرآن، و {مطهرة}، معناه من المعهود في الدنيا من الأقذار والريب وكل ما يصم في الخلق والخلق، ويحتمل أن يكون الأزواج الأنواع والأشباه، والرضوان، مصدر من الرضى وفي الحديث عن النبي عليه السلام: أن أهل الجنة إذا استقروا فيها وحصل لكل واحد منهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر قال الله لهم: أتريدون أن أعطيكم ما هو أفضل من هذا؟ قالوا يا ربنا وأي شيء أفضل من هذا؟ فيقول الله تعالى: "أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً"، هذا سياق الحديث، وقد يجيء مختلف الألفاظ والمعنى قريب بعضه من بعض، وفي قوله تعالى: {والله بصير بالعباد} وعد ووعيد.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {قل أؤنبئكم} أي أخبركم {بخير من ذلكم} يعني الذي ذكر من متاع الدنيا {للذين اتقوا} قال ابن عباس في رواية عنه يريد المهاجرين والأنصار. أراد أن يعرفهم ويشوقهم إلى الآخرة قال العلماء: ويدخل في هذا الخطاب كل من اتقى الشرك {عند ربهم} معناه أن الله تعالى أخبر أن ما عنده خير مما كان في الدنيا وإن كان محبوباً فحثهم على ترك ما يحبون لما يرجون ثم فسر لك الخير فقال تعالى: {جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله}. (ق) عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا وسعديك الخير كله في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: يا رب وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك: فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك فيقول، أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً وقيل: إن العبد إذا علم أن الله تعالى قد رضي عنه كان أتم لسروره وأعظم لفرحه" تفسير : {والله بصير بالعباد} يعني أن الله تعالى عالم بمن يؤثر ما عنده ممن يؤثر شهوات الدنيا فيجازى كلاًّ على عمله فيثبت ويعاقب على قدر الأعمال. وقيل: إن الله تعالى بصير بالذين اتقوا فلذلك أعدلهم الجنات.

ابن عادل

تفسير : قرأ نافعُ وابنُ كثير وأبو عمرو بتحقيق الأولى، وتسهيل الثانية، والباقون بالتحقيق فيهما، ومَد هاتَيْن الهمزَتَيْن - بلا خلاف - قالون عن نافع، وأبو عمرو وهشام عن ابن عامر بخلاف عنهما والباقون بغير مدّ على أصولهم من تحقيق وتسهيل. وورش على أصله من نقل حركة الهمزة الأولى إلى لام "قُلْ". ولا بد من ذكر اختلاف القراء في هذه اللفظة وشبهها، وتحرير مذاهبهم؛ فإنه موضع عسير الضبط، فنقول: الوارد من ذلك في القرآن الكريم ثلاثة مواضع - أعني همزتين، أولاهُمَا مفتوحةُ، والثانية مضمومة - الأول: هذا الموضع. والثاني: {أية : أَأُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا} تفسير : [ص: 8]، والثالث: {أية : أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا}تفسير : [القمر: 25]، والقُرَّاء فيها على خمسِ مراتب: أحدها: مرتبة قالون، وهي تسهيل الثانية بَيْنَ بَيْنَ، وإدخال ألِفٍ بين الهمزتين - بلا خلاف - كذا رواه عن نافع. الثانية: مرتبة وَرْش وابن كثير، وهي تسهيل الثانية - أيضاً - بين بين، من غير إدخال ألِفٍ بين الهمزتين بخلاف كذا روى ورش عن نافع. الثالثة: مرتبة الكوفيين وابنِ ذكوان عن ابن عامر، وهي تحقيق الثانيةِ، من غير إدخال ألف بلا خلاف-، كذا روى ابن ذكوان عن ابن عامر. الرابعة: مرتبة هشام، وهي أنه رُويَ عنه ثلاثةُ أوجه: الأول: التحقيق، وعدم إدخال ألف بين الهمزتين في الثلاثِ مواضِعَ. الثاني: التحقيق، وإدخال ألف بينهما في المواضع الثلاثة. الثالث: التفرقة بين السور، فيُحقق ويُقْصِر في هذه السورة، ويُسَهِّل ويمد في السورتين الأخْرَيَيْن. الخامسة: مرتبة أبي عمرو، وهي تسهيل الثانية مع إدخال الألف وعدمه. وتسهيل هذه الأوجه تقدم في أول البقرة. ونقل أبو البقاء أنه قُرِئَ: أَؤُنَبِّئكم - بواوٍ خالصةٍ بعد الهمزةِ؛ لانضمامها - وليس ذلك بالوَجْه. وفي قوله: {أَؤُنَبِّئُكُم} التفاتٌ من الغيبة - في قوله: "للنَّاسِ" - إلى الخطاب، تشريفاً لهم. "بِخَيْرٍ" متعلق بالفعل، وهذا الفعل لَمَّا لم يضمن معنى "أعلم" تعدى لاثنين، الأول تعدى إليه بنفسه، وإلى الثاني بالحرف، ولو ضُمِّنَ معناها لتعدَّى إلى ثلاثة. و "مِنْ ذَلِكُمْ" متعلق بـ "خَيْر"؛ لأنه على بابه من كونه أفعل تفضيل، والإشارة بـ "ذَلِكُمْ" إلى ما تقدم من ذكر الشهوات وتقدم تسويغ الإشارة بالمفرد إلى الجمع، ولا يجوز أن تكون "خير" ليست للتفضيل، ويكون المراد به خيراً من الخيور، ويكون "مِنْ" صفة لقوله: "خَيْرٍ". قال أبو البقاء: "من" في موضع نَصْب بخير، تقديره [بما يفضل من ذلك، ولا يجوز أن يكون صلة لخير؛ لأن ذلك يوجب أن تكون الجنة وما فيها] مما رغبوا فيه بعضاً لِمَا زهدوا فيه من الأموال ونحوها، وتابَعَهُ في ذلك أبو حيان. فصل كيفية النَّظم أنه - تعالى - لما عدَّد نِعَم الدنيا بيَّن - هنا - أن منافع الآخرة خيرٌ منها كما قال في آية أخرى: {أية : وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} تفسير : [الأعلى: 17]؛ لأن نعم الدنيا مشوبَةٌ بالأنكاد، فانيةٌ، ونِعَم الآخرة خالصةٌ، باقيةٌ. قوله: {لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا} يجوز فيه أربعة أوجهٍ: أحدها: أنه متعلّق بخَيْرٍ، ويكون الكلام تم هنا، وتُرْفَع "جَنَّاتٌ" على خبر مبتدأ محذوفٍ، تقديره هو جنات، أي ذلك الذي هو خير مما تقدم جنات، فالجملة بيان وتفسير للخَيْريَّة، ومثله قوله تعالى: {أية : قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكُمُ} تفسير : [الحج: 72]، ثم قال: {أية : ٱلنَّارُ وَعَدَهَا ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تفسير : [الحج: 72] ويؤيد ذلك قراءة "جَنَّاتٍ" - بكسر التاء - على أنها بدل من "بِخَيْرٍ" فهي بيان للخير. والثاني: أن الجارَّ خبر مقدم، و "جَنَّاتٌ" مبتدأ مؤخر، أو يكون "جَنَّاتٌ" فاعلاً بالجار قبله - وإن لم يعتمد - عند مَنْ يَرَى ذلك، وعلى هذين التقديرين، فالكلام تم عند قوله: {مِّن ذٰلِكُمْ}، ثم ابتدأ بهذه الجملة، وهي - أيضاً مبينة ومفسِّرة للخَيْرية. وأما الوجهان الأخيران فذكرهما مكي - مع جَرِّ "جَنَّات" - يعني أنه لم يُجِز الوجهين إلا إذا جررت "جنات" بدلاً من "خَيْر". الوجه الأول: أنه متعلق بـ "أؤُنَبِّئُكُمْ". الوجه الثاني: أنه صفة لـ "خَيْر". ولا بد من إيراد نصه؛ فإن فيه إشكالاً، قال - رحمه الله - بعد أن ذكر أن "لِلَّذِينَ" خبر مقدَّم، و "جنات" مبتدأ -: "ويجوز الخفض في "جناتٍ" على البدل من "خَيْر" على أن تجعل اللام في "لِلَّذِينَ" متعلقةً بـ "أؤُنَبِّئُكُمْ"، أو تجعلها صفة لـ "خَيْر" ولو جعلت اللام متعلقة بمحذوف قامت مقامه لم يجز خفض "جنات"؛ لأن حروف الجر، والظروف إذا تعلقت بمحذوف، وقد قامت مقامه - صار فيها ضمير مقدر مرفوع، واحتاجت إلى ابتداء يعود عليه ذلك الضمير، كقولك: لزيد مال، في الدار زيد، خلفك عمرو، فلا بد من رفع "جَنَّات" إذا تعلقت اللام بمحذوف، ولو تعلقت بمحذوف على أن لا ضمير فيها لرفعت "جَنَّات" بفعلها، وهو مذهب الأخفش في رفعه ما بعد الظروف وحروف الخفض بالاستقرار، وإنما يحسن ذلك عند حذاق النحويين إذا كانت الظروف، أو حروف الخفض صفةً لما قبلها، فحينئذ يتمكن ويحْسُن رفعُ الاسم بالاستقرار، وقد شرحنا ذلك وبيناه في أمثلة؛ وكذلك إذا كانت أحوالاً". فقد جوَّز تعلُّقَ هذه اللام بـ "أؤُنَبِّئُكُمْ" أو بمحذوف على أنها صفة لخير، بشرط أن يُجَرَّ لفظُ "جنات" على البدل من "خَيْر" وظاهره أنه لا يجوز ذلك مع رفع "جَنَّات" وعلَّل ذلك بأن حروف الجر تتعلق بمحذوف، يحمل الضمير، فوجب أن يُؤتَى له بمبتدأ هو "جَنَّات" وهذا الذي قاله من هذه الحيثية لا يلزم؛ إذ لقائل أن يقول: أجوز تعلق اللام بما ذكرت من الوجهين مع رفع "جَنَّات" على أنها خبر مبتدأ محذوف، لا على الابتداء حتى يلزم ما ذكرت ولكن الوجهين ضعيفان من جهة أخرى، وهو أن المعنى ليس واضحاً بما ذكر مع أنّ جعله صفة لخير أقوى من جعلها متعلقة بـ "أؤُنَبِّئُكُمْ"؛ إذ لا معنى له، وقوله - في الظروف وحروف الجر -: إنها عند الحذاق إنما ترفع الفاعل إذا كانت صفات.. وكذلك إن كانت أحوالاً - فيه قصور؛ لأن هذا الحكم مستقر لها في مواضع: منها: الموضعان اللذان ذكرهما. وثالثها: أن يقعا صلة. ورابعها: أن يقعا خبراً لمبتدأ. وخامسها: أن تعتمد على نفي. وسادسها: أن تعتمد على استفهام. وقد تقدم تحرير هذا. فصل قد بيَّنا في قوله تعالى: {أية : هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} تفسير : [البقرة: 2] معنى التقوى، وبالجملة فإن المتقي هو الآتي بالواجبات، المحترز عن المحظورات. وقيل: التقوى عبارة عن اتقاء الشرك؛ لأن التقوى - في عُرْف القرآن - مختصة بالإيمان. قال تعالى: {أية : وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ} تفسير : [الفتح: 26]، وظاهر اللفظ يطابق الامتنان بحقيقة التقوى، وهي حاصلةٌ عند حصولِ اتقاء الشرك وعرف القرآن مطابق لذلك، فوجب حملُه على مَن اتقى الكفرَ: قوله: {عِندَ رَبِّهِمْ} فيه أربعة أوجهٍ: أحدها: أنه في محل نصب على الحال من "جَنَّات"؛ لأنه - في الأصل - صفة لها، فلما قُدِّم نصب حالاً. الثاني: أنه متعلق بما تعلق به "لِلَّذِينَ" من الاستقرار، إذَا جعلناه خبراً، أو رافعاً "جَنَّاتٌ" بالفاعلية، أما إذا علقته بـ "خَيْر" أو "أؤنَبَّئُكُمْ" فلا؛ لعدم تضمينه الاستقرار. الثالث: أن يكون معمولاً لـ "تَجْرِي"، وهذا لا يساعد عليه المعنى. الرابع: أنه متعلق بـ "خَيْر"، كما تعلق به "لِلَّذِينَ"، كما تقدم. ويضعف أن يكون الكلام قد تم عند قوله: {لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا} ثم يُبْتَدَأ بقوله: {عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ} - على الابتداء والخبر - وتكُون الجملة مبيِّنة ومفسِّرة للخيرية، كما تقدم في غيرها. وقرأ يعقوب "جَنَّاتٍ" بكسر التاء - وفيه ثلاثة أوجهٍ: أحدها: أنها بدل من لفظ "بِخَيْر" فتكون مجرورة، وهي بيان له - كما تقدم. الثاني: أنها بدل من محل "بِخَيْر" - ومحله النصب - وهو في المعنى كالأول. الثالث: أنه منصوب بإضمار "أعني"، وهو نظير الوجه الصائر إلى رفعه على خبر ابتداء مضمر. قوله: "تَجْرِي" صفة لـِ "جَنَّات"، فهو في محل رفع، أو نصب، أو جر - على حسب القراءتين، والتخاريج فيهما - و "مِنْ تَحْتِهَا" متعلق بـ "تَجْرِي" وجوز فيه أبو البقاء أن يتعلق بمحذوفٍ على أنه حال من "الأنهار" قال: أي: تجري الأنهار كائنةً تحتها، وهذا يشبه تهيئة العامل للعمل في شيء وقطعه عنه. قوله: {خَالِدِينَ} حال، وصاحبها الضمير المستكن في "لِلَّذِينَ" والعامل فيها - حينئذ - الاستقرار المقدَّر. وقال أبو البقاء: "إن شئت من الهاء في: تَحْتِهَا"، وهذا الذي ذكره - إنما يتمشى على مذهب الكوفيين، وذلك أن جعلها حالاً من الهاء في تحتها يؤدي إلى جريان الصفة على غير من هي له في المعنى؛ لأن الخلود من أوصاف الجنة ولذلك جمع هذه الحال جمع العقلاءِ، فكان ينبغي أن يُؤتَى بضمير مرفوع بارز، هو الذي كان مستتراً في الصفة نحو: زيد هند ضاربها هو، والكوفيون يقولون: إن أمِنَ اللبس - كهذا - لم يجب بروز الضمير، وإلا يجب، والبصريون لا يفرقون. وتقدم البحث في ذلك. قوله: {وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ} من رفع "جَنَّاتٌ" - كما هو المشهور - كان عطف "أزْواجٌ" و "رِضْوانٌ" سَهْلاً، ومَنْ كَسَر التاء فيجب - حينئذ - على قراءته أن يكون مرفوعاً على أنه مبتدأ خبره مضمر، تقديره: ولهم أزواجٌ، ولهم رضوان، وتقدم الكلام على "أزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ" في البقرة. فصل اعلم أن النعمة - وإن عَظُمَت - لن تكمل إلا بالأزواج اللواتي لا يحصل الأنْس إلاَّ بِهِنَّ وقد وصفهن بصفة واحدةٍ جامعةٍ لكل مطلوب، فقال: "مُطَهَّرَةٌ" فيدخل في ذلك الطهارة من الحيض والنفاس والأخلاق الدنيئة، والقُبْح، وتشويه الخِلْقة، وسوء العِشرة، وسائر ما ينفر عنه الطبع. قوله: "وَرِضْوَان" فيه لغتان: ضم الراء، وهي لغة تميم وقيس، وبها قرأ عاصم في جميع القرآن إلا في الثانية من سورة المائدة وهي {أية : مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ}تفسير : [المائدة: 16]، فبعضهم نقل عنه الجَزْم بكسرها، وبعضهم نقل عنه الخلافَ فيها خاصة. والكسر، وهو لغة الحجاز، وبها قرأ الباقون - وهل هما بمعنى واحد، أو بَينهما فرقٌ؟ قولان: أحدهما: أنهما مصدران بمعنى واحد - كالعُدْوان. قال الفرّاء: "رَضِيتُ رِضاً، ورِضْوَاناً ورُضْواناً، ومثل الرِّضْوَان - بالكسر - الحِرْمان، وبالضم الطُّغْيَان، والرُّجحان، والكُفْران، والشُّكْران". الثاني: أن المكسور اسم، ومنه رِضوان: خازن الجنة صلّى الله على نبينا وعلى أنبيائه وملائكته. والمضموم هو المصدر، و "مِنَ اللهِ" صفة لـِ "رِضْوَان". فصل روى أبو سعيد الخدري أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إنَّ اللهَ يَقُولُ لأهْلِ الْجَنَّةِ يَا أهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لا نَرْضَى وَقَدْ أعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أحَداً مِنْ خَلْقِكَ؟ فَيَقُولُ: ألاَ أعْطِيكُمْ أفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ، وَأيُّ شَيءٍ أفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي، فَلاَ أسْخَطْ عَلَيْكُمُ بَعْدَهُ أبَداً ". تفسير : ثم قال: {وَٱللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ}، أي: عالم بمصالحهم، فيجب أن يَرْضَوْا لأنفسهم ما اختاره لهم. قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ} يحتمل أن يكون محلُّه الرفعَ، والنصبَ، والجرَّ، فالرفع من وجهينِ: أحدهما: أنه مبتدأ محذوف الخبر، تقديره: الذين يقولون كذا مستجاب لهم، أو لهم ذلك الجزاء المذكور. الثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف، كأنه قيل: مَنْ هُمْ هؤلاء المتقون؟ فقيل: الذين يقولون كيت، وكيت. والنصب من وجه واحدٍ، وهو النصب بإضمار أعني، أو أمدح، وهو نظير الرفع على خبر ابتداء مضمر، ويُسَمَّيَان: الرفع على القطع، والنصب على القطع. والجر من وجهين: أحدهما: النعت. والثاني: البدل، ثم لك - في جعله نَعْتاً أو بَدَلاً - وجهان: أحدهما: جعله نعتاً لِلَّذِينَ اتَّقَوا، أو بدلاً منه. والثاني: جعله نعتاً للعباد، أو بدلاً منهم. واستضعف أبو البقاء جعله نعتاً للعباد، قال: [ويضعف أن يكون صفةً للعباد]؛ لأن فيه تخصيصاً لعلم اللهِ، وهو جائز - على ضعفه - ويكون الوجه فيه إعلامهم بأنه عالم بمقدار مشقتهم في العبادة، فهو يُجازيهم عليها، كما قال: {أية : وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُم} تفسير : [النساء: 25]. والجملة من قوله: {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ} يجوز أن تكون معترضة، لا محل لها، إذا جعلتَ "الَّذِينَ يَقُولُونَ" تابعاً لـِ "الَّذِينَ اتَّقَوا" - نعتاً أو بدلاً-، وإن جعلته مرفوعاً، أو منصوباً فلا. فصل اعلم أن قولَهم {رَبَّنَآ إِنَّنَآ آمَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} يدل على أنهم توسَّلوا بمجرد الإيمان إلى طلب المغفرة، والله - تعالى - مدحهم بذلك، وأثْنَى عليهم، فدلَّ هذا على أن العبد - بمجرد الإيمان - يستوجب الرحمةَ والمغفرةَ من الله تعالى، ويؤيِّدُ هذا قولُه تعالى: {أية : رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلأَبْرَارِ} تفسير : [آل عمران: 193]. فإن قيل: أليس أنه تعالى اعتبر جملة الطاعات في حصول المغفرة؛ حيث أتبع هذه الآية بقوله: {ٱلصَّابِرِينَ وَٱلصَّادِقِينَ}؟ فالجواب: أن هذه الآيةَ تؤكد ما قلنا؛ لأنه - تعالى - جعل مجردَ الإيمانِ وسيلةً إلى طَلَب المغفرة، ثم ذكر بعده صفاتِ المطيعين، وهي كونهم صابرين صادقين، ولو كانت هذه الصفات شرائطَ للحصول على المغفرة لكان ذِكرُها قبل طَلَب المغفرة أولى، فلما رتَّب طلب المغفرة على مجرد الإيمان، ثم ذكر بعده هذه الصفاتِ، علمنا أن هذه الصفاتِ غيرُ معتبرة في حصول أصل المغفرة، وإنما هي مُعْتَبَرَة في حصول كمال الدرجات. قوله تعالى: {ٱلصَّابِرِينَ} إن قدرت {ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ} منصوبَ المحل، أو مجروره - على ما تقدم - كان "الصَّابِرِينَ" نعتاً له - على كلا التقديرين، فيجوز أن يكون في محل نصب، وأن يكون في محل جر، وإن قدرته مرفوعَ المحل تعين نَصْب "الصَّابِرِينَ" بإضمار "أعني". فصل المراد بالصابرين في أداء المأمورات، وترك المحظورات، وعلى البأساء، والضراء وحين البأس، والصادقين في إيمانهم. قال قتادة: "هم قوم صدقت نِيَّاتُهم، واستقامت قلوبُهم وألسنتُهم، فصدقوا في السر والعلانية". فالصدق يجري على القول والفعل والنية، فالصدق في القول مشهور - وهو تجنُّب الكذب - والصدق في الفعل الإتيان به تاماً، يقال: صدق فلان في القتال، وصدق في الحكمة، والصدق في النية العزم الجازم حتى يبلغَ الفعلَ. "القانِتِينَ" المطيعين، المُصَلِّين، والقنوت: عبارة عن الدوام على الطاعة والمواظبة عليها، "والمنفقين" أموالهم في طاعة الله، ويدخل فيه إنفاق المرء على نفسه، وأهله، وأقاربه، وصلة رحمه، وفي الزكاة، والجهاد، وسائر وجوه البر. {وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ}. قال مجاهدٌ وقتادة والكلبيُّ: يعني المصلين بالأسحار. وعن زيد بن أسلم: هم الذين يصلون الصبحَ في جماعةٍ. وقال الحسنُ: مدوا الصلاة إلى السَّحَر، ثم استغفروا. وقال نافع: كان ابن عمر يُحْيِي الليل، ثم يقول: يا نافِعُ، أسْحَرْنَا؟ فيقول: لا، فيعاوِدُ الصلاةَ، فإذا قلتُ: نَعَمْ، قعد يستغفر اللهَ، ويدعو حتى يُصْبحَ. وعن أبي هريرةَ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يَنْزِلُ اللهُ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةِ - حِينَ يبقى ثُلُثُ اللَّيْلِ - فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أنا الْملِكُ، مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَن ذَا الَّذِي يَسْالُنِي فَأُعْطِيهُ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأغْفِرَ لَهُ؟"تفسير : رواه مسلم. قال القرطبيُّ: وقد اختلف في تأويله، وأوْلى ما قيل فيه ما جاء في كتاب النسائي - مفسَّراً - عن أبي هريرة وأبي سعيد - رضي الله عنهما - قالا: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله - عز وجل - يُمْهلُ حَتَّى يَمْضِيَ شَطْرُ اللَّيْلِ الأوَّلُ، ثُمَّ يَأمرُ مُنَادِياً، يَقُولُ: هَلْ مِن دَاعٍ يُسْتَجَابُ لَهُ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرُ لَهُ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ يُعْطَى؟"تفسير : صححه أبو محمد عبدُ الحق، وهو يرفع الإشكال، ويوضِّح كلَّ احتمال، وأن الأول من باب حذف المضاف، أي: ينزل مَلَكُ رَبِّنَا، فيقول. وقد رُوِيَ "يُنْزَلُ" - بضمِّ الياءِ - وهو يُبَيِّن ما ذكرنا. وحكي عن الحسن أن لُقْمانَ قال لابنه: "لاَ تَكُونَنَّ أعْجَزَ مِنْ هَذَا الدِّيكِ؛ يُصَوِّتُ بالأسْحَارِ وَأنْتَ نَائِمٌ عَلَى فِرَاشِكَ". واعلم أن وقت السَّحَر أطيبُ أوقاتِ النومِ، فإذا أعرض العبد عن تلك اللذة، وأقبل على العبوديةِ، كانت الطاعة أكملَ، وأشقَّ، فيكثر ثوابُها، وأيضاً فإن النوم هو الموت الأصغر، وعند السحر كأنّ الأموات تصير أحياءً، فيكون وقتاً للوجود العام. و "الأسْحَار" جمع سَحَرٍ - بفتح العين وسكونها - واختلف أهلُ اللغة في السَّحَرِ، ايُّ وقت هو؟ فقال الزّجّاج وجماعة: إنه وقتٌ قبلَ طلوعِ الفجر، ومنه تسحر، أي: أكل في ذلك الوقت واسْتَحَرَ- إذا سافر فيه -. قال زُهَيْر: [الطويل] شعر : 1364 - بَكَرْنَ بُكُوراً، وَاسْتَحَرْنَ بِسُحْرَةٍ فَهُنَّ لِوَادِي الرَّسِّ كَالْيَدِ لِلْفمِ تفسير : وقال الرَّاغب: "السَّحَر: اختلاط ظلام آخرِ الليل بضياءِ النهارِ، وجُعِل اسماً لذلك الوقت، ويقال: لَقِيتُه بأعلى السحرين، والْمُسْحِر: الخارج سَحَراً، والسّحور: اسم للطعام المأكول سَحَراً، والتَّسَحُّر: أكلُه". والمُسْتَحِر: الطائر الصيَّاح في السَّحَر. قال الشاعر: [المتقارب] شعر : 1365 - يُعَلُّ بِهِ بَرْدُ أنْيَابِهَا إذَا غَرَّدَ الطَّائِرُ الْمُسْتَحِرْ تفسير : وقال بعضهم: أسْحَر الطائرُ، أي: صاح، وتحرك في صياحه، وأنشد البيت، وهذا وإن كان مطلقاً فإنما يريد ما ذكر بالصياح في السَّحر، ويقال: أسْحَر الرجلُ إذا دَخَل في وقت السحر كأظهر - أي: دخل في وقت الظهر. قال: [المتقارب] شعر : 1366 - وَأدْلجَ مِن طَيْبَة مُسْرِعاً فَجَاءَ إلَيْنَا وَقَدْ أسْحَرَا تفسير : ومثله: استحر أيضاً. وقال بعضهم: السَّحَرُ من ثُلُث الليل الأخير إلى طلوع الفجر. وقال بعضهم - أيضاً -: السحر - عند العرب - من آخر الليل، ثم يستمر حكمه إلى الإسفار كلِّه، يقال له سحر قيل: وسمي السحر سحراً؛ لخفائه، ومنه قيل للسِّحْرِ سِحْرٌ؛ للُطْفِهِ وخفائه. والسَّحْر - بسكون الحاء - منتهى قصبة الرّكبة، ومنه قول عائشة - رضي الله عنها -: "مَاتَ بَيْنَ سَحْري وَنَحْري" سُمِّي بذلك لخفائه. و "سَحَر" فيه كلام كثير بالنسبة إلى الصرْف وعدمه، والتصرف وعدمه، والإعراب وعدمه، يأتي تفصيله - إن شاء الله تعالى -. فإن قيل: كيف دخلت الواوُ على هذه الصفاتِ، وكلُّها لقبيل واحد؟ ففيه جوابان: أحدهما: أن الصفاتِ إذا تكرَّرَت جاز أن يُعْطَف بعضُها على بعض بالواو - وإن كان الموصوف بها واحداً -، ودخول الواو - في مثل هذا - تفخيم؛ لأنه يُؤذِن بأن كل صفة مستقلة بالمدح. الثاني: أن هذه الصفات متفرقة فيهم، فبعضُهم صابر، وبعضُهم صادق، فالموصوف بها متعدِّد. هذا كلام أبي البقاء. وقال الزمخشريُّ: "الواو المتوسطة بين الصفاتِ للدلالة على كمالهم في كل واحدة منها". قال أبو حيّان: "ولا نعلم أن العطف في الصفة بالواو يدل على الكمال". قال شهاب الدين: "قد علمه علماء البيان، وتقدم تحقيقه في أول سورة البقرة، وما أنشدته على ذلك من لسان العرب". والباء في قوله: "بِالأسْحَارِ" بمعنى "في".

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب كان يقول: اللهم زينت لنا الدنيا، وأنبأتنا أن ما بعدها خير منها، فاجعل حظنا في الذي هو خير وأبقى.

ابو السعود

تفسير : {قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذٰلِكُمْ} إثرَ ما بـيّن شأنَ مُزخْرَفات الدنيا وذكر ما عنده تعالى من حسن المآب إجمالاً أمر النبـي صلى الله عليه وسلم بتفصيل ذلك المُجمل للناس مبالغةً في الترغيب، والخطابُ للجميع والهمزةُ للتقرير أي أأخبرُكم بما هو خير مما فُصّل من تلك المستلذات المزيّنة لكم؟ وإبهامُ الخبر لتفخيم شأنِه والتشويق إليه وقوله تعالى: {لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ عِندَ رَبّهِمْ جَنَّـٰتٌ} استئنافٌ مبـين لذلك المبْهم على أن {جَنَّـٰتٌ} مبتدأ والجارّ والمجرور خبر، أو على أن جناتٌ مرتفعٌ به على الفاعلية عند من لا يشترط في ذلك اعتمادَ الجار على ما فصل في محله، والمراد بالتقوى هو التبتُل إلى الله تعالى والإعراضُ عما سواه على ما تنبىء عنه النعوتُ الآتيةُ، وتعليقُ حصولِ الجنات وما بعدها من فنون الخيراتِ به للترغيب في تحصيله والثباتِ عليه، و{عِندَ} نُصب على الحالية من جنات، أو متعلق بما تعلق به الجار والمجرور من معنى الاستقرار مفيد لكمال علو رتبة الجنات وسمو طبقتها، والتعرضُ لعنوان الربوبـية مع الإضافة إلى ضمير المتقين لإظهار مزيد اللطفِ بهم وقيل: اللامُ متعلقة بخير وكذا الظرفُ، وجنات خبر لمبتدأ محذوف والجملة مبـينة لخير ويؤيده قراءة جناتٍ بالجر على البدلية من خير ولا يخفى أن تعليق الإخبار والبـيان بما هو خير لطائفة ربما يوهم أن هناك خيراً آخرَ لآخَرين {تَجْرِى} في محل الرفع والجر صفةٌ لجنات على حسب القراءتين {مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ} متعلق بتجري فإن أريد بالجنات نفسُ الأشجار كما هو الظاهر فجريانُها من تحتها ظاهر وإن أريد بها مجموع الأرض والأشجار فهو باعتبار جزئها الظاهر كما مر تفصيلُه مراراً {خَـٰلِدِينَ فِيهَا} حال مقدرةٌ من المستكن في {لِلَّذِينَ} والعامل ما فيه من معنى الاستقرار {وَأَزْوٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ} عطف على جنات أي مبرأة مما يستقذر من النساء من الأحوال البدنية والطبـيعية {وَرِضْوَانٌ} التنوينُ للتفخيم وقوله تعالى: {مِنَ ٱللَّهِ} متعلق بمحذوف وقع صفةً له مؤكدةٌ لما أفاده التنوين من الفخامة، أيْ رضوانٌ وأيُّ رضوان، لا يقادَر قدرُه كائنٌ من الله عز وجل وقرىء بضم الراء {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ} وبأعمالهم فيثيبُ ويعاقب حسبما يليق بها أو بصير بأحوال الذين اتقَوْا ولذلك أعد لهم ما ذكر، وفيه إشعار بأنهم المستحقون بالتسمية باسم العبد.

التستري

تفسير : وقوله: {وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ}[15] يعني من الأحداث التي كانت تنالهن في الدنيا من الحيض وغيره، ألا ترى إلى قوله: {أية : وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً}تفسير : [الإنسان:21] أي طهرهم به من بقاء أدناس الدنيا.

السلمي

تفسير : قوله: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذٰلِكُمْ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ} [الآية: 15]. قيل فيه: من عَمِل رجاء الجنة فإن غاية بُلوغهِ إلى غايةِ رجائه من دُخُولِ الجنة، ومن كانت معاملتُه على رؤية الرضا فإنَّ له الرضوان. قال الله تعالى: { أية : وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ } تفسير : [التوبة: 72]. قوله تعالى: {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ} قال: عالمٌ بهمم العاملين وإرَادَاتِهم.

القشيري

تفسير : بيَّن فضيلة أهل التقوى على أرباب الدنيا، فقال: هؤلاء لهم متابعة المنى وموافقة الهوى وأولئك لهم الدرجات العُلى، والله بصير بالعباد؛ أنزل كل قوم مَنْزِلَه، وأوصله إلى ما لَهُ أَهَّله.

البقلي

تفسير : {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذٰلِكُمْ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ} اى لن اتقى انه عما ----- لله جنات المقامات فى المداناة فان المتقى من الدنيا وشهواتها فله جنة اليقين وان تبقى المتقى من الاخرة دنة المكاشفة وان تبقى التقى من النفس فله جنة المشاهدة بنعت الرضا كما قال تعالى {أية : يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً} تفسير : وقيل من عمل رجاء الجنة فان غاية بلوغه الى غاية رجائه من دخول الجنة ومن كانت معاملته على رؤية الرضا فان له الرضوان قال الله تعالى رضوان من الله اكبر قوله تعالى {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ} بصير بالعباد فى تقلب ارواحهم فى عالم المكوت محترقات من سطوات انوار الجبروت حيا لجواره وشوقا الى لقائه يجازيهم بقدر همومها في صرف طلب وجه الازلى وجمال الابدى وقيل عالم بهمم العاملين وارادتهم قوله تعالى {ٱلصَّابِرِينَ وَٱلصَّادِقِينَ وَٱلْقَانِتِينَ وَٱلْمُنْفِقِينَ وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ} الصابرين عن جميع حظوظهم لله والصادقين في معاملة الله والقانتين بنعت الرضا عن الله والمنفقين نفوسهم لله وبالله والمستغفرين عن التافتهم الى غي الله بالاسحار حين اشرقت انوار المشاهدة لاهل المكاشفة وايضا الصابرين عن الله بالله وبالله لله ولله فى الله ولله مع الله ولاصادقين فى دعوى محبة الله بنعت كشف مشاهدة الله والقانتنين بشرط الاخلاص فى عبودتيه لله المقصود والصادقين فى العهود القانتين لحفظ الحدود والمستغفرين عن اعمالهم واحوالهم عن استيلاء سلطان التوحيد وقيل الصابرين الذين صبروا على الطلب ولم يتعللوا بالهرب وملم يحتشوما من التعب وهجروا كل راحة وطرب يصبروا على لابلوى ورفضوا الشكوى حتى وصلوا الى الموتى ولم يقطعهم شئ من الدنيا والعقبى والصادقين الذين صدقوا فى الطلب فقصدو ثم وردوا ثم صدقوا حين شهدوا ثم صدقوا حتى وجدوا ثم صدقوا حتى فقد وااترتيهم قصود ثم ورد ثم شهود ثم وجود ثم خمود القانتين الذين لا زموا الباب داوموا على تجرع الاكتساب وترك المحاب بغض الاسحاب الى أن تحققوا بالاقتراب والمنفقين الذين جادوا بنفوسهم من حيث الاعمال ثم جادوا بميسورهم من الاموال ثم جاد وابقلوبهم بصدق الاحومال ثم جاد وابترك كل حظ لهم فى العاجل والاجل استهلاكا عن القرب فى الواصال بما لقوا من الاصطلام والاستيصال والمستغفرين عن جميع ذلك اذا رجعوا الى الصحو عند الاسحار يغنى ظهور الاسفار وهو فجر القلوب فلا فجر يظهر فى الاقطار وقال ابو عمر والمكى ليس الصبر ترك الاختيار على الله ولكن الصبر هو الثبات فيه وتلاقى بلائه بالرحب والرغبة وقال عمرو من صبر على رؤية المنة يكون تلذذا بالبلاء كتلذذه بالمنن اذ هما من عين واحد وقال جعفر الصبر ما كتب فيه محفوظا والتصبر فيه ما رددت فيه الى حالك وعجزك وقال ابن عطا الصابرون الذين صبروا بالله فى طاعة الله مع الله والصادقون هم الذين صدقوا ما عهدوا والله عليه عن صدق قولهم وعتماد صحيح وسر لا يشوبه بشئ والقانتون هم الذين اطاعوا فى سرهم وعلانيتهم والمستغفرون بالاسحار الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع وقال بعضهم الصابرين مع الله على موارد قضائه والصادقين فى توحيدهم والقانتين الراجعين اليه فى السراء والضراء والمنفقين ما سواه والمستغفرين بالاسحار من افعالهم واقوالهم وقال ابن عطا الصابرين الذين صبروا على مان امروا به والصادقين الذين صدقوا ما اقروا به من الميثاق الاول والقانتين القائمين لفنون العبادات والمنفقين الذين ينفقون انفسهم وارواحهم فى رضا مولاهم والمستغفرين بالاسحار الين لا يفترون عن خدمته بحال وقال ايضا الصابرين الذين حبسوا انفهسم على مطالعة المكاشفات والصادقين الذين صدقوا فى محبته والقانتين الذين ربطوا انفهسم بخدمته والمستغفرين بالاسحار لزموا الباب الى ان يؤذن لهم وقال ايضا لصبر مقام الممحبين والصدق مقام العارفين والقنوت مقام العابدين والانفاق مقام المريدين والاستغفار مقام المذنبين.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل} يا محمد {اؤنبئكم بخير من ذلكم} الهمزة للتقرير اى اخبركم بما هو مما فصل من تلك المستلذات المزينة لكم {للذين} خبر مبتدأه قوله جنات {اتقوا} والمراد بالتقوى هو التبتل الى الله تعالى والاعراض عما سواه كما ينبىء عنه النعوت الآتية {عند ربهم} نصب على الحالية من قوله {جنات تجرى من تحتها الانهار خالدين فيها} حال مقدرة {وازواج مطهرة} اى زوجات مبرأة من العيوب الظاهرة كالحيض والامتخاط واتيان الخلاء ومن الباطنة كالحسد والغضب والنظر الى غير ازواجهن - روى عن النبى عليه السلام "حديث : شبر من الجنة خير من الدنيا وما فيها ".تفسير : {ورضوان} اى رضوان وأى رضوان لا يقادر قدره كائن {من الله} قال الحكماء الجنات بما فيها اشارة الى الجنة الجسمانية والرضوان اشارة الى الجنة الروحانية واعلى المقامات الجنة الروحانية وهى عبارة عن تجلى نور جلال الله تعالى فى روح العبد واستعراق العبد فى معرفة الله ثم يصير فى اول هذه المقامات راضيا عن الله وفى آخرها مرضيا عنده تعالى واليه الاشارة بقوله {أية : راضية مرضية} تفسير : [الفجر: 28]. {والله بصير بالعباد} وباعمالهم فيثيب ويعاقب حسبما يليق بها.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {للذين}: خبر، و {جنات}: مبتدأ، وهو استئناف لبيان الخيرية، والرضوان فيه لغتان: الضم والكسر، كالعدوان والطغيان، و {الذين يقولون}: بدل من {الذين اتقوا}، أو خبر عن مضمر، أو منصوب على المدح، أو بدل من العباد، و {الصابرين} وما بعده: نعت الموصول. يقول الحق جلّ جلاله: {قل} يا محمد: أأخبركم {بخير} من الذي ذكرتُ لكم من الشهوات الفانية واللذات الزائلة، وهو ما أعد الله للمتقين عند لقاء ربهم، وهو {جنات تجري من} تحت قصورها الأنهار؛ من الماء واللبن والعسل والخمر، {خالدين فيها}، لا كنعيم الدنيا الفاني، {ولهم فيها أزواج} من الحور العين، مطهرات من الحيض والنفاس وسائر المستقذرات، {ورضوان من الله} الذي هو {أكبر} النعم. فانظر: كيف ذكر الحقّ - جلّ جلاله - أدنى النعيم وأوسطه وأعلاه؟ فأدناه: متاع الدنيا الذي زُين للناس، وأوسطه: نعيم الجنان، وأعلاه: رضي الرحمن، وفي الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم:"حديث : يَقُولُ الله تعالى لأهِلْ الْجنَّةِ: يَا أهْلَ الجَنَّةِ، فيقول أهْلَ الجَنَّةِ: لَبْيكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكِ، والخير في يديك، فيقول: هَلْ رضِيتُم؟ فَيَقُولُونَ: مَالنَا لاَ نَرْضى وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا ما لَمْ تُعْطِ أَحَداً مِنْ العالمين، فَيَقُولُ: ألا أعْطِيكُم أَفْضَلَ من ذلك؟ فيقُولون: يا ربنا، وأيُّ شَيء أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ قال: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رَضْوَانِي فَلاَ أَسْخَطُ عَلَيْكُم َبَداً ". تفسير : {والله بصير بالعباد}؛ لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، فيثيب المحسن، ويعاقب المسيء، أو: {بصير} بأحوال المتقين. {الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار}. وفي ترتيب السؤال على مجرد الإيمان دليل على أنه كاف في استحقاق المغفرة والاستعداد لها. ثم وصف المتقين بقوله: {الصابرين} على أداء الأمر واجتناب النهي، وفي البأساء والضراء وحين البأس، {والصادقين} في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، فاستوى سرهم وعلانيتهم، {والقانتين} أي: المطيعين، {والمنفقين} أموالهم في سبيل الله، {والمستغفرين بالأسحار}؛ لأن الدعاء فيها أقرب إلى الإجابة؛ لأن العبادة حينئذٍ أشق، والنفس أصفى، والروح أجمع، وَلاَ سيما للمتهجدين. قيل: إنهم كانوا يُصلُون إلى السحر، ثم يستغفرون ويدعون، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"حديث : إن الله تعالى يقول: إني لأهُمُّ بأهل الأرض عذاباً، فإذا نظرت إلى عُمَّار بيوتي، وإلى المتهجدين، وإلى المتحابين فِيَّ، وإلى المستغفرين بالأسحار، صرفت عنهم العذاب ". تفسير : وقال سفيان: إن لله ريحاً يقال لها الصيحة، تهبُّ وقتَ السحر، تحمل الأذكار والاستغفار إلى الملك الجبار. قال: وبلَغنا أنه إذا كان أولا لليل، نادى مناد: ألا ليقم القانتون، فيقومون يُصلون إلى السحَر، فإذا كان وقت السحر، ينادي منادٍ: أين المستغفرون بالأسحار؟ فيستغفر أولئك، ويقوم آخرون، ويُصلون، فيلحقون بهم، فإذا طلع الفجر، نادى منادٍ: ألا ليقم الغافلون، فيقومون من فرشِهم كالموتى إذا نُشروا من قبورهم. الإشارة: للذين اتقوا شهودَ السّوى عند ربهم جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم، وأصناف الحكم، مطهرة من العلل، منزهة من الخلل، تهب عليهم نسيم الرضوان، تحمل الرَّوُحَ والريحان، مخلدون في نعيم الشهود والعيان، والله بصير بعباده المخلصين، المنزَّهين من العيوب، المبررَّئين من درن الذنوب، الصابرين على دوام المجاهدة، والصادقين في طلب المشاهدة، والقانتين لأحكام العبودية، والمنفقين أنفسَهُمْ ومُهَجَهم في طلب مشاهدة أنوار الربوبية، والمستغفرين من شهود الأغيار، وخصوصاً إذا هبّ نسيم الأسحار، فإن كثيراً من العباد والزهاد شغلتهم حلاوة نسيم الأسحار عن مطالعة أسرار الجبار، وهي أسرار التوحيد.

الطوسي

تفسير : القراءة والمعنى: قرأ عاصم وحده في رواية أبي بكر ورضوان - بضم الراء - الباقون بكسرها فالضم لغة قيس، وتميم. والكسر لغة أهل الحجاز. قيل في آخر الاستفهام بقوله أؤنبئكم قولان: أحدهما - ان اخره عند قوله بخير من ذلكم، ثم استأنف للذين اتقوا. الثاني - عند قوله: "عند ربهم" ثم استانف جنات على تقدير الجواب، كأنه قيل: ما هو ذلك الخير، فقيل هو جنات. ومثله: {أية : قل أؤنبئكم بشر من ذلكم النار}تفسير : أي هي النار، ويجوز في إعراب جنات في العربية الرفع، والجر، فالجر على أن يكون في آخر الكلام عند ربهم. ولا يجوز الجر على الوجه الآخر للفصل باللام، كما لا يجوز أمرت لك بالفين ولاخيك مأتين حتى تقول بمائتين ولو قدمت فقلت ومأتين لاخيك جاز، ولا يجوز النصب في جنات على موضع الباء فيما لم يكن الباء فيه زائدة كما لا يحسن مررت برجل زيداً ويحسن خشنت بصدره وصدر زيد، لأن الباء زائدة، ولا يجوز أن تكون زائدة في بخير لأن نبأت لا يجوز الاقتصار فيه على المفعول الثاني دون الثالث، لأنه بمعنى أعلمت، ولا يجوز أعلمت زيداً أخاك حتى تقول خيراً من عمرو، أو نحوه. وقد تقدم تفسير الجنات والأنهار. وقوله: {خالدين} نصب على الحال ومعنى تأويل قوله: {وأزواج مطهرة} فلا معنى لاعادته. والرضا والمرضاة: معنى واحد. ومعنى قوله: {للذين اتقوا} يعني ما حرم عليهم - في قول الحسن -. فان قيل ما تقولون أنتم لأنكم تقولون إن من لا يتقي جميع ماحرم عليه إذا كان عارفاً بالله ومصدقاً لجميع ما وجب عليه موعود له بالجنة؟ قلنا: نقول إن هذه الآية تدل على أن من اتقى جميع ما حرم عليه، فله الجنة، وما وعد بها من غير أن يقترن بها شيء من استحقاق العقاب قطعاً. ومن ليس معه إلا التصديق بجميع ما وجب عليه وقد أخل بكثير من الواجبات وارتكب كثيراً من المحظورات فانا نقطع على استحقاقه الثواب مع استحقاقه للعقاب ونجوز فعل العقاب به ونجوز العفو عنه مع القطع على وجوب الثواب له، ففارق المتقي على ما تراه.

الجنابذي

تفسير : {قُلْ} يا محمّد (ص) للتّرغيب عنها والتّحريص فيما عند الله {أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذٰلِكُمْ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ} للّذين اتّقوا خبر مقدّم والجملة بيان للخير مع الزّيادة ولذا لم يأت باداة الوصل او هو مثل سابقه معلّق بخير و {جَنَّاتٌ} مرتفع خبراً لمبتدءٍ محذوفٍ {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} اى من تحت عماراتها او من تحت اشجارها او من تحت طبقاتها فانّ الجنّة اذا كانت ذات طبقات ويجرى تحت كلّ طبقةٍ نهر كانت احسن منظراً {خَالِدِينَ فِيهَا} فانّ تمام النّعمة بان لا تزول {وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ} ممّا يستقذر من النّساء من الاحداث والاخباث وكثافات الاخلاط وممّا يستكره من رذائل الاخلاق {وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ} الرّضوان بالكسر والضّمّ مصدر ورضوان الله أخر مقامات النّعم لا نعمة فوقه وهو يستلزم رضى العبد عن الله، وفى تقدّم رضا الله عن العبد على رضا العبد عن الله او تأخّره مثل سائر صفات الله الظّاهرة فى العباد اشكالٌ وقد تقدّم فى اوّل سورة البقرة فى بيان توابيّته تعالى بيان لذلك وقد اشار تعالى الى مراتب النّعم؛ اوليها اصناف متاع الحيوة الدّنيا، وثانيتها الجنّات الصوريّة، وثالثتها الازواج المطهّرة، ورابعتها رضوان الله وليس فوقه مقام {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ} فيبصر مقام كلّ ودرجات شقاوته او سعادته فيجزى كّلاً بحسبها.

الحبري

تفسير : حَدَّثَنا عليُّ بنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: حَدَّثَني الحُسَيْنُ بنُ الحَكَمِ الحِبَرِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا حَسَنُ بنُ حُسَيْنٍ، قالَ: حَدَّثنا حِبَّانُ، عن الكَلْبِيّ، عن أَبي صَالحٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، قالَ: { قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذٰلِكُمْ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ آمَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ} في عَليٍّ وَحَمْزَةَ وَعُبَيْدَةَ بنِ الحَارِث.

فرات الكوفي

تفسير : {قُلْ أؤنَبئكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ15-16} فرات قال: حدثنا الحسين بن الحكم [الحبري قال: حدثنا حسن بن حسين قال: حدثنا حبان عن الكلبي عن أبي صالح. ح]: عن ابن عباس رضي الله عنه: {قل أؤنبئكم بخيرٍ من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم} إلى آخر الآيتين [قال:] [نزلت. ب] في علي [بن أبي طالب عليه السلام. ر] وحمزة [بن عبد المطلب رضي الله عنه. ر] وعبيدة بن الحارث [رحمه الله. ر].

اطفيش

تفسير : {قُلْ أَؤنَبِّئُكُمْ}: الهمزة الأولى للاستفهام، والثانية للمتكلم مسهلة أى: أفأخبركم؟. {بِخَيرٍ مِنْ ذَلِكُمْ}: تقرير لما ذكر من كون جنس المآب خيراً من متاع الدنيا، والوقف على ذلك، وكأنه قيل: أخبرنا ما هو فأجاب بقوله. {لِلّذينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِم جَنّاتٌ تَجْرِى مِنْ تَحْتِها الأنْهارُ خالدينَ}: حال من الذين مقدرة. {فِيهَا وأزْوَاجٌ مُطَهَّرةٌ ورِضْوانٌ مِنَ الله}: فـ {لِلّذين} خبر، و{جَنّات} مبتدأ، و{عِنْدَ} متعلق بما تعلق به، أو حال من ضمير جنات فيه ويجوز أن يكون الوقف على {اتَّقَوْا} فيتعلق {لِلّذين} بخبر، {وعِنْدَ} خبر، و {جَنّاتٌ} مبتدأ، أن يكون الوقف، على {عِنْدَ رَبِّهِم} فيتعلق بخبر، فيكون جنات خبر المحذوف، أى: هو جنات. وقرىء: جنات بالجر على الإبدال من خبر، وهو مؤيد للوجه الأخير الذى هو أن جنات خبر لمحذوف، فإن الإخبار بالشىء عن الشىء إذ قلنا: هو وأبداله منه بدلاً مطابقاً سواء فى الحكم بأن هذا هو هذا، والمراد بالذين اتقوا: من اتقى الإصرار على الشرك، أو الكبيرة، وقال ابن عباس فى رواية عنه: أراد المهاجرين والأنصار، وغيرهم مثلهم، ومعنى تطهير الأزواج: خلقهن بعد الموت، وخلق الحور بلا دم، ولا غائط، ولا حيض، وغيره مما يستقذر. وقرأ عاصم ورضوان بضم الراء وهو لغة، وكذا قرأ فى جميع القرآن إلا قوله: {أية : مَنْ اتبع رضْوَانه}تفسير : فانه قرأة بالكسر. قال ابو سعيد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يقولُ اللهُ عزَّ وجَلّ لأهل الجَنة، يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك يا ربنا وسعديك والخير كله بيديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك. فيقولون: فأى شىء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضوانى فلا أسخط عليكم بعده أبدا ".. تفسير : {وَاللهُ بَصِيرٌ بالعبادِ}: أى بأعمالهم كلهم فيجازى محسنهم بإحسان ومسيئهم بإساءة، أى إحسان، وأى إساءة. وقيل أراد بالعباد: الذين اتقوا أى عليم بتقواهم، فجزاهم بالجنة، والأزواج المطهرة، والرضوان، بدأ الله بنعمة الدنيا وهن: النساء، وما بعدهن، وذكر النعمة الوسطى، وسطاً وهى الجنة، وذكر أعلاها آخرا وهى الغاية، وهى رضوان الله.

اطفيش

تفسير : {قُلْ} للناس كما عم في قوله زين للناس أولى من أن يقال، قل لقومك {أُؤُنَبِّكُم بِخَيْرٍ مَّن ذَلِكُمْ} أى من ذلكم المزين من الشهوات، والاستفهام لتحقيق خيرية ما عند الله على ذلك، والخير ية الزيادة المطلقة، أو من قبيل، العسل أحلى من الخل، أو باعتبار أن الخير متحقق فى مستلذات الدنيا، إذا كانت على وجه قصد الدين، واستأنف بقوله {لِلِّذينَ اتَقَّوْا} الخ، أو بقوله {عِندَ رَبِّهِمْ} الخ، أى عندهم، أو بقوله {جَنَّاتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَأرُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مًُّطَهَّرَةٌ} أى هو جنات، وفى الأوجه الثلاثة تفصيل بعد إبهام، والاستئناف نحوى أو بيانى، أى ما هو ولمن هو، والتقوى اجتناب الكبائر، أو مع الصغائر، والإصرار عليها كبيرة لا اجتناب الشرك فقط، إلا من مات بعد توحيده وقيل وجوب فرض فعل، أو ترك الشهوات الشاغلة من الطاعة، وضعف ما قيل من أن المراد بالتفوى ترك الإعراض عن الله، وخالدين بمعنى مقدرين الخلود، وصاحب الحال الذين قبل، أو جنات، أو نعت جنات، في قراءة كسر جنات على أنه بدل خيراً، أي جنات موصوفة بأنهم خالدون فيها، وعليه فلم يبرز الضمير مع جريان الوصف لغير ما هو له، لظهور المراد، وهذا على قول الكوفيين كما هو وجه فى {أية : أجراً حسنا ماكثين فيه} تفسير : [الكهف: 2، 3]، ولو برز لقيل خالداهم وماكثاهم، والمراد بتطهير الأزواج جعلها غير مقترنة بما يستقذر كالحيض، ورطوبة الفرج، والبصاق، المنى مع لذة الجماع، لا يدرك أحد غايتها، والوسخ، ودنس الطبع، وسوء الخلق، وقدم الخلود عن الأزواج هنا، وأخر فى البقرة، لأن النساء من جنس ما يشتهونه فى الدنيا فذكرت بأن حالها مخالفة للنساء التى يشتهونها فى الدنيا، ولذا خصت بالذكر من بين النعم التى تفهم من ذكر الجنة، وأيضا ذكر الجنة، وأزال خوف الفوت بذكر الخلود وذكر بعض نعمها. ومنها الأزواج، فبين أن نساء الجنة الآدميات والحور ليس فيهن ما فى الدنيا من الكدر، وللذين خبر لمحذوف، أى ذلك الخير للذين، وجنات كذلك، أى هو جنات، أو جنات خبره للذين أو للذين متعلق بخير، وجنات خبر لمحذوف كما رأيت، ويجوز تعليقه بمحذوف نعت لخير، وعند متعلق بمحذوف نعت لخير، أو حال منه أو متعلق باستقرار للذين أو به لنيابته عنه إذا جعل خبر الجنات أو المحذوف نعتا لخير {وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ} عظيم كثير، بمعنى إحسان، وهو فعل لله، أو نفى لسلب النعم، ولحلول النقم وإثبات لكونهم من أوليائه أبدا، وهو صفة لله عز وجل، وأخر الرضوان على سبيل الترقى، يقول الله عز وجل، حديث : يا أهل الجنة هل رضيتم؟ فيقولون: يا ربنا ما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك، فنقول جل شأنه: ألا أعطيكم أفضل من ذلك، فيقولون، يا ربنا وأى شىء أفضل من ذلك؟ قال: أحل عليكم رضوانى فلا أسخط عليكم أبدا تفسير : {وَاللهُ بَصِيرٌ بِالعِبَادِ} عليم بهم وبأحوالهم، فيجازى كلا من المطيع والمعاصى بما يستحق، أو المراد بالعباد الذين اتقوا، فلذلك أُعد لهم الجنة، والأول لعمومه أولى، وعلى الثانى يكون قوله: {الَّذِينَ} نعتا للعباد، وعلى الأول نعتا لقوله، الذين اتقوا، أو التقدير، هم الذين، أو أمدح الذين {يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ ءَامَنَّا فَاغْفِرْ لَنآ ذُنوبَنَا} صغائرنا وكبائرنا {وَقِنَا عَذَابَ النّارِ} المراد آمنا إيماناً تامَّا، وهو التوحيد وأداء الفرائض، واجتناب المناهى، أو آمنا وامتثلنا وانتهينا بحسب ما يظهر لنا، ويدل لذلك ذكر التقوى قبل. فلا دليل فى الآية على أن الإيمان، أى التوحيد، كاف مطلقا فى الغفران ووقاية النار، وأنت خبير بأن الإيمان يطلق كثيراً شائعاً على العمل، كقوله تعالى: {أية : وما كان الله ليضيع إيمانكم} تفسير : [البقرة: 143]، وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الإيمان بضع وستون جزءاً، أدناها إماطة الأذى ".

الالوسي

تفسير : {قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذٰلِكُمْ } تقرير وتثبيت لما فهم مما قبل من أن ثواب الله تعالى خير من مستلذات الدنيا، والمراد من الإنباء الإخبار و {ذٰلِكُمْ } إشارة إلى المذكور من النساء وما معه، والقراء فيما إذا اجتمع همزتان أولاهما: مفتوحة والثانية: مضمومة كما هنا وكما في سورة ص [8] {أية : أَءنزِلَ }تفسير : وسورة القمر [25] {أية : أَءُلْقىَ} تفسير : على خمس مراتب: إحداها: مرتبة قالون وهي تسهيل الثانية بين بين وإدخال ألف بين الهمزتين. الثانية: مرتبة ورش وابن كثير وهي تسهيل الثانية أيضاً بين بين من غير إدخال ألف بينهما. الثالثة: مرتبة الكوفيين وابن ذكوان عن ابن عامر وهي تحقيق الثانية من غير إدخال ألف. الرابعة: مرتبة هشام وهي أنه روي عنه ثلاثة أوجه: الأول: التحقيق وعدم إدخال ألف بين الهمزتين. الوجه الثاني: التحقيق وإدخال ألف بينهما في السور الثلاث. الوجه الثالث: / التفرقة بين السور فيحقق ويقصر هنا ويمد في الأخيرتين. الخامسة: مرتبة أبـي عمرو وهي تسهيل الثانية مع إدخال الألف وعدمه؛ والظرف الأول: متعلق بالفعل قبله. والثاني: متعلق بأفعل التفضيل ولا يجوز أن يكون صفة ـ كما قال أبو البقاء ـ لأنه يوجب أن تكون الجنة وما فيها مما رغبوا فيه بعضاً لما زهدوا عنه من الأموال ونحوها. وقوله تعالى: {لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ عِندَ رَبّهِمْ جَنَّـٰتٌ } استئناف مبين لذلك الخير المبهم على أن {لِلَّذِينَ} خبر مقدم، و {جَنَّـٰتُ } مبتدأ مؤخر، و {عِندَ رَبّهِمْ } يحتمل وجهين كونه ظرفاً للاستقرار وكونه صفة للجنات في الأصل قدم فانتصب حالاً منها، وفي ذكر ذلك إشارة إلى علو رتبة الجنات ورفعة شأنها، وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المتقين إيذان بمزيد اللطف بهم، والمراد منهم المتبتلون إليه تعالى المعرضون عمن سواه ـ كما ينبـىء عن ذلك الأوصاف الآتية ـ وتعليق حصول الجنات وما يأتي بعد بهذا العنوان للترغيب في تحصيله والثبات عليه، وجوز أن تكون اللام متعلقة ـ بخير ـ أيضاً أو بمحذوف صفة له، و ـ جنات ـ حينئذٍ خبر لمحذوف أي ـ هي جنات ـ والجملة مبينة ـ لخير ـ و ـ عند ربهم ـ حينئذٍ إما أن يتعلق بالفعل على معنى ثبت تقواهم عنده شهادة لهم بالإخلاص، وجاز أن يجعل خبراً مقدماً فلا يحتاج إلى حذف المبتدأ، واعترض بأنه يقال: عند الله تعالى الثواب ولا يقال عند الله تعالى الجنة، وبذلك يصرح كلام السعد وغيره ـ وفي النفس منه شيء ـ وقرىء ـ جنات ـ بكسر التاء وفيه وجهان: أحدهما: أنه مجرور على البدلية من لفظ ـ خير ـ وثانيهما: أنه منصوب على إضمار أعني مثلاً أو البدلية من محل ـ بخير ـ. {تَجْرِى } في محل الرفع أو النصب أو الجر صفة ـ لجنات ـ على القراءتين {مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } تقدم ما فيه {خَـٰلِدِينَ فِيهَا } حال مقدرة من المستكن في ـ للذين ـ والعامل ما فيه من معنى الاستقرار، وجوز أبو البقاء كونه حالاً من الهاء في ـ تحتها ـ أو من الضمير في ـ اتقوا ـ ولا يخفى ما فيه. {وَأَزْوٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ } أي منزهة مما يستقذر من النساء خَلْقاً وخُلُقاً، والعطف على ـ جنات ـ على قراءة الرفع وأما على قراءة النصب فلا بدّ من تقدير ـ لهم ـ في الكلام {وَرِضْوٰنٌ } أي رضا عظيم على ما يشعر به التنوين، وقرأه عاصم ـ بضم الراء ـ وهما لغتان وقراءتان سبعيتان في جميع القرآن إلا في قوله تعالى: {أية : مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ ٱلسَّلَـٰمِ } تفسير : [المائدة: 16] فإنه بالكسر بالاتفاق، وقيل: المكسور اسم والمضموم مصدر وهو قول لا ثبت له {مِنَ ٱللَّهِ } صفة لرضوان مؤكدة لما أفاده التنوين من الفخامة {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ } أي خبير بهم وبأحوالهم وأفعالهم فيثيب المحسن فضلاً ويعاقب المسىء عدلاً، أو خبير بأحوال الذين اتقوا فلذلك أعدّ لهم ما أعدّ، فالعباد على الأول: عام؛ وعلى الثاني: خاص. وقد بدأ سبحانه في هذه الآية أولاً بذكر ـ الْمَقَرّ ـ وهو الجنات، ثم ثَنى بذكر ما يحصل به الأنس التام وهو الأزواج المطهرة، ثم ثلث بذكر ما هو الإكسير الأعظم والروح لفؤاد الواله المغرم وهو رضا الله عز وجل. وفي الحديث: أنه سبحانه «حديث : يسأل أهل الجنة هل رضيتم؟ فيقولون ما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك فيقول جل شأنه ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون يا رب وأي شيء أفضل من ذلك قال: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً».

ابن عاشور

تفسير : استئناف بياني، فإنّه نشأ عن قوله: {أية : زين للناس}تفسير : [آل عمران: 14] المقتضي أنّ الكلام مسوق مساق الغضّ من هذه الشهوات. وافتتح الاستئناف بكلمة {قل} للاهتمام بالمقول، والمخاطب بقل النبي صلى الله عليه وسلم والاستفهام للعرض تشويقاً من نفوس المخاطبين إلى تلقّي ما سيقصّ عليهم كقوله تعالى: {أية : هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم}تفسير : [الصف: 10] الآية. وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمر، وأبو جعفر، ورُويس عن يعقوبَ: {أُونّبئكم} بتسهيل الهمزة الثانية واوَا. وقرأه ابن عامر، وحمزة، وعاصم، والكسائي، ورَوح عن يعقوب، وخلفٌ: بتخفيف الهمزتين. وجملة {للذين اتقوا عند ربهم جنات} مستأنفة وهي المنبَّأ به. ويجوز أن يكون {للذين اتقوا} متعلقاً بقوله: «خيرٍ» و «جنّات» مبتدأ محذوف الخبر: أي لهم، أو خبراً لمبتدأ محذوف. وقد ألغي ما يقابل شهوات الدنيا في ذكر نعيم الآخرة؛ لأنّ لذة البنين ولذة المال هنالك مفقودة، للاستغناء عنها، وكذلك لذة الخيل والأنعام؛ إذ لا دوابّ في الجنة، فبقي ما يقابل النساء والحرث، وهو الجنّات وَالأزواج، لأنّ بهما تمام النعيم والتأنّس، وزيد عليهما رضوان الله الذي حرُمه من جعل حظّه لذّات الدنيا وأعرض عن الآخرة. ومعنى المطهّرة المنزّهة ممّا يعتري نساء البشر ممّا تشمئزّ مِنه النفوس، فالطهارة هنا حسية لا معنوية. وعطف {رضوانٌ من الله} على ما أعدّ للذين اتّقوا عند الله: لأنّ رضوانه أعظم من ذلك النعيم المادي؛ لأنّ رضوان الله تقريب رُوحاني قال تعالى: {أية : ورضوان من الله أكبر}تفسير : [التوبة: 72] وقرأ الجمهور: {رِضوان} - بكسر الراء - وقرأه أبو بكر عن عاصم: بضم الراء وهما لغتان. وأظهر اسم الجلالة في قوله: {ورضوان من الله}، دون أن يقول ورضوان منه أي من ربّهم: لما في اسم الجلالة من الإيماء إلى عظمة ذلك الرضوان. وجملة {والله بصير بالعباد} اعتراض لبيان الوعد أي أنّه عليم بالذين اتّقوا ومراتبِ تقواهم، فهو يجازيهم، ولتضمّن بصير معنى عليم عدي بالباء. وإظهار اسم الجلالة في قوله: {واللَّه بصير بالعباد} لقصد استقلال الجملة لتكون كالمَثَل. وقوله: {الذين يقولون} عطف بيان {للذين اتقوا} وصفهم بالتقوى وبالتوجّه إلى الله تعالى بطلب المغفرة. ومعنى القول هنا الكلامُ المطابق للواقع في الخبرِ، والجاري على فرط الرغبة في الدعاء، في قولهم: {فاغفر لنا ذنوبنا} إلخ، وإنّما يجري كذلك إذا سعى الداعي في وسائل الإجابة وترقّبها بأسبابها التي ترشد إليها التقوى، فلا يُجازَى هذا الجزاءَ من قال ذلك بفمه ولم يعمل لهُ. وقوله: {الصابرين والصادقين} الآية صفات للذين اتّقوا، أو صفات للذين يقولون، والظاهر الأوّل. وذكر هنا أصول فضائل صفات المتديّنين: وهي الصبر الذي هو ملاك فعل الطاعات وترك المعاصي. والصدق الذي هو ملاك الاستقامة وبثّ الثقة بين أفراد الأمة. والقنوت، وهو ملازمة العبادات في أوقاتها وإتقانها وهو عبادة نفسية جسدية. والإنفاق وهو أصل إقامة أوَد الأمة بكفاية حاج المحتاجين، وهو قربة مالية والمال شقيق النفس. وزاد الاستغفار بالأسحار وهو الدعاء والصلاة المشتملة عليه في أواخر الليل، والسحر سُدس الليل الأخيرْ؛ لأنّ العبادة فيه أشدّ إخلاصاً، لما في ذلك الوقت من هدوء النفوس، ولدلالته على اهتمام صاحبه بأمر آخرته، فاختار له هؤلاء الصادقُون آخرَ الليل لأنّه وقت صفاء السرائر، والتجرّد عن الشواغل. وعطف في قوله: {الصابرين}، وما بعده: سواء كان قوله: {الصابرين} صفة ثانية، بعد قوله: {الذين يقولون}، أممِ كان ابتداء الصفات بعد البيان طريقة ثانية من طريقتي تعداد الصفات في الذكر في كلامهم، فيكون، بالعطف وبدونه، مثل تعدّد الأخبار والأحوال؛ إذ ليست حروف العطف بمقصورة على تشريك الذوات. وفي «الكشاف»؛ أنّ في عطف الصفات نكْتة زائدة على ذكرها بدون العطف وهي الإشارة إلى كمال الموصوف في كلّ صفة منها، وأحال تفصيله على ما تقدم له في قوله تعالى: {أية : والذين يؤمنون بما أنزل إليك}تفسير : [البقرة: 4] مع أنّه لم يبيّن هنالك شيئاً من هذا، وسكت الكاتبون عن بيان ذلك هنا وهناك، وكلامه يقتضي أنّ الأصل عنده في تعدّد الصفات والأخبار ترك العطف فلذلك يكون عطفها مؤذناً بمعنى خصوصي، يقصده البليغ، ولعل وجهه أنّ شأن حرف العطف أن يُستغنَى به عن تكرير العامل فيناسب المعمولات، وليس كذلك الصفات، فإذا عُطفت فقد نُزلت كل صفة منزلة ذات مستقلة، وما ذلك إلاّ لقوة الموصوف في تلك الصفة، حتى كأنّ الواحد صار عدداً، كقولهم واحدٌ كألْف، ولا أحسب لهذا الكلام تسليماً. وقد تقدم عطف الصفات عند قوله تعالى: {والذين يؤمنون بما أنزل إليك} في سورة البقرة.

الواحدي

تفسير : {قل أؤنبئكم بخير من ذلٰكم} الذي ذكرت {للذين اتقوا} الشِّرك {جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد}. {الصابرين} على دينهم وعلى ما أصابهم {والصادقين} في نيَّاتهم {والقانتين} المطيعين لله {والمنفقين} من الحلال في طاعة الله {والمستغفرين بالأسحار} المُصلِّين صلاة الصُّبح قيل: نزلت في المهاجرين والأنصار. {شهد الله} بيَّن وأظهر بما نصب من الأدلَّة على توحيده {أنَّه لا إله إلاَّ هو والملائكة} أَيْ: وشهدت الملائكة، بمعنى: أقرَّت بتوحيد الله {وأولوا العلم} هم الأنبياء والعلماء من مؤمني أهل الكتاب والمسلمين {قائماً بالقسط} أَيْ: قائماً بالعدل، يُجري التَّدبير على الاستقامة في جميع الأمور. {إنَّ الدين عند الله الإِسلام} افتخر المشركون بأديانهم، فقال كلُّ فريقٍ: لا دين إلاَّ ديننا، وهو دين الله، فنزلت هذه الآية وكذَّبهم الله تعالى فقال: {إنَّ الدين عند الله الإِسلام} الذي جاء به محمَّدٌ عليه السَّلام {وما اختلف الذين أوتوا الكتاب} أَي: اليهود، لم يختلفوا في صدق نبوَّة محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم لما كانوا يجدونه في كتابهم {إلاَّ من بعد ما جاءهم العلم} يعني: النبيَّ صلى الله عليه وسلم، سمِّي علماً لأنَّه كان معلوماً عندهم بنعته وصفته قبل بعثه، فلمَّا جاءهم اختلفوا فيه؛ فآمن به بعضهم وكفر الآخرون {بغياً بينهم} طلباً للرِّياسة وحسداً له على النُّبوَّة {ومن يكفر بآيات الله فإنَّ الله سريع الحساب} أَي: المجازاة له على كفره.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: أؤنبئكُمْ: أخبركم بنبأ عظيم لأن النبأ لا يكون إلا بالأمر العظيم. بخير من ذلكم: أي المذكور في الآية السابقة من النساء والبنين الخ. اتقوا: خافوا ربهم فتركوا الشرك به ومعصيته ومعصية رسوله. من تحتها الأنهار: من خلال قصورها وأشجارها أنهار الماء، وأنهار اللبن وأنهار العسل وأنهار الخمر. خالدين فيها أبدا: مقيمين فيها إقامة لا يرحلون بعدها أبدا. أزواج مطهرة: زوجات هي الحور العين نقيات من دم الحيض والبول وكلِّ أذى وقدر. الصابرين: على الطاعات لا يفارقونها وعلى المكروه لا يتسخطون، وعن المعاصي لا يقارفونها. الصادقين: في إيمانهم وأقوالهم وأعمالهم. القانتين: العابدين المحسنين الداعين الضارعين. والمنفقين: المؤدين الزكاة والمتصدقين بفضول أموالهم. المستغفرين بالأسحار: السائلين ربهم المغفرة في آخر الليل وقت السحور. معنى الآيات: لما بيّن تعالى ما زينه للناس من حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة إلى آخر ما ذكر تعالى، وبين أن حسن المآب عنده سبحانه وتعالى فلْيُطْلَبْ منه بالإيمان والصالحات أمر رسوله أن يقول للناس كافة أؤنبئكم بخير من ذلكم المذكور لكم. وبينه بقوله: {لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ...} وهو رضاه عز وجل عنهم وهو أكبر من النعيم المذكور قبله قال تعالى في آية أخرى: {أية : وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ..} تفسير : [التوبة: 72]. ثم أخبر تعالى أنه بصير بعباده يعلم المؤمن الصادق والمنافق الكاذب، والعامل المحسن والعامل المسيىء وسيجزى كلا بعدله وفضله، ثم ذكر صفات المتقين التي ورثوا بها ما وصف من النعيم فقال: {ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ آمَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ} فذكر صفة الإيمان والخشية والضراعة والدعاء لهم ثم ذكر باقي الصفات الكمالية فقال: {ٱلصَّابِرِينَ وَٱلصَّادِقِينَ وَٱلْقَانِتِينَ وَٱلْمُنْفِقِينَ وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ}، يهجدون آخر الليل وقبيل طلوع الفجر يكثرون من الإستغفار وهو طلب المغفرة. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- نعيم الآخرة خير من نعيم الدنيا مهما كان. 2- نعيم الآخرة خاصّ بالمتقين الأبرار، ونعيم الدنيا غالباً ما يكون للفجَّار. 3- التقوى وهي ترك الشرك والمعاصي هي العالم الوراثي لدار السلام. 4- استحباب الضراعة والدعاء والإستغفار في آخر الليل. 5- الصفات المذكورة لأهل التقوى هنا كلها واجبة في الجملة لا يحِلُّ أن لا يتصف بها مؤمن ولا مؤمنة في الحياة.

القطان

تفسير : أُؤنبئكم: أخبركم. مطهرة: نظيفة خالية من الدنس. الرضوان: الرضا. القانتين: العابدين، المداومين على الطاعة والعبادة. قل يا محمد للناس الذين زُيّن لهم حب الشهوات التي أسلفنا: أيها الناس، هل أُخبركم بخير من ذلكم وأفضل لكم؟ ان للذين اتقوا ربهم ثواباً عنده: هو جنات ظليلة تجري من تحتها الأنهار، وزوجات خلّصهن الله من كل ما يعيب النساء في الدنيا، ورضاء من الله يتمتعون في ظله بنعيم أكبر. ان الله هو البصير بعباده، الخبير بقرارة أنفسهم، ودخائل أحوالهم. فمن هم هؤلاء؟ إنهم الذين تتأثر قلوبهم بثمرات ايمانهم، فيقولون: ربنا إننا آمنّا استجابة لدعوتك، فاغفر لنا ذنوبنا بعفوك، وأبعد عنا عذاب النار. ثم بين أحسن ما امتازوا به من أوصافهم فقال: الصابرين: على أداء الطاعات وترك المحرمات. والصادقين: والصدق هو منتهى الكمال. والقانتين: وهم الذين داوموا على العبادة والطاعة لله تعالى مع الخشوع والخضوع. والمنفقين: اي الذين ينفقون المال في سبيل الله، عن طيب قلب وصدق نية.. والمستغفرين بالأسحار: الذين يتهجدون في آخر الليل، ساعة النوم، حين يشق على النفس القيام. وهو وقت عظيم تكون فيه النفوس صافية والقلوب فارغة عن مشاغل الدنيا. قراءات: قرأ عاصم في رواية أبي بكر "رضوان" بضم الراء في جميع القرآن ما عدا قوله تعالى {يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ ٱلسَّلاَمِ} في سورة المائدة فإنه قرأها بكسر الراء. والباقون قرأوها بكسر الراء.

د. أسعد حومد

تفسير : {جَنَّاتٌ} {ٱلأَنْهَارُ} {خَالِدِينَ} {وَأَزْوَاجٌ} {وَرِضْوَانٌ} (15) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلنَّاسِ أتُرِيدُونَ أنْ أُخْبِرَكُمْ بِخَيْرٍ مِمّا زُيِّنَ للنَّاسِ فِي الحَيَاةِ الدُّنيا مِنْ نَعِيمِها الزَّائِلِ؟ هُوَ مَا أعَدَّهُ اللهُ تَعَالى لِلْمُتَّقِينَ مِنْ عِبَادِهِ، الذِينَ أخْبَتُوا إلى رَبِّهِمْ وَأنَابُوا إليهِ، مِنْ جَنَّاتٍ تَتَفَجَّرُ فِي أرْضِها الأنْهَارُ، مُخَلَّدِينَ فِيها لا تَزُولُ عَنْهُمْ أبداً، وَلاَ يَبْغُونَ عَنْهَا تَحَوُّلاً، وَلَهُمْ فِيها أزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ مِنَ الدَّنَسِ وَالخُبْثِ وَالكَيْدِ وَسُوءِ الخُلُقِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَعْتَرِي النِّسَاءَ. وَيَغْمُرُهُمْ رِضْوَانُ اللهِ فَلاَ يَسْخَطُ عَلَيهِمْ رَبُّهُمْ أبداً، وَاللهُ بَصِيرٌ بِالعِبَادِ، يُعْطِي كُلَّ وَاحِدٍ بِحَسَبِ مَا يَسْتَحِقُّ مِنَ العَطَاءِ. الرِّضْوانُ - الرِّضَا. التَّقْوى - الإِخْبَاتُ للهِ.

الثعلبي

تفسير : {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ}: أُخبركم. {بِخَيْرٍ مِّن ذٰلِكُمْ}: الذي ذكرت تم الكلام ههنا: ثم ابتدأ فقال: { لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ}: تقع خبر حرف الصلة. { تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ}: قرأ العامة بكسر الراء. وروى أبو بكر عن عاصم: بضم الراء من الرضوان في جميع القرآن وهو لغة قيس وغيلان، وهما لغتان كالعِدوان والعُدوان والطِغيان والطُغيان. زيد ابن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : يقول الله عزَّ وجل لأهل الجنة: "يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربَّنا وسعديك والخير في يديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقول: ما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحد من خلقك". فيقول: "ألا أعطكم أفضل من ذلك" فيقولون: وأيُّ شيءٌ أفضل من ذلك؟ قال: "أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً ". تفسير : {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ} {ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ}: إن شئت جعلته محل (الذين) على الجر رداً على قوله {لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا}. وإن شئت رفعته على الابتداء كقوله {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} تفسير : [التوبة: 111]. ثم قال في صفتهم مبتدئاً {أية : ٱلتَّائِبُونَ ٱلْعَابِدُونَ} تفسير : [التوبة: 112]. {رَبَّنَآ إِنَّنَآ آمَنَّا} صدَّقنا. {فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا}: أسترها علينا وتجاوزها عنا. {وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ} {ٱلصَّابِرِينَ}: في اداء الامر، وعن ارتكاب الزنى وعلى البأساء والضرَّاء وحين البأس. وإن شئت نصبتها وأخواتها على المدح، وإن شئت خفضتها على النعت. {وَٱلصَّادِقِينَ}: في إيمانهم، قال قتادة: هم قوم صدقت نياتهم واستقامت قلوبهم وألسنتهم فصدقوا في السر والعلانية {وَٱلْقَانِتِينَ}: المطيعين المصلين. {وَٱلْمُنْفِقِينَ}: أموالهم في طاعة الله. وعن أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّ للهِ ملكاً ينادي: اللهم اعط مُنفقاً خلفاً، واعطِ ممسكاً تلفاً ". تفسير : {وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ}: قال مجاهد، والضحاك، وقتادة، والكلبي، والواقدي: يعني المصلين بالاسحار. نظير قوله: {أية : وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} تفسير : [الذاريات: 18] أي يصلَّون. وقال يعقوب بن عبد الرحمن عن أبي الزهري قال: قلت لزيد بن اسلم: من المستغفرين بالأسحار؟ قال: هم الذين يشهدون الصبح. وكذلك قال ابن كيسان: يعني صلاة الصَّبح في المسجد. وقال الحسن: صلَّوا الصلاة إلى السحر ثم استغفروا. قال نافع: كان ابن عمي يُحيي الليل، ثم يقول: يا نافع أسحرنا؟ فأقول: لا، فيعاود الصلاة، وإذا قلت: نعم، فيستغفر الله ويدعوا حتى الصبح. وروى إبراهيم بن حاطب عن أبيه قال: سمعتُ رجلاً في السحر يتهجّد في المسجد وهو يقول: ربَّ أمرتني فأطعتك، وهذا سَحَر فاغفر لي. فنظرتُ فإذا هو ابن مسعود (رضي الله عنه). وروى صالح وحماد بن سلمة عن ثابت وأبان وجعفر بن زيد عن أنس بن مالك قال: حديث : سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنَّ الله عزَّ وجل يقول: "إني لأهمَّ بأهل الأرض عذاباً؛ فإذا نظرتُ الى عمَّار بيوتي والى المتهجدين والى المتحابين فيَّ، والى المستغفرين بالاسحار صرفت عنهم ". تفسير : محمد بن راذان عن أم سعد قالت: حديث : سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنَّ ثلاثة أصوات يحبهم الله عزَّ وجلَّ؛ صوت الديك، وصوت الذي يقرأ القرآن، وصوت المستغفرين بالاسحار ". تفسير : حمّاد بن سلمة عن سعيد الجريري قال: بلغنا أنَّ داود نبي الله سأل جبرائيل (عليه السلام): أي الليل أفضل؟ فقال: ما أدري إلا أنَّ العرش يهتز من السَحَر. وقال سفيان الثوري: إنَّ لله ريحاً يقال لها: الصبَّحية تهب وقت الأسحار تحمل الأذكار والاستغفار إلى الملك الجبّار. قال سفيان أنَّهُ إذا كان من أوّل الليل، نادى مناد: ألا ليقم العابدون، فيقومون فيصلّون ما شاء الله، ثم ينادي منادي في شطر الليل: ليقم القانتون، فيقومون كذلك يصلَّون إلى السَحَر. فإذا كان نادى مناد: ألا ليقم المستغفرون، فيقومون فيستغفرون، ويقوم آخرون يصلَّون فيلحقون بهم. فإذا طلع الفجر نادى مناد: اللهم ليقم الغافلون فيقومون، من فراشهم كأنهم نشروا من قبورهم. وقال لقمان لإبنهِ: "يا بُني لا يكون الديك أكيس منك، ينادي بالأسحار وأنت نائم". {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ}. عن غالب القطان قال: أتيتُ الكوفة في تجارة فنزلت قريباً من الأعمش وكنت أختلف إليه. فلما كنتُ ذات ليلة اردتُ أنْ أنحدر إلى البصرة قام من الليل يتهجد؛ فمر بهذه الآية {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} الآية. ثم قال الأعمش: وأنا أشهد بما شهد الله به وأستودع الله هذه الشهادة وهي لي عند الله وديعة، أن الدين عند الله الإسلام فقالها مراراً. قلت: لقد سمع. فما شيئاً فصلَّيتُ معهُ وودعته، ثم قلت: آية سمّعتك تردِّدها فما بلغك فيها؟ قال: والله لا أحدث بها إلى سنة. فلبثت على بابه ذلك اليوم، واقمت سنة، فلما مضت السنة قلتُ: يا أيا محمد مضت السنة، فقال: حدثنا أبو وائل عن عبد الله قال: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يجيء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله: عبدي عهد إليّ وأنا أحقُ من وفى بالعهد. أدخلوا عبدي الجنة ". تفسير : خالد بن زيد عن يزيد الرقاسي عن أنس بن مالك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : من قرأ {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} الآية.. عند منامهِ خلق الله عزَّ وجلَّ له سبعين ألف ملك يستغفرون له إلى يوم القيامة ". تفسير : وعن الزبير بن العوام قال: قلت: لأدنونَّ هذه [العشية] من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي عشية عرفه حتى أسمع ما يقول، فحبست ناقتي من ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وناقة رجل كان إلى جنبه. فسمعتهُ يقول: {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} الآية. فما زال يردَّدها حتى دفع. يعقوب عن جعفر عن سعيد بن جبير قال: كان حول الكعبة ثلاث مائة وستون صنماً. فلما نزلت {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} الآية، خرَّوا سجّداً. تفسير : قال الكلبي: قدم حبران من أهل الشام على النبي صلى الله عليه وسلم فلما أبصرا المدينة، قال أحدهما لصاحبهِ: ما أشبه هذه المدينة صفة مدينة النبي صلى الله عليه وسلم الذي يخرج آخر الزمان فلما دخلا على النبي صلى الله عليه وسلم عرفاهُ بالصفة والنعت. فقالا لهُ: أنت محمد؟ قال: نعم. قالا: وأنت أحمد؟ قال: إنا محمد وأحمد قالا: إنا نسألك عن شيء فإن أخبرتنا به آمنَّا بك وصدَّقناك. فقال: بلى. قالا: أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب اللَّه؟ فأنزل اللَّه هذه الآية {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} الآية.. فأسلم الرجلان. واختلف القرّاء في هذه الآية. فقرأ أبو نهيك وأبو الشعثاء: {شَهِدَ ٱللَّهُ} بالرفع والمدَّ على معنى: هم شهداء يعني: الذين مرَّ ذكرهم. وروى المهلّب عن محارب بن دثار: {شَهِدَ ٱللَّهُ} منصوبة على الحال والمدح. وقرأ الآخرون: {شَهِدَ ٱللَّهُ} على الفعل أي بيَّن؛ لأن الشهادة تبيين. وقال مجاهد: حكم اللَّه، الفرّاء وأبو عبيدة: قضى اللَّه، المفضَّل: لعلم اللَّه. ابن كيسان: شهد اللَّه بتدبيره العجيب، وصنعه المتقن، وأُموره المحكمة من خلقه أنه لا اله إلا هو، وهذا كقول القائل: شعر : وللَّهِ في كل تحريكة وتسكينة أبداً شاهد وفي كل شيء لهُ آية تدلُ على أنَّهُ واحد تفسير : وقيل لبعض الأعراب: ما الدليل على أنَّ للعالم صانعاً؟ فقال: إنَّ البعرة تدلُ على البعير، وآثار القدم تدلُ على المسير، وهيكل علَّوي بهذه اللطافة ومركز سفلي بهذه الكثافة؛ أما يدلاَّن على الصانع الخبير. قال ابن عباس: "خلق اللَّه الارواح قبل الأجساد بأربعة آلاف سنة وخلق الأرزاق قبل الأرواح بأربعة آلاف سنة، وشهد بنفسه لنفسهِ قبل أن يخلق الخلق حين كان ولم تكن سماء ولا أرض ولا برَّ ولا بحر، فقال: شهد اللَّه أنَّهُ لآ اله إلا هو". وقرأ ابن مسعود: (أنَّ لا آله إلا هو...) وقرأ ابن عباس: {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ}: بكسر الألف جعلهُ خبراً مستأنفاً معترضاً في الكلام على توهم الفاء، كأنهُ قال: فإنَّه لآ اله إلاَّ هو، قاله أبو عبيدة والمفضَّل، وقال بعضهم: كسره؛ لأن الشهادة قول وما بعد القول يكون مكسوراً على الحكاية فتقديرهُ قال اللَّه: أنَّهُ لآ اله إلاَّ هو. {وَٱلْمَلاَئِكَةُ}: قال المفضّل: معنى شهادة اللَّه للإخبار والإعلام، ومعنى شهادة ملائكة اللَّه والمؤمنين الإقرار كقوله: {أية : قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنْفُسِنَا} تفسير : [الأنعام: 130] أي أقررنا فنسق شهادة الملائكة، {وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ} على شهادة اللَّه تعالى. والشهادتان مختلفتان معنى لا لفظاً كقوله عزَّ وجل: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلاَئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ} تفسير : [الأحزاب: 56] والصلاة من اللَّه "الرحمة" ومن الملائكة "الاستغفار والدعاء"، وأولوا العلم: يعني الانبياء (عليهم السلام). وقال ابن كيسان: يعني المهاجرين والأنصَّار. مقاتل: مؤمني أهل الكتاب، عبد اللَّه بن سلام: وأصحابه: نظيره قوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} تفسير : [الإسراء: 107] ، وقوله: {أية : وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ} تفسير : [الرعد: 43]. وقال السدي والكلبي: يعني علماء المؤمنين كلهم. فقرّب اللَّه تعالى شهادة العلماء بشهادته؛ لأن العلم صفة اللَّه العليا ونعمته العظمى. والعلماء أعلام الإسلام والسابقون الى دار السلام وسرج الامكنة وحجج الأزمنة. وروى صفوان عن سُليم عن جابر بن عبد اللَّه، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم"حديث : ساعة من عالم متّكئ على فراشهِ ينظر في علمهِ خير من عبادة العابد سعبين عاماً ". تفسير : المسيب بن شريك عن حميد الطويل عن أنس بن مالك، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم"حديث : تعلَّموا العلم؛ فإنَّ تعلَّمهُ للَّهِ حسنة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنهُ جهاد؛ وتعليمهُ من لا يعلمهُ صدقة، وتذكره لأهله قربة؛ لأنه معالم الحلال والحرام، ومنار سبل الجنة والنار، والأنيس في الوحشة والصاحب في الغربة، والميراث في الخلوة، والدليل على السرَّاء والضرَّاء، والسلاح على الأعداء، والقرب عند الغرباء، يرفع اللَّه به أقواماً ويجعلهم في الخير قادةً يُقتدى بهم، ويُبيّن اثارهم، ويرموا أعمالهم، ويُنهى الى رأيهم، وترغب الملائكة في خلتهم، وبأجنحتها تمسحهم، وفي صلواتهم تستغفر لهم، وكل رطب ويابس يستغفر لهم حتى حيتان البحر وسباع الأرض وأنعامها والسماء ونجومها، ألا فإن العلم خير أنقاب عن الصمى، ونور الأبصار من الظلم، وقوة الأبدان من الضعف، يبلغ بالعبد منازل الأحرار، ومجالس الملوك، والفكرُ فيه يُعدل بالصيام ومدارسته بالقيام، به يُعرف الحلال والحرام، وبه توصَّل الأرحام، إمام العمل والعقل تابعهُ، يُلهم السعد أو يُحرم إذا شقى ". تفسير : {قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ}: أي بالعدل ونظام الآية "شهد اللَّه قائماً بالقسط". وهو نصب على الحال. وقال الفرّاء: هو نصب على القطع كأن أصله القائم، وكذلك هو في (عبد اللَّه) فلما قطعت الألف واللام نصب لقوله تعالى: {أية : وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً} تفسير : [النحل: 52]. وقال أهل المعاني في قوله: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}: أي مدبّر، رازق، مُجازي بالاعمال كما يقال: فلان قائم بأمري: أي مدبّر له متعهد لأسبابه، وقائم بحق فلان: أي بحاله. {إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}: كرّر؛ لأنّ الأولى حلت محل الدعوى، والشهادة الثانية حلت في محل الحكم. وقال جعفر الصَّادق: الأُولى (وصف وتوحيد) والثانية رسمٌ وتعليم يعني قولوا: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}. {إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ}: يعني (بالدين الطاعة والملّة) لقوله: {وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ دِيناً} . وفتح الكسائي ومحمد بن عيسى الاصفهاني ألف (إنَّ) رداً على (أنَّ) الأُولى في قوله: {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ} يعني: شهد اللَّه أنَّه، وشهد أن الدين عند اللَّه الإسلام، وكسر الباقون على الإبتداء. والإسلام (من السلم: الإيمان و) الطاعة يُقال: أسلم أي: دخل في السلم. وذلك كقولهم: استى وأربع وأمحط واخبت: أي دخل فيها. سفيان: قال قتادة: في قولهِ: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ} قال: (شهادة) أن لا اله إلا اللَّه. والإقرار بأنَّها من عند اللَّه، وهو دين اللَّه الذي شرع لنفسهِ، وبعث به رسله ودلَّ عليه أولياءه ولا يُقبل غيره ولا جزى إلاَّ بهِ. {وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} الآية، قال الربيع: إنَّ موسى (عليه السلام) لما حضرته الوفاة دعا سبعين حبراً من أحبار بني إسرائيل، واستودعهم التوراة، وجعلهم أمناء عليها، واستخلف يوشع بن نون. فلمّا مضى القرن الأول والثاني والثالث وقعت الفرقة بينهم، وهم الذين أوتوا الكتاب من أبْنَاء أولئك السبعين حتى أوقعوا بينهم الدماء، ووقع الشر والإختلاف وذلك {مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ} يعني: بيان ما في التوراة {بَغْياً بَيْنَهُمْ}: أن طلبها للملك والرئاسة والتحاسد والمناقشة؛ فسلط اللَّه عليهم الجبابرة. وقال بعضهم: أراد {وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ}: في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلاَّ من بعد ما جاءهم العلم، يعني: بيان نعته وصفته في كتبهم. وقال محمد بن جعفر عن الزبير: نزلت هذه الآية في نصارى نجران ومعناها: {وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} هو الإنجيل في أمر عيسى (عليه السلام)، وفرَّقوا القول فيه إلاَّ من بعد ما جاءهم العلم، بأن اللَّه واحد، وأنَّ عيسى عبدهُ ورسوله {بَغْياً بَيْنَهُمْ}: أي للمعاداة والمخالفة. {وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ}: لا يحتاج الى عقد وقبض يد. وقال الكلبي: نزلت في يهوديين تركوا اسم الإسلام وتسمَّوا باليهودية والنصرانية، قال اللَّه تعالى: {وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ} قال: دين اللَّه هو الإسلام بغياً منهم فلمّا وجدا نظيره قوله: {أية : وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ} تفسير : [البينة: 4] فقالت اليهود والنصارى: لسنا على ما سميتنا بهِ يا محمد إنَّ اليهودية والنصرانية سبّ هو الشرك، والدين هو الإسلام ونحن عليه. {فَإنْ حَآجُّوكَ}: خاصموك يا محمد في الدين، {فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ}: أي انقدت (لأمر الله) {للَّهِ}: وحده بقلبي ولساني وجميع جوارحي، إنَّما خص الوجه لإنَّهُ؛ أكرم جوارح الإنسان، وفيه بهاؤه وتعظيمه، فإذا خضع وجهه لشيء فقد خضع له سائر جوارحه التي هي دون وجهه. وقال الفرّاء: معناه أخلصت عملي للَّه. يُقال: أسْلمت الشيء لفلان وسلمتهُ له، أي دفعته إليه (......) ومن هذا يُقال: أسلمتُ الغلام إلى (....) وفي صناعة كذا. أي أخلصت لها. والوجه: العمل كقوله: {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}: أي قصده وعمله. وقوله: {أية : إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ ٱلأَعْلَىٰ} تفسير : [الليل: 20]. {وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ}: "من" في محل الرفع عطفاً على التاء في قوله: {أَسْلَمْتُ} أي: ومن اتبعني أسْلم كما أسلمت. وأثبت بعضهم ياء قوله: {اتبعني} على الأصل، وحذفهُ الآخرون على لفظ ينافي المصحف (إذا وقعت فيه بغير ياء). وأنشد: شعر : كفاك كفَّ ما تليق درهماً جوداً وأخرى تعط بالسيف دماً تفسير : وقال آخر: شعر : ليس تخفى يسارتي قدر يوم ولقد يخفِ شيمتي إعساري تفسير : {وَقُلْ لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ وَٱلأُمِّيِّينَ}: يعني العرب (ءأسْلمتم): لفظ استفهام ومعناهُ أمر، أي أسلموا كقوله: {أية : فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} تفسير : [المائدة: 91]: أي نهوا، {فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ}: فقرأ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم هذه الآية، فقال أهل الكتاب: أسلمنا. فقال للنصارى: أتشهدون أنَّ عيسى كلمة من اللَّه وعبدهُ ورسوله، فقالوا: معاذ اللَّه. وقال لليهود: إنّ عزير هو عبدالله ورسوله، قالوا: معاذ الله فذلك قوله: {وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ}. بتبليغ الرسالة، {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ}: عالم بمن يؤمن بالله ومن لا يؤمن باللهِ وبأهل الثواب وبأهل العقاب. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ}: يجحدون، {بِآيَاتِ ٱللَّهِ}: بحجّة وأعلامه، وقيل: هي القرآن، وقيل: هم اليهود والنصارى {وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} قرأ الحسن {وَيَقْتُلُونَ} بالتشديد فهما على تكَّثر. وقرأ حمزة: (وتقاتلون الذَّين يأمرون) اعتباراً بقراءة مسعود (وقاتلوا الذين يأمرون به)، ووجه هذه القراءة {وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ} وقد "قاتلوا الذين يأمرون"؛ لأنهُ غير جائز عطف الماضي على المستقبل وفي حرف. أي: {وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ} قال مقاتل: أراد بهِ ملوك بني اسرائيل. وقال معقل بن أبي سكين، وابن جريج: كان الوحي يأتي الى أنبياء بني إسرائيل، ولم يكن يأتيهم كتاب فيُذكِّرون قومهم فيقتلون. فيقوم رجال فمن اتّبعهم وصدقهم فيذَّكرون قومهم فيُقتلون أيضاً. فهم الذين يأمرون بالقسط من الناس. وعن قبيصة بن دويب الخزاعي عن أبي عبيدة الجرّاح قال: قلتُ لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أيُ الناس أشدُ عذاباً يوم القيامة؟ قال: "حديث : رجلٌ قتل نبياً، أو رجلٌ أمر بالمنكر ونهى عن المعروف"تفسير : ، ثم قرأ رسول لله صلى الله عليه وسلم { وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ} إلى قوله: {وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} ثم قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم "حديث : يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً في أول النهار ساعة واحدة، فقام مائة وإثنا عشر رجلاً من عبَّاد بني إسرائيل فأمروا من قبلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقُتلوا جميعاً من آخر النهار في ذلك اليوم، فهم الذين ذكرهم اللَّه تعالى في كتابه فأنزل الآية فيهم ". تفسير : وعن عبد اللَّه بن مسعود قال: حديث : قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم "بئس القوم قومٌ يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، بئس القوم قوم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، وبئس القوم قومٌ يمشي المؤمن فيهم بالتقية والكتمان ". تفسير : {فَبَشِّرْهُم...} أخبرهم بعذاب أليم، وإنما أُدخل الفاء (في خبرها)؛ لأنهُ قوله: (الذين) موضع الجزاء ("وإنّ" لا تبطل معنى الجزاء؛ لأنّها بمزلة الابتداء عكس: ليت). وقيل: أُدخل الفاء على الغاء أن وتقديرهُ: "الذين يكفرون ويقتلون فبشّرهم بعذاب أليم رجيح. {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتْ}: ذهبت وبطلت. وقرأ أبو واقد والجرّاح: "حبطت" بفتح التاء مستقبلة "تحبِط" بكسر الباء وأصلهُ من "الحبط" وهو أن ترعى الماشية (بلا دليل ورديع) فتنتفخ من ذلك بطونها، وربَّما ماتت منهُ، ثم جعل كل شيء يهلك حبطاً. ومنهُ قول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إنَّ مما يُنبت الربيع ما يقتل حبطاً إذ يلم ". تفسير : {أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا}: أي نصيباً وحظاً من الكتاب. يعني: اليهود يُدعون الى كتاب اللَّه. واختلفوا في هذا الكتاب الذي أخبر اللَّه تعالى إنَّهم يُدعون إليه فيعرضون عنه. فقال قوم: هو القرآن. وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس في هذه الآية قال: إنَّ اللَّه عزَّ وجل جعل القرآن حَكَماً فيما بينهم وبين رسول اللَّه، فحكم القرآن على اليهود والنصارى أنَّهم على غير دين الهدى فأعرضوا عنه. وقال قتادة: هم أعداء اللَّه اليهود. دُعوا الى حكم القرآن واتباع محمد صلى الله عليه وسلم فأعرضوا، وهم يجدونهُ مكتوباً في كتبهم. السَّديَّ: حديث : دعا النبي صلى الله عليه وسلم اليهود إلى الإسلام، فقال لهُ النعمان بن أبي أوفى: هلَّم يا محمَّد نخاصمك إلى الأحبار، فقال له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بل الى كتاب اللَّه. فقال: بل الى الأحبار. فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية . تفسير : وقال الآخرون: هي التوراة. روى سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس، قال: دخل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بيت المقدس على جماعة من اليهود، فدعاهم الى اللَّه عزَّ وجل. فقال له نعيم بن عمر وابن الحارث بن فهد: على أيَّ دين أنت يا محمد؟ فقال: على ملّة إبراهيم. قالا: إنَّ إبراهيم كان يهودياً. فقال لهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فأسلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم، فأبيا عليه، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية. وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: حديث : إنَّ رجلاً وامرأة من أهل خيبر زنيا، وكانا في شرف منهم، وكان في كتابهم الرجم. فكرهوا رجمهما لحالهما وشرفهما، ورجوا أن يكون عند رسول اللَّه رحمة في أمرهما، فُرفعِوا الى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فحكم عليهما بالرجم، فقال له النعمان ابن أبي أوفى ونخري بن عمر: جُرتَ علينا يا محمد. ليس عليهما الرجم، فقال لهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بيني وبينكم التوراة فإن فيها الرجم. قالوا: قد أنصفتنا. قال فمن أعلمكم؟ فقالوا: رجل أعمى يسكن فدك، يُقال له ابن صوريا، فأرسلوا إليه، فقدم المدينة وكان جبرائيل (عليه السلام) قد وصفهُ لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال له رسول اللَّه: لأنت ابن صوريا؟ قال: نعم. قال: أنت أعلم اليهود؟ قال كذلك يزعمون، قال: فدعا رسول اللَّه بشيء من التوراة فيها الرجم مكتوب. فقال له: أقرأ. فلما أتى آية الرجم وضع كفهُ عليه وقرأ ما بعدها. فقال ابن سلام: يا رسول اللَّه قد جاوزها ووضع كفهُ عليها، وقام ابن سلام الى ابن صوريا فرفع كفهُ عنها، ثم قرأ على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم "اليهوديان المحصنان إذا زنيا، وقامت عليهما البينة رجما، وإن كانت المرأة حبلى تربص بها حتى تضع ما في بطنها". فأمر رسول اللَّه باليهوديين فرُجماً، فغُضِب اليهود لذلك غضباً شديداً، وانصرفواتفسير : . فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وحين تسمع كلمة "أؤخبركم" فما نسمعه بعد ذلك كلام عادي، أما عندما نسمع "أؤنبئكم" فما نسمعه بعدها هو خبر هائل لا يقال إلا في الأحداث العظام، فلا يقول أحد لآخر: سأنبئك بأنك ستأكل كذا وكذا في الغداء، ولكن يقال "أنا أنبئك بأنك نلت جائزة كبرى"، هذا في المستوى البشري فما بالنا بالله الخالق الأعلى، ولذلك يقول الله الحق:{أية : عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ}تفسير : [النبأ: 1-2]. إنه الأمر الذي يقلب كيان هذه الدنيا كلها، فحين يقول الحق: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذٰلِكُمْ} [آل عمران: 15] فمعنى ذلك أن الله يخبرنا بخير من هذه الأشياء، ومن ذلك نعرف أن الله قد جعل هذه الأشياء مقياساً، لماذا؟ لأنه مقياس محس، وأوضح لنا كيفية التصعيد فقال: {لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ} [آل عمران: 15] والمؤمن هو من ينظر بثقة إلى كلمة "عند ربهم" أي الرب المتولي التربية والذي يتعهد المُرَبَّى حتى يبلغه درجة الكمال المطلوب منه. والعندية هنا هي عند الرب الأعلى. فماذا أعد المربي الأعلى للمتقين؟ لقد أعد لهم {جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} [آل عمران: 15] ولنر الخيرية في هذه الجنات، وهي تقابل في الدنيا الحرث والزرع، وقد قلنا: إن الحق حين تكلم عن الزرع تكلم واصفاً له بـ "الحرث" لنعرف أن الزرع يتطلب منا حركة وعملاً. أما في الآخرة فالجنات جاهزة لا تتطلب من المؤمن حركة أو تعباً، ولا يقف الأمر عند ذلك، بل إن هذه الجنات تجري من تحتها الأنهار وفيها للإنسان المؤمن ما وعده الله به: {خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ} [آل عمران: 15] إنه الخلود الذي لا يفنى، ولا يترك الإنسان ولا يترك هو الإنسانِ. والأزواج المطهرة هي وعد من الله للمؤمنين، ومن يحب النساء في الدنيا يعرف أن المرأة في الدنيا يطرأ عليها أشياء قد تنفر، إما خَلْقاً تكوينياً، وإمَّا خُلُقاً، فهناك وقت لا يحب الرجل أن يقرب فيه المرأة، وقد يكون فيها خصلة من الخصال السيئة فيكره الإنسان جمالها. لذلك فالرجل قد ينخدع بالمظهر الخارجي للمرأة في الدنيا، وقد يقع الإنسان في هوى واحدة فيجد فيها خصلة تجعله يكرهها، أما في الآخرة فالأمر مختلف، إنها "أزواج مطهرة" أي مطهرة من كل عيب يعيب نساء الدنيا، فيأخذ المؤمن جمالها، ولا يوجد فيها شرور الدنيا، فقد طهرها الله منها. "أزواج مطهرة" من الذي طهرها؟ إنه هو الله - سبحانه - طهرها خَلْقاً وَخُلُقاً. فالرجل في الدنيا قد يهوى امرأة، وتستمر نضارتها خمسة عشر عاماً تستميله وتجذبه، ثم تبدأ التجاعيد والترهل والتنافر. أما في الآخرة فالمرأة مطهرة من كل شيء، وتظل على نضارتها وجمالها إلى الأبد، أليس هذا تصعيداً للخير؟ ونلاحظ أن الحق سبحانه ذكر هنا أمرين: الأمر الأول: هو جنات تجري من تحتها الأنهار، ونقارن بينها وبين الحرث في الدنيا. والأمر الآخر: هو الأزواج المطهرة، ونقارن بينها وبين النساء في الدنيا أيضاً، ولم يورد الحق أي شيء عن بقية الأشياء، فأين القناطير المقنطرة من الذهب؟ وأين الخيل؟ وأين الأنعام وأين البنون؟ إننا نلاحظ أن الحق سبحانه وتعالى جعل الأمرين المزينين، واحداً يستهل به الآية، والأمر الآخر يأتي في آخر الآية، ولنقرأ الآية التي فيها التزيين: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ مِنَ ٱلنِّسَاءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلأَنْعَامِ وَٱلْحَرْثِ} [آل عمران: 15]. إن البداية هي النساء، ذلك هو القوس الأول، والنهاية هي الحرث وذلك هو القوس الثاني، وبين القوسين بقية الأشياء المزينة، وقد أعطانا الله عوض القوسين وأوضح لنا إنهما هما الخير الْمُصَعَّد، ولم يورد بقية الأشياء المزينة، وهذا يعني أن نفهم ذلك في ضوء أن الرزق ما به انتُفِعَ، أي أن كل ما ينتفع به الإنسان رزق، الخُلُق الطيب رزق, سماع العلم رزق، أدب الإنسان رزق، حلم الإنسان رزق، صدق الإنسان رزق، لكن الرزق يأتي مرة مباشراً بحيث تنتفع به مباشرة، ومرة أخرى يأتي الرزق لكنه لا ينفع مباشرة، بل قد يكون سبباً ووسيلة لما ينفع مباشرة. مثال ذلك الخبز، إنه رزق مباشر، والنقود هي رزق، لكنها رزق غير مباشر؛ لأن الإنسان قد يكون جائعاً وعنده جبل من ذهب، فلو قال واحد لهذا الإنسان: خذ رغيفاً مقابل جبل الذهب. سيعطي الإنسان الجائع جبل الذهب مقابل الرغيف؛ لأن الإنسان لا يأكل الذهب، وكذلك كوب الماء بالنسبة للعطشان. إذن فهناك رزق لا يطلب لذاته، ولكن يطلبه الإنسان لأنه وسيلة لغيره - فالوسيلة لغيره أنت لن تحتاج إليها في الآخرة؛ لأنك ستعيش ببدل الأسباب بقول الحق: "كن" فالإنسان لن يحتاج في الجنة إلى مال. أو قناطير مقنطرة من الذهب والفضة؛ لأن كل ما تشتهيه النفس ستجده، ولن تحتاج في الآخرة إلى خيل مسومة؛ لأنك لن تجاهد عليها أو تتلذذ وتستأنس بركوبها. وكل ما لا تحتاج إليه في الآخرة من أشياء أعطاها لك الله في الدنيا لتسعى بها في الأسباب، ولم يورده الله في قوله: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذٰلِكُمْ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ} [آل عمران: 15] لم يوردها في النص الكريم، لأن عطاء الله في الآخرة بالرزق المباشر، أما الأشياء التي يسعى بها الإنسان إلى الرزق المباشر في الدنيا فلم يوردها لعدم الحاجة إليها في الآخرة، فنحن نحب المال، لماذا؟ لأنه يحقق لنا شراء الأشياء، والخيل المسومة نحبها؛ لأنها تحقق لنا القدرة على القتال والجهاد في سبيل الله. والأنعام؛ لتحقق لنا المتعة. أما الجنة في الآخرة فالمؤمن يجد فيها كل ما تشتهيه الأنفس، وكل ما يخطر ببال من يرزقه الله الجنة سوف يجده؛ فالوسائط لا لزوم لها. لذلك تكلم الحق عن الأشياء المباشرة، فأورد لنا ذكر الجنات التي تجري من تحتها الأنهار، وذكر لنا الأزواج المطهرة. وعندما نتأمل قول الحق: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذٰلِكُمْ} [آل عمران: 15] قد يقول قائل: ألم يكن من المنطق أن يخبرنا الحق مباشرة بما يريد أن يخبرنا به، بدلاً من أن يسألنا: أيخبرنا بهذا الخير، أم لا؟ ونقول: أنت لم تلتفت إلى التشويق بالأسلوب الجميل، وحنان الله على خلقه. إنه سبحانه وتعالى يقول لنا: ألا تريدون أن أقول لكم على أشياء تفضل تلك الأشياء التي تسيركم في الدنيا. فكأن الحق سبحانه وتعالى قد نبه من لم ينتبه. ولم ينتظر الحق أن نقول له: قل لنا يارب. لا، إنه يقول لنا دون طلب منا، ويقال عن هذا الأسلوب في اللغة إنه "استفهام للتقرير"، فالإنسان حين يسمع: {أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذٰلِكُمْ} [آل عمران: 15] فالذهن ينشغل، فإن لم يسمع النبأ، فلسوف يظل الذهن مشغولاً بالنبأ، ويأتي الجواب على اشتياق فيتمكن من نفس المؤمن. ويأتي النبأ {لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا} [آل عمران: 15]، فعندما نمعن النظر في الشهوات التي تقدمت من نساء وبنين وقناطير مقنطرة من ذهب وفضة وخيل مسومة وأنعام وحرث، ألا يكون من المناسب فيها أن يتقي الإنسان ربه في مجالها؟ إن التقوى لله في هذه الأشياء واجبة، ولذلك قلنا من قبل قضية نرد بها على الذين يريدون أن يجعلوا الحياة زهداً وانحساراً عن الحركة، وأن يوقفوا الحياة على العبادة في أمور الصلاة والصوم، وأن نترك كل شيء. لهؤلاء نقول: لا؛ إن حركتك في الحياة تعينك على التقوى؛ لأننا عرفنا أن معنى التقوى هو أن يجعل الإنسان بينه وبين النار حجاباً، وأن تجعل بينك وبين غضب ربك وقاية. فإذا ما أخذت نعم الله لتصرفها في ضوء منهج الله فهذا هو حسن استخدام النعم. وقد أوضحت من قبل أن التقوى حين تأتي مرة في قول الحق: "اتقوا الله" وتأتي مرة أخرى "اتقوا النار" فهما ملتقيان؛ فاتقاء النار حتى لا يصاب الإنسان بأذى، وعندما يتقي الإنسان الله فهو يتقي غضب الله؛ لأن غضب الله يورد العذاب، والعذاب من جنود النار. إذن فالذين يتقون الله لا يظنون أنهم زهدوا في هذه الحياة لذات الزهد فيها، ولكن للطمع فيما هو أعلى منها، إنه الطمع في النعيم الأخروي الدائم. ويوضح الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: أنكم لن تتمتعوا في الآخرة لضرورة الحاجة للمتعة، بحيث إذا ما جاءت النعمة عليكم تفرحون بها، إن الأمر لا يقتصر على ذلك وإنما يتعداه إلى أنكم - أيها المؤمنون - تحبون فقط أن تروا المنعم، فما دام المؤمن الذي يدخل الجنة يجد كل ما يشتهي بل إنه لا يشتهي شيئاً حتى يأتيه، ويستمتع على قدر عطاء الله وقدراته. وإذا لم يشته الإنسان ثماراً في الجنة أو نساء، ويصبح مشغولاً برؤية ربه فإن مكانه جنة من الجنان اسمها "عليّون" و"عليّون" هذه ليس فيها شيء مما تسمعه عن الجنة، ليس فيها الا أن تلقى الله. إن الرزق والنعم ليسا من أجل قوام الحياة في الجنة، بل إن الإنسان سيكون له الخلود فيها؛ فالذي يحتاج إليه الإنسان هو رضوان من الله. إن رضواناً من الله أكبر من كل شيء. ولقد نبأنا الله بما في الجنات، ونبأنا بالخير من كل ذلك. لقد نبأنا الله بأن رضوانه الأكبر هو أن يضمن المؤمن أنْ يظفر برؤية ربّه. وهذا ما يقول الله.{أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}تفسير : [القيامة: 22-23]. إذن فهناك في الجنة مراتب ارتقائية. ويخبرنا الحق من بعد ذلك: {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ} [آل عمران: 15] أي أن الله سيعطي كل إنسان على قدر موقفه من منهج ربه، فمن أطاع الله رغبة في النعيم بالجنة يأخذ جنة الله، ومن أطاع الله لأن ذات الله أهل لأن تطاع فإن الله يعطيه متعة ولذة النظر إليه - سبحانه - تقول رابعة العدوية في هذا المعنى: شعر : كلهم يعبدون من خوف النار ويرون النجاة حظا جزيلاً إننّي لست مثلهم ولهذا لست أبغي بمن أحب بديلاً تفسير : وقالت أيضاً: اللهم إن كنت تعلم أني أعبدك خوفاً من نارك فأدخلني فيها، وإن كنت تعلم أني أعبدك طمعاً في جنتك فاحرمني منها، إنما أعبدك لأنك تستحق أن تُعبد. إذن فـ {ٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ} [آل عمران: 15] أي أنه سيعطي كل عبد على قدر حركته ونيته في الحركة؛ فالذي أحب ما عند الله من النعمة فليأخذ النعمة ويفيضها الله عليه. أما الذي أحب الله وإن سلب منه النعمة، فإن الله يعطيه العطاء الأوفى، وذلك هو مجال مباهاة الله لملائكته .. ومن أقوى دلائل الإيمان وكماله .. إيثار محبة الله ورسوله على كل شيء في الوجود. عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ثلاث من كن فيه وجد بهم حلاوة الإيمان: مَنْ كان الله ورسوله أَحَبَّ إليه مما سواهما، وأن يحبَّ المرءَ لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يُقْذَفَ في النار"تفسير : . إن هناك العبد الذي يحب الله لذاته؛ لأن ذاته سبحانه تستحق أن تعبد، فذات الله تستحق العبادة؛ لأنه الوهاب، الذي نظم لنا هذا الكون الجميل. إذن فقول الحق: {وٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ} [آل عمران: 15] يعني أن الله يعلم مقدار ما يستحق كل عابد لربه، وعلى مقدار حركته ونيته في ربه يكون الجزاء، فمن عبد الله للنعمة أعطاه الله النعمة المرجوة في الجنة ليأخذها، وأطاع الله لأنه أهل لأن يطاع وإن أخذت - بضم الألف وكسر الخاء - النعمة منه فإن الله يعطيه مكاناً في عليين. ولذلك قيل: إن أشد الناس بلاء هم الأنبياء، ثم الأولياء، ثم الأمثل فالأمثل. لماذا؟ لأن ذلك دليل صدق المحبة. والإنسان عادة يحب من يحسن إليه، ولا يحب من تأتي منه الإساءة إلا إن كانت له منزلة عالية كبيرة. إنه مطمئن إلى حكمته، إنه ابتلاه - وهو يعلم صبره - ليعطيه ثواباً جزيلاً وأجراً كبيراً، والحق يقول:{أية : قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً}تفسير : [الكهف: 110]. لقد قال: "فمن كان يرجوا لقاء ربه" ولم يقل جنة ربه وهكذا يجب ألا تشغلنا النعمة - الجنة - عن المنعم وهو الله سبحانه وتعالى، وإذا كان الحق قد طلب منا ألا نشرك بعبادة ربنا أحداً فلنعلم أن الجنة أَحَدٌ. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: {ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ آمَنَّا ...}.