٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
17
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: {ٱلصَّـٰبِرِينَ } قيل نصب على المدح بتقدير: أعني الصابرين، وقيل: الصابرين في موضع جر على البدل من الذين. المسألة الثانية: إعلم أنه تعالى ذكر ههنا صفات خمسة: الصفة الأولى: كونهم صابرين، والمراد كونهم صابرين في أداء الواجبات والمندوبات، وفي ترك المحظورات وكونهم صابرين في كل ما ينزل بهم من المحن والشدائد، وذلك بأن لا يجزعوا بل يكونوا راضين في قلوبهم عن الله تعالى، كما قال: {أية : ٱلَّذِينَ إِذَا أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رٰجِعونَ } تفسير : [البقرة: 156] قال سفيان بن عيينة في قوله {أية : وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ } تفسير : [السجدة: 24] إن هذه الآية تدل على أنهم إنما استحقوا تلك الدرجات العالية من الله تعالى بسبب الصبر، ويروى أنه وقف رجل على الشبلي، فقال: أي صبر أشد على الصابرين؟ فقال الصبر في الله تعالى، فقال لا، فقال: الصبر لله تعالى فقال لا فقال: الصبر مع الله تعالى، قال: لا. قال: فايش؟ قال: الصبر عن الله تعالى، فصرخ الشبلي صرخة كادت روحه تتلف. وقد كثر مدح الله تعالى للصابرين، فقال: {أية : وَٱلصَّابِرِينَ فِى ٱلْبَأْسَاء وٱلضَّرَّاء وَحِينَ ٱلْبَأْسِ }تفسير : [البقرة: 177]. الصفة الثانية: كونهم صادقين، إعلم أن لفظ الصدق قد يجري على القول والفعل والنيّة، فالصدق في القول مشهور، وهو مجانبة الكذب والصدق في الفعل الإتيان به وترك الانصراف عنه قبل تمامه، يقال: صدق فلان في القتال وصدق في الحملة، ويقال في ضده: كذب في القتال، وكذب في الحملة، والصدق في النيّة إمضاء العزم والإقامة عليه حتى يبلغ الفعل. الصفة الثالثة: كونهم قانتين، وقد فسرناه في قوله تعالى: {أية : وَقُومُواْ لِلَّهِ قَـٰنِتِينَ} تفسير : [البقرة: 238] وبالجملة فهو عبارة عن الدوام على العبادة والمواظبة عليها. الصفة الرابعة: كونهم منفقين ويدخل فيه إنفاق المرء على نفسه وأهله وأقاربه وصلة رحمه وفي الزكاة والجهاد وسائر وجوه البر. الصفة الخامسة: كونهم مستغفرين بالأسحار، والسحر الوقت الذي قبل طلوع الفجر، وتسحر إذا أكل في ذلك الوقت، واعلم أن المراد منه من يصلي بالليل ثم يتبعه بالاستغفار والدعاء لأن الإنسان لا يشتغل بالدعاء والاستغفار إلا أن يكون قد صلّى قبل ذلك فقوله {وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ } يدل على أنهم كانوا قد صلوا بالليل واعلم أن الاستغفار بالسحر له مزيد أثر في قوة الإيمان وفي كمال العبودية من وجوه الأول: أن في وقت السحر يطلع نور الصبح بعد أن كانت الظلمة شاملة للكل، وبسبب طلوع نور الصبح كأن الأموات يصيرون أحياء، فهناك وقت الجود العام والفيض التام، فلا يبعد أن يكون عند طلوع صبح العالم الكبير يطلع صبح العالم الصغير، وهو ظهور نور جلال الله تعالى في القلب والثاني: أن وقت السحر أطيب أوقات النوم، فإذا أعرض العبد عن تلك اللذة، وأقبل على العبودية، كانت الطاعة أكمل والثالث: نقل عن ابن عباس {وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ } يريد المصلين صلاة الصبح. المسألة الثالثة: قوله {وَٱلصَّـٰبِرِينَ وَٱلصَّـٰدِقِينَ } أكمل من قوله: الذين يصبرون ويصدقون، لأن قوله {ٱلصَّـٰبِرِينَ } يدل على أن هذا المعنى عادتهم وخلقهم، وأنهم لا ينفكون عنها. المسألة الرابعة: اعلم أن لله تعالى على عباده أنواعاً من التكليف، والصابر هو من يصبر على أداء جميع أنواعها، ثم إن العبد قد يلتزم من عند نفسه أنواعاً أُخر من الطاعات، وإما بسبب الشروع فيه، وكمال هذه المرتبة أنه إذا التزم طاعة أن يصدق نفسه في التزامه، وذلك بأن يأتي بذلك للملتزم من غير خلل ألبتة، ولما كانت هذه المرتبة متأخرة عن الأولى، لا جرم ذكر سبحانه الصابرين أولاً ثم قال: {ٱلصَّـٰدِقِينَ } ثانياً، ثم إنه تعالى ندب إلى المواظبة على هذين النوعين من الطاعة، فقال: {وَٱلْقَـٰنِتِينَ } فهذه الألفاظ الثلاثة للترغيب في المواظبة على جميع أنواع الطاعات، ثم بعد ذلك ذكر الطاعات المعينة، وكان أعظم الطاعات قدراً أمران أحدهما: الخدمة بالمال، وإليه الإشارة بقوله عليه السلام: «حديث : والشفقة على خلق الله»تفسير : فذكر هنا بقوله {وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ } والثانية: الخدمة بالنفس وإليه الإشارة بقوله «حديث : التعظيم لأمر الله»تفسير : فذكره هنا بقوله {وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ }. فإن قيل: فلم قدم ههنا ذكر المنفقين على ذكر المستغفرين، وأخر في قوله «حديث : التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله»تفسير : . قلنا: لأن هذه الآية في شرح عروج العبد من الأدنى إلى الأشرف، فلا جرم وقع الختم بذكر المستغفرين بالأسحار، وقوله «حديث : التعظيم لأمر الله»تفسير : في شرح نزول العبد من الأشرف إلى الأدنى، فلا جرم كان الترتيب بالعكس. المسألة الخامسة: هذه الخمسة إشارة إلى تعديد الصفات لموصوف واحد، فكان الواجب حذف واو العطف عنها كما في قوله {أية : هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَـٰلِقُ ٱلْبَارِىء ٱلْمُصَوّرُ } تفسير : [الحشر: 24] إلا أنه ذكر ههنا واو العطف وأظن - والعلم عند الله - أن كل من كان معه واحدة من هذه الخصال دخل تحت المدح العظيم واستوجب هذا الثواب الجزيل، والله أعلم.
البيضاوي
تفسير : {ٱلصَّـٰبِرِينَ وَٱلصَّـٰدِقِينَ وَٱلْقَـٰنِتِينَ وَٱلْمُنفِقِينَ وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ } حصر لمقامات السالك على أحسن ترتيب، فإن معاملته مع الله تعالى إما توسل وإما طلب، والتوسل إما بالنفس وهو منعها عن الرذائل وحبسها على الفضائل والصبر يشملهما، وإما بالبدن، وهو إما قولي وهو الصدق وإما فعلي وهو القنوت الذي هو ملازمة الطاعة، وإما بالمال وهو الإِنفاق في سبل الخير، وإما الطلب فبالاستغفار لأن المغفرة أعظم المطالب بل الجامع لها وتوسيط الواو بينهما للدلالة على استقلال كل واحد منها وكمالهم فيها أو لتغاير الموصوفين بها، وتخصيص الأسحار لأن الدعاء فيها أقرب إلى الإِجابة، لأن العبادة حينئذ أشق والنفس أصفى والروع أجمع للمجتهدين. قيل إنهم كانوا يصلون إلى السحر ثم يستغفرون ويدعون.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱلصَّٰبِرِينَ } على الطاعة وعن المعصية نعت {وَٱلصَّٰدِقِينَ } في الإيمان {وَٱلْقَٰنِتِينَ } المطيعين لله {وَٱلْمُنَٰفِقِينَ } المتصدقين {وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ } الله بأن يقولوا اللهم اغفر لنا {بِٱلأَسْحَارِ } أواخر الليل خصت بالذكر لأنها وقت الغفلة ولذة النوم.
ابن عبد السلام
تفسير : {الصَّابِرِينَ} عن المعاصي، أو الصائمين. {وَالْقَانِتِينَ} المطيعون، أو القائمون على العبادة. {وَالْمُنافِقِينَ} في الجهاد، أو جميع البر. {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ} المصلون، أو سائلو المغفرة بقولهم، أو الذين يشهدون الصبح في جماعة، والسحر من الليل: قبل الفجر.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {الصابرين...} الآية. قال: (الصابرون) قوم صبروا على طاعة الله، وصبروا عن محارمه (والصادقون) قوم صدقت نياتهم، واستقامت قلوبهم وألسنتهم، وصدقوا في السر والعلانية (والقانتون) هم المطيعون (والمستغفرون بالأسحار) هم أهل الصلاة. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية قال {الصابرين} على ما أمر الله {والصادقين} في إيمانهم {والقانتين} يعني المطيعين {والمنفقين} يعني من أموالهم في حق الله {والمستغفرين بالأسحار} يعني المصلين. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم {والمستغفرين بالأسحار} قال: هم الذين يشهدون صلاة الصبح. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عمر أنه كان يحيي الليل صلاة ثم يقول: يا نافع أسحرنا فيقول: لا. فيعاود الصلاة فإذا قال: نعم. قعد يستغفر الله ويدعو حتى يصبح. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن أنس بن مالك قال "حديث : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستغفر بالأسحار سبعين استغفارة "تفسير : . وأخرج ابن جرير عن جعفر بن محمد قال: من صلى من الليل ثم استغفر في آخر الليل سبعين مرة كتب من المستغفرين. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن أبي سعيد الخدري قال: بلغنا أن داود عليه السلام سأل جبريل عليه السلام فقال: يا جبريل أي الليل أفضل؟ قال: يا داود ما أدري إلا أن العرش يهتز في السحر.
السلمي
تفسير : قال أحمد بن عاصم الأنطاكى: الصَّابرُ غيرُ المتصَبر، لأن الصَّابرَ المستسلِمُ فى كلِّ أمُورهِ ومساكنُ القلبِ فيه محفوظاً، والمتصَبّر ما رُددتَ فيه إلى حَالِكَ وعجزك يكابد نفسه فى الصبر على المكاره. قال أبو حفص: الصبر ما كنت فيه محفوظًا، والتصبر ما رددت فيه إلى حالك وعجزك. قال عمرو المكى: ليس الصَّبرُ تَرك الاختيار على الله تعالى، لكن الصَّبر هو الثبات فيه وتلقى بلاه بالرحب والدعة. قال عمرو: من صبَر على رؤية العوض يكونُ صَبرهُ مشوّبًا بعجز، وما هو بمتحقق فى الصبر، ومن صَبَر على رُؤية المنَّة يكون متلذذًا بالبلاء كتلذذه بالنعمة، إذ هما من عينٍ واحدة. قال ابن عطاء: {ٱلصَّابِرِينَ} هُم الذين صَبَرُوا باللهِ تعالى فى طاعة اللهِ تعالى مع اللهِ تعالى، و {ٱلصَّادِقِينَ} هم الذين صَدقُوا ما عاهدوا الله عليه عن صدقٍ قويم واعتمادٍ صحيح وسّرٍ لا يشوبه شىء و {ٱلْقَانِتِينَ} هم الذين أطاعوا الله تعالى فى سِرِّهم وعلانيتهم، و {ٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ} هم الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع. وقال بعضهم: الصابرين مع الله تعالى على موارد قضائه، والصادقين فى توحيدهم ومحبتهم والقانتين الراجعين إليه فى السراءِ والضراءِ والمنفقين ما سِواهُ له، والمستغفرين بالأسحار من أفعالهم وأحوالهم وأقوالهم. وقال بعضهم: الصابرين من صَدَّقَ ما أجاب به من لَفظه بَلى.
القشيري
تفسير : الصبرُ حبسُ النَّفْس، وذلك على ثلاث مراتب: صبر على ما أُمرَ به العبد، وصبر عما نُهي عنه وصبر هو الوقوف تحت جريان حكمه على ما يريد؛ إمَّا في فوات محبوبك أو هجومَ ما لا تستطيعه. فإذا ترقيتَ عن هذه الصفة - بألا تصيبك مشقةٌ أو تنال راحةً - فذلك رضاً لا صبر ويقال الصابرين على أمر الله، والصادقين، فيما عاهدوا الله. و{وَٱلْقَانِتِينَ}، بنفوسهم بالاستقامة في محبة الله. و{وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ} عن جميع ما فعلوه لرؤية تقصيرهم في الله. ويقال: {ٱلصَّابِرِينَ} بقلوبهم و {وَٱلصَّادِقِينَ} بأرواحهم و {وَٱلْقَانِتِينَ} بنفوسهم، و {وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ} بألسنتهم. ويقال "الصابرين" على صدق القصود "الصادقين" في العهود "القانتين" بحفظ الحدود و"المستغفرين" عن أعمالهم وأحوالهم عند استيلاء سلطان التوحيد. ويقال "الصابرين" الذين صبروا على الطلب ولم يتعللوا بالهرب ولم يحتشموا من التعب، وهجروا كل راحة وطلب. وصبروا على البلوى، ورفضوا الشكوى، حتى وصلوا إلى المولى، ولم يقطعهم شيء من الدنيا والعقبى. و"الصادقين" الذين صدقوا في الطلب فقصدوا، ثم صدقوا حتى وردوا، ثم صدقوا حتى شهدوا، ثم صدقوا حتى وجدوا، ثم صدقوا حتى فقدوا.. فترتيبهم قصود ثم ورود ثم شهود ثم وجود ثم خمود. و"القانتين" الذين لازموا الباب، وداوموا على تجرّع الاكتئاب، وتركوا المحاب، ورفضوا الأصحاب إلى أن تحققوا بالاقتراب. و {وَٱلْمُنْفِقِينَ} الذين جادوا بنفوسهم من حيث الأعمال، (ثم جادوا بميسورهم من الأموال)، ثم جادوا بقلوبهم بصدق الأحوال، ثم جادوا بترك كل حظٍ لهم في العاجل والآجل، استهلاكاً عند القرب والوصال بما لقوا من الاصطلام والاستئصال. و {وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ} عن جميع ذلك إذا رجعوا إلى الصحو عند الأسحار يعني ظهور الإسفار، وهو فجر القلوب لا فجرَّ يظهر في الأقطار.
اسماعيل حقي
تفسير : {الصابرين} نصب على المدح باضمار اعنى والمراد بالصبر هو الصبر على مشاق الطاعات وعلى الباساء والضراء وحين البأس {والصادقين} فى اقوالهم ونياتهم وعزائمهم {والقانتين} اى المداومين على الطاعات المواظبين على العبادات {والمنفقين} اموالهم فى سبيل الله {والمستغفرين بالاسحار} وتوسيط الواو بين الصفات المذكورة مؤذن بان كل صفة مستقلة بالمدح ومؤذن بان منهم صابر ومنهم صادق. ثم الصبر حبس النفس عن شهواتها المحظورة فى الشرع. وجميع اجناس الصبر ثلاثة. الصبر على الطاعة. والصبر على المعصية. والصبر على المكروه قال النبى صلى الله عليه وسلم "حديث : من صبر على مصيبة فله ثلاثمائة درجة وبين الدرجتين كما بين السماء والارض ومن صبر على الطاعة فله ستمائة درجة ما بين الدرجتين كما بين السماء والارض ومن صبر على المعصية فله تسعمائة درجة بين الدرجتين كما بين العرش والكرسى " .تفسير : والصدق يجرى فى القول وهو مجانبة الكذب وفى الفعل وهو اتيانه وترك الانصراف عنه قبل تمامه وفى النية وهو العزم عليه حتى يفعل. والانفاق يتناول الانفاق على نفسه واهله واقاربه وصلة رحمه وفى الجهاد وسائر وجوه البر. والاستغفار سؤال المغفرة من الله وتخصيص الاسحار بالاستغفار لان الدعاء فيها اقرب الى الاجابة اذ العبادة حينئذ اشق والنفس اصفى والروح اجمع لاسيما للمجتهدين. قال مجاهد فى قول يعقوب عليه السلام {أية : سوف أستغفر لكم ربى}تفسير : [يوسف: 98]. اخره الى وقت السحر فان الدعاء فيه مستجاب وقال ان الله تعالى لا يشغله صوت عن صوت لكن الدعاء فى السحر دعوتى فى الخلوة وهى ابعد من الرياء والسمعة فكانت اقرب الى الاجابة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ينزل الله تعالى الى السماء الدنيا كل ليلة حتى يبقى ثلث الليل فيقول انا الملك من ذا الذى يدعونى فاستجيب له من ذا الذى يسألنى فاعطيه من ذا الذى يستغفرنى فاغفر له " .تفسير : ومعنى ينزل محمول على نزول ملكه او على الاستعارة فمعناه الاقبال على الداعين بالطف والاجابة ولهذا قال الى السماء الدنيا اى القربى. وفى هذا الكلام توبيخ لهم على غفلتهم فى الدعاء والسؤال منه والاستغفار. قال لقمان لابنه يا بنى لا تكونن اعجز من هذا الديك يصوت بالاسحار وانت نائم على فراشك شعر : دلابر خيز وطاعت كن كه طاعت به زهر كارست سعادت آن كسى داردكه وقت صبح بيدارست خروسان درسحر كويند قم يا ايها الغافل توازمستى نمى دانى كسى داندكه هيشاراست تفسير : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : "لما اسرى بى الى السموات رأيت عجائب من عجائب الله تعالى فمن ذلك ان فى السماء الدنيا ديكا له زغب اخضر وريش ابيض وبياض ريشه كاشد بياض رأيته وزغبه تحت ريشه كاشد خضرة رأيتها فاذا رجلاه فى تخوم الارض السابعة السفلى واذا راسه عند عرش الرحمن ثانى عنقه تحت العرش له جناحان فى منكبيه اذا نشرهما جاوز المشرق والمغرب فاذا كان بعض الليل نشر جناية وخفق بهما وصرخ بالتسبيح لله يقول سبحان الملك القدوس سبحان الكريم" أو قال "الكبير المتعال لا اله الا هو الحى القيوم فاذا فعل ذلك سبحت ديكة الارض كلها وخفقت باجنحتها فاذا سكن ذلك الديك سكنت ديكة الارض كلها ثم اذا كان بعض الليل نشر جناحيه فجاوز بهما المشرق والمغرب وحفق بهما ثم صرخ بالتسبيح لله يقول سبحان الله العلى العظيم سبحان العزيز القهار سبحان الله رب العرش الرفيع فاذا فعل ذلك سبحت ديكة الارض بمثل قوله وخفقت باجنحتها واخذت فى الصراخ واذا سكن ذلك الديك سكنت ديكة الارض بمثل قوله وخفقت باجنحها واخذت فى الصراخ واذا سكن ذلك الديك سكنت ديكة الارض ثم اذا هاج بنحو فعله فى السماء هاجت الديكة فى الارض يجاوبونه تسبيحا لله تعالى بنحو قوله" ".تفسير : والمقصود من هذا ان التسبيح اذا كان من فعل اهل السماء والارض خصوصا الحيوانات العجم بل النباتات كما قال تعالى {أية : وإن من شىء إلا يسبح بحمده}تفسير : [الإسراء: 44]. فان الانسان اولى بان يشتغل بالدعاء والتسبيح خصوصا فى الخلوات واوقات الاسحار. قال الامام القشيرى رحمه الله الصابرين على ما امر الله والصادقين فيما عاهدوا الله والقانتين بالاستقامة فى محبة الله والمنفقين فى سبيل الله والمستغفرين من جميع ما فعلوا لرؤية تقصيرهم.
الطوسي
تفسير : الاعراب، واللغة، والمعنى: الصابرين نصب على المدح وكذلك باقي الصفات، ويجوز أن تكون جراً صفات {للذين اتقوا} ومعنى الصابرين: الحابسين نفوسهم بمنعها عما حرم الله (تعالى) عليها، فالصابر الممدوح: هو الحابس نفسه عن جميع معاصي الله، والمقيم على ما أوجب عليه من العبادات، والصادقين هم المخبرون بالشيء على ما هو به وهي أيضاً صفة مدح {والقانتين} قال قتادة: هم المطيعون. وقال الزجاج: هم الدائمون على العبادة، لأن أصل القنوت الدوام. {والمنفقين}: الذين يخرجون ما أوجب الله عليهم من الزكوات، وغيرها من الحقوق. ويدخل في ذلك المتطوعون بالانفاق فيما رغب الله في الانفاق فيه. {والمستغفرين بالأسحار} قال قتادة: هم المصلون بالاسحار. وقال أنس بن مالك: هم الذين يسألون المغفرة، وهو الأظهر. والأول جائز أيضاً، لأنه قد تطلب المغفرة بالصلاة، كما تطلب بالدعاء. اللغة: والاسحار: جمع سحر، وهو الوقت الذي قبل طلوع الفجر. وأصله: الخفاء، وسمي السحر، لخفاء الشخص فيه. ومنه السحر، لخفاء سببه. ومنه السحر الرئة لخفاء موضعها. والمسحر الذي يأكل الطعام لخفاء مسالكه. وروي عن أبي عبد الله أن من استغفر الله سبعين مرة في وقت السحر، فهو من أهل هذه الآية.
الجنابذي
تفسير : {ٱلصَّابِرِينَ} وصف آخر للمتّقين {وَٱلصَّادِقِينَ وَٱلْقَانِتِينَ وَٱلْمُنْفِقِينَ وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ} توسيط العاطف بين الاوصاف لتعدّد مباديها، وللاشارة الى استقلال كلّ وانفراده بالمدح او الذّمّ او غير ذلك من الاغراض، والصّبر أقدم صفات الايمان ولذا ورد انّه من الايمان كالرّأس من الجسد، وبه يحصل الصّدق الّذى هو الاستقامة فى الاقوال والافعال والاحوال، وبالاستقامة المذكورة يتمّ الطّاعة الّتى هى القنوت وبتمام الطّاعة يسهل الانفاق الّذى هو بذل فعليّات النّفس، وبه يحصل القرب من يوم الدّين والدّخول فى سحر يوم الدّين وستر مساوى ليل الطّبع، ولمّا كان التّكليف مطابقاً للتّكوين والظّاهر عنواناً للباطن كلّف الله العباد بالاستغفار اللّسانىّ فى اسحار ليالى الطّبع منفرداً او فى مطلق الصّلاة او فى صلاة الوتر.
اطفيش
تفسير : {الصَّابِرِينَ والصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ}: ولحمل المطلق على المفيد ألا ترى إلى قوله تعالى فى كثير من المواضع، وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، وقوله تعالى {أية : وَلَمْ يَلْبَسُوا إيمانَهم بِظُلْمِ}تفسير : وقوله عز وجل {أية : لَمْ تَكنْ آمَنَتْ مِنْ قََبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِى إِيمانَهم خيراً} تفسير : أو غير ذلك، وهذه الأدلة لا يقاومها ما قد يقول الخصم من أنه لو كان الصبر والصدق وما بعدهما شرطاً للمغفرة، لقدمها على طلب المغفرة، ورتبتها عليهن، بل نقول إن الله وصف الطالبين للمغفرة بأن حالهم كذا وكذا، لا مجرد إيمان ولأن طلب المغفرة ممن وصفته ذلك توبة نصوح لا يبقى معها ذنب، ولا يتهاون فيها بغرض، والواجب مطلق الاستغفار، وأما كونه بالأسحار، فأفضل، لأن الدعاء فيها أقرب إلى الإجابة، لخلو القلب فيها، وصفائه، ولأن العبادة فيها أشق ولا سيما المتهجدون. قال الحسن: فإنهم يصلون إلى السحر، ثم يستغفرون فى السحر، ويدعون الله جل وعلا، وكذا لا يجب الانفاق للعيال، والزكاة، والضيف، والتنجية من الموت، ونحو ذلك، وقيل: المستغفرون بالأسحار، هم الذين يصلون صلاة الفجر فى جماعة، سمى الوقت سحراً لاتصاله بالسحر، وبقية ظلامه، والصلاة استغفار، لأنهم يطلبون فيها المغفرة. وعن أبى هريرة، وأبى سعيد، قال النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله ليمهل حتى يمضى شطر الليل الأول، ثم يأمر منادياً يقول: هل من داع يستجاب له؟ هل من مستغفر يغفر له؟ هل من سائل يعطى؟"تفسير : . قيل: السحر، الشطر الأخير من الليل، وقيل السدس الأخير، وقيل: الثلث الأخير، قال نافع: كان ابن عمر يحيى الليل صلاة ثم يقول: يا نافع أسحرنا، فيقول: لا، فيعاود الصلاة، ثم يسأل، فإذا قلت نعم، قعد يستغفر. وعن أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : يَنزل ربنا تَبارَكَ وتَعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: من يدعونى فأستجيب له؟ من يسألنى فأعطيه؟ من يستغفرنى فأغفر له؟"تفسير : . وفى رواية:"حديث : أناالملك،"تفسير : وفى رواية: "حديث : فيقول: هل من سائل فيعطى؟ هل من داع فيستجاب له؟ هل من مستغفر فيغفر له؟ حتى ينفجر الصبح ". تفسير : ومعنى نزول الله نزول رحمته، أو نزول ملك له من ملائكته، يقول ذلك على لسانه، كما يقول القرآن على لسانه، مثل: إننى أنا الله، لا إله إلا أنا فاعبدون، وترك مثل هذا الحديث على ظاهره، من كيفية النزول شرك - تعالى الله - وأبقاه بلا تأويل ولا إجراء ظاهره على المذكور نفاق، وهو إعراض عن العلم، و رجوع عنه، تراهم ينزهون الله عن الحلول والتحول، ثم إذا رأوا مثل هذا قالوا نجريه على ظاهره بلا تكييف، أو نؤمن به. وروى أن لقمان قال لابنه: يا بنى لا تكن أعجز من الديك، فإنه يصوت بالأسحار وأنت نائم على فراشك. والمراد بالصابرين: الصابرون على أداء الفرض، وعلى الطاعات والمصائب، وعن المعاصى، ومعنى الصادقين: من صدق قوله وفعله واعتقاده بموافقة الشرع، ومن عصى بقوله أو فعله أو قلبه، فليس بصادق، وأيضاً يكون كاذب بالمخالفة، مقتضى قوله: لا إله إلا الله محمد رسول الله وما جاء به حق، وسائر كلام التوحيد، والمراد بالقانتين المدوامون على الطاعة، والمراد بالمنفقين: المنفقون لأموالهم حيث يجب إنفاقها، كالزكاة، وحيث يستحب، وختم بالمغفرة، لأنها أعظم المطالب لأن فيها رضى الله تعالى والفوز بالجنة، والنجاة من النار، وعندى فى تلك الواوات وجهان: الأول أنها لعطف من يكثر من نوع ويشارك غيره فى غيره، أو فى أداء الواجب. أى الذين بالغوا فى الصبر، والآخرين الذين بالغوا فى الصدق، والآخرين الذين بالغوا فى القنوت.. وهكذا. والثانى أنها للعطف الصفات، الموصوف واحد، أى الجامعين بين الصبر والصدق والقنوت.
اطفيش
تفسير : {الصَّابِرِينَ} على الطاعات والمصائب، وعن المعاصى والشهوات، نعت للعباد، أو الذين اتقوا، أو اعرف يا محمد الصابرين وامدحهم {وَالصَّادِقِينَ} فى الإيمان، قولا وفعلا واعتقادا {وَالقَانِتِينَ} المطيعين لله، فرضا ونفلا، أو المداومين على العبادة {وَالمُنَفِقِينَ} فى الجهاد وأنواع الأجر، فرضا ونفلا {وَالمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ} فى الأسحار، بقولهم: اللهم اغفر لنا، أو بالصلاة، وبه قال مجاهد والكلبى، قال لقمان لابنه: لا تكن أعجز من هذا الديك، يصوت بالأسحار وأنت نائم على فراشك، وأخرج ابن أبى شيبة عن زيد بن أسلم، هم الذين يشهدون صلاة الفجر، وهو خلاف الظاهر، وذكر الطبرى أن ابن عمر يحيى الليل صلاة، ويقول: يا نافع أسحرنا؟ فيقول: لا، فيعود للصلاة، وإذا قال نعم قعد يستغفر الله تعالى، ويدعو حتى يصبح، وأخرج ابن مردوية عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم،أنه أمرنا أن نستغفر الله تعالى سبعين استغفارة بالأسحار، وخص السحر لأنه وقت الغفلة، وقلة ما يشوش، فالنفس فيه أصفى والروع مجتمع، ولذة النوم فيه أعظم، فالعبادة أقرب فيه إلى القبول، أو أنهم يصلون الليل ويستغفرون بالأسحار، كأنهم أذنبوا فى ليلهم، وأيضاً بعتاد الدعاء والاستغفار بعد الصلاة، وهو ثلث الليل الأخير أو سدسه، أو من طلوع الفجر المستطيل، أو الوقت قبل طلوع الفجر المستطير، أو اختلاط ظلام الليل بضياء النهار، فيشمل فرض الفجر وسنته وأذكارهما، وأصل السحر للشىء الخفى لخفائه، والعطف جمع لصفات متعددة لموصوف، وحكمته التلويح إلى أن كل واحدة منها ركن عظيم مستقل في المدح، وكأنه قيل الجامعين بين الصبر والصلاة والقنوت والإنفاق والاستغفار بالأسحار، أو صفات الموصوفين، كل واحدة مستغرق فى واحدة مشارك فى غيرها، كما يقال، مَن أكثر مِن شىء عرف به، أى القوم الصابرين القوم الصادقين القوم القانتين، والقوم المنفقين والقوم المستغفرين بالأسحار، قال داود عليه السلام: يا جبريل، أيّ الليل أفضل؟ قال: لا أدرى سوى أن العرش يهتز بالسحر.
الالوسي
تفسير : {ٱلصَّـٰبِرِينَ } يجوز أن يكون مجروراً وأن يكون منصوباً صفة ـ للذين ـ إن جعلته في موضع جر أو نصب وإذا جعلته في محل رفع كان هذا منصوباً على المدح. والمراد بالصبر ـ الصبر على طاعة الله تعالى، والصبر عن محارمه ـ قاله قتادة، وحذف المتعلق يشعر بالعموم فيشمل الصبر على البأساء والضراء وحين البأس {وَٱلصَّـٰدِقِينَ } في نياتهم وأقوالهم سراً ـ وعلانية وهو المروي عن قتادة أيضاً ـ {وَٱلْقَـٰنِتِينَ } أي المطيعين ـ قاله ابن جبير ـ أو المداومين على الطاعة والعبادة ـ قاله الزجاج ـ أو القائمين بالواجبات ـ قاله القاضي ـ {وَٱلْمُنْفِقِينَ } من أموالهم في حق الله تعالى ـ قاله ابن جبير ـ أيضاً {وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَْسْحَارِ } قال مجاهد والكلبـي وغيرهما: أي المصلين بالأسحار. وأخرج ابن أبـي شيبة عن زيد بن أسلم قال: هم الذين يشهدون صلاة الصبح، وأخرج ابن جرير عن ابن عمر أنه كان يُحْي الليل صلاة ثم يقول: يا نافع أسحرنا؟ فيقول: لا فيعاود الصلاة فإذا قال: نعم قعد يستغفر الله تعالى ويدعو حتى يصبح، وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك قال: «حديث : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستغفر بالأسحار سبعين استغفارة» تفسير : وروى الرضا عن أبيه عن أبـي عبد الله «أن من استغفر الله تعالى في وقت السحر سبعين مرة فهو من أهل هذه الآية» والباء في ـ بالأسحار ـ بمعنى في، وهي جمع ـ سحر ـ بفتح الحاء المهملة وسكونها سميت أواخر الليالي بذلك لما فيها من الخفاء ـ كالسحر ـ للشيء الخفي. وقال بعضهم: السحر من ثلث الليل الأخير إلى طلوع الفجر. وتخصيص الأسحار بالاستغفار لأن الدعاء فيها أقرب إلى الإجابة إذ العبادة حينئذٍ أشق والنفس أصفى والرُّوع أجمع، وفي «الصحيح»: «حديث : أنه تعالى ـ وتنزه عن سمات الحدوث ـ ينزل إلى سماء الدنيا في ثلث الليل الأخير فيقول: من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر»تفسير : . وأخرج ابن جرير وأحمد عن سعيد الجريري قال: «بلغنا أن داود عليه الصلاة والسلام سأل جبريل/ عليه السلام فقال: يا جبريل أيّ الليل أفضل قال: يا داود ما أدري سوى أن العرش يهتز في السحر» وتوسيط الواو بين هذه الصفات المذكورة إما لأن الموصوف بها متعدد وإما للدلالة على استقلال كل منها وكمالهم فيها، وقول أبـي حيان: لا نعلم أن العطف في الصفة بالواو يدل على الكمال رده الحلبـي بأن علماء البيان علموه وهم هم. هذا ومن باب الإشارة في الآيات: {قَدْ كَانَ لَكُمْ } يا معشر السالكين إلى مقصد الكل {ءايَةً } دالة على كمالكم وبلوغكم إلى ذروة التوحيد {فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا } للحرب {فِئَةٌ } منهما وهي فئة القوى الروحانية التي هي جند الله تعالى {تُقَـٰتِلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } وطريق الوصول إليه {وَأُخْرَىٰ } منهما وهي جنود النفس وأعوان الشيطان {كَافِرَةٌ } ساترة للحق محجوبة عن حظائر الصدق ترى الفئة الأخيرة الفئة الأولى لحول عين بصيرتها {مّثْلَيْهِمْ } عند الالتقاء في معركة البدن رؤية مكشوفة ظاهرة لا خفاء فيها مثل رؤية العين، وذلك لتأييد الفئة المؤمنة بالأنوار الإلهية والإشراقات الجبروتية، وخذلان الفئة الكافرة بما استولى عليها من تراكم ظلمات الطبيعة وذل البعد عن الحضرة {وَٱللَّهُ } تعالى {يُؤَيّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء } تأييده لقبول استعداده لذلك {إِنَّ فِى ذَلِكَ } التأييد {أية : لَعِبْرَةً} تفسير : [آل عمران: 13] أي اعتباراً أو أمراً يعتبر به في الوصول إلى حيث المأمول للمستبصرين الفاتحين أعين بصائرهم لمشاهدة الأنوار الأزلية في آفاق المظاهر الإلهية {زُيّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوٰتِ } بسبب ما فيهم من العالم السفلي والغشاوة الطبيعية والغواشي البدنية {مّنَ ٱلنّسَاء } وهي النفوس {وَٱلْبَنِينَ } وهي الخيالات المتولدة منها الناشئة عنها {وَٱلْقَنَـٰطِيرِ ٱلْمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ } وهي العلوم المتداولة وغير المتداولة، أو الأصول والفروع {وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ } وهي مراكب الهوى وأفراس اللهو {وَٱلأَْنْعَـٰمِ } وهي رواحل جمع الحطام وأسباب جلب المنافع الدنيوية {وَٱلْحَرْثِ } وهو زرع الحرص وطول الأمل {أية : ذٰلِكَ مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا }تفسير : [آل عمران: 14] الزائل عما قليل بالرجوع إلى المبدأ الأصلي والموطن القديم. ولك أن تبقي هذه المذكورات على ظواهرها فإن النفوس المنغمسة في أوحال الطبيعة لها ميل كلي إلى ذلك أيضاً {قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذٰلِكُمْ } المذكور {لّلَّذِينَ ٱتَّقَواْ } النظر إلى الأغيار {جَنَّـٰتُ } جنة يقين وجنة مكاشفة وجنة مشاهدة وجنة رضا وجنة لا أقولها ـ وهي التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ـ وليس في تلك الجنة عند العارفين إلا الله عز وجل {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا } أنهار التجليات المترعة بماء الغيوب {خَـٰلِدِينَ فِيهَا } ببقائهم بعد فنائهم {وَأَزْوٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ } وهي الأرواح المقدسة عن أدناس الطبيعة المقصورة في خيام الصفات الإلهية {وَرِضْوٰنٌ مّنَ ٱللَّهِ } لا يقدر قدره {أية : وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ } تفسير : [آل عمران: 15] في تقلب أرواحهم في عالم الملكوت محترقات من سطوات أنوار الجبروت حباً لجواره وشوقاً إلى لقائه يجازيها بقدر همومها في طلب وجهه الأزلي وجماله الأبدي {ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا [إِنَّنَا] ءامَنَّا } بأنوار أفعالك وصفاتك {فَٱغْفِرْ لَنَا } ذنوب وجوداتنا بذاتك {أية : وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّار } تفسير : [آل عمران: 16] نار الحرمان ووجود البقية {ٱلصَّـٰبِرِينَ } على مضض المجاهدة والرياضة {وَٱلصَّـٰدِقِينَ } في المحبة والإرادة {وَٱلْقَـٰنِتِينَ } في السلوك إليه {وَٱلْمُنْـفِقِيْنَ } ما عداه فيه {وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ} [آل عمران: 17] من ذنوب تلوناتهم وتعيناتهم في أسحار التجليات، ويقال: (الصابرين) الذين صبروا على الطلب ولم يحتشموا من التعب وهجروا كل راحة وطرب فصبروا على البلوى ورفضوا الشكوى حتى وصلوا إلى المولى ولم يقطعهم شيء من الدنيا والعقبـى (والصادقين) الذين صدقوا في الطلب فوردوا، ثم صدقوا فشهدوا، ثم صدقوا فوجدوا، ثم صدقوا ففقدوا فحالهم قصد ثم ورود ثم شهود ثم وجود ثم خمود (والقانتين) الذين لازموا الباب/ وداوموا على تجرع الاكتئاب وترك المحاب إلى أن تحققوا بالاقتراب (والمنفقين) الذين جادوا بنفوسهم من حيث الأعمال ثم جادوا بميسورهم من الأموال ثم جادوا بقلوبهم لصدق الأحوال ثم جادوا بكل حظ لهم في العاجل والآجل استهلاكاً في أنوار الوصال (والمستغفرين) هم الذين يستغفرون عن جميع ذلك إذا رجعوا إلى الصحو وقت نزول الرب إلى السماء الدنيا وإشراق أنوار جماله على آفاق النفس وندائه «هل من سائل هل من مستغفر هل من كذا هل من كذا» ثم لما مدح سبحانه أحبابه أرباب الدين وذم أعداءه الكافرين عقب ذلك ببيان الدين الحق والعروة الوثقى على أتم وجه وآكدة فقال سبحانه: {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ...}.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلصَّابِرِينَ} {وَٱلصَّادِقِينَ} {وَٱلْقَانِتِينَ} (17) - وَهؤلاءِ العِبَادُ المُتَّقُونَ هُمُ: الصَّابِرُونَ عَلَى قِيَامِهِمْ بِطَاعَةِ رَبِّهِمْ، وَتَرْكِ مُحَرَّمَاتِهِ، وَهُمُ الصَّادِقُونَ فِيمَا أَخْبِرُوا بِهِ مِنْ إيمَانِهِمْ بِمَا التَزَمُوا بِهِ مِنَ الأعْمَالِ الشَّاقَّةِ، والمُلْتَزِمُونَ بِطَاعَةِ اللهِ، وَالخُضُوعِ لَهُ (القَانِتُونَ)، وَهُمُ المُنْفِقُونَ مِنْ أمْوالِهِمْ فِي جَمِيعِ مَا أمِرُوا بِهِ مِنَ الطَّاعَاتِ، وَصِلَةِ الأرْحَامِ وَمُوَاسَاةِ ذَوِي الحَاجَاتِ، وَهُمُ المُسْتَغْفِرُونَ رَبَّهُمْ فِي أوْقَاتِ السَّحَرِ، حِينَما يَكُونُ النَّاسُ نَائِمِينَ. وَجَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "حديث : يَنْزِلُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كُلِّ لَيْلَةٍ إلى السَّمَاءِ الدُّنْيا حِينَ يَبْقَى ثُلْثُ اللَّيْلِ الأخِيرِ فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأسْتَجِيبَ لَهُ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأغْفِرَ لَهُ؟ "
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهذه كلها صفات للذين اتقوا الله، وأعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، والأزواج المطهرة، ورضوان من الله أكبر، وهم صابرون وصادقون وقانتون ومنفقون في سبيل الله، ومستغفرون بالأسحار. وصابرون على ماذا؟ إنهم صابرون على تنفيذ تكاليف الله، لأننا أول ما نسمع عن التكليف فلنعلم أن فيه كلفة ومشقة, والتكاليف الشرعية فيها مشقة لأنها قيدت حركة العبد. لقد خلقك الحق خلقاً صالحاً لأن تفعل كذا أو لا تفعل. فساعة يقول لك: افعل .. فإنه قد سد عليك باب "لا تفعل" وساعة يقول لك الحق: لا تفعل فإنه يكون قد سد عليك باب "افعل"، وهكذا يكون تقييد حركتك وتقييد المخلوق على هيئة الاختيار فيه مشقة، فإذا جاء أمر الله بـ "افعل" فقد يكون الفعل في ذاته شاقاً، فإن صبرت على مشقة الفعل الذي جاء بوساطة "افعل" فأنت صابر، لأنك صبرت على الطاعة .. وقد تصبر على المعصية، عندما يلح عليك شيء فيه غضب الله فترفض أن ترتكب الذنب، فتكون قد صبرت عن ارتكاب الذنب. إذن ففي "افعل" صبر على مشقتها، وفي "لا تفعل" صبر عنها، فالصابرون لهم اتجاهان اثنان، لأن التكليف إما أن يكون بافعل، وإما أن يكون بلا تفعل. فساعة يأتي التكليف بافعل فقد تأتي المشقة .. وعندما تنفذ التكليف بافعل فأنت قد صبرت على المشقة .. وعندما يأتي التكليف بـ "لا تفعل" كأمر الحق بعدم شرب الخمر، أو "لا تسرق" فأنت قد صبرت عنها .. إذن فـ "افعل" ولا "تفعل" قد استوعبت نَوْعَيْ التكليف، وبقيت بعد ذلك أحداث لا تدخل في نطاق افعل ولا تفعل، وهي ما ينزل عليك نزولاً قدرياً بدون اختيار منك بل هي القهرية والقسرية. فساعة أن يطلب منك أن تفعل، أي إنه قد خلقك صالحاً ألا تفعل كما قلنا من قبل. إلاّ إن كنت مجبراً على الفعل فقط. وكذلك إذا قال لك الحق: "لا تفعل". والشيء القدري الذي لا صلاحية فيه للاختيار ماذا يفعل فيه المؤمن؟ إنه يصبر على الآلآم والمتاعب لأنه آمن بالله ربا، والرب هو الذي يتولى تربية المربى لبلوغه حد الكمال المنشود له، فإذا جاء لك الحق بأمر لا خيار لك فيه، كالمرض أو الكوارث الطارئة، كوقوع حجر من أعلى أو إصابة برصاصة طائشة، فكل ذلك هي أمور لا دخل لـ "افعل" ولا "تفعل" فيها. وهناك يكون الصبر على مثل هذه الأمور هو إيمان بحكمة من أجراها عليك. لأن الذي أجراها رب، وهو الذي خلقني فأنا صنعته. وما رأينا أحدا يفسد صنعته أبدا. فإذا ما جاء أمر على الإنسان بدون اختيار منه، فالذي أجراه له فيه حكمة, فإن صبر الإنسان على هذه الآلام فإنه يدخل في باب الصابرين. إذن، فالصابرون أنواع هم: صابر على الطاعة ومشاقها، صابر على المعاصي ومغرياتها، صابر على الأحداث القدرية التي تنزل عليه بدون اختيار منه. وإذا رأيت إنساناً قد صبر على أمر الطاعة وصبر عن شهوة المعصية وصبر على الأقدار النازلة به، فاعرف حبه لربه ورضاه عنه. ونأتي بعد ذلك لوصف آخر يقول الله فيه : "الصابرين" و "الصادقين". والصدق كما نعلم يقابله الكذب، والصدق كما نعرف حقيقته: يأتي حين توافق النسبة الكلامية التي يتكلم بها الإنسان، النسبة الأخرى الخارجية الواقعة في الكون. فإن قلت: "حصل كذا وكذا" فتلك نسبة كلامية صدرت من متكلم، فإن وافقها الواقع بأنه حصل كذا وكذا فعلاً يكون المتكلم صادقاً. وإن لم يكن الواقع موافقاً لحدوث ما أخبر به يكون المتكلم كاذباً. لماذا؟ لأن كلام المتكلم العاقل لا بد له من نسب ثلاث: الأولى وهي النسبة الذهنية: فقبل أن أتكلم أعرض الأمر على ذهني، وذهني هو الذي يعطي الإشارة للساني ليتكلم، هذه هي النسبة الأولى واسمها "نسبة الذهن". وقد يعن لي أن تأتي النسبة الذهنية ثم أعدل عنها فلا أتكلم، فتكون النسبة الذهنية قد وُجِدَت، والنسبة الكلامية لم توجد. وقد أصر على أن أبرز إشارة ذهني على لساني فأقول النسبة الكلامية. ونأتي بعد النسبة الكلامية لنرى: هل الواقع أن ما حدث وتحدثت به وقع أم لم يقع؟ فإن كان قد وقع، يكون الكلام مني صدقاً. وإن لم يكن قد وقع، وكانت النسبة الخارجية على عكس ما أخبرت به. فإننا نقول: "هذا كلام كذب" إذن: فالصدق: هو أن تطابق النسبة الكلامية الواقع. والكذب: هو ألا تطابق النسبة الكلامية الواقع وكثيراً ما يخطىء الناس في فهم الواقع فيجدون تناقضاً في بعض الأساليب. مثال ذلك، حينما تعرض بعض المستشرقين لقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ}تفسير : [المنافقون: 1]. تلك نسبة كلامية صدرت منهم، فهل هي مطابقة للواقع أم هي مخالفة له؟ إنها مطابقة للواقع. ويؤكد الحق ذلك بقوله: {أية : وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ}تفسير : [المنافقون: 1]. وبعد ذلك يقول الحق سبحانة:{أية : وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}تفسير : [المنافقون: 1]. ففيم كذب المنافقون؟ هل كذبوا في قولهم: "إنك لرسول الله"؟ لا. إن الحق لم يكذبهم في قولهم : "إنك لرسول الله"؛ لأن الله قد أيد هذه الحقيقة بقوله: "والله يعلم إنك لرسوله". ولكن كذبهم الله فيما سها عنه المستشرق الناقد عندما قالوا: "نشهد إنك لرسول الله". لقد كذبهم الله في شهادتهم، لا في المشهود به، وهو أن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول من الله، إن الله يعلم أن محمداً رسوله المبعوث منه رحمة للعالمين، لكن الكذب كان في شهادتهم هم. إن كلام المنافقين مردود من الله. لماذا؟ لأن الشهادة تعني أن يواطئ اللسان القلب ويوافقه. وقولهم: شهادة لا توافق قلوبهم وتعني كذبهم. إذن، فالتكذيب هو لشهادتهم، فلو قالوا: "إنك لرسول الله" دون "نشهد" لكان قولهم: قضية "سليمة". ولذلك كان تكذيب الله لشهادتهم، ومن هنا ندرك السر في قول الله: "والله يعلم إنك لرسوله". إن الحق يؤكد الأمر المشهود به وهو بعث محمد رسولاً من عند الحق، وبعد ذلك يأتي لنا الحق بشهادته إن المنافقين كاذبون في قولهم: "نشهد". فالصدق أن تطابق النسبة الكلامية الواقع. والصدق - كما قلنا من قبل - حق، والحق لا يتعدد، وضربت من قبل المثل بأن الإنسان الذي نطلب منه أن يروي واقعة شهدها بعينيه، وأن يحكيها بصدق لن يتغير كلامه أبداً، مهما تكرر القول؛ أو عدد مرات الشهادة. لكن إن كانت الواقعة كذباً، فالراوي تختلط عليه أكاذيبه، فيروي الواقعة بألوان متعددة لا اتساق فيها، وقد ينسى الراوي الكاذب ماذا قال في المرة الأولى، وهكذا ينكشف سر الكذب. لكن الراوي عن واقع مشهود وبصدق، هو الذي يحكي، وهو الذي لا تختلف رواياته في كل مرة عن سابقتها بل تتطابق. فعندما نقول: "إن زيدا مجتهد"، فهذا يعني أن اجتهاد زيد قد حدث أولاً، ثم يأتي في ذهن من رأى اجتهاد زيد أن يخبر بأمر اجتهاده، ثم يخبر بالكلام عن اجتهاد زيد. إن الأمر الخارج وهو اجتهاد زيد قد حدث أولاً، وبعد ذلك تأتي النسبة الذهنية، وبعد ذلك تأتي النسبة الكلامية. ولكن الإنشاء وهو ضد الخبر، هو أن نطلب من واحد أن ينشئ أمراً لا واقع له، كأن نقول لواحد: اجتهد. إننا قبل أن نقول لإنسان ما: "اجتهد" فمعنى ذلك أن الاجتهاد كان أمراً في ذهن القائل، وعندما ينطقها تصبح "نسبة كلامية". وبعد ذلك يحدث الواقع، بعد النسبة الذهنية، والنسبة كلامية، وهذا هو الإنشاء. إن الإنشاء الطلبي يعني أن تحدث النسبة الخارجية بعد النسبة الكلامية. والصادقون هم الذين أراد الله أن يمدحهم، لماذا؟ وأين هو مجال صدقهم؟ إنهم الذين تتطابق حركتهم مع منهج الله، لأنهم حين قالوا: "لا إله إلا الله"، وآمنوا به، فهم قد التزموا بكل مطلوبات الإيمان قدر الطاقة. ومعنى "لا إله إلا الله" أي لا معبود إلا الله. ومعنى لا معبود إلا الله أي أنه لا طاعة إلا لله. والطاعة - كما نعرف - هي امتثال أمر، وامتثال نهي. إذن فمجال "لا إله إلا الله" يشمل أنه لا معبود بحق إلا الله، ولا مُطاع في تكليفه إلاَّ الله، ولا امتثال لأمر أو لنهي إلاَّ للأمر القادم من الله؛ فإن امتثال إنسان الأمر من الله بعد قوله: "لا إله إلا الله" كان هذا الإنسان صادقاً في قوله: "لا إله إلا الله". وهذا هو صدق القمة، أن تكون كل تصرفات قائل: "لا إله إلا الله" متطابقة مع هذا القول. والمؤمن الحق هو من يبني كل تصرفاته موافقة لمنهج الله. هذا هو الإنسان الصادق. أما الذي يقول بلسانه: "لا إله إلا الله، لا معبود بحق إلا الله" ثم يخالف ربه بعصيانه له، لنا أن نقول له: أنت كاذب في قولك "لا إله إلا الله" لماذا؟ لأنه لم يطابق النسبة التي قالها. إن هذا الإنسان إذا آمن بأي تكليف ثم فعل ما يناقضه قلنا له: أنت منافق، لماذا؟ لأننا عندما تكلمنا في أول سورة البقرة عن المنافقين قلنا: إن المؤمن حين يؤمن بالله يكون صادقاً مع نفسه؛ لأن قال: "لا إله إلا الله" وهو مؤمن بها، والكافر حين ينكر الألوهية يكون صادقاً مع نفسه أيضاً. أما المنافق فهو لا يصدق مع نفسه، ولا يصدق مع الناس، إنه مذبذب بين هؤلاء وهؤلاء. إن المنافق بلا صدق مع النفس، ولذلك يصفهم الحق: {أية : مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ}تفسير : [النساء: 143]. إن الكافر له صدق مع النفس فهو لا يقول: "لا إله إلا الله" لأنه لا يعتقدها. أما المنافق فقد قال: "لا إله إلا الله" وهي غير مطابقة لسلوكه، لذلك يكون غير صادق مع نفسه، وغير صادق مع ربه. إذن، فقول الحق: "الصادقين" مقصود به هؤلاء الناس الذين يأتون في كل حركاتهم صادرين عن منهج الله، فلا يؤمنون بقضية، ويفعلون أخرى. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ}تفسير : [الصف: 3]. أي أنه حين يكون القول شيئاً مختلفاً عن الفعل، لا تتطابق النسبة. فالصادقون هم الذين يصدقون في سلوكهم مع كلمة التوحيد في كل ما تتطلبه هذه الكلمة من هذه السلسلة: "لا إله إلا الله لا معبود بحق إلا الله" أي لا مطاع في أمر أو نهي إلا الله، فإن جئت وطاوعت أحداً في غير ما شرع الله يحق للمؤمنين أن يقولوا لك: أنت كاذب في قولك: "لا إله إلا الله". "حديث : فعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ". تفسير : هذا هو سمو الإيمان عند المؤمن، إن المؤمن لا يمكن أن يكذب أو يخالف مقتضيات عقيدته؛ لأن المؤمن في كل تصرفاته خاضع لإيمانه بأنه لا إله إلا الله. ثم يقول الحق: "والقانتين" والقانت: هو العابد بخشوع وباطمئنان وباستدامة. والقانت صادق مع نفسه، لماذا؟ لأن الحق سبحانه وتعالى حين يكلف عباده تكليفاً، فقد يكلهم بشيء يعز على أفهامهم أن تدرك حكمته. وأقبل القانتون من العباد على هذا التكليف؛ لأن الذي أمرهم به إله قادر، فهم يثقون في حكمته فأدُّوا الأمر الصادر إليهم لأنهم خاضعون لحكمة الله. إنهم منفذون للأمر القادم من الآمر لا لعلة الأمر. وبعد أن يصنعوا ذلك؛ يريهم الله نورانية هذا الحكم بأن يعطيهم فرقاناً في أنفسهم: {أية : يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ}تفسير : [الأنفال: 29]. فيقول المؤمن منهم لنفسه بعد أن يرى هذا الفرقان: إن الله قد أراد لي بهذا الأمر أن أدرك حلاوة طاعة هذا الأمر، لذلك قال أحد العارفين بالله: إن كنت تريد أن تعلم عن الله حكماً كلفك الله به دون أن تعلم علته فاتق الله فيه، وحين تتقي الله في هذا الأمر، فإنك تجد الحكمة مستنيرة في ذهنك، ولذلك يقول الله: {أية : وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}تفسير : [البقرة: 282]. فكأنك قبل التقوى لم يعلمك الله، أما بعد التقوى فإن الله يعلمك، فتقبل على تنفيذ التكليف لتلمس إشارة في نورانية نفسك، وهكذا هو الفارق بين الأمر من المساوى، والأمر من الأعلى. وعندما ترتقي كلمة "الأعلى"، فإنها لا تنطبق إلا على الأعلى المطلق وهو الله، إنه الأعلى في الحكمة، والأعلى في المنزلة، والأعلى في المكانة، والأعلى في الربوبية. إذن، فالإنسان لا يطلب علة حكم إلا من مساو له، فإن قال لك أحد من البشر: افعل الشيء الفلاني. فإنك تسأله: لماذا؟ فإن أقنعك، فأنت تقوم بالفعل. وتكون قد قمت بتنفيذ هذا الفعل؛ لأن المساوى لك قد أقنعك بالحكمة لا بالطاعة له. ولكن عندما يصدر الأمر من الأعلى وهو الحق سبحانه وتعالى، فإنك أيها العبد المؤمن تنفذ الأمر فوراً عشقاً في طاعته. والمثال الذي أضربه للتقريب لا للتشبيه، فالله الأعلى، وهو منزه عن كل شبيه، إن الأب يقول للابن في حياتنا اليومية: إن نجحت في المدرسة فسأحضر لك هدية هي الدراجة. فهل معنى ذلك أن علة الذهاب إلى المدرسة هي الحصول على الدراجة كهدية؟ لا، ليست هذه هي العلة، إن العلة عند الأب هي أن يتعلم الابن ويتفوق في حياته، ويكبر، وعند ذلك يدرك العلة، ويقول لنفسه: لقد كان أبي على حق. إذا كان هذا يحدث في الحياة بيننا نحن البشر، فكيف لنا بطاعة الأمر الصادر من الله؟ إن الحق سبحانه وتعالى حين يكلف تكليفاً، فإن العبد قد يجد مشقة في فهم العلة. والعبد المؤمن يعرف أن الرضوخ لتكليف الحق إنما هو خضوع للأمر الأعلى. إن العبد المؤمن يعرف أنه آمن بمن هو أعلى منه وأعلى من كل كائن، ولا يساويه أحد، إن العبد المؤمن يعرف أنه آمن أولاً بأن الله هو الإله الواحد - سبحانه - له مطلق الحكمة، وله القوة وله كل شيء في الكون، وسبق أن ضربت المثل - ولله المثل الأعلى. إن الإنسان قد يمرض، وصحة الإنسان أثمن شيء عنده، فيفكر في الذهاب إلى طبيب، ويقول له: إنني أتعب من معدتي، أو من قلبي أو من أمعائي. إنه يحدد ما يشكو منه. وعقل الإنسان هو الذي هداه إلى الطبيب الذي يشخص العلة، وبعد ذلك يأخذ المريض من الطبيب ورقة مكتوباً فيها الأدوية اللازمة. إن الإنسان يتناول كل دواء من هذه الأدوية دون أن يسأل الطبيب عن حكمة كل دواء؛ لأنه لو سأل عن ذلك فهذا معناه الدخول في متاهة كيميائية، فإن سأل أي إنسان ذلك المريض: لماذا تأخذ هذا الدواء؟ فيجيب المريض: لأن الذي كتب لي هذا الدواء هو الطبيب المتخصص بعلاج المعدة، أو القلب، أو الأمعاء أو أي عضو يشكو منه الإنسان. والطبيب قد يخطىء، إنما حكم الله لا يخطئ أبداً، فهو جل شأنه منزه عن الخطأ تماماً. إن الحكمة تكون عند الحق سبحانه وتعالى، وعندما ينفذ المؤمن مطلوب الله فإنه يدرك آثار الحكمة الربانية في نفسه. وكلمة "قانتين" كما عرفنا هي وصف لمن يعيشون القنوت، والقنوت هو عباده مع خضوع، وخشوع واستدامة. لماذا الخضوع، والخشوع؟ لأن الله جل وعلا لم يشرع العبادة لينفذها الإنسان، وينقذ نفسه من عذاب النار، لا؛ إننا نرى كثيرا من الناس - إذا ما لاحظنا واقع الحياة - إذا وجدوا رئيسا قوى الشكيمة وقوانينه صارمة في أن الموظفين تحت يده يجب أن يحضروا صباحاً في الميعاد المحدد، وأن ينصرفوا في الميعاد المحدد، ولا يسمح لهم بالانشغال بغير العمل، فلا يشربون الشاي، ولا يقرأون الصحف ولا يقابلون الأصدقاء، وغير ذلك من الأعمال. ويأتي واحد من الموظفين فيقول عن هذا الرئيس "إنه شديد المراس، ولذلك فليس له عندي إلا أن أحضر في الثامنة إلا خمس دقائق، ولن أنصرف إلا في الثانية وخمس دقائق، ولن أقرأ الصحف ولن أفعل أي شيء مما يمنعه". إن هذا الموظف يفعل ذلك بجبروت واستعلاء على رئيسه حتى لا يسمح له بنقد أو تجريح، فهذا الموظف ممتثل ولكن باستعلاء. إنها طاعة بلا حب، ولكنها باستعلاء. وقد يحاول عبد أن يقول: ماذا يطلب الله مني؟ يطلب مني الصلاة والزكاة وإقامة العبادات؟ سوف أفعل ذلك. لمثل هذا العبد نقول: لا، إن الله يطلب العبادة بحب منك وخشوع واطمئنان، لأن التكليف من الحق صدقة أخرى أجراها الله على العبد. إن الحق سبحانه وتعالى قد كلف العبد بالتكاليف الإيمانية، حتى يكون الإنسان سوياً وله قيمة في الحياة. إن معنى "قانت" هو العبد الذي يؤدي عبادة ربه بخشوع، وباطمئنان، وباستدامة. لماذا؟ لأن الذي يقبل على الطاعة ثم ينصرف عنها كأنه قد جرب وده لله فلم يجد الله أهلاً للود. أما العبد الطائع فهو لا ينصرف عن العبادة، لأنه ذاق حلاوة استدامة العبادة لله، وما دام قد أدرك حلاوة العبادة فهو يقبل عليها بخشوع، واطمئنان، واستدامة، ويدخل في دائرة القانتين. وبعد "القانتين" يقول الله سبحانه: "والمنفقين" وكلمة أنفق و"نفق"، مأخوذة من كلمة "نفق الحمار" أي مات، و"نفقت السوق" أي انتهت بضائعها واشتراها الناس ولم يبق منها شيء. و"نفقة" مأخوذة من هذا المعنى لتشعرنا بأن الإنسان حين ينفق فهو يُميت ما أنفقه من نفسه، فلا يتذكر أنه أنفق على فلان كذا، وعلى علان كذا، أي يعلم يقيناً أن ما أنفقه هو رزق من أنفقه عليهم وليس له إلا أجر إيصاله إليهم فلا مَنّ، ولا إذلال. إن الله يريد من كل إنسان يُخرج شيئا من ماله أن ينهى من ذهنه هذا الشيء الذي خرج من المال فلا يذكره ولا يَمُنّ به على أحد. "والنفقة"، تقتضي وجود مُنْفِق، ومنفَقاً عليه، ومنفَقاً به، المنفق كما نعرف هو المؤمن الذي عنده فضل مالٍ، والمنفَق عليه هو الفقير، والمنفَق به هو الخيرات. ومن أين تأتي هذه الخيرات؟ إنها تأتي نتيجة الحركة في الحياة، وحركة المتحرك في الحياة تقتضي قدرة، فإذا كان الإنسان عاجزاً، ولا يجد القدرة على الحركة، فمن أين يعيش، إن الله لا بد يضمن له في حركة القادر ما يعوله. لقد جعل الله القدرة عرضاً من أعراض الحياة، فالقادر اليوم قد يصير عاجزاً غداً. وما دامت القدرة عرضاً من أعراض الحياة، فالقادر الآن عندما يسمع الأمر من الله بأن ينفق على غير القادر، فلابد أن يُقدر في نفسه أن قدرته هي عرض من أعراض الحياة، والقادر الآن من الأغيار، لذلك فهو عرضة لأن يصير غداً من العاجزين، ويقول القادر لنفسه: "عندما أصبح عاجزاً سوف أجد من يعطيني". أليس ذلك هو التأمين الحق؟ إنه تأمين المؤمن. إن المؤمن يعطي عند قدرته، وذلك حتى يجنبه الله مشقة السؤال إن جاءت الأغيار، لأن الأغيار إن جاءت سوف يجد من يعطيه. إننا يجب أن نلحظ في الحكم، لا ساعة أن تطالب أنت بأداء مطلوب الحكم، ولكن ساعة أن يؤدي الغير إليك مطلوب الحكم. فالذي يطلب منه أن ينفق، عليه أن يقدر أنه قد يصبح عاجراً، ولنا أن نسأله: لو كنت عاجزاً ألم تكن تحب أن يعطيك الناس دون مَنٍّ أو أذى؟ إن هذا هو التأمين الحق، لأن التأمين في يد الله، وما دامت الأغيار عرضة لأن يصير القادر عاجزاً ويصير العاجز قادراً، فساعة ينفق المنفق يجب عليه أن يميت أنه أنفق فلا يتذكر وجه من أنفق عليه، ولا يخبر أحداً بما أنفق. عد الرسول صلى الله عليه وسلم الرجل الذي أنفق حتى لا تعلم شماله ما صنعت يمينه من السبعة الذين يظلهم الله في ظله فقال:"حديث : سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله فاجتمعا على ذلك وافترقا عليه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله رب العالمين، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ". تفسير : وبعد ذلك على المؤمن المنفق أن يُقدر ساعة عطائه أنه ادّخر ليأخذ، إما أن يأخذ إن طرأت له الأغيار في الدنيا، وإما أن يأخذ من يد الله في الآخرة أضعافاً مضاعفة. إذن، فالمنفق هو الذي يُؤَمِّن لغير القادر حركته في الحياة ضماناً لنفسه حين لا يقدر؛ أو استثماراً مضاعفاً عند الله، وهؤلاء المنفقون الذين يَسَعُونَ العاجزين بفضل ما لديهم، يظهرون حكمة الله في الوجود، لأن الله ما دام قد خلقنا، وفينا القادر، وفينا العاجز، فقد أراد الله لنا أن نعرف أن القدرة ليست لازمة في الخلق. فإن قدرت الآن فقد تُسلب - بضم التاء - منك هذه القدرة، وما دامت القدرة يتم سلبها، فلابد أن يتمسك المؤمن بالقيوم الذي يقيم القدرة لك أيها المؤمن دائماً، وذلك حتى يعرف الواحد منا أنه لم ينفلت من ربه، خلقنا قادرين وانتهت المسألة. لا. إنّ القدرة أغيار تذهب وتجيء. وما دامت الأغيار تذهب وتجيء فلا بد أن يضع المؤمن نصب عينيه عطاء القادر الأعلى. وقلنا سابقاً: إن الله جعل المنفقين وصفا من أوصاف الذين اتقوا، والذين أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، وذلك حتى يحمي الله الضعيف الذي خلقه الله لحكمة في الوجود. إن الإنفاق ليس أخذاً من العبد، وإنما هو مناولة، هذه المناولة تتضح في أنه ما كان لك ما يزيد عن حاجتك، إلا بحركتك في الحياة. وهذه الحركة في الحياة تتطلب عقلا يخطط للحركة وجوارح تنفذ المخطط الفكري، ومادة يتم الفعل فيها سواء كانت أرضا تتم زراعتها, أو آلة يتم الصنع بها، ولا شيء للإنسان من هذا في الكون. إن المخ الذي يدبر هو عطاء من الله، والطاقة التي تنفذ هي عطاء من الله. ونحن نرى في الحياة إنساناً قد نزع الله عنه المخ الذي يفكر ويدبر، ونجد إنساناً آخر قد نزع الله منه الطاقة التي تنفذ، فقد يمنع الله عن عبدٍ المادة التي يتفاعل معها. إذن، فلا شيء من هذه الأشياء ذاتي للإنسان؛ إنها كلها عطاء من الله. فليعمل المؤمن مضاربا عند الله، وليعط المؤمن للعاجز حق الله. إن الله لا يأخذ هذا الحق لنفسه إنما يريده الله لأخيك العاجز، وسوف يطلب الله هذا الحق لك إذا عنَّت لك حاجة بسبب الأغيار. هكذا تكون "المنفقين" صفة من صفات الذين اتقوا ربهم. والحق سبحانه وتعالى قد جعل في الصبر، صلابة اليقين الإيماني في النفس البشرية. وفي الصدق انسجاماً مع واقع لا إله إلا الله، وفي النفقة حماية العاجز الذي لا يقدر. وبعد ذلك يعود إلى نفس المؤمن عودة أخرى فيقول: {وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ} [آل عمران: 17] إننا يجب أن نأخذ هذا الوصف بعد مجيء الأوصاف الأخرى في النفس البشرية. البداية هي إقرارهم بالإيمان، ودعاؤهم الحق - سبحانه - أن يغفر لهم وقد طلبوا الوقاية من عذاب النار، وصبروا، وصدقوا، وقنتوا في العبادة، وأنفقوا في سبيل الله، إن كل هذه الأوصاف تبرئ ذمتهم من أنهم مقصرون أيضاً في حقوق إلههم لذلك فهم يأتون حال السكون بالليل، ويستغفرون الله. إما أن يستغفر العبد لأنه قد فرطت منه هفوة في ذنب، وإما أن يستغفر لأنه لم يَزد فيما يفعله من أمور الطاعة. وكلمة "بالأسحار" توضح لنا لحظات من اليوم يكون الإنسان فيها محل الكسل والراحة، إن الذي سوف يصحو في السحر لا بد أن يكون قد اكتفى من الراحة، ولم يكن قد أخذ منه كد الحياة كل النهار، ثم إن بعضهم يأخذه لهو الحياة ليلا. وهذا هو وجه الخيبة لما يحدث في زماننا. إن كد الحياة - إن أخذ - يأخذ نهاراً، وبعد ذلك يأخذنا لهو الحياة ليلا، مما نشاهده من لهو الحديث، ولهو السهرات، وبعد ذلك يأتي الإنسان لينام متأخراً، فكيف نطلب من هذا الإنسان أن يصحو في السحر؟ إن الذي يصحو في السحر هو من أخذ حظه في الراحة، فبعد أن جاء من كد العمل نام نوماً هادئاً، ويصحو من بعد ذلك في السحر ليذكر ربه، في الوقت الذي نام فيه غيره من الناس، لماذا؟ لأن الحق سبحانه وتعالى في لحظة سكون الليل يوزع رحمته، وعندما يصحو إنسان في السحر ويدعو الله، ويستغفره فإنه يأخذ من رحمة الله النازلة. وعندما يأخذ هذا العبد من رحمة الله النازلة في ذلك الوقت، فمعنى هذا أنه سيأخذ الكثير من رحمة الله. وإياك أن تقول: لو صحونا جميعاً في الأسحار لنفدت الرحمة والعطاء "لا" لأن الله قد قال: {أية : مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ}تفسير : [النحل: 96]. إن قدرته جل وعلا تتسع لعطائنا جميعاً دون أن ينقص شيء من عنده. إن كل هذه الأشياء من التقوى، والإقرار بالإيمان، وطلب المغفرة للذنوب، وطلب الوقاية من عذاب النار، والصبر، والصدق، والقنوت، والإنفاق في سبيل الله، والاستغفار بالأسحار، كل ذلك نتيجة للتقوى الأولى. إنها الثمرة من "لا إله إلا الله". وما دامت هذه هي الثمرة من "لا إله إلا الله" فليعلم كل إنسان، أن الله لم يدعك لتستنبطها أنت من مفقود، بل اعلم أن الله قد شهد أنه لا إله إلا الله، وكفى بالله شهيداً. لذلك يقول الحق: {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):