Verse. 311 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

شَہِدَ اللہُ اَنَّہٗ لَاۗ اِلٰہَ اِلَّا ھُوَ۝۰ۙ وَالْمَلٰۗىِٕكَۃُ وَاُولُوا الْعِلْمِ قَاۗىِٕمًۢا بِالْقِسْطِ۝۰ۭ لَاۗ اِلٰہَ اِلَّا ھُوَالْعَزِيْزُ الْحَكِيْمُ۝۱۸ۭ
Shahida Allahu annahu la ilaha illa huwa waalmalaikatu waoloo alAAilmi qaiman bialqisti la ilaha illa huwa alAAazeezu alhakeemu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«شهد الله» بيَّن لخلقه بالدلائل والآيات «أنه لا إله» أي لا معبود في الوجود بحق «إلا هو و» شهد بذلك «الملائكةُ» بالإقرار «وأولوا العلم» من الأنبياء والمؤمنين بالاعتقاد واللفظ «قائماً» بتدبير مصنوعاته ونصبه على الحال والعامل فيها معنى الجملة أي تفرد «بالقسط» بالعدل «لا إله إلا هو» كرره تأكيدا «العزيز» في ملكه «الحكيم» في صنعه.

18

Tafseer

الرازي

تفسير : إعلم أنه تعالى لما مدح المؤمنين وأثنى عليهم بقوله {أية : ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا ءَامَنَّا } تفسير : [آل عمران: 16] أردفه بأن بيّن أن دلائل الإيمان ظاهرة جلية، فقال: {شَهِدَ ٱللَّهُ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: إعلم أن كل ما يتوقف العلم بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم على العلم به، فإنه لا يمكن إثباته بالدلائل السمعية أما ما يكون كذلك فإنه يجوز إثباته بالدلائل السمعية، وفي حق الملائكة، وفي حق أولي العلم، لكن العلم بصحة نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم لا يتوقف على العلم بكون الله تعالى واحداً فلا جرم يجوز إثبات كون الله تعالى واحداً بمجرد الدلائل السمعية القرآنية. إذا عرفت هذا فنقول: ذكروا في قوله {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ } قولين: أحدهما: أن الشهادة من الله تعالى، ومن الملائكة، ومن أولي العلم بمعنى واحد الثاني: أنه ليس كذلك، أما القول الأول فيمكن تقريره من وجهين: الوجه الأول: أن تجعل الشهادة عبارة عن الإخبار المقرون بالعلم، فهذا المعنى مفهوم واحد وهو حاصل في حق الله تعالى، وفي حق الملائكة، وفي حق أولي العلم، أما من الله تعالى فقد أخبر في القرآن عن كونه واحداً لا إلٰه معه، وقد بينا أن التمسك بالدلالة السمعية في هذه المسألة جائز، وأما من الملائكة وأولي العلم فكلهم أخبروا أيضاً أن الله تعالى واحد لا شريك له، فثبت على هذا التقرير أن المفهوم من الشهادة معنى واحد في حق الله، وفي حق الملائكة، وفي حق أولي العلم. الوجه الثاني: أن نجعل الشهادة عبارة عن الإظهار والبيان، ثم نقول: إنه تعالى أظهر ذلك وبينه بأن خلق ما يدل على ذلك، أما الملائكة وأولوا العلم فقد أظهروا ذلك، وبيّنوه بتقرير الدلائل والبراهين، أما الملائكة فقد بيّنوا ذلك للرسل عليهم الصلاة والسلام، والرسل للعلماء، والعلماء لعامة الخلق، فالتفاوت إنما وقع في الشيء الذي به حصل الإظهار والبيان، فالمفهوم الإظهار والبيان فهو مفهوم واحد في حق الله سبحانه وتعالى، وفي حق أولي العلم، فظهر أن المفهوم من الشهادة واحد على هذين الوجهين، والمقصود من ذلك كأنه يقول للرسول صلى الله عليه وسلم: إن وحدانية الله تعالى أمر قد ثبت بشهادة الله تعالى، وشهادة جميع المعتبرين من خلقه، ومثل هذا الدين المتين والمنهج القويم، لا يضعف بخلاف بعض الجهال من النصارى وعبدة الأوثان، فاثبت أنت وقومك يا محمد على ذلك فإنه هو الإسلام والدين عند الله هو الإسلام. القول الثاني: قول من يقول: شهادة الله تعالى على توحيده، عبارة عن أنه خلق الدلائل الدالة على توحيده، وشهادة الملائكة وأولي العلم عبارة عن إقرارهم بذلك، ولما كان كل واحد من هذين الأمرين يسمى شهادة، لم يبعد أن يجمع بين الكل في اللفظ، ونظيره قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً} تفسير : [الأحزاب: 56] ومعلوم أن الصلاة من الله غير الصلاة من الملائكة، ومن الملائكة غير الصلاة من الناس، مع أنه قد جمعهم في اللفظ. /فإن قيل: المدعي للوحدانية هو الله، فكيف يكون المدعي شاهداً؟. الجواب: من وجوه الأول: وهو أن الشاهد الحقيقي ليس إلا الله، وذلك لأنه تعالى هو الذي خلق الأشياء وجعلها دلائل على توحيده، ولولا تلك الدلائل لما صحت الشهادة، ثم بعد ذلك نصب تلك الدلائل هو الذي وفق العلماء لمعرفة تلك الدلائل، ولولا تلك الدلائل التي نصبها الله تعالى وهدى إليها لعجزوا عن التوصل بها إلى معرفة التوحيد، وإذا كان الأمر كذلك كان الشاهد على الوحدانية ليس إلا الله وحده، ولهذا قال: {أية : قُلْ أَىُّ شَىْء أَكْبَرُ شَهَـٰدةً قُلِ ٱللَّهِ } تفسير : [الأنعام: 19]. الوجه الثاني: في الجواب أنه هو الموجود أزلاً وأبداً، وكل ما سواه فقد كان في الأزل عدماً صرفاً، ونفياً محضاً، والعدم يشبه الغائب، والموجود يشبه الحاضر، فكل ما سواه فقد كان غائباً، وبشهادة الحق صار شاهداً، فكان الحق شاهداً عل الكل، فلهذا قال: {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ }. الوجه الثالث: أن هذا وإن كان في صورة الشهادة، إلا أنه في معنى الإقرار، لأنه لما أخبر أنه لا إلٰه سواه، كان الكل عبيداً له، والمولى الكريم لا يليق به أن لا يخل بمصالح العبيد، فكان هذا الكلام جارياً مجرى الإقرار بأنه يجب وجوب الكريم عليه أن يصلح جهات جميع الخلق. الوجه الرابع: في الجواب قرأ ابن عباس {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } بكسر {إِنَّهُ } ثم قرأ {أية : إِنَّ الدّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلَـٰمُ } تفسير : [آل عمران: 19] بفتح {أن } فعلى هذا يكون المعنى: شهد الله أن الدين عند الله الإسلام ويكون قوله {أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } اعتراضاً في الكلام، واعلم أن الجواب لا يعتمد عليه، لأن هذه القراءة غير مقبولة عند العلماء، وبتقدير {أن } تكون مقبولة لكن القراءة الأولى متفق عليها، فالإشكال الوارد عليها لا يندفع بسبب القراءة الأخرى. المسألة الثانية: المراد من {أُوْلِى ٱلْعِلْمِ } في هذه الآية الذين عرفوا وحدانيته بالدلائل القاطعة لأن الشهادة إنما تكون مقبولة، إذا كان الإخبار مقروناً بالعلم، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا علمت مثل الشمس فاشهد» تفسير : وهذا يدل على أن هذه الدرجة العالية والمرتبة الشريفة ليست إلا لعلماء الأصول. أما قوله تعالى: {قَائِمَاً بِٱلْقِسْطِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: {قَائِمَاً بِٱلْقِسْطِ } منتصب، وفيه وجوه: الوجه الأول: نصب على الحال، ثم فيه وجوه أحدها: التقدير: شهد الله قائماً بالقسط وثانيها: يجوز أن يكون حالا من هو تقديره: لا إلٰه إلا هو قائماً بالقسط، ويسمى هذا حالاً مؤكدة كقولك: أتانا عبد الله شجاعاً، وكقولك: لا رجل إلا عبد الله شجاعاً. الوجه الثاني: أن يكون صفة المنفي، كأنه قيل: لا إلٰه قائماً بالقسط إلا هو، وهذا غير بعيد لأنهم يفصلون بين الصفة والموصوف. والوجه الثالث: أن يكون نصباً على المدح. فإن قيل: أليس من حق المدح أن يكون معرفة، كقولك، الحمد لله الحميد. قلنا: وقد جاء نكرة أيضاً، وأنشد سيبويه:شعر : ويأوي إلى نسوة عطل وشعثاً مراضع مثل السعاليتفسير : المسألة الثانية: قوله {قَائِمَاً بِٱلْقِسْطِ } فيه وجهان الأول: أنه حال من المؤمنين والتقدير: وأولوا العلم حال كون كل واحد منهم قائماً بالقسط في أداء هذه الشهادة والثاني: وهو قول جمهور المفسرين أنه حال من {شَهِدَ ٱللَّهُ }. المسألة الثالثة: معنى كونه {قَائِمَاً بِٱلْقِسْطِ } قائماً بالعدل، كما يقال: فلان قائم بالتدبير، أي يجريه على الاستقامة. واعلم أن هذا العدل منه ما هو متصل بباب الدنيا، ومنه ما هو متصل بباب الدين، أما المتصل بالدين، فانظر أولاً في كيفية خلقة أعضاء الإنسان، حتى تعرف عدل الله تعالى فيها، ثم انظر إلى اختلاف أحوال الخلق في الحسن والقبح، والغنى والفقر والصحة والسقم، وطول العمر وقصره واللذة والآلام واقطع بأن كل ذلك عدل من الله وحكمة وصواب ثم انظر في كيفية خلقة العناصر وأجرام الأفلاك، وتقدير كل واحد منها بقدر معين وخاصية معينة، واقطع بأن كل ذلك حكمة وصواب، أما ما يتصل بأمر الدين، فانظر إلى اختلاف الخلق في العلم والجهل، والفطانة والبلادة والهداية والغواية، واقطع بأن كل ذلك عدل وقسط، ولقد خاض صاحب «الكشاف» ههنا في التعصب للاعتزال وزعم أن الآية دالة على أن الإسلام هو العدل والتوحيد، وكان ذلك المسكين بعيداً عن معرفة هذه الأشياء إلا أنه فضولي كثير الخوض فيما لا يعرف، وزعم أن الآية دلّت على أن من أجاز الرؤية، أو ذهب إلى الجبر لم يكن على دين الله الذي هو الإسلام، والعجب أن أكابر المعتزلة وعظماءهم أفنوا أعمارهم في طلب الدليل على أنه لو كان مرئياً لكان جسماً، وما وجدوا فيه سوى الرجوع إلى الشاهد من غير جامع عقلي قاطع، فهذا المسكين الذي ما شم رائحة العلم من أين وجد ذلك، وأما حديث الجبر فالخوض فيه من ذلك المسكين خوض فيما لا يعنيه، لأنه لما اعترف بأن الله تعالى عالم بجميع الجزئيات، واعترف بأن العبد لا يمكنه أن يقلب علم الله جهلاً، فقد اعترف بهذا الجبر، فمن أين هو والخوض في أمثال هذه المباحث. ثم قال الله تعالى: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } والفائدة في إعادته وجوه الأول: أن تقدير الآية: شهد الله أنه لا إلٰه إلا هو، وإذا شهد بذلك فقد صح أنه لا إلٰه إلا هو، ونظيره قول من يقول: الدليل دلّ على وحدانية الله تعالى، ومتى كان كذلك صح القول بوحدانية الله تعالى الثاني: أنه تعالى لما أخبر أن الله شهد أنه لا إلٰه إلا هو وشهدت الملائكة وأولوا العلم بذلك صار التقدير، كأنه قال: يا أمة محمد فقولوا أنتم على وفق شهادة الله وشهادة الملائكة وأولي العلم لا إِلَـٰه إِلا هو فكان الغرض من الإعادة الأمر بذكر هذه الكلمة على وفق تلك الشهادات الثالث: فائدة هذا التكرير الإعلام بأن المسلم يجب أن يكون أبداً في تكرير هذه الكلمة فإن أشرف كلمة يذكرها الإنسان هي هذه الكلمة، فإذا كان في أكثر الأوقات مشتغلاً بذكرها وبتكريرها كان مشتغلاً بأعظم أنواع العبادات، فكان الغرض من التكرير في هذه الآية حث العباد على تكريرها الرابع: ذكر قوله {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } أولاً: ليعلم أنه لا تحق العبادة إلا لله تعالى، وذكرها ثانيا: ليعلم أنه القائم بالقسط لا يجور ولا يظلم. أما قوله {ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ } فالعزيز إشارة إلى كمال القدرة، والحكيم إشارة إلى كمال العلم، وهما الصفتان اللتان يمتنع حصول الإلٰهية إلا معهما لأن كونه قائماً بالقسط لا يتم إلا إذا كان عالماً بمقادير الحاجات، وكان قادراً على تحصيل المهمات، وقدم العزيز على الحكيم في الذكر، لأن العلم بكونه تعالى قادراً متقدم على العلم بكونه عالماً في طريق المعرفة الإستدلالية، فلما كان مقدماً في المعرفة الإستدلالية، وكان هذا الخطاب مع المستدلين، لا جرم قدم تعالى ذكر العزيز على الحكيم.

القرطبي

تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى: قال سعيد بن جبير: كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً، فلما نزلت هذه الآية خَرَرْنَ سُجّداً. وقال الكلبيّ: حديث : لما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة قدم عليه حِبران من أحبار أهل الشام؛ فلما أبصرا المدينة قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبيّ الذي يخرج في آخر الزمان!. فلما دخلا على النبيّ صلى الله عليه وسلم عرفاه بالصفة والنعت، فقالا له: أنت محمد؟ قال «نعم». قالا: وأنت أحمد ؟ قال: «نعم». قالا: نسألك عن شهادة، فإن أنت أخبرتنا بها آمنّا بك وصدّقناك. فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سَلاَني». فقالا: أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله. فأنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ} فأسلم الرجلان وصدّقا برسول الله صلى الله عليه وسلمتفسير : . وقد قيل: إن المراد بأُولي العلم الأنبياء عليهم السلام. وقال ٱبن كيسان: المهاجرون والأنصار. مقاتِل: مؤمِنوا أهل الكتاب. السدي والكلبيّ: المؤمنون كلهم؛ وهو الأظهر لأنه عام. الثانية: في هذه الآَية دليل على فضل العلم وشرف العلماء وفضلهم؛ فإنه لو كان أحدٌ أشرفَ من العلماء لقرنهم الله باسمه وٱسم ملائكته كما قرن ٱسم العلماء. وقال في شرف العلم لنبيه صلى الله عليه وسلم {أية : وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْماً} تفسير : [طه: 114] فلو كان شيء أشرف من العلم لأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يسأله المزيد منه كما أمر يستزيده من العلم. وقال صلى الله عليه وسلم. «حديث : إنّ العلماء ورثة الأنبياء»تفسير : . وقال: «حديث : العلماء أُمَنَاء الله على خلقه»تفسير : . وهذا شرف للعلماء عظيم، ومحلُّ لهم في الدّين خطير. وخرّج أبو محمد عبد الغني الحافظ من حديث برَكَة بن نَشِيط ـ وهو عَنْكَل بن حكارك وتفسيره بركة بن نشيط ـ وكان حافظا، حدثنا عمر ٱبن المؤمل حدثنا محمد بن أبي الخصيب حدّثنا محمد بن إسحاق حدّثنا شريك عن أبي إسحاق عن البراء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : العلماء ورثة الأَنبياء يحبهم أهل السماء ويستغفر لهم الحيتان في البحر إذا ماتوا إلى يوم القيامة»تفسير : . وفي هذا الباب (حديث) عن أبي الدرداء خرّجه أبو داود. الثالثة: روى غالب القطان قال: أتيت الكوفة في تجارة فنزلت قريباً من الأعمش فكنت أختلف إليه. فلما كان ليلة أردت أن أنحدر إلى البصرة قام فتهجد من الليل فقرأ بهذه الآَية {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ}، قال الأعمش: وأنا أشهد بما شهِد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة، وهي لى (عند الله) وديعة، وأن الدين عند الله الإسلام ـ قالها مرارا ـ فغدوت إليه وودّعته ثم قلت: إني سمعتك تقرأ هذه الآية فما بلغك فيها؟ أنا عندك منذ سنة لم تحدثني به. قال: والله لا حدثتك به سنة. قال: فأقمت وكتبت على بابه ذلك اليوم، فلما مضت السنة قلت: يا أبا محمد قد مضت السنة. قال: حدّثني أبو وائل. عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يُجَاء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله تعالى عبدي عهِد إلي وأنا أحَقّ من وَفي أدخِلوا عبدي الجنة». قال أبو الفرج الجوزي: غالب القطّان هو غالب بن خُطّاف القطّان، يروي عن الأعمش حديث «شهد الله» وهو حديث مُعْضَل. قال ٱبن عدىَّ الضعف على حديثه بيِّن. وقال أحمد بن حنبل: غالب بن خُطّاف القَطّان ثِقةٌ ثقة. وقال ٱبن معين: ثِقة. وقال أبو حاتم: صدوق صالح. قلت: يكفيك من عدالته وثقته أن خرّج له البخاري ومسلم في كتابيهما، وحسبك، وروي من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : منْ قرأ {شَهِد اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إلَهَ إِلاّ هُوَ والْمَلاَئِكَةُ وأُولُوا الْعِلْمِ قَائِماً بِالقِسطِ لاَ إلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} عند منامه خلق الله له سبعين ألف ملك يستغفرون له إلى يوم القيامة»تفسير : . ويقال من أقرّ بهذه الشهادة عن عقْد من قلبه فقد قام بالعدل. وروى عن سعيد بن جبير أنه قال: كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً لكل حَيِّ من أحْيَاء العرب صنمٌ أو صنمان. فلما نزلت هذه الآَية أصبحت الأصنام قد خرت ساجدة لله. الرابعة: قوله تعالى: {شَهِدَ ٱللَّهُ} أي بَيّن وأعلم؛ كما يقال: شهِد فلان عند القاضي إذا بيّن وأعلم لمن الحقّ، أو على مِنْ هو. قال الزجاج: الشاهد هو الذي يعلم الشيء ويَبيَّنه؛ وفقد دّلنا الله تعالى على وحدانيته بما خَلَق وبَيّن. وقال أبو عُبَيْدة: «شهِد الله» بمعنى قضى الله، أي أعلم. وقال ٱبن عطية: وهذا مردود من جهات. وقرأ الكسائي بفتح «أنّ» في قوله «أنّه لا إله إلاّ هُو» وقوِله «أنّ الدِّينَ». قال المبرد: التقدير: أن الدين عند الله الإسلام بأنه لا إله إلا هو، ثم حذفت الباء كما قال: أمرتُك الخيْرَ. أي بالخير. قال الكسائيّ: أنصِبْهما جميعاً، بمعنى شهد الله أنه كذا، وأنّ الدين عند الله. قال ٱبن كيسان: «أنّ» الثانية بدل من الأولى؛ لأن الإسلام تفسير المعنى الذي هو التوحيد. وقرأ ٱبن عباس فيما حكى الكسائيّ «شَهِدَ اللَّهُ إنَّهُ» بالكسر « أنّ الدِّين» بالفتح. والتقدير: شهد الله أن الدين الإسلام، ثم ٱبتدأ فقال: إنه لا إله إلا هو. وقرأ أبو المهلّب وكان قارئا ـ شُهَدَاءَ اللَّهِ بالنصب على الحال، وعنه «شُهَدَاء الله». وروى شعبة عن عاصم عن زِرِّ عن أُبَيّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ «أن الدين عند الله الحنِيفية لا اليهودية ولا النصرانية ولا المجوسية» قال أبو بكر الأنباريّ: ولا يخفى على ذي تمييزٍ أن هذا الكلام من النبي صلى الله عليه وسلم على جهة التفسير، أدخله بعض من نقل الحديث في القرآن. و {قَآئِمَاً} نصب على الحال المؤكّدة من ٱسمه تعالى في قوله {شَهِدَ ٱللَّهُ} أو من قوله {إِلاَّ هُوَ}. وقال الفرّاء: هو نصب على القطع، كان أصله القائم، فلما قطعت الألف واللام نُصب كقوله: {أية : وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً} تفسير : [النحل: 52] وفي قراءة عبد الله «القَائِمُ بِالقِسْطِ» على النعت، والقِسط العدل. {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} كرّر لأن الأولى حَلّتْ محلّ الدعوى، والشهادة الثانية حلّت محل الحكُم. وقال جعفر الصادق: الأولى وصفٌ وتوحيدٌ، والثانية رَسْمٌ وتعليمٌ؛ يعني قولوا لا إله إلا الله العزيز الحكيم.

البيضاوي

تفسير : {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} بين وحدانيته بنصب الدلائل الدالة عليها وإنزال الآيات الناطقة بها. {وَٱلْمَلَـئِكَةُ } بالإِقرار. {وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ } بالإِيمان بها والاحتجاج عليها، شبه ذلك في البيان والكشف بشهادة الشاهد. {قَائِمَاً بِٱلْقِسْطِ } مقيماً للعدل في قسمه وحكمه وانتصابه على الحال من الله، وإنما جاز إفراده بها ولم يجز جاء زيد وعمرو راكباً لعدم اللبس كقوله تعالى: {أية : وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً }تفسير : [الأنبياء: 72] أو من هو والعامل فيها معنى الجملة أي تفرد قائماً، أو أحقه لأنها حال مؤكدة، أو على المدح، أو الصفة للمنفي وفيه ضعف للفصل وهو مندرج في المشهود به إذا جعلته صفة، أو حالاً من الضمير. وقرىء القائم بالقسط على البدل عن هو أو الخبر لمحذوف. {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } كرره للتأكيد ومزيد الاعتناء بمعرفة أدلة التوحيد والحكم به بعد إقامة الحجة وليبني عليه قوله: {ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ } فيعلم أنه الموصوف بهما، وقدم العزيز لتقديم العلم بقدرته على العلم بحكمته، ورفعهما على البدل من الضمير أو الصفة لفاعل شهد. وقد روي في فضلهما أنه عليه الصلاة والسلام قال «حديث : يجاء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله تعالـى: «إن لـعبدي هذا عندي عهداً وأنا أحق من وفى بالعهد، ادخلوا عبدي الجنـة»»تفسير : وهي دليل على فضل علم أصول الدين وشرف أهله. {إِنَّ الدّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلَـٰمُ} جملة مستأنفة مؤكدة للأولى أي لا دين مرضي عند الله سوى الإسلام، وهو التوحيد والتدرع بالشرع الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وقرأ الكسائي بالفتح على أنه بدل من أنه بدل الكل أن فسر الإِسلام بالإِيمان، أو بما يتضمنه وبدل اشتمال إن فسر بالشريعة. وقرىء أنه بالكسر وأن بالفتح على وقوع الفعل على الثاني، واعتراض ما بينهما أو إجراء شهد مجرى قال تارة وعلم أخرى لتضمنه معناهما. {وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } من اليهود والنصارى، أو من أرباب الكتب المتقدمة في دين الإِسلام فقال قوم إنه حق وقال قوم إنه مخصوص بالعرب ونفاه آخرون مطلقاً، أو في التوحيد فثلثت النصارى {أية : وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ }تفسير : [التوبة: 30] وقيل هم قوم موسى اختلفوا بعده. وقيل هم النصارى اختلفوا في أمر عيسى عليه السلام. {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ٱلْعِلْمُ } أي بعد ما علموا حقيقة الأمر وتمكنوا من العلم بها بالآيات والحجج. {بَغْياً بَيْنَهُمْ } حسداً بينهم وطلباً للرئاسة، لا لشبهة وخفاء في الأمر. {وَمَن يَكْفُرْ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهِ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} وعيد لمن كفر منهم. {فَإنْ حَاجُّوكَ} في الدين، أو جادلوك فيه بعد ما أقمت الحجج. {فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ} أخلصت نفسي وجملتي له لا أشرك فيها غيره، وهو الدين القويم الذي قامت به الحجج ودعت إليه الآيات والرسل، وإنما عبر بالوجه عن النفس لأنه أشرف الأعضاء الظاهرة ومظهر القوى والحواس {وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ} عطف على التاء في أسلمت وحسن للفصل، أو مفعول معه. {وَقُلْ لّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلأُمّيّينَ} الذين لا كتاب لهم كمشركي العرب. {ءَأَسْلَمْتُمْ} كما أسلمت لما وضحت لكم الحجة، أم أنتم بعد على كفركم ونظيره وقوله: {أية : فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ }تفسير : [المائدة: 91] وفيه تعيير لهم بالبلادة أو المعاندة. {فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ } فقد نفعوا أنفسهم بأن أخرجوها من الضلال. {وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ } أي فلم يضروك إذ ما عليك إلا أن تبلغ وقد بلغت. {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ } وعد ووعيد. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيّينَ بِغَيْرِ حَقّ وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} هم أهل الكتاب الذين في عصره عليه السلام. قتل أولهم الأنبياء ومتابعيهم وهم رضوا به وقصدوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ولكن الله عصمهم، وقد سبق مثله في سورة البقرة. وقرأ حمزة «ويقاتلون الذين». وقد منع سيبويه إدخال الفاء في خبر إن كليت ولعل ولذلك قيل الخبر. {أُولَـئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} كقولك زيد فافهم رجل صالح، والفرق أنه لا يغير معنى الابتداء بخلافهما. {وَمَا لَهُم مّن نَّـٰصِرِينَ} يدفع عنهم العذاب.

ابن كثير

تفسير : شهد تعالى، وكفى به شهيداً، وهو أصدق الشاهدين وأعدلهم، وأصدق القائلين {أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} أي: المنفرد بالإلهية لجميع الخلائق، وأن الجميع عبيده وخلقه وفقراء إليه، وهوالغني عما سواه، كما قال تعالى: {أية : لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ}تفسير : [النساء: 166] الآية، ثم قرن شهادة ملائكته وأولي العلم بشهادته، فقال: {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ} وهذه خصوصية عظيمة للعلماء في هذا المقام {قائماً بالقسط} منصوب على الحال، وهو في جميع الأحوال كذلك {لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} تأكيد لما سبق، {ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ} العزيز الذي لا يرام جنابه عظمةً وكبرياءً، الحكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره. وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا بقية بن الوليد، حدثني جبير بن عمرو القرشي، حدثنا أبو سعيد الأنصاري، عن أبي يحيى مولى آل الزبير بن العوام، عن الزبير بن العوام، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم - وهو بعرفة - يقرأ هذه الآية: { شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} وأنا على ذلك من الشاهدين يا رب. وقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر فقال: حدثنا علي بن حسين، حدثنا محمد بن المتوكل العسقلاني، حدثنا عمر بن حفص بن ثابت أبو سعيد الأنصاري، حدثنا عبد الملك بن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن جده، عن الزبير، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قرأ هذه الآية: {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ} قال: «حديث : وأنا أشهد أي رب» تفسير : وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في المعجم الكبير: حدثنا عبدان بن أحمد وعلي بن سعيد الرازي، قالا: حدثنا عمار بن عمر بن المختار، حدثني أبي، حدثني غالب القطان قال: أتيت الكوفة في تجارة، فنزلت قريباً من الأعمش، فلما كانت ليلة، أردت أن أنحدر، قام فتهجد من الليل، فمر بهذه الآية: { شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلَـٰمُ} ثم قال الأعمش: وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة، وهي لي عند الله وديعة {إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلَـٰمُ} قالها مراراً، قلت: لقد سمع فيها شيئاً، فغدوت إليه، فودعته ثم قلت: يا أبا محمد إني سمعتك تردد هذه الآية، قال: أوما بلغك ما فيها؟ قلت: أنا عندك منذ شهر لم تحدثني. قال: والله لا أحدثك بها إلى سنة، فأقمت سنة، فكنت على بابه، فلما مضت السنة قلت: يا أبا محمد، قد مضت السنة. قال: حدثني أبو وائل عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : يجاء بصاحبها يوم القيامة، فيقول الله عز وجل: عبدي عهد إليّ، وأنا أحق من وفى بالعهد، أدخلوا عبدي الجنة»تفسير : . وقوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلَـٰمُ} إخبار منه تعالى بأنه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام، وهواتباع الرسل فيما بعثهم الله به في كل حين حتى ختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي سد جميع الطرق إليه إلا من جهة محمد صلى الله عليه وسلم فمن لقي الله بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم بدين على غير شريعته، فليس بمتقبل، كما قال تعالى: {أية : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلَـٰمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ}تفسير : [آل عمران: 85] الآية، وقال في هذه الآية مخبراً بانحصار الدين المتقبل عنده في الإسلام: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلَـٰمُ}. وذكر ابن جرير أن ابن عباس قرأ: { شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلَـٰمُ}، بكسر إنه، وفتح أن الدين عند الله الإسلام، أي: شهد هو والملائكة وأولو العلم من البشر بأن الدين عند الله الإسلام، والجمهور قرؤوها بالكسر على الخبر، وكلا المعنيين صحيح، ولكن هذا على قول الجمهور أظهر، والله أعلم، ثم أخبر تعالى بأن الذين أوتوا الكتاب الأول، إنما اختلفوا بعد ما قامت عليهم الحجة بإرسال الرسل إليهم، وإنزال الكتب عليهم، فقال: {وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} أي: بغى بعضهم على بعض، فاختلفوا في الحق؛ لتحاسدهم وتباغضهم وتدابرهم، فحمل بعضهم بغض البعض الآخر على مخالفته في جميع أقواله وأفعاله، وإن كانت حقاً، ثم قال تعالى: {وَمَن يَكْفُرْ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ} أي: من جحد ما أنزل الله في كتابه {فَإِنَّ ٱللَّهِ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} أي: فإن الله سيجازيه على ذلك، ويحاسبه على تكذيبه، ويعاقبه على مخالفته كتابه. ثم قال تعالى: {فَإنْ حَآجُّوكَ} أي: جادلوك في التوحيد {فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ للَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ} أي: فقل: أخلصت عبادتي لله وحده لا شريك له، ولا ند له، ولا ولد له، ولا صاحبة له، {وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ} أي: على ديني يقول كمقالتي، كما قال تعالى: {أية : قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِىۤ أَدْعُو إِلَىٰ ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى}تفسير : [يوسف: 108] الآية، ثم قال تعالى آمراً لعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم أن يدعو إلى طريقته ودينه، والدخول في شرعه وما بعثه الله به، الكتابيين من الملتين، والأميين من المشركين، فقال تعالى: {وَقُلْ لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلأُمِّيِّينَ ءَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ} أي: والله عليه حسابهم، وإليه مرجعهم ومآبهم، وهو الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة. ولهذا قال تعالى: {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ} أي: هو عليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلالة، وهو الذي {أية : لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـأَلُونَ}تفسير : [الأنبياء: 23] وما ذلك إلا لحكمته ورحمته. وهذه الآية وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته صلوات الله وسلامه عليه إلى جميع الخلق؛ كما هو معلوم من دينه ضرورة، وكما دل عليه الكتاب والسنة في غير ما آية وحديث، فمن ذلك قوله تعالى: {أية : قُلْ يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا}تفسير : [الأعراف: 158] وقال تعالى: {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَـٰلَمِينَ نَذِيراً} تفسير : [الفرقان: 1] وفي الصحيحين وغيرهما مما ثبت تواتره بالوقائع المتعددة أنه صلى الله عليه وسلم بعث كتبه يدعو إلى الله ملوك الآفاق، وطوائف بني آدم؛ من عربهم وعجمهم، كتابيهم وأميهم؛ امتثالاً لأمر الله له بذلك، وقد روى عبد الرزاق عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة: يهودي ولا نصراني، ومات ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أهل النار»تفسير : رواه مسلم. وقال صلى الله عليه وسلم «حديث : بعثت إلى الأحمر والأسود»تفسير : ، وقال: «حديث : كان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة».تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا مؤمل، حدثنا حماد، حدثنا ثابت عن أنس رضي الله عنه: أن غلاماً يهودياً كان يضع للنبي صلى الله عليه وسلم وضوءه، ويناوله نعليه، فمرض، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فدخل عليه، وأبوه قاعد عند رأسه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : يا فلان قل: لا إله إلا الله»تفسير : فنظر إلى أبيه، فسكت أبوه، فأعاد عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فنظر إلى أبيه، فقال أبوه: أطع أبا القاسم، فقال الغلام: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «حديث : الحمد لله الذي أخرجه بي من النار» تفسير : رواه البخاري في الصحيح، إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث.

المحلي و السيوطي

تفسير : {شَهِدَ ٱللَّهُ } بيَّن لخلقه بالدلائل والآيات {أَنَّهُ لا إِلِٰهَ } أي لا معبود في الوجود بحق {إِلاَّ هُوَ } شهد بذلك {ٱلْمَلَٰئِكَةَ } بالإقرار {وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ } من الأنبياء والمؤمنين بالاعتقاد واللفظ {قَائِمَاً } بتدبير مصنوعاته ونصبه على الحال والعامل فيها معنى الجملة أي تفرّد {بِٱلْقِسْطِ } بالعدل {لاَ إِلَٰهَ إِلاَّ هُوَ } كرره تأكيداً {ٱلْعَزِيزُ } في ملكه {ٱلْحَكِيمُ } في صنعه.

الشوكاني

تفسير : قوله: {شَهِدَ ٱللَّهُ } أي: بين وأعلم. قال الزجاج: الشاهد هو الذي يعلم الشيء، ويبينه، فقد دلنا الله على وحدانيته بما خلق وبيّن، وقال أبو عبيدة: شهد الله بمعنى قضى، أي: أعلم. قال ابن عطية: وهذا مردود من جهات، وقيل: إنها شبهت دلالته على وحدانيته بأفعاله، ووحيه بشهادة الشاهد في كونها مبينة. وقوله {أنه} بفتح الهمزة. قال المبرد: أي: بأنه ثم حذفت الباء، كما في أمرتك الخير، أي: بالخير. وقرأ ابن عباس: «إنه» بكسر الهمزة بتضمين {شهد} معنى "قال". وقرأ أبو المهلب: «شهداء لله» بالنصب على أنه حال من الصابرين، وما بعده، أو على المدح: {وَٱلْمَلَـئِكَةُ } عطف على الاسم الشريف، وشهادتهم إقرارهم بأنه لا إلٰه إلا الله. وقوله: {وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ } معطوف أيضاً على ما قبله، وشهادتهم بمعنى الإيمان منهم، وما يقع من البيان للناس على ألسنتهم، وعلى هذا لا بدّ من حمل الشهادة على معنى يشمل شهادة الله، وشهادة الملائكة، وأولي العلم. وقد اختلف في أولي العلم هؤلاء من هم؟ فقيل: هم الأنبياء؛ وقيل: المهاجرون، والأنصار، قاله ابن كيسان. وقيل: مؤمنو أهل الكتاب، قاله مقاتل. وقيل: المؤمنون كلهم، قاله السدي، والكلبي، وهو الحق إذ لا وجه للتخصيص. وفي ذلك فضيلة لأهل العلم جليلة، ومنقبة نبيلة؛ لقربهم باسمه، واسم ملائكته، والمراد بأولي العلم هنا: علماء الكتاب، والسنة، وما يتوصل به إلى معرفتهما، إذ لا اعتداد بعلم لا مدخل له في العلم الذي اشتمل عليه الكتاب العزيز، والسنة المطهرة. وقوله: {قَائِمَاً بِٱلْقِسْطِ } أي: العدل، أي: قائماً بالعدل في جميع أموره، أو مقيماً له، وانتصاب {قائماً} على الحال من الاسم الشريف. قال في الكشاف: إنها حال مؤكدة كقوله: {أية : وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدّقًا } تفسير : [البقرة: 91] وجاز إفراده سبحانه بذلك دون ما هو معطوف عليه من الملائكة، وأولي العلم لعدم اللبس، وقيل: إنه منصوب على المدح. وقيل: إنه صفة لقوله: {إِلَـهٍ } أي: لا إلٰه قائماً بالقسط، إلا هو، أو هو حال من قوله: {إِلاَّ هُوَ } والعامل فيه معنى الجملة. وقال الفراء: هو منصوب على القطع؛ لأن أصله الألف، واللام، فلما قطعت نصب كقوله: {أية : وَلَهُ ٱلدّينُ وَاصِبًا }تفسير : [النحل: 52] ويدل عليه قراءة عبد الله بن مسعود "القائم بالقسط". وقوله: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } تكرير لقصد التأكيد؛ وقيل: إن قوله: {أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } كالدعوى، والأخيرة كالحكم. وقال جعفر الصادق الأولى وصف، وتوحيد، والثانية رسم، وتعليم. وقوله: {ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ } مرتفعان على البدلية من الضمير، أو الوصفية لفاعل شهد لتقرير معنى الوحدانية. قوله: {إِنَّ الدّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلَـٰمُ }. قرأه الجمهور بكسر إن على أن الجملة مستأنفة مؤكدة للجملة الأولى، وقريء بفتح أن. قال الكسائي: أنصبهما جميعاً يعني قوله: {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ } وقوله: {إِنَّ الدّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلَـٰمُ } بمعنى شهد الله أنه كذا، وأن الدين عند الله الإسلام. قال ابن كيسان: إن الثانية بدل من الأولى. وقد ذهب الجمهور إلى أن الإسلام هنا بمعنى الإيمان، وإن كانا في الأصل متغايرين، كما في حديث جبريل الذي بيّن فيه النبي صلى الله عليه وسلم معنى الإسلام، ومعنى الإيمان، وصدقه جبريل، وهو في الصحيحين، وغيرهما ولكنه قد يسمى كل واحد منهما باسم الآخر، وقد ورد ذلك في الكتاب والسنة. قوله: {وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ } فيه الإخبار بأن اختلاف اليهود، والنصارى كان لمجرد البغي بعد أن علموا بأنه يجب عليهم الدخول في دين الإسلام بما تضمنته كتبهم المنزلة إليهم. قال الأخفش: وفي الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: ما اختلف الذين أوتوا الكتاب بغياً بينهم إلا من بعد ما جاءهم العلم. والمراد بهذا الخلاف الواقع بينهم هو خلافهم في كون نبينا صلى الله عليه وسلم نبياً أم لا؟ وقيل اختلافهم في نبوّة عيسى، وقيل: اختلافهم في ذات بينهم حتى قالت اليهود: ليست النصارى على شيء، وقالت النصارى: ليست اليهود على شيء. قوله: {وَمَن يَكْفُرْ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ } أي: بالآيات الدالة على أن الدين عند الله الإسلام {فَإِنَّ ٱللَّهِ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } فيجازيه، ويعاقبه على كفره بآياته، والإظهار في قوله: {فإن الله} مع كونه مقام الإضمار للتهويل عليهم، والتهديد لهم. قوله: {فَإنْ حَاجُّوكَ } أي: جادلوك بالشبه الباطلة، والأقوال المحرّفة، {فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ للَّهِ } أي: أخلصت ذاتي لله، وعبر بالوجه عن سائر الذات لكونه أشرف أعضاء الإنسان، وأجمعها للحواس، وقيل: الوجه هنا بمعنى: القصد. وقوله: {وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ } عطف على فاعل أسلمت، وجاز للفصل. وأثبت نافع، وأبو عمرو، ويعقوب الياء في {اتبعن} على الأصل، وحذفها الآخرون اتباعاً لرسم المصحف، ويجوز أن تكون "الواو" بمعنى "مع" والمراد بالأميين هنا: مشركو العرب. وقوله: {ءأَسْلَمْتُمْ } استفهام تقريري يتضمن الأمر، أي: أسلموا، كذا قاله ابن جرير، وغيره. وقال الزجاج: {ءأَسْلَمْتُمْ } تهديد، والمعنى: أنه قد أتاكم من البراهين ما يوجب الإسلام، فهل علمتم بموجب ذلك أم لا؟ تبكيتا لهم، وتصغيراً لشأنهم في الإنصاف، وقبول الحق. وقوله: {فَقَدِ ٱهْتَدَواْ } أي: ظفروا بالهداية التي هي الحظ الأكبر، وفازوا بخير الدنيا، والآخرة {وَإِن تَوَلَّوْاْ } أي: أعرضوا عن قبول الحجة، ولم يعملوا بموجبها {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ } أي: فإنما عليك أن تبلغهم ما أنزل إليك، ولست عليهم بمسيطر، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، والبلاغ مصدر. وقوله: {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ } فيه وعد ووعيد لتضمنه أنه عالم بجميع أحوالهم. وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله: {قَائِمَاً بِٱلْقِسْطِ } قال: بالعدل. وأخرج أيضاً، عن ابن عباس مثله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في قوله: {إِنَّ الدّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلَـٰمُ } قال: الإسلام شهادة أن لا إلٰه إلا الله، والإقرار بما جاء به من عند الله، وهو دين الله الذي شرع لنفسه، وبعث به رسله، ودلّ عليه أولياءه لا يقبل غيره. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك قال: لم يبعث الله رسولاً إلا بالإسلام. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن سعيد بن جبير قال: كان حول البيت ستون وثلثمائة صنم لكل قبيلة من قبائل العرب صنم، أو صنمان، فأنزل الله: {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } الآية، فأصبحت الأصنام كلها قد خرّت، سجداً للكعبة. وأخرج ابن السني في عمل اليوم، والليلة، وأبو منصور الشحامي في الأربعين، عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن فاتحة الكتاب، وآية الكرسي، والآيتين من آل عمران {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَائِمَاً بِٱلْقِسْطِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ. إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ} {قُلِ ٱللَّهُمَّ مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء } إلى قوله: {بِغَيْرِ حِسَابٍ } [آل عمران: 26، 27] هن معلقات بالعرش ما بينهن، وبين الله حجاب، يقلن: يا ربّ تهبطنا إلى أرضك، وإلى من يعصيك؟ قال الله: إني حلفت لا يقرؤكن أحد من عبادي دبر كل صلاة إلا جعلت الجنة مأواه على ما كان منه، وإلا أسكنته حظيرة القدس، وإلا نظرت إليه بعيني المكنونة كل يوم سبعين نظرة، وإلا قضيت له كل يوم سبعين حاجة أدناها المغفرة، وإلا أعذته من كل عدو، ونصرته منه»تفسير : . وأخرج الديلمي في مسند الفردوس، عن أبي أيوب الأنصاري مرفوعاً نحوه، وفيه: «حديث : لا يتلوكن عبد دبر كل صلاة مكتوبة إلا غفرت له ما كان منه، وأسكنته جنة الفردوس، ونظرت إليه كل يوم سبعين مرة، وقضيت له سبعين حاجة أدناها المغفرة»تفسير : . وأخرج أحمد، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن السني، عن الزبير بن العوام قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو بعرفة يقرأ هذه الآية: {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَائِمَاً بِٱلْقِسْطِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } فقال: حديث : وأنا على ذلك من الشاهدين» تفسير : ولفظ الطبراني «وأنا أشهد أن لا إلٰه إلا أنت العزيز الحكيم». وأخرج ابن عدي، والطبراني في الأوسط، والبيهقي في شعب الإيمان، وضعفه، والخطيب في تاريخه، وابن النجار عن غالب القطان؛ قال: أتيت الكوفة في تجارة، فنزلت قريباً من الأعمش. فلما كان ليلة أردت أن أنحدر قام، فتهجد من الليل، فمرّ بهذه الآية {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } إلى قوله: {إِنَّ الدّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلَـٰمُ } فقال: وأنا أشهد بما شهد به الله، وأستودع الله هذه الشهادة، وهي لي وديعة عند الله، قالها مراراً، فقلت: لقد سمع فيها شيئاً، فسألته فقال: حدثني أبو وائل عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يجاء بصاحبها يوم القيامة، فيقول الله: عبدي عهد إليَّ، وأنا أحق من وفيَّ بالعهد أدخلوا عبدي الجنة»تفسير : . وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير، في قوله: {وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } قال: بنو إسرائيل. وأخرج ابن جرير، عن أبي العالية في قوله: {بَغْياً بَيْنَهُمْ } يقول: بغياً على الدنيا، وطلب ملكها، وسلطانها. فقتل بعضهم بعضاً على الدنيا من بعد ما كانوا علماء الناس. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله: {فَإنْ حَاجُّوكَ } قال: إن حاجك اليهود، والنصارى. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج، ونحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس: {وَقُلْ لّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } قال: اليهود، والنصارى {وَٱلأمّيّينَ } قال: هم: الذين لا يكتبون.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} في هذه الشهادة من الله ثلاثة أقاويل: أحدها: بمعنى قضى الله أنه لا إله إلا هو. والثاني: يعني بَيَّنَ الله أنه لا إله إلا هو. والثالث: أنها الشهادة من الله بأنه لا إله إلا هو. ويحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون معناها الإِخبار بذلك، تأكيداً للخبر بالمشاهدة، كإخبار الشاهد بما شاهد، لأنه أوكد للخبر. والثاني: أنه أحدث من أفعاله المشاهدة ما قامت مقام الشهادة بأن لا إله إلا هو، فأما شهادة الملائكة وأولي العلم، فهي اعترافهم بما شاهدوه من دلائل وحدانيته. {قَآئِماً بِالْقِسْطِ} أي بالعدل. ويحتمل قيامه بالعدل وجهين: أحدهما: أن يتكفل لهم بالعدل فيهم، من قولهم قد قام فلان بهذا الأمر إذا تكفل به، فيكون القيام بمعنى الكفالة. والثاني: معناه أن قيام ما خلق وقضى بالعدل أي ثباته، فيكون قيامه بمعنى الثبات. قوله عز وجل: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ} فيه وجهان: أحدهما: أن المتدين عند الله بالإِسلام من سلم من النواهي. والثاني: أن الدين هنا الطاعة، فصار كأنه قال: إن الطاعة لله هي الإِسلام. وفي أصل الإسلام قولان: أحدهما: أن أصله مأخوذ من السلام وهو السلامة، لأنه يعود إلى السلامة. والثاني: أن أصله التسليم لأمر الله في العمل بطاعته. {وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} في أهل الكتاب الذين اختلفوا ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم أهل التوراة من اليهود، قاله الربيع. والثاني: أنهم أهل الإِنجيل من النصارى، قاله محمد بن جعفر بن الزبير. والثالث: أنهم أهل الكتب كلها، والمراد بالكتاب الجنس من غير تخصيص، وهو قول بعض المتأخرين. وفيما اختلفوا فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: في أديانهم بعد العلم بصحتها. والثاني: في عيسى وما قالوه فيه من غلو وإسراف. والثالث: في دين الإِسلام. وفي قوله تعالى: {بَغْياً بَيْنَهُمْ} وجهان: أحدهما: طلبهم الرياسة. والثاني: عدولهم عن طريق الحق. قوله عز وجل: {فَإِنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ: أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ} الآية. فيه وجهان: أحدهما: أي أسلمت نفسي، ومعنى أسلمت: انقدت لأمره في إخلاص التوحيد له. والثاني: أن معنى أسلمت وجهي: أخلصت قصدي إلى الله في العبادة، مأخوذ من قول الرجل إذا قصد رجلاً فرآه في الطريق هذا وجهي إليك، أي قصدي. {وَالأُمِّيِّينَ} هم الذين لا كتاب لهم، مأخوذ من الأمي الذي لا يكتب، قال ابن عباس: هم مشركو العرب. {ءَأَسْلَمْتُمْ} هو أمر بالإِسلام على صورة الاستفهام. فإن قيل: في أمره تعالى عند حِجَاجِهمْ بأن يقول: {أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ} عدول عن جوابهم وتسليم لحِجَاجِهم، فعنه جوابان: أحدهما: ليس يقتضي أمره بهذا القول النهي عن جوابهم والتسليم بحِجَاجِهم، وإنما أمره أن يخبرهم بما يقتضيه معتقده، ثم هو في الجواب لهم والاحْتِجَاج على ما يقتضيه السؤال. والثاني: أنهم ما حاجُّوه طلباً للحق فيلزمه جوابهم، وإنما حاجُّوه إظهاراً للعناد، فجاز له الإِعراض عنهم بما أمره أن يقول لهم.

ابن عطية

تفسير : أصل {شهد} في كلام العرب حضر، ومنه قوله تعالى: {أية : فمن شهد منكم الشهر فليصمه} تفسير : [البقرة: 185] ثم صرفت الكلمة حتى قيل في أداء ما تقرر علمه في النفس بأي وجه تقرر من حضور أو غيره: شهد يشهد فمعنى {شهد الله} أعلم عباده بهذا الأمر الحق وبينه، وقال أبو عبيدة: {شهد الله} معناه، قضى الله وهذا مردود من جهات، وقرأ جميع القراء: {أنه لا إله} بفتح الألف من {أنه} وبكسرها من قوله: {أية : إن الدين} تفسير : [آل عمران: 19] واستئناف الكلام، وقرأ الكسائي وحده "أن الدين" بفتح الألف، قال أبو علي: "أن" بدل من {أنه} الأولى، وإن شئت جعلته من بدل الشيء من الشيء وهو هو، لأن الإسلام هو التوحيد والعدل، وإن شئت جعلته من بدل الاشتمال لأن الإسلام يشتمل على التوحيد والعدل، وإن شئت جعلت "إن الدين" بدلاً من القسط لأنه هو في المعنى، ووجه الطبري هذه القراءة، بأن قدر في الكلام، واو عطف ثم حذفت وهي مرادة كأنه قال: {أية : وإن الدين} تفسير : [آل عمران: 19] وهذا ضعيف، وقرأ عبد الله بن العباس: "إنه لا إله إلا هو" بكسر الألف من "إنه"، وقرأ "أن الدين" بفتح الألف، فأعمل {شهد} في "أن الدين وجاء قوله: "إنه لا إله إلا هو" اعتراضاً جميلاً في نفس الكلام المتصل، وتأول السدي الآية على نحو قراءة ابن عباس فقال: الله وملائكته والعلماء يشهدون: {أية : إن الدين عند الله الإسلام} تفسير : [آل عمران: 19] وقرأ أبو المهلب عم محارب بن دثار، "شهداء الله" على وزن فعلاء، وبالإضافة إلى المكتوبة، قال أبو الفتح، هو نصب على الحال من الضمير في {أية : المستغفرين} تفسير : [آل عمران: 17] وهو جمع شهيد أو جمع شاهد كعالم وعلماء، وروي عن أبي المهلب هذا أنه قرأ "شهدُ الله" برفع الشهداء، وروي عنه أنه قرأ "شُهُد" الله" على وزن - فُعُل- بضم الفاء والعين ونصب شهداء على الحال، وحكى النقاش أنه قرىء "شُهُد الله" بضم الشين والهاء، والإضافة إلى المكتوبة قال: فمنهم من نصب الدال ومنهم من رفعها، وأصوب هذه القراءات قراءة الجمهور، وإيقاع الشهادة على التوحيد، و {الملائكة وأولو العلم} عطف على اسم الله تعالى، وعلى بعض ما ذكرناه من القراءات يجيء قوله: {والملائكة وأولو العلم} ايتداء وخبره مقدر، كأنه قال: {والملائكة وأولو العلم} يشهدون و {قائماً} نصب على الحال من اسمه تعالى في قوله: {شهد الله} أو من قوله {إلا هو} وقرأ ابن مسعود "القائم بالقسط" والقسط العدل.

ابن عبد السلام

تفسير : {شَهِدَ اللَّهُ} أخبر، أو فعل ما يقوم مقام الشهادة. وشهادة الملائكة، وأولو العلم بما شاهدوه من دلائل الوحدانية {بِالْقِسْطِ} العدل.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ...} الآية: معنى: {شَهِدَ ٱللَّهُ}: أعلم عباده بهذا الأمْر الحَقِّ، وقال * ص *: {شَهِدَ}، بمعنى عَلِمَ أو قَضَىٰ، أوْ حَكَم، أو بَيَّن، وهي أقوال اهـــ. وأسند أبو عُمَرَ ابْنُ عبدِ البَرِّ في كتاب «فَضْلِ العِلْمِ»؛ عن غالبٍ القَطَّان، قَالَ: كُنْتُ أختلِفُ إِلى الأَعْمَشِ، فرأيته ليلةً قَامَ يتهجَّد من الليل، وقرأ بهذه الآية: {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَائِمَاً بِٱلْقِسْطِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ إِنَّ الدّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلَـٰمُ} قال الأعمش: وأنا أشْهَدُ بما شَهِدَ اللَّه به، وأسْتَوْدِعُ اللَّهَ هذه الشهادةَ، فقلْتُ للأعمش: إِني سمعتُكَ تقرأُ هذه الآية تردِّدها، فما بَلَغَكَ فيها؟ قال: حدَّثني أبو وَائِلٍ، عن ابنِ مَسْعُودٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «حديث : يُجَاءُ بِصَاحِبِهَا يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: عَبْدِي عهدَ إلَيَّ، وَأَنَا أَحَقُّ مِنْ وَفَّىٰ بِالعَهْدِ، أدْخِلُوا عَبْدِي الجَنَّةَ»تفسير : . اهـ. وقرأ جميعُ القرَّاء «أَنَّهُ»؛ بفتح الهمزةِ؛ وبكَسْرها من قوله: {إِنَّ الدِّينَ}؛ على استئناف الكلامِ، وقرأ الكِسَائيُّ وحْده: «أَنَّ الدِّينَ»؛ بفتح الهمزةِ بَدَلاً من «أَنَّهُ» الأولَىٰ، {وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ}: عطْفٌ على اسم الله، قال الفَخْر: المراد بِأُولِي العِلْمِ هنا: الذينَ عَرَفُوا اللَّه بالدَّلاَلة القطعيَّة؛ لأن الشهادة، إنما تكونُ مقبولةً، إِذا كان الإِخبار مقروناً بالعلْمِ، وهذا يدلُّ أنَّ هذه الدرجةَ الشريفَةَ لَيْسَتْ إِلا للعلماء بالأُصُولِ، وتكرَّرت «لا إِله إِلا اللَّه» هنا، وفائدةُ هذا التكرير الإِعلامُ بأنَّ المسلم يجبُ أنْ يكون أَبداً في تكرير هذه الكلمة، فإِنَّ أشرفَ كلمةٍ يذكرها الإِنسان هي هذه الكلمةُ، وإذا كان في أكثر الأوقات مُشْتَغِلاً بذكْرِها، وبتكريرها، كان مُشْتَغِلاً بأعظمِ أنواعِ العباداتِ، فكان من التكريرِ في هذه الآيةِ حضُّ العبادِ علَىٰ تكريرها. اهـ. وصحَّ في البخاريِّ، عنه صلى الله عليه وسلم؛ أنَّهُ قَالَ: «حديث : أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ خَالِصاً مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ»تفسير : ، وروى زيْدُ بن أرْقَم، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: «حديث : مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ مُخْلِصاً دَخَلَ الجَنَّةَ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا إخْلاَصُهَا؟ قَالَ: أَنْ تَحْجِزَهُ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ»تفسير : ، خرَّجه الترمذيُّ الحَكِيمُ في «نَوَادِرِ الأُصُولِ» اهـــ من «التَّذْكرة». و {قَائِمَاً}: حالٌ من اسمِهِ تعالَىٰ في قوله: {شَهِدَ ٱللَّهُ}، أو مِنْ قوله: {إِلاَّ هُوَ}، و {ٱلْقِسْطِ}: العَدْل، وقوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلَـٰمُ...} الآية: الدِّينُ؛ في هذه الآية: الطاعةُ والمِلَّة، والمعنَىٰ: أنَّ الدين المَقْبُول أو النافع هو الإِسلام، والإِسلام في هذه الآية هو الإِيمانُ والطَّاعات، قاله أبو العالية؛ وعليه جمهور المتكلِّمين، وحديثُ: «حديث : بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَىٰ خَمْسٍ»تفسير : ، وحديثُ مَجِيءِ جِبْريلَ يعلِّم النَّاسَ دينَهُمْ يفسِّر ذلك، ثم أخبر تعالَىٰ عن اختلاف أهْلِ الكتابِ بَعْد علمهم بالحقائقِ، وأنه كان بَغْياً وطلباً للدنيا؛ قاله ابن عُمَر وغيره، و {ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ}: لفظٌ يعُمُّ اليهودَ والنصارَىٰ، لكنَّ الرَّبِيعَ بنَ أنسٍ قال: المرادُ بهذه الآية اليهودُ؛ ٱختلفوا بعد مَوْتِ موسَىٰ، وبعد مُضِيِّ ثلاثة قرون، وقيل: الآيةُ توبيخٌ لنصارَىٰ نَجْرَانَ، وسُرْعَةُ الحسَاب: يحتمل أنْ يراد بها: مَجِيءُ القيامةِ والحِسَابِ؛ إذ كل آت قريبٌ، ويحتمل أنْ يراد بسُرْعَةِ الحِسَابِ: أنَّ اللَّه تعالَىٰ بإِحاطته بكلِّ شَيْءٍ عِلْماً لا يحتاجُ إلى عَدٍّ ولا فكْرة؛ قاله مجاهد. وقوله تعالى: {فَإنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ...} الآية: الضميرُ في «حَاجُّوكَ» لليهودِ، ولنصارَىٰ نَجْرَانَ، والمعنَىٰ: إنْ جادَلُوك وتعنَّتوا بالأقاويلِ المزوَّرة والمغالطاتِ، فأسند إلى ما كُلِّفْتَ من الإِيمانِ، والتبليغِ، وعلى اللَّه نَصْرُكَ. وقوله: {وَجْهِيَ}: يحتمل أنْ يراد به المَقْصِدُ، أي: جعلتُ مقصدي للَّه، ويحتمل أنْ يراد به الذاتُ، أي: أَسْلَمْتُ شخْصي وَذاتِي للَّه، وأسلَمْتُ؛ في هذا الموضعِ بمعنَىٰ: دَفَعْتُ، وأمضَيْتُ، وليستْ بمعنى دَخَلْتُ في السِّلْم؛ لأنَّ تلك لا تتعدَّىٰ، ومَنِ ٱتَّبَعَنِي: في موضع رفعٍ؛ عطْفاً على الضميرِ في «أَسْلَمْتُ»، والَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ، في هذا الموضعِ: يجمعُ اليهودَ والنصارَىٰ؛ بٱتفاقٍ، والأميُّونَ: الذين لا يكتبون، وهم العَرَبُ في هذه الآيةِ، وقوله: {ءَأَسْلَمْتُمْ}: تقريرٌ في ضمنه الأمْرُ، وقال الزَّجَّاج: {ءَأَسْلَمْتُمْ}: تهدُّد، وهو حسن، و {ٱلْبَلَـٰغُ}: مَصْدَرُ بَلَغَ؛ بتخفيف عَيْنِ الفعل. وفي قوله تعالى: {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ} وعدٌ للمؤمنين، ووعيد للكافرين.

ابن عادل

تفسير : العامة على "شَهِدَ" فعلاً ماضياً، مبنيًّا للفاعل، ولفظ الجلالة رَفْع به. وقرأ أبو الشعثاء: "شُهِدَ" مبنيًّا للمفعول، ولفظ الجلالة قائِم مقام الفاعل، وعلى هذه القراءة يكون "أنَّهُ لاَ إلَهَ إلاَّ هُوَ" في محل رفع؛ بدلاً من اسم "اللهُ" - بدل اشتمال، تقديره: شُهِدَ وحدانيةُ الله - تعالى - وألوهيتهُ. ولما كان المعنى على هذه القراءة كذلك أشكل عطف الملائكة، وأولي العلم على لفظ الجلالة، فخُرِّج ذلك على عدم العطف، بل إما على الابتداء، والخبر محذوف؛ لدلالة الكلام عليه، تقديره: والملائكة، وأولو العلم يشهدون بذلك، يدل عليه قوله تعالى: {شَهِدَ ٱللَّهُ}، وإما على الفاعلية بإضمار محذوف، تقديره: وشَهِدَ الملائكةُ، وأولو العلم بذلك، وهو قريب من قوله تعالى: {أية : يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ} تفسير : [النور: 36]، في قراءة مَنْ بناه للمفعول. وقوله: [الطويل] شعر : 1367 - لِيُبْكَ يَزِيدُ ضَارعٌ لِخُصُومَةٍ وَمُخْتَبِطٌ مِمَّا تُطِيحُ الطَّوَائِحُ تفسير : وقرأ أبو المهلَّب: "شُهَدَاءَ اللهِ" جمعاً على فُعَلاَء - كظُرفاءَ - منصوباً، ورُوِيَ عنه وعن أبي نُهَيْك كذلك إلا أنه مرفوع، وفي كلتا القراءتين مضاف للفظ الجلالة، فأما النصب فعلى الحال، وصاحبها هو الضمير المستتر في "الْمُسْتَغْفِرِينَ". قال ابنُ جني، وتبعه الزمخشريُّ، وأبو البقاء: وأما الرفع فعلى إضمار مبتدأ، أي: هم شهداءُ الله. وشهداء: يُحْتَمل أن يكون جمع شاهد - كشاعر وشُعَراء - وأن يكون جمع شهيد كظريف وظُرفاء. وقرأ أبو المهلب - أيضاً -: "شُهُداً الله" - بضم الشين والهاء والتنوين ونصب لفظ الجلالة وهو منصوب على الحال؛ جمع شهيد - كنذير ونُذُر - واسم "الله" منصوب على التعظيم أي يشهدون الله، أي: وحدانيته. وروى النقاش أنه قرأ كذلك، إلاّ أنه قال: برَفْع الدال ونصبها، والإضافة للَفْظ الجلالة، فالرفع والنصب على ما تقدم في "شُهَدَاءَ"، وأما الإضافة، فيحتمل أن تكون محضة، بمعنى أنك عرفتهم إضافتهم إليه من غير تعرض لحدوث فعل، كقولك: عباد الله، وأن يكون من نصب كالقراءة قبلها فتكون غير محضة. ونقل الزمخشريُّ أنه قُرِئ "شُهَدَاء لله" جمعاً على فُعَلاَء، وزيادة لام جر داخلة على اسم الله، وفي الهمزة النصب والرفع، وخرجهما على ما تقدم من الحال والخبر، وعلى هذه القراءات كلها ففي رفع "الْمَلاَئِكَةِ" وما بعدها ثلاثة أوجه: أحدها: الابتداء، والخبر محذوف. والثاني: أنه فاعل بفعل مقدر. الثالث: - ذكره الزمخشريُّ - وهو النسق على الضمير المستكن في "شَهِدَ اللهُ"، قال: "وجاز ذلك لوقوع الفاصلِ بينهما". قوله: "أنَّهُ" العامة على فَتح الهمزة، وإنما فُتِحَت؛ لأنها على حذف حرف الجر، أي: شهد الله بأنه لا إله إلا هو، فلما حذف الحرف جاز أن يكون محلها نصباً، وأن يكون محلها جَرًّا. وقرأ ابن عباس "إنَّهُ" - بكسر الهمزة - وفيها تخريجان: أحدهما: إجراء "شَهِدَ" مُجْرَى القول, لأنه بمعناه، وكذا وقع في التفسير: شهد الله أي: قال الله، ويؤيدَه ما نقله المؤرِّجُ من أن "شَهِد" بمعنى "قال" لغة قيس بن عيلان. الثاني: أنها جملة اعتراض - بين العامل - وهو شَهِد - وبين معموله - وهو قوله: "إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلاَمُ"، وجاز ذلك لِما في هذه الجملةِ من التأكيد، وتقوية المعنى وهذا إنما يتجه على قراءة فتح "أنَّ" من "أنَّ الدِّينَ"، وأما على قراءة الكسر فلا يجوز، فتعيَّنَ الوجهُ الأول. والضمير في "أنَّهُ" يحتمل العود على الباري؛ لتقدم ذكره، ويحتمل أن يكون ضميرَ الأمر، ويؤيِّدُ ذلك قراءةُ عبد الله: {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} فـ "أنْ" مخفَّفة في هذه القراءة، والمخففة لا تعمل إلا في ضمير الشأن - ويُحْذَف حينئذ - ولا تعمل في غيره إلا ضرورة [وأدغم أبو عمرو بخلاف عنه واو هُوَ في واو النسق بعدها، وقد تقدم تحقيق هذه المسألة عند قوله: "هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَه"]. فصل قال سعيدُ بنُ جُبَيْر: كان حَوْلَ البيت ثلاثمائةٍ وستون صَنَماً، فلما نزلت هذه الآية خَرَرْنَ سُجَّداً. وقيل: نزلت هذه الآية في نصارى نجران. وقال الكلبيُّ: قدم حَبْران من أحبار الشام على النبي صلى الله عليه وسلم فلما أبْصَرَا المدينةَ قال أحدهما: ما أشبه هذه المدينةَ بصفة مدينةِ النبيّ الذي يخرج في آخر الزمان؟ فلما دخَلاَ عليه عرفاه بالصفة، فقالا له: أنت محمد؟ قال: نعم، قالا: وأنت أحمد؟ قال: أنا محمد وأحمد، قالا: فإنا نسألك عن شيء، فإن أخبرتنا به آمَنَّا بك، وصدقناك، فقال: سَلاَ، فقالا: أخبرنا عَنْ أعظم شهادة في كتاب الله عز وجل، فأنزل الله هذه الآيةَ، فأسلم الرجلان. فصل قال بعض المفسرين: شهد الله، أي: قال. وقيل: بَيَّن الله؛ لأن الشهادة تبيين. وقال مجاهد: حَكَم الله. وقيل: أعْلَمَ الله أنه لا إله إلا هو. فإن قيل: المدَّعِي للوحدانية هو الله - تعالى - فكيف يكون المدَّعِي شاهداً؟ فالجوابُ من وجوهٍ: أحدها: ما تقدم من أن "شَهِدَ" بمعنى "قال" أو "بَيَّن" أو "حَكَم". الثاني: أن الشاهدَ الحقيقي ليس إلا الله - تعالى -؛ لأنه الذي خلق الأشياءَ، وجعلها دلائلَ على توحيده، فلولا تلك الدلائلُ لم يتوصل أحد إلى معرفته بالوحدانيةِ، فهو - تعالى وفقهم، حتى أرشدهم إلى معرفة التوحيد، وإذا كان كذلك كان الشاهد على الوحدانيةِ هو الله تعالى، ولهذا قال: {أية : قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ ٱللَّهِ شَهِيدٌ} تفسير : [الأنعام: 19]. الثالث: أنه الموجود - أزلاً وأبداً - وكل ما سواه فقد كان في الأزل عدماً صِرْفاً، والعدم غائب، والموجود حاضر، وإذا كان ما سواه - في الأزل - غائباً، وهو - تعالى - حاضر فبشهادته صار شاهداً، فكان الحق شاهداً على الكل، فلهذا قال: {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ}. فصل تقدم أن شهادة اللهِ الإخبار والإعلام، ومعنى شهادة الملائكة والمؤمنين الإقرار والمراد بأولي العلم، قيل: الأنبياء - عليهم السلام -. قال ابنُ كَيْسَان: يعني المهاجرين والأنصار. وقال مقاتل: علماء مؤمني أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام وأصحابه. قال السُّديُّ والكلبيُّ: يعني جميع المؤمنين الذين عرفوا وحدانية الله - تعالى - بالدلائل القاطعة؛ لأن الشهادة إنما تكون مقبولة، إذا كان الإخبار بها مقروناً بالعلم، ولذلك قال - عليه السلام -: "حديث : إذَا عَلِمْتَ مِثْلَ الشَّمْسِ فَاشْهَدْ ". تفسير : فإن قيل: إذا كانت شهادةُ الله عبارةً عن إقامة الدلائل، وشهادة الملائكة، وأولي العلم عبارة عن الإقرار، فكيف جمعهما في اللفظ؟ فالجواب: أن هذا ليس ببعيد، ونظيره قوله - تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلاَئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ} تفسير : [الأحزاب: 56]، ومعلوم أن الصلاة من الله تعالى الرحمة - كما ورد - ومن الملائكة الدعاء، ومن المؤمنين الاستغفار، وقد جمعهما في اللفظ. فصل دلّت هذه الآيةُ على فَضْل العلم وشرف العلماء؛ فإنه لو كان أحد أشرف من العلماء لقرنه الله باسمه واسم ملائكته، كما قرن الله اسم العلماء، وقال تعالى - لنبيه -: {أية : وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً} تفسير : [طه: 114]، فلو كان شيء أشرف من العلم لأمر الله - تعالى - نبيَّه المزيد منه، كما أمره أن يستزيد من العلم. وقال عليه السلام: "حديث : الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الأنْبِيَاءِ"تفسير : وقال: "حديث : العُلمَاءُ أمناء اللهِ عَلَى خَلْقِهِ" تفسير : [وهذا شرف للعلماء عظيم، ومحل لهم في الدين خطير]. قوله تعالى: {قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ} في نَصْبه أربعة أوجه: أحدها: أنه منصوب على الحال، واختلفوا في ذلك؛ فبعضهم جعله حالاً من اسم "اللهُ"، فالعامل فيها "شَهِدَ". قال الزمخشري: وانتصابه على أنه حال مؤكِّدة منه، كقوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقاً} تفسير : [البقرة: 91]. قال أبو حيّان: وليس من باب الحال المؤكدة؛ لأنه ليس من باب {أية : وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً} تفسير : [مريم: 15] ولا من باب: أنا عبد الله شجاعاً فليس "قَائِماً بِالْقِسْطِ" بمعنى "شَهِدَ" وليس مؤكداً مضمونَ الجملة السابقة في نحو: أنا عبد الله شجاعاً، وهو زيد شجاعاً، لكنْ في هذا التخريج قلقٌ في التركيب؛ يصير كقولك: أكل زيدٌ طعاماً وعائشةُ وفاطمةُ جائعاً، ففصل بين المعطوف عليه، والمعطوف بالمفعول، وبين الحال وصاحبه بالمفعول، والمعطوف، لكن يمشيه كونها كلُّها معمولةٌ لعاملٍ واحدٍ. قال شهاب الدينِ: مؤاخذته له في قوله "مؤكِّدة" غير ظاهرةٍ، وذلك أن الحالَ على قسمين: إما مؤكدة، وإما مبيِّنة - وهي الأصل - فالمبيِّنة لا جائز أن تكون ههنا؛ لأن المبيّنة منتقلة، والانتقال - هنا - محال؛ إذْ عَدْلُ الله - تعالى - لا يتغير. وقيل: لنا قسم ثالث - وهي الحال اللازمة - فكان للزمخشري مندوحة عن قوله: "مؤكِّدة" وعن قوله "لازمة". فالجواب: أن كل مؤكِّدة لازمة، فلا فرق بين العبارتين - وإن كان الشيخ زعم أن إصلاح العبارة يحصل بقوله: لازمة - ويدل على ما ذكرته من ملازمة التأكيد للحال اللازمة وبالعكس الاستقراء وقوله: ليس معنى "قَائِماً بِالْقِسْطِ" معنى "شَهِدَ" ممنوع، بل معنى: "شَهِدَ" مع متعلَّقِهِ هو {أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} - مساوٍ لقوله: "قَائِماً بِالْقِسْطِ"؛ لأن التوحيد ملازمٌ للعدل. قال الزمخشريُّ: "فإن قلتَ: لِمَ جاز إفراده بنصب الحال دون المعطوفَيْن عليه، ولو قلتَ: جاءني زيدٌ وعمرو راكباً لم يَجُزْ؟ قلتُ: إنما جاز هذا؛ لعدم الإلباس، كما جاء في قوله تعالى: {أية : وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً}تفسير : [الأنبياء: 72] - إن انتصب "نَافِلَةً" حالاً عن يعقوب، ولو قلت: جاءني زيد وهند راكباً، جاز؛ لتميزه بالذكورة". قال أبو حيّان: "وما ذَكَرَ من قوله: جاءني زيد وعمرو راكباً، أنه لا يجوز ليس كما ذكر، فهذا جائز؛ لأن الحال قَيْدٌ فيمن وقع منه أو به الفعل، أو ما أشبه ذلك، وإذا كان قَيْداً فإنه يُحْمَل على أقرب مذكور؛ ويكون "راكباً" حالاً مما يليه، ولا فرق في ذلك بين الحال والصفة لو قلت: جاءني زيد وعمرو الطويل، لكان "الطويل" صفة لعمرو، ولا تقول: لا تجوز هذه المسألة؛ لأنه يلبس، بل لا لبس في هذا، وهو جائز، فكذلك الحال، وأما قوله: إن "نَافِلَة" انتصب حالاً عن "يعقوب" فلا يتعين أن يكون حالاً عن يعقوب؛ إذ يحتمل أن يكون "نَافِلَةً" مصدراً - كالعاقبة والعافية - ومعناه زيادة، فيكون ذلك شاملاً إسحاق ويعقوب؛ لأنهما زِيدا لإبراهيم بعد ابنه إسماعيل وغيره". قال شهاب الدينِ: "مراد الزمخشريِّ بمنع جاءني زيد وعمرو راكباً إذا أريد أن الحال منهما معاً، أما إذا أُريد أنها حال من واحد منهما فإنما يُجْعَل لِما يليه؛ لعَوْد الضمير على أقرب مذكور". وبعضهم جعله حالاً من "هُوَ". قال الزمخشريُّ: فإن قلتَ: قد جعلته حالاً من فاعل "شَهِدَ" فهل يصح أن ينتصب حالاً عن "هو" في "لا إلَهَ إلاَّ هُوَ"؟ قلتُ: نعم؛ لأنها حالٌ مؤكِّدةٌ، والحال المؤكدة لا تستدعي أن يكون في الجملة - التي هي زيادة في فائدتها - عامل فيها، كقولك: "أنا عبد الله شجاعاً"، يعني: أن الحال المؤكِّدة لا يكون العامل فيها النصب شَيْئاً من الجملة السابقة قبلها، إنما تنتصب بعامل مضمر، فإن كان المتكلم مُخْبِراً عن نفسه، نحو أنا عبد الله شجاعاً قدرته: أحُقَّ - مبنياً للمفعول - شجاعاً، وإن كان مُخبراً عن غيره قدرته - مخبراً عن الفاعل - نحو هذا عبد الله شجاعاً أي: أحقه، هذا هو المذهب المشهور في نَصْب مثل هذه الحال، وفي المسألة قولٌ ثانٍ - لأبي إسحاق - أن العامل فيها هو خبر المبتدأ؛ لِمَا ضُمِّنَ مِنْ مَعْنَى المشتق؛ إذْ هو بمعنى المُسَمَّى، وقول ثالث أن العامل فيها المبتدأ؛ لما ضُمِّن من معنى التنبيه وهي مسألة طويلة. وبعضم جعله حالاً من الجميع على اعتبار كل واحدٍ قائماً بالقسط، وهذا مناقض لما قاله الزمخشري من أن الحال مختصة بالله - تعالى - دون ما عُطِف عليه، وهذا المذهب مردود بأنه لو جاز ذلك لجاز: جاء القوم راكباً، أي: كل واحد منهم "راكباً" والعربُ لا تقول ذلك ألبتة ففسد هذا، فهذه ثلاثة أوجهٍ في صاحب الحال. الوجه الثاني من أوجه نصب قائماً: نصبه على النعت للمنفي بـ "لا" كأنه قيل: لا إله قائماً بالقسط إلا هو. قال الزمخشريُّ: "فإن قلتَ: هل يجوز أن يكون صفةً للمنفي، كأنه قيل: لا إله قائماً بالقسط إلاَّ هو؟ قلتُ: لا يَبْعد؛ فقد رأيناهم يتسعون في الفصل بين الصفة والموصوف" ثم قال: "وهو أوجه من انتصابه عن فاعل "شَهِدَ"، وكذلك انتصابه على المدح". قال أبو حيّان: "وكأن الزمخشريَّ قد مثل في الفصل بين الصفة والموصوف بقوله: لا رجل إلا عبد الله شجاعاً،... وهذا الذي ذكره لا يجوز؛ لأنه فصل بين الصفة والموصوف بأجنبي وهو المعطوفان اللذان هما {وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ}، وليسا معمولَيْن لشيءٍ من جملة {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ}، بل هما معمولان لـ "شَهِدَ"، وهو نظير: عرف زيدٌ أنَّ هِنْداً خَارِجَةٌ وعمرو وجَعْفَرٌ التميميَّةَ، فيفصل بين "هند" و "التميمية" بأجنبي ليس داخلاً في خبر ما عمل فيها، وذلك الأجنبي هو "عمرو وجعفر" المرفوعان المعطوفان بـ "عرف" - على زيد، وأما المثال الذي مَثَّل به، وهو: لا رجل إلا عبد الله شجاعاً، فليس نظير تخريجه في الآية؛ لأن قولك: إلا عبد الله، بدل على الموضع من "لا رجل"، فهو تابع على الموضع، فليس بأجنبي على أنَّ في جواز هذا التركيب نظراً؛ لأنه بدل، و "شجاعاً" وصف، والقاعدة: أنه إذا اجتمع البدل والوصف قُدِّم الوصف على البدل، وسبب ذلك أنه على نية تكرار العامل - على الصحيح - فصار من جملة أخْرَى على هذا المذهب". الوجه الثالث: نصبه على المدح. قال الزمخشري: فإن قلت: أليس من حق المنتصب على المدح أن يكون معرفة، كقولك: الحمدُ للهِ الحميدَ، "حديث : إنَّا - مَعْشَرَ الأنْبِيَاءِ - لا نُورَثُ"تفسير : وقوله: [البسيط] شعر : 1368 - إنَّا - بَنِي نَهْشَلٍ - لا ندعِي لأبٍ ............................ تفسير : قلتُ: قد جاء نكرةً كما جاء معرفةً، وأنشد سيبويه - مما جاء منه نكرة - قول الْهُذَلِيّ: [المتقارب] شعر : 1369 - وَيَأوِي إلَى نِسْوَةٍ عُطَّلٍ وَشُعْثاً مَرَاضِيعَ مِثْلَ السَّعَالِي تفسير : قال أبو حيان: "انتهى هذا السؤال وجوابه، وفي ذلك تخليط؛ وذلك أنه لم يُفَرِّقُ بين المنصوب على المدح، أو الذم، أو الترحم، وبين المنصوب على الاختصاص، وجعل حكمَها واحداً، وأوْرَد مثالاً من المنصوب على المدح، وهو الحمد لله الحميدَ، ومثالَيْن من المنصوب على الاختصاص، وهما: "حديث : إنَّا - مَعْشَرَ الأنْبِيَاءِ - لا نُورَثُ"تفسير : وقوله: "إنَّا - بَنِي نهشل - لا ندَّعِي لأب" والذي ذكره النحويون أن المنصوبَ على المدح أو الذم أو الترحُّم، قد يكون معرفة، وقبله معرفة - يصلح أن يكون تابعاً لها، وقد لا يصلح - وقد يكون نكرةً وقبله معرفة، فلا يصلح أن يكون نعتاً لها. نحو قول النابغة: شعر : 1370 - أقَارعُ عَوْفٍ، لا أحَاوِلُ غَيْرَهَا وُجُوهَ قُرُودٍ تَبْتَغِي مَنْ تُجَادِعُ تفسير : فنصب "وُجُوهَ قُرُودٍ" على الذم، وقبله معرفة، وهي "أقارعُ عَوْفٍ"، وأما المنصوب على الاختصاص فنصوا على أنه لا يكون نكرةً، ولا مُبْهَماً، ولا يكون إلا معرَّفاً بالألف واللام، أو بالإضافة، أو بالعلميَّة، أو لفظ "أي"، ولا يكون إلا بعد ضمير متكلم مختص به، أو مشارك فيه، وربما أتى بعد ضمير مخاطب". الوجه الرابع: نَصْبه على القطع، أي إنه كان من حقه أن يرتفع؛ نعتاً لله تعالى بعد تعريفه بـ "أل" والأصل: شَهِدَ اللهُ القائمُ بالقسط، فلما نُكِّر امتنع إتباعه، فقُطِع إلى النصب، وهذا مذهبُ الكوفيين، ونقله بعضهم عن الفراء - وحده -، ومنه عندهم قول امرئ القيس: شعر : 1371 -............................. وَعَالَيْنَ قِنْوَاناً مِنَ الْبُسرِ أحْمَرَا تفسير : وقد تقدم ذلك محققاً. الأصل: "من البُسْر الأحمر" ويؤيد هذا قراءة عبدِ الله "القائمُ بالقسط" - برفع القائم؛ تابعاً للفظ الجلالة - وخرَّجه الزمخشري وغيره على أنه بدل من "هو" أو خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو القائم. قال أبو حيّان: ولا يجوز ذلك؛ لأن فيه فَصْلاً بين البدل والمبدل منه بأجنبي، وهو المعطوفان؛ لأنهما معمولان لغير العامل في المبدَل منه، ولو كان العامل في المعطوف هو العامل في المعطوف لم يجز ذلك - أيضاً -؛ لأنه إذا اجتمع العطف والبدل قُدِّمَ البدل على العطف. لو قلت: جاء زيدٌ وعائشةُ أخوك، لم يجز، إنما الكلام: "جاء زيدٌ أخوك وعائشةُ". فيحصل في رفع "القائم" - على هذه القراءة - ثلاثة أوجهٍ: النصب، والبدل، وخبر مبتدأ محذوف. ونقِل عن عبد الله - أيضاً - أنه قرأ "قَائِمٌ بِالْقِسطِ" - بالتنكير، ورفعه من وجْهَي البدل، وخبر المبتدأ. وقرأ أبو حنيفة: "قَيِّماً" - بالنصب على ما تقدم -. فهذه أربعة أوجه مُحَرَّرَة من كلام القوم. والظاهر أن رفع {وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ} عطفٌ على لفظِ الجلالةِ. وقال بعضهم: الكلام تم عند قوله: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ}، وارتفع "الْمَلاَئِكَةُ" بفعل مُضْمَر، تقديره: وشهد الملائكة وأولو العلم بذلك، وكأن هذا المذهبَ يرى أن شهادة الله مغايرة لشهادة الملائكة وأولي العلم، ولا يجيز إعمال المشترك في معنيَيْه، فاحتاج من أجل ذلك إلى إضمار فعل يوافق هذا المنطوقَ لفظاً، ويخالفه معنى، وهذا نظير قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلاَئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ} تفسير : [الأحزاب: 56] كما قدمناه. قال الزمخشريُّ: "فإن قلت: هل دخل قيامُه بالقسط في حكم شهادة الله والملائكة، وأولي العلم، كما دخلت الوحدانية؟ قلتُ: نعم، إذا جعلته حالاً من "هُوَ" أوْ نَصْباً على المدح منه، أو صفة للمنفي، كأنه قيل: شهد الله والملائكة، وأولو العلم أنه لا إله إلا هو، وأنه قائم بالقسط". فصل معنى "قَائِماً بِالْقِسْطِ" أي: قائماً بتدبير الخلْقِ، كما يقال: فلان قائم بأمر فلان، أي مدبِّر له، رزَّاق، مجازٍ بالأعمال، والمراد بالقِسْط: العدل. قال ابن الخطيبِ: وهذا العدل منه ما هو متصل بباب الدنيا، ومنه ما هو متصل بباب الدين أما المتصل بالدنيا فانظر - أوَّلاً - في كيفية خَلْقِه أعضاءَ الإنسان؛ حتى تعرفَ عدلَ الله - تعالى - فيها، ثم انظر إلى اختلاف أحوال الخلق في الحُسْن والقُبْح، والغِنَى والفقر، والصحةِ والسقم، وطول العمر وقصره، واللذة والآلام، واقطع بأن كل ذلك عدل من الله، وحكمة وصواب، ثم انظر في كيفية خلق العناصر، وأجرام الأفلاك، وتقدير كل واحد منها بقدر معين، وخاصيَّةٍ معينة، واقطع بأن كل ذلك حكمة وصواب. وأما ما يتصل بأمر الدين فانظر إلى اختلاف الخلق في العلم والجهل، والفطانة والبلادة، والهداية والغواية، واقطع بأن كل ذلك عدل وقسط. قوله تعالى: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} في هذه الجملة وجهان: الأول: أنها مكرَّرة للتوكيد، قال الزمخشريُّ: "فإن قلت: لِمَ كرَّر قولَه: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ}؟ قلت: ذكره - أولاً - للدلالة على اختصاصه بالوحدانية، وأنه لا إله إلا تلك الذات المتميزة، ثم ذكره - ثانياً - بعدما قَرَن بإثبات الوحدانية إثبات العدل؛ للدلالة على اختصاصه بالأمرين، كأنه قال: لا إله إلا هذا الموصوف بالصفتين، ولذلك قرن به قوله تعالى: {ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}؛ لتضمنها معنى الوحدانيةِ والعدلِ". وقال بعضهم: ليس بتكرير؛ لأن الأول شهادة الله - تعالى - وحده. والثاني: شهادة الملائكة وأولي العلم، وهذا عند من يرفع "الْمَلاَئِكَةُ" بفعل آخر مضمر - كما ذكرنا - من أنه لا يرى إعمال المشترك، وأن الشهادتين متغايرتان، وهو مذهب مرجوح. وقال الراغبُ: "إنما كرَّر {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ}؛ لأن صفات التنزيه أشرف من صفات التمجيد؛ لأن أكثرها مشارك - في ألفاظها - العبيد، فيصح وصفُهم بها، ولذلك وردت ألفاظ في حقه أكثر وأبلغ". وقال بعضهم: "فائدة هذا التكرار الإعلام بأن المسلم يجب أن يكون - أبداً - في تكرير هذه الكلمة؛ فإن أشرف كلمة يذكرها الإنسان، هي هذه الكلمة، فإذا كان في أكثر أوقاتِه مشتغلاً بذكرِها، كان مشتَغِلاً بأعظم أنواع العبادات". قوله: {ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} فيه ثلاثة أوجهٍ: أحدها: أنه بدل من "هُوَ". الثاني: أنه خبر مبتدأ مُضْمَر. الثالث: أنه نعت لـِ "هُوَ"، وهذا إنما يتمشَّى على مذهب الكسائي؛ فإنه يرى وَصْفَ الضمير الغائبِ. فصل ذِكْرُ هاتين الصفتين إشارةٌ إلى كمال العلم؛ لأن الإلهية لا تحصل إلا معهما؛ لأن كونه قائماً بالقسط لا يتم إلا إذا كان عالماً بمقادير الحاجات، وكان قادراً على تحصيل المهمات، وقد قدَّم "الْعَزِيزُ" على "الْحَكِيمُ"؛ لأن العلم بكونه - تعالى - قادراً متقدم على العلم بكونه عالماً في طريق المعرفة الاستدلالية، فلما كان هذا الخطاب مع المستدلين - لا جرم - قدَّم ذكر "الْعَزِيزُ" على "الْحَكِيمُ".

السيوطي

تفسير : أخرج ابن السني في عمل يوم وليلة وأبو منصور الشجامي في الأربعين عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن فاتحة الكتاب، وآية الكرسي، والآيتين من آل عمران {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم، إن الدين عند الله الإسلام} و {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء} [آل عمران: 26] إلى قوله {بغير حساب} هن معلقات بالعرش. ما بينهن وبين الله حجاب يقلن: يا رب تهبطنا إلى أرضك وإلى من يعصيك. قال الله: إني حلفت لا يقرأكن أحد من عبادي دبر كل صلاة ـ يعني المكتوبة ـ إلا جعلت الجنة مأواه على ما كان فيه، وإلا أسكنته حظيرة الفردوس، وإلا نظرت إليه كل يوم سبعين نظرة، وإلا قضيت له كل يوم سبعين حاجة أدناها المغفرة، وإلا أعذته من كل عدوّ ونصرته منه ". تفسير : وأخرج الديلمي في مسند الفردوس عن أبي أيوب الأنصاري مرفوعاً "حديث : لما نزلت {الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة: 1]، وآية الكرسي، و {شهد الله} ، و {قل اللهم مالك الملك} [آل عمران: 26] إلى {بغير حساب} [آل عمران: 27] تعلقن بالعرش وقلن: أنزلتنا على قوم يعملون بمعاصيك فقال: وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني، لا يتلوكن عبد عند دبر كل صلاة مكتوبة إلا غفرت له ما كان فيه، وأسكنته جنة الفردوس، ونظرت له كل يوم سبعين مرة، وقضيت له سبعين حاجة أدناها المغفرة "تفسير : . وأخرج أحمد والطبراني وابن السني في عمل يوم وليلة وابن أبي حاتم عن الزبير بن العوّام قال "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة يقرأ هذه الآية {شهد الله أنه لا إله إلا هو} إلى قوله {العزيز الحكيم} فقال: وأنا على ذلك من الشاهدين يا رب"تفسير : . ولفظ الطبراني فقال: وأنا أشهد أنك لا إله إلا أنت العزيز الحكيم". وأخرج ابن عدي والطبراني في الأوسط والبيهقي في شعب الإيمان وضعفه والخطيب في تاريخه وابن النجار عن غالب القطان قال: أتيت الكوفة في تجارة، فنزلت قريباً من الأعمش، فلما كان ليلة أردت أن أنحدر قام فتهجد من الليل، فمر بهذه الآية {شهد الله أنه لا إله إلا هو} إلى قوله {إن الدين عند الله الإِسلام} فقال: وأنا أشهد بما شهد الله به، واستودع الله هذه الشهادة، وهي لي وديعة عند الله. قالها مراراً فقلت: لقد سمع فيها شيئاً، فسألته فقال: حدثني أبو وائل، عن عبدالله قال "حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يُجاءُ بصاحبها يوم القيامة فيقول الله: عبدي عهد إلي وأنا أحق من وفى بالعهد، أدخلوا عبدي الجنة "تفسير : . وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن حمزة الزيات قال: خرجت ذات ليلة أريد الكوفة، فآواني الليل إلى خربة فدخلتها، فبينا أنا فيها دخل علي عفريتان من الجن فقال أحدهما لصاحبه: هذا حمزة بن حبيب الزيات الذي يقرىء الناس بالكوفة قال: نعم والله لأقتلنَّه قال: دعه. المسكين يعيش قال: لأقتلنه. فلما أزمع على قتلي قلت: بسم الله الرحمن الرحيم {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم} وأنا على ذلك من الشاهدين فقال له صاحبه: دونك الآن فاحفظه راغماً إلى الصباح. وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش قال: في قراءة عبدالله "شهد الله أن لا إله إلا هو" وفي قراءته {إن الدين عند الله الإسلام}. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله {قائماً بالقسط} قال: ربنا قائماً بالعدل. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس {بالقسط} قال: بالعدل. وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال: فإن الله شهد هو، والملائكة، والعلماء من الناس {إن الدين عند الله الإِسلام}. وأخرج عن محمد بن جعفر بن الزبير {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم} بخلاف ما قال نصارى نجران. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله {إن الدين عند الله الإِسلام} قال: الإِسلام شهادة أن لا إله إلا الله، والإِقرار بما جاء به من عند الله. وهو دين الله الذي شرع لنفسه، وبعث به رسله، ودل عليه أولياءه. لا يقبل غيره، ولا يجزي إلا به. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله {إن الدين عند الله الإِسلام} قال: "لم أبعث رسولاً إلا بالإِسلام. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: كان حول البيت ستون وثلاثمائة صنم، لكل قبيلة من قبائل العرب صنم أو صنمان. فأنزل الله {شهد الله أنه لا إله إلا هو...} الآية. قال: فأصبحت الأصنام كلها قد خرت سجداً للكعبة. قوله تعالى: {وما اختلف} الآية. أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {وما اختلف الذين أوتوا الكتاب} قال: بنو إسرائيل. وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله {إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم} ويقول: بغيا على الدنيا، وطلب ملكها وسلطانها، فقتل بعضهم بعضاً على الدنيا من بعدما كانوا علماء الناس. وأخرج ابن جرير عن الربيع قال: إن موسى عليه السلام لما حضره الموت دعا سبعين حبراً من أحبار بني إسرائيل، فاستودعهم التوراة، وجعلهم أمناء عليه. كل حبر جزء منه، واستخلف موسى عليه السلام يوشع بن نون، فلما مضى القرن الأول، ومضى الثاني، ومضى الثالث، وقعت الفرقة بينهم. وهم الذين أوتوا العلم من أبناء أولئك السبعين حتى أهرقوا بينهم الدماء، ووقع الشر والاختلاف. وكان ذلك كله من قبل الذين أوتوا العلم بغيا بينهم على الدنيا، طلباً لسلطانها وملكها وخزائنها وزخرفها، فسلط الله عليهم جبابرتهم. وأخرج ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير {وما اختلف الذين أوتوا الكتاب} يعني النصارى {إلا من بعد ما جاءهم العلم} الذي جاءك أي أن الله الواحد الذي ليس له شريك. وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله {فإن الله سريع الحساب} قال إحصاؤه عليهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله {فإن حَاجُّوك} قال: إن حاجَّكَ اليهود والنصارى. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج {فإن حاجُّوك} قال: اليهود والنصارى فقالوا: إن الدين اليهودية والنصرانية فقل يا محمد {أسلمت وجهي لله}. وأخرج ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير {فإن حاجُّوك} أي بما يأتون به من الباطل من قولهم: خلقنا، وفعلنا، وجعلنا، وأمرنا، فإنما هي شبهة باطل قد عرفوا ما فيها من الحق {فقل أسلمت وجهي لله} . وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله {ومن اتبعن} قال: ليقل من اتبعك مثل ذلك. وأخرج الحاكم وصححه "حديث : عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا نبي الله إني أسألك بوجه الله بم بعثك ربنا؟ قال: بالإسلام... قلت: وما آيته؟ قال: أن تقول {أسلمت وجهي لله} وتخليت، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة. كل مسلم على مسلم محرم أخوان نصيران، لا يقبل الله من مسلم أشرك بعدما أسلم عملاً حتى يفارق المشركين إلى المسلمين، ما لي آخذ بحجزكم عن النار. ألا إن ربي داعيّ، ألا وإنه سائلي هل بلغت عبادي؟ وإني قائل: رب قد أبلغتهم، فليبلغ شاهدكم غائبكم. ثم أنه تدعون مقدمة أفواهكم بالفدام، ثم أوّل ما يبين عن أحدكم لفخذه وكفه. قلت: يا رسول الله هذا ديننا؟ قال: هذا دينكم وأينما تحسن يَكْفِكَ ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس {وقل للذين أوتوا الكتاب} قال: اليهود والنصارى {والأميين} قال: هم الذين لا يكتبون. وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع {فإن أسلموا فقد اهتدوا} قال: من تكلم بهذا صدقاً من قلبه يعني الإِيمان فقد اهتدى {وإن تولوا} يعني عن الإِيمان.

التستري

تفسير : قوله: {شَهِدَ ٱللَّهُ}[18] قال: أي علم الله وبيّن {أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ}[18] شهد لنفسه بنفسه، وهو خاص لذاته واستشهد من استشهد من خلقه قبل خلقهم بعلمه، فنبه به أهل معرفته أنه عالم بما يكون قبل كونه، وأن حقيقة التوحيد ما كان بدون الأكوان، كما شهد به الحق لنفسه بنفسه قبل الأكوان. وقال عبد الواحد: كنت مع أيوب السختياني فرأى حمالاً يحمل الحطب، فقلت: هل لك برب؟ فقال: أمثلي يُسأل عن ربه. فقلت له: إن كان لك خالق كما تزعم، فلم اشتغلت بالحطب؟ فأشار الرجل إلى السماء، فصار الحطب ذهباً، فتعجبنا منه لذلك، ثم قال: اللهم لا حاجة لي إلى هذا، فتحول الذهب حطباً كما كان، فقلنا له: ما حملك على هذا؟ فقال: لأني عبد، فأحمل هذا كي لا أنسى نفسي.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ} [الآية: 18]. سُئِلَ سَهلُ بن عبد الله عن هذه الآية فقال: شهد لنفسه بنفسه وهو مشاهدٌ ذاتهُ، واستشهد من استشهد من خلقه قبل خلقه لهم، فكان ذلك تنبيهٌ أنهُ عالم بما يكونُ قبل كونهِ، وإنهُ لا يتجاوزُ أحدٌ من خلقه ما تجلى بهِ. وقيل فى قوله تعالى: {وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ}: إن العلماء ثلاثةٌ: عالمًا بأمور الله تعالى وأحكامه فهم عُلماءُ الشريعة، وعالمًا بصفاته ونعوته فهم عُلماء النسبة، وعالمًا به وبأسمائه فهم العالم الربانى. قال أبو يزيد يومًا لأصحابه: بقيتُ البارحة إلى الصباح أُجْهدُ أن أقُولَ: أشهدُ أن لا إله إلا الله ما قدرت عليه قيل: وَلِمَ؟ قال: ذكرت كلمةً قلتها فى صباى جائتنى وحشة تلك الكلمة فمنعتنى عن ذلك وأعجب من يذكر الله تعالى وهو متصف بشىء من صفاته. سَمِعتُ محمد بن عبد الله يقول: سَمعتُ الشبلى يقول: ما قلت الله إلا استغفرت من ذلك، لأن الله تعالى يقول: {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} فمن شهد بذلك له من الأكوان إلا عن أمنٍ أو غفلة. وقال ابن عطاء: أولُ ما نحلوا من حقائق البقاءِ فَنوا عن كل شىء دونَ الله تعالى حتى بقوا مع اللهِ تعالى. وقيل: لا يصلُ إلى الشهادة للهِ تعالى بما شهدَ لنفسه حتى يصل إلى الفاقة الكبرى قيلَ: وما الفاقةُ الكبرى؟ قال: حتى يعلم أنه لا يصل إليه إلا بهِ، ولا ينجُو منه إلا بهِ. وقال ابنُ منصور لرجل: أتشهد فى الأذان؟ قال: نعم قال: ألحدت من حيثُ وحدَّت فى تشهُّدك حين شهدت لله تعالى وللرسول صلى الله عليه وسلم ولم تفرق بينهما حتى تشهد لله تعالى بالتعظيم وللرسول صلى الله عليه وسلم بالبلاغ والتسليم، عند ذلك باهت الأسرار فيما وراء الغيرة ولا غير. وقيل للشبلى رحمه الله: لِمَ تقول الله ولا تقول لا إله إلا الله؟ فأنشأ يقول: شعر : شَمسٌ يَغالِبُ فقدَها بثبُوتها فإذَا استحال الفَقْدُ ماذا يغيبُ تفسير : ثم قال: وهل يبقَى إلا ما يستحيل كونُهُ، وهل يثبت إلا ما لا يَجُوز فقدُه؟ وقال ابن عطاء فى قوله: {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ}، فقال: دَلَّنا بنفسه من نفسه على نفسه بأسمائه وفيه بيان ربُوبيته وصفاته، فجعل لنا فى كلامهِ وأسمائه شاهِدًا ودليلاً، وإنما فعل ذلكَ لأنَّ الله تعالى وحَّدَ نفسَهُ ولم يكن معهُ غيره، فكان الشاهدُ عليه توحيده، ولا يستحق أن يشهدَ عليه من حيثُ الحقيقة سواهُ، إذ هو الشاهدُ فلا شاهدَ معهُ، ثم دعا الخلق إلى شهادته، فمن وافقت شهادته فقد أصاب حظَّهُ من حقيقة التوحيد، ومن حُرِمَ ضل. وقال جعفر فى قوله {شَهِدَ ٱللَّهُ} فقال: شَهِد الله بوحدانيته وأبديته وصَمديته، وشهِدَ الملائكةُ وأولوا العلم له بتصديق ما شهد هو لنفسه. سُئلَ جعفر عن حقيقة هذه الشهادة ما هى؟ قال: هى مبنيةٌ على أربعة أركان: أوَّلها اتباعُ الأمرِ، والثانى اجتنابُ النهى، والثالثُ القناعةُ، والرابعُ الرضَا. قال ابن عطاء: إن اللهَ شَهِدَ بالفردانية والصمدية والأبدية ثم خلق الخَلْق فشغلهم بعبادة هذه الكلمة فلا يطيقون حقيقة عبادتها، لأن شهادتهُ لنفسه حق، وشهادتُهم له بذلك رسمٌ، وأنى يستوى الحق مع الرّسم. قال أبو عبد الله القرشى فى قوله تعالى: {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} فقال: هو تعليمٌ منه ولُطفٌ وإرشادٌ بعبادهِ إلى أن تشهدوا له بذلك، ولو لم يُعلِّمهم ذلك ولم يرشدهم لهلكوا كما هلك إبليسُ عند المعارضة. قال المزنى: دَخَل أبو منصور مكة فسُئِلَ عن شهادة الذّر للحقّ بالوحدانية وعن التوحيد، فقال: هذا يليقُ به من حيثُ رضى به نعتًا وأمرًا، ولا يليقُ به وصفًا ولا حقيقةً كما رضى بشُكرنا لنعمه، وأنَّى يليقُ شكرنا بنعمه. قال: وما دمتَ تشيرُ فلستَ بموحد حتى يستولى الحقّ على إشارتك بإخفائها عنك فلا تبقى مشيرًا، وفى إشارة قوله تعالى: {ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} قال: العزيزُ: الممتنعُ عن أن تلحقهُ توحيدُ موحّدٍ، أو صفةُ التوحيدِ من حيثُ التوحيد ما شهد به الحقُ لنفسه قبل الأكوان. وقال بعضهم: شهادة الله تعالى لنفسه بما شهد به شهادةُ صدق ولا تقبل الشهادة إلا من الصادقين، فظهر بهذا أنه لا يصح إلا للصادقين دون غيرهم من الخلق. قال الحسين فى قوله: {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} شهادته لنفسه أن لا صانع غيره، آمن بنفسه قبل أن يُؤمن به مما وصفَ من نفسه، فهو المؤمن بغيبه الداعى إلى نفسه، والملائكةُ مؤمنونَ به وبغيبهِ داعين إليه، والمؤمنون يؤمنون به وبغيبه، دَاعُون إليه بكتُبهِ ورُسُلهِ، فمن آمَنَ به فقد آمن بغيبه، وكل ما فى القرآن مما يشيرُ إلى غيبه، فإنما يشير بنفسه إلى غيبه ولا يعلم غيبه إلا هُوَ.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ}. أي عَلِمَ اللهُ وأخبر اللهُ وحَكَمَ اللهُ بأنه لا إله إلا هو، فهو شهادة الحق للحق بأنه الحق، وأوَّلُ مَنْ شهد بأنه اللهُ - اللهُ، فشهد في آزاله بقوله وكلامه وخطابه الأزلي، وأخبر عن وجوده الأحدي، وكونه الصمدي، وعونه القيومي، وذاته الديمومي، وجلاله السرمدي، وجماله الأبدي. فقال: {شَهِدَ ٱللَّهُ} ثم في آباده، "شهد الله" أي بيَّنَ اللهُ بما نَصَبَ من البراهين، وأثبت من دلائل اليقين، وأوضح من الآيات، وأبدى من البينات. فكلُّ جزءٍ من جميع ما خلق وفطر، ومن كتم العدم أظهر، وعلى ما شاء من الصفة الذاتية حصل، من أعيان مستقلة، وآثار في (ثاني) وجودها مضمحلة، وذوات للملاقاة قابلة، وصفات في المَحَالِّ متعاقبة - فهو لوجوده مُفْصِح، ولربوبيته موضَّح، وعلى قِدَمِه شاهد، وللعقول مُخْبِر بأنه واحد، عزيز ماجد، شهد سبحانه بجلال قَدْره، وكمال عزه، حين لا جحد ولا جهود ولا عرفان لمخلوق ولا عقل، ولا وفاق، ولا كفر، ولا حدثان، ولا غير، ولا إلحاد، ولا شِرْك، ولا فهم ولا فكر، ولا سماء ولا فضاء، ولا ظلام ولا ضياء، ولا وصول للمزدوجات، ولا فضول باختلاف الآفات. قوله جلّ ذكره: {وَٱلْمَلاَئِكَةُ}. لم يؤيِّد شهادته بوحدانيته بشهادة الملائكة بل أسعدهم وأيَّدُهم، حين وفَّقَهم بشهادة وسدَّدهم، وإلى معرفة وحدانيته أرشدهم. قوله جلّ ذكره: {وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ}. وهم أولياء بني آدم إذ علموا جلال قدرته، وعرفوا نعت عزته فأكرمهم حيث قرن شهادته بشهادتهم، فشهدوا عن شهود وتعيين، لا عن ظن وتخمين، إن لم يدركوه - اليوم - ضرورة وحِسَّاً، لم يعتقدوه ظنّاً وحَدْساً؛ تعرَّف إليهم فعرفوه، وأشهدهم فلذلك شهدوا، ولو لم يقُلْ لهم إنه مَنْ هو لَمَا عرفوا مَنْ هو. ولكنَّ العلماء يشهدون بصحو عقولهم، والمُوَحِّدُون يشهدون بعد خمودهم؛ فهم كما قيل: شعر : مُسْتَهْلَكُون بقهر الحق قد هَمَدُوا واستُنْطِقُوا بعد افتنائهمُ بتوحيد تفسير : فالمُجْرِي عليهم ما يبدو منهم - سواهم، والقائمُ عنهم بما هم عليه وبه - غيرُهم، ولقد كانوا لكنهم بانوا، قال قائلهم:شعر : كتابي إليكم بعد موتي بليلة ولم أدرِ أنِّي بعد موتي أكتب تفسير : وأولو العلم على مراتب: فَمِنْ عالِم نَعْتُه وفاق ورهبانية، ومن عالم وصفه فناء وربانية، وعالم يعرف أحكام حلاله وحرامه، وعالم يعلم أخباره وسننه وآثاره، وعالم يعلم كتابه ويعرف تفسيره وتأويله، ومحكمه وتنزيله، وعالم يعلم صفاته ونعوته ويستقوي حججه وتوحيده بحديث يخرجه (....)، وعالم لاطفه حتى أحضره ثم كاشفه فقهره، فالاسم باقٍ، والعين محو، والحكم طارق والعبد محق، قال قائلهم: شعر : بنو حق غدوا بالحق صِرفاً فنعت الخلْق فيهمو مستورُ تفسير : وليست الإشارة من هذا إلا إلى فنائهم عن إحساسهم، وعند عِلْمِهم بأنفسهم، فأما أعمالهم أعيانهم فمخلوقة، وما يفهم بذواتهم من أحوالهم فمسبوقة، وذات الحق لا توصف بقبول حدثان، وصفات ذاته لا تقبل اتصالاً بالغير ولا انفصالاً عن الذات، تقدَّس الحق عن كل ضدِّ وندِّ، ووصل وفصل، وجمع وفرق، وعين وخلق، وملك وفلك، ورسم وأثر، وعبد وبشر، وشمس وقمر، وشخص وغَبَر.

البقلي

تفسير : {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ} الاية ان الله تبارك وتعالى تقدس كان بدا له وصافته علما وعارفا كما ينبغى منه لنفسه فشهد بنفسه لنفسه قبل القبل وكون العبد وكون الكحون فيس مقابل علمه بنفسه جهل ولي مقابل معرفته بنفسه نكرة وليس مقابل شهادته بنفسه عجز ووحشة بل وصف نفسه بنفسه وشكر نفسه بنفسه اذ ليس للخلق الى معرفته والعلم بنفسه سبيل فاثنى بنفسه على نفسه علمه يعجز خلقه عن معرفة وجوده فمراده من شهادته بنفسه قبل وجود العالم تعليما العبادة تلطفا منه عليهم والا هو منزه عن وجود الخلق وان الله غنى عن العالمين فشهادته لنفسه حقيقة وشهادة الخلق له رسم والحقيقة بدت من الحقيقة وتعود الى الخحقيقة والرسم بدا من الرسم ويعود الى الرسم لان القدم مفرد عن الحقدث من جميع الوجوه علما ورسما وحقيقة ثم خلق الملائكة وكشف لهم ذرة من نور قدته فاقتبسوا من نروه نورا فابصروا به اثار رافعا له القديمة فشهدوا به بوحدانيته وازليته وسر مديته رامتهم فى العبودية لا حقيقة منهم فى الربوبية فرضى الله تعالى به عنهم امروا ربما لا حقيقة ووصفا ثم خلق الانبياء والاولياء فابرزلهم انوار جمال ذاته فى مصابيح ارواحهم قبل الاجساد بالفى الف عام مفتطروا بنوره الى جمال جلاله وتحيروا فى كنه عظمته وكبرياء جبروته وعجزوا عن شانه ووصفه وشكره لنفسه خاطبهم الحق جل سلطانه بنعت تعريف نفسه لهم فقال الست بربكم قالوا بلى شهدنا فشهدوا بعد اقرارهم فى محلا لهطاب فشاهدتهم رسم التعليم لا من حقيقة رسم القديم والفرق بين شهادة الملائكة وبنى ادم من اهل العلم ان الملائكة شهدوا من حيث اليقين واولوا العلم من حيث المشاهدة وايضا شهادة الملائكة من رؤية الافعال وشهادة العلماء من رؤية الصفات وايضا شهادة الملائكة من رؤية العظمة وشهادة العلماء من رؤية الجمال الاجل ذلك يتولد من رؤيتهم الخوف ومن رؤية العلماء الرجاء وشهادة العلماء بالتفاوت فشهادة بعضهم من المقامات وشهادة بعضهم من الحالات وشهادة بعضهم من المكاشفات وشهادة بعضهم من المشاهدات وخواص اهل العمل يشهدون به له بنعت ادارك القدم وبروز نور التوحيد من جمال الوحدانية فشهادتهم مستغرقة فى شهادة الحق لانهم فى محل المحو من رؤية القدم وسائل سهل بن عبد الله عن هذه ايلاة فقال شهد بنفسه ومشاهدة ذاته واستشهد من استشهد من خلقه قبل خلقه لهم فكان فى ذلك تنبيها انه عالم بما يكون قبل كونه لا يتجاوز احد من حكمه وقال ابن عطا فى قوله شهد الله فقال دلنا من نفسه على نفسه باسماء وفيه بيان ربوبيته وصفاته فجعل لنا فى كلامه واسمائه شاهدا ودليلا وانما فعل ذلك لان الله وحد نفسه ولم يكن معه غيره وكان الاشهد عليه توحيده ولا يستحق ان يشهد عليه من حيث الحقيقة سواه اذ هو الشاهد فلا شاهد منعه ثم دعا الخلق الى شهادته فمن وافق شهادته شهادته فقد اصاب حظه من حقيقة التوحيد من حرم ضل وقال ابن عكا ان الله شهد لنفسه بالفردانية والصمدية والابدية ثم خلق الخلق فشغلهم بعبادة هذه الكلمة فلا يطيقون حقيقة عبادتها لان شهادته لنفسه حق وشهادتهم بذلك رسم وانى يستوى الحق مع الرسم وقال ابو عبد الله القرشى فى قوله شهد الله فقال هو تعليم منه ولطف وارشاد لعباده الى ان شهدوا له بذلك ولم يعلمهم ذلك لم يرشدهم لهلكوا كما اهلك ابليس عند المعارضة وقال بعضهم شهادة الله لنفسه بما شهد به شهادة صدق ولا يقبل الشهادة الا من الصادقين فظهر بهذا انه لا يصلح التوحيد الا للصادقين دون غيرهم من الخلق وقال ابو يزيد رحمة الله عليه يوما الا صحابه بقيت البارحة الى الصباح اجهدان اقول الا اله الا الله فما قدرت عليه قيل ولم قال ذكرت كلمة قلتها فى صائى جاءتنى وحشة تلك الكلمة فمنعتنى عن ذلك واعجب ممن يذكر الله وهو متصف بئ من صفاته وقال الشبلى ما قلت قط الله الا واستغفرت من ذلك لان الله يقول شهدا لله انه لا اله الا هو فمن يشهد بذلك له من الاكوان الا عن امروا وغفلة وقال ابن عنطا او ما خلقوا فى حقائق الباقء مع الله قنوا عن كل شئ دون الله حتى ثبتوا مع الله وقال الشبلى شهادة ان لا اله الا الله عشرة احرف ستة فى الظاهر واربعة فى الباطن فاما التى فى الظاهر فذكر الله بلا رياء والثاني اداء الامر بلا عيب ولا تقصير والثالث كف النفس عن المحارم والرابع النصيحة للمؤمنين والخامس الفرار من الاثام والسادس معاداة النفس واما الواتى فى البواطن فايمان ومعرفة القلب ونية وخشوع وفكرة ماستقامة مع رؤية التوفيق فمن فعل هذا كله فقد شهد الله بالحقيقة وقيل للشبلى لمنقول الله ولا تقول لا اله الا الله قال نقول شمس تغالب فقدها بثبوتها فاذا استحال الفقد ماذا يغلب ثم قال وهل ينفى الا ما يتسحيل كونه وهل يثبت الا ما يجوز فقده وقال المزنى رحمه الله دخل ابن منصور مكة فسئل عن شهادة الذر للحق بالواحدانية وعن التوحيد فتكلم فيه حتى نسينا التوحيد فقلنا هذا يليق بالحق به من حيث رضى به نعتا وامروا لا يليتى به وصفا ولا حقيقة كما رضى بشكرنا لنعمه وانى يليق كشرنا بنعمه وقال ما دمت تشير فلست بموحد حتى ستولى الحق على لشارتك بافنائها عنك فلا يبقى مشير ولا اشارة وقال ابو سليمن الدارنى تطلب رضا ربك وتبخل بما لك وتعجز كلا فالشاهد لله بالحقيقة من لا يبخل بروحه ونفسه وقلبه فقى رضاء مولاه وقال بعضهم شهد الله علم الله لانه معلوم نفسه بكمال العلم والشهادة اخبار عن العلم والاسلام اصول وفروع وكلها نشعب من اصل واحد وهى الوحدانية وقيل فى قوله {وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ} ان العلماء ثلثة عالم بامر الله واحكامه فهم علماء الشريعة وعالم بصفاته ونعوته فهم علماء السنة وعالم به وباسمائه فهم العلماء الربانى قوله تعالى {هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} العزيز ان يمتنع كنه قدمه من مطالعة المخلوقين وايضا العزيز الذى لا يصفه احد الا يرسم وصفه نفسه الحكيم هو الذى حكم حقيقة الشهادة لنفسه ورسمها بعباده والحكيم ايضا الذى حجب الخلق عن نفسه ان يروه بما حصل لهم من رسم توحيد فى قلوبهم ان ما حصل من رسوم التوحيد للعباد مشوب بطيف الخيال وما يبرز من حقيقة التوحيد من جلال لعظمته يخالف ما خرط فى قلوبهم وقيل العزيز الممتنع عن ان يلحقه توحيد مواحدا وصفه الا على الامرية الحكيم فيما يشهد به لنفسه قوله تعالى {إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ} الاسلام الرضا بمراد الحق وامضاء قضائه وقدره بنعت استقامة السر فى الباطن وقلة الاضطراب فى الظاهر وجدان لذة المحبة وقت نزول البلاء والمحنة قال ابو عثمان ان الدين ما سلم لك من البدع والضلالة والهواء وسلمت فيه من الرياء والشهوة الخفيفة ورؤية الخلق وتعظيم الطاعة وقيل ان المبتدين بالاسلام من سمل من رؤية الخلق وسلم قبله كم من شهوات نفسه وسلم روحه من خطرات قلبه وسلم سره من طيران روحه فهو فى حال الاستقامة مع الله وقال بعضهم اركان الاسلام اربعة التواضع والالفة وكظم الغيظ والصبر اذا تم هذه الاربعة اسلام العبد على معرفة النعم من الله والتوكل عليه والتسليم لامره فهو على اسم الاسلام لا على حقيقة قوله تعالى {قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ} رخص الله تعالى نفسه ومدحه بملك الربوبية وانه ذو الملك والملكوت والجبروت وملكه قديم وهو موصوف به فى الازل ويقى له الى ابد الابد وهو مفرد ثم خص بملكه الذى هو صفاته من يشاء من انبيائه واوليائه فالملك الذى خص الانبياء هو الاصطفاء والاجتباء والخلافة والنحلة والمحبة والتكلليم والايات والمعجزات والمعراج والمنهاج والرسالة والنبوة وخص بما ذكرت من بين الانبياء صلوات الله عليهم أدم وشعيب وادريس ونوح وهو مصالح وابراهيم واسمعيل واسحق ويعقوب ويوسف ويونس وشعيب و-- قيل وخصر وموسى ويوشع وكالب وابواب وداؤد وسليمن وزكريا ويحيى و عيسى ومحمد سيد الرسل خاتم الانيباء صلوات الله عليه اجمعين فكسى الله تعالى سفرة الانبياء والسرسل عليهم السلام كسوة الربوبية والسلطنة فظره منهم الايات والمعجزات وفهروا بعزمك النبوة والرسالة جبابرة الارض وهذا موهبة خالصة ازلية سبقت هلم بعناية الله تعالى في ازل علمه وحرمها على أهل الهذلان فى سابق علمهم وهو معنى قوله تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وما قال تعالى لخليله لا ينال عهدى الظالمين واما الملك الذى خص به اولياؤه فعلى اربعة اقسام قسم منها الكرامات والايات مثل تقلب الاعيان ولمى الارض واستجاب الدعوة وهو لاهل المعاملات وقسم منها وهو اشرف من الاول وهو المقامات مثل الزهد والورع والتقوى والصبر والشكر التوكل والرضا والتسليم والتفويض والتقويم والصدق والاخلاص والاحسان والاستقامة والطمانية وهو لاهل الدرجات وقسم منها وهو اشرف من الثانى هو الوجد والنجوى والمراقبة والحياء والخوف والرجاء والمحبة والشوق والعشق والسكر والصحو وهو لاهل الحالات وقسم منها واشرف من الثالث هو الكشف والمشاهدة والمعرفة والتوحيد والتفريد والفناء والبقاء وهو لاهل المعائنات فهذه الاحوال التى ذكرناها اصل ملك الولاية فمرخص بها فقد بلغ دزوة ملك الازل والابد ومن حرم منها فقد سقط عن حظ الدنيا والاخرة يغريرها سادة اوليائه فهلكوا جميع القلوب بفراسة نور الغيب ويدل بانزاعها عن اعدائه حتى لا ينالوا عهد كرامته فى الدنيا والاخرة وايضا توتى الملك من تشاء يعنى صرف المحبة بحلية الكرامة ونعت الطهارة عن الاكوان وتنزع الملك ممن تشاء ملك العبودية وعرفان الربوبية فممن تشاء من ليس استعداد المعرفة وتعز من تشاء بالانس والشوق والعشق وبذلك من تشاء بالخذلان والحرمان وفقد حقائق الفران قال ابو عثمان الملك الايمان وهذا دليل على ان الايمان لا يتحقق على شخص الا بعد الكشف الا بعد الكشف والسلامة له فى الانقلاب الى ربه وربما يكون عارية وربما يكون عطا قال الله تعالى تؤتى الملك من تشاء الاية فهو مترسم برسم الملوك وقد نزع منه ملكه وقال بعضهم ملك الدين والشريعة وفرضها وسنتها وتنزع الملك ممن تشاء الهداية والتوفيق وتعز من تشاء بولايتك وتذل من تشاء باهنتك بيدك الخير القادر على ما تشاء كيف تشاء وقال محمد بن على الملك المعرفة تعطى معرفتك من تشاء من عبادك وتنزعها عن من تشاء وتعز من تشاء باصطفائك واجتبائك وتزل من تشاء بالاعراض عنه بيدك الخير اى منك الاصطفاء والاجتباء قبل اظهار عبادة الغا بدين وقال الحسين تؤتى الملك من تشاء فتشغله به وتنزع الملك ممن تشاء اى ممن اصطفيته لك فلا يوثر فيه اسباب الملك لانه فى اسرار الملك وتعز من تشاء باظهار زعزتك عليه وتذل من تشاء بانصافه برسوم الهياكل وقال الواسطى قال طوبى لمن ملكه قلبه وجوارحه كى يسلم من شرورهما وقال الشبلى الملك لاستغناء المكون عن الكونين.

اسماعيل حقي

تفسير : {شهد الله انه} بانه {لا اله الا هو} نزلت حين "حديث : جاء رجلان من احبار الشام فقالا للنبى عليه السلام انت محمد قال "نعم" فقالا انت احمد قال "انا محمد واحمد" قالا اخبرنا عن اعظم الشهادة فى كتاب الله فاخبرهما" تفسير : اى اثبت الله بالحجة القطيعة واعلم بمصنوعاته الدالة على توحيده انه واحد لا شريك له فى خلقه الاشياء اذ لا يقدر احد ان ينشىء شيأ منها. قال ابن عباس خلق الله تعالى الارواح قبل الاجساد باربعة آلاف سنة وخلق الارزاق قبل الارواح باربعة آلاف سنة فشهد لنفسه قبل خلق الخلق حين كان ولم يكن سماء ولا ارض ولا بر ولا بحر فقال {شهد الله} الآية {والملائكة} عطف على الاسم الجليل بحمل الشهادة على معنى مجازى شامل للاقرار والايمان بطريق عموم المجاز اى اقرت الملائكة بذلك. لما عاينت من عظم قدرته {وأولوا العلم} اى آمنوا به واحتجوا عليه بالادلة التكوينية والتشريعية وهم الانبياء والمؤمنون الذين علموا توحيده وأقروا به اعتقاداً صحيحاً فشبه دلالته على وحدانيته بافعاله الخاصة التى لا يقدر عليها غيره تعالى وإقرار الملائكة واولى العلم بذلك بشهادة الشاهد فى البيان والكف {قائما بالقسط} نصب على الحال المؤكدة من هو دون من ذكر معه لأ من اللبس اذ القيام بالقسط من الصفات الخاصة به تعالى ومثله جاء زيد وهند راكبا جاز لا جل التذكير ولو قلت جاء زيد وعمرو راكبا للبس اى مقيما بالعدل فى قسمة الارزاق والآجال والاثابة والمعاقبة وما يأمر به عباده وينهاهم عنه من العدل والتسوية فيما بينهم ودفع الظلم عنهم {لا اله الا هو العزيز الحكيم} كرر المشهود له لتأكيد التوحيد ليوحدوه ولا يشركوا به شيأ لانه ينتقم ممن لا يوحده بما لا يقدر على مثله منتقم ويحكم ما يريد على جميع خلقه لا معقب لحكمه لغلبته عليهم {ان الدين عند الله الاسلام} جملة مستانفة مؤكدة للاولى اى لا الدين مرضيا لله تعالى سوى الاسلام الذى هو التوحيد والتشرع بالشريعة الشريفة وهو الدين الحق منذ بعث الله آدم عليه السلام وما سواه من الاديان فكلها باطلة. قال شيخنا العلامة فى بعض تحريراته المقصود من انزال الكلام مطلق الدعوة الى الدين الحق والدين من زمن آدم الى نبينا عليهما الصلاة والسلام الاسلام كما قال تعالى {ان الدين عند الله الاسلام} وحقيقة دين الاسلام التوحيد وصورته الشرائع التى هى الشروط وهذا الدين من ذلك الزمان الى يوم القيامة واحد بحسب الحقيقة وسواء بين الكل ومختلف بحسب الصورة والشروط وهذا الاختلاف الصورى لا ينافى الاتحاد الاصلى والوحدة الحقيقة انتهى. وعن قتادة ان الاسلام شهادة ان لا اله الا الله والاقرار بما جاء من عند الله. وعن غالب القطان قال اتيت الكوفة فى تجارة فنزلت قريبا من الاعمش فكنت اختلف اليه فلما كنت ذات ليلة اردت ان احدر الى البصرة قام من الليل متهجدا فمر بهذه الآية {شهد الله انه لا اله الا هو والملائكة واولو العلم قائما بالقسط لا اله الا هو العزيز الحكيم} قال الاعمش وانا اشهد بما شهد الله به واستودع الله هذه الشهادة وهى لى عند الله وديعة ان الدين عند الله الاسلام قالها مرارا قلت لقد سمع فيها شيأ فصليت معه وودعته ثم قلت آية سمعتك ترددها فما بلغك فيها قال والله لا احدثك بها الى سنة فلبثت على بابه من ذلك اليوم فاقمت سنة فلما مضت السنة قلت يا ابا محمد قد مضت السنة قال حدثنى ابو وائل عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يجاء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله ان لعبدى هذا عندى عهدا وانا احق من وفى بالعهد ادخلوا عبدى الجنة ".تفسير : ويناسب هذا ما يقال عهدنا لله. عن ابى مسعود رضى الله عنه ان النبى صلى الله عليه وسلم قال لاصحابه ذات يوم "حديث : "أيعجز احدكم ان يتخذ كل صباح ومساء عند الله عهدا" قالوا وكيف ذلك قال "يقول كل صباح ومساء اللهم فاطر السموات والارض عالم الغيب والشهادة انى اعهد اليك بانى اشهد ان لا اله الا انت وحدك لا شريك لك وان محمد عبدك ورسولك وانك ان تكلنى الى نفسى تقربنى من الشر وتباعدنى من الخير وانى لا اثق الا برحمتك فاجعل لى عهدا توفينيه يوم القيامة انك لا تخلف الميعاد فاذا قال ذلك طبع عليه بطابع (اى ختم عليه بخاتم) ووضع تحت العرش فاذا كان يوم القيامة نادى مناد اين الذى لهم عند الله عهد فيدخلون الجنة" ".تفسير : فلا بد من الدعاء فى الصبح والمساء لله الذى هو خالق الارض والسماء ومن الاخلاص الذى هو ملاك الامر كله فى طاعة المرء وعمله شعر : عبادت باخلاص نيت نكوست وكرنه جه آيد زبى مغزبوست تفسير : {وما اختلف الذين اوتوا الكتاب} نزلت فى اليهود والنصارى حين تركوا الاسلام الذى جاء به النبى عليه السلام وانكروا نبوته {الا من بعد ما جاءهم العلم} استثناء مفرغ من اعم الاحوال او اعم الاوقات اى ما اختلفوا فى دين الله الاسلام ونبوة محمد عليه السلام فى حال من الاحوال او اعم الاوقات اى وما اختلفوا فى دين الله الاسلام ونبوة محمد عليه السلام فى حال من الاحوال او فى وقت من الاوقات الا بعد ان عملوا بانه الحق الذى لا محيد عنه او بعد ان عملوا حقيقة الامر وتمكنوا من العلم بها بالحجج والآيات الباهرة. وفيه من الدلالة على ترامى حالهم فى الضلالة ما لا مزيد عليه فان الاختلاف بعد حصول تلك المرتبة مما لا يصدر عن العاقل {بغيا بينهم} مفعول به لقوله اختلف اى حسدا كائنا بينهم وطلبا للرياسة لا شبهة وخفاء فى الامر وهو تشنيع اثر تشنيع {ومن يكفر بآيات الله} الناطقة بما ذكر من ان الدين عند الله الاسلام ولم يعمل بمقتضاها {فان الله سريع الحساب} قائم مقام جواب الشرط عله له اى ومن يكفر بآياته تعالى فانه يجازيه ويعاقبه عن قريب فانه سريع الحساب اى يأتى حسابه عن قريب او سريع فى محاسبة جميع الخلائق لانه يحاسبهم فى اقل من لمحة بحيث يظن كل احد منهم انه اى الله يحاسب نفسه فقط.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {قائماً}: حال مِن {الله}، وإنما جاز من بعض المعطوفات لعدم اللبس، كقوله:{أية : وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً...}تفسير : [الأنبيَاء: 72]، ولا يجوز: جاء زيد وعمر راكباً؛ لعدم القرينة، أو مِن {هو}، والعامل الجملة؛ لأنه حال مؤكدة، أي: تفرد قائماً، أو حقه قائماً، {بالقسط} أي: العدل، و {إن الدين}: جملة مستأنفة مؤكدة للأولى، أي: لا دين مرضى عند الله سوى الإقرار بالشهادة والدخول فيما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، ومن قرأ بالفتح فهو بدل من {أنه}، بدل الكل، إن فسر الإسلام بالإيمان، وبدل الاشتمال إن فسر بالشريعة. يقول الحقّ جلّ جلاله: {شهد الله أنه لا إله إلا هو} أي: بيَّن وحدانيتَه بنصب الدلالئل الدالة عليها وإنزال الآيات الناطقة بها، أو بتدبيره العجيب وصنعته المتقنة وأموره المحكمة، وفي ذلك يقول القائل: شعر : يَا عَجَباً كيف يُعْصَى الإلهُ أم كيف يَجْحَدُه الجاحدُ؟! وللهِ في كل تحريكةٍ وتسكينةٍ أبداً شاهدُ وفي كُلِّ شَيءٍ له آيةٌ تَدُلُّ على أنَّه واحِدُ تفسير : وقيل لبعض العرب: ما الدليل على أن للعالم صانعاً؟ فقال: البعرة تدل على البعير، وآثار القدم تدل على المسير، فهيكل علوي بهذه اللطافة، ومركز سفلي بهذه الكثافة، أمَا يدلان على الصانع الخبير؟! {و} شهدت {الملائكة} أيضاً بالإقرار بالوحدانية والإخبار بها، {وأولوا العلم} وهم: الأنبياء والعلماء بالله، بالإيمان بها والاحتجاج عليها، شبه ذلك في البيان والكشف بشهادة الشاهد. وفيه دليل شرف أهل العلم وفضلهم، حيث قرن شهادتهم بشهادته؛ لأن العلم صفة الله العليا ونعمته العظمى، والعلماء أعلام الإسلام، والسابقون إلى دار السلام، وسُرج الأمكنة وحجج الأزمنة. وعن جابر قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"حديث : سَاعَةٌ مِنْ عَالمِ يتَّكِئ على فِرَاشِهِ، ينظُرُ في علمهِ، خَيرٌ مِنْ عِبَادَة العَابِد سَبعينَ عاماً"تفسير : . وعن معاذ قالَ: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"حديث : تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشيةٌ، ومدارستَه تسبيحٌ، والبحث فيه جهادٌ، وتعليمه مَنْ لا يعلمه صدقةٌ، وتذكُّره في أهله قُرْبَة"تفسير : . ثم قال في آخر الحديث في فضل أهل العلم: "حديث : وتَرْغَبُ الملائكة في خُلتِهم، وبأجنحتها تمسحُهم، وفي صلاتها تستغفر لهم، وكلُّ رطب ويابس يستغفر لهم. حتى حيتان البحر وهوامه، وسباع الأرضين وأنعامها، والسماء ونجومها، ألا وإن العلم حياةُ القلوب من العمى، ونورُ الأبصار من الظلم، وقوة الأبدان من الضعف، يبلغ بالعبد منزل الأحرار ومجالسة الملوك، والفكر فيه يُعْدل بالصيام، ومدارسته بالقيام، وبه يُعرف الحلال والحرام، وبه تُوصلَ الأرحام، العلم إمام والعمل تابعه، يُلْهَمُه بالسعداء، ويُحْرَمه الأشقياء ". تفسير : حال كون الحقّ تعالى {قائماً بالقسط} أي: مُدبراً لأمر خلقه بالعدل، فيما حكم وأبرم، {لا إله إلا هو}، كرر الشهادة للتأكيد، ومزيد الاعتبار بأمر التوحيد، والحكم به، بعد إقامته الدليل. عليه وقال جعفر الصادق: (الأُولى وصف وتوحيد، والثانية رسم وتعليم). أي: قولوا: {لا إله إلا هو}، أو ليرتب عليه قوله: {العزيز الحكيم}، فيعلم أنه الموصوف بهما، وقدَّم {العزيز} ليتقدم العلم بقدرته على العلم بحكمته. {إن الدين عند الله الإسلام} أي: إن الدين المرضى عند الله هو الانقياد لأمر التوحيد والإذعان لمن جاء به. ورُوِيَ عن أنسَ رضي الله عنه قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"حديث : من قرأَ هذه الآيةَ عند منامه خَلَقَ اللَّهَ تعالى سبعين ألف خَلْقٍ يستغفرون الله له إلى يوم القيامة"تفسير : . وهي أعظم شهادة في كتاب الله،"حديث : من قرأها إلى (الحكيم) وقال: وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودِعُ اللّهَ هذه الشهادة، وهي لي عند الله وديعة، يقول الحق تعالى: إن لعبدي هذا عندي عهداً وأنا أحقُّ مَنْ وفى بالعهد، أدخِلوا عبدي الجنة ". تفسير : الإشارة: صدرُ الآية يشير إلى الفرق، وعَجُزُها يشير إلى الجمع، كما هي عادته تعالى في كتبه العزيز، يشرع أولاً، ويُحَقِّق ثانياً، فأثبت الحق - جلّ جلاله - شهادة الملائكة وأولى العلم مع شهادته؛ لإثبات سر الشريعة، ثم محاها بقوله: {لا إله إلا هو العزيز الحكيم} بحكم الحقيقة. فإثبات الرسوم شريعة، ومحوها حقيقة، فتوحيد أهل الرسوم والأشكال دلالة من وراء الحجاب، وتوحيد أهل المحو والاضمحلال شهادة من داخل الحجاب، وتوحيد أهل الرسوم دلالة وبرهان، وتوحيد أهل المحو شهادة وعيان، أهل الدليل والبرهان عموم عند أهل الشهود والعيان. إثبات الرسوم إسلام وإيمان، ومحوها شهود وإحسان، وكل توحيد لم تظهر ثمرته على الجوارح من الإذعان والانقياد لأحكام العبودية فهو مخدج، لقوله تعالى:{أية : إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ}تفسير : [آل عِمرَان: 19] أي، الانقياد والإذعان، ظاهراً وباطناً، لأحكام القهرية والتكليفية، فمن لا انقياد له لا دين له كاملاً. ثم ذكر من سبق له الخذلان بعد سطوع الدليل والبُرهان، فقال: {... وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهِ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} قلت: {بغياً}: مفعول له، علة للاختلاف. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وما اختلف} اليهود والنصارى في حقيقة الإسلام والتدين به، {إلا من بعد ما جاءهم العلم} أي: من بعد ما تمكنوا من العلم بصحته، وأن الدين عند الله هو الإسلام، فجحدوه ظلماً وحسداً. أو ما اختلف أرباب الكتب المتقدمة في دين الإسلام؛ فأثبته قوم، وقال قوم: إنه مخصوص بالعرب، ونفاه آخرون مطلقاً، إلا من بعد ما ثبت لهم بصحته وعموم الدعوة له. أو في التوحيد؛ فثلث النصارى، وقالت اليهود: عزير ابن الله، بعد ما صح لهم العلم بالتوحيد فغيروا. وقال الربيع: إن موسى عليه السلام لما حضره الموت، دعا سبعين حبراً من قومه، فاستودعهم التوراة، فلما مضى القرن الأول والثاني والثالث وقعت بينهم الفرقة، وهم: الذين أوتوا الكتاب من أبناء السبعين، فأراقوا الدماء ووقع بينهم الشر والاختلاف. وذلك من بعد ما جاءهم العلم، يعني بيان ما في التوراة، {بغياً بينهم} أي: طلباً للملك والرئاسة والتحاسد، فسلّط عليهم الجبابرة، {ومن يكفر بآيات الله} المنزلة على رسوله، أو الدالة على وحدانيته، {فإن الله سريع الحساب}؛ لا يشغله شأن عن شأن، وفيه تهديد لأهل الاختلاف. الإشارة: الاختلاف على الصوفية، والإنكار عليهم، إن كان بغياً وحسداً وخوفاً على زوال رئاسة المنكر، فهذا معرض لمقت الله، فقد آذن بحرب الله، وبالُه سوء الخاتمة، والعياذ بالله، وفي ذلك يقول القائل: شعر : هِمَمُهُمْ تَقْضِي بحُكْ الوَقْتِ مُنِكِرُهُم مُعَرَّضٌ للمٌقْتِ تفسير : وإن كان غيره على الشريعة، وسدّاً لباب الذريعة، فهذا معذور أو مأجور إن صح قصده، وهو منخرط في سلك الضعفاء، قال تعالى:{أية : لَيْسَ عَلَى الضُّعَفآءِ وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ}تفسير : [التوبة: 91]، ولا ينكر على الفقير إلا المُحرَّم المجمع على تحريمه، وليس فيه تأويل، كالزنى بالمعينة، واللواط وشبهه، والمؤمن يلتمس المعاذر، والمنافق يلتمس العيوب، وبالله التوفيق وهو الهادي إلى سواء الطريق.

الطوسي

تفسير : المعنى: حقيقة الشهادة الاخبار بالشيء عن مشاهدة أو ما يقوم مقام الشهادة من الدلالات الواضحة، والحجج اللائحة على وحدانيته من عجيب خلقه، ولطيف حكمته في ما خلق. وقال أبو عبيدة: معنى {شهد الله} قضى الله {أنه لا إله إلا هو والملائكة} شهود {وأولوا العلم} وحكى عمرو بن عبيد عن الحسن، وروي ذلك في تفسيرنا أن في الآية تقديماً، وتأخيراً. وتقديرها {شهد الله أنه لا إله إلا هو قائماً بالقسط} أي بالعدل، وشهد الملائكة أنه لا إله إلا هو قائماً بالقسط، وشهد أولوا العلم أنه لا إله إلا هو قائماً بالقسط. وأولوا العلم: هم المؤمنون. القراءة، والحجة، والاعراب: وقرأ أبو المهلب عمر بن محارب بن دثار {شهداء لله} على وزن فعلاء جمع شهيد، نصب على الحال برده على ما قبله من الكلام كأنه قال: الذين يقولون ربنا إننا آمنا شهداء لله أنه لا إله إلا هو، وهي جائزة غير أنها شهادة لم يوافق عليها أحد من قراء الامصار، ذكر ذلك البلخي. و (إن) الأولى، والثانية تحتمل أربعة أوجه من العربية، فتحهما جميعاً وكسرهما جميعاً، وفتح الأولى وكسر الثانية، وكسر الأولى وفتح الثانية. فمن فتحهما أوقع الشهادة على أن الثانية وحذف حرف الاضافة من الأولى، وتقديره {شهد الله أنه لا إله إلا هو} {أية : إن الدين عند الله الإسلام}تفسير : وقال أبو علي الفارسي: يجوز أن يكون نصبها على البدل من شيئين. أحدهما - من قوله {إنه لا إله} وتقديره شهد الله {إن الدين عند الله الإسلام} ويجوز بدل الشيء من الشيء وهو هو. والثاني - أن يكون بدل الاشتمال، لأن الاسلام يشتمل على التوحيد والعدل وغير ذلك. ومن كسرهما اعترض بالأولى للتعظيم لله عز وجل به كما قيل لبيك إن الحمد. وكسر الثانية على الحكاية، لأن في معنى شهد معنى قال. وقال المؤرخ: شهد بمعنى قال بلغة قيس عيلان. الثالث - من فتح الأولى وكسر الثانية - وهو أجودها، وعليه أكثر القراء - أوقع الشهادة على الأولى واستأنف الثانية وهو أحسن الوجوه وأظهرها. الرابع - من كسر الأولى، فعلى الاعتراض، ثم فتح الثانية بايقاع الشهادة عليها. وهو المروي عن ابن عباس، وقيل في نصب قائماً قولان: أحدهما - أنه حال من اسم الله على تقدير شهد الله قائماً بالقسط. الثاني - على الحال من هو وتقديره لا إله إلا هو قائماً بالقسط. وقال مجاهد: معنى قائماً بالقسط أي قائماً بالعدل كما تقول: قائماً بالتدبير أي يجريه على الاستقامة فكذلك يجري التدبير على الاستقامة والعدل في جميع الامور.

الجنابذي

تفسير : كيفيّة شهادة الله بانّه لا اله الاّ هو {شَهِدَ ٱللَّهُ} كلام منقطع عمّا قبله والشّهادة حفظ القضيّة المشهودة او ما فى حكمها او الاخبار بها واخبار الله بالتّوحيد لجملة الاشياء عبارة عن خلقها مفطورة على التّوحّد واقتضاء التّوحّد مع ما يجاورها وهذا اخبار من الله لها عن توحّد صانعها ووحدته واحديّته واخباره تعالى بالتّوحيد لذوى العقول فى مقام العلم بخلق الآيات الآفاقيّة وجعلها بحيث يدركها العقول الصّافية دالّة على وحدة خالقها وخصوصاً الآيات الكبرى الدّالّة بالسنة اقوالهم واحوالهم على التّوحيد المشار اليه بقوله تعالى: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ} تفسير : [فصلت:53] وبانشاء الآيات الانفسيّة وجعلها دالّة على وجود الحقّ وصفاته المشار اليه بقوله تعالى: {أية : وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} تفسير : [فصلت:53] وفى مقام المشاهدة بظهوره تعالى فى كلّ شيءٍ وفيءٍ المشار اليه بقوله تعالى {أية : أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} تفسير : [فصلت:53] {أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ} بذواتهم والسنة احوالهم، واقوالهم ويجوز ان يكون عطفاً على المستثنى بحيث لا يكون منافياً للتّوحيد ولا مستلزماً لتعدّد الآلهة، وقوله تعالى: {قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ} قائم بالمجموع او بالله معنّى وهو بحسب الاعراب صفة لاسم لا او حال عن المستثنى او المستثنى منه والمعنى شهد الله كافياً للخلق بسبب القسط او مقيماً للقسط وقول الباقر (ع) انّ اولى العلم الانبياء (ع) والاوصياء (ع) وهم قيام بالقسط يؤيّد قيامه بالمجموع، ولرفع توهّم تعدّد الآلهة على احتمال عطف الملائكة على المستثنى اكّد التّوحيد بقوله تعالى {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} من دون عطفٍ كأنّه قيل: يلزم من ذلك تعدّد الآلهة المنافى للتّوحيد فقال: لا اله الاّ هو لانّ آلهة الملائكة واولى العلم ليست الاّ ظهور آلهة الله وليست آلهتهم مغايرةً حتّى يلزم تعدّد الآلهة {ٱلْعَزِيزُ} الغالب الّذى لا مجال لالهة غيره معه {ٱلْحَكِيمُ} الّذى لا يجعل احداً مظهراً لالهيّته الاّ بحكم ومصالح.

فرات الكوفي

تفسير : وبإسناده [الآتي في ذيل الآية 157 من هذه السورة عن أبي جعفر عليه السلام] في قوله: {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط [لا إله إلاّ هو العزيز الحكيم. ب، أ]} قال أبو جعفر عليه السلام: هو كما شهد لنفسه، وأما قوله {والملائكة} [فأقرت الملائكة. ب، ر] بالتسليم لربّهم وصدقوا وشهدوا أنه لا إله إلا هو كما شهد لنفسه، وأمّا قوله {وأولوا العلم قائماً بالقسط} فإن أولى [أ، ر: أولوا العلم الأنبياء [عليهم الصلاة والسلام. ر] والأوصياء [عليهم السلام] [و. ب] هم قيام بالقسط كما قال الله [و. ب، أ] القسط هو العدل في الظهر، والعدل في البطن هو علي بن أبي طالب عليه السلام.

الأعقم

تفسير : وروي أنها لما نزلت: {شهد الله أنه لا إله إلا هو} الآية، كان عند الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً فخرجت كلها على وجهها لشهادة الله تعالى بأنه لا إله إلا هو، ومعنى شهد: قضى وحكم، وقيل: اعلم وأمر، روي أن اسم الله الأعظم في هذه الآية {إن الدين عند الله الإسلام} هو العدل والتوحيد، وهو الدين عند الله {وما اختلف الذين أوتُوا الكتاب} قيل: هم أهل التوراة، وقيل: هم النصارى اختلفوا في أمر عيسى (عليه السلام) {إلا من بعد ما جاءهم العِلم} قيل: العلم بأن دين الله الإِسلام، وقيل: العلم الحق بأن محمداً نبيٌّ، وقيل: بأن عيسى عبد الله ورسوله {بغياً} أي ظلماً وحسداً {ومن يكفر بآيات الله} أي بحججه، قيل: التوراة والإِنجيل، وما فيهما من صفة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) {فإن الله سريع الحساب} سريع الجزاء {فإن حاجُّوك فقل أسلمت وجهي لله} قيل: إن اليهود والنصارى قالوا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): لسنا على ما سميتنا وإنما نحن على دين الإِسلام، فنزلت هذه الآية، وقيل: حاجُّوا في عيسى (عليه السلام) فنزلت هذه الآية، قوله: {فإن حاجُّوك} جادلوك في الدين، قيل: وفد نجران، وقيل: اليهود والنصارى، وقيل: جميع الكفار، وقوله: {أسلمت وجهي لله} أي أخلصت نفسي وجملتي لله وحده، وقيل: وجهي عملي أي أخلصت قصدي وعملي لله تعالى، قوله تعالى: {وقل للذين أُوتُوا الكتاب من اليهود والنصارى والأميّين} الذين لا كتاب لهم من مشركي العرب {أسلمتم} يعني أنه قد أتاكم من البيّنات ما يوجب إسلامكم ويقتضي حصوله لا محالة، فهل أسلمتم أم أنتم على كفركم {فإن أسلموا فقد اهتدوا} نَفَعوا أنفسهم حيث خرجوا من الضلال إلى الهدى، ومن الظلمة إلى النور، قوله: {وإن تولوا} فلن يضروك فإنك رسول الله {فإنما عليك البلاغ} أن تبلِّغ الرسالة، قوله تعالى: {ويقتلون النبيّين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون} وهم أهل الكتاب، وعن أبي عبيدة بن الجراح قال: "حديث : سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أي الناس أشدّ عذاباً يوم القيامة؟ قال: رجل قتل نبيَّاً، أو رجلاً أمر بمعروف ونهى عن منكر ثم قرأ هذه الآية، قال يا أبا عبيدة: قتلت بنو اسرائيل ثلاثة واربعين نبياً من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة واثني عشر رجلاً من عباد بني إسرائيل فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، فقتلوا جميعاً من آخر النهار ".

الهواري

تفسير : قوله: {شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُوا العِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ}. فيها تقديم وتأخير. يقول: شهد الله أنه لا إله إلا هو قائماً بالقسط، أي بالعدل، وشهد الملائكة وشهد أولو العلم، وهم المؤمنون. {لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ العَزِيزُ الْحَكِيمُ} العزيز في ملكه، بعزته ذلّ من دونه. وبعضهم يقول: العزيز في نقمته، الحكيم في أمره. قوله: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ} هو كقوله: (أية : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ) تفسير : [آل عمران:85]. قال: {وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ} وكانوا على الإِسلام {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ العِلْمُ بَغْياً} أي حسداً {بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللهِ} من بعدما جاءته، أي جاءهم ما عرفوا فكفروا به. {فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسَابِ} يعني عذابه؛ إذا أراد أن يعذبهم لم يؤخرهم عن ذلك الوقت؛ هذا في تفسير الحسن. وقال مجاهد: يعني إحصاءه عليهم. قوله: {فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ} أي: أخلصت {وَجْهِيَ} أي ديني {لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ} أي من اتبعني أسلم وجهه لله. {وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ} يعني مشركي العرب، وكانت هذه الأمة أمية ليس لها كتاب من السماء تقرأه، حتى أنزل الله القرآن. {ءَأَسْلَمْتُمْ} يقول: أأخلصتم لله، أي أقررتم وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة؟ على الاستفهام. قال: {فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا} عن ذلك {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البَلاَغُ} أي في الحجة تقيمها عليهم. {وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} أي بأعمال العباد، بصير بهم. قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ} يعني بدين الله في تفسير الحسن. وقال بعضهم يقول: بالقرآن. {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ} أي بالعدل {مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} أي موجع. ذكر بعض المفسّرين قال: ذكر لنا أن عيسى لما رفع انتخبت بنو إسرائيل أربعة من فقهائهم فقالوا للأول: ما تقول في أمر عيسى. فقال: هو الله، هبط إلى الارض، فخلق ما خلق، وأحيى ما أحيى، ثم صعد إلى السماء؛ فتابعه على ذلك أناس من الناس، فكانت اليعقوبية من النصارى. فقال الثلاثة الآخرون: نشهد إنك كاذب. فقالوا للثاني: ما تقول في أمر عيسى؟ قال: هو ابن الله؛ فتابعه على ذلك أناس من الناس، فكانت النسطورية من النصارى؛ فقال الاثنان: نشهد إنك كاذب. فقالوا للثالث: ما تقول في عيسى؟ فقال: هو إله وأمه إله، والله إله. فتابعه على ذلك أناس من الناس. فكانت الإِسرائيلية من النصارى؛ فقال الرابع: أشهد إنك كاذب، ولكنه عبد الله ورسوله، ومن كلمة الله وروحه، فاختصم القوم، فقال المسلم: أناشدكم الله، هل تعلمون أن عيسى كان يطعم الطعام. فقالوا: اللهم نعم. قال: فهل تعلمون أن عيسى كان ينام والله لا ينام؟ قالوا: اللهم نعم. فخصمهم المسلم فاقتتل القوم. وذكروا لنا أن اليعقوبية ظفرت يومئذ، وأصيب المسلمون، فأنزل الله: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بَعَذَابٍ أَلِيمٍ}.

اطفيش

تفسير : {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّه}: أى بأنه، بالشأن. {لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ}: أى: أخبر الله عن نفسه أنه لا إله إلا هو فى القرآن وسائر كتبه، وقيل: بكل ما يدل على وجوده ووحدانيته، وهو كل ما خلق من جسم، وعَرَض، وقيل بمعنى علم، أو قضى أو حكم أو بين. {وَالْمَلاَئِكَةُ}: شهادتهم بإقرار ونطق وكذا فى قوله: {وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ}: جميع العلماء بالله، المحققين، العدول من كل أمة إلى آخر الدهر. وقيل: علماء مؤمنى أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام، وقيل: علماء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، من المهاجرين والأنصار: وقيل: الأنبياء، لأنهم أعلم الخلق بالله جل وعلا، وقيل: معنى شهادة أولى العلم، التصديق بآيات الوحدانية، والاحتجاج على الوحدانية والأولى ما ذكرته، من حمل الشهادة فى ذلك كله، على الإخبار بها، وإن شئت فقل: بمعنى الإثبات فى ذلك، كله وإما تفسيرها فى حق الله بمعنى وفى حق الملائكة بمعنى آخر، وفى حق العلماء بآخر، وفى حقهما بآخر ففيه أما الجمع بين الحقيقة والمجاز، وأما عموم المجاز بخلاف ما ذكرت، فإنهُ حقيقة كلهُ على أن الشهادة فى الأصل الإخبار بالشىء، على جهة إثباته أو نفيهِ، أو أنهُ مجاز كله على أن الشهادة لصاحب الحق، على منكره فى الخصام، بأن شبه دلالة الله تعالى على الوحدانية بما نصبه من الأدلة العقلية، وأنزله من الآيات السمعية بشهادة الشاهد، فى بيان الحق، وكذا الإقرار والاحتجاج مثلا من الملائكة وأولى العلم. {قَائِمَاً بِالْقِسْطِ}: الباء للتعدية، تقول: قام بالقسط بمعنى أقام القسط، فكأنه قيل: مقيما القسط، أى: العدل فى قوله وفى فعله، وفى قضائه وقدره، ولا يأمر بالجور، ولم يترك النهى عنه، ومنهُ، ومن قسطه جزاؤه إياهم على أعمالهم ورزقهم إياهم، وأعطاؤهم مصالحهم، و{قائِمَاً} حال من لفظ الجلالة، فى نية التقديم، أى: شهد الله قائماً بالقسط أنهُ لا إله إلا هو، وسوغ تأخير الحال، أنهُ لا لبس، إذ لا يتوهم أنهُ حال من الملائكة، وأولى العلم، أو من أحدهما، أو منهما، ومن الله، لانه مفرد وكذلك كونه حالا من هو، والعامل فيها على الأول، وشهد على الثانى، لفظ موجود المحذوف الذى هو خبر لا، إذ هو مثبت فى حقه تعالى، كما تقول: ما جاء زيد إلا راكباً، للفظ قبل إلاَّ، نفى المجىء عن زيد، والمعنى بإلاَّ وما بعدها إثباته، له حال الركوب، فظهر أنه لا يحتاج فى جعله حالا من {هو} إلى جعل العامل فيها معنى الجملة، وإلى أنها مؤكدة، أى: تفرد قائماً، أو أثبته قائماً، وليس كونه حالا من "هو" أوجه من كونه حالا من لفظ الجلالة، كما قيل، وأجيز كونه مفعولا لمحذوف على المدح، أن أعنى: أو أمدح قائماً، وأجيز كونه نعتاً لاسم {لا} نصب على محله، وفيه ضعف بالفصل، ودخل قائماً بالقسط فى المشهود به، إذا جعل حالا من "هو"، أو نعتاً لإسم "لا"، بخلاف ما إذا جعل حالا من لفظ الجلالة، وقرأ أبو حنيفة: قيِّماً بالقسط بتشديد الياء مكسورة بعد قاف مفتوحة لا ألف لها، وقرأ عبد الله بن مسعود: القائم بالتعريف، والرفع على أنهُ صفة للفظ الجلالة، أو بدل من "هو"، أو خبر لمحذوف، أى: هو القائم، وفى الوجهين الأولين: الفصل، والملائكة، وأولوا العلم معطوفان على لفظ الجلالة، وقرىء بكسر همزة إن على على تضمين شهد معنى قال. وقرأ عبد الله بن مسعود أن لا إله إلا هو بتخفيف "أن" بالفتح، وحذف اسمها. وقرأ: شهدا لله بالنصب على الحالية من واو يقولون، وبالرفع على أنهُ خبر لمحذوف أى هم شهداء الله، وعلى القراءتين، فيعطف الملائكة على المستتر فى شهداء، للفصل وأنهُ لا إله إلا هو، معمول لشهداءَ على حدما مر فى القراءة بالفعل. {لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ}: كرره للتأكيد، ولتزييد عناية هذه الأمة بذكر هذه الجملة، بسبب معرفتهم أولا وحدانيته تعالى، والحكم بها بعد إقامة الحجة وكأنه قيل: قولوا أنتم يا أمة محمد على وفق شهادتى، وشهادة ملائكتى، وعلمائى، لا إله إلا هو، وليبنى عليه قوله. {الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}: فيعلم العلم الكامل، أن الله تعالى هو الموصوف بالعزة، والحكم، فان الألوهية، والقيام بالقسط، لا يتمان إلا لمن كان عالماً بمقادير الحاجة، وقادراً على تحصيل المهمات، وقدم وصف العزة، لتقدم العلم بقدرته، على العلم، بحكمته، والعزيز: بدل من "هو"، أو صفة للفظ الجلالة، وفيه الفصل، أو نعت لهو، على مذهب الكسائى، أو خبر لمحذوف، أى هو العزيز الحكيم، روى أن حبرين من أحبار الشام قدما على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما أبصرا المدينة قال أحدهما لصاحبه ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبى الذى يخرج فى آخر الزمان، صلى الله عليه وسلم، فلما دخلا على النبى صلى الله عليه وسلم عرفاه بالصفة، فقالا: أنت محمد؟ قال: نعم، قالا: وأنت أحمد؟ قال: نعم. قالا: فإنا نسألك عن شىء فإن أنت أخبرتنا به آمنا بك وصدقناك. قال: اسألانى. قالا: أخبرنا عن أعظم شهادة فى كتاب الله عز وجل، فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية، فأسلم الحبران، وقيل: نزلت فى وفد نجران، رد الله عليهم عزَّ وجل عليهم قولهم فى عيسى أنه إله، وعن ابى عباس رضى الله عنهما: خلق الله تعالى الأرواح قبل الأجساد بأربعة آلاف سنة، وخلق الأرزاق قبل الأرواح بأربعة آلاف سنة، وشهد لنفسه بنفسهِ قبل أن يخلق شيئاً، فقال: {أية : شهد الله أنه لا إله إلا هو}تفسير : إلى قوله {أية : العزيز الحكيم}،تفسير : وأنا أذكر لك حديثاً من صحيح البخارى، وحديثاً من نوادر الأصول للحاكم، وهو الترمذى. فقال البخارى بسنده عنه صلى الله عليه وسلم "حديث : أسعد الناس بشفاعتى يوم القيامة، مَنْ قال لا إله إلا الله مخلصاً من قبل نفسه فاعتبر قوله مخلصاً"تفسير : . وقال الحاكم بسنده عن زيد بن أرقم عن النبى صلى الله عليه وسلم: حديث : "من قال لا إله إلا الله مُخْلصاً دخل الجنة" قيل يا رسول الله وما إخلاصها؟. قال: "أن تجره عن محارم الله"تفسير : . قال غالب القطان: أتيت الكوفة فى تجارة فنزلت قريباً من الأعمش، فكنت أختلف إليه، ولما كان ليلة أردت أن أنحدر إلى البصرة، قام من الليل يتهجد، فمر بهذه الآية {أية : شهد الله أنهُ لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم}،تفسير : زاد البغوى {أية : إن الدّينَ عِندَ اللهِ الإسلام}تفسير : وقال: وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة، وهى لى عند الله وديعة، قالها مراراً، قال غالب القطان: فقلت سمع فيها شيئاً فصليت الصبح معه وودعته، فقلت له: إنى سمعتك ترددها، فما بَلَغَكَ فيها. قال: والله لا أحدثك بها إلى سنة، فكتبت على بابه ذلك اليوم وأقمت سنة، ولما مضت السنة، قلت: يا أبا محمد، لقد مضت السنة.. فقال: حدثنى أبو وائل عن عبد الله قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "حديث : يُجَاءُ بصَاحِبَهَا يوم القيامة فيقول الله عز وجل إن لعبدى هذا عندى عهداً، وأنا أحق بمن وَفَى بالعهد، أدخلوا عبدى الجنة ".

اطفيش

تفسير : {شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاّ هُوَ} بيّن لخلقه بالدلائل من مخلوقاته والآيات المنزلة، أنه لا يستحق العبادة سواه، أو شهد لخلقه بذلك، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : يجاء بصاحب هذه الآية شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائماً بالقسط، لا إله إلا هو العزيز الحكيم، إن الدين عند الله الإسلام، فيقول الله: إن لعبدى هذا عندى عهداً وأنا أحق من وفى بالعهد، أدخلوا عبدى الجنة"تفسير : ، والناس يتوهمون أن آخر الآية العزيز الحكيم، وليس كذلك بل آخرها الإسلام، كما نص عليه هذا الحديث، فالإسلام آخرها نظير الألباب والوهاب والميعاد والنار والعقاب والمهاد والأبصار والمآب والأسحار والحساب والعباد، ولما نزلت خرت الأصنام حول الكعبة ثلاثمائة وستون سجداً لله، قال حبران جاءا من الشام: ما أشبه هذه المدينة بمدينة آخر الأنبياء، ولما دخلا عليه صلى الله عليه وسلم عرفاه، فقالا: أنت محمد؟ فقال: نعم، قالا: أنت أحمد؟ قال: نعم، قالا: إن أخبرتنا عن أعظم شهادة فى كتاب الله آمنا بك، فنزلت الآية، فأسلما. وعنه صلى الله عليه وسلم: من قرأها عند نومه فقال، أشهد بما شهد الله، وأستودع الله هذه الشهادة يقول الله يوم القيامة: إن لعبدى..إلى آخر ما مر، وقيل: نزلت فى نصارى نجران، إذ حاجوا فى عيسى عليه السلام، وقيل فى اليهود والنصارى إذ تركوا اسم الإسلام، وتسموا باليهود والنصارى، وقالت اليهود: ديننا أفضل من دينك {وَالمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ} من العرب وأهل الكتاب كعبد الله ابن سلام، ومن غيرهم، لا خصوص الأنبياء أو المهاجرين والأنصار، أو علماء مؤمنى أهل الكتاب كما قيل، وشهادة الله التبيين بنصب الأدلة، أو إنزال الكلام فى ذلك، وشهادة الملائكة وأهل العلم التبيين بالكلام أو بالاحتجاج، فشهادة الله وغيره بيان، فلا جمع بين الحقيقة والمجاز، ننفيه أو نؤوله بعموم المجاز، أو بتقدير فعل، أي وشهد الملائكة وأولو العلم، كما إذا اقتصرنا على ظاهر أن شهادة الله بيان، وشهادة الملائكة والعلماء إقرار، أو شهادة العلماء احتجاج، وقدم الملائكة، لأن فيهم الوسائط لإفادة العلم لذويه، أو لأن علمهم كله ضرورى، أما غيرهم فعلمه منه الضرورى والكسبى {قَآئِماً} حال من لفظ الجلالة أو لفظ هو، والأول كقولك: جاء زيد راكباً وعمر وبكر {بِالْقِسْطِ} الباء للتعدية، أى مقيما القسط، أى العدل فى قسمة الأرزاق والآجال، {أية : نحن قسمنا بينهم معيشتهم} تفسير : [الزخرف: 32]، وفى تعيين الشرائع والمحرم والواجب والمندوب إليه، والمكروه والمباح، وآخر للدلالة على قرب منزلة الملائكة وأولى العلم {لآَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} تأكيد، أو الأول شهادة، وهذا حكم بها، أو الأول وصف، والثانى تعليم، أى اشهدوا كما شهدت، كذا قيل، وفيه، أنه يغنى عنه قوله: والملائكة وأولو العلم {العَزِيزُ} راجع لقوله لا إله إلا هو، لأن العزة تلائم الوحدانية {الْحَكِيمُ} راجع لقوله، قائماً بالقسط، لأن الحكمة تلائم القيام بالقسط، قالت اليهود: لا دين كاليهودية، والنصارى: لا دين كالنصرانية، فنزل: {إنًّ الدِّينَ} المرضى {عِندَ اللهِ} أو الكائن عند الله، أو أن المشروع عند الله، فعند متعلق بمحذوف كون عام نعت حذفا واجبا، أو بنعت محذوف جوازاً كونا خاصا، وليس ذلك خطأ من قائله، لأنه جرى على قول لمن تقدمه، ذكره الدمامينى، أو متعلق بالدين لتأويله بمشروع، والتعليق باعتبار التأويل كثير،نحو زيد أسد فى الحرب، وذلك كله أولى من أن يعلق بنسبة الكلام، أي أن الدين محكوم له عند الله بأنه الإسلام، لأن هذا معنى وعبارة أخرى لا إعراب، ولا يجوز أن يكون حالا من اسم إن، لأنه ليس لأن حدث مسلط عليه، ليكون الحال قيداً له، أو تأكيداً له {إلإِسْلاَمُ} الشرع المبعوث به الرسل المبني على التوحيد، فالجملة مؤكدة، لأن الشهادة بالوحدانية والعدل والعزة والحكمة أسس الدين وقاعدة الإسلام، والإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والعمل لما جاء به من فعل أو ترك، قال على: إن المؤمن يعرف إيمانه في عمله، وعليكم بالإسلام، ولا ينبغى أن يختلف فيه، ألا نرى إلى قوله: {أية : ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} تفسير : [آل عمران: 102] {وَمَا اخَتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} فى دين الإسلام، إذ قال قوم إنه باطل، وقوم إنه حق، وقوم بأنه مخصوص بالعرب، وفى التوحيد إذ قال بعض اليهود عزيز بن بالله، وقال النسطورية من النصارى: إن الله ثالث ثلاثة، واليعقوبية بالاتحاد أن الله هو المسيح، والملكاثية إذ قالوا بالأقانيم الثلاثة، الوجود والعلم والحياة، وسموها الأب والابن وروح القدس، وأن أقنوم العلم انتقل إلى جسد عيسى، فجوزوا الانتقال، فكتبت وقرئت متغايرات مستقلة، وفى وصفهم بإيتاء الكتاب تقبيح لهم، حيث اختلفوا مع إيتاء التوراة والإنجيل والزبور وغير ذلك. روى أن موسى عليه السلام استخلف سبعين حبراً على التوراة حين احتضر،واستخلف عليهم يوشع، واستاموا إلى القرن الرابع فاختلفوا فى الدين، ووقع عليهم الكفر والقتال حرصاً على السلطنة وزخارف الدنيا، وسلط عليهم جبابرتهم فنزلت الآية فى شأنهم، وقيل الكتاب الجنس، والذين اليهود والنصارى {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ} التوحيد والحق المطلق وعرفوه أو مجىء العلم دخوله قلوبهم، بفهمه بعد نزوله وتمكنه فيها {بَغْيا} خروجاً عن الطاعة بالحسد وطلب الرياسة، وهو يؤدى إلى أنكار الحق {بَيْنَهُمْ} واقعاً بينهم، دائراً فاشيا، زاد الله عز وجل تقبيحهم بأن اختلافهم بعد مجيء الكتاب، وأنه بعد مجىء العلم، وبأنه بالبغى، ولا حصر فى ذلك إلا من خارج، وما هو إلا كقولك، ما ضربت إلا ابنى تأديبا، واعتبار الحصر فيه مثل اعتباره فى قوله: كما صرب إلا زيد عمراً بمعنى ما ضرب أحد أحداً إلا زيد عمراً {وَمَن يَكْفُرْ بِأيَآتِ اللهِ} النازلة الناطقة بالوحدانية، وبأن الدين عند الله الإسلام من التوراة والإنجيل والقرآن، أو الآيات الناطقة وغيرها {فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسَابِ} أى يجازه بكفره وما ترتب عليه، لأن حسابه سريع، لا بطء فيه، لا يحتاج إلى فكر إذ علمه قديم محيط لا يخرج عنه شيء أو يأت حسابه قريباً، لأن الله سريع الحساب.

الالوسي

تفسير : {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } قال الكلبـي: «حديث : لما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة قدم عليه حبران من أحبار أهل الشام فلما أبصرا المدينة قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبـي صلى الله عليه وسلم الذي يخرج في آخر الزمان فلما دخلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفاه بالصفة والنعت فقالا له: أنت محمد؟ قال: نعم قالا. أنت أحمد؟ قال: نعم قالا: إنا نسألك عن شهادة فإن أنت أخبرتنا بها آمنا بك وصدقناك فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: سلاني فقالا له: أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله تعالى؟ فأنزل الله تعالى الآية وأسلماتفسير : ، وقيل: نزلت في نصارى نجران لما حاجوا في أمر عيسى عليه السلام وهو الذي يشعر به ما أشرنا إليه قبل من الآثار ـ ويميل إليه كلام محمد بن جعفر بن الزبير ـ وقيل: نزلت في اليهود والنصارى لما تركوا اسم الإسلام وتسموا باليهودية والنصرانية، وقيل: إنهم قالوا ديننا أفضل من دينك فنزلت. والجمهور على قراءة {شَهِدَ } بلفظ الماضي وفتح همزة {إِنَّهُ } على معنى بأنه أو على أنه، وقرىء {أَنَّهُ } بكسر الهمزة إما بإجراء {شَهِدَ } مجرى قال، وإما بجعل الجملة اعتراضاً وإيقاع الفعل على {أية : إِنَّ الدّينَ } تفسير : [آل عمران: 19] الخ على قراءة من يفتح الهمزة كما ستراه والضمير راجع إليه تعالى، ويحتمل أن يكون ضمير الشأن وقرىء ـ شهداء لله ـ بالنصب والرفع على أنه جمع شهيد ـ كظرفاء ـ في جمع ظريف، أو جمع شاهد ـ كشعراء ـ في جمع شاعر، والنصب إما على الحالية من المذكورين، وإما على المدح، والرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف ومآله المدح أي هم شهداء، والاسم الجليل في الوجهين مجرور باللام متعلق بما عنده، وقرىء ـ شهداء الله ـ بالرفع والإضافة. وفي {شَهِدَ } مسنداً إلى الله تعالى استعارة تصريحية تبعية لأن المراد أنه سبحانه دل على وحدانيته بل وسائر كمالاته بأفعاله الخاصة التي لا يقدر عليها غيره وما نصبه من الدلائل التكوينية في الآفاق والأنفس وبما أوحى من آياته الناطقة بذلك ـ كسورة الإخلاص، وآية الكرسي ـ وغيرهما فشبه سبحانه تلك الدلالة الواضحة بشهادة الشاهد في البيان والكشف ثم استعير لفظ المشبه به للمشبه ثم سرت الاستعارة من المصدر إلى الفعل، وجوز أن يكون هناك مجاز مرسل تبعي لما أن البيان لازم للشهادة، وقد ذكر اللفظ الدال عن الملزوم وأريد به اللازم، وهذا الحمل ضروري على قراءة الجمهور دون القراءة الشاذة. {وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ } عطف على الاسم الجليل ولا بد حينئذٍ من حمل الشهادة على معنى مجازي شامل لما يسند إلى هذين الجمعين بطريق عموم المجاز أي أقر الملائكة بذلك وآمن العلماء به واحتجوا عليه، وبعضهم قدر في كل من المعطوفين لفظ {شَهِدَ } مراداً منه ما يصح نسبته إلى ما أسند إليه، ولعل القول بعموم المجاز أولى منه، قيل: والمراد ـ بأولوا العلم ـ الأنبياء عليهم السلام، وقيل: المهاجرون والأنصار، / وقيل: علماء مؤمني [أهل] الكتاب، وقيل: جميع علماء المؤمنين الذين عرفوا وحدانيته تعالى بالدلائل القاطعة والحجج الباهرة، وقدم ـ الملائكة ـ لأن فيهم من هو واسطة لإفادة العلم لذويه، وقيل: لأن علمهم كله ضروري بخلاف البشر فإن علمهم ضروري واكتسابـي، ثم إن ارتفاع هذين المرفوعين على ما شذ من القراءة على الابتدائية والخبر محذوف لدلالة الكلام عليه أي: والملائكة وأولوا العلم شهداء بذلك، وقيل: بالعطف على الضمير في شهداء وصح ذلك للفصل، واعترض بأن ذلك على قراءة النصب على الحالية يؤدي إلى تقييد حال المذكورين ـ بشهادة الملائكة وأولوا العلم ـ وليس فيه كثير فائدة كما لا يخفى. وقوله تعالى: {قَائِمَاً بِٱلْقِسْطِ } بيان لكماله تعالى في أفعاله إثر بيان كماله في ذاته، و ـ القسط ـ العدل، والباء للتعدية أي مقيماً بالعدل، وفي انتصاب {قَائِمَاً } وجوه: الأول: أن يكون حالاً لازمة من فاعل {شَهِدَ } ويجوز إفراد المعطوف عليه بالحال دون المعطوف إذا قامت قرينة تعينه معنوية أو لفظية، ومنه {أية : وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً } تفسير : [الأنبياء: 72] وأخرت الحال عن المعطوفين للدلالة على علو مرتبتهما وقرب منزلتهما، والمسارعة إلى إقامة شهود التوحيد اعتناءاً بشأنه ولعله السر في تقديمه على المعطوفين مع الإيذان بأصالته تعالى في الشهادة به، والثاني: أن يكون منصوباً على المدح وهو وإن كان معروفاً في المعرفة لكنه ثابت في غيرها أيضاً، والثالث: أن يكون وصفاً لاسم ـ لا ـ المبني، واستبعد بأنهم إنما يتسعون بالفصل بين الموصوف والصفة بفاصل ليس أجنبياً من كل وجه، والمعطوف على فاعل {شَهِدَ } أجنبـي مما هو في صلة ـ أن ـ لفظاً ومعنى، وبأنه متلبس بالحال فينبغي على هذا أن يرفع حملاً على محل اسم ـ لا ـ رفعاً للالتباس. والرابع: أن يكون مفعول العلم أي: وأولوا المعرفة قائماً بالقسط ولا يخفى بعده، الخامس: ـ ولعله الأوجه ـ أن يكون حالاً من الضمير والعامل فيها معنى الجملة أي تفرد أو أحقه لأنها حال مؤكدة ولا يضر تخلل المعطوفين هنا بخلافه في الصفة لأن الحال المؤكدة في هذا القسم جارية مجرى جملة مفسرة نوع تفسير فناسب أن يقدم المعطوفان لأن المشهود به واحد فهو نوع من تأكيده تمم بالحال المفسرة وعلى تقدير الحالية من الفاعل والمفعولية للعلم لا يندرج في المشهود به وعلى تقدير النصب على المدح يحتمل الاندراج وعدمه، وعلى التقديرين الأخيرين يندرج لا محالة. وقرأ عبد الله ـ القائم بالقسط ـ على أنه خبر لمبتدأ محذوف وكونه بدلاً من {هُوَ } لا يخلو عن شيء، وقرأ أبو حنيفة: {قَيِّماً بِٱلْقِسْطِ }. {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } تكرير للمشهود به للتأكيد، وفيه إشارة إلى مزيد الاعتناء بمعرفة أدلته لأن تثبيت المدعى إنما يكون بالدليل، والاعتناء به يقتضي الاعتناء بأدلته ولينبني عليه قوله تعالى: {ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ } فيعلم أنه المنعوت بهما، وقيل: لا تكرار لأن الأول شهادة الله تعالى وحده، والثاني: شهادة الملائكة وأولي العلم، وهو ظاهر عند من يرفع ـ الملائكة ـ بفعل مضمر، ووجه الترتيب تقدم العلم بقدرته التي يفهمها (العزيز) على العلم بحكمته تعالى التي يؤذن بها (الحكيم) وجعل بعضهم (العزيز) ناظراً إلى قوله سبحانه: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } و {ٱلْحَكِيمُ } ناظراً إلى قوله تعالى: {قَائِمَاً بِٱلْقِسْطِ } ورفعهما على الخبرية لمبتدأ محذوف أو البدلية من {هُوَ } أو الوصفية له بناءاً على ما ذهب إليه السكاكي من جواز وصف ضمير الغائب، وجعلهما نعتاً لفاعل {شَهِدَ } بعيد. وقد روي في فضل الآية أخبار. أخرج الديلمي عن أبـي أيوب الأنصاري مرفوعاً «حديث : لما نزلت الحمد لله رب العالمين، وآية الكرسي، و{شَهِدَ ٱللَّهُ}، / و{قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ} ـ إلى {بِغَيْرِ حِسَابٍ} ـ [آل عمران: 26-27] تعلقن بالعرش وقلن: أتنزلنا على قوم يعملون بمعاصيك؟ فقال: وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لا يتلوكن عبد عند دبر كل صلاة مكتوبة إلا غفرت له ما كان فيه وأسكنته جنة الفردوس ونظرت له كل يوم سبعين مرة وقضيت له سبعين حاجة أدناها المغفرة»تفسير : . وأخرج ابن عدي والطبراني والبيهقي ـ وضعفه ـ والخطيب وابن النجار عن غالب القطان قال: «أتيت الكوفة فنزلت قريباً من الأعمش فلما كان ليلة أردت أن أنحدر قام فتهجد من الليل فمر بهذه الآية {شَهِدَ ٱللَّهُ } الخ فقال: وأنا أشهد بما شهد الله تعالى به واستودع الله تعالى هذه الشهادة وهي لي وديعة عند الله تعالى قالها مراراً فقلت: لقد سمع فيها شيئاً فسألته فقال: حدثني أبو وائل بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يجاء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله تعالى عبدي عهد إليَّ عهداً وأنا أحق من وفى بالعهد أدخلوا عبدي الجنة» تفسير : وروي عن سعيد بن جبير «أنه كان حول المدينة ثلثمائة وستون صنماً فلما نزلت هذه الآية الكريمة خررن سجداً للكعبة».

ابن عاشور

تفسير : استئناف وتمهيد لقوله: {أية : إن الدين عند اللَّه الإسلام}تفسير : [آل عمران: 19] ذلك أنّ أساس الإسلام هو توحيد الله، وإعلان هذا التوحيد، وتخليصه من شوائب الإشراك، وفيه تعريض بالمشركين وبالنصارى واليهود، وإن تفاوَتوا في مراتب الإشراك، وفيه ضرب من ردّ العجز على الصدر: لأنّه يؤكد ما افتتحت به السورة من قوله: {أية : الله لا إلٰه إلا هو الحي القيوم، نزل عليك الكتاب بالحق}تفسير : [آل عمران: 2، 3]. والشهادة حقيقتها خبر يصدَّق به خَبَرُ مُخْبِرٍ وقد يكذّب به خبرُ آخرَ كما تقدم عند قوله تعالى: {أية : واستشهدوا شهيدين من رجالكم}تفسير : في سورة البقرة (282). وإذ قد كان شأنه أن يكون للتصديق والتكذيب في الحقوق، كان مظنّة اهتمام المخبِر به والتثبّتِ فيه، فلذلك أطلق مجازاً على الخبر الذي لا ينبغي أن يشكّ فيه قال تعالى: {أية : واللَّه يشهد إن المنافقين لكاذبون}تفسير : [المنافقون: 1] وذلك على سبيل المجاز المرسل بعلاقة التلازم، فشهادة اللَّه تحقيقُه وحدانيتَه بالدلائل التي نصبها على ذلك، وشهادةُ الملائكة تحقيقهم ذلك فيما بينهم، وتبليغ بعضهم ذلك إلى الرسل، وشهادة أولي العلم تحقيقهم ذلك بالحجج والأدلة. فإطلاق الشهادة على هذه الأخبار مجاز بعلاقة اللزوم، أو تشبيه الإخبار بالإخبار أو المخبِر بالمخبِر، ولك أن تجعل «شهد» بمعنى بيَّن وأقام الأدلة، شُبه إقامة الأدلة على وحدانيته: من إيجاد المخلوقات ونصب الأدلة العقلية، بشهادة الشاهد بتصديق الدعوى في البيان والكشف على طريق الاستعارة التَبعية، وبَيّن ذلك الملائكة بما نَزَلوا به من الوحي على الرسل، وما نطقوا به من محامد، وبيَّن ذلك أولو العلم بما أقاموا من الحجج على الملاحدة، ولك أن تجعل شهادة الله بمعنى الدلالة ونصب الأدلة، وشهادة الملائكة وأولي العلم بمعنى آخر وهو الإقرار أو بمعنيين: إقرار الملائكة، واحتجاج أولي العلم، ثم تِبْنيَه على استعمال شهد في معانٍ مجازية، مثل: {أية : إنّ الله وملائكته يصلّون}تفسير : [الأحزاب: 56]، أو على استعمال شهد في مجاز أعم، وهو الإظهار، حتى يكون نصب الأدلة والإقرار والاحتجاج من أفراد ذلك العام، بناء على عموم المجاز. وانتصب {قائماً بالقسط} على الحال من الضمير في قوله: {إلاّ هو} أي شهد بوحدانيته وقيامِه بالعدل، ويجوز أن يكون حالاً من اسم الجلالة من قوله: {شهد الله} فيكون حالاً مؤكدة لمضمون شهد؛ لأنّ الشهادة هذه قيام بالقسط، فالشاهد بها قائم بالقسط، قال تعالى: {أية : كونوا قوامين للَّه شهداء بالقسط}تفسير : [المائدة: 8]. وزعم ابن هشام في الباب الرابع: أنّ كونه حالاً مؤكدة وهَم، وعلّله بما هو وهَم. وقد ذكر الشيخ محمد الرصاع جريان بحث في إعرَاب مثل هذه الحال من سورة الصف في درس شيخه محمد ابن عقاب. والقيام هنا بمعنى المواظبة كقوله: {أية : أفمن هو قائم على كلّ نفس بما كسبت}تفسير : [الرعد: 33] وقوله: {أية : ليقوم الناس بالقسط}تفسير : [الحديد: 25] وتقول: الأمير قائم بمصالح الأمة، كما تقول: ساهر عليها، ومنه «إقام الصلاة» وقول أيمن بن خُريم الأنصاري: شعر : أقامتْ غَزالةُ سُوقَ الضِّراب لأِهْل العِراقَيْنِ حَوْلاً قميطاً تفسير : وهو في الجميع تمثيل. والقسط: العدل وهو مختصر من القسطاس ــــــ بضم القاف ــــــ روى البخاري عن مجاهد أنّه قال: القسطاس: العدل بالرومية وهذه الكلمة ثابتة في اللغات الرومية وهي من اللاطينية، ويطلق القسط والقسطاس على الميزان، لأنّه آلة للعدل قال تعالى: {أية : وزنوا بالقسطاس المستقيم}تفسير : [الإسراء: 35] وقال: {أية : ونضع الموازين القِسط ليوم القيامة}تفسير : [الأنبياء: 47]. وقد أقام الله القسط في تكوين العوالم على نُظُمها، وفي تقدير بقاء الأنواع، وإيداع أسباب المدافعة في نفوس الموجودات، وفيما شرع للبشر من الشرائع في الاعتقاد والعمل: لدفع ظلم بعضهم بعضاً، وظلمِهم أنفسَهم، فهو القائم بالعدل سبحانه، وعَدْل الناس مقتبس من محاكاة عدله. وقوله: {لا إلٰه إلا هو} تمجيد وتصديق، نشأ عن شهادة الموجودات كلّها له بذلك فهو تلقينُ الإقرار له بذلك على نحو قوله تعالى: {أية : إن الله وملائكته يصلّون على النبي يأيها الذين ءامنوا صلّوا عليه وسلموا تسليماً}تفسير : [الأحزاب: 56] أي اقتداء بالله وملائكته، على أنّه يفيد مع ذلك تأكيد الجملة السابقة، ويمهّد لوصفه تعالى بالعزيز الحكيم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: شهد: أخبر عن علم بحضوره الأمر المشهود به. لا إله إلا هو: لا معبود بحق في الأرض ولا في السماء إلا الله تبارك وتعالى. أولو العلم: أصحاب العلم الصحيح المطابق للواقع وهم الأنبياء والعلماء. القسط: العدل في الحكم والقول والعمل. العزيز الحكيم: الغالب ذو العزة التي لا تغلب، الحكيم في كل خلقه وفعله وسائر تصرفاته. الدين: ما يدان لله تعالى به أي يطاع فيه ويخضع له به من الشرائع والعبادات. الإِسلام: الإِنقياد لله بالطاعة والخلوص من الشرك والمراد به هنا ملة الإِسلام. بغياً: ظلما وحسداً. حاجوك: جادلوك وخاصموك بحجج باطلة واهية. أسلمت وجهي لله: أخلصت كل أعمالي القلبية والبدنية لله وحده لا شريك له. ومن اتبعن: كذلك أخلصوا لله كل أعمالهم له وحده لا شريك له. أوتوا الكتاب: اليهود والنصارى. الأميين: العرب المشركين سُمُّوا بالأميين لِقِلة مَنْ يقرأ ويكتب فيهم. أأسلمتم: الهمزة الأولى للإستفهام والمراد به الأمر أي أسلموا خيراً لكم لظهور الحق وانبلاج نوره بينكم بواسطة كتب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. فإن أسلموا: فإن أجابوك وأسلموا فقد اهتدوا إلى سبيل النجاة. وإن تولوا: أدبروا عن الحق بعد رؤيته وأعرضوا عنه بعد معرفته فلا يضرك أمرهم إذ ما عليك إلا البلاغ وقد بلّغت. معنى الآيات: يخبر الجبار عز وجل أنه شهد أنه لا إله إلا هو وأن الملائكة وأولي العلم يشهدون كذلك شهادة علم وحق قامت على مبدأ الحضور الذاتي والفعلي وأنه تعالى قائم في الملكوت كله، علويّه وسفليّه، بالعدل، فلا رب غيره ولا إله سواه، العزيز في ملكه وخلقه الحكيم في تدبيره وتصريفه فلا يضع شيئاً في غير موضعه اللائق به. فرد بهذه الشهادة على باطل نصارى نجران، ومكر اليهود، وشرك العرب، وأبطل كلّ باطلهم سبحانه وتعالى، ثم أخبر أيضاً أن الدين الحق الذي لا يقبل تعالى ديناً سواه، هو الإسلام، القائم على مبدأ الإنقياد الكامل لله تعالى بالطاعة، والخلوص التامّ من سائر أنواع الشرك فقال: {إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ} في حكمه وقضائه الإسلام، وما عداه فلا يقبله ولا يرضاه. ثم أخبر تعالى عن حال نصارى نجران، المجادلين لرسوله، في شأن تأليه عيسى بالباطل فقال {وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ} يريد أن خلاف أهل الكتاب لم يكن عن جهل منهم بالحق ومعرفته ولكن كان عن علم حقيقي وإنما حملهم على الخلاف المسبب للفتن. والحروب وضياع الدين البغي والحسد إذ كل فرقة تريد الرئاسة والسلطة الدينية والدنيوية لها دون غيرها، وبذلك يفسد أمر الدين والدنيا، وهذه سنة بشرية تورط فيها المسلمون بعد القرون المفضلة أيضاً، والتاريخ شاهد. ثم قال تعال {وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} يتوعد تعالى ويهدد كل من يكفر بآياته الحاملة لشرائعه فيجحدها ويعرض عنها فإنه تعالى يحصي عليه ذنوب كفره وسيآت عصيانه ويحاسبه ويجزيه وإنه لسريع الحساب لأنه لا يشغله شيء عن آخر ولا يعييه إحصاء ولا عدد ثم يلتفت بالخطاب إلى رسوله قائلا له فإن حاجوك يريد وفد نجران النصراني فاختصر الحجاج معهم بإظهار موقفك المؤيس لهم داعياً إياهم إلى الإِسلام الذي عرفوه وأنكروه حفاظاً على الرئاسة والمنافع بينهم فقل لهم: {أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ} أيضاً أسلم وجهه لله فليس فينا شيء لغير الله وقلوبنا وأعمالنا وحياتنا كلها لله فأسلموا أنتم يا أهل الكتاب ويا أميّون {فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ} وإن تولوا وأعرضوا فلا يضرك إعراضهم، إذ ما كلفت إلا البلاغ وقد بلغت، أما الحساب والجزاء فهو إلى الله تعالى البصير بأعمال عباده العليم بنياتهم وسوف يجزيهم بعلمه ويقضي بينهم بحكمه وهو العزيز الحكيم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- اعتبار الشهادة والأخذ بها إن كانت قائمة على العلم وكان الشاهد أهلاً لذلك بأن كان مسلماً عدلاً. 2- شهادة الله أعظم شهادة تثبت بها الشرائع والأحكام وتليها شهادة الملائكة وأولي العلم. 3- بطلان كل دين بعد الإِسلام وكل ملة غير ملته لشهادة الله تعالى بذلك وقوله: {أية : ... وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} تفسير : الآية [85] من هذه السورة والآتي تفسيرها إن شاء الله تعالى. 4- الخلاف بين أهل العلم والدين يتم عندما يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة فيتورطون في المطاعم والمشارب، ويتشوقون إلى الكراسي والمناصب، ويرغبون في الشرف يومئذ يختلفون بغياً بينهم وحسداً لبعضهم بعضاً. 5- من أسلم قلبه لله وجوارحه وأصبح وقفاً في حياته على الله فقد اهتدى إلى سبيل النجاة والسلام. 6- من علق قلبه بالحياة الدنيا وأعرض عما يصرفه عنها من العبادات ضل في حياته وسعيه وحسابه على الله وسيلقى جزاءه.

القطان

تفسير : القسط: العدل. الدين: مجموعة التكاليف التي يدين بها العباد لله. الاسلام: الخضوع والاستسلام. حاجّوك: جادلوك. الأميّون: مشركو العرب. بعد ان بين سبحانه وتعالى جزاء المتقين، وشرح أوصافهم التي استحقوا بها هذا الجزاء ـ بيّن لنا هنا أصول الايمان، فقال: شهد الله بما نصبه من الأدلة وأوحاه من الآيات أنه لا اله غيره، وانه قائم على شئون خلقه بالعدل، وشهدت بذلك ملائكته الاطهار وأهل العلم. انه هو العزيز الذي لا يغلِب أحد على أمره، والحكيم الذي شملت حكمته كل شيء. ان الدين عند الله هو الاسلام، فجميع المال والشرائع التي جاء بها الأنبياء أساسُها التسليم والانقياد والخضوع. اما أهل الكتاب فقد اختلفوا في هذا الأمر من هذا الامر من بعدما جاءهم اليقين على صحته. ولم يكن اختلافهم عن شُبهةٍ أو جهل، كلا بل من جرّاء التكبر وطلب الجاه والرياسة والمال. ومن يكفر بآيات الله الدالة على وجوب الاعتصام بالدين، ووحدته، وحرمة الاختلاف فيه ـ فان الله ما أسرع ان يحاسبه على ذلك. فإن جادلوك يا محمد في هذا الدين بعد أن أقمتَ لهم الحجج فلا تجارهم، بل قل لهم: اني اخلصت عبادتي لله وحده، انا ومن اتبعني من المؤمنين. وقل لهؤلاء اليهود والنصارى والمشركين من العرب: أسلمتم مثل اسلامي بعد ان ظهرت لكم الدلائل؟ فان اسلموا فقد عرفوا طريق الهدى واتبعوه، وان أعرضوا فليس عليك الا ان تبلّغهم رسالة الله، والله بصير بعباده لا يخفى عليه شيء من أحوالهم وأعمالهم. قراءات: قرأ الكسائي "أن الدين عند الله الاسلام" بفتح ان والباقون بالكسر.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَٱلْمَلاَئِكَةُ} {وَأُوْلُواْ} {قَآئِمَاً} (18) - يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى أنَّهُ الوَاحِدُ الأحَدُ، الذِي لاَ إِلهَ إلاّ هُوَ، وَأنَّهُ قَائِمٌ عَلَى شُؤونِ خَلْقِهِ بِالعَدْلِ، وَقَدْ أقَامَ الدَّلاَئِلَ عَلَى ذَلِكَ فِي الأَنْفُسِ وَالآفَاقِ، وَفِي إنْزالِ التَّشْرِيعَاتِ النَّاطِقَةِ بِذَلِكَ. وَأخْبَرَ المَلاَئِكَةُ الرُّسُلَ بِهَذَا، وَشَهِدُوا بِهِ شَهَادَةً مُؤَيَّدَةً بِعِلْمٍ ضَرُورِيٍّ - وَهُوَ عِنْدَ الأَنْبِياءِ أقْوَى مِنْ جَمِيعِ اليَقِينِّياتِ - وَأولُو العِلْمِ أخْبَرُوا بِذَلِكَ وَبَيَّنُوهُ، وَشَهِدُوا بِهِ شَهَادَةً مَقْرُونَةً بِالدَّلائِلِ وَالحُجَجِ، لأنَّ العَالِمَ بِالشَّيءِ لاَ تُعْوِزُهُ الحُجَّةُ عَلَيهِ. وَقَوَامَةُ اللهِ فِي تَدْبِيرِ هَذَا الكَوْنِ، وَأمُورِ الخَلْقِ، تَتَّصِفُ دَائِماً بِصِفَةِ العَدْلِ (قَائِماً بِالقِسْطِ). وَجَعَلَ اللهُ تَعَالَى سُنَنَ الخَلْقِ قَائِمَةً عَلَى أسَاسِ العَدْلِ. ثُمَّ أكَّدَ تَعَالَى كَوْنَهُ مُنْفَرِداً بِالألُوهِيَّةِ، وَقَائِماً بِالعَدْلِ (لاَ إلهَ إلاَّ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ). وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "حديث : يُجَاءُ بِصَاحِبها - أيْ بِمَنْ شَهِدَ بِمَا شَهِدَ اللهُ تَعَالَى بِهِ - يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: عَبْدِي عَهِدَ إلَيَّ وأنَا أحَقُّ مَنْ وَفَى بِالعَهْدِ، أدْخِلُوا عَبْدِي الجَنَّةَ" تفسير : (رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ولنأخذ الجملة الأولى من الآية الكريمة بمعناها: لقد شهد الله أنه لا إله إلا هو، أي أنَّ الحق قد أخبر بما رآه، وشاهده، أو ما يقوم مقام ذلك. إن "شهد" بمعنى علم. إنه الحق الذي نصب الأدلة في الوجود على قيوميته، وعلى أنه إله واحد، أليس في ذلك إقامة للحجة على أنه إله واحد؟ ومن الذي خلق الأدلة وجاء بها؟ إنه الله. إذن، فقد شهد الله أنه لا إله إلا هو. وقلنا: إن شهادة الله أنه لا إله إلا هو هي شهادة الذات للذات، وشهادة الذات للذات تعني أنها كلمة مُمَكّنٌ منها. فعندما يقول الحق:{أية : بَدِيعُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}تفسير : [البقرة: 117]. بالله لو لم يكن قد شهد لنفسه بأنه لا إله إلا هو، وليس هناك من يعارض مبتغاه، أكان يجازف فيقولها؟ إنه الحق الأعلى الذي شهد أن لا إله إلا هو، فساعة أن يقول: "كن" فإنه قد علم، أنه لا يوجد إله آخر يقول: "لا تكن". إن الحق لا بد أن يطمئننا أنه لا إله إلا هو، لذلك فلزم أن يشهد لنفسه أنه مؤمن بأنه لا إله إلا هو ويلقي الأمر، ويلقي الحكم التسخيري، ويعلم أنه لا إله يعارضه. وأليس من مطلوبات الرسول صلى الله عليه وسلم أن يشهد أنه رسول الله؟ لقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال في صلاته: "أشهد أن محمدا رسول الله". ولو لم يشهد بهذه لنفسه فكيف يجازف بالأشياء التي يقولها؟ ولذلك فسيدنا أبو بكر عندما بلغه أمر بعث محمد رسولا، قال ما معناه: أقالها محمد؟ إنه صادق، وما دام قد قالها فهي حق. إن أبا بكر الصديق واثق من الرصيد الذي سبق بعث محمد بالرسالة. ونحن نرى في التاريخ امرأة كان السبب في إسلامها لمحة من سيرته صلى الله عليه وسلم. قرأت هذه المرأة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان له حراس من المؤمنين يقومون بحراسته من الكافرين. وبعد ذلك جاء يوم وصرف الرسول صلى الله عليه وسلم هؤلاء الحراس، وقال لهم ما معناه: إن الله عصمني من الناس فاذهبوا أنتم. وقد قرأنا هذه الواقعة كثيراً جداً، ولكن الفتح جاء من الحق لامرأة، فشغلتها هذه المسألة، وتساءلت: ألم يكن هؤلاء الحراس يحرسونه خوفاً على حياته؟ فلماذا قال لهم: "لا تحرسوني" لأن الله هو الذي يحرسني؟ فلو أن رسول الله قد غش الدنيا كلها؛ أكان من الممكن أن يغش نفسه في حياته؟ وأجابت المرأة على نفسها: لا يمكن، لا بد أن رسول الله قد وثق تمام الثقة في أن الله قد أبلغه أمر حمايته بدليل أنه قام بصرف الحراس، وإلا فكيف يأمن أن يأتي أحد ليقتله؟ قالت المرأة: والله لو خَدع الناس جميعاً ما خَدع نفسه في حياته، أشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. حدث إسلام هذه المرأة من نفحة يسيرة من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذن، {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} [آل عمران: 18] هي شهادة الذات للذات، وكفى بالله شهيداً. وشهدت الملائكة أيضاً، والملائكة هم الغيب الخفي عنا، وتتلقى الأوامر من الحق. إن الملائكة لم يروا أحداً آخر يعطي لهم الأوامر، إنه الإله الواحد القادر. وهذه هي شهادة المشهد. ويضاف إلى الملائكة "أولوا العلم"، لقد أخذ "أولوا العلم" الأدلة وجلسوا يستنبطون من كون الله أدلة على أنه لا إله إلا الله. إن هذه أعظم شهادة لأعظم مشهود به من أعظم شهود، الله في القمة، ومحمد صلى الله عليه وسلم، والملائكة وأولوا العلم. ولقد أخذ أولوا العلم منزلة كبيرة لأن الله قد قرنهم بالملائكة. إن الحق سبحانه وتعالى يبلغنا أنه قد نثر في كونه الآيات العجيبة العديدة, والذي يجلس، ويتفكر ويتدبر ويتفطن وينظر، فإنه يستخرج الأدلة على أنه لا إله إلا هو، وكما قلنا من قبل: إن أبسط الطرق للتدليل على هذه الحقيقة. إن كانت "لا إله إلا الله" صدقا فقد كُفينا، وإن كانت غير صدق فأين الإله الذي أخذ منه الله هذا الكون، ولم يخبرنا ذلك الإله أنه صاحب الكون؟ فإما أن هذا الإله الآخر لم يَدْر، أو أنه قد علم، ولا يستطيع فعل شيء، إذن فلا يصح أن يكون إلها يزاحم الحق الذي أبلغنا أنه لا إله إلا هو. وتظل "لا إله إلا الله" لصاحبها - جل شأنه - "شهد الله أنه لا إله إلا هو" وفي كل حركة من حركات الحياة نجد أن الانفراد بصدور الحركة قد يعطي علوا، وقد يعطي استكباراً .. لذلك نقول: ها هو ذا الخالق الأعلى الذي "لا إله إلا هو" يخبرنا أنه قائم بالقسط. ورغم أنه لا أحد في استطاعته أن يتدارك على الله، إلا أنه يطمئننا أنه قائم بالقسط. ولنلحظ هنا ملحظاً جميلا في الأداء {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ} [آل عمران: 18] لماذا لم يقل الله إن "الملائكة" و"أولوا العلم"، الذين شهدوا أنه لا إله إلا هو "قائمين" بالقسط؟ لقد شهد الله أنه لا إله إلا هو قائما بالقسط، والملائكة شهدوا هذه القضية والعلماء شهدوا أيضاً بهذه القضية.. لماذا؟ لأن الله لو قال: "قائمين بالقسط" لكان الله مشهوداً عليه من هؤلاء، والشهادة هي له وحده أنه قائم بالقسط والعدل. لأنه سبحانه خلق الملائكة بالقسط، فلو كانوا معه في ذلك لما استقام الأمر، وأولوا العلم أيضاً مخلوقون بالقسط؛ لأن الله قد وزع حركة الحياة على الناس، فَنَاسٌ يعملون بعقولهم، وآخرون يعملون بقلوبهم، وقوم غيرهم يعملون بجوارحهم، فهذا هو لون من عدل الله، وإلا، فهل يدعي أحد أن إنساناً تتجمع فيه كل المواهب التي تتطلبها الحياة. لا، وهذه من عدالة الرحمن. إن من عدالة الحق أنه وزع المواهب بين البشر، فبدلا من أن يعتمد الإنسان على نفسه في صناعة الملبس والمأكل، والمشرب، جعل الله المهارات موزعة بين البشر .. فأتقنت مجموعة من البشر حرفة الزراعة لإنتاج الطعام الذي يكفيهم، ويسد حاجة غيرهم، وكذلك تبادلوا مع غيرهم المنافع، فالإنسان - بمفرده - لا يستطيع أن يزرع القطن ويجمعه ويغزله وينسجه؛ ليلبس، والإنسان لا يستطيع أن يزرع القمح ويحصده ثم يطحنه ثم يخبزه. إن الله لم يخلق الناس ليقوم كل فرد بإشباع حاجات نفسه المتنوعة، إنما وزع الله المواهب، لتتداخل هذه المواهب، ويتكامل المجتمع البشري، فواحد يزرع الأرض، وثانٍ يغزل القطن، وثالث ينسج القماش، ورابع يصنع الأدوات. وهذا عدل عظيم؛ لأن الطاقة البشرية لا تقوى على أن تقوم بكل متطلبات الحياة، لذلك جعل الحق هذا التنوع في المواهب ليربط الناس بالناس قهراً عن الناس، فلم يجعل لأحد تفضلاً على أحد، فما دام واحد يعرف في مجال، وآخر لا يعرف في هذا المجال، فالذي لا يعرف محتاج للآخر، وهكذا يتبادل الناس المنافع رغما عنهم. ولذلك نجد الكون متكاملاً. ولينظر كل منا إلى حياته وليعدد كم زاوية من زوايا العلم، وكم زاوية من زوايا القدرات، وكم زاوية من زوايا المواهب تلزم حتى تخدم حركة الحياة؟ إن هذه الزوايا موزعة على الناس جميعاً ليخدموا جميعاً حركة الحياة. وهذا قمة العدل. وحتى يوضح لنا الحق قيمة العدل وكيفية العدالة في إقامة المحبة والاحترام بين البشر، فلينظر الواحد منا إلى الإنسان الآخر البعيد عنه، ويتساءل بينه وبين نفسه: أهذا الرجل البعيد عني يعمل من أجلي؟ وتكون الإجابة: نعم. إذن، فعلى الإنسان عندما يرى إنساناً متفوقاً في صنعة ما، فليقل: إن تفوقه في صنعته عائد إليّ وتفوقه في موهبته عائد إليّ، وهكذا منع الله بالعدل الحقد والحسد وجعل الناس متكاتفين قهراً عنهم، لا تفضلاً منهم، إذن، فكل إنسان يسعى بحركة الحياة إنما يقيم نفسه في زاوية من زوايا الحياة، ومن العجيب أن الزاوية التي يُحسنها الإنسان تكون حاجته فيها أقل الحاجات، لذلك نجد المثل الريفي الذي يقول: "باب النجار مخلع"، وذلك حتى يعلم الإنسان أن موهبة ما تكون عند غيره سوف تنفعه هو، بدليل أن الموهبة التي عندك لم تنتفع أنت بها إلاّ قليلا. وبذلك يشيع في الناس اقتناع بأن موهبة كل فرد فيهم، إنما تعود عليهم جميعاً، وبذلك تحل المحبة والاحترام بدلا من الحسد والحقد. وعندما سأل أحد الظرفاء: ولماذا يكون باب النجار هو "المخلع"؟ قال أحد الظرفاء رداً عليه: لأنه الباب الوحيد الذي لن يأخذ النجار أجراً لإصلاحه، ونلتفت إلى العجائب في الحكمة الشائعة، فنجد أطباء أخصائيين في ألوان من المرض، وصاروا أعلاماً في مجالات تخصصاتهم، ويشاء الحق سبحانه وتعالى ألا يصابوا إلا بما برعوا فيه، كأن الذي برعوا فيه لم يفدهم هم بشيء، إنما أفاد الآخرين. ولننظر إلى الآية في مجملها: {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} [آل عمران: 18]. لقد استهلها الله بقوله: {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ} [آل عمران: 18] ثم قال بعد ذلك: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} [آل عمران: 18]. فكأن الآية تقول لنا: إذا ثبتت شهادة الذات للذات، وشهادة المشهد من الملائكة، وشهادة الاستدلال من العلماء، فإن القاعدة تكون قد استقرت استقرارا نهائياً لا شك فيه، فخذوها مسلمة: "لا إله إلا هو". وما دام "لا إله إلا هو" فليكن اعتمادك عليه وحده، واعلم أنك إن اعتمدت عليه وحده إلها، فأنت قد اعتمدت على عزيز لا يُغْلب على أمره. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله, واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام، وجفت الصحف ". تفسير : فلا يستطيع أحد أن يدخل مع الله في جدال. إنما يدخل خلق الله مع خلق الله في خلاف أو نضال، لكن لا أحد يجرؤ على أن يدخل في نضال مع الله لأنه عزيز لا يُغْلَب. فإن آمنت به وحده، فلك الفوز. وكلمة "وحده" قد تبدو في ظاهرها تقليلاً للسند الذي تستند إليه في القياس البشري، فيقال: "أنا لاجئ إلى فلان وحده" وعندما تكون لاجئاً إلى عشرين ألا تكون أكثر قوة؟ لكن هنا لا يكون قياس بين اللجوء إلى الله وحده، بقياس اللجوء إلى مخلوق. إنك هنا تلجأ إلى خالق أعلى بيده مقاليد كل شيء وهو على كل شيء قدير، فكلمة "وحده" هنا تغنيك وتكفيك عن الكل. اعمل لوجه واحد. يكفك كل الأوجه، واعلم أنه لا يوجد من يغلبه على أمره. وعظمة الحق أنه واحد أحد فرد متفرد صمد، وهو عزيز لا يُغْلب على أمره, وهو صاحب كل الحكمة في وضع الأشياء في مواضعها بحيث إذا ما عرفت حكمة ما يجريه الله سبحانه وتعالى على خلقه فأنت تتعجب من عظمة قدرة الله، لأن الحكمة هي وضع الشيء في موضعه، وما دمت قد وضعت الشيء في موضعه فإنه لا يكون هناك قَلَقٌ، وما دام الشيء موضوعاً في مكانه فهو مستقر، وما دام الشيء مستقراً فإنه لا يتلون وتزداد الثقة فيه، وهذه مأخوذة من "الحَكَمَة" التي تُوضع في فم الفرس، والتي نسميها "اللجام" وهي كما نعرف تتكون من قطعة من الجلد تدخل على اللسان وفيها قطعة من الحديد، فإن مال إلى غير الاتجاه الذي تريد، يكون من السهل جذبه إلى الاتجاه الصحيح. إن وجود الحكمة يعني وجود شيء يحكمه فلا ينحرف يمينا ولا يساراً، وما دام الله قد شهد أنه لا إله إلا هو، وشهدت الملائكة وشهد أولوا العلم، وانتهت القضية بعد هذه الشهادات إلى أنه لا إله إلا هو، وأنه العزيز الحكيم، فكل منهج منه يجب أن يُسلم إليه، وأن ينقاد له. وما دام الله قد شهد لنفسه بأنه إله واحد، أي لا يوجد له شريك ينازعه فيما يريد من خلقه، وليس لله شريك في الخلق، وليس لله شريك في الرزق، وليس له شريك في التشريع. إذن .. فالجهة التي نستمد منها مقومات منهجنا هي جهة واحدة، وكان من الممكن أن تظلم وتجور هذه الجهة الواحدة الخالقة على ما خلقت لأنه ليس لأحد من خلق الله حق على الله، لكن الله سبحانه وتعالى عادل، إنه سبحانه يطمئننا، فهذه الوحدانية بقدرتها وجبروتها وعلمها وحكمتها عادلة لا تظلم، لأنه قال: مع أني إله واحد، لا يُرد لي حكم ولا أمر فأنا قائم بالقسط. والقيام بالقسط يجب أن نتوقف عنده لنفهمه جيداً، إن الحق يقول عن نفسه: "قائماً بالقسط" وكلمة قائم تعني أن الله قد خلقهم الخلقَ الأول، وهذا الخلق إنما قام على العدل والقسط. وتكليف الحق للخلق قام على العدل والقسط. والعدل والقسط يقتضي ميزاناً لا ترجح فيه كفة على كفة، وهذا الميزان ممسوك بيد القدرة القاهرة التي لا توجد قوة أعلى منها تميل في الحكم، والحق سبحانه قائم بالقسط في الخلق، فقبل أن يخلقنا أعدّ لنا ما تتطلبه حياتنا بالقسط أيضاً، فلم يجعل أمر الحياة قائماً على الأسباب التي يكلفنا بها لنعيش، بل حكم بالقسط، لقد جعل الحق بعضا من الأمور لا دخل لنا نحن العباد فيها، ولم يقض الحق بذلك على حركتنا ولا على حريتنا في الحركة، لذلك خلق لنا أسباباً إن شئنا أن نفعل بها وصلنا إلى المسببات، وإن شئنا ألا نفعل فنترك الأسباب والمسببات. إذن .. فالحق سبحانه لم يحكمنا في قضية الخلق الأولى بشيء واحد، بأن يجبرنا على كل شيء، بل جبرنا بأنه - سبحانه - لم يدخل أسبابنا ولا حركتنا في كثير من الحركات التي تترتب عليها الحياة، فلم يجعل الشمس بأيدينا، ولا القمر، ولا الريح، ولا المطر. كل هذه الأسباب جعلها بيده هو، لماذا؟ لأن هذه الأسباب ستفعل للمخلوق قبل أن تكون له قدرة. هذه الأسباب تفعل للإنسان قبل أن توجد له حياة؛ لتمهد للحياة التي يهبك الله إياها، فلو ترك الله كل هذه الأشياء لأسباب الإنسان لتأخرت هذه الأشياء إلى أن يوجد للإنسان إرادة، وتوجد له قدرة وعلم. لقد جعل الله أسباب الحياة بيده، كالتنفس مثلاً، إن التنفس لا يخضع لإرادة القدرة على الحركة في الحياة، ولكنه قال لك: أيها الإنسان - وهو سبحانه الإله القادر - تحرك التنفس إلى أن توجد له إرادة. ولا توجد الإرادة إلا إن وُجد عند الإنسان علم بأنه يريد إدخال الأكسجين إلى الرئتين حتى يغذي الدم والمخ وينقي الدم والجسم من الأشياء التي تضره، هذا يقتضي العلم، فإذا كان هذا الأمر يقتضي العلم. فماذا يصنع الطفل الذي ليس له علم؟ كيف يتنفس؟ لذلك فمن رحمة الله وعدالته أن جعل أمر التنفس - على سبيل المثال - بيده هو سبحانه، ولكن الحق سبحانه لم يقض على مخلوقه بأن يجعله في الكون بلا حرية أو اختيار، لا، لقد ترك الحق سبحانه بعضا من الأشياء لحرية الإنسان واختياره. إذن، فالحق لم يلزم العبد تسخيراً، ولم يمنع تخييراً. وذلك هو العدل المطلق. لقد احترم الحق كينونة الإنسان، وحياة الإنسان، ومشيئة الإنسان، واختيار الإنسان، فقال: أنا سأعطيك أسباب الحياة الضرورية ولا أجعل لك دخلاً فيها؛ لأنك إن تدخلت فيها أفسدتها، وتأخر وصول خدمتها لك إلى أن تعرف وتعلم، وأنا - الحق - أريدُها لك، وأنت أيها الإنسان عاجز قبل أن توجد لك، وأنت قادر بوجودها الذي أمنحه لك؛ لذلك جعلتها بيدي أنا الخالق المأمون على خلقي. ولكن لن أقضي على حريتك، فإن أردت ارتقاءً في الحياة فتحرك في الحياة، إن شئت أيها الإنسان أن تفعل فافعل. وإن شئت أيها الإنسان ألا تفعل فلا تفعل. وهذا مطلق العدل. ثم جاء الحق سبحانه وتعالى وجعل قوله: {قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ} [آل عمران: 18] مشتملاً على التكليف أيضاً، أي إن عدالته في التكليف مطلقة. فأناس يقولون: "لا إله" وأناس آخرون عددوا الآلهة، فقام الحق بالقسط بين الأمرين. هو إله موجود يا من تقول: "لا إله". وهو إله غير متعدد يا من تشرك معه غيره. وهذا قيام بالقسط وجاء الحق سبحانه في الأحكام. ونحن نجد أحكاماً شرعية طلبها الحق سبحانه من العبد طلباً باتاً، ولم يتركها لاختيار الإنسان ونجد أشياء تركها الحق سبحانه ليجتهد فيها الإنسان، فلم يجعل الحق سبحانه العبد حراً طليقاً يعربد في الكون كما يشاء، ولم يجعل الحق سبحانه عبده مقهوراً أو مقسوراً بحيث لا توجد له إرادة أو اختيار. لقد جعل الله للإنسان مجالاً في القسر ومجالاً في الاختيار، أوجد في الإنسان القدرة على الحركة في الحياة، ولكنه قال لك: أيها الإنسان - وهو الإله القادر - تحرك في الحياة وأنا أحمي نتيجة ما تتحرك فيه، ولكن لي في مالك الذي جعلتك فيه خليفة حق عليك أن تعطي بعضاً منه لأخيك المحتاج. لقد أعطى الحق للنفس البشرية أن تكد، وأعطى لها أن تكدح، وحفظ لها ما تملك، ولكنه هو الحق لم يُطلق للنفس البشرية عنانها، بل قال: لي حق في ذلك. وهكذا نجده سبحانه قد عدل في هذا الأمر. إذن فقول الحق إنه قائم بالقسط .. نجده واضحاً في كل شيء؛ ففي الخلق والرزق والتكليف نجد أنه قائم بالقسط، وما دام هو إلهاً واحداً وقائماً بالقسط، فما الذي يمنعك أيها الإنسان أن تخضع لمراده منك؟ يقول الحق سبحانه: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما مدح تعالى المؤمنين وأثنى عليهم بقوله {الذين يقولون ربنا إِننا آمنا} أردفه بأنْ بيّن أنَّ دلائل الإِيمان ظاهرة جلية فقال {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} ثم بيّن أن الإِسلام هو الدين الحق الذي ارتضاه الله لعباده، وأمر الرسول بأن يعلن استسلامه لله وانقياده لدين الله، وأعقبه بذكر ضلالات أهل الكتاب واختلافهم في أمر الدين اختلافاً كبيراً، وإِعراضهم عن قبول حكم الله. اللغَة: {شَهِدَ} الشهادة: الإِقرار والبيان {ٱلْقِسْطِ} العدل {الدِّينَ} أصل الدين في اللغة: الجزاء ويطلق على الملَّة وهو المراد هنا {ٱلإِسْلاَمُ} الاسلام في اللغة: الاستسلام والانقياد التام قال ابن الأنباري: المسلم معناه المخلص لله عبادته من قولهم: سلم الشيء لفلان أي خلص له فالإِسلام معناه إِخلاص الدين والعقيدة لله تعالى {حَآجُّوكَ} جادلوك ونازعوك {غَرَّهُمْ} فتنهم {يَفْتَرُونَ} يكذبون. سَبَبُ النّزول: لمّا استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة قدم عليه حَبْران من أحبار الشام، فلما دخلا عليه عرفاه بالصّفة والنعت فقالا له: أنت محمد؟ قال نعم، قالا: وأنت أحمد؟ قال نعم، قالا نسألك عن شهادةٍ فإِن أنت أخبرتنا بها آمنا بك وصدَّقناك، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: سلاني، فقالا: أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله فنزلت {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} الآية فأسلم الرجلان وصدّقا برسول الله صلى الله عليه وسلم. التفسِير: {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} أي بيّن وأعلم تعالى عباده بانفراده بالوحدانية، قال الزمخشري: شبهت دلالته على وحدانيته بشهادة الشاهد في البيان والكشف {وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ} أي وشهدت الملائكة وأهل العلم بوحدانيته بدلائل خلقه وبديع صنعه {قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ} أي حال كونه مقيماً للعدل فيما يقسم من الآجال والأرزاق {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} أي لا معبود في الوجود بحق إِلا هو {ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} أي العزيز في ملكه الحكيم في صنعه {إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ} أي الشرع المقبول عند الله هو الإِسلام، ولا دين يرضاه الله سوى الإِسلام {وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ} أي وما اختلف اليهود والنصارى في أمر الإِسلام ونبوة محمد عليه السلام، إِلا بعد أن علموا بالحجج النيرّة والآيات الباهرة حقيقة الأمر، فلم يكن كفرهم عن شبهة وخفاء وإِنما كان عن استكبار وعناد، فكانوا ممن ضلَّ عن علم {بَغْياً بَيْنَهُمْ} أي حسداً كائناً بينهم حملهم عليه حب الرئاسة {وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} وهو وعيد وتهديد أي من يكفر بآياته تعالى فإِنه سيصير إلى الله سريعاً فيجازيه على كفره {فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ} أي إِن جادلوك يا محمد في شأن الدِّين فقل لهم: أنا عبدٌ لله قد استسلمتُ بكليتي لله، وأخلصت عبادتي له وحده، لا شريك له ولا نِدّ ولا صاحبة ولا ولد {وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ} أي أنا وأتباعي على ملة الإِسلام، مستسلمون منقادون لأمر الله {وَقُلْ لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ وَٱلأُمِّيِّينَ} أي قل لليهود والنصارى والوثنيين من العرب {أَأَسْلَمْتُمْ} أي هل أسلمتم أم أنتم باقون على كفركم فقد أتاكم من البينات ما يوجب إِسلامكم {فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ} أي فإِن أسلموا كما أسلمتم فقد نفعوا أنفسهم بخروجهم من الضلال إِلى الهدى ومن الظلمة إِلى النور {وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ} أي وإِن أعرضوا فلن يضروك يا محمد إِذ لم يكلفك الله بهدايتهم وإِنما أنت مكلف بالتبليغ فحسب والغرض منها تسلية النبي صلى الله عليه وسلم {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ} أي عالم بجميع أحوالهم فيجازيهم عليها، روي حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قرأ هذه الآية على أهل الكتاب قالوا: أسلمنا فقال عليه السلام لليهود: أتشهدون أن عيسى كلمة الله وعبده ورسوله! فقالوا: معاذ الله، فقال للنصارى: أتشهدون أن عيسى عبد الله ورسوله! فقالوا: معاذ الله أن يكون عيسى عبداً وذلك قوله عز وجل {وَّإِن تَوَلَّوْاْ}تفسير : . {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} أي يكذبون بما أنزل الله {وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ} أي يقتلون أنبياء الله بغير سبب ولا جريمة إِلا لكونهم دعوهم إِلى الله، وهم اليهود قتلوا زكريا وابنه يحيى وقتلوا أنبياء الله، قال ابن كثير: "قتلت بنو إِسرائيل ثلاثمائة نبيّ من أول النهار، وأقاموا سوق بقلهم من آخره" {وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ} أي يقتلون الدعاة إِلى الله الذين يأمرون بالخير والعدل {فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} أي أخبرهم بما يسرهم وهو العذاب الموجع المهين، والأسلوب للتهكم وقد استحقوا ذلك لأنهم جمعوا ثلاثة أنواع من الجرائم: الكفر بآيات الله، وقتل الأنبياء، وقتل الدعاة إِلى الله قال تعالى مبيناً عاقبة إِجرامهم {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} أي بطلت أعمالهم التي عملوها من البر والحسنات، ولم يبق لها أثر في الدارين، بل بقي لهم اللعنة والخزي في الدنيا والآخرة {وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} أي ليس لهم من ينصرهم من عذاب الله أو يدفع عنهم عقابه.. ثم ذكر تعالى طرفاً من لَجَاج وعناد أهل الكتاب فقال {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ} أي ألا تعجب يا محمد من أمر هؤلاء الذين أوتوا نصيباً من الكتاب! فالصيغة صيغة تعجيب للرسول أو لكل مخاطب قال الزمخشري: يريد أحبار اليهود وأنهم حصلوا نصيباً وافراً من التوراة {يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ ٱللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ} أي يدعون إِلى التوراة كتابهم الذي بين أيديهم والذي يعتقدون صحته، ليحكم بينهم فيما تنازعوا فيه فيأبون {ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُمْ مُّعْرِضُونَ} أي ثم يعرض فريق منهم عن قبول حكم الله، وهو استبعاد لتوليهم بعد علمهم بوجوب الرجوع إِليه، وجملة {وَهُمْ مُّعْرِضُونَ} تأكيد للتولي أي وهم قوم طبيعتهم الإِعراض عن الحق، والإِصرار على الباطل، والآية كما يقول المفسرون تشير إِلى قصة تحاكم اليهود إِلى النبي صلى الله عليه وسلم لما زنى منهم إثنان فحكم عليهما بالرجم فأبوا وقالوا: لا نجد في كتابنا إلا التحميم فجيء بالتوراة فوجد فيها الرجم فرجما، فغضبوا فشنَّع تعالى عليهم بهذه الآية {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ} أي ذلك التولي والإِعراض بسبب افترائهم على الله وزعمهم أنهم أبناء الأنبياء وأن النار لن تصيبهم إلا مدةً يسيرة - أربعين يوماً - مدة عبادتهم للعجل {وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} أي غرهم كذبهم على الله {فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ} أي كيف يكون حالهم يوم القيامة حين يجمعهم الله للحساب!! وهو استعظام لما يدهمهم من الشدائد والأهوال {وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ} أي نالت كل نفسٍ جزاءها العادل {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} أي لا يظلمون بزيادة العذاب أو نقص الثواب. البَلاَغَة: 1- {إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ} الجملة معرّفة الطرفين فتفيد الحصر أي لا دين إِلا الإِسلام. 2- {ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} التعبير عن اليهود والنصارى بقوله "أوتوا الكتاب" لزيادة التشنيع والتقبيح عليهم فإِن الاختلاف مع علمهم بالكتاب في غاية القبح والشناعة. 3- {بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ} إِظهار الاسم الجليل لتربية المهابة وإِدخال الروعة في النفس. 4- {أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ} أطلق الوجه وأراد الكل فهو مجاز مرسل من إِطلاق الجزء وإِرادة الكل. 5- {فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} الأصل في البشارة أن تكون في الخير واستعمالها في الشر للتهكم ويسمى "الأسلوب التهكمي" حيث نزّل الإِنذار منزلة البشارة السارة كقوله {أية : بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} تفسير : [النساء: 138] وهو أسلوبٌ مشهور. فَائِدَة: قال القرطبي: في هذه الآية دليل على فضل العلم، وشرف العلماء، فإِنه لو كان أحد أشرف من العلماء لقرنهم الله باسمه واسم ملائكته كما قرن اسم العلماء، ويكفي في شرف العلم قوله لنبيه صلى الله عليه وسلم: {أية : وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً} تفسير : [طه: 114] وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إِن العلماء ورثة الأنبياء" تفسير : وفي حديث ابن مسعود أنَّ من قرأ قوله تعالى {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} الآية فإِنه يجاء به يوم القيامة فيقول الله تعالى: عبدي عهد إِليَّ عهداً وأنا أحقُّ من وفّى، أدخلوا عبدي الجنة. لطيفَة: من أطرف ما قرأتُ في بيان فضل العلم تلك المحاورة اللطيفة بين العقل والعلم حيث يقول القائل وقد أبدع وأجاد: شعر : علمُ العليمِ وعقلُ العاقل اختلفا من ذا الذي منهما قد أحرز الشرفا فالعلم قال: أنا أحرزتُ غايتَه والعقلُ قال: أنا الرحمن بي عُرفا فأفصح العلم إِفصاحاً وقال له بأيّنا الله في فرقانه اتّصفا فبان للعقل أن العلم سيِّدُه فقبل العقل رأس العلم وانصرفا

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {شَهِدَ ٱللَّهُ} معناه بيَّنَ الله.

الأندلسي

تفسير : {شَهِدَ ٱللَّهُ} الآية، سبب نزولها أن حبرين من الشام قدما المدينة فقال أحدهما للآخر ما أشبه هذه بمدينة النبي الخارج في آخر الزمان ثم عرفا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنعت فقالا أنت محمد قال: نعم، فقالا: أنت أحمد، قال: نعم، فقالا: نسألك عن شهادة إن أخبرتنا بها آمنا فقال: سلاني. فقال أحدهما: أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله فنزلت فأسلما وشهد هنا بمعنى أعلم بانفراده بالوحدانية وعطف عليه. {وَٱلْمَلاَئِكَةُ} وهم من العالم العلوي ثم أولي العلم ويشمل الملائكة وغيرهم من الثقلين وانتصب قائماً على الحال من الله وحده. قال الزمخشري: وانتصابه على أنه حال مؤكدة منه أي من الله لقوله: {أية : وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقاً} تفسير : [البقرة: 91] "انتهى". ليس هذا من الحال المؤكدة لأنه ليس من باب ويوم يبعث حياً ولا من باب أنا عند الله شجاعاً وهو زيد شجاعاً وفي كونه حالاً من اسم الله قلق في التركيب إذ يصير كقولك أكل زيد طعاماً وعائشة وفاطمة جائعة فيفصل بين المعطوف عليه والمعطوف بالمفعول وبين الحال وذي الحال بالمفعول والمعطوف لكن بمشيئة كونها كلها معمولة لعامل واحد وقال الزمخشري: فإِن قلت قد جعلته حالاً من فاعل شهد فهل يصح أن ينتصب حالاً من هو في لا إله إلا هو. قلت: نعم لأنها حال مؤكدة والحال المؤكدة لا تستدعي أن يكون في الجملة التي هي زيادة في فائدتها عامل فيها كقولك: أما عبد الله شجاعاً "انتهى". يعني أن الحال المؤكدة لا يكون العامل فيها النصب شيئاً من الجملة السابقة وإنما تنتصب بعامل مضمر تقديره أحق أو نحوه مضمراً بعد الجملة وهذا قول الجمهور والحال المؤكدة لمضمون الجملة هي الدالة على معنى ملازم للمسند إليه الحكم أو شبيه بالملازم فإِن كان المتكلم بالجملة مخبراً عن نفسه فيقدر الفعل أحق مبنياً للمفعول نحو أنا عبد الله شجاعاً أي أحق شجاعاً وإن كان مخبراً عن غيره نحو: هو زيد شجاعاً، فتقدره أحقه شجاعاً وذهب الزجاج إلى أن العامل في هذه الحال هو الخبر بما ضمن من معنى المسمى وذهب ابن خروف إلى أنه المبتدأ بما ضمن من معنى التنبيه وجعله بعضهم حالاً من الجميع على اعتبار كل واحد واحد ورد بأنه لو جاز ذلك لجاز جاء القوم راكباً، أي كل واحد منهم، وهذا لا تقوله العرب، ومعنى بالقسط: بالعدل وأنه لا إله إلا هو مفعول شهد وفصل به بين المعطوف عليه والمعطوف ليدل على الاعتناء بذكر المفعول وليدل على تفاوت درجة المتعاطفين بحيث لا ينسقان متجاورين. وقرىء: شهد مبنياً للمفعول والمصدر المنسبك من أن وما بعدها بدل من لفظ الجلالة أي شهد انفراده بالألوهية وارتفع والملائكة على إضمار فعل أي وشهد الملائكة أو على الابتداء والخبر محذوف تقديره والملائكة وأولوا العلم يشهدون وقرىء: شهداء الله جمعاً منصوباً مضافاً إلى الله وجوز أن يكون حالاً من المستغفرين أو على المدح وهو جمع شهيد أو شاهد وقرىء شهداء الله بالرفع على إضمار مبتدأ محذوف أي هم شهداء وقرىء: شهد الله بضم الشين والهاء ونصب الدال منوناً ونصب الله، وقرىء: شهد بضم الدال وبفتحها مضافاً لاسم الله فالرفع على خبر مبتدأ أي هم شهد الله والنصب على الحال وهو جمع شهيد كنذير وقرىء: شهد الله بضم الدال ونصبها وبلام الجر ووجه رفع الملائكة في هاتين القراءتين بالعطف على الضمير المستكن في شهداء وتقدم توحيه رفع الملائكة على إضمار الفعل وعلى إضمار الخبر وقرىء: انه بكسر الهمزة، وقرىء: ان لا إله إلا هو بحذف الضمير وخرج نصب قائماً على أنه حال من هو أو صفة للمنفي وهو بعيد جداً أو من الجميع على اعتبار كل واحد واحد وهو أبعد مما قبله وأجاز الزمخشري انتصاب قائماً على المدح وقال: فإِن قلت أليس من حق المنتصب على المدح أن يكون معرفة كقولك الحمد لله الحميد انا معشر الأنبياء لا نورث انا بني نهشل لا ندعي لأب قلت قد جاء نكرة في قول الهذلي: ويأوي إلى نسوة عطل وشعثاً مراضيع مثل السعالي "انتهى سؤاله وجوابه". وفي ذلك تخليط وذلك أنه لم يفرق بين المنصوب على المدح أو الذم أو الترحم وبين المنصوب على الاختصاص وجعل حكمهما واحداً وأورد مثالاً من المنصوب على المدح وهو الحمد لله الحميد ومثالين من المنصوب على الاختصاص وهما انا معشر الأنبياء لا نورث انا بني نهشل لا ندعي لأب والذي ذكره النحويون أن المنصور على المدح والذم أو الترحم قد يكون معرفة وقبله معرفة يصلح أن يكون تابعاً لهم وقد لا يصلح وقد يكون نكرة كذلك وقد يكون نكرة وقبلها معرفة فلا يصح أن يكون نعتاً لها نحو قول النابغة: شعر : أقارع عون لا أحاول غيرها وجوه قرود تتبعني من تخادع تفسير : فانتصب وجوه قرود على الذم وقبله معرفة وهو قوله: أقارع عوف وأما المنصوب على الاختصاص قصوا على أنه لا يكون نكرة ولا مبهماً ولا يكون إلا معرفاً بالألف واللام أو بالاضافة أو بالعلمية أو بأي ولا يكون إلا بعد ضمير متكلم مختص به أو مشارك فيه وربما أتى بعد ضمير مخاطب واما انتصابه على أنه صفة للمنفي فقال الزمخشري: فإِن قلت هل يجوز أن يكون صفة للمنفي كأنه قيل لا إله قائماً بالقسط إلا هو قلت: لا يبعد فقد رأيناهم يتسعون في الفصل بين الصفة والموصوف ثم قال وهو أوجه من انتصابه عن فاعل شهد وكذلك انتصابه على المدح "انتهى". وكان قد مثل بالفصل بين الصفة والموصوف بقوله لا رجل إلا عبد الله شجاعاً ويعني أن انتصاب قائماً على أنه صفة لقوله: إله، وكونه إنتصب على المدح أوجه من انتصابه على الحال من فاعل شهد وهو الله وهذا الذي ذكره لا يجوز لأنه فصل بين الصفة والموصوف بأجنبي وهو المعطوفان اللذان هما والملائكة وأولوا العلم وليسا معمولين لشيء من جملة لا إله إلا هو بل هما معمولان لشهد وهو نظير عرف زيد أن هند أخارجة وعمرو وجعفر التيمية فيفصل بين هند والتميمية بأجنبي ليس داخلاً في حيز ما عمل فيها وفي خبره وهما عمرو وجعفر المرفوعان بعرف المعطوفان على زيد وأما المثال الذي مثل به وهو لا رجل إلا عبد الله شجاعاً فليس نظير تخريجه في الآية، لأن قولك إلا عبد الله بدل على الموضع من لا رجل فهو تابع على الموضع فليس بأجنبي على أن في جواز هذا التركيب نظراً لأنه بدل وشجاعاً وصف والقاعدة أنه إذا اجتمع البدل والوصف قدم الوصف على البدل وسبب ذلك أنه على نية تكرار العامل على المذهب الصحيح فصار من جملة أخرى على هذا المذهب وأما انتصابه على القطع فلا يجيء إلا على مذهب الكوفيين وقد أبطله البصريون والأولى من هذه الأقوال كلها أن يكون منصوباً على الحال من إسم الله والعامل فيه شهد وهو قول الجمهور وأما قراءة عبد الله القائم بالقسط فرفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره هو القائم بالقسط. وقال الزمخشري وغيره: أنه بدل هو ولا يجوز ذلك لأن فيه فصلاً بين البدل والمبدل منه بأجنبي وهو المعطوفان لأنهما معمولان لغير العامل في المبدل منه ولو كان العامل في المعطوف هو العامل في المبدل منه لم يجز ذلك أيضاً لأنه إذا اجتمع العطف والبدل قدم البدل على العطف لو قلت جاء زيد وعائشة أخوك لم يجز إنما الكلام جاء زيد أخوك وعائشة وقال الزمخشري: فإِن قلت: لم يجز افراده بنصب الحال دون المعطوفين عليه ولو قلت جاءني زيد وعمرو راكباً لم يجز قلت: إنما جاز هذا لعدم الإِلباس كما جاز في قوله: {أية : وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً} تفسير : [الأنبياء: 72] أن انتصب نافلة حالاً عن يعقوب ولو قلت: جاءني زيد وهند راكباً جاز لتمييز بالذكورة "انتهى". وما ذكره في قوله: في جاءني زيد وعمرو راكباً أنه لا يجوز ليس كما ذكره بل هذا جائز لأن الحال قيد فيمن وقع منه أو به الفعل أو ما أشبهه وإذا كان قيداً فإِنه يحتمل على أقرب مذكور ويكون راكباً حالاً مما يليه ولا فرق في ذلك بين الحال والصفة ولو قلت جاءني زيد وعمرو الطويل لكان الطويل صفة لعمرو ولا تقول: لا تجوز هذه المسألة لأنه يلبس بل لا لبس في هذا وهو جائز فكذلك الحال وأما قوله: في نافلة أنه انتصب حالاً عن يعقوب إذ يحتمل أن يكون نافلة مصدراً كالعافية والعاقبة ومعناه زيادة فيكون ذلك شاملاً لإِسحاق ويعقوب لأنهما زيدا لإِبراهيم بعد ابنه إسماعيل وغيره إذ كان جاء له إسحاق على الكبر وبعد أن عجزت سارة وأيست من الولادة. ولما ذكر شهادة الله والملائكة وأولي العلم بانحصار الألوهية فيه تعالى أخبر بتقرير ذلك بقوله: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ}. وفيه ضرب من التأكيد لما سبق ثم ذكر. {ٱلْعَزِيزُ} وهو الذي لا يغالب أو الذي هو عديم النظير. و{ٱلْحَكِيمُ} هو الذي يصنع الأشياء بحكمته مواضعها وارتفع العزيز على إضمار هو. و{ٱلْحَكِيمُ} هو الذي يضع الأشياء بحكمته مواضعها وارتفع العزيز على إضمار هو {إِنَّ الدِّينَ} أي أن الشرع المقبول {عِندَ ٱللَّهِ} هو {ٱلإِسْلاَمُ} أي الانقياد لأمر الله ونهيه واعتقاد ما جاءت به الرسل من صفات الله تعالى. والبعث والجزاء. وقرى ان الدين ولهم في إعرابه اضطرابات وقد اخترنا أنه متعلق بالحكيم وهي صفة مبالغة وتكون على إضمار حرف الجر أي الحاكم بأن الدين عند الله الاسلام وأشبه ما قالوه أن يكون إن الدين بدل من قوله أنه لا إله إلا هو وفيه بعد لطول الفصل بين البدل والمبدل منه ولما شهد تعالى لنفسه بالوحدانية وشهد له بذلك الملائكة وأولوا العلم حكم أن الدين المقبول عنده هو الإِسلام فلا ينبغي لأحد أن يعدل عنه. {أية : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ}تفسير : [آل عمران: 85] وعدل عن صيغة الحاكم إلى الحكيم لأجل المبالغة ولمناسبة العزيز ومعنى المبالغة تكرار حكمة بالنسبة إلى الشرائع ان الدين عنده هو الإِسلام إذ حكم في كل شريعة بذلك. وفي البحر الذي هذا النهر ملخص منه ما نصه وأما قراءة الكسائي ومن وافقه في نصب أنه وإن فقال أبو علي الفارسي إن شئت جعلته من بدل الشيء من الشيء وهو ألا ترى ان الدين الذي هو الإِسلام يتضمن التوحيد والعدل وهو في المعنى، وإن شئت جعلته من بدل الاشتمال لأن الاسلام مشتمل على التوحيد والعدل، وإن شئت جعلته بدلاً من القسط لأن الدين الذي هو الإِسلام قسط وعدل، فيكون أيضاً من بدل الشيء من الشيء وهما لعين واحدة. انتهت تخريجات الفارسي وهو معتزلي فلذلك يشتمل كلامه على ألفاظ المعتزلة من التوحيد والعدل وعلى البدل من أنه لا إله إلا هو خرجه غيره أيضاً وليس بجيد لأنه يؤدي إلى تركيب بعيد أن يأتي مثله في كلام العرب وهو عرف زيد أنه لا شجاع إلا هو وبنو تميم وبنو دارم ملاقياً للحروب لا شجاع إلا هو البطل المحامي وان الخصلة الحميدة هي البسالة وتقريب هذا المثال ضرب زيد عائشة والعمران حنقا أختك، فحنقا حال من زيد وأختك بدل من عائشة، ففصل بين البدل والمبدل منه بالعطف وهو لا يجوز وبالحال لغير المبدل منه ولا يجوز لأنه فصل بأجنبي بين المبدل منه والبدل، وخرجه الطبري على حذف حرف العطف والتقدير وان الدين. قال ابن عطية: وهذا ضعيف. انتهى. ولم يبين وجه ضعفه ووجه ضعفه أنه متنافر التركيب مع إضمار حرف العطف فيفصل بين المتعاطفين المرفوعين بالمنصوب المفعول وبين المتعاطفين المنصوبين بالمرفوع المشارك الفاعل في الفاعلية وبجملتي الاعتراض وصار في التركيب دون مراعاة الفصل نحو: أكل زيد خبزاً، وعمرو وسمكا. وأصل التركيب أكل زيد وعمرو خبزاً وسمكاً فإِن فصلنا بين قولك وعمرو وبين قولك وسمكاً يحصل شنع التركيب وإضمار حرف العطف لا يجوز على الأصح. وقرأ ابن عباس أنه بالكسر ان الدين بالفتح، وخرج على أن الدين عند الله الإِسلام، وهو معمول شهد ويكون في الكلام اعتراضان: أحدهما بين المعطوف عليه والمعطوف وهو أنه لا إله إلا هو، والثاني: بين المعطوف والحال وبين المفعول لشهد وهو لا إله إلا هو العزيز الحكيم، وإذا أعربنا العزيز خبر مبتدأ محذوف كان ذلك ثلاث اعتراضات. "انتهى". ما خرجت عليه قراءة ابن عباس أيضاً فانظر إلى هذه التوجيهات البعيدة التي لا يقدر أحد أن يأتي لها بنظير من كلام العرب وإنما جمل على ذلك العجمة وعدم الإِمعان في تراكيب كلام العرب وحفظ أشعارها. وقد أشرنا في خطبة هذا الكتاب إلى أنه لا يكفي النمو وحده في علم الفصيح من كلام العرب، بل لا بد من الاطلاع على كلامهم والتطبع بطباعهم والإِستكثار من ذلك، والذي خرجت عليه قراءة أن الدين بالفتح هو أن يكون الكلام في موضع المعمول للحكيم على إسقاط حرف الجر أي بأنّ لأن الحكيم فعيل للمبالغة كالعليم والسميع والخبير كما قال تعالى: {أية : مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ}تفسير : [هود: 1]. وقال: {أية : مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ} تفسير : [النمل: 6]. والتقدير لا إله إلا هو العزيز الحكيم، ان الدين عند الله الإِسلام، ولما شهد تعالى لنفسه بالوحدانية، وشهد له بذلك الملائكة وأولوا العلم، حكم ان الدين عند الله المقبول عنده هو الإِسلام، فلا ينبغي لأحد أن يعدل عنه. {أية : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} تفسير : [آل عمران: 85]. (فإِن قلت) لم حملت إليكم على أنه محول من فاعل إلى فعيل للمبالغة وهلا جعلته فعيلاً بمعنى مفعل، فيكون معناه المحكم كما قالوا في أليم انه بمعنى مؤلم وفي سميع من قول الشاعر: شعر : أمن ريحانة الداعي السميع إلى المسمع تفسير : (فالجواب) إنا لا نسلم أن فعيلاً يأتي بمعنى مفعل وقد يؤوّل سميع وأليم على غير مفعل ولئن سلمنا ذلك فهو من الندور والشذوذ بحيث لا ينقاس، وأما فعيل المحول من فاعل للمبالغة فهو منقاس كثير جداً خارج عن الحصر كحليم وعليم وسميع وقدير وخبير وحفيظ إلى ألفاظ لا تحصر وأيضاً فإن العربي لقمح الباقي على سليقته لم يفهم من حكيم إلا أنه محول للمبالغة من حاكم، ألا ترى أنه لما سمع قارئاً يقرأ: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله والله سميع عليم}. أنكر أن تكون فاصلة هذا التركيب السابق فقيل له التلاوة والله عزيز حكيم. فقال: هكذا يكون عز فحكم وفهم من حكيم أنه محول للمبالغة من حاكم، وفهم هذا العربي حجة قاطعة لما قلناه. وكذا نقول على قراءة ابن عباس ولا نجعل أن الدين معمولاً لشهد كما زعموا وأنّ انه لا إله إلا هو اعتراض وانه بين المعطوف. والحال وبين أن الدين اعتراض آخر أو اعتراضان، بل نقول: معمول شهد هو أنه بالكسر على تخريج من خرج أن شهد لما كان بمعنى القول كسر ما بعدها إجراء لها مجرى القول أو نقول أنه معمول لها ولم تدخل اللام في الخبر لأنه منفي بخلاف أن لو كان مثبتاً فإِنك تقول شهدت أن زيداً المنطلق فتعلق بأن مع وجود اللام لأنه لو لم تكن اللام لفتحت أنّ فقلت شهدت أن زيداً منطلق فمن قرأ بفتح أنه فإِنه لم ينو التعليق ومن كسر فإِنه نوى التعليق ولم تدخل اللام في الخبر لأنه منفي كما ذكرنا. {وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} عام في أهل الكتاب من اليهود والنصارى وإن المختلف فيه هو الإِسلام. وقد تنكبوا إلى غيره من الأديان فانقسمت اليهود إلى قرائي ورباني وَسَمَرة. وانقسمت النصارى الى ملكي ويعقوبي ونسطوري. وكل طائفة تكفر من خالفها بعد أن كانت اليهود أمة واحدة، والنصارى كذلك، والعلم الذي جاءهم هو كتب الله المنزلة من التوراة والزبور والإِنجيل، والحامل على اختلافهم هو البغي وهو الظلم الواقع من بعضهم لبعض. وتقدم إعراب بغيا بعد الاستثناء في البقرة. {وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} عام في كل كافر فلا يخص المختلفين ولا غيرهم. و{سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} كناية عن المجازاة في الآخرة، والجملة جواب الشرط، والضمير العائد على اسم الشرط محذوف تقديره سريع الحساب له.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن حقيقة الشهادة أنها له، ولنا العبادة بقوله تعالى: {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ} [آل عمران: 18]، إشارة في الآية: إن الشهادة الحقيقة؛ هي شهادة الله بكلامه الأزلي، إنه الحق عن علمه [الأزلي] على ذاته الأحدي وكونه الصمدي، {أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} [آل عمران: 18]، وهي شهادة الحق وبالحق أنه الحق، وهو منفرد بهذه الشهادة الأزلية لا يشاركه فيها أحد، وكما أن ذاته لا تشبه الذوات وصفاته لا تشبه الصفات؛ فشهادته لا تشابه الشهادات، إنه سبحانه شهد بجلال قدره على كمال عزه، حين لا حين، ولا عقل ولا جهل، ولا كفر ولا شرك، ولا عرش ولا فرش، ولا جنة ولا نار، ولا الإنس ولا الملائكة، ولا أولوا العلم ولا الإنكار ولا الإقرار، فأول من شهد على أنه الله؛ هو الله حين لم يكن إلا الله، فأخبر بالذي كان كما كان؛ وهو {أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} [آل عمران: 18]، ثم أبدع الموجودات واخترع المخترعات كما شاء لما شاء، ففطر العقول مجرة على أنه واحد عزيز، ما جد بإخباره إياها، وخلق الذوات شاهدات على ربوبيته بإشهاده إياها، وكل جزء من جميع ما فطر وخلق على ما شاء من الأعيان والأعراض [أظهر] وأنطق فهو بوجوده مفصح، ولربوبيته موضح، وعلى قدرته شاهد، ولكن منبع ماء التوحيد؛ هو القدم، فجرى في ينبوع العدم في مجاري أنها المحدثات إلى ظهر من عيون والملائكة وأولوا العلم، فإن الملائمة وإن كانوا مظهر ماء التوحيد، كما أن أولوا العلم ولكن اختص أولوا العلم، منهم بمشربه، {أية : وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ وَكَانُوۤاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا} تفسير : [الفتح: 26]. شعر : شيء خصصت به من دونهم وحدي لي سكرتان وللندمان واحدة تفسير : فحقيقة معنى الآية {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ} [آل عمران: 18]، على أمور عباده حتى شهد على شهادة الملائكة وأولوا العلم، ثم فائدة التكرار بقوله تعالى: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} [آل عمران: 18]، {إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ} [آل عمران: 19]، عائدة إلى أولوا العلم، الذين لهم شركة مع الملائكة في مظهر ماء التوحيد بالشهادة، ولهم اختصاص بالمشربية لماء التوحيد فشاهدوا حقيقة {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ} [آل عمران: 18]، الذي لا يشاهد عزته إلا عزته، الذي أغرهم بهذه العزة من بين البرية، {ٱلْحَكِيمُ} [آل عمران: 18]، الذي بحكمته اختارهم لهذه العزة من بين الخليقة. ثم أخبر عن عزة اختلاف أهل العلم بحكمته بقوله تعالى: {وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ} [آل عمران: 19]، إشارة في تحقيق الآية: إن اختلاف عالم الصورة من النتائج التناكر في عالم الأرواح، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف"تفسير : ، فالأرواح تلاقي بعضها بعضاً عند تشاهد الأشخاص، فما تعارف منها في الميثاق لتقاربهم في الصف أو لتقابلهم في المنزل ائتلف، وما تناكر منها لتباعدهم في الصف أو لتدبرهم في المنزل اختلف، فإذا كان الاختلاف من ذلك التناكر {أية : لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ}تفسير : [الأنفال: 63]، وإن كان اختلاف بأسباب حادثة في الظاهر، وذلك التعارف الأصلي ثابت في الباطن، فإذا التقى الشخصان نظر كل واحد منهما إلى سيما الآخر، فتعرف روحه روح الآخر، والقلوب تشاهد فتأتلف، كما كان حال أويس القرني - رضي الله عنه - لما رأى هرم بن حيان فقال: السلام عليك يا هرم، فقال: كيف عرفتني؟ فقال: عرفت روحي روحك، قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {أية : تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ} تفسير : [البقرة: 273]، فظهر أن الاختلاف من تناكر الأرواح، فلما كان بين الأرواح المؤمنين تعارف روحاني، ناصرهم العداوة الجسمانية الحادثة؛ كقوله تعالى: {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ} [آل عمران: 19]، إشارة إلى: إن العلم مظنة الحسد. واعلم أن حسد أهل العلم قسمان: مذموم ومحمود، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا حسد إلا في اثنين رجل أتاه مالاً فسلطه على هلكته في حق، ورجل أتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها"تفسير : ، متفق على صحته، رواه ابن مسعود رضي الله عنه، فالمراد من الحسد هاهنا: الغبطة أن يتمنى الرجل أن يكون له مثل ما لأخيه فيعمل به مثل ما يعمل أخوه، فهذا النوع من الحسد محمود، والمذموم: أن يتمنى الرجل ما لأخيه وعلمه لنفسه وزوالها لأخيه، {وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} [آل عمران: 19]، بكتاب الله تعالى ومعجزات النبي صلى الله عليه وسلم، والبراهين الواضحة والدلائل اللائحة بالحد، وطلب الجاه والرفعة في الدنيا وعلو المرتبة على الإخوان، {فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} [آل عمران: 19]؛ أي: يحاسبه بالعقاب سريعاً في الدنيا عاجلاً بأن يعاقبه بقسوة القلب وسواده، والبعد عن الحق ونسيانه واستيلاء الشيطان وسلطانه، واستيلاء الدنيا والحرص عليها ومتابعة النفس وهواها، وآجلاً: بأن يعذبه بعذاب الحجاب وشدة العقاب. ثم أخبر عن شرط الإسلام إنه التسليم، وليس على النبي صلى الله عليه وسلم إلا التبليغ والتعليم بقوله تعالى: {فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ} [آل عمران: 20]، إشارة في الآية: إن حقيقة الإسلام والدين هو الاستسلام بكلية الوجود إلى الله تعالى، راضياً بقضائه صابراً على بلائه، شاكراً للنعماء به، منقاداً لأوامره، منزجراً لنواهيه، محكوماً لأحكامه الأزلية، مريداً لإرادته القديمة، مفوضاً إليه أمر الدنيوية والأخروية، وبهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم ولمن اتبعه، {فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ} [آل عمران: 20]، ولا يصلح الاستسلام والمتابعة للعبد إلا بهذا الشرط، بهذا يصح الإقتداء وعلى هذا يكون الاهتداء، كما قال تعالى: {وَقُلْ لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ} [آل عمران: 20]، بهذا الشرائط {فَقَدِ ٱهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ} [آل عمران: 20]، عن هذه الشرائط {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَٰغُ} [آل عمران: 20]؛ أي: عليك التبليغ بهذه المعاني والشرائط إلى قلوبهم {أية : بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ} تفسير : [النحل: 125]، وتصرفات النبوة ظاهراً وباطناً {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ} [آل عمران: 20]، من يستحق الهداية فيهديه، ومن يستحق الضلالة فيجد له في الضلالة. ثم أخبر عن غاية جهالة أهل الضلالة بقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [آل عمران: 21]، الإِشارة في الآيتين: إن القلب الإنسان في إبطال استعداد قبول فيض الحق مراتب منها: بالحجبة من الفيض، فإذا زال الحجاب رجع إلى صفاته؛ وهو المعاصي يحجب القلب عن الفيض: كالسحاب تحجب الأرض عن فيض الشمس، فإذا أزال السحاب رجع الفيض، كذلك إذا زال الحجاب المعاصي عن القلب بالتوبة، رجع إليه فيض الحق، كما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "حديث : التائب من الذنب كمن لا ذنب له"تفسير : ، ومنها: ما يزيل صفاء القلب فيخرجه عن قبول الفيض: كالصداء مع المراتب؛ وهو: الكفر والشرك، فيحتاج في إزالة صداع الكفر إلى مصقل كلمة التوحيد، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن لكل شيء صقالة، وصقالة القلوب ذكر اللهتفسير : ، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الإسلام يمحو ما قبله"تفسير : ، ومنها: ما يحتل بالاستعداد الأصلي في قبول الفيض ويوجب الحرمان: كالمرآت المنقطعة بطل استعدادها في قبول العكس، إلا أن يطيع مرة أخرى ويضع كما كانا، فكذلك القلب إذا أبطل استعداده لا يقبل الفيض إلا أت تداركه العناية الأزلية سابق المشيئة؛ وهو {أية : ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلحَقِّ} تفسير : [الإسراء: 33]، كما قال تعالى: {أية : وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَٰلِداً فِيهَا}تفسير : [النساء: 93]، فقتل النفس بغير الحق وإن كان عظيماً عند الله، والقاتل كما أبطل بنيان شخص المقتول وهدمه فقد أبطل استعداد الكمالية عن نفسه، ولكنه قابل ليتدارك بمشيئة الله تعالى، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ {فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَٰلِداً فِيهَا} [النساء: 93]، قال: "إن جازاه"؛ يعني: جزاؤه الخلود إن شاء أن يجازيه فيخرجه، ومنها: ما يبطل الاستعداد الأصلي بالكلية فلا يقبل التدارك بمشيئته كما حكم في الأزل، {أية : سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً}تفسير : [الفتح: 23]، وهو قتل الأنبياء - عليهم السلام - كما قال تعالى: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} [آل عمران: 22]؛ أي: كل عمل روحاني حصل منهم في الباطل على وجه الاستكمال، {وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} [آل عمران: 22]؛ يعني: ليس من سنة الله أن ينصر من أبطل استعداده بالكلية بمثل هذا المعاملات في الدنيا والآخرة، في أصل الأمر إذ الإنسان خلق مستعداً؛ لقبول فيض أحدى الصفتين، إنما يكون بمعاملات الظاهر والباطن على وفق متابعة الأنبياء في قبول فيض اللطف بأن يغذي نفسه في متابعة الأنبياء؛ ليكون من خير البرية، ونقصان في قبول فيض القهر بأن يقتل الأنبياء؛ ليكون شر البرية، ولهذا الاختصاص في قبول كمال القهر، أن لا يقبل توبة في الدنيا والآخرة، ويحتمل أن يرجى لإبليس النجاة ولا يرجى له أبد الآبدين.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا تقرير من الله تعالى للتوحيد بأعظم الطرق الموجبة له، وهي شهادته تعالى وشهادة خواص الخلق وهم الملائكة وأهل العلم، أما شهادته تعالى فيما أقامه من الحجج والبراهين القاطعة على توحيده، وأنه لا إله إلا هو، فنوع الأدلة في الآفاق والأنفس على هذا الأصل العظيم، ولو لم يكن في ذلك إلا أنه ما قام أحد بتوحيده إلا ونصره على المشرك الجاحد المنكر للتوحيد، وكذلك إنعامه العظيم الذي ما بالعباد من نعمة إلا منه، ولا يدفع النقم إلا هو، والخلق كلهم عاجزون عن المنافع والمضار لأنفسهم ولغيرهم، ففي هذا برهان قاطع على وجوب التوحيد وبطلان الشرك، وأما شهادة الملائكة بذلك فنستفيدها بإخبار الله لنا بذلك وإخبار رسله، وأما شهادة أهل العلم فلأنهم هم المرجع في جميع الأمور الدينية خصوصا في أعظم الأمور وأجلها وأشرفها وهو التوحيد، فكلهم من أولهم إلى آخرهم قد اتفقوا على ذلك ودعوا إليه وبينوا للناس الطرق الموصلة إليه، فوجب على الخلق التزام هذا الأمر المشهود عليه والعمل به، وفي هذا دليل على أن أشرف الأمور علم التوحيد لأن الله شهد به بنفسه وأشهد عليه خواص خلقه، والشهادة لا تكون إلا عن علم ويقين، بمنزلة المشاهدة للبصر، ففيه دليل على أن من لم يصل في علم التوحيد إلى هذه الحالة فليس من أولي العلم. وفي هذه الآية دليل على شرف العلم من وجوه كثيرة، منها: أن الله خصهم بالشهادة على أعظم مشهود عليه دون الناس، ومنها: أن الله قرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته، وكفى بذلك فضلا ومنها: أنه جعلهم أولي العلم، فأضافهم إلى العلم، إذ هم القائمون به المتصفون بصفته، ومنها: أنه تعالى جعلهم شهداء وحجة على الناس، وألزم الناس العمل بالأمر المشهود به، فيكونون هم السبب في ذلك، فيكون كل من عمل بذلك نالهم من أجره، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ومنها: أن إشهاده تعالى أهل العلم يتضمن ذلك تزكيتهم وتعديلهم وأنهم أمناء على ما استرعاهم عليه، ولما قرر توحيده قرر عدله، فقال: { قائمًا بالقسط } أي: لم يزل متصفا بالقسط في أفعاله وتدبيره بين عباده، فهو على صراط مستقيم في ما أمر به ونهى عنه، وفيما خلقه وقدره، ثم أعاد تقرير توحيده فقال { لا إله إلا هو العزيز الحكيم } واعلم أن هذا الأصل الذي هو توحيد الله وإفراده بالعبودية قد دلت عليه الأدلة النقلية والأدلة العقلية، حتى صار لذوي البصائر أجلى من الشمس، فأما الأدلة النقلية فكل ما في كتاب الله وسنة رسوله، من الأمر به وتقريره، ومحبة أهله وبغض من لم يقم به وعقوباتهم، وذم الشرك وأهله، فهو من الأدلة النقلية على ذلك، حتى كاد القرآن أن يكون كله أدلة عليه، وأما الأدلة العقلية التي تدرك بمجرد فكر العقل وتصوره للأمور فقد أرشد القرآن إليها ونبه على كثير منها، فمن أعظمها: الاعتراف بربوبية الله، فإن من عرف أنه هو الخالق الرازق المدبر لجميع الأمور أنتج له ذلك أنه هو المعبود الذي لا تنبغي العبادة إلا له، ولما كان هذا من أوضح الأشياء وأعظمها أكثر الله تعالى من الاستدلال به في كتابه. ومن الأدلة العقلية على أن الله هو الذي يؤله دون غيره انفراده بالنعم ودفع النقم، فإن من عرف أن النعم الظاهرة والباطنة القليلة والكثيرة كلها من الله، وأنه ما من نقمة ولا شدة ولا كربة إلا وهو الذي ينفرد بدفعها وإن أحدا من الخلق لا يملك لنفسه - فضلا عن غيره- جلب نعمة ولا دفع نقمة، تيقن أن عبودية ما سوى الله من أبطل الباطل وأن العبودية لا تنبغي إلا لمن انفرد بجلب المصالح ودفع المضار، فلهذا أكثر الله في كتابه من التنبيه على هذا الدليل جدا، ومن الأدلة العقلية أيضا على ذلك: ما أخبر به تعالى عن المعبودات التي عبدت من دونه، بأنها لا تملك نفعا ولا ضرا، ولا تنصر غيرها ولا تنصر نفسها، وسلبها الأسماع والأبصار، وأنها على فرض سماعها لا تغني شيئا، وغير ذلك من الصفات الدالة على نقصها غاية النقص، وما أخبر به عن نفسه العظيمة من الصفات الجليلة والأفعال الجميلة، والقدرة والقهر، وغير ذلك من الصفات التي تعرف بالأدلة السمعية والعقلية، فمن عرف ذلك حق المعرفة عرف أن العبادة لا تليق ولا تحسن إلا بالرب العظيم الذي له الكمال كله، والمجد كله، والحمد كله، والقدرة كلها، والكبرياء كلها، لا بالمخلوقات المدبرات الناقصات الصم البكم الذين لا يعقلون، ومن الأدلة العقلية على ذلك ما شاهده العباد بأبصارهم من قديم الزمان وحديثه، من الإكرام لأهل التوحيد، والإهانة والعقوبة لأهل الشرك، وما ذاك إلا لأن التوحيد جعله الله موصلا إلى كل خير دافعا لكل شر ديني ودنيوي، وجعل الشرك به والكفر سببا للعقوبات الدينية والدنيوية، ولهذا إذا ذكر تعالى قصص الرسل مع أمم المطيعين والعاصين، وأخبر عن عقوبات العاصين ونجاة الرسل ومن تبعهم، قال عقب كل قصة: {أية : إن في ذلك لآية } تفسير : أي: لعبرة يعتبر بها المعتبرون فيعلمون أن توحيده هو الموجب للنجاة، وتركه هو الموجب للهلاك، فهذه من الأدلة الكبار العقلية النقلية الدالة على هذا الأصل العظيم، وقد أكثر الله منها في كتابه وصرفها ونوعها ليحيى من حي عن بينة، ويهلك من هلك عن بينة فله الحمد والشكر والثناء. ولما قرر أنه الإله الحق المعبود، بين العبادة والدين الذي يتعين أن يعبد به ويدان له، وهو الإسلام الذي هو الاستسلام لله بتوحيده وطاعته التي دعت إليها رسله، وحثت عليها كتبه، وهو الذي لا يقبل من أحد دين سواه، وهو متضمن للإخلاص له في الحب والخوف والرجاء والإنابة والدعاء ومتابعة رسوله في ذلك، وهذا هو دين الرسل كلهم، وكل من تابعهم فهو على طريقهم، وإنما اختلف أهل الكتاب بعد ما جاءتهم كتبهم تحثهم على الاجتماع على دين الله، بغيا بينهم، وظلما وعدوانا من أنفسهم، وإلا فقد جاءهم السبب الأكبر الموجب أن يتبعوا الحق ويتركوا الاختلاف، وهذا من كفرهم، فلهذا قال تعالى { وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيًا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب } فيجازي كل عامل بعمله، وخصوصا من ترك الحق بعد معرفته، فهذا مستحق للوعيد الشديد والعقاب الأليم، ثم أمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم عند محاجة النصارى وغيرهم ممن يفضل غير دين الإسلام عليه أن يقول لهم: قد { أسلمت وجهي لله ومن اتبعن } أي: أنا ومن اتبعني قد أقررنا وشهدنا وأسلمنا وجوهنا لربنا، وتركنا ما سوى دين الإسلام، وجزمنا ببطلانه، ففي هذا تأييس لمن طمع فيكم، وتجديد لدينكم عند ورود الشبهات، وحجة على من اشتبه عليه الأمر، لأنه قد تقدم أن الله استشهد على توحيده بأهل العلم من عباده ليكونوا حجة على غيرهم، وسيد أهل العلم وأفضلهم وأعلمهم هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ثم من بعده أتباعه على اختلاف مراتبهم وتفاوت درجاتهم، فلهم من العلم الصحيح والعقل الرجيح ما ليس لأحد من الخلق ما يساويهم أو يقاربهم، فإذا ثبت وتقرر توحيد الله ودينه بأدلته الظاهرة، وقام به أكمل الخلق وأعلمهم، حصل بذلك اليقين وانتفى كل شك وريب وقادح، وعرف أن ما سواه من الأديان باطلة، فلهذا قال { وقل للذين أوتوا الكتاب } من النصارى واليهود { والأميين } مشركي العرب وغيرهم { أأسلمتم فإن أسلموا } أي: بمثل ما أمنتم به { فقد اهتدوا } كما اهتديتم وصاروا إخوانكم، لهم ما لكم، وعليهم ما عليكم { وإن تولوا } عن الإسلام ورضوا بالأديان التي تخالفه { فإنما عليك البلاغ } فقد وجب أجرك على ربك، وقامت عليهم الحجة، ولم يبق بعد هذا إلا مجازاتهم بالعقاب على جرمهم، فلهذا قال { والله بصير بالعباد } .