٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
16
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: في إعراب موضع {ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ } وجوه الأول: أنه خفض صفة للذين اتقوا، وتقدير الآية: للذين اتقوا الذين يقولون، ويجوز أن يكون صفة للعباد، والتقدير: والله بصير بالعباد وأولئك هم المتقون الذين لهم عند ربهم جنّات هم الذين يقولون كذا وكذا والثاني: أن يكون نصباً على المدح والثالث: أن يكون رفعاً على التخصيص، والتقدير: هم الذين يقول كذا وكذا. المسألة الثانية: إعلم أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا {رَبَّنَا إِنَّنَا ءامَنَّا } ثم إنهم قالوا بعد ذلك {فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا } وذلك يدل على أنهم توسلوا بمجرد الإيمان إلى طلب المغفرة والله تعالى حكى ذلك عنهم في معرض المدح لهم، والثناء عليهم، فدل هذا على أن العبد بمجرد الإيمان يستوجب الرحمة والمغفرة من الله تعالى، فإن قالوا: الإيمان عبارة عن جميع الطاعات أبطلنا ذلك عليهم بالدلائل المذكورة في تفسير قوله {ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ } وأيضاً فمن أطاع الله تعالى في جميع الأمور، وتاب عن جميع الذنوب، كان إدخاله النار قبيحاً من الله عندهم، والقبيح هو الذي يلزم من فعله، إما الجهل، وإما الحاجة فهما محالان، ومستلزم المحال محال، فإدخال الله تعالى إياهم النار محال، وما كان محال الوقوع عقلاً كان الدعاء والتضرع في أن لا يفعله الله عبثاً وقبيحاً، ونظير هذه الآية قوله تعالى في آخر هذه السورة {أية : رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِى لِلإِيمَـٰنِ أَنْ ءامِنُواْ بِرَبّكُمْ فَـئَامَنَّا رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفّرْ عَنَّا سَيّئَـٰتِنَا وَتَوَفَّنَا مَع الأبرارَ }تفسير : [آل عمران: 193]. فإن قيل: أليس أنه تعالى اعتبر جملة الطاعات في حصول المغفرة حيث اتبع هذه الآية بقوله {أية : ٱلصَّـٰبِرِينَ وَٱلصَّـٰدِقِينَ }تفسير : [آل عمران: 17]. قلنا: تأويل هذه الآية ما ذكرناه، وذلك لأنه تعالى جعل مجرّد الإيمان وسيلة إلى طلب المغفرة، ثم ذكر بعدها صفات المطيعين وهي كونهم صابرين صادقين، ولو كانت هذه الصفات شرائط لحصول هذه المغفرة لكان ذكرها قبل طلب المغفرة أولى، فلما رتب طلب المغفرة على مجرد الإيمان، ثم ذكر بعد ذلك هذه الصفات، علمنا أن هذه الصفات غير معتبرة في حصول أصل المغفرة، وإنما هي معتبرة في حصول كمال الدرجات.
القرطبي
تفسير : {ٱلَّذِينَ} بدل من قوله «لِلّذِينَ ٱتَّقَوْا» وإن شئت كان رفعاً أي هم الذين، أو نصباً على المدح. {رَبَّنَآ} أي يا ربنا. {إِنَّنَآ آمَنَّا} أي صدّقنا. {فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} دعاء بالمغفرة. {وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ} تقدّم في البقرة. {ٱلصَّابِرِينَ} يعني عن المعاصي والشهوات، وقيل: على الطاعات. {وَٱلصَّادِقِينَ} أي في الأفعال والأقوال {وَٱلْقَانِتِينَ} الطائعين. {وَٱلْمُنْفِقِينَ} يعني في سبيل الله. وقد تقدّم في البقرة هذه المعاني على الكمال. ففسر تعالى في هذه الآية أحوال المتقين الموعودين بالجنات. وٱختلف في معنى قوله تعالى: {وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ} فقال أنس بن مالك: هم السائلون المغفرة. قتادة: المصَلّون. قلت: ولا تناقض، فإنهم يصلون ويستغفرون. وخص السّحَر بالذكر لأنه مظانّ القبول ووقت إجابة الدعاء. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في تفسير قوله تعالى مخبراً عن يعقوب عليه السلام لبنيه: {أية : سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيۤ}تفسير : [يوسف: 98]: «إنه أخّر ذلك إلى السحر» خرّجه الترمذيّ وسيأتي. وسأل النبيّ صلى الله عليه وسلم جبريل «أيّ الليل أسمع»؟ فقال: «لا أدري غير أنّ العرش يهتزّ عند السحر». يقال سحر وسحر، بفتح الحاء وسكونها، وقال الزجاج: السحر من حين يدبر الليل إلى أن يطلع الفجر الثاني، وقال ٱبن زيد: السحر هو سدس الليل الآخر. قلت: أصح من هذا ما روى الأئمة عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ينزِل الله عز وجل إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يمضي ثلث الليل الأوّل فيقول أنا المِلك أنا المِلك من ذا الذي يدعوني فأستجيب له من ذا الذي يسألني فأعطيه من ذا الذي يستغفرني فأغفِر له فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر»تفسير : في رواية «حديث : حتى ينفجر الصبح»تفسير : لفظ مسلم. وقد ٱختلف في تأويله؛ وأُولى ما قيل فيه ما جاء في كتاب النَّسائيّ مفسَّراً عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنّ الله عز وجل يمهِل حتى يمضي شطرُ الليل الأوّل ثم يأمر منادياً فيقول هل من داعٍ يُستجاب له هل من مستغفِر يغفر له هل من سائل يُعطى»تفسير : . صححه أبو محمد عبد الحق، وهو يرفع الإشكال ويوضح كل ٱحتمال، وأنّ الأوّل من باب حذف المضاف، أي ينزل ملَكُ ربنا فيقول. وقد روي «يُنزَل» بضم الياء، وهو يبيّن ما ذكرنا، وبالله توفيقنا. وقد أتينا على ذكره في «الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفاته العلى». مسألة: الاستغفار مندوبٌ إليه، وقد أثنى الله تعالى على المستغفرين في هذه الآية وغيرها فقال: {أية : وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} تفسير : [الذاريات: 18]. وقال أنس بن مالك: أُمِرنا أن نستغفر بالسحر سبعين استغفارة. وقال سفيان الثورِيّ: بلغني أنه إذا كان أوّل الليل نادى منادٍ لِيقِم القانتون فيقومون كذلك يُصلّون إلى السحر، فإذا كان عند السحر نادى مناد: أين المستغفرون فيستغفر أُولئك، ويقوم آخرون فيصلون فيلحقون بهم. فإذا طلع الفجر نادى منادٍ: ألا ليقم الغافلون فيقومون من فرِشهم كالموتى نُشِروا من قبورهم. وروى عن أنس سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الله يقول إني لأهمّ بعذاب أهل الأرض فإذا نظرت إلى عُمّار بيوتي وإلى المتحابّين فيّ وإلى المتهجدين والمستغفرين بالأسحار صرفت عنهم العذاب بهم»تفسير : . قال مكحول: إذا كان في أُمّة خمسة عشر رجلاً يستغفرون الله كل يوم خمساً وعشرين مرة لم يؤاخذ الله تلك الأُمة بعذاب العامّة. ذكره أبو نعيم في كتاب الحِلية له. وقال نافع: كان ٱبن عمر يحيي الليل ثم يقول: يا نافع أسحرنا؟ فأقول لا. فيعاود الصلاة ثم يسأل، فإذا قلت نعم قعد يستغفر. وروى إبراهيم بن حاطِب عن أبيه قال: سمعت رجلاً في السحر في ناحية المسجد يقول: يا ربّ، أمرتني فأطعتك، وهذا سحرٌ فٱغفر لي. فنظرت فإذا (هو) ٱبن مسعود. قلت: فهذا كله يدل على أنه ٱستغفار باللسان مع حضور القلب، لا ما قال ٱبن زيد أن المراد بالمستغفرين الذين يصلون صلاة الصبح في جماعة. والله أعلم. وقال لقمان لابنه: «يا بنيّ لا يكنِ الدِّيك أكيسَ منك، ينادِي بالأسحار وأنت نائم». والمختار من لفظ الاستغفار ما رواه البخاري عن شدّاد بن أوس، وليس له في الجامع غيره، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «سيد الاستغفار أن تقول اللهم أنت ربّي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدِك ما ٱستطعت أعوذ بك من شر ما صنعتُ أَبُوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي فٱغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ـ قال ـ ومَنْ قالها من النهار مُوقِناً بها فمات من يومه قبل أن يمسِي فهو من أهل الجنة ومن قالها من الليل وهو مُوقن بها فمات من ليلة قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة». وروى أبو محمد عبد الغنيّ بن سعيد من حديث ٱبن لَهِيعَةَ عن أبي صخر عن أبي معاوية عن سعيد بن جُبَيْر عن أبي الصَّهْباء البكريّ عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيد عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه ثم قال: «حديث : ألا أُعَلِّمك كلماتٍ تقولهنّ لو كانت ذنوبك كَمَدبِّ النمل ـ أو كَمَدبّ الذّرّ ـ لغفرها الله لك على أنه مغفور لك: اللهم لا إلۤه إلا أنت سبحانك عملتُ سوءاً وظلمتُ نفسي فٱغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت».
البيضاوي
تفسير : {ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا ءَامَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ} صفة للمتقين، أو للعباد، أو مدح منصوب أو مرفوع. وفي ترتيب السؤال على مجرد الإِيمان دليل على أنه كاف في استحقاق المغفرة أو الاستعداد لها.
ابن كثير
تفسير : يصف تبارك وتعالى عباده المتقين الذين وعدهم الثواب الجزيل، فقال تعالى: {ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ ءَامَنَّا} أي: بك وبكتابك وبرسولك، {فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} أي: بإيماننا بك، وبما شرعته لنا، فاغفر لنا ذنوبنا وتقصيرنا من أمرنا بفضلك ورحمتك، {وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ} ثم قال تعالى: {ٱلصَّـٰبِرِينَ} أي: في قيامهم بالطاعات، وتركهم المحرمات، {وَٱلصَّـٰدِقِينَ} فيما أخبروا به من إيمانهم بما يلتزمونه من الأعمال الشاقة، {وَٱلْقَـٰنِتِينَ} والقنوت: الطاعة والخضوع {وَٱلْمُنفِقِينَ} أي: من أموالهم في جميع ما أمروا به من الطاعات، وصلة الأرحام والقرابات، وسد الخلات، ومواساة ذوي الحاجات {وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ} دَلَّ على فضيلة الاستغفار وقت الأسحار، وقد قيل: إن يعقوب عليه السلام، لما قال لبنيه: {أية : سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّىۤ}تفسير : [يوسف: 98] إنه أخرهم إلى وقت السحر. وثبت في الصحيحين وغيرهما من المساند والسنن من غير وجه عن جماعة من الصحابة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ينزل الله تبارك وتعالى في كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟»تفسير : الحديث، وقد أفرد الحافظ أبو الحسن الدارقطني في ذلك جزءاً على حدة، فرواه من طرق متعددة، وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها، قالت: «حديث : من كل الليل قد أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أوله وأوسطه وآخره، فانتهى وتره إلى السحر»تفسير : ، وكان عبد الله بن عمر يصلي من الليل، ثم يقول: يا نافع، هل جاء السحر؟ فإذا قال: نعم، أقبل على الدعاء والاستغفار حتى يصبح، رواه ابن أبي حاتم، وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي عن حريث بن أبي مطر، عن إبراهيم بن حاطب، عن أبيه، قال: سمعت رجلاً في السحر في ناحية المسجد وهو يقول: يا رب أمرتني فأطعتك، وهذا السحر فاغفر لي، فنظرت، فإذا هو ابن مسعود رضي الله عنه. وروى ابن مردويه عن أنس بن مالك قال: كنا نؤمر إذا صلينا من الليل أن نستغفر في آخر السحر سبعين مرة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱلَّذِينَ } نعت أو بدل من (الذين) قبله {يَقُولُونَ } يا {رَبَّنَا إِنَّنَا ءامَنَّا } صدّقنا بك وبرسولك {فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {الصَّابِرِينَ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: الصابرين عما نهوا عنه من المعاصي. والثاني: يعني في المصائب. والثالث: الصائمين. ويحتمل رابعاً: الصابرين عما زُيِّن للناس من حب الشهوات. {وَالصَّادِقِينَ} فيه وجهان: أحدهما: في قولهم. والثاني في القول والفعل والنيَّة، والصدق في القول: الإخبار بالحق، والصدق في الفعل: إتمام العمل، والصدق في النية: إمضاء العزم. {وَالْقَانِتِينَ} فيه تأويلان: أحدهما: يعني المطيعين، قاله قتادة. والثاني: معناه القائمون على العبادة، قاله الزجاج. {والْمُنفِقِينَ} فيه تأويلان: أحدهما: في الجهاد. والثاني: في جميع البِرِّ. {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بالأْسْحَارِ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها يعني المصلين بالأسحار، قاله قتادة. والثاني: أنهم المستغفرون قولاً بالأسحار يسألون الله تعالى المغفرة، قاله ابن عمر، وابن مسعود وأنس بن مالك. والثالث: أنهم يشهدون الصبح في جماعة، قاله زيد بن أسلم. والسحر من الليل هو قبيل الفجر.
ابن عطية
تفسير : {الذين} بدل من {أية : الذين اتقوا} تفسير : [آل عمران: 15]، فسر في هذه الآية أحوال المتقين الموعودين بالجنات، ويحتمل أن يكون إعراب قوله: {الذين} في هذه الآية على القطع وإضمار الابتداء ويحتاج إلى القطع وإضمار فعل في قوله: {الصابرين} والخفض في ذلك كله على البدل أوجه. ويجوز في {الذين}، وما بعده النصب على المدح؟ والصبر في هذه الآية معناه على الطاعات وعلى المعاصي والشهوات، والصدق معناه في الأقوال والأفعال، والقنوت، الطاعة والدعاء أيضاً وبكل ذلك يتصف المتقي، والإنفاق معناه في سبيل الله ومظان الأجر كالصلة للرحم وغيرها، ولا يختص هذا الإنفاق بالزكاة المفروضة، والاستغفار طلب المغفرة من الله تعالى، وخص تعالى السحر لما فسر النبي صلى الله عليه وسلم في قوله، ينزل ربنا عز وجل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول، من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر. وروي في تفسير قول يعقوب عليه السلام: سوف أستغفر لكم ربي، أنه أخر الأمر إلى السحر، وروى إبراهيم بن حاطب عن أبيه قال: سمعت رجلاً في السحر في ناحية المسجد يقول: رب أمرتني فأطعتك، وهذا سحر فاغفر لي، فنظرت فإذا ابن مسعود، وقال أنس بن مالك: أمرنا أن نستغفر بالسحر سبعين استغفارة، وقال نافع: كان ابن عمر يحيي الليل صلاة ثم يقول: يا نافع آسحرنا؟ فأقول -لا- فيعاود الصلاة ثم يسأل، فإذا قلت نعم قعد يستغفر، فلفظ الآية إنما يعطي طلب المغفرة، وهكذا تأوله من ذكرناه من الصحابة، وقال قتادة: المراد بالآية المصلون بالسحر، وقال زيد بن أسلم: المراد بها الذين يصلون صلاة الصبح في جماعة وهذا كله يقترن به الاستغفار، والسحر والسحر، بفتح الحاء وسكونها آخر الليل، قال الزجاج وغيره: هو قبل طلوع الفجر، وهذا صحيح لأن ما بعده الفجر هو من اليوم لا من الليلة، وقال بعض اللغوين: السحر من ثلث الليل الآخر إلى الفجر. قال الفقيه الإمام: والحديث في التنزل هذه الآية في الاستغفار يؤيدان هذا، وقد يجيء في أشعار العرب ما يقتضي أن حكم السحر يستمر فيما بعد الفجر نحو قول امرىء القيس: [المتقارب] شعر : يَعُلُّ بهِ بَرْدَ أنْيابِها إذا غَرَّدَ الطَّائِرُ المُسْتَحِرْ تفسير : يقال: أسحر واستحر إذا دخل في السحر، وكذلك قولهم: نسيم السحر، يقع لما بعد الفجر، وكذلك قول الشاعر: [ربيع بن زياد] شعر : تجد النساء حواسراً يندبنه قد قمن قبل تبلج الأسحار تفسير : فقد قضى أن السحر يتبلج بطلوع الفجر، ولكن حقيقة السحر في هذه الأحكام الشرعية من الاستغفار المحمود، ومن سحور الصائم، ومن يمين لو وقعت إنما هي من ثلث الليل الباقي إلى السحر.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {الذين يقولون ربنا إننا آمنا} أي صدقنا {فاغفر لنا ذنوبنا} أي استر علينا وتجاوز عنا {وقنا عذاب النار}. قوله عز وجل: {الصابرين} يعني على أداء الواجبات وعن المحرمات والمنهيات، وفي البأساء والضراء وحين البأس. وقيل: الصابرين على دينهم وما أصابهم {والصادقين} يعني في إيمانهم. وقال قتادة: هم قوم صدقت نياتهم واستقامت ألسنتهم وقلوبهم في السر والعلانية والصدق يكون في القول والأفعال والنية، فأما صدق الفعل فهو مجانبة الكذب والصدق في الفعل هو عدم الانصراف عنه قبل إتمامه، والصدق في النية العزم على الفعل حتى يبلغه. {والقانتين} يعني المطيعين لله وقيل لهم المصلون، وهو عبارة عن دوام الطاعة والمواظبة عليها {والمنفقين} يعني أموالهم في طاعة الله تعالى، ويدخل فيه نفقة الرجل على نفسه وعلى أهله وأقاربه وصلة رحمه، والزكاة والنفقة في جميع القربات {والمستغفرين بالأسحار} يعني المصلين بالسحر وهو الوقت بعد ظلمة الليل إلى طلوع الفجر، وقيل كانوا يصلون بالليل حتى إذا كان وقت السحر أخذوا في الدعاء والاستغفار فكان هذا دأبهم في ليلهم. قال نافع: كان ابن عمر يحيي الليل ثم يقول: يا نافع أسحرنا؟ فأقول: لا فيعاود الصلاة فإذا قلت نعم قعد يستغفر ويدعو حتى يصلي الصبح. (ق) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : قال: ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى الثلث الأخير فيقول: من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له"تفسير : . وفي لفظ مسلم فيقول:حديث : أنا الملك أنا الملك من ذا الذي يدعوني تفسير : الحديث وله في رواية أخرى فيقول: حديث : هل من سائل؟ فيعطى هل من داع فيستجاب له؟ هل من مستغفر فيغفر له حتى ينفجر الصبح؟"تفسير : هذا الحديث من أحاديث الصفات وللعلماء فيه وفي أمثاله مذهبان معروفان مذهب السلف الإيمان به وإجراءه على ظاهره ونفي الكيفية عنه، والمذهب الثاني هو مذهب من يتأول أحاديث الصفات. قال أبو سليمان الخطابي: إنما ينكر هذا الحديث من يقيس الأمور على ما يشاهده من النزول الذي هو تدل على من أعلى إلى أسفل، وانتقال من فوق إلى تحت وهذا صفة الأجسام، فأما نزول من لا تستولي عليه صفات الأجسام فإن هذه المعاني غير متوهمة فيه، وإنما هو خبر عن قدرته ورأفته بعباده وعطفه عليهم واستجابته دعاءهم، ومغفرته لهم يفعل ما يشاء لا يتوجه على صفاته كيفية ولا على أفعاله كمية سبحانه ليس كمثله دعاءهم، ومغفرته لهم يفعل ما يشاء لا يتوجه على صفاته كيفية ولا على أفعاله كمية سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وقيل في قوله: والمستغفرين بالأسحار وصف الله تعالى هؤلاء بما وصف ثم بين أنهم مع ذلك لشدة خوفهم ووجلهم أنهم يستغفرون بالأسحار. وروي أن لقمان قال لابنه: يا بني لا تكن أعجز من الديك فإنه يصوت بالأسحار وأنت نائم الجنة.
البقاعي
تفسير : ولما أخبر سبحانه وتعالى بأنه بصير بمن يستحق ما أعد من الفوز أتبعه ما استحقوا ذلك به من الأوصاف تفضلاً منه عليهم بها وبإيجاب ذلك على نفسه حثاً لهم على التخلق بتلك الأوصاف فقال: - وقال الحرالي: لما وصف تعالى قلوبهم بالتقوى وبرأهم من الاستغناء بشيء من دونه وصف أدبهم في المقال فقال؛ انتهى - {الذين يقولون ربنا} أي يا من ربانا بإحسانه وعاد علينا بفضله، وأسقط أداة النداء إشعاراً بما لهم من القرب لأنهم في حضرة المراقبة؛ ولما كانت أحوالهم في تقصيرها عن أن يقدر الله حق قدره كأنها أحوال من لم يؤمن اقتضى المقام التأكيد فقالوا: {إننا} فأثبتوا النون إبلاغاً فيه {آمنا} أي بما دعوتنا إليه، وأظهروا هذا المعنى بقولهم: {فاغفر لنا ذنوبنا} أي فإننا عاجزون عن دفعها ورفع الهمم عن مواقعتها وإن اجتهدنا لما جبلنا عليه من الضعف والنقص، تنبيهاً منه تعالىعلى أن مثل ذلك لا يقدح في التقوى إذا هدم بالتوبة لأنه ما أصر من استغفر، والتوبة تجب ما قبلها. قال الحرالي: وبين المغفرة على مجرد الإيمان إشارة إلى أنه لا تغيرها الأفعال، من ترتب إيمانه على تقوى غفرت ذنوبه، فكانت مغفرة الذنوب لأهل هذا الأدب في مقابلة الذين آخذهم الله بذنوبهم من الذين كذبوا، ففي شمول ذكر الذنوب في الصنفين إعلام بإجراء قدر الذنوب على الجميع، فما كان منها مع التكذيب أخذ به، وما كان منها مع التقوى والإيمان غفر له - انتهى. ولما رتب سبحانه وتعالى الغفران على التقوى ابتداء رتب عليها الوقاية انتهاء فقال: {وقنا عذاب النار} أي الذي استحققناه بسوء أعمالنا. قال الحرالي: ولما وصف تقوى قلوبهم باطناً وأدب مقالهم ظاهراً وصف لهم أحوال أنفسهم ليتطابق ظاهر أمرهم بمتوسطه وباطنه فقال: {الصابرين} فوصفهم بالصبر إشعاراً بما ينالهم من سجن الدنيا وشدائدها، والصبر أمدح أوصاف النفس، به تنحبس عن هواها وعما زين من الشهوات المذكورة بما تحقق من الإيمان بالغيب الموجب لترك الدنيا للآخرة فصبروا عن الشهوات؛ أما النساء فبالاقتصار على ما ملكوه وأما البنون فبمراعاة أن ما تقدم خير مما تأخر، قال صلى الله عليه وسلم - يعني فيما رواه ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه "حديث : لسقط أقدمه بين يدي أحب إليَّ من فارس أخلفه خلفي"تفسير : وأما الذهب والفضة فبالنظر إليها أصناماً يضر موجودها، وبالحري أن ينال منها السلامة بنفقة لا يكاد يصل إنفاقها إلى أن يكون كفارة كسبها وجمعها، فكان الصبر عنها أهون من التخلص منها؛ وأما الخيل فلما يصحبها من التعزز الممد لخيلاء النفس الذي هو أشد ما على النفس أن تخرج عن زهوها وخيلائها إلى احتمال الضيم والسكون بحب الذل، يقال: إنه آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الرئاسة؛ وأما الأنعام فبالاقتصار منها على قدر الكفاف، لأن كل مستزيد تمولاً من الدنيا زائداً على كفاف منه من مسكن أو ملبس أو مركب أو مال فهو محجر على من سواه من عباد الله ذلك الفضل الذي هم أحق به منه، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لنا غنم مائة لا نريد أن تزيد " تفسير : الحديث {أية : وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم} تفسير : [الحجر:21]؛ وأما الحرث فبالاقتصار منه على قدر الكفاية لما يكون راتباً للإلزام ومرصداً للنوائب ومخرجاً للبذر، فإن أعطاه الله فضلاً أخرجه بوجه من وجوه الإخراج ولو بالبيع، ولا يمسكه متمولاً لقلبه إلى غيره من الأعيان فيكون محتكراً، قال عليه الصلاة والسلام كما أخرجه أحمد وأبو يعلى عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما " حديث : من احتكر أربعين يوماً فقد برىء من الله وبرىء الله منه" تفسير : . فبذلك يتحقق الصبر بحبس النفس عما زين للناس من التمولات من الدنيا الزائدة على الكفاف التي هي حظ من لا خلاق له في الآخرة، ولذلك يحق أن تكون هذه الكلمات معربة بالنصب مدحاً، لأن الصفات المتبعة للمدح حليتها النصب في لسان العرب، وإنما يتبع في الإعراب ما كان لرفع لبس أو تخصيص - انتهى. ولما كان سن التقوى فوق سن الإيمان عطف أمداحهم كلها بالواو إيذاناً بكمالهم في كل وصف منها وتمكنهم فيءه بخلاف ما في آية براءة على ما سيأتي إن شاء الله تعالى فقال: {والصادقين} قال الحرالي: في عطف الصفات ما يؤذن بكمال الوصف لأن العرب تعطفها إذا كملت وتتبع بعضها بعضاً إذا تركبت والتأمت، يعني مثل: الرمان حلو حامض - إذا كان غير صادق الحلاوة ولا الحموضة، ففي العطف إشعار بكمال صبرهم عن العاجلة على ما عينه حكم النظم، في الآية السابقة، ومن شأن الصابر عن الدنيا الصدق، لأن أكثر المداهنة والمراءاة إنما ألجأ إليها التسبب إلى كسب الدنيا، فإذا رغب عنها لم يحمله على ترك الصدق حامل, قيتحقق به فيصدق في جميع أموره, والصدق مطابقة أقواله وأفعاله لباطن حاله في نفسه وعرفان قلبه - انتهى {والقانتين} أي المخلصين لله في جميع أمورهم الدائمين عليه. ولما ذكر سبحانه وتعالى العمل الحامل عليه خوف الحق ورجاؤه أتبعه ما الحامل عليه ذلك مع الشفقة على الخلق، لأن من أكرم المنتمي إليك فقد بالغ في إكرامك فقال: {والمنفقين} أي ما رزقهم الله سبحانه وتعالى في كل ما يرضيه، فإنه لا قوام لشيء من الطاعات إلا بالنفقة. قال الحرالي: فيه إشعار بأن من صبر نوّل، ومن صدق أعلى، ومن قنت جل وعظم قدره، فنوله الله ما يكون له منفقاً، والمنفق أعلى حالاً من المزكي، لأن المزكي يخرج ما وجب عليه فرضاً، والمنفق يجود بما في يده فضلاً - انتهى. ولما ذكر هذه الأعمال الزاكية الجامعة العالية أتبعها الإشارة إلى أن الاعتراف بالعجز عن الوفاء بالواجب هو العمدة في الخلاص: {والمستغفرين} أي من نقائصهم مع هذه الأفعال والأحوال التي هي نهاية ما يصل إليه الخلق من الكمال {بالأسحار *} التي هي أشق الأوقات استيقاظاً عليهم، وأحبها راحة لديهم، وأولاها بصفات القلوب، وأقربها إلى الإجابة المعبر عنها في الأحاديث بالنزول كما يأتي بيانه في آية التهجد في سورة الإسراء. قال الحرالي: وهو جمع سحر، وأصل معناه التعلل عن الشيء بما يقاربه ويدانيه ويكون منه بوجه ما، فالوقت من الليل الذي يتعلل فيه بدنو الصباح هو السحر، ومنه السحور، تعلل عن الغداء؛ ثم قال: وفي إفهامه تهجدهم في الليل كما قال سبحانه وتعالى: {أية : كانوا قليلاً من الّيل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون}تفسير : [الذاريات: 17، 18] فهم يستغفرون من حسناتهم كما يستغفر أهل السيئات من سيئاتهم تبرؤاً من دعوى الأفعال ورؤية الأعمال التئاماً بصدق قولهم في الابتداء: {ربنا إننا آمنا} وكمال الإيمان بالقدر خيره وشره، فباجتماع هذه الأوصاف السبعة من التقوى والإيمان والصبر والصدق والقنوت والإنفاق والاستغفار كانت الآخرة خيراً لهم من الدنيا وما فيها، وقد بان بهذا محكم آيات الخلق من متشابهها بعد الإعلام بمحكم آيات الأمر ومتشابهها، فتم بذلك منزل الفرقان في آيات الوحي المسموع والكون المشهود - انتهى. ولعله سبحانه وتعالى أشار بهذه الصفات الخمس المتعاطفة إلى دعائم الإسلام الخمس، فأشار بالصبر إلى الإيمان، وبالصدق إلى الزكاة المصدقة لدعواه، وبالقنوت الذي مدار مادته على الإخلاص إلى الصلاة التي هي محل المراقبة، وبالإنفاق إلى الحج الذي أعظم مقوماته المال، وبالاستغفار إلى الصيام الذي مبناه التخلي من أحوال البشر والتحلي بحلية الملك لا سيما في القيام ولا سيما في السحر؛ وسر ترتيبها أنه لما ذكر ما بين العبد والخالق في التوحيد الذي هو العدول أتبعه ما بينه وبين الخلائق في الإحسان، ولما ذكر عبادة القلب والمال ذكر عبادة البدن الدالة على الإخلاص في الإيمان، ولما ذكر عبادة البدن مجرداً بعد عبادة المال مجرداً ذكر عبادة ظاهرة مركبة منهما، شعارها تعرية الظاهر، ثم أتبعه عبادة بدنية خفية، عمادها تعرية الباطن، فختم بمثل ما بدأ به، وهو ما لا يطلع عليه حق الاطلاع إلا الله سبحانه وتعالى. ولما أخبر سبحانه وتعال بوحدانيته في أول السورة واستدل عليها وأخبر عما أعد للكافرين واستدل عليه بما دل على الوحدانية وختم بالإخبار بما أعد للمتقين مما جر إلى ذكره تعالى بما يقتضي الوحدانية أيضاً من الأوصاف المبنية على الإيمان أنتج ذلك ثبوتها ثبوتاً لا مرية فيه، فكرر تعالى هذه النتيجة على وجه أضخم من الماضي كما اقتضته الأدلة فقال - وقال الحرالي: لما أنهى تعالى الفرقان نهايته ببيان المحكمين والمتشابهين في الوحي والكون انتظمت هذه الشهادة التي هي أعظم شهادة في كتاب الله بآية القيومية التي هي أعظم آية الوجود لينتظم آية الشهود بآية الوجود، انتهى. فقال سبحانه وتعالى: {شهد الله} أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له {أنه} قال الحرالي: فأعاد بالإضمار ليكون الشاهد والمشهود له {لا إله إلا هو} فأعاد بالهوية لمعنى الوحدانية في الشهادة ولم يقل: إلا الله، لما يشعر به تكرار الاسم في محل الإضمار من التنزل العلي - انتهى. والمعنى أنه سبحانه وتعالى فعل فعل الشاهد في إخباره عما يعلم حقيقته بلفظ الشهادة جرياً على عادة الكبراء إذا رأوا تقاعس أتباعهم عما يأمرون به من المهمات في تعاغطيهم له بأنفسهم تنبيهاً على أن الخطب قد فدح والأمر قد تفاقم، فيتساقط حينئذ إليه الأتباع ولو أن فيه الهلاك تساقط الذباب في أحلى الشراب، وإلى ذلك ينظر قول وفد ثقيف: ما لمحمد يأمرنا بأن نشهد له بالرسالة ولا يشهد هو لنفسه! فكان صلى الله عليه وسلم بعد لا يخطب خطبة إلا شهد لنفسه الشريفة صلى الله عليه وسلم الشهادة لله فيها بالرسالة، فكأنه قيل: إن ربكم الذي أسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة قد نصب لكم الأدلة بخلق ما خلق على تفرده بحيث انتفى كل ريب فكان ذلك أعظم شهادة منه سبحانه لنفسه، وإليه أومأ من قال: شعر : ولله في كـل تحريـكــة وتسكينـة أبــداً شاهـد وفي كل شـيء له آيـة تـدل علـى أنــه واحــد تفسير : ثم شهد بذلك لنفسه بكلامه جمعاً بين آيتي السمع والبصر فلم يبق لكم عذراً. قال الحرالي: وهذه الشهادة التي هي من الله لله هي الشهادة التي إليها قصد القاصدون وسلك السالكون وإليه انتهت الإشارة، وعندها وقفت العبارة، وهي أنهى المقامات وأعظم الشهادات، فمن شهد بها فقد شهد شهادة ليس وراءها مرمى، ومن شهد بما دونها كانت شهادته مشهوداً عليها لا شهادة، يؤثر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يوم الجمعة وهو قائم بعرفة منذ كان وقت العصر إلى أن غربت الشمس في حجته التي كمل بها الدين وتمت بها النعمة يقول هذه الآية لا يزيد عليها، فأي عبد شهد لله بهذه الشهادة التي هي شهادة الله لله سبحانه وتعالى بالوحدانية فقد كملت شهادته، وأتم الله سبحانه وتعالى النعمة عليه، وهي سر كل شهادة من دونها، وهي آية علن التوحيد الذي هو منتهى المقامات وغاية الدرجات في الوصول إلى محل الشهود الذي منه النفوذ إلى الموجود بمقتضى الأعظمية التي في الآية الفاتحة - انتهى. ولما أخبر سبحانه وتعالى عن نفسه المقدسة أخبر عمن يعتد به من خلقه فقال مقدماً لأن المقام للعلم لمن هم أعلم به سبحانه وتعالى ممن أطلعهم من الملك والملكوت على ما لم يطلع عليه الإنسان ولا شاغل لهم من شهوة ولا حظ ولا فتور: {والملائكة} أي العباد المقربون المصفون من أدناس البشر، الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. ولما خص أهل السماوات عم فقال: {وأولوا العلم} وهم الذين عرفوه بالأدلة القاطعة ففعلوا ما فعل العظيم من الشهادات ليكون ذلك أدعى لغيرهم إليه وأحث عليه، ولما كانت الشهادة قد تكون على غير وجه العدل نفى ذلك بقوله: {قائماً} وأفرد ليفهم أنه حال كل من المذكورين لا المجموع بقيد الجمع، ويجوز - وهو الأقرب - أن يكون حالاً من الاسم الشريف إشارة إلى أنه ما وحد الله سبحانه وتعالى حق توحيده غيره، لأنه لا يحيط به أحد علماً. وقال الحرالي: أفرد القيام فاندرج من ذكر من الملائكة وأولي العلم في هذا القيام إفهاماً، كما اندرجوا في الشهادة إفصاحاً، فكان في إشعاره أن الملائكة وأولي العلم لا يقاد منهم فيما يجريه الله سبحانه وتعالى على أيديهم، لأن أمرهم قائم بالقسط من الله، يذكر أن عظيم عاد لما كشف له عن الملائكة في يوم النقمة قال لهود عليه الصلاة والسلام: يا هود! ما هذا الذي أراهم في السحاب كأنهم البخاتي؟ فقال: ملائكة ربي، فقال له: أرأيت إن آمنت بالهك أيقيدني منهم بمن قتلوا من قومي؟ قال: ويحك! وهل رأيت ملكاً يقيد من جنده - انتهى. {بالقسط} أي العدل السواء الذي لا حيف فيه أصلاً بوجه من الوجوه، وقد ثبت بهذه الشهادة على هذا الوجه أن التوحيد في نفس الأمر على ما وقعت به الشهادة، ويجوز أن يراد مع ذلك أن قيامه بالعدل فعله في خلقه فإنه عدل وإن كان من بعضهم إلى بعض ظلماً، فإنه تصرف منه سبحانه في ملكه الذي لا شائبة لأحد فيه، فهو إذا نسب إليه كان عدلاً، لأنه فعله بالحكمة، وإذا نسب إلى الظالم كان ظلماً، لأنه فعله لحظه لا للحكمة فلذلك قال على طريق الاستنتاج والتعليل للقيام بالقسط والتلقين للعباد لأن يقولوها بعد ثبوتها بما تقدم وأن يكرروها دائماً أبداً: {لا إله إلا هو} وقال الحرالي: كرر هذا التهليل لأنه في مرتبة القسط الفعلي، لأن التهليل الأول في مرتبة الشهادة العلمية فاستوفى التهليلان جميع البادي علماً وفعلاً - انتهى. وأتبعه سبحانه وتعالى بقوله: {العزيز الحكيم *} دليلاً على قسطه، لأنه لا يصح أبداً لذي العزة الكاملة والحكمة الشاملة أن يتصرف بجور، وعلى وحدانيته، لأنه لا يصح التفرد بدون الوصفين وليسا على الإطلاق لأحد غيره أصلاً، ولما كانت الآيات كلها في الإيقاع بالكافرين قدم الوصف الملائم لذلك. قال الحرالي: وقسط الله هو إخفاء عدله في دار الدنيا من حيث إنه خفض ورفع، يعادل خفضه رفعه ورفعه خفضه، فيؤول إلى عدل، ويراه بذلك في حال تفاوته كل ذي لب بما أنه عزيز يظهر عزته فيما يرفع، حكيم يخفي معنى حكمه فيما يخفض، فكل ما هو باد من الخلق جود فهو من الله سبحانه وتعالى قسط، طيته عدل، سره سواء، فيظهر عزته فيما حكم انتقاماً وحكمته في الموازنة بين الأعمال والجزاء عدلاً - انتهى. ولما كان ذلك علم أنه يجب أن تخضع له الرقاب ويخلص له التوحيد جميع الألباب وذلك هو الإسلام فقال معللاً للشهادة منهم بالعدل - وقراءة الكسائي بالفتح أظهر في التعليل: {إن الدين} واصله الجزاء، أطلق هنا على الشريعة لأنها مسببة {عند الله} أي الملك الذي له الأمر كله {الإسلام} فاللام للعهد في هذه الشهادة فإنها أس لكل طاعة، فلأجل أن الدين عنده هذا شهدوا له هذه الشهادة المقتضية لنهاية الإذعان. ولما كان ذلك مصرحاً بأنه لا دين عنده غيره كان كأن قائلاً قال: فكان يجب أن يعلم بذلك الأنيباء الماضون والأمم السالفون ليلزموه ويلزموه أتباعهم! فقيل: قد فعل ذلك، فقيل: فما لهم لم يلزموه؟ فقيل: قد لزموه مدة مديدة {وما} ويجوز وهو أحسن أن يكون التقدير: بين الله سبحانه وتعالى بشهادته ما يرضيه بآياته المرئية ثم أوضحة غاية الإيضاح بآياته المسموعة بكتبه وما {اختلف الذين أوتوا الكتاب} هذا الاختلاف الذي ترونه {إلا من بعد ما جاءهم العلم} بذلك كله، وما كان اختلافهم لجهلهم بذلك بل {بغياً} واقعاً {بينهم} لا بينهم وبين غيرهم، بل من بعضهم على بعض للحسد والتنافس في الدنيا لشبه أبدوها ودعاو ادعوها، طال بينهم فيها النزاع وعظم الدفاع، والله سبحانه وتعالى عالم بكشفها، قادر على صرفها. قال الحرالي: والبغي السعي بالقول والفعل في إزالة نعم أنعم الله تعالى بها على خلق بما اشتملت عليه ضمائر الباغي من الحسد له - انتهى. ولما كان التقدير: فمن استمر على الإيمان فإن الله عظيم الثواب، عطف عليه قوله: {ومن يكفر} أي يستمر على كفره ولم يقل حلماً منه: ومن كفر {بآيات الله} أي المرئيات والمسموعات الدالة على إحاطته بالكمال وقوفاً مع تلك الشبه وعمى عن الدليل فالله مهلكه عاجلاً {فإن الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ولا كفوء له {سريع} قال الحرالي: من السرعة وهي وحاء النجاز فيما شأنه الإبطاء - انتهى. ويحتمل أن يكون كنى بالسرعة عن القرب فالمعنى: قريب {الحساب *} أي عن قريب يجازيهم على كفرهم في هذه الحياة الدنيا بأيدي بعضهم وبأيدي المؤمنين، ثم ينقلون إلى حسابه سبحانه وتعالى في الدار الآخرة المقتضي لعذاب الكفرة، ويحتمل أن تكون السرعة على بابها، والمراد أنه لا يتهيأ في حسابه ما يتهيأ في حساب غيره من المغالطة المقتضية للنجاة أو المطاولة في مدة الحساب المقتضية لتأخر الجزاء في مدة المراوغة والله تعالى أعلم. ومن الكفر بالآيات الكفر بعيسى عليه الصلاة والسلام حين انتحلوا فيه الإلهية. قال الحرالي: كان آية من الله سبحانه وتعالى للهداية، فوقع عندهم بحال من كفروا به، فكان سبب كفرهم ما كان مستحقاً أن يكون سبب هداية المهتدي، وكان ذلك فيه لمحل اشتباهه لأنه اشتبه عليهم خلقه بما ظهر على يديه من آيات الله سبحانه وتعالى، وفي التعريض به إلاحة لما يقع لهذه الأمة في نحوه ممن هو مقام الهداية فوقع في طائفة موقع آية كفروا بها، كما قال عليه الصلاة والسلام في علي رضي الله تعالى عنه "حديث : مثلك يا علي كمثل عيسى ابن مريم أبغضه يهود فبهتوا أمه وأحبه النصارى فأنزلوه بالمحل الذي ليس به"تفسير : كذلك تفرقت فرق في علي رضي الله تعالى عنه من بين خارجيهم ورافضيهم انتهى.
ابو السعود
تفسير : {الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا ءَامَنَّا} في محل الرفعِ على أنه خبرُ مبتدإٍ محذوفٍ كأنه قيل: مَنْ أولئك المتقون الفائزون بهذه الكرامات السنية فقيل: هم الذين الخ أو النصبِ على المدح أو الجر على أنه تابعٌ للمتقين نعتاً أو بدلاً أو للعباد كذلك والأول أظهر، وقوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ} تفسير : [آل عمران، الآيات: 15- 20] حينئذ معترضةٌ، وتأكيد الجملة لإظهار أن إيمانهم ناشىء من وفور الرغبة وكمال النشاط، وفي ترتيب الدعاء بقولهم {فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ} على مجرد الإيمان دَلالةٌ على كفايته في استحقاق المغفرة والوقاية من النار {ٱلصَّـٰبِرِينَ} هو - على تقدير كونه الموصول في محل الرفع - منصوبٌ على المدح بإضمار أعني وأما على تقدير كونه في محل النصب أو الجر فهو نعت له، والمراد بالصبر هو الصبر على مشاقّ الطاعات وعلى البأساء والضراء وحين البأس {وَٱلصَّـٰدِقِينَ} في أقوالهم ونياتهم وعزائمِهم {وَٱلْقَـٰنِتِينَ} المداومين على الطاعات المواظبـين على العبادات {وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ} أموالَهم في سبـيل الله تعالى {وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ} قال مجاهدٌ وقَتادةُ والكلبـي: هم المصلون بالأسحار، وعن زيد بن أسلَمَ: هم الذين يصلون الصبحَ في جماعة. وقال الحسن: مدُّوا الصلاة إلى السحر ثم استغفروا. وقال نافع: كان ابن عمرَ رضي الله عنه يحيـي الليلة ثم يقول: يا نافع أسْحَرْنا؟ فأقول: لا فيعاود الصلاة فإذا قلت نعم قعد يستغفر الله ويدعو حتى يصبح، وعن الحسن: كانوا يصلون في أول الليل حتى إذا كان السحر أخذوا في الدعاء والاستغفار. وتخصيصُ الأسحار بالاستغفار لأن الدعاء فيها أقربُ إلى الإجابة إذِ العبادة حينئذ أسبقُ والنفسُ أصفى والروح أجمعُ لا سيما للمتهجّدين، وتوسيط الواو بـين الصفات المعدودة للدلالة على استقلال كلَ منها وكمالهم فيها، أو لتغايُر الموصوفين بها. {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ} بفتح الهمزة أي بأنه أو على أنه {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} أي بـيّنَ وحدانيتَه بنصب الدلائل التكوينية في الآفاق والأنفس وإنزالِ الآيات التشريعية الناطقة بذلك. عبر عنه بالشهادة على طريقة الاستعارة إيذاناً بقوته في إثبات المطلوبِ وإشعاراً بإنكار المنكر، وقرىء إنه بكسر الهمزة إما بإجراء. {شَهِدَ} مُجرى قال، وإما بجعل الجملة اعتراضاً وإيقاعِ الفعل على قوله تعالى: {أية : إِنَّ الدّينَ} تفسير : [آل عمران، الآية 19] الخ على قراءة أن بفتح الهمزة كما سيأتي وقرىء شهداءٌ لله بالنصب على أنه حال من المذكورين أو على المدح وبالرفع على أنه خبر مبتدإٍ محذوف ومآله الرفع على المدح أي هم شهداء لله وهو إما جمع شهيد كظرفاء في جمع ظريف أو جمع شاهد كشعراء في جمع شاعر. {وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ} عطف على الاسم الجليل بحمل الشهادة على معنىً مجازيّ شامل للإقرار والإيمان بطريق عموم المجاز أي أقروا بذلك {وَأُوْلُو ٱلْعِلْمِ} أي آمنوا به واحتجوا عليه بما ذكر من الأدلة التكوينية والتشريعية، قيل: المرادُ بهم الأنبـياء عليهم الصلاة والسلام وقيل: المهاجرون والأنصار وقيل: علماء مؤمني أهلِ الكتاب كعبد اللَّه بن سلام وأضرابِه وقيل: جميعُ علماء المؤمنين الذين عرفوا وحدانيته تعالى بالدلائل القاطعة، وارتفاعُهما على القراءتين الأخيرتين قيل: بالعطف على الضمير في شهداء لوقوع الفصل بـينهما وأنت خبـير بأن ذلك على قراءة النصبِ على الحالية يؤدي إلى تقيـيد حالِ المذكورين بشهادة الملائكة وأولي العلم، وليس فيه كثيرُ فائدةٍ فالوجه حينئذٍ كونُ ارتفاعِهما بالابتداء والخبرُ محذوفٌ لدلالة الكلام عليه أي والملائكة وأولو العلم شهداء ولك أن تحمل القراءتين على المدح نصباً ورفعاً فحينئذ يحسُن العطفُ على المستتر على كل حال وقوله تعالى: {قَائِمَاً بِٱلْقِسْطِ} أي مقيماً للعدل في جميع أمورِه بـيان لكماله تعالى في أفعاله إثرَ بـيانِ كماله في ذاته وانتصابُه على الحالية من {ٱللَّهِ} كما في قوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدّقًا } تفسير : [البقرة، الآية 91] وإنما جاز إفرادُه مع عدم جواز جاء زيد وعمرو راكباً لعدم اللَّبس كقوله تعالى: {أية : وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً}تفسير : [الأنبياء، الآية 72] ولعل تأخيرَه عن المعطوفين للدَلالة على علو رتبتهما وقُرب منزلتهما والمسارعةِ إلى إقامة شهودِ التوحيد اعتناءً بشأنه ورفعاً لمحله، والسرُّ في تقديمه على المعطوفين مع ما فيه من الإيذان بأصالته تعالى في الشهادة به كما مر في قوله تعالى: {أية : ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ}تفسير : [البقرة، الآية 285] أو مِنْ {هُوَ} وهو الأوجه، والعامل فيها معنى الجملة أي تفرّد، أو أُحِقّه لأنها حال مؤكدة أو على المدح وقبل على أنه صفة للمنفي أي لا إلٰه قائماً الخ والفصل بـينهما من قبـيل توسعاتهم وهو مندرج في المشهود به إذا جعل صفة أو حالاً من الضمير أو نصباً على المدح منه وقرىء القائمُ بالقسط على البدلية من {هُوَ} فيلزم الفصلُ بـينهما كما في الصفة أو على أنه خبر لمبتدإ محذوف وقرىء قيّماً بالقسط. {لا إله إِلاَّ هُوَ} تكريرٌ للتأكيد ومزيدِ الاعتناء بمعرفة أدلةِ التوحيد والحُكم به بعد إقامة الحجةِ وليجرِيَ عليه قوله تعالى: {ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ} فيُعلمَ أنه المنعوتُ بهما، ووجهُ الترتيب إذن تقدمُ العلمِ بقدرته على العلم بحكمته تعالى ورفعُهما على البدلية من الضمير أو الوصفية لفاعل شهد، أو الخبرية لمبتدأ مُضمَر وقد روي في فضلها أنه عليه السلام قال: «حديث : يُجاء بصاحبها يومَ القيامة فيقول الله عز وجل: إن لعبدي هذا عندي عهداً، وأنا أحقُّ من وفىٰ بالعهد، أدخلوا عبدي الجنة» تفسير : وهو دليل على فضل علم أصولِ الدين وشرفِ أهله، وروي عن سعيد بن جبـير أنه كان حول البـيت ثلثُمائة وستون صنماً فلما نزلت هذه الآية الكريمة خرَرْنَ سُجّداً. وقيل: نزلت في نصارى نَجرانَ. وقال الكلبـي: حديث : قدم على النبـي صلى الله عليه وسلم حَبرانِ من أحبار الشام فلما أبصرا المدينة قال أحدُهما: ما أشبه هذه المدينةَ بصفة مدينة النبـي الذي يخرُج في آخر الزمان فلما دخلا عليه عليه السلام عرفاه بصفته فقالا له عليه السلام: أنت محمدٌ؟ قال صلى الله عليه وسلم: "نعم" قالا: وأنت أحمدُ؟ قال عليه السلام: "أنا محمدٌ وأحمد" قالا: فإنا نسألك عن شيء فإن أخبرتنا به آمنا بك وصدقناك قال عليه السلام: "سلا" فقال: أخبِرْنا عن أعظم شهادةٍ في كتاب الله عز وجل فأنزل الله تعالى هذه الآية الكريمة فأسلم الرجلان.
القشيري
تفسير : أي ينقطعون إلينا بالكلية، ويتضرعون بين أيدينا بذكر المحن والرزية، أولئك ينالون منا القربة والخصوصية، والدرجات العليَّة، والقِسَم المُرضيَّة.
اسماعيل حقي
تفسير : {الذين} كأنه قيل من اولئك المتقون الفائزون الكرامات السنية فقيل هم الذين {يقولون ربنا اننا آمنا} اى صدقنا بك وبنبيك وفى ترتيب الدعاء بقولهم {فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار} على مجرد الايمان دلالة على كفايته فى استحقاق المغفرة والوقاية من النار.
الطوسي
تفسير : الاعراب: موضع الذين يحتمل ثلاثة أوجه من الاعراب الجر. والرفع، والنصب, فالجر للاتباع، للذين اتقوا والرفع على تقديرهم الذين يقولون. والنصب على المدح وتقديره أعني. اللغة: وقوله: {فاغفر لنا ذنوبنا} فالمغفرة هي الستر للذنب برفع التبعة، والذنب، والجرم بمعنى واحد وإنما الفرق بينهما من جهة الأصل، لأن أصل الذنب الاتباع، فالذنب ما يتبع عليه العبد من قبيح عمله كالتبعة والجرم أصله القطع، فالجرم القبيح الذي ينقطع به عن الواجب، والفرق بين القول، والكلام أن القول فيه معنى الحكاية وليس كذلك الكلام. المعنى: وقوله: {وقنا عذاب النار} قيل في معنى هذه المسألة قولان: أحدهما - مسألة الله ما هو من حكمه نحو قوله: {فاغفر للذين تابوا} والفائدة في هذا الدعاء التعبد بما فيه مصلحة للعباد. الثاني - مسألة الله عز وجل ما لا يجوز أن يعطيه العبد إلا بعد المسألة لأنه لا يكون لطفاً إلا بعد المسألة وعلى مذهبنا وجه حسن السؤال إن العفو تفضل من الله لا يجب عند التوبة، ويجوز أيضاً العفو مع عدم التوبة، فيكون وجه السؤال {اغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار} ان منا مصرين ولم نتب.
الجنابذي
تفسير : {ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ} بلسان حالهم او لسان قالهم فانّ المتّقى لتعلّقه بالله بسبب قبوله الولاية يضطرّ الى قول ربّنا حالاً وقالاً ولذلك جعله بياناً للّذين اتّقوا، ويجوز ان يكون مقطوعاً بالرّفع او النّصب للمدح فعلى هذا كان شأن الّذين اتّقوا ان يقولوا {رَبَّنَآ إِنَّنَآ آمَنَّا} كأنّ مقصودهم من اظهار الايمان عرض حالهم عليه تعالى لا المنّة بايمانهم فانّ عرض الحال من العباد مرغوب كما انّ المنّة بالاعمال مكروهة وتمهيد لسؤال المغفرة والحفظ من النّار {فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} فانّ ظهور الذّنوب علينا شين لنا وشين لصاحبنا {وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ} لانّ ايلامنا ايلام صاحبنا.
الهواري
تفسير : قوله: {الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا ءَامَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} أي: واصرف عنا عذاب النار. قوله: {الصَّابِرِينَ} صبروا صبراً على طاعة الله وعن محارمه {وَالصَّادِقِينَ} قال بعضهم: صدقت نياتهم واستقامت قلوبهم وألسنتهم، فصدقوا في السر والعلانية. {وَالقَانِتِينَ} وهم المطيعون لله. {وَالمُنْفِقِينَ} وهم المنفقون أموالهم في حقها. {وَالمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ} وهم أهل الصلاة. قال الحسن: هل يستوي هؤلاء والكفار؟ أي أنهم لا يستوون عند الله، يعني الذين وصفهم الله في الآية الأولى في قوله: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ}... إلى آخر الآية. ثم قال {قُلْ أَوُْنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ}، ثم ذكر هذه الأعمال الصالحة.
اطفيش
تفسير : {الَّذِينَ يَقُولونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ آمَنَّا فاَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّار}: الذين: نعت لقوله {أية : الذين اتقوا}تفسير : أو نعت للعباد، أو بدل من أحدهما، وليس فيهِ حصر علمه بهم، فضلا عن أن يضعف هذا الوجه، كما قيل، بل أخبر أنهُ يعلم العباد القائلين رَبَّنَا.. الآية، بمعنى أنه يجازيهم على قدر مشقتهم، أو مفعول لمحذوف، أى يعنى الذين يقولون، أو امدح الذين يقولون، أو خبر لمحذوف، كأنه قيل: مَنْ هؤلاء العباد؟ فقال هم الذين يقولون، ولا دليل فى طلبهم المغفرة مسببة عن الإيمان، على أن الإيمان كاف فى استحقاق المغفرة، لأنهُ قد وصفهم بعد قوله: {الصَّابِرِينَ والصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ}.
الالوسي
تفسير : {ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَآ آمَنَّا} يجوز أن يكون في محل الرفع على أنه خبر لمحذوف كأنه [قيل من] / أولئك المتقون؟ فقيل: هم الذين الخ، وأن يكون في موضع نصب على المدح، وأن يكون في حيز الجر على أنه تابع {أية : لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا}تفسير : [آل عمران: 15] نعتاً أو بدلاً، أو العباد كذلك، واعترض كونه نعتاً للعباد بأن فيه تخصيص الإبصار ببعض العباد، وفيه أن ذلك التخصيص لا يوهم الاختصاص لظهور الأمر بل يفيد الاهتمام بشأنهم ورفعة مكانهم، واعترض أيضاً كونه تابعاً للمتقين بأنه بعيد جداً لا سيما إذا جعل اللام متعلقاً ـ بخير ـ لكثرة الفواصل بين التابع والمتبوع، وأجيب بأنه لا بأس بهذا الفصل كما لا بأس بالفصل بين الممدوح والمدح إذ الصفة المادحة المقطوعة تابعة في المعنى ولهذا يلزم حذف الناصب أو المبتدأ لئلا يخرج الكلام عن صورة التبعية فالفرق بين هذه وسائر التوابع في قبح الفصل وعدمه خفي لا بد له من دليل نبيل، وفيه أن قياس التبعية لفظاً ومعنى على التبعية معنى فقط مما لا ينبغي من جاهل فضلاً عن عالم فاضل، والتزام حذف الناصب أو المبتدأ في صورة القطع للمدح أو للذم قد يقال: إنه لدفع توهم الإخبار، والمقصود الإنشاء لا لئلا يخرج الكلام عن صورة التبعية، وتأكيد الجملة لإظهار أن إيمانهم ناشىء من وفور الرغبة وكمال النشاط، وفي ترتيب طلب المغفرة في قوله تعالى: {فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ } على مجرد الإيمان دليل على كفايته في استحقاق المغفرة والوقاية من النار من غير توقف على الطاعات، والمراد من الذنوب الكبائر والصغائر.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 16- ينال هذا الجزاء أولئك الذين ملأ الإيمان قلوبهم وأعلنوا ذلك بألسنتهم فقالوا - ضارعين إلى الله -: ربنا إننا آمنا استجابة لدعوتك فاعف عن ذنوبنا، واحفظنا من عذاب النار. 17- وهم الذين يتحملون المشقة فى سبيل الطاعة وتجنب المعصية واحتمال المكروه، ويصدقون فى أقوالهم وأفعالهم ونياتهم، المداومون على الطاعة فى خشوع وضراعة، الباذلون ما يستطيعون من مال وجاه وغيره فى وجوه التأمل والتفكير فى عظمة الخالق. 18- شهد الله أنه المتفرد بالألوهية وبيَّن ذلك - بما بث فى الكون من دلائل وآيات لا ينكرها ذو عقل - وأنه واحد لا شريك له، قائم على شئون خلقه بالعدل، وأقرَّت بذلك ملائكته الأطهار، وَعَلِمَهُ أهل العلم موقنين به، وأنه - جل شأنه - المتفرد بالألوهية الذى لا يغلبه أحد على أمره، وشملت حكمته كل شئ. 19- إن الدين الحق المرضى عند الله هو الإسلام، فهو التوحيد والخضوع لله فى إخلاص، وقد اختلف كل من اليهود والنصارى فى هذا الدين فحرَّفوا وبدَّلوا ولم يكن اختلافهم عن شبهة أو جهل إذ جاءهم العلم، بل كان للتحاسد والتطاول، ومن يجحد بآيات الله فلينتظر حساب الله السريع. 20- فإن جادلك هؤلاء فى هذا الدين بعد أن أقمت لهم الحُجج، فلا تجارهم فى الجدل، وقل: أخلصت عبادتى لله - وحده - أنا ومن اتبعنى من المؤمنين، وقل لليهود والنصارى ومشركى العرب: قد بانت لكم الدلائل فأسلموا، فإن أسلموا فقد عرفوا طريق الهدى واتبعوه، وإن أعرضوا فلا تبعة عليك فى إعراضهم، فليس عليك إلا أن تبلغهم رسالة الله، والله مطلع على عباده لا يخفى عليه شئ من أحوالهم وأعمالهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنَّا} (16) - وَعِبَادُ اللهِ المُتَّقُونَ الذِينَ يَسْتَحِقُّونَ نَعِيمَ الآخِرَةِ، وَرِضْوَانَ اللهِ، هُمُ الذِينَ تَتَأَثَّرُ قُلُوبُهُمْ بِثَمَرَاتِ إِيمَانِهِمْ فَتَفِيضُ أَلْسِنَتُهُمْ بِالاعْتِرَافِ بِهَذَا الإِيمَانِ حِينَ الدُّعَاءِ وَالابْتِهَالِ إلى اللهِ فَيَقُولُونَ: رَبَّنا إنَّنا آمَنَّا بِكَ، وَبِكُتُبِكَ، وَبِرُسُلِكَ، فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنا، وَامْحُها بِفَضْلِكَ وَرَحْمَتِكَ، وَادْفَعْ عَنَّا عَذابَ النَّارِ، إنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إن قولهم: {رَبَّنَآ إِنَّنَآ آمَنَّا} [آل عمران: 16] هو أول مرتبة للدخول على باب الله، فكأن الإيمان بالله يتطلب رعاية من الذي تلقى التكليف لحركة نفسه، لأن الإيمان له حق يقتضي ذلك، كأن المؤمن يقول: أنا ببشرتي لا أستطيع أن أوفي بحق الإيمان بك، فيارب اغفر لي ما حدث لي فيه من غفلة، أو زلة، أو مِنْ كِبْر، أو من نزوة نفسي. وهذا الدعاء دليل على أنه عرف مطلوب الإيمان كما أوضحه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيانه لمعنى الإحسان حين قال: "حديث : الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ". تفسير : كأن تستحضر الله في كل عمل؛ لأنه يراك. وهل يتأتى لواحد من البشر أن يجترئ على محارم من يراه بعينه؟ حينئذ يستحضر المؤمن ما جاء إلينا من مأثور القول، كأنه سبحانه وتعالى يوجه إلينا الحديث: يا عبادي إن كنتم تعتقدون أني لا أراكم، فالخلل في إيمانكم. وإن كنتم تعتقدون أني أراكم فلم جعلتموني أهون الناظرين إليكم؟ وكأن الحق سبحانه يقول للعبد: هل أنا أقل من عبيدي؟ أتقدر أن تسيء إلى أحد وهو يراك؟ إذن فكيف تجرؤ على الإساءة لخالقك؟ إن قول المؤمنين: {إِنَّنَآ آمَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا} [آل عمران: 16] دليل على أنهم علموا أن الإيمان مطلوباته صعبة. {ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ آمَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} [آل عمران: 16]. فلنر على ماذا رتبوا غفران الذنب؟ لقد رتبوا طلب غفران الذنب على الإيمان. لماذا؟ لإنه ما دام الحق سبحانه وتعالى قد شرع التوبة، وشرع المغفرة للذنب، فهذا معناه أنه سبحانه قد علم أزلاً أن عباده قد تخونهم نفوسهم، فينحرفون عن منهج الله. ويختم الحق سبحانه الآية بقوله على ألسنة المؤمنين: {وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ} [آل عمران: 16] لأنه ساعة أن أعلم أن الحق سبحانه وتعالى ضمن لي بواسع مغفرته أن يستر عليّ الذنب، فإن العبد قد يخجل من ارتكاب الذنب، أو يسرع بالاستغفار. ولماذا لا يكون قوله {فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} [آل عمران: 16] بمعنى استرها يارب عنا فلا تأتي لنا أبداً؟ وإن جاءت فهي محل الاستغفار والتوبة. فإذا أذنبت ذنباً، واستغفرت ربي، وعلمت أن ربي قد أذن بالمغفرة؛ لأنه قال:{أية : فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً}تفسير : [نوح: 10]. فإن الوجل يمتنع، والخوف يذهب عني، وأقبل على الله بمحبة على تكاليفه وأحمل نفسي على تطبيق منهج الله كله. ولذلك حينما شرع الله الحق سبحانه وتعالى للخلق التوبة كان ذلك رحمة أخرى. وهذه الرحمة الأخرى تتجلى في المقابل والنقيض. هب أن الله لم يشرع التوبة وأذنب واحد ذنباً، وبمجرد أن أذنب ذنباً خرج من رحمة الله، فماذا يصيب المجتمع منه؟ إن كل الشرور تصيب المجتمع من هذا الإنسان لأنه فقد الأمل في نفسه، أما حينما يفتح الله له باب التوبة فإن ارتكب العبد ذنباً ساهياً عن دينه، فإنه يرجع إلى ربه. وتلك واقعية الدين الإسلامي، فليس الدين مجرد كلام يقال، ولكنه دين يقدر الواقع البشري، فإنه - سبحانه - يعلم أن العباد سيرتكبون الذنوب، فيرسم لهم أيضاً طريق الاستغفار. فإذا ما ارتكب العباد ذنوباً، فإن الحق يطلب منهم أن يتوبوا عنها. وأن يستغفروا الله. فإذا ما لذعتهم التوبة حينما يتذكر الذنب فإن هذه اللذعة كلما لذعتهم أعطاهم الله حسنة. كأن غفران الذنب شيء، والوقاية من النار شيء آخر. كيف؟ لأنه ساعة أن يعلم العبد أن الحق سبحانة وتعالى ضمن للعبد مغفرته، وهو الخالق المربي، فإن العبد يذهب إلى الله مستغفراً طامعاً في المغفرة والرحمة. إنها دعوة المؤمنين إن كانوا قد نسوا أن يستغفروا لأنفسهم. لماذا؟ لأن الاستغفار من الذنب تكليف من الله. وكما قلنا: إن الإنسان قد ينسى بعضاً من التكاليف، لذلك فمن الممكن أن يسهو عن الاستغفار، ولذا يقول الحق على ألسنة عباده المؤمنين: {وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ} [آل عمران: 16]. ومعنى التقوى أن تجعل بينك وبين النار وقاية، أو تجعل بينك وبين غضب ربك وقاية، فإذا ما أخذت النعم من الله لتصرفها في منهج الله تكون حسنة لك، وقلنا: إن "اتقوا الله" و"اتقوا النار" ملتقيتان، لأن معنى "اتقوا النار" كي لا تصيبكم بأذى، و "اتقوا الله" تعني أن نضع بيننا وبين غضب الله وقاية، لأن غضب الله سيأتي. وبعد ذلك يقول الحق: {ٱلصَّابِرِينَ وَٱلصَّادِقِينَ وَٱلْقَانِتِينَ وَٱلْمُنْفِقِينَ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):