٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
19
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: اتفق القرّاء على كسر {أن} إلا الكسائي فإنه فتح {أن} وقراءة الجمهور ظاهرة، لأن الكلام الذي قبله قد تم، وأما قراءة الكسائي فالنحويون ذكروا فيه ثلاثة أوجه: الأول: أن التقدير: شهد الله أنه لا إلٰه إلا هو أن الدين عند الله الإسلام وذلك لأن كونه تعالى واحداً موجب أن يكون الدين الحق هو الإسلام لأن دين الإسلام هو المشتمل على هذه الوحدانية والثاني: أن التقدير: شهد الله أنه لا إلٰه إلا هو، وأن الدين عند الله الإسلام الثالث: وهو قول البصريين أن يجعل الثاني بدلاً من الأول، ثم إن قلنا بأن دين الإسلام مشتمل على التوحيد نفسه كان هذا من باب قولك: ضربت زيداً نفسه، وإن قلنا: دين الإسلام مشتمل على التوحيد كان هذا من باب بدل الاشتمال، كقولك: ضربت زيداً رأسه. فإن قيل: فعلى هذا الوجه وجب أن لا يحسب إعادة اسم الله تعالى كما يقال: ضربت زيداً رأس زيد. قلنا: قد يظهرون الاسم في موضع الكناية، قال الشاعر:شعر : لا أرى المـوت يسبـق المـوت شي تفسير : وأمثاله كثيرة. المسألة الثانية: في كيفية النظم من قرأ {أَنَّ الدّينَ } بفتح {أن} كان التقدير: شهد الله لأجل أنه لا إلٰه إلا هو أن الدين عند الله الإسلام، فإن الإسلام إذا كان هو الدين المشتمل على التوحيد، والله تعالى شهد بهذه الوحدانية كان اللازم من ذلك أن يكون الدين عند الله الإسلام، ومن قرأ {إِنَّ الدّينَ } بكسر الهمزة، فوجه الاتصال هو أنه تعالى بيّن أن التوحيد أمر شهد الله بصحته، وشهد به الملائكة وأولوا العلم، ومتى كان الأمر كذلك لزم أن يقال {إِنَّ الدّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلَـٰمُ }. المسألة الثالثة: أصل الدين في اللغة الجزاء، ثم الطاعة تسمى ديناً لأنها سبب الجزاء، وأما الإسلام ففي معناه في أصل اللغة أوجه الأول: أنه عبارة عن الدخول في الإسلام أي في الانقياد والمتابعة، قال تعالى: {أية : وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَـٰمَ } تفسير : [النساء: 94] أي لمن صار منقاداً لكم ومتابعاً لكم والثاني: من أسلم أي دخل في السلم، كقولهم: أسنى وأقحط وأصل السلم السلامة الثالث: قال ابن الأنباري: المسلم معناه المخلص لله عبادته من قولهم: سلم الشيء لفلان، أي خلص له فالإسلام معناه إخلاص الدين والعقيدة لله تعالى، هذا ما يتعلق بتفسير لفظ الإسلام في أصل اللغة، أما في عرف الشرع فالإسلام هو الإيمان، والدليل عليه وجهان الأول: هذه الآية فإن قوله {إِنَّ الدّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلَـٰمُ } يقتضي أن يكون الدين المقبول عند الله ليس إلا الإسلام، فلو كان الإيمان غير الإسلام وجب أن لا يكون الإيمان ديناً مقبولاً عند الله، ولا شك في أنه باطل الثاني: قوله تعالى:{أية : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإسْلَـٰمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ } تفسير : [آل عمران: 85] فلو كان الإيمان غير الإسلام لوجب أن لا يكون الإيمان ديناً مقبولاً عند الله تعالى. فإن قيل: قوله تعالى: {أية : قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا } تفسير : [الحجرات: 14] هذا صريح في أن الإسلام مغاير للإيمان. قلنا: الإسلام عبارة عن الانقياد في أصل اللغة على ما بينا، والمنافقون انقادوا في الظاهر من خوف السيف، فلا جرم كان الإسلام حاصلاً في حكم الظاهر، والإيمان كان أيضاً حاصلاً في حكم الظاهر، لأنه تعالى قال: {أية : وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ } تفسير : [البقرة: 221] والإيمان الذي يمكن إدارة الحكم عليه هو الإقرار الظاهر، فعلى هذا الإسلام والإيمان تارة يعتبران في الظاهر، وتارة في الحقيقة، والمنافق حصل له الإسلام الظاهر، ولم يحصل له الإسلام الباطن، لأن باطنه غير منقاد لدين الله، فكان تقدير الآية: لم تسلموا في القلب والباطن، ولكن قولوا: أسلمنا في الظاهر، والله أعلم. أما قوله تعالى: {وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهِ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } فيه مسائل: المسألة الأولى: الغرض من الآية بيان إن الله تعالى أوضح الدلائل، وأزال الشبهات والقوم ما كفروا إلا لأجل التقصير، فقوله {وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } فيه وجوه: الأول: المراد بهم اليهود، واختلافهم أن موسى عليه السلام لما قربت وفاته سلم التوراة إلى سبعين حبراً، وجعلهم أمناء عليها واستخلف يوشع، فلما مضى قرن بعد قرن اختلف أبناء السبعين من بعد ما جاءهم العلم في التوراة بغياً بينهم، وتحاسدوا في طلب الدنيا والثاني: المراد النصارى واختلافهم في أمر عيسى عليه السلام بعد ما جاءهم العلم بأنه عبد الله ورسوله والثالث: المراد اليهود والنصارى واختلافهم هو أنه قالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله وأنكروا نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، وقالوا: نحن أحق بالنبوّة من قريش، لأنهم أميون ونحن أهل الكتاب. المسألة الثانية: قوله {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ٱلْعِلْمُ } المراد منه إلا من بعد ما جاءتهم الدلائل التي لو نظروا فيها لحصل لهم العلم، لأنا لو حملناه على العلم لصاروا معاندين والعناد على الجمع العظيم لا يصح، وهذه الآية وردت في كل أهل الكتاب وهم جمع عظيم. المسألة الثالثة: في انتصاب قوله {بَغِيّاً } وجهان الأول: قول الأخفش إنه انتصب على أنه مفعول له أي للبغي كقولك: جئتك طلب الخير ومنع الشر والثاني: قول الزجاج إنه انتصب على المصدر من طريق المعنى، فإن قوله {وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } قائم مقام قوله: وما بغى الذين أوتوا الكتاب فجعل {بَغِيّاً } مصدراً، والفرق بين المفعول له وبين المصدر أن المفعول له غرض للفعل، وأما المصدر فهو المفعول المطلق الذي أحدثه الفاعل. المسألة الرابعة: قال الأخفش قوله {بَغْياً بَيْنَهُمْ } من صلة قوله {ٱخْتَلَفَ } والمعنى: وما اختلفوا بغياً بينهم إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم، وقال غيره: المعنى وما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم إلا للبغي بينهم، فيكون هذا إخباراً عن أنهم إنما اختلفوا للبغي، وقال القفال: وهذا أجود من الأول، لأن الأول: يوهم أنهم اختلفوا بسبب ما جاءهم من العلم، والثاني: يفيد أنهم إنما اختلفوا لأجل الحسد والبغي. ثم قال تعالى: {وَمَن يَكْفُرْ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهِ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } وهذا تهديد، وفيه وجهان: الأول: المعنى فإنه سيصير إلى الله تعالى سريعاً فيحاسبه أي يجزيه على كفره والثاني: أن الله تعالى سيعلمه بأعماله ومعاصيه وأنواع كفره بإحصاء سريع مع كثرة الأعمال.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ} الدَّين في هذه الآية الطاعة والمِلّة، والإسلام بمعنى الإيمان والطاعات؛ قاله أبو العالية، وعليه جمهور المتكلمين. والأصل في مسمى الإيمان والإسلام التَّغَايُر؛ لحديث جبريل. وقد يكون بمعنى المَرادَفَة. فيسمى كل واحد منهما باسم الآخر؛ كماحديث : في حديث وفد عبد القيس وأنه أمرهم بالإيمان (بالله) وحده قال: «هل تدرون ما الإيمان» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال؛ «شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تؤدوا خمساً من المغنم»تفسير : الحديث. وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الإيمان بضع وسبعون بابا فأدناها إماطة الأذى وأرفعها قول لا إله إلا الله»تفسير : أخرجه الترمذي. وزاد مسلم «حديث : والحياء شعبة من الإيمان»تفسير : . ويكون أيضاً بمعنى التداخل، وهو أن يطلق أحدهما ويراد به مسماه في الأصل ومسمى الآخر، كما في هذه الآية إذ قد دخل فيها التصديق والأعمال؛ ومنه قوله عليه السلام: «حديث : الإيمان معرفة بالقلب وقول باللسان وعمل بالأركان» تفسير : أخرجه ٱبن ماجه، وقد تقدّم. والحقيقة هو الأوّل وضعا وشرعا، وما عداه من باب التوسع. والله أعلم. قوله تعالى: {وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} الآية. أخبر تعالى عن اختلاف أهل الكتاب أنه كان على علمٍ منهم بالحقائق، وأنه كان بغيا وطلبا للدنيا. قاله ٱبن عمر وغيره. وفي الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: وما اختلف الذين أوتوا الكتاب بغيا بينهم إلا من بعد ما جاءهم العلم، قاله الأخفش. قال محمد ابن جعفر بن الزبير: المراد بهذه الآية النصارى، وهو توبيخ لنصارى نَجْرَانَ. وقال الربيع بن أنس: المراد بها اليهود. ولفظ الذين أوتوا الكتاب يعمّ اليهود والنصارى؛ أي «وما اختلف الذين أوتوا الكتاب» يعني في نبوَّة محمد صلى الله عليه وسلم «إلاّ مِنْ بَعْد مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ» يعني بيان صفته ونبوَّته في كتبهم. وقيل: أي وما آختلف الذين أوتوا الإنجيل في أمر عيسى وفرّقوا فيه القول إلا من بعد ما جاءهم العلم بأن الله إله واحد، وأن عيسى عبدالله ورسوله. و «بَغْياً» نصب على المفعول من أجله أو على الحال من «الذين». والله تعالى أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ الدّينَ } المرضيّ {عَندَ ٱللَّهِ } هو {ٱلإسْلَٰمُ } أي الشرع المبعوث به الرسل المبني على التوحيد وفي قراءة بفتح «إنّ» بدل من أنه الخ بدل اشتمال {وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ } اليهود والنصارى في الدين بأن وحَّد بعض وكفر بعض {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ٱلْعِلْمُ } بالتوحيد {بَغِيّاً } من الكافرين {بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَٰتِ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهِ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } أي المجازاة له.
ابن عطية
تفسير : قد تقدم ذكر اختلاف القراء في كسر الألف من {إن الذين} وفتحها، و {الدين} في هذه الآية الطاعة والملة، والمعنى، أن الدين المقبول أو النافع أو المقرر، و {الإسلام} في هذه الآية هو الإيمان والطاعة، قاله أبو العالية وعليه جمهور المتكلمين، وعبر عنه قتادة ومحمد بن جعفر بن الزبير بالإيمان. قال أبو محمد رحمه الله: ومرادهما، أنه من الأعمال، و {الإسلام} هو الذي سأل عنه جبريل النبي عليه السلام حين جاء يعلم الناس دينهم الحديث وجواب النبي له في الإيمان الإسلام يفسر ذلك، وكذلك تفسيره قوله عليه السلام: بني الإسلام على خمس، الحديث، وكل مؤمن بنبيه ملتزم لطاعات شرعه فهو داخل تحت هذه الصفة، وفي قراءة ابن مسعود "إن الدين عند الله للإسلام" باللام ثم أخبر تعالى عن اختلاف أهل الكتاب، أنه كان على علم منهم بالحقائق، وأنه كان بغياً وطلباً للدنيا، قاله ابن عمر وغيره. و {والذين أوتوا الكتاب} لفظ يعم اليهود والنصارى، لكن الربيع بن أنس قال، المراد بهذه الآية اليهود، وذلك أن موسى عليه السلام، لما حضرته الوفاة، دعا سبعين حبراً من أحبار بني إسرائيل فاستودعهم التوراة، عند كل حبر جزء، واستخلف يوشع بن نون فلما مضت ثلاثة قرون، وقعت الفرقة بينهم، وقال محمد ابن جعفر بن الزبير: المراد بهذه الآية النصارى، وهي توبيخ لنصارى نجران، و {بغياً} نصب على المفعول من أجله أو على الحال من {الذين} ثم توعد عز وجل الكفار، وسرعة الحساب يحتمل أن يراد بها سرعة مجيء القيامة والحساب إذ هي متيقنة الوقوع، فكل آت قريب ويحتمل أن يراد بسرعة الحساب أن الله تعالى بإحاطته بكل شيء علماً لا يحتاج إلى عد ولا فكرة، قاله مجاهد.
ابن عبد السلام
تفسير : {الدِّينَ} هنا الطاعة أي طاعته هي الإسلام، من السلامة، لأنه يقود إليها، أو من التسليم، لأمره في العمل بطاعته. {الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ} اليهود، أو النصارى، أو أهل الكتب كلها. {بَغْيَا} عدول عن الحق بغير عناد.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {وما اختلف الذين أوتوا الكتاب} قال الكلبي: نزلت في اليهود والنصارى حين تركوا الإسلام والمعنى: وما اختلف الذين أوتوا الكتاب في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم {إلا من بعد ما جاءهم العلم} يعني بيان نعته وصفته في كتبهم. وقال الربيع: إن موسى عليه السلام لما حضره الموت دعا سبعين رجلاً من خيار بني إسرائيل وأودعهم التوراة واستخلف يوشع بن نون، فلما مضى القرن الأول والثاني والثالث وقعت الفرقة والاختلاف، بينهم، وهم الذين أوتوا الكتاب وهم من أبناء الملوك السبعين حتى أهرقوا الدماء ووقع الشر والاختلاف، وذلك بعد ما جاءهم العلم يعني بيان ما في التوراة من الأحكام {بغياً بينهم} أي طلباً بينهم للملك والرياسة فسلط الله عليهم الجبابرة. وقيل: نزلت في نصارى نجران ومعناه وما اختلف الذين أوتوا الكتاب يعني الإنجيل واختلافهم كان في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام، وما ادعوا فيه من الإلهية إلا من بعد ما جاءهم العلم. يعني بأن الله تعالى واحد أحد وأن عيسى عبده ورسوله بغياً بينهم يعني المعاداة والمخالفة. {ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب} فيه وعيد وتهديد لمن أصر على الكفر من اليهود والنصارى الذين جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
ابن عادل
تفسير : قرأ الكسائي بفتح الهمزة، والباقون بكسرها، فأما قراءة الجماعةِ فعلى الاستئناف، وهي مؤكِّدة للجملة الأولى. قال الزمخشريُّ: "فإن قلتَ: ما فائدة هذا التوكيد؟ قلت: فائدته أن قوله: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} توحيد، وقوله: "قائِماً بِالقِسْط" تعديلٌ، فإذا أردفه بقوله: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ} فقد آذَن أن الإسلام هو العدل والتوحيد، وهو الدين عند الله، وما عداه فليس في شيء من الدين عنده". وأما قراءة الكسائي ففيها أوجه: أحدها: أنها بدل من {أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} - على قراءة الجمهورِ - في أن {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} فيها وجهان: أحدهما: أنه من بدل الشيء من الشيء، وذلك أن الدين - الذي هو الإسلام - يتضمن العدلَ، والتوحيد، وهو هو في المعنى. والثاني: أنه بدل اشتمال؛ لأن الإسلام يشتمل على التوحيدِ والعدلِ. والثاني من الأوْجُهِ السابقةِ: أن يكون "إنَّ الدِّينَ" بدلاً من قوله "بِالْقِسْطِ" ثم لك اعتباران: أحدهما: أن تجعله بدلاً من لفظه، فيكون محل "إنَّ الدِّينَ" الجر. والثاني: أن تجعلَه بدلاً من موضعه، فيكون محلها نصباً، وهذا - الثاني - لا حاجة إليه - وإن كان أبو البقاء ذَكَرَه. وإنما صحَّ البدلُ في المعنى؛ لأن الدين - الذي هو الإسلامُ - قِسْط وعَدْل، فيكون - أيضاً - من بدل الشيء من الشيء - وهما لعينٍ واحدة -. ويجوز أن يكون بدل اشتمال؛ لأن الدين مشتمل على القسط - وهو العدل - وهذه التخاريج لأبي علي الفارسي، وتبعه الزمخشريُّ في بعضها. قال أبو حيّان: "وهو - أبو علي - معتزليّ، فلذلك يشتمل كلامُه على لفظ المعتزلة من التوحيد والعدل، وعلى البدل من أنه خرجه هو وغيره، وليس بجيد؛ لأنه يؤدي إلى تركيب بعيد أن يأتي في كلام العرب وهو: عَرَفَ زَيْدٌ أنَّهُ لاَ شُجَاعَ إلاَّ هُوَ وَبَنُو تَمِيمٍ وَبَنُو دَارِمٍ مُلاَقِياً لِلْحُرُوبِ، لاَ شُجَاعَ إلاَّ هُوَ الْبَطَلُ الْحَامِي، إنَّ الخصلةَ الحميدةَ هي البسالةُ، وتقريب هذا المثال: ضرب زيدٌ عائشة، والعُمرانِ حَنِقاً أختك، فحَنقاً، حال من "زيد" و "أختك" بدل من "عائشة" ففصل بين البدل والمبدل منه بالعطف - وهذا لا يجوز - والحال لغير المبدل منه - وهو لا يجوز -؛ لأنه فصل بأجنبي بين البدل والمبدل منه". قوله عرف زيد هو نظير "شَهِدَ اللهُ"، وقوله: أنه لا شجاع إلا هو نظير {أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} وقوله: وبنو دارم نظير قوله: "وَالْمَلاَئِكَةُ" وقوله: ملاقياً للحروب نظير قوله: "قَائِماً بِالْقِسْطِ" وقوله: لا شجاع إلا هو نظير قوله: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} فجاء به مكرَّراً - كما في الآية - وقوله: البطل الحامي نظير قوله "الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" وقوله: إن الخصلةَ الحميدةَ هي البسالةُ نظير قوله: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ}. قال شهابُ الدين: "ولا يظهر لي منعُ ذلك ولا عدمُ صحةِ تركيبهِ، حتى يقول: ليس بجيِّد، وبعيد أن يأتي عن العرب مثلُه، وما ادَّعاه بقوله - في المثال الثاني -: إن فيه الفصل بأجنبيٍّ فيه نظر؛ إذْ هذه الجمل صارت كلُّها كالجملةِ الواحدةِ؛ لما اشتملت عليه من تقويةِ كلمات بعضها ببعض، وأبو علي وأبو القاسم وغيرُهما لم يكونوا في محل مَنْ يَجْهَل صحةَ تركيبِ بعضِ الكلام وفساده". ثم قال أبو حيّان: "قال الزمخشريُّ: وقُرِئَتَا مفتوحتَيْن على أن الثاني بدل من الأول، كأنه قيل: شهد الله أن الدين عند الله الإسلام، والمبدَل هو المبدَل منه في المعنى، فكان بياناً صريحاً؛ لأن دينَ الإسلام هو التوحيد والعدل" فقال: فَهَذَا نَقْل كَلاَمِ أبي عَلِيٍّ دُونَ استيفاء. الثالث - من الأوجه -: أن يكون "إنَّ الدِّينَ" معطوفاً على {أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} حذف منه حرف العطف، قاله ابن جرير، وضعفه ابن عطية، ولم يُبَيِّن وَجْهَ ضَعْفه. قال أبو حيان: "ووجه ضَعْفِه أنه متنافر التركيب مع إضمار حرف العطف، فيفصل بين المتعاطفَين المرفوعين بالمنصوب المفعول، وبين المتعاطفين المنصوبين بالمرفوع المشارك الفاعل في الفاعلية وبجملتي الاعتراض، وصار في التركيب دون مراعاة الفصل، نحو أكل زيدٌ خُبْزاً، وعَمْرو سَمَكاً، يعني فصلت بين زيد وعمرو بـ "خبزاً" وفصلت بين "خبزاً" و "سمكاً" بـ "عمرو"؛ إذ الأصل - قبل الفصل -أكل زيد وعمرو خبزاً وسمكاً". الرابع: أن يكون معمولاً لقوله: {شَهِدَ ٱللَّهُ}، أي: شهد الله بأن الدين، فلما حذف حرف الجر جاز أن يحكم على موضعه بالنصب، أو الجر. فإن قلت: إنما يتجه هذا التخريجُ على قراءة ابن عباس، وهي كسر "أنّ" الأولى، وتكون الجملة - حينئذ - اعتراضاً بين "شَهِدَ" وبين معموله كما تقدم، وأما على قراءة فتح "أن" الأولى - وهي قراءة العامة - فلا يتجه ما ذكرتَ من التخريج؛ لأن الأولى معمولة له، استغنى بها. فالجوابُ: أن ذلك مُتَّجِهٌ - أيضاً - مع فتح الأولى، وهو أن يُجْعَل الأولى على حذف لام العلة تقديره: شهد الله أن الدين عند الله الإسلام؛ لأنه لا إله إلا هو، وهذا التخريج ذكره الواحديُّ، وقال: "هذا معنى قول الفراء حيث يقول - في الاحتجاج للكسائي -: إن شئت جعلت "أنه" على الشرط، وجعلنا الشهادة واقعة على قوله: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ}، ويكون "إنَّ" الأولى يصلح فيها الخفض، كثولك: شهد الله لوحدانية أن الدين عند الله الإسلام". وهو كلام مُشْكِلٌ في نفسه، ومعنى قوله على الشرط، أي: العلة، سمَّى العلةَ شرطاً؛ لأن المشروطَ متوقفٌ عليه كتوقف المعلول على علته، فهو علة، إلا أنه خلاف اصطلاح النحويين. ثم اعترض الواحدي على هذا التخريج بأنه لو كان كذلك لم يَحْسُن إعادة اسم "الله"، ولكان التركيب: إن الدين عنده الإسلام؛ لأن الاسم قد سَبَق، فالوجه الكناية. ثم أجاب بأن العربَ رُبَّما أعادت الاسم موضعَ الكناية، وأنشد: [الخفيف] شعر : 1372- لاَ أرَى الْمَوْتَ يَسْبِقُ الْمَوْتَ شَيءٌ نَغَّصَ الْمَوْتُ ذَا الْغِنَى وَالفقِيرَا تفسير : يعني أنه من باب إيقاع الظاهر موقع المضمر، ويزيده - هنا - حُسْناً أنه في موضع تعظيم وتفخيم. الخامس: أن تكون على حذف حرف الجر معمولة للفظ "الْحَكِيم"، كأنه قيل: الحكيم بأن، أي: الحاكم بأن فـ "حَكِيم" مثال مبالغة، مُحَوَّل من فاعل، فهو كالعليم والخبير والبصير، أي: المبالغ في هذه الأوصاف، وإنما عَدَل عن لفظ "حاكم" إلى "حكيم" - مع زيادة المبالغة -؛ لموافقة "الْعَزِيز"، ومعنى المبالغة: تكرار حكمهِ - بالنسبة إلى الشرائع - أن الدينَ عند الله الإسلام؛ إذْ حَكَم في كلّ شريعة بذلك، قاله أبو حيّان، ثم قال: فإن قلتَ: لم حَمَلْتَ "الْحَكِيم" على أنه مُحوَّل من "فاعل" إلى فعيل؛ للمبالغة، وهَلاَّ جعلته "فَعِيلا"، بمعنى "مُفْعِل" فيكون معناه "الْمُحكِم" كما قالوا في "أليم": إنه بمعنى "مُؤْلِم" وفي "سميع" من قول الشاعر: [الوافر] شعر : 1373- أمِنْ رَيْحَانَة الدَّاعي السَّمِيع .......................... تفسير : أي: المُسْمِع؟ فالجوابُ: أنا لا نسلم أن "فَعِيلا" يأتي بمعنى "مفعل"، وقد يؤول "أليم" و "سميع" على غير "مفعل"، ولئن سلمنا ذلك، فهو من الندور والشذوذ، بحيث لا يَنْقاس، [وأما] "فعيل" محوَّل من "فاعل"؛ للمبالغة فهو منقاس؛ كثير جداً، خارج عن الحصر، كعليم، وسميع، وقدير، وخبير، وحفيظ إلى ألفاظ لا تُحْصَى كَثْرَةً، وأيضاً فإن العربيَّ الْقُحَّ، الباقي على سجيته لم يفهم من "حكيم" إلا أنه محوَّل من "فاعل"؛ للمبالغة، ألا ترى أنه لما سمع قارئاً يقرأ {أية : وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ ٱللَّهِ} تفسير : [المائدة: 38] والله غفور رحيم أنكر أن تكون فاصلة هذا التركيب السابق {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، فقيل له: التلاوة: {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}، فقال: هكذا يكون، عَزَّ فَحَكَم فقطع، ففَهِم من "حكيم" أنه محوَّل - للمبالغة - من "حاكم"، وفَهْم هذا العربيِّ حُجَّةٌ قاطعةٌ بما قلناه، وهذا تخريج سَهْل، سائغ جداً، يزيل تلك التكلفات والتركيبات التي يُنزّه كتابُ الله عنها، وأما على قراءة ابن عباس فكذلك نقول، ولا نجعل {إِنَّ الدِّينَ} معمولاً لِـ "شَهِدَ" - كما فهموا - وأن {أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} اعتراض - يعني بين الحال وصاحبها، وبين معموله - بل نقول: معمول "شَهِدَ" هو "إنَّهُ" - بالكسر - على تخريج من خرج أن "شَهِدَ" - لما كان بمعنى القول - كسر ما بعده؛ إجراءً له مُجْرَى القول. أو نقول: إنه معموله، وعلقت، ولم تدخل اللام في الخبر؛ لأنه منفي، بخلاف ما لو كان مثبتاً فإنك تقول: شهدت إنَّ زيداً لَمُنْطَلِقٌ، فتعلق بـ "إنَّ" مع وجود اللام؛ لأنه لو لم تكن اللام لفتحت "إنَّ"، فقلت: شهدت أنَّ زَيْداً منطلقٌ، فمن قرأ بفتح "أنَّه"، فإنه لم يَنْو التعليقَ، ومن كسر فإنه نوى التعليق، ولم تدخل اللام في الخبر؛ لأنه منفي كما ذكرنا. قال شهاب الدينِ: وكان الشيخ - لما ذكر الفصل والاعتراض بين كلمات هذه الآية - قال ما نصه: "وأما قراءة ابن عباس فتخرج على أن {إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ} هو معمول "شَهِدَ" ويكون في الكلام اعتراضان: أحدهما: بين المعطوف عليه والمعطوف وهو {أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ}. والثاني بين المعطوف والحال وبين المفعول لـِ "شَهِدَ", وهو {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} وإذا أعربنا {الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} خبرَ مبتدأ محذوفٍ كان ذلك ثلاثة اعتراضات، انظر هذه التوجيهات البعيدة، التي لا يقدر أحد على أن يأتي لها بنظيرٍ من كلام العربِ، وإنما حمل على ذلك العُجْمَةُ، وعدمُ الإمعان في تراكيب كلام العربِ، وحِفْظِ أشعارِها". قال شهاب الدينِ: "ونسبة كلامِ أعلام الأئمة إلى العجمة، وعدم معرفتهم بكلام العرب، وحملهم كلام الله على ما لا يجوز، وأن هذا - الذي ذكره - هو تخريج سهل واضح، غير مقبول ولا مُسَلَّم، بل المتبادر إلى الذهن ما نقله الناسُ، وتلك الاعتراضات بين أثناء تلك الآيةِ الكريمةِ موجودٌ نظيرُها في كلامِ العربِ، وكيف يجهل الفارسي والزمخشريُّ والفراءُ وأضرابهم ذلك؟ وكيف يَتَبَجَّحُ باطِّلاعه على ما لم يَطلع عليه مثلُ هؤلاء؟ وكيف يظن بالزمخشري أنه لا يعرفُ مواقعَ النظم، وهو المسلَّم له في علم المعاني والبيان والبديع، ولا يَشُك أحد أنه لا بد لمن يتعرض إلى علم التفسير أن يعرفَ جملةً صالحةً من هذه العلوم". قوله: {عِنْدَ ٱللَّهِ} ظرف، العامل فيه لفظ "الدِّين"؛ لما تضمنه من معنى الفعل. قال أبو البقاء: "ولا يكون حالاً؛ لأن "إنَّ" لا تعمل في الحال". قال شهاب الدين: قد جوز في "ليت" وفي "كأن" أن تعمل في الحال". قالوا: لما تضمنته هذه الأحرف من معنى التمني والتشبيه، فـ "إن" للتأكيد، فلْتَعْمَل في الحال - أيضاً - فليست تتباعد عن "الهاء" التي للتنبيه. قيل: هي أولى منها، وذلك أنها عاملة، و "هاء" ليست بعاملة، فهي أقرب لشبه الفعل من هاء. فصل الدين - في أصل اللغة - عبارة عن الانقياد والطاعة والتسليم والمتابعة، قال تعالى: {أية : وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً}تفسير : [النساء: 94]، أي: لمن صار منقاداً لكم، ومتابعاً، والإسلام هو الدخول في السلم، يقال: أسلم، أي: دخل في السلم، كقولهم: أشتى، وأقحط، وأصل السِّلم: السلامة، وقال ابن الأنباري: "المُسْلِم" معناه المخلص لله عبادته، من قولهم: سَلِم الشيء لفلان، أي: خَلصَ، فالإسلام معناه: إخلاص الدين والعقيدة لله تعالى". وأما في عرف الشرع فالإسلام هو الإيمان؛ لوجهين: أحدهما: هذه الآية؛ لأن قوله: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ} يقتضي أن الدين المقبول عند الله ليس إلا الإسلام، فلو كان الإيمانُ غيرَ الإسلام وجب أن لا يكون الإيمان ديناً مقبولاً عند الله - وهو باطل -. الثاني: قوله تعالى: {أية : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} تفسير : [آل عمران: 85] فلو كان الإيمانُ غيرَ الإسلام لوجب أن لا يكون مقبولاً عند الله تعالى. قال القرطبيُّ: الإسلام هو الإيمان، بمعنى التداخل، وهو أن يُطْلَق أحدهما ويُراد به مسماه في الأصل ومُسمَّى الآخر، كما في هذه الآية؛ إذ قد دخل فيهما التصديق والأعمال، ومنه قوله - عليه السلام -: "حديث : الإيمانَ مَعْرِفةٌ بالْقَلْبِ، وقَوْلٌ باللِّسَان، وعَمَلٌ بالأرْكَانِ" تفسير : أخرجه ابن ماجه. فإن قيل: قوله تعالى: {أية : قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا} تفسير : [الحجرات: 14] صريح في أن الإسلام غير الإيمان. فالجواب: أن الإسلام عبارة عن انقياد - كما بينَّا في أصل اللغة - والمنافقون انقادوا في الظاهر من خوف السيف - فلا جرم - كان الإسلام حاصلاً في الظاهر، والإيمان - أيضاً - كان حاصلاً في حكم الظاهر؛ لأنه - تعالى - قال: {أية : وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ}تفسير : [البقرة: 221] والإيمان الذي يُبيح النكاحَ في الحكم - هو الإقرار الظاهر، فعلى هذا، الإسلام والإيمان تارةً يُعتبران في الظاهر دون الباطن، وتارة في الباطن والظاهر، فالأول هو النفاق، وهو المراد بقوله: "قَالَتِ الأعْرَابُ"؛ لأن باطن المنافق غير منقاد لدين الله تعالى، فكان تقدير الآية: لم تسلموا في القلب والباطن، ولكن قولوا: أسلمْنا في الظاهر. فصل قال قتادة - في قوله تعالى-: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ}، شهادة ألا إله إلا الله، والإقرار بما جاء من عند الله، وهو دين الله الذي شرع لنفسه، وبعث به رُسُلَه وَدَلَّ عليه أولياءه، لا يقبلُ غيرَه، ولا يَجْزِي إلا به. روى غالب القطان، قال: أتيتُ الكوفةَ في تجارة، فنزلتُ قريباً من الأعمش، فكنت أختلف إليه، فلما كنت ذاتَ ليلةٍ، أردت أن أنحدر إلى البصرة، قام من الليل يتهجد، فمرَّ بهذه الآيةِ: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} تفسير : [آل عمران: 18] قال الأعمش: وأنا أشهدُ بما شَهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة، وهي لي - عند الله - وديعة، {إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ} - قالها مراراً. قلت: لقد سمع فيها شيئاً، فصليْت معه، وودعته، ثم قلت: إني سمعتُكَ تُرَدِّدُهَا، فما بلغك؟ قال: واللهِ لا أحَدثُكَ بها إلى سنةٍ، فكتَبْتُ على بابه ذلك اليومَ، وأقمتُ سنةً، فلمَّا مضت السنةُ، قلتُ: يا أبا محمد، قد مضت السنةُ، فقال: حَدَّثني من حدثني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يُجَاء بِصَاحِبهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ اللهُ تعالى: إنَّ لِعَبْدِي هذا - عندي - عهداً، وَأنا أحَقُّ مَنْ وَفَى بِالْعَهْدِ، أدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ ". تفسير : قوله تعالى: {وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهِ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ}. قال الكلبي: نزلت في اليهود والنصارى حين تركوا الإسلام، أي: وما اختلف الذين أوتوا الكتابَ في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلاَّ من بعد ما جاءهم العلم، يعني بيان نعته في كتبهم. وقال الربيع: إن موسى - عليه السلام - لما حضره الموتُ دعا سبعين رجلاً من أحبار بني إسرائيل، فاستَوْدَعَهم التوراة، واستخلف يُوشَعَ بن نون، فلما مضى القرنُ الأولُ, والثاني, والثالث, وقعت الفرقةُ بينهم, -وهم الذين أوتوا الكتاب من أبناء أولئك السبعين - حتى أهرقوا بينهم الدماء، ووقع الشَّرُّ والاختلافُ، وذلك {مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ} يعني بيان ما في التوراة، {بَغْياً بَيْنَهُمْ} أي: طلباً للملك والرياسة، فسلط الله عليهم الجبابرةَ. قال محمدُ بنُ جفعر بن الزبير: نزلت في نصارى نجران، معناها: {وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} يعني الإنجيل في أمر عيسى، وفرَّقوا القول فيه: {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ} بأن الله واحد، وأن عيسى عبدُ الله ورسوله، {بَغْياً بَيْنَهُمْ}، أي: المعاداة والمخالفة. وقيل: المراد اليهود والنصارى، واختلافهم هو قولُ اليهودِ: عُزَيْرٌ ابنُ الله، وقول النصارى: المسيح ابنُ الله، وأنكروا نبوة محمد، قالوا: نحن أحق بالنبوة من قريش، لأنهم أميُّونَ، ونحن أهل الكتاب. وقوله: {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ} أي: الدلائل التي لو نظروا فيها لحصل لهم العلم؛ لأنا لو حملناهم على العلم لصاروا معاندين، والعناد على الجمع العظيم لا يصح. [وهذه الآية وردت في كل أهل الكتاب، وهو جمع عظيم. وقال الأخفش: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: وما اختلف الذين أوتوا الكتاب؛ بغياً بينهم إلا من بعد ما جاءهم العلم. وقال ابن عمر وغيره: أخبر - تعالى - عن] اختلاف أهل الكتاب أنه كان على علم منهم بالحقائقِ، وأنه كان بغياً وطلباً للدنيا. وفي الكلام تقديم وتأخير، فالمعنى: وما اختلف الذين أوتوا الكتاب بغياً بينهم إلا من بعد ما جاءهم العلم. قوله: "بَغْياً" فيه أوجه: أحدها: أنه مفعول من أجله، العامل فيه "اخْتَلَفَ" والاستثناء مُفَرَّغ، والتقدير: وما اختلفوا إلا للبغي لا لغيره، قاله الأخفش، ورجحه أبو علي. الثاني: أنه مصدر في محل نصب على الحال من "الذين" كأنه قيل: ما اختلفوا إلا في هذه الحال، والاستثناء مُفَرَّغ أيضاً. الثالث: أنه منصوب على المصدر، والعامل فيه مقدَّر، كأنه لما قيل: {وَمَا اخْتَلَفَ} دل على معنى: وما بغى، فهو مصدر، قاله الزّجّاجُ، ووقع بعد "إلا" مستثنيان، وهما: "مِنْ بَعْدِ" و "بَغْياً" وقد تقدم تخريج ذلك. قال الأخفش: قوله: "بَغْياً" من صلة قوله: "اخْتَلَفُوا"، والمعنى: وما اختلفوا بغياً بينهم إنما اختلفوا للبغي. قال القفّالُ: وهذا أجودُ من الأول؛ لأن الأولَ يُوهِمُ أنَّ اختلافَهم بسبب مجيء العلم، والثاني يفيد أن اختلافهم لأجل الحَسَدِ والبغي. قوله: {وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} "مَنْ" مبتدأ، وفي خبره الأقوال الثلاثة - أعني: فعل الشرط وحده، أو الجواب وحده، أو كلاهما - وعلى القول بكونه الجواب وحده لا بد من ضمير مقدَّر، أي: سريع الحساب له. فصل وهذا تهديد، وفيه وجهان: الأول: المعنى: فإنه سيصير إلى الله تعالى سريعاً، فيحاسبه، أي: يُجازيه على كُفْره. الثاني: أن الله تعالى سيُعْلِمه بأعماله معاصيه وأنواع كفره، بإحصاء سريع، مع كَثْرَةِ الأعمال.
ابو السعود
تفسير : {إِنَّ الدّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلَـٰمُ} جملةٌ مستأنفة مؤكدةٌ للأولى أي لا دينَ مرضياً لله تعالى سوى الإسلام الذي هو التوحيدُ والتدرُّع بالشريعة الشريفة، وعن قتادة أنه شهادةُ {أية : أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهِ } تفسير : [محمد، الآية: 19] والإقرارُ بما جاء من عند الله تعالى وقرىء إن الدين عند الله الإسلام وقرىء أن الدين الخ على أنه بدلُ الكل إن فُسر الإسلامُ بالإيمان أو بما يتضمنه وبدلُ الاشتمال إن فسر بالشريعة أو على أن شهد واقعٌ عليه تقديرُ قراءةِ إنه بالكسر كما أشير إليه {وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ} نزلت في اليهود والنصارى حين تركوا الإسلامَ الذي جاء به النبـيُّ صلى الله عليه وسلم وأنكروا نبوّته، والتعبـيرُ عنهم بالموصول وجعْلُ إيتاءِ الكتاب صلةً لزيادة تقبـيحِ حالهم فإن الاختلاف ممن أوتي ما يزيلُه ويقطع شأفته في غاية القُبح والسماجة وقوله تعالى: {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ٱلْعِلْمُ} استثناءٌ مفرَّغ من أعم الأحوال أو أعم الأوقات أي وما اختلفوا في حال من الأحوال أو في وقت من الأوقات إلا بعد أن علموا بأنه الحقُّ الذي لا محيدَ عنه أو بعد أن علموا حقيقةَ الأمرِ وتمكّنوا من العلم بها بالحُجج النيّرة والآيات الباهرةِ وفيه من الدِلالة على ترامي حالِهم في الضلالة ما لا يزيد عليه فإن الاختلافَ بعد حصول تلك المرتبةِ مما لا يصدر عن العاقل وقوله تعالى: {بَغْياً بَيْنَهُمْ} أي حسداً كائناً بـينهم وطلباً للرياسة لا لشبهة وخفاءٍ في الأمر، تشنيعٌ إثرَ تشنيعٍ. {وَمَن يَكْفُرْ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ} أي بآياته الناطقةِ بما ذكر من أن الدينَ عند الله تعالى هو الإسلامُ ولم يعمَلْ بمقتضاها أو بأية آيةٍ كانت من آياته تعالى على أن يدخل فيها ما نحن فيه دخولاً أولياً {فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} قائمٌ مقامَ جوابِ الشرطِ علةٌ له أي ومن يكفرْ بآياته فإنه يجازيه ويعاقبه عن قريب فإنه سريعُ الحساب أي يأتي حسابُه عن قريب أو يتم ذلك بسرعة، وإظهارُ الجلالة لتربـية المهابة وإدخالِ الروعة، وفي ترتيب العقاب على مطلق الكفرِ بآياته تعالى من غير تعرضٍ لخصوصية حالِهم - من كون كفرِهم بعد إيتاء الكتاب وحصولِ الاطلاع على ما فيه وكونِ ذلك للبغي - دلالةٌ على كمال شدة عقابهم {فَإنْ حَاجُّوكَ} أي في كون الدين عند الله الإسلامَ أو جادلوك فيه بعد ما أقمت عليهم الحجج {فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ} أي أخلصتُ نفسي وقلبـي وجملتي، وإنما عبر عنها بالوجه لأنه أشرفُ الأعضاء الظاهرة ومظهرُ القُوى والمشاعر ومجمعُ معظم ما تقع به العبادةُ من السجودِ والقراءة وبه يحصل التوجُّه إلى كل شيء {لِلَّهِ} لا أشرك به فيها غيرَه وهو الدينُ القويم الذي قامت عليه الحججُ ودعت إليه الآياتُ والرسلُ عليهم السلام {وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ} عطفٌ على المتصل في أسلمتُ وحسُن ذلك لمكان الفصل الجاري مَجرىٰ التأكيد بالمنفصل أي وأسلم من اتبعني أو مفعول معه {وَقُلْ لّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ} أي من اليهود والنصارى، وُضِع الموصولُ موضعَ الضمير لرعاية التقابل بـين وصفي المتعاطِفَيْن {وَٱلأُمّيّينَ} أي الذين لا كتابَ لهم من مشركي العرب {ءَأَسْلَمْتُمْ} متّبعين لي كما فعل المؤمنون فإنه قد أتاكم من البـينات ما يوجبه ويقتضيه لا محالة فهل أسلمتم وعمِلتم بمقتضاها، أو أنتم على كفركم بعدُ؟ كما يقول من لخّص لصاحبه المسألة ولم يدَعْ من طرق التوضيح والبـيان مسلكاً إلا سلكه فهل فهِمتها؟ على منهاج قوله تعالى: {أية : فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} تفسير : [المائدة، الآية 91] إثرَ تفصيلِ الصوارفِ عن تعاطي الخمر والميسِر وفيه من استقصارهم وتعبـيرِهم بالمعاندة وقلةِ الإنصافِ وتوبـيخِهم بالبلادة وكلّة القريحةِ ما لا يخفى. {فَإِنْ أَسْلَمُواْ} أي كما أسلمتم وإنما لم يصرّح به كما في قوله تعالى: {فَإِنْ ءَامَنُواْ بِمِثْلِ مَا ءَامَنتُمْ بِهِ} حسماً لباب إطلاق اسم الإسلام على شيء آخر بالكلية {فَقَدِ ٱهْتَدَواْ} أي فازوا بالحظ الأوفر ونجَوْا عن مهاوي الضلال {وَإِن تَوَلَّوْاْ} أي أعرضوا عن الاتباع وقَبول الإسلام {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ} قائم مقامَ الجواب أي لم يضرّوك شيئاً إذْ ما علي إلا البلاغُ وقد فعلت على أبلغِ وجه، رُوي حديث : أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لما قرأ هذه الآيةَ على أهل الكتاب قالوا: أسلمنا، فقال عليه السلام لليهود: "أتشهدون أن عيسى كلمةُ الله وعبدُه ورسولُه؟" فقالوا: معاذ الله، قال عليه الصلاة والسلام للنصارى: "أتشهدون أن عيسى عبدُ الله ورسولُه؟" فقالوا: معاذ الله أن يكون عيسى عبداً تفسير : وذلك قولُه عز وجل: {وَإِن تَوَلَّوْاْ} {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ} عالم بجميع أحوالهم وهو تذيـيل فيه وعد ووعيد.
التستري
تفسير : وكذلك قوله: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ}[19].
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ} [الآية: 19]. قال أبو عثمان: إن الدين ما سلم لك من البدع والضلالات، والأهواء، وسَلمْتَ فيهِ من الرياء والشهوةِ الخفيَّةِ، ورؤية الخلق وتعظيم الطاعات. وقال محمد بن على فى قوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ} إن المتدين بالإسلام من سلم من رؤية الخلق وسلمَ قلبُه من شهوات نفسه، وسلم رُوحه من خَواطر قلبه، وسَلم سِرُّه من طيران رُوحه، فهو فى حال الاستقامة مع الله تعالى. قال جعفر: إن الدين عند الله الإسلام هو ما سلم عليه صاحبُه من وساوس الشيطان وهواجس النفس وعذاب الآخرة.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ}. الدِّينُ الذي يرتضيه، والذي حكم لصاحبه بأنه يجازيه ويعليه، وبالفضل يُلَقِّيه - هو الإِسلام. والإسلام هو الإخلاص والاستسلام، وما سواه فمردود، وطريق النجاة على صاحبه مسدود. قوله جلّ ذكره: {وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ}. جاءهم العلم الذي عليهم حجة، لا المعرفة التي لها بيان ومحجة، فأصروا على الجحود، لأنهم حُجِبُوا عن محل الشهود.
الطوسي
تفسير : القراءة، واللغة، والمعنى: قرأ {أن الدين} بفتح الهمزة الكسائي وحكي ذلك عن ابن مسعود. الباقون بكسرها وقد بينا الوجه فيه. معنى الدين ها هنا الطاعة فمعناه ان الطاعة لله عز وجل هي الاسلام. قال الاعشى: شعر : هودان الرباب إذ كرهوا الد ين دراكا بغزوة وصيال تفسير : ومعناه ذّللهم للطاعة، إذ كرهوا الطاعة, والدين الجزاء. من قولهم كما تدين تدان أي كما تجزي تجزى. ومنه قوله: {مالك يوم الدين} أي يوم الجزاء، وسميت الطاعة ديناً، لأنها للجزاء, ومنه الدين، لأنه كالجزاء في وجوب القضاء. والاسلام أصله السلم، فأسلم معناه دخل في السلم كقولهم أقحط بمعنى دخل القحط وأربع دخل في الربيع، وأصل السلم السلامة، لأنه انقياد على السلامة، ويصلح أن يكون أصله التسليم، لأنه تسليم، لأمر الله، والتسليم من السلامة، لأنه تأدية الشيء على السلامة من الفساد والنقصان، فالاسلام: هو تأدية الطاعات على السلامة من الادغال، والاسلام، والايمان عندنا وعند المعتزلة بمعنى واحد غير أن عندهم أن فعل الواجبات من أفعال الجوارح من الايمان (وعندنا أن أفعال الواجبات من أفعال الجوارح من الايمان) وعندنا أن أفعال الواجبات من أفعال القلوب - التي هي التصديق - من الايمان، فأما أفعال الجوارح، فليست من الايمان، وإن كانت واجبة. وقد بينا ذلك في ما مضى وسنبينه إن شاء الله. والاسلام: يفيد الانقياد لكل ما جاء به النبي (صلى الله عليه وسلم) من العبادات الشرعية وترك النكير عليه، والاستسلام له، فاذا قلنا: دين المؤمن هو الايمان، وهو الاسلام، فالاسلام هو الايمان. ونظير ذلك قولنا: الانسان، والانسان حيوان على الصورة الانسانية، فالحيوان على الصورة الانسانية بشر. وقوله: {وما اختلف الذين أوتوا الكتاب} قال الربيع: المراد بالكتاب: التوراة. وقال محمد بن جعفر بن الزبير: هو الانجيل. وقال الجبائي: خرج مخرج الجنس، ومعناه كتب الله المتقدمة التي بين فيها الحلال والحرام. والاختلاف ذهاب أحد النفيسين إلى خلاف ما ذهب إليه الآخر فهذا الاختلاف في الأديان. فأما الاختلاف في الاجناس، فهو امتناع أحد الشيئين أن يسد مسد الآخر فيما يرجع إلى ذاته. والبغي: طلب الاستعلاء بالظلم وأصله من بغيت الحاجة إذا طلبتها، وليس في الآية ما يدل على أن الذين اختلفوا بغياً كانوا معاندين، لأن البغي قد يحمل على العدول عن طريق العلم، كما يحمل على عناد أهل العلم. ولأنه قد يقع الخلف بينهم وإن كانوا بأجمعهم مبطلين، كاختلاف اليهود والنصارى في المسيح، فنسبه النصارى إلى الآلهية، واليهود إلى الفرية. الاعراب، والمعنى: والعامل في {بغياً بينهم} يحتمل أمرين: أحدهما - {اختلف} هذا المذكور، وتقديره: وما اختلف فيه بغياً بينهم إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءهم العلم، هذا قول الاخفش وقال الزجاج: نصبه محذوف دل عليه اختلف المذكور، وتقديره اختلفوا بغياً بينهم. وقوله: {ومن يكفر بآيات الله} معناه: من يجحد آيات الله يعني أدلته وبيناته {فإن الله سريع الحساب} وفي الآخر سريع الحساب للجزاء.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ الدِّينَ} له معانٍ والمراد به هاهنا الطّريق الى الآخرة والى الله {عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ} يعنى بعد ظهور الاسلام انحصر الطّريق الى الله فى الاسلام وانقطع ما كان حقّاً من سائر الاديان وقد مضى بيان للاسلام والايمان فى اوّل سورة البقرة {وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} من اليهود والنّصارى فى حقّيّته او فى انحصار الدّين فيه {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ} بظهوره وبعثة محمّد (ص) الاتى به يعنى كانوا متّفقين على حقّيّة محمّد (ص) ودينه وانحصار الدّين فى دينه قبل مبعثه الى ان بعث وايقنوا انّه النبىّ الموعود فاختلفوا فى حقّيّته بان اقرّ بعض وانكر بعض بعد يقينهم ببعثته {بَغْياً بَيْنَهُمْ} استطالة وطلباً للرئاسة فى اهل ملّتهم او طلباً للمآكل المقرّرة لهم فى اهل ملّتهم {وَمَن يَكْفُرْ} حال او عطف {بِآيَاتِ ٱللَّهِ} التّدوينيّة والتّكوينيّة كآيات التّوراة والانجيل النّاطقة بحقّيّة دين الاسلام وصدق محمّد (ص) وآيات القرآن الدّالّة على حقّيّته وحقّيّة وصيّه وكمحمّد (ص) وعلىّ (ع) واولادهما (ع) فانّ الله يعذّبه على كفره لانّه لا يدع عملاً بلا جزاء ولا يفوته كفر الكافر {فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} وعيد لمن كفر منهم ومن يكفر بعلىّ (ع) بعد محمّد (ص) من امّته.
اطفيش
تفسير : {إنّ الدّينَ عِندَ اللهِ الإسلاَمُ}: أى الانقياد إلى الله تعالى بتوحيده وبالعمل بما أرسل به محمد صلى الله عليه وسلم، من أمر ونهى وغيرهما، افتخر المشركون بأديانهم، فقال كل فريق: لا دين إلا ديننا، وهو دين الله منذ بعث آدم عليه السلام، فكذبهم الله - تعالى - فقال: {إنّ الدّينَ عِندَ اللهِ الإِسلامُ} الذى جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو الدين الحق منذ بعث الله آدم - عليهِ السلام - و ما سواه باطل. ذكره ابن عباس. والجملة مستأنفة مؤكدة لقوله: {أية : شهد الله أنهُ لا إله إلا هو}..تفسير : الآية. وقرأ الكسائى بفتح الهمزة فيكون قوله إن الدين عند الإسلام بدلا من قوله: إنه لا إله إلا هو، والإسلام عنده هنا بمعنى العمل الصالح، وترك المعاصى، أو الشريعة بعد التوحيد، فيكون البدل بدل اشتمال، لأن ذلك من ملابسات التوحيد، وهو تفسير جائز لا بأس به، كأنه قيل: إن الدين عند الله الإسلام، المبنى على التوحيد، وإن فسر الكسائى الإسلام بالتوحيد، كان البدل بدل بعض، وهو أيضاً جائز، وقرأ أبى: إن الدين عند الله الإسلام بكسر همزة "إن" وقرن خبرها بلام التوكيد، وقرأ بكسر همزة إنهُ لا إله إلا هو، وبفتح همزة أن الدين.. إلخ، فيكون معمول لشهد، وأنهُ لا إله إلا هو معترض، أو يكون الدين بالفتح بدلا على حد ما مر، فيكون اعتبر فى قوله أنه بالكسر تضمين شهد، معنى قال، وفى قوله: إن الدين بقاءه على معنى علم، مثلا فى ذلك إبدال مفرد من جُملة، لأنهما مستويان فى المعنى، يرد أحدهما الآخر، وأيضاً لفظ البدل جملة، وهو مفرد بالتأويل، ويجوز الإبدال أيضاً فى قراءة كسر "إن"، الأولى والثانية أيضاً. {وَمَا اخْتَلفَ الذَّينَ أوتُوا الكِتابَ إلاَّ مِنْ بَعدِ مَا جَاءهم الْعِلْمُ} بأن دين الله التوحيد، والعمل بما أوحى الله، فبعد ما جاء ذلك لليهود، قالوا: عزير ابن الله، وخالف بعضهم بعضاً فى غير ذلك أيضاً، وبعد ما جاء ذلك للنصارى، قالوا: المسيح ابن الله، وقالوا: ثالث ثلاثة، وقالوا: إنه. الله فكان الاختلاف بين اليهود والنصارى، وكان أيضاً بين النصارى، وقيل: المراد بالذين أتوا الكتاب: اليهود، لما حضر الموت موسى، دعا سبعين رجلا من بنى إسرائيل، فاستدوعهم التوراة، واستخلف عليهم يوشع بن نون، فمضى القرن الأول، والثانى، والثالث، فوقعت الفرقة بين ذرية السبعين، وبذلك قال الربيع بن أنس: وقيل المراد بأهل الكتاب: النصارى إذا اختلفوا فى عيسى، بين أن يكون ابناً لله، أو إلهاً ثالثاً، أو الله. قال محمد بن جعفر: نزلت فى نصارى نجران، إذ اختلف أهل الإنجيل فى أمر عيسى، وفرقوا القول فيه، بعد ما جاءهم العلم، بأن الله واحد، وأن عيسى عبده ورسوله، وقيل المراد اليهود والنصارى، وقيل: هم وغيرهم ممن أوتى الكتاب، إذ اختلفوا فى أمر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فزعم كفار منهم أنه باطل، وزعم كفار آخرون أنه مبعوث إلى العرب فقط، فقال فريق مسلمون منهم: إنه حق مبعوث إلى الناس كلهم. {بَغْيا - بَيْنَهُم}: بطلب الرياسة والحسد بينهم، مثل أن يتقربوا إلى ملوكهم، بما أحب ملوكهم، من الكفر فيتم جاههم عندهم، وأن يخافوا لو أقروا بالحق أن يرجع الناس إلى سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - والحق فتزول رياستهم وعطايهم، لا لشبهة وخفاء فى أمر صلى الله عليه وسلم وأمر عيسى عليه السلام والحق. {ومن يَكْفُر بِآيَاتِ اللهِ فإنّ اللهَ سَريعُ الحِسَابِ}: أى الجزاء، وهذا وعيد لمن كفر، كاليهود والنصارى ومشركى العرب، والربط محذوف أى: فإن الله سريع الحساب له، وقد علمت أن الحساب مستعمل فى معنى الجزاء، ومعنى سرعته أنه لا يتوقف على فكر ووعد، وهذا قول مجاهد. أو أنه قرب يوم القيامة، إذ كل آتٍ قريب، وتقدم كلام فى ذلك.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ الدّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلَـٰمُ } جملة مبتدأة وقعت تأكيداً للأولى، وتعريف الجزئين للحصر ـ أي لا دين مرضي عند الله تعالى سوى الإسلام ـ وهو على ما أخرج ابن جرير عن قتادة «شهادة أن لا إله إلا الله تعالى والإقرار بما جاء من عند الله تعالى وهو دين الله تعالى الذي شرع لنفسه وبعث به رسله ودل عليه أولياؤه لا يقبل غيره ولا يجزى إلا به». وروى علي بن إبراهيم عن أمير المؤمنين كرم الله تعالى وجهه أنه قال في خطبة له لأنسبن الإسلام نسبة لم ينسبها أحد قبلي، الإسلام هو التسليم، والتسليم هو اليقين، واليقين هو التصديق، والتصديق هو الإقرار، والإقرار هو الأداء، والأداء هو العمل ثم قال: إن المؤمن أخذ دينه عن ربه ولم يأخذه عن رأيه إن المؤمن من يعرف إيمانه في عمله وإن الكافر يعرف كفره بإنكاره أيها الناس دينكم دينكم فإن السيئة فيه خير من الحسنة في غيره إن السيئة فيه تغفر وإن الحسنة في غيره لا تقبل. وقرأ أبـيّ ـ إن الدين عند الله للإسلام ـ والكسائي ـ أن الدين ـ بفتح الهمزة على أنه بدل الشيء من الشيء إن فسر الإسلام بالإيمان وأريد به الإقرار بوحدانية الله تعالى والتصديق بها الذي هو الجزء الأعظم وكذا إن فسر بالتصديق بما جاء به النبـي صلى الله عليه وسلم مما علم من الدين بالضرورة لأن ذلك عين الشهادة بما ذكر باعتبار ما يلزمها فهي عينه مآلا، وأما إذا فسر بالشريعة فالبدل بدل اشتمال لأن الشريعة شاملة للإيمان والإقرار بالوحدانية، وفسرها بعضهم بعلم الأحكام وادعى أولوية هذا الشق نظراً لسياق الكلام مستدلاً بأنه لم يقيد علم الأصول بالعندية لأنها أمور بحسب نفس الأمر لا تدور على الاعتبار ولهذا تتحد فيها الأديان الحقة كلها، وقيد كون الدين الإسلام بالعندية لأن الشرائع دائرة على اعتبار الشارع ولهذا تغير وتبدل بحسب المصالح والأوقات، ولا يخفى ما فيه، أو على أن {أية : شَهِدَ }تفسير : [آل عمران: 18] واقع عليه على تقدير قراءة ـ إنه ـ بالكسر كما أشير إليه، و {عِندَ } على كل تقدير ظرف العامل فيه الثبوت الذي يشير إليه الجملة، وقيل: متعلق بكون خاص ينساق إليه الذهن يقدر معرفة وقع صفة للدين أي ـ إن الدين المرضي عند الله الإسلام ـ وقيل: متعلق بمحذوف وقع حالاً في الدين، وقيل: متعلق به، وقيل: متعلق بمحذوف وقع خبراً عن مبتدأ محذوف، والجملة معترضة أي هذا الحكم ثابت عند الله، وأرى الكل ليس بشيء أما الأول: فلأن خلاف القاعدة المعروفة في الظروف إذا وقعت بعد النكرات، وأما الثاني: / فلأن المشهور أن {إِنَّ} لا تعمل في الحال، وأما الثالث: فلأنه لا وجه للتعلق بلفظ (الدين) إلا أن يكتفى بأنه في الأصل بمعنى الجزاء، وأما الرابع: فلأن التكلف فيه المستغنى عنه أظهر من أن يخفى، هذا وقد اختلف في إطلاق الإسلام على غير ما جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم، والأكثرون على الإطلاق وأظن أنه بعد تحرير النزاع لا ينبغي أن يقع اختلاف. {وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } قيل: المراد بهم اليهود واختلفوا فيما عهد إليهم موسى عليه الصلاة والسلام، أخرج ابن جرير عن الربيع قال: «إن موسى عليه الصلاة والسلام لما حضره الموت دعا سبعين حبراً من أحبار بني إسرائيل فاستودعهم التوراة وجعلهم أمناء عليها واستخلف يوشع بن نون فلما مضى القرن الأول والثاني والثالث وقعت الفرقة بينهم وهم الذين أوتوا العلم من أبناء السبعين حتى أهراقوا بينهم الدماء ووقع الشر طلباً لسلطان الدنيا وملكها وخزائنها وزخرفها فسلط الله تعالى عليهم جبابرتهم»، وقيل: النصارى واختلفوا في التوحيد، وقيل: المراد بالموصول اليهود والنصارى، و ـ بالكتاب ـ الجنس واختلفوا في التوحيد، وقيل: في نبوته صلى الله عليه وسلم، وقيل: في الإيمان بالأنبياء، والظاهر أن المراد من الموصول ما يعم الفريقين، والذي اختلفوا فيه الإسلام كما يشعر به السياق والتعبير عنهم بهذا العنوان زيادة تقبيح لهم فإن الاختلاف بعد إتيان الكتاب أقبح. وقوله تعالى: {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ٱلْعِلْمُ } زيادة أخرى فإن الاختلاف بعد مجيء العلم أزيد في القباحة والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال أو أعم الأوقات، والمراد من مجيء العلم التمكن منه لسطوع براهينه، أو المراد منه حصول العلم بحقيقة الأمر لهم بالفعل ولم يقل علموا مع أنه أخصر إشارة إلى أنه علم بسبب الوحي، وقوله سبحانه: {بَغْياً بَيْنَهُمْ } زيادة تشنيع، والاسم المنصوب مفعول له لما دل عليه {مَا } و {إِلا } من ثبوت الاختلاف بعد مجيء العلم كما تقول ما ضربت إلا ابني تأديباً، فلا دلالة للكلام على حصر الباعث، وادعاه بعضهم أي إن الباعث لهم على الاختلاف هو البغي والحسد لا الشبهة وخفاء الأمر، ولعل انفهام ذلك من المقام أو من الكلام بناءاً على جواز تعدد الاستثناء المفرغ أي ما اختلفوا في وقت لغرض إلا بعد العلم لغرض البغي كما تقول: ما ضرب إلا زيد عمراً ـ أي ما ضرب أحد أحداً إلا زيد عمراً. {وَمَن يَكْفُرْ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ } قيل: المراد بها حججه، وقيل: التوراة، وقيل: هي والإنجيل، وقيل: القرآن، وقيل: آياته الناطقة بأن الدين عند الله الإسلام، والظاهر العموم أي أية آية كانت، والمراد ـ بمن أيضاً أعم من المختلفين المذكورين وغيرهم ولك أن تخصه بهم {فَإِنَّ ٱللَّهِ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } قائم مقام جواب الشرط علة له ـ أي ومن يكفر يعاقبه الله تعالى ويجازه عن قريب ـ فإنه سريع الحساب ـ أي يأتي حسابه عن قريب أو يتم ذلك بسرعة، وقيل: إن سرعة الحساب تقتضي إحاطة العلم والقدرة فتفيد الجملة الوعيد، وباعتباره ينتظم الشرط والجزاء من غير حاجة إلى تقدير، ولعله أولى وأدق نظراً. وفي إظهار الاسم الجليل تربية للمهابة وإدخال الروعة، وفي ترتيب العقاب على مطلق الكفر إثر بيان حال أولئك المذكورين إيذان بشدّة عقابهم.
ابن عاشور
تفسير : قرأ جمهور القرّاء "إنّ الدّين" - بكسر همزة إنّ - فهو استئناف ابتدائي لبيان فضيلة هذا الدين بِأجمَع عبارة وأوجزَها. وهذا شروع في أول غرض أنزلت فيه هذه السورة: غرض محاجّة نصارى نجران، فهذا الاستئناف من مناسبات افتتاح السورة بذكر تنزيل القرآن والتوراة والإنجيل، ثم بتخصيص القرآن بالذكر وتفضيله بأنّ هديه يفوق هدي ما قبله من الكتب، إذ هو الفرقان، فإنّ ذلك أسّ الدين القويم، ولما كان الكلام المتقدم مشتملاً على تعريض باليهود والنصارى الذين كذبوا بالقرآن، وإبطالٍ لقول وفد نجران لما طلب منهم الرسول صلى الله عليه وسلم - الإسلام - «أسْلَمْنَا قبلَك» فقال لهم: «كَذَبْتُم» روى الواحدي، ومحمد بن إسحاق: أنّ وفد نجران لما دخلوا المسجد النبوي تكلم السيد والعاقب فقال لهما رسول الله: «حديث : أسْلِمَا»تفسير : قالا: «قد أسلمنا قبلك» قال: «حديث : كذبتما، يمنعكما من الإسلام دعاؤكما للَّهِ ولدا، وعبادتُكما الصليب»تفسير : ، ناسب أن ينوّه بعد ذلك بالإسلام الذي جاء به القرآن، ولذلك عطف على هذه الجملة قوله: {وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلاّ من بعد ما جاءهم العلم}. واعلم أنّ جمل الكلام البليغ لا يخلو انتظامها عن المناسبة، وإن كان بعضها استئنافاً، وإنّما لا تطلب المناسبة في المحادثات والاقتضابات. وتوكيد الكلام بأنّ تحقيق لما تضمنَّه من حصر حقيقة الدين عند الله في الإسلام: أي الدين الكامل. وقرأ الكسائي {أنّ الدين} - بفتح همزة أنّ - على أنّه بدل من {أية : أنَّه لا إله إلاّ هو}تفسير : [آل عمران: 18] أي شهد الله بأنّ الدين عند الله الإسلام. والدين: حقيقته في الأصل الجزاء، ثم صار حقيقة عرفية يطلق على: مجموع عقائد، وأعمال يلقّنها رسولٌ من عند الله ويعد العاملين بها بالنعيم والمعرضين عنها بالعقاب. ثم أطلق على ما يشْبِه ذلك مما يضعه بعض زعماء الناس من تلقاء عقله فتَلتزمه طائفة من الناس. وسمّي الدين ديناً لأنّه يترقب منه مُتَّبِعُهُ الجزاءَ عاجلاً أو آجلاً، فما من أهل دين إلاّ وهم يترقّبون جزاء من رب ذلك الدين، فالمشركون يطمعون في إعانة الآلهة ووساطتهم ورضاهم عنهم، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، وقال أبو سفيان يوم أحُد: أعْلُ هُبَلْ. وقال يوم فتح مكة لما قال له العباس: أما آن لك أن تشهد أن لا إله إلا الله: «لقد علمتُ أنْ لو كان معه إله غَيرُه لقد أغنى عَنّي شيئاً». وأهل الأديان الإلهيَّة يترقّبون الجزاء الأوْفَى في الدنيا والآخرة، فأول دين إلهي كان حقاً وبه كان اهتداء الإنسان، ثم طرأت الأديان المكذوبة، وتشبّهت بالأديان الصحيحة، قال الله تعالى - تعليماً لرسوله - {أية : لكم دينكم ولي ديني}تفسير : [الكافرون: 6] وقال: {أية : ما كان ليأخذ أخاه فِي دِين الملك}تفسير : [يوسف: 76]. وقد عرّف العلماء الدين الصحيح بأنّه «وضعٌ إلهيٌّ سائق لذوي العقول باختيارهم المحمود إلى الخيْر باطناً وظاهراً». والإسلام علم بالغلبة على مجموع الدِّين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم كما أُطلق على ذلك الإيمان أيضاً، ولذلك لقب أَتباع هذا الدين بالمسلمين وبالمؤمنين، وهو الإطلاق المراد هنا، وهو تسمية بمصدر أَسْلَم إذا أذْعَن ولم يعاند إذعاناً عن اعتراف بحق لا عن عجز، وهذا اللقب أولى بالإطلاق على هذا الدين من لقب الإيمان؛ لأنّ الإسلام هو المظهر البين لمتابعة الرسول فيما جاء به من الحق، واطّراح كل حائل يحول دون ذلك، بخلاف الإيمان فإنّه اعتقاد قلبي، ولذلك قال الله تعالى: {أية : هو سمَّاكم المسلمين}تفسير : [الحج: 78] وقال: {أية : فقل أسلمتُ وجهي للَّه ومن اتّبعني}تفسير : [آل عمران: 20] ولأنّ الإسلام لا يكون إلاّ عن اعتقاد لأنّ الفعل أثر الإدراك، بخلاف العكس فقد يكون الاعتقاد مع المكابرة. وربما أطلق الإسلام على خصوص الأعمال؛ والإيمان على الاعتقاد،وهو إطلاق مناسب لحالتي التفكيك بين الأمرين في الواقع، كما في قوله تعالى، خطاباً لقوم أسلموا متردّدين ــــــ {أية : قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولمَّا يدخل الإيمان في قلوبكم}تفسير : [الحجرات: 14]، أو التفكيك في تصوير الماهية عند التعليم لحقائق المعاني الشرعية أو اللغوية كما وقع في حديث جبريل: من ذكر معنى الإيمان، والإسلام، والإحسان. والتعريف في الدين تعريف الجنس؛ إذ لا يستقيم معنى العهد الخارجي هنا وتعريف الإسلام تعريف العلم بالغلبة: لأنّ الإسلام صار علماً بالغَلَبة على الدين المحمّدي. فقوله: {إن الدين عند الله الإسلام} صيغة حصر، وهي تقتضي في اللسان حصر المسند إليه، وهو الدين، في المسند، وهو الإسلام، على قاعدة الحصر بتعريف جزئي الجملة، أي لا دين إلا الإسلام، وقد أكّد هذا الانحصار بحرف التوكيد. وقولُه: {عند الإسلام} وصف للدين، والعندية عندية الاعتبار والاعتناءِ وليست عندية علم: فأفاد، أنّ الدين الصحيح هو الإسلام، فيكون قصراً للمسند، إليه باعتبار قيد فيه، لا في جميع اعتباراته: نظير قول الخنساء: شعر : إذا قَبُحَ البُكاءُ على قتيل رأيتُ بكاءَكَ الحَسَن الجَميلا تفسير : فحصرت الحَسَن في بكائه بقاعدة أنّ المقصور هو الحسن لأنّه هو المعرف باللاّم، وهذا الحصر باعتبار التقييد بوقتِ قُبح البكاء على القتلى وهو قصر حُسْن بكائها على ذلك الوقت، ليكون لبكائها على صخر مزية زائدة على بكاء القتلى المتعارف وإن أبى اعتبار القصر في البيت أصلاً صَاحب المطوّل. وإذ قد جاءت أديان صحيحة أمر الله بها فالحصر مؤول: إمّا باعتبار أنّ الدين الصحيح عند الله، حينَ الإخبار، وهو الإسلام، لأنّ الخبر ينظر فيه إلى وقت الإخبار؛ إذ الأخبار كلّها حقائق في الحال، ولا شك أنّ وقت الإخبار ليس فيه دين صحيح غير الإسلام؛ إذ قد عرض لبقية الأديان الإلٰهية، من خلط الفاسد بالصحيح، ما أختل لأجله مجموع الدين، وإما باعتبار الكمال عند الله فيكون القصر باعتبار سائر الأزمان والعصور؛ إذ لا أكمل من هذا الدين، وما تقدّمه من الأديان لم يكن بالغاً غاية المراد من البشر في صلاح شؤونهم، بل كان كل دين مضى مقتصراً على مقدار الحاجة من أمة معيّنة في زمن معيّن، وهذا المعنى أولي محملي الآية، لأنّ مُفاده أعم،وتعبيره عن حاصل صفة دين الإسلام - تُجاه بقية الأديان الإلهية - أتم. ذلك أنّ مراد الله تعالى من توجيه الشرائع وإرسال الرسل، ليس مجرّد قرع الأسماع بعبارات التشريع أو التذوّق لدَقائق تراكيبه، بل مراد الله تعالى ممّا شرع للناس هو عملهم بتعاليم رسله وكتبه، ولما كان المراد من ذلك هو العمل، جعل الله الشرائع مناسبة لقابليات المخاطبين بها، وجارية على قدر قبول عقولهم ومقدرتهم، ليتمكّنوا من العمل بها بدوامٍ وانتظام، فلذلك كان المقصود من التدّين أن يكون ذلك التعليم الديني دأباً وعادة لمنتحليه، وحيثُ النفوسُ لا تستطيع الانصياع إلى ما لا يتّفق مع مدركاتها، لا جرم تعيّن مراعاة حال المخاطبين في سائر الأديان. ليمكن للأمم العمل بتعاليم شرائعها بانتظام ومواظبة. وقد كانت أحوال الجماعات البشرية، في أول عهود الحضارة، حالاتتِ عكوف على عوائد وتقاليد بسيطة، ائتلفت رُويدَا رويدَا على حسب دواعي الحاجات، وما تلك الدواعي، التي تسبّبت في ائتلاف تلك العوائد، إلاّ دواع غير منتشرة؛ لأنّها تنحصر فيما يعود على الفرد بحفظ حياته، ودفع الآلام عنه، ثم بحفظ حياة من يرى له مزيد اتّصال به، وتحسيننِ حاله، فبذلك ائتلف نظام الفرد، ثم نظام العائلة، ثم نظام العشيرة، وهاته النُظُم المتقابسة هي نُظم متساوية الأشكال؛ إذ كلّها لا يعدو حفظ الحياة، بالغذاء والدفاعِ عن النفس، ودفعَ الآلام بالكساء والمسكن والزواج، والانتصار للعائلة وللقبيلة؛ لأنّ بها الاعتزاز، ثم ما نشأ عن ذلك من تعاون الآحاد على ذلك، بإعداد المعدّات: وهو التعاوض والتعامل، فلم تكن فكرة الناس تعدو هذه الحالة، وبذلك لم يكن لإحدى الجماعات شعور بما يجري لدى جماعة أخرى، فضلاً عن التفكير في اقتباس إحداها مما يجري لدى غيرها، وتلك حالة قناعة العيش، وقصور الهمة، وانعدام الدواعي فإذا حصلت الأسباب الآنفة عدّ الناس أنفسهم في منتهى السعادة. وكان التباعد بين الجماعات في المواطن مع مشقة التواصُل، وما يعرض في ذلك من الأخطار والمتاعب، حائلاً عن أن يصادفهم ما يوجب اقتباس الأمم بعضها عن بعض وشعور بعضها بأخلاق بعض، فصار الصارف عن التعاون في الحضارة الفكرية مجموع حائلين: عدم الداعي، وانسداد وسائل الصدفة، اللهم إلاّ ما يعرض من وفادة وافد، أو اختلاط في نجعة أو موسم، على أنّ ذلك إن حصل فسرعان ما يطرأ عليه النسيان، فيصبح في خبر كان. فكيف يرجى من أقوام، هذه حالهم، أن يدعوهم الداعي إلى صلاح في أوسع من دوائر مدركاتهم، ومتقارب تصوّر عقولهم، أليسوا إذا جاءهم مصلح كذلك لبسوا له جلد النمر، فأحسّ من سوء الطاعة حرق الجمر، لذلك لم تتعلّق حكمة الله تعالى، في قديم العصور، بتشريع شريعة جامعة صالحة لجميع البشر، بل كانت الشرائع تأتي إلى أقوام معيّنين؛ وفي حديث مسلم، في صفة عرض الأمم للحساب أنّ رسول الله قال: «حديث : فيجيء النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد» تفسير : وفي رواية البخاري: «حديث : فجعل النبي والنّبيئان يمرّون معهم الرهط»تفسير : الحديث. وبقي الحق في خلال ذلك مشاعاً بين الأمم، ففي كلّ أمة تجد سداداً وأفناً، وبعض الحق لم يزل مخبوءاً لم يسفر عنه البيان. ثم أخذ البشر يتعارفون بسبب الفتوح والهجرة، وتقاتلت الأمم المتقاربة المنازل، فحصل للأمم حظ من الحضارة، وتقاربت العوائد، وتوسّعت معلوماتهم، وحضارتهم، فكانت من الشرائع الإلهية: شريعة إبراهيم عليه السلام، ومن غيرها شريعة (حمورابي) في العراق، وشريعة البراهمة، وشريعة المصريين التي ذكرها الله تعالى في قوله: {أية : ما كان ليأخذ أخاه في دِين الملك}تفسير : [يوسف: 76]. ثم أعقبتها شريعة إلهية كبرى وهي شريعة موسى عليه السلام التي اختلط أهلها بأمم كثيرة في مسيرهم في التيه وما بعده، وجاورتها أو أعقبتها شرائع مثل شريعة (زرادشت) في الفرس، وشريعة (كنفشيوس) في الصين، وشريعة (سولون) في اليونان. وفي هذه العصور كلّها لم تكن إحدى الشرائع عامة الدعوة، وهذه أكبر الشرائع وهي الموسوية لم تدْعُ غير بين إسرائيل ولم تدع الأممَ الأخرى التي مرّت عليها، وامتزجت بها، وصاهرتها، وكذلك جاءت المسيحية مقصورة على دعوة بني إسرائيل حتى دعا الناسَ إليها القدّيس بُولس بعد المسيح بنحو ثلاثين سنة. إلى أن كان في القرن الرابع بعد المسيح حصول تقابس وتمازج بين أصناف البشر في الأخلاق والعوائد، بسببين: اضطراري، واختياري. أمّا الاضطراري فذلك أنّه قد ترامت الأمم بعضها على بعض، واتّجه أهل الشرق إلى الغرب، وأهل الغرب إلى الشرق، بالفتوح العظيمة الواقعة بين الفرس والروم، وهما يومئذ قطبا العالم، بما يتبع كل واحدة من أمم تنتمي إلى سلطانها، فكانت الحرب سجالاً بين الفريقين، وتوالت أزماناً طويلة. وأمّا الاختياري فهو ما أبْقاه ذلك التمازج من مشاهدة أخلاق وعوائد، حسنت في أعين رائيها، فاقتبسوها، وأشياء قبحت في أعينهم، فحذِروها، وفي كلتا الحالتين نشأت يقظة جديدة، وتأسّست مدنيات متفنّنة، وتهيّأت الأفكار إلى قبول التغييرات القوية، فتهيّأت جميع الأمم إلى قبول التعاليم الغريبة عن عوائدها وأحوالها، وتساوت الأمم وتقاربت في هذا المقدار، وإن تفاوتت في الحضارة والعلوم تفاوتاً ربما كان منه ما زاد بعضَها تهيّئوا لقبول التعاليم الصحيحة، وقهقر بعضاً عن ذلك بما داخلها من الإعجاب بمبلغ علمها، أو العكوف والإلف على حضارتها. فبلغ الأجل المراد والمعيّن لمجيء الشريعة الحق الخاتمة العامة. فأظهر الله دين الإسلام في وقت مناسب لظهوره، واختار أن يكون ظهوره بين ظهراني أمة لم تسبِق لها سابقةُ سلطان، ولا كانت ذات سيادة يومئذ على شيء من جهات الأرض، ولكنّها أمة سلّمها الله من معظم رعونات الجماعات البشرية، لتكون أقرب إلى قبول الحق، وأظهر هذا الدينَ بواسطة رجل منها، لم يكن من أهل العلم. ولا من أهل الدولة، ولا من ذرية ملوك، ولا اكتسب خبرة سابقة بهجرة أو مخالطة، ليكون ظهور هذا تحت الصريح، والعلم الصحيح، مِن مثله آيةً على أنّ ذلك وحي من الله نفحَ به عباده. ثم جعل أسس هذا الدين متباعدة عن ذميم العوائد في الأمم، حتى الأمة التي ظهر بينها، وموافقة للحق ولو كان قد سبق إليه أعداؤها، وكانت أصوله مَبنية على الفطرة بمعنى ألاّ تكون ناظرة إلاّ إلى ما فيه الصلاح في حكم العقل السليم، غير ماسور للعوائد ولا للمذاهب، قال تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لِخلق الله ذلك الدين القيّم {أية : ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون}تفسير : [الروم: 30]، قال الشيخ أبو علي ابن سينا: «الفطرة أن يتوهّم الإنسان نفسه حصل في الدنيا دفعة وهو عاقل، لم يسمع رأياً، ولم يعتقد مذهباً، ولم يعاشر أمة، لكنّه شاهد المحسوسات، ثم يعرِض على ذهنه الأشياء شيئاً فشيئاً فإن أمكنه الشك في شيء فالفطرة لا تشهد به، وإن لم يمكنه الشك فيه فالفطرة توجبه، وليس كلّ ما توجبه الفطرة بصادق، بل الصادق منه ما تشهد به فطرة القوة التي تسمّى عقلاً، قبل أن يعترضه الوهْم». ويدخل في الفطرة الآداب العتيقة التي اصطلح عليها كافة عقلاء البشر، وارتاضت نفوسهم بها، إذا كانت تفيدهم كمالاً، ولا تفضي إلى فساد، وذلك أصول قواعد حفظ النسب والعرض خاصة. فبهذا الأصل: أصلِ الفطرة كان الإسلام ديناً صالحاً لجميع الأمم في جميع الأعصر. ثم ظهر هذا الأصل في تسعة مظاهر خادمةٍ له ومهيّئةٍ جميع الناس لقبوله. المظهر الأول: إصلاح العقيدة بحمل الذهن على اعتقادٍ لا يشوبه تردّد ولا تمويه ولا أوهام ولا خرافات، ثم بِكون عقيدته مبنية على الخضوع لواحد عظيم، وعلى الاعتراف باتّصاف هذا الواحد بصفات الكمال التامة التي تجعل الخضوع إليه اختيارياً، ثم لتصيرَ تلك الكمالات مطمح أنظار المعتقد في التخلّق بها ثم بحمل جميع الناس على تطْهير عقائدهم حتى يتّحد مبدأ التخلّق فيهم {أية : قل يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمةٍ سَواءٍ بيننا وبينكم ألاّ نعبد إلا اللَّه ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون اللَّه}تفسير : [آل عمران: 64]. وكان إصلاح الاعتقاد أهمّ ما ابتدأ به الإسلام، وأكثرَ ما تعرّض له؛ وذلك لأنّ إصلاح الفكرة هو مبدأ كلّ إصلاح؛ ولأنّه لا يرجى صح لقوم تلطَّخت عقولهم بالعقائد الضالّة، وخسئت نفوسهم بآثار تلك العقائد المثيرة: خوفاً من لا شَيء، وطمعاً في غير شيء، وإذا صلح الاعتقاد أمكن صلاح الباقي؛ لأنّ المرء إنسان بروحه لا بجسمه. ثم نشأ عن هذا الاعتقاد الإسلامي: عزّة النفس، وأصلة الرأي، وحرية العقل، ومساواة الناس فيما عدا الفضائل. وقد أكثر الإسلام شرح العقائد إكثاراً لا يشبهه فيه دين آخر؛ بل إنّك تنظر إلى كثير من الأديان الصحيحة، فلا ترى فيها من شرح صفات الخالق إلاّ قليلاً. المظهر الثاني: جمعه بين إصلاح النفوس، بالتزكية، وبين إصلاح نظام الحياة، بالتشريع، في حين كان معظم الأديان لا يتطرّق إلى نظام الحياة بشيء، وبعضها وإن تطرّق إليه إلاّ أنّه لم يوفه حقه، بل كان معظم اهتمامها منصرفاً إلى المواعظ والعبادات، وقد قرن القرآن المصلحتين في غير ما آية قال تعالى: {أية : من عَمِل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينَّه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون}تفسير : [النحل: 97]. المظهر الثالث: اختصاصه بإقامة الحجة، ومجادلة المخاطبين بصنوف المجادلات وتعليل أحكامه، بالترغيب وبالترهيب، وذلك رعي لمراتب نفوس المخاطبين، فمنهم العالم الحكيم الذي لا يقتنع إلاّ بالحجة والدليل، ومنهم المكابر الذي لا يرعوي إلاّ بالجدل والخطابة، ومنهم المترهّب الذي اعتاد الرغبة فيما عند الله، ومنهم المكابر المعاند، الذي لا يقلعه عن شغبه إلاّ القوارع والزواجر. المظهر الرابع: أنّه جاء بعموم الدعوة لسائر البشر، وهذا شيء لم يسبق في دين قبله قط، وفي القرآن: {أية : قل يأيها الناس إنّي رسول الله إليكم جميعاً}تفسير : [الأعراف: 158]، وفي الحديث الصحيح: «حديث : أعْطِيتُ خمساً لم يُعْطَهُنّ أحَدٌ قبلي - فذكر - وكانَ الرسول يُبعث إلى قومه خاصة وبُعِثْتُ إلى الناس عامة»تفسير : وقد ذكر الله تعالى الرسل كلّهم فذكر أنّه أرسلهم إلى أقوامهم. والاختلاف في كون نوح رسولاً إلى جميع أهل الأرض، إنّما هو مبْني: على أنّه بعد الطوفان انحصر أهل الأرض في أتباع نوح، عند القائلين بعموم الطوفان سائرالأرض، ألاَ ترى قوله تعالى: {أية : ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه}تفسير : [الأعراف: 59] وأيَّاماً كان احتمال كون سكّان الأرض في عصر نوح هم من ضمّهم وطن نوح، فإن عموم دعوتة حاصل غير مقصود. المظهر الرابع: الدوام ولم يَدّعِ رسول من الرسل أنّ شريعته دائمة، بل ما من رسول، ولا كتاب، إلاّ تجد فيه بشارة برسول يأتي من بعده. المظهر الخامس: الإقلال من التفريع في الأحكام بل تأتي بأصولها ويُترك التفريع لاستنباط المجتهدين وقد بيّن ذلك أبو إسحاق الشاطبي في تفسير قوله تعالى: {أية : ما فرّطنا في الكتاب من شيء}تفسير : [الأنعام: 38] لتكون الأحكام صالحة لكلّ زمان. المظهر السادس: أنّ المقصود من وصايا الأديان إمكان العمل بها، وفي أصول الأخلاق أنّ التربية الصحيحة هي التي تأتي إلى النفوس بالحيلولة بينها وبين خواطر الشرور؛ لأنّ الشرور، إذا تَسرَّبت إلى النفوس، تعذّر أو عسر اقتلاعها منها، وكانت الشرائع تحمل الناس على متابعة وصاياها بالمباشرة، فجاء الإسلام يحمل الناس على الخير بطريقتين: طريقة مباشرة، وطريقة سدّ الذرائع الموصلة إلى الفساد، وغالب أحكام الإسلام من هذا القبيل وأحسبها أنّها من جملة ما أريد بالمشتبهات في حديث: «حديث : إن الحلال بيّن وإنّ الحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهنّ كثير من الناس»تفسير : . المظهر السابع: الرأفة بالناس حتى في حملهم على مصالحهم بالاقتصار في التشريع على موضع المصلحة، مع تطلب إبراز ذلك التشريع في صورة ليّنة، وفي القرآن {أية : يريد اللَّه بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}تفسير : [البقرة: 185] وفي الحديث: «حديث : بُعثت بالحنيفية السَّمْحَة - ولن يشادّ هذا الدين أحد إلاّ غلبه»تفسير : وكانت الشرائع السابقة تحمل على المتابعة بالشدّة، فلذلك لم تكن صالحة للبقاء؛ لأنّها روعي فيها حال قساوة أمم في عصور خاصة، ولم تكن بالتي يُناسبها ما قُدِّر مصيرُ البشر إليه من رقّة الطباع وارتقاء الأفهام. المظهر الثامن: امتزاج الشريعة بالسلطان في الإسلام، وذلك من خصائصه؛ إذ لا معنى للتشريع إلاّ تأسيس قانون للأمة، وما قيمة قانون لا تحميه القوة والحكومة. وبامتزاج الحكومة مع الشريعة أمكن تعميم الشريعة، واتّحاد الأمة في العمل والنظام. المظهر التاسع: صراحة أصول الدين، بحيث يتكرّر في القرآن ما تُستَقْرَى منه قواطعُ الشريعة، حتى تكونَ الشريعة معصومة من التأويلات الباطلة، والتحريفات التي طرأت على أهل الكتب السابقة، ويزداد هذا بياناً عند تفسير قوله تعالى: {أية : فقل أسلمت وجهي للَّه ومن اتّبعني}تفسير : [آل عمران: 20]. عُطِفَ {وما اختلف الذين أوتوا الكتاب} على قوله: {إن الذين عند الله الإسلام} للإخبار عن حال أهل الكتاب من سوء تلقّيهم لدين الإسلام، ومن سوء فهمهم في دينهم. وجيء في هذا الإخبار بطريقة مؤذنة بورود سؤال؛ إذ قد جيء بصيغة الحصر: لبيان سبب اختلافهم، وكأنّ اختلافَهم أمر معلوم للسامع. وهذا أسلوب عجيب في الإخبار عن حالهم إخباراً يتضمّن بيان سببه، وإبطال ما يَتراءى من الأسباب غير ذلك، مع إظهار المقابلة بين حال الدِّينِ الذي هم عليه يومئذ من الاختلاف، وبين سلامة الإسلام من ذلك. وذلك أنّ قوله: {إن الدين عند الله الإسلام} قد آذَن بأنّ غيره من الأدين لم يبلغ مرتبة الكمال والصلاحية للعموم، والدوام، قبل التغيير، بلَه ما طرأ عليها من التغيير، وسوء التأويل، إلى يومَ مجيء الإسلام، ليعلم السامعون أنّ ما عليه أهل الكتاب لم يصل إلى أكمل مراد الله من الخلق على أنّه وقع فيه التغيير والاختلاف، وأن سبب ذلك الاختلاف هو البغي بعدما جاءهم العلم، مع التنبيه على أنّ سبب بطلان ما هم عليه يومئذ هو اختلافهم وتغييرهم، ومن جملة ما بدّلوه الآيات الدالة على بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وفيه تنبيه على أنّ الإسلام بعيد عن مثل ما وقعوا فيه من التحريف، كما تقدّم في المظهر التاسع، ومن ثم ذمّ علماؤنا التأويلات البعيدة، والتي لم يَدْعُ إليها داععٍ صريح. وقد جاءت الآية على نظم عجيب يشتمل على معانٍ: منها التحذير من الاختلاف في الدين، أي في أصوله، ووجوب تطلّب المعاني التي لا تناقض مقصد الدين، عبرة بما طرأ على أهل الكتاب من الاختلاف. ومنها التنبيه على أنّ اختلاف أهل الكتاب حصل مع قيام أسباب العلم بالحق، فهو تعريض بأنّهم أساءوا فهم الدين. ومنها الإشارة إلى أنّ الاختلاف الحاصل في أهل الكتاب نوعان: أحدهما اختلاف كل أمة مع الأخرى في صحة دينها كما قال تعالى: {أية : وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب}تفسير : [البقرة: 113]، وثانيهما اختلاف كل أمة منهما فيما بينها وافتراقها فرقاً متباينةَ المنازع. كما جاء في الحديث: «حديث : اختلفت اليهود على اثنتين وسبعين فرقة»تفسير : يُحَذِّر المسلمين ممّا صنعوا. ومنها أنّ اختلافهم ناشيء عن بغي بعضهم على بعض. ومنها أنّهم أجمعوا على مخالفة الإسلام والإعراضِ عنه بغياً منهم وحسداً، مع ظهور أحقّيته عند علمائهم وأحبارهم كما قال تعالى: {أية : الذين ءاتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون الحق من ربك فلا تكوننّ من الممترين}تفسير : [البقرة: 146، 147]، وقال تعالى: {أية : ودّ كثير من أهل الكتاب لو يردّونكم من بعد إيمانكم كفّاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبيّن لهم الحق}تفسير : [البقرة: 109] أي أعرضوا عن الإسلام، وصمّموا على البقاء على دينهم، وودّوا لو يردّونكم إلى الشرك أو إلى متابعة دينهم حسداً على ما جاءكم من الهُدى بعد أن تبيّن لهم أنّه الحق. ولأجل أن يسمح نظم الآية بهذه المعاني، حُذِف متعلِّق الاختلاف في قوله: {اختلف الذين أوتوا الكتاب} ليشمل كلّ اختلاف منهم: من مخالفة بعضهم بعضاً في الدين الواحد، ومخالفة أهل كلّ دين لأهل الدين الآخر، ومخالفة جميعهم للمسلمين في صحّة الدين. وحُذف متعلّق العلم في قوله: {من بعد ما جاءهم العلم} لذلك. وجُعل «بغيا» عقب قوله: «من بعد ما جاءهم العلم» ليتنازعه كلُّ من فعل (اختلف) ومن لفظ (العِلم). وأُخِّر بينَهم عن جميع ما يصلح للتعليق به: ليتنازعه كلّ من فعل (اختلف) وفِعل (جاءَهم) ولفظِ (العِلم) ولفظ (بَغيا). وبذلك تعلم أنّ معنى هذه الآية أوسع معانيَ من معاني قوله تعالى: {أية : وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم للبينات بغيا بينهم}تفسير : في سورة ا[لبقرة: 213] وقوله:{أية : وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلاّ من بعد ما جاءتهم البيّنة}تفسير : في سورة [البيّنة: 4] كما ذكرناه في ذينك الموضعين لاختلاف المقامين. فاختلاف الذين أوتوا الكتاب يشمل اختلافهم فيما بينهم: أي اختلاف أهل كل ملّة في أمور دينها، وهذا هو الذي تشعر بها صيغة اختلف كاختلاف اليهود بعد موسى غيرَ مرة، واختلافِهم بعد سليمانَ إلى مملكتين: مملكة إسرائيل، ومملكة يَهُوذا، وكيف صار لكلّ مملكة من المملكتين تديُّنٌ يخالف تديُّنَ الأخرى، وكذلك اختلاف النصارى في شأن المسيح، وفي رسوم الدين، ويكون قوله: بينهم حالاً لبغيا: أي بغيا متفشيّا بينهم، بأن بغَى كلّ فريق على الآخر. ويشمل أيضاً الاختلاف بيْنهم في أمر الإسلام؛ إذ قال قائل منهم: هو حق، وقال فريق: هو مرسل إلى الأميّين، وكفر فريق، ونافق فريق. وهذا الوجه أوفى مناسبة بقوله تعالى: إن الدين عند الله الإسلام}، ويكون قوله: {بينهم} على هذا وصفا لبغيا: أي بغياً واقعاً بينهم. ومجيء العلم هو الوحي الذي جاءت به رسلهم وأنبياؤُهم، لأنّ كلمة جاء مؤذنه بعلم متلقّى من الله تعالى، يعني أنّ العلم الذي جاءهم كان من شأنه أن يصدّهم عن الاختلاف في المراد، إلاّ أنّهم أساءوا فكانوا على خلاف مراد الله من إرسال الهدى. وانتصب {بغيا} على أنّه مفعول لأجله، وعامل المفعول لأجله: هو الفعل الذي تفرّغ للعمل فيما بعدَ حرف الاستثناء، فالاستثناء كان من أزمان وعلل محذوفة والتقديرُ: ما اختلفوا إلاّ في زمن بعدما جاءهم العلم وما كان إلاّ بغياً بينهم. ولك أن تجعل بغياً منصوباً على الحال من الذين أوتوا الكتاب، وهو - وإن كان العامل فيه فعلاً منفياً في اللفظ - إلاّ أن الاستثناء المفرّغ جعله في قوه المثبت، فجاء الحال منه عقب ذلك، أي حال كون المختلفين باغين، فالمصدر مؤوّل بالمشتق. ويجوز أن تجعله مفعولاً لأجله من (اختلف) باعتبار كونه صار مثبتاً كما قرّرنا. وقد لمّحت الآية إلى أنّ هذا الاختلاف، والبغي كُفْر، لأنّه أفضى بهم إلى نقض قواعد أديانهم، وإلى نكران دين الإسلام، ولذلك ذيّله بقوله: {ومن يكفر بآيات الله} إلخ. وقولُه: {فإن الله سريع الحساب} تعريض بالتهديد، لأنّ سريع الحساب إنّما يبتدىء بحساب من يكفر بآياته، والحساب هنا كناية عن الجزاء كقوله: {أية : إنْ حسابهم إلاّ على ربي}تفسير : [الشعراء: 113]. وفي ذكر هذه الأحوال الذميمة من أحوال أهل الكتاب تحذير للمسلمين أن يقعوا في مثل ما وقع فيه أولئك، والمسلمون وإن اختلفوا في أشياء كثيرة لم يكن اختلافهم إلاّ اختلافاً علمياً فرعياً، ولم يختلفوا اختلافاً ينقض أصول دينهم بل غاية الكلّ الوصول إلى الحق من الدين، وخدمة مقاصد الشريعة، فبَنُو إسرائيل عبدوا العجل والرسولُ بين ظهرانيْهم، وعبدوا آلهة الأمم غيرَ مرة، والنصارى عبدوا مريم والمسيح، ونقضوا أصول التوحيد، وادّعوا حلول الخالق في المخلوق. فأما المسلمون لما قال أحدُ أهل التصوّف منهم كلامَاً يوهم الحُلول حكم علماؤهم بقتله.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلإِسْلاَمُ} {ٱلْكِتَابَ} {بِآيَاتِ} (19) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى بِأنَّهُ لاَ يَقْبَلُ دِيناً مِنْ أحَدٍ غَيْرَ دَينِ الإِسْلاَمِ. وَالإِسْلاَمُ هُوَ الاسْتِسْلاَمُ الكَامِلُ للهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، واتِّبَاعُ الرُّسُلِ فِيمَا بَعَثَهُمُ اللهُ بِهِ فِي كُلِّ حِينٍ، وَآخِرُهُمْ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم، فَمَنْ لَقِيَ اللهَ بَعْدَ بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ عَلَى غَيْرِ شَرِيْعَتِهِ فَلا يُقْبَلُ مِنْهُ مَا جَاءَ بِهِ، وَجَاءَتِ الرُّسُلُ أقْوَامَهُمْ مِنْ أهْلِ الكِتَابِ، يَطْلُبُونَ مِنْهُمُ اتِّبَاعَ سَبيلِ اللهِ هذا، وَيَحُثُّونَهُمْ عَلَى تَوْحِيدِ اللهِ وَلكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَخَرَجُوا عِنِ الإِسْلاَمِ الذِي جَاءَهُمْ بِهِ الأنْبِيَاءُ، وَتَفَرَّقُوا شِيعَاً وَطَوَائِفَ مُتَنَاحِرَةً مَتَقَاتِلَةً. وَلَمْ يَكُنْ سَبَبُ ذَلِكَ الاخْتِلافِ جَهْلاً بِحَقِيقَةِ الدِّينِ، فَالدِّينُ وَاحِدٌ لا مَجَالَ لِلاخْتِلاَفِ فِيهِ، وَلكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا اعْتِداءً وَظُلْماً وَبَغْياً وَتَبَاغُضاً بَيْنَهُمْ (بَغْياً بَيْنَهُمْ)، وَاتِّبَاعاً للرُّؤَسَاءِ الذِينَ تَجَاوَزُوا الحُدُودَ، وَلَوْلا بَغْيُهُمْ وَنَصْرُهُمْ مَذْهَباً على مَذْهَبٍ، وَتَضْلِيلُهُمْ مَنْ خَالَفهُمْ بِتَفْسِيرِ نُصُوصِ الدِّينِ بِالرَّأيِ وَالهَوَى، وَتَأوِيلُ بَعْضِهِ أوْ تَحْرِيفُهُ، لَمَا حَدَثَ هَذا الاخْتِلافُ. وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللهِ الدَّالَةِ عَلى وُجوبِ الاعْتِصَامِ بِالدِّينِ وَوَحْدَتِهِ، فَإنَّ اللهَ يجَازِيهِ عَلَى مَا اجْتَرحَ مِنَ السَّيِّئاتِ، واللهُ سَريعُ الحِسَابِ. أولُو العِلْمِ - أهْلُ البُرْهَانِ القَادِرُونَ عَلَى الإِقْنَاعِ. بِالقِسْطِ - بِالعَدْلِ. بَغْياً - اعْتِدَاءً وَتَجَاوُزاً لِلْحُدُودِ. الدِّينَ - الطَّاعَةَ وَالانْقِيادَ للهِ، أوِ المِلَّةَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بعد أن قال لنا: إنه إله واحد، وقائم بالقسط هو نتيجة منطقية لكونه - سبحانه - إلهاً واحداً فكأن قوله {إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ} [آل عمران: 19] هو نتيجة لقوله: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ} تفسير : [آل عمران: 18]. لماذا؟ لأنه لا تسليم لأحد إلا الله، وما دام الله إلهاً واحداً، فلا إله غيره يشاركه، يقول الحق: {أية : مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـٰهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ}تفسير : [المؤمنون: 91]. وما دام قد ثبت أنه هو الإله الواحد، فما الذي يمنعك أيها الإنسان أن تخضع لمراد منك؟ إذن فقول الحق بعد ذلك: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ} [آل عمران: 19] هو أمر منطقي جداً يجب أن ينتهي إليه العاقل، ومع ذلك رحمنا الله سبحانه وتعالى فأرسل لنا رسلاً لينبهونا إلى القضية السببية، والمسببية، والمقدمة والنتيجة {إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ} [آل عمران: 19] وإذا سألنا: ما هو الدين؟ تكون الإجابة: إن الدين كلمة لها إطلاقات متعددة فهي من "دان" تقول: دنت لفلان: رجعت له وأسلمت نفسي له، وائتمرت بأمره. ويُطلق الدين أيضاً على الجزاء، فالحق يقول عن يوم الجزاء: "يوم الدين" وهو يوم الجزاء على الطاعة وعلى المعصية، وعلى أن الإنسان المؤمن قد دان لأمر الله، فكلها تلتقي في قول الحق: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ} [آل عمران: 19] يُشعرنا بأنه قد توجد أديان يخضع لها الناس، ولكنها ليست أدياناً عند الله؛ ألم يقل الحق:{أية : لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}تفسير : [الكافرون: 6]. إن معنى ذلك أن هناك ديناً لغير الله فيه خضوع واستسلام، وفيه تنفيذ لأوامر، ولكن ليس ديناً لله، ولا ديناً عند الله. إن الدين المعترف به عند الله هو الإسلام. والدين يطلق مرة على الملة ومرة أخرى على الشريعة، فإن أراد المؤمن الأحكام المطلوبة فلك أن تسميها شريعة، وإن أراد المؤمن الطاعة، والخضوع، وما يترتب عليهما من الجزاء فليسمها المؤمن الدين، وإن أراد الإنسان كل ما ينتظم ذلك فليسمها الملة. إذن فقوله سبحانه: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ} [آل عمران: 19] تعني أنه دين عند الله إلا الإسلام، وكلمة "إسلام" مأخوذة من مادة "سين" و"لام" و"ميم". و"السين" و"اللام" و"الميم" لها معنى يدور في كل اشتقاقاتها، وينتهي عند السلامة من الفساد. وينتهي المعنى أيضاً إلى الصلح بين الإنسان ونفسه، وبين الإنسان وربه، وبين الإنسان والكون، وبين الإنسان وإخوانه، إنه صلاح وعدم فساد، كل مادة السين واللام والميم تدل على ذلك، وما دامت المادة المكونة منها كلمة "إسلام" تدل على ذلك فلماذا لا نتبعها؟. لقد قلنا سابقاً: إن الإنسان لا يخضع لمثيله إلا إذا اقتنع بما يقول، إن الإنسان يقول لمساويه الذي يأمره: لماذا تريدني أن أنفذ أوامرك؟ إنك لا بد أن تقنعني بالحكمة من ذلك الأمر، لكن عندما يؤمن الإنسان بإله واحد قائم بالقسط، ويصدر من هذا الإله أمر،فعلى الإنسان الطاعة. إذن .. فالإسلام معناه الخضوع، والاستسلام بعزة وفهم، وعزة وتعقل؛ لأن هناك عبودية تَعَقّل عندما يقف الإنسان عند المعنى السطحي، وهناك عزة تعقل عندما يقف الإنسان عند المعنى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه أو من خلفه، إن هذا هو عزة العقل فلا يستهويه أي شيء سوى الخضوع للأمر الثابت الذي لا يتناقض أبداً. فما دام الله إلهاً واحداً قائماً بالقسط فإني كعبدٍ من عبيده حين أؤمن به وآخذ عنه، فهذه عزة في الفهم وعزة في التعقل، وعزة في العبودية أيضاً، لأنني أعبد الله الذي هو فوق كل المخلوقات والكائنات، ولا أعبد مساوياً لي، وإن الذي يعبد مساوياً له لا يملك إلا إنفة وحميّة الذليل، وما دام الإسلام هو الخضوع والاستسلام لله فهو خضوع لغير مساو، و"أسلم" أي دخل في السلم، أي دخل في الصلح، وعدم التناقض، وفي الأمان والراحة، أي خلص نفسه من كل شيء إلا وجه الله؛ ولذلك يقول الحق: {أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً ٱلْحَمْدُ للَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}تفسير : [الزمر: 29]. كأن الله يريد أن يوضح لنا الفرق بين الخاضع لأمر سيد واحد، وبين الخاضع لِسَادَةٍ كثيرين. وضرب الله لنا المثل بالأمر المشهور عندنا، فقال ما معناه: هب أن عبداً له من السادة عشرة، وكل سيد له منه طلب، فماذا يصنع ذلك العبد؟ وعبد آخر له سيد واحد، هذا العبد يكون مستريحاً لأنّ له سيداً واحداً، بينما الآخر المملوك لعشرة تتضارب حياته بتضارب أوامر سادته العشرة. إذن فالعبد المملوك لشركاء تعيس؛ لأن الشركاء غير متفقين، إنهم شركاء متشاكسون، فإذا رآه سيده يفعل أمراً لسيد آخر، أمره بالعكس، وبذلك يتبدد جهد هذا العبد ويكثر تعبه، ولكن الرجل السلم لرجل، هو مستريح، وكذلك التوحيد، لقد جاء الحق سبحانه بمثل من واقعنا ليقرب لنا حلاوة التوحيد. إن العبد المؤمن بإله واحد يحمد الله لأنه خاضع لإله واحد. إذن فما دام الإسلام هو الخضوع والاستسلام ومعناه الدخول في السلم بكسر السين - أو الدخول في السلم - بفتح السين - يقول الحق: {أية : وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ}تفسير : [الأنفال: 61]. هذا الخضوع ليس لمساو، بل لأعلى. والأعلى الذي نخضع له هو الذي خلق، وهو الأعلى الذي أمدنا بقيوميته بكل شيء. إذن فإذا أسلم الإنسان، فإن هذا الإسلام له ثمن هو المثوبة من الله. إن من مصلحة الإنسان أن يسلم. {إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ} [آل عمران: 19] وما دام الدين المعترف به عند الله هو الإسلام فهو الدين الذي يترتب عليه الثواب والإسلام هو دين الرسل جميعاً، وكلهم قد آمن به؛ فإبراهيم خليل الرحمن قد قال: {أية : رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ}تفسير : [البقرة: 128]. ويعقوب عليه السلام يخبر الحق عنه في قوله لبنيه وإجابتهم له: {أية : أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـٰهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}تفسير : [البقرة: 133]. ويقول - جل شأنه -: {أية : قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ}تفسير : [الأنعام: 161-163]. إذن فالإسلام دين شائع، والمسلمون كلمة شائعة في الأديان، وبذلك لا يقف الإسلام عند رسالة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام فقط، إنما الإسلام خضوع من مخلوق لإله في منهج جاء به رسل مؤيدون بالمعجزات، إلاّ أن الإسلام بالنسبة لهذه الرسالات كان وصفاً، لكن أمة محمد صلى الله عليه وسلم تميزت بديمومة الوصف لدينها كما كان لأمم الرسل السابقة، وصار الإسلام - أيضاً - علماً لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، لأن رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم تضمنت منتهى ما يوجد من إسلام في الأرض، فلم يعد هناك مزيد عليها، وانفردت أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن صار الإسلام علماً عليها. إذن فالإسلام في الأمم السابقة كان وصفاً، وأما بالنسبة لرسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد صار علماً لأنه لم يأت بعدها دين، فإسلامها إسلام عالمي، ولذلك فنحن بهذا الدين نقول: "نحن مسلمون" أما أصحاب الديانات الأخرى فهم أيضاً مسلمون لكن بالوصف فقط. نحن الذين نتبع الدين الخاتم سمانا الله في كتابه المسلمين فهذا من إعجازات التسمية التي وافق فيها خليل الله إبراهيم عليه السلام مراد ربه: {أية : وَجَاهِدُوا فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ ٱجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَـٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَـاةَ وَٱعْتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ}تفسير : [الحج: 78]. لقد صار الإسلام اسماً لأمة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولا يُطلق هذا الوصف اسماً إلا على من بالغ في التسليم. كيف؟ نحن نعلم أن لفظ "الله" علم لواجب الوجود، ونعلم أن "حي" صفة من صفات الله سبحانه وتعالى. ولكن صارت كلمة "حي" اسماً من أسماء الله؛ لأن الله حي حياة كاملة أزلية. إذن لا تكون إلا إذا أخذ الوصف فيها الديمومة والإطلاق. وعلى هذا القياس يكون الرسل السابقون على محمد صلى الله عليه وسلم، والأمم السابقة على أمة الإسلام، كانوا مسلمين، وكانوا أمماً مسلمة بالوصف، ولكن أمة محمد صلى الله عليه وسلم تميزت بالإسلام وصفاً وعَلَماً، فصار الأمر بالنسبة إليها اسماً، ونظراً لأنه لن يأتي شيء بعدها، لذلك صار إسلام أمة رسول الله "علماً". ولقد بشر سيدنا إبراهيم عليه السلام بهذا الأمر: {أية : مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ} تفسير : [الحج: 78]. إن الحق قد أورد على لسان سيدنا إبراهيم بالوضوح الكامل "هو سماكم المسلمين" ولم يقل الحق: "هو وصفكم بالمسلمين". لا، إنما قال: "هو سماكم المسلمين"، لأن الأمم السابقة موصوفة بالإسلام، وأما أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي مسماة بالإسلام. وتجد من إعجازات التسمية، أننا نجد لأتباع الأديان الأخرى أسماء أخرى غير الإسلام، فاليهود يسمون أنفسهم باليهود نسبة لـ"يوها". ويقولون عن أنفسهم: "موسويون" نسبة إلى موسى عليه السلام. والمسيحيون يسمون أنفسهم بذلك نسبة إلى المسيح عيسى بن مريم. ولم نقل نحن أمة رسول الله عن أنفسنا: "إننا محمديون" لقد قلنا عن أنفسنا: "نحن مسلمون". ولم يأت على لسان أحد قط إلا هذه التسمية لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وصار اسم الإسلام لنا شرفاً. إذن، فيقول الله الحق: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ} [آل عمران: 19] يعني، أنه، إن جاز أن يكون لرسول أو لأتباع رسول وصف الإسلام فقد يجيء رسول بشيء جديد لم يكن عند الأمم السابقة فنزيده نحن بالتسليم، وبزيادتنا - نحن المسلمين - بهذا التسليم خُتِمَ التسليم بنا نحن أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذا صار الإسلام لا يُطلق إلا علينا. إن الحق سبحانه وتعالى يوضح لنا أن الذين أُوتوا الكتاب قد اختلفوا من بعد ما جاءهم العلم. ولماذا اختلفوا؟ جاءت الإجابة من الحق الأعلى: (بغيا بينهم) وكلمة الاختلاف هذه توحي أن هناك شيئاً متفقاً عليه، وما دام الإسلام هو خضوعاً لمنهج الله. لأنه إله واحد وقائم بالقسط، فمن أين يوجد الاختلاف؟ وما الذي زاد حتى يوجد اختلاف؟ أَبَرَزَ إلهٌ آخر يناقض الله في ملكه؟ لا لم يحدث. وما دام الإله واحداً، وما دام المنهج القادم من عنده منهجاً واحداً، فمن أين جاء هذا الاختلاف؟ إن الحق يوضح لنا أن الاختلاف قد جاء للذين أوتوا الكتاب من بعد ما جاءهم العلم وتلك هي النكاية، وذلك هو الشر، فلو كانوا قد اختلفوا من قبل أن يأتي إليهم العلم لقلنا: "إنهم معذورون في الاختلاف". ولكن أن يحدث الاختلاف من بعد أن جاء العلم من الإله الواحد القائم بالقسط فلنا أن نقول لهم: ما الذي جَدَّ لتختلفوا؟ إن الذي جَدَّ هو من عالم الأغيار، وما دام الجديد قد جاء إليهم من عالم الأغيار، فمعنى ذلك أن هوى النفس قد دخل، ونريد أن نعرف أولاً معنى الاختلاف، الاختلاف في حقيقته هو ذهاب نفس إلى غير ما ذهبت إليه نفس أخرى. ولماذا حدث الاختلاف هنا رغم أن الإله واحد، وهو قائم بالقسط؟ لا بد لنا أن نستنتج أن شيئاً جديداً قد نبت، ما هو هذا الشيء؟ إنه الهوى المختلف، وحينما يقال: "اختلفوا" فنحن نعلم أن جماعة قد ذهبت إلى شيء وجماعة أخرى ذهبت إلى شيء آخر. وقد نستنتج أن طرفاً قد ذهب إلى حق، وأن الطرف الآخر قد ذهب إلى باطل، أو أنهم جميعاً قد ذهبوا إلى باطل. والذهاب إلى الباطل قد يختلف؛ لأن كل باطل له لون مختلف. هل أراد الحق سبحانه وتعالى أن يقول: أنا أنزلت الأديان، ومن رحمتي بخلقي تركت بعضاً من الناس يحتفظون بالحق في ذاته وإن طرأ عليهم أناس يختلفون معهم. وتجد المثال لذلك في اليهود، عندما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. لقد اختلفوا، وأسلم منهم أناس وآمنوا برسالة النبي الخاتم، بينما الآخرون لم يسلموا، ومن أسلم هم الذين كانوا على الحق، ومن رحمة الله تعالى أنه جعل الذين علموا برسالة رسول الله أن يعلنوا البشارة في كتبهم ولم يكتموا ذلك العلم بل أعلنوا الإيمان، بينما أصر البعض الآخر على كتمان ما جاءهم من العلم وأصروا على الإنكار. إن الذين أسلموا هم الذين ينطبق عليهم قول الشاعر: شعر : إن الذي جعل الحقيقة علقما لم يخل من أهل الحقيقة جيلا تفسير : وإذا كان الله قد عصم الأجيال المتتالية من أمة الإسلام بأن حفظ لنا القرآن. ففي الأديان الأخرى كان هناك أناس من أهل الحقيقة، وأنصفهم الله: {أية : لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ آنَآءَ ٱللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ وَأُوْلَـٰئِكَ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ}تفسير : [آل عمران: 113-114]. لقد أنصفهم الله حق الإنصاف، والذين آمنوا برسول الله من أتباع تلك الديانات قد اهتدوا إلى الحق، واختلفوا مع غيرهم وقول الحق: {أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} [آل عمران: 19] هذا القول يقتضي أن نقف عند "أوتوا" ونقف عند "الكتاب" وقفة أخرى، إن قول الحق "أوتوا" أي أن شيئاً قد جاء إليهم من جهة أخرى. إذن فالكتاب ليس من أفكار البشر؛ لأن المنهج لو كان من أفكار البشر لكان من الممكن أن يختلفوا فيه أو حوله، وبناء "أوتوا" للمجهول يجعلنا نسأل: من الذي آتاهم الكتاب؟ إنه الله سبحانه وتعالى، والحق سبحانه وتعالى لا يأتي بمختلف فيه. وما دام الكتاب من عند الله فلا يمكن أن يوجد فيه خلاف. يقول الحق: {أية : وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً}تفسير : [النساء: 82]. وكأن الله ينبهنا بذلك القول إلى أن كل شيء ينبت من البشر للبشر، فلا بد أن تحدث فيه خلافات. إنما الشيء عندما يأتي من الواحد الأحد لا يمكن أن يحدث فيه خلاف أبداً. لا يمكن أن يحدث خلاف فيما اتحد فيه المصدر والمنبع إلا إن وجدت - بضم الواو وكسر الجيم - أشياء زائدة عن ذلك، وهذه الأشياء الزائدة هي أهواء الذين يقولون: إنهم منسوبون إلى الله. إذن فالحق سبحانه وتعالى يوضح لنا أن الكتاب لم يأت إليهم من بشر مثلهم، إنما من إله واحد قادر، وفي هذا تنبيه لأتباع الديانات السابقة. أي إنكم أيها الأتباع لا تتبعون إلا منهج الله، وحين تتبعون منهج الله الذي جاء به الرسل فأنتم لا تتبعون أحداً من الخلق، لأن أي رسول أرسل إليكم إنما جاء ليبلغكم بمنهج قادم من ربكم، ولم يقل لكم أحد من الرسل إن المنهج قادم من عنده والرسول يحمل نفسه على الطاعة والخضوع للمنهج المنزل عليه قبلكم، وهذه عزة لكم، ولينتبه جميع الخلق أن المنهج الحق دائماً قد أخذه الرسل من الله. وحين يقول الحق: "الكتاب" فلنا أن نعرف أن كلمة "الكتاب" قد وردت في القرآن الكريم في أكثر من موضع، إن الحق سبحانه وتعالى يسمي القرآن مرة "قرآنا" لأنه يقرأ، ويسميه الحق أيضاً "الكتاب" وذلك دليل على أنه يُكتب، وحين نقول: إن القرآن من "القراءة" فهذا يعني أن نبرز ما في الصدور بالقراءة ولكن ما في الصدور قد تلويه الأهواء؛ لذلك يحرس الحق قرآنه بما في السطور ولذلك فالقرآن مقروء ومكتوب. وعندما يقول الحق "من أهل الكتاب"، فإن ذلك تنبيه لنا أن الكتاب هو منهج مكتوب، أي لم يتم وضعه في الصدور ونسيته النفوس، لا، إنه منهج مكتوب، هكذا حدد الحق أمر المنهج السابق على القرآن، إنه مكتوب، فإن لعبت أهواء النفوس كما لعبت، فإن ذلك يعني تحريف الكلم عن مواضعه. ولنا أن ننتقل الآن إلى معرفة "العلم": ما هو العلم؟ إن العلم هو أن تدرك قضية وهذه القضية واقعة في الوجود تستطيع أن تقيم الدليل عليها، وغير ذلك من القضايا لا يصل إلى مرتبة العلم لأنه لا يستطيع أحد أن يدلل عليه. مثال ذلك: نحن نقول: "الأرض كروية" إن كروية الأرض هي نسبة حدثت، ونقولها ونحن جازمون بها. والسابقون لنا في عصور سابقة قال بعضهم: "إن الأرض مسطحة"، وحاول أن يجد من الأسباب ما يقيم الدليل على ذلك, ولكن الذين أقاموا الدليل على أن الأرض كروية كانوا صادقين بالفعل. وفي العصر الحديث صارت كروية الأرض أمراً مرئياً من سفن الفضاء، وغيرها من الوسائل، ونحن نعرف أنه "ليس مع العين أين" إن الكروية بالنسبة للأرض، هي نسبة، نقولها ونجزم بها، والواقع أنها كذلك، ونستطيع أن نقيم على ذلك الدليل. هذا هو العلم المستوفى، إن فساد الناس أنهم يأتون إلى قضية لن تصل إلى هذه المرتبة ويسمونها "علماً" كقولهم: إن الإنسان أصله قرد، لا، إن أحداً لا يستطيع الجزم بذلك، وتلك قضية ليست من العلم، إن كلمة "علم" تُطلق على القضية المجزوم بها؛ وهي واقعة في الوجود، ونستطيع أن ندلل عليها، وإذا كانت القضية مجزوماً بها؛ وواقعة في الوجود، ولكنك لا تستطيع أن تدلل عليها، فماذا تسمي هذه القضية؟ هذا ما يطلق عليه "تقليد" تماماً كما يقلد الولد أباه قبل أن ينضج عقله فيقول: "لا إله إلا الله، الله واحد". ومثلما يأخذ التلميذ عن أستاذه القضية العلمية، ولا يعرف كيفية إقامة الدليل عليها، فهذا نطلق عليه "تقليداً"، وإلى أن ينضج عقل التلميذ ويحسن استيعابه نقول له: ابحث بحثاً آخر لتقديم الدليل. إذن فالتقليد هو قضية مجزوم بها، وواقعة، ولا يوجد عليها دليل. وهكذا نعرف أن "العلم" يمتاز عن التقليد بوجود القدرة على التدليل، لكن إذا ما كانت هناك قضية ومجزوم بها ولكنها ليست واقعة، فماذا نسمي ذلك؟ إن هذا هو الجهل. إن الجهل لا يعني عدم علم الإنسان، ولكن الجهل يعني أن يعلم الإنسان قضية مخالفة للواقع ومناقضة له. أما الذي لا يعلم فهو أميّ يحتاج إلى معرفة الحكم الصحيح، فالجاهل أمره يختلف، إنه يحتاج منا أن نُخرج من ذهنه الحكم الباطل؛ ونضع في يقينه الحكم الصحيح، وهكذا تكون عملية إقناع الجاهل بالحكم الصحيح هي عملية مركبة من أمرين، إخراج الباطل من ذهنه، ووضع الحكم الصحيح في يقينه. ولذلك فنحن نجد أن تعب الناس يتأتى من الجهلاء، لا من الأميين؛ لأن الجاهل هو الذي يجزم بقضية مخالفة للواقع ومناقضة له، أما الأميّ فهو لا يعرف، ويحتاج إلى أن يعرف. وماذا يكون الأمر حين تكون القضية غير مجزوم بها، وتكون نسبة عدم الجزم، مساوية للجزم؟ هنا نقول: إن هذا الأمر هو الشك، وإن رجح أمر الجزم على عدم الجزم فهذا هو الظن، وإن رجح عدم الجزم يكون ذلك هو الوهم. إذن فوسائل إدراك القضايا هي كالآتي: أولاً: علم. ثانياً: تقليد. ثالثاً: جهل. رابعاً: شك. خامساً: ظن. سادساً: وهم. والعلم هو أعلى المستويات في إدراك القضايا. ولذلك نجد أن الحق يحدد لنا على ماذا اختلف الذين أوتوا الكتاب، لقد اختلفوا من بعد ما جاءهم العلم. ولم يقل الحق: إنهم اختلفوا بعد ما جاءهم التقليد أو الظن، أو الجهل أو الشك، إنما قال الحق: إنهم قد اختلفوا من بعد ما جاءهم الاستيفاء الكامل، وهو العلم. وما دام هناك أمر قد جاء من القائم بالقسط والإله الواحد، فالمسألة القادمة منه وهي الحق قد وصلت إلى مرتبة العلم. إذن، ففيم الاختلاف؟ لا بد أن أمراً ما قد جدّ والذي يجدُّ إنما هو قادم من الأغيار، وهي الأهواء، ولذلك يحدد لنا الحق هذا الأمر بقوله "بغياً بينهم". ما البغي؟ البغي هو طلب الاستعلاء بغير حق. إذن فطلب الاستعلاء ليس ممقوتاً في ذاته؛ لأن طلب الاستعلاء هو قضية الطموح في الكون. وأن يطلب إنسان الرفعة فيجد ويجتهد، ويبذل العرق ليصل إلى مكانة علمية أو غيرها، فهذا حق طبيعي، ونحن نعرف أن العالم قد ارتقى بالطموحات الإنسانية، إن العالم لو اكتفى وثبت عند الذي وصل إليه في جيل ما، فإن العالم يحكم على نفسه بالجمود، ولكن الناس طورت في العالم الذي تحياه بجهد بذله البعض منهم في قضايا نافعة، ثم حاولوا أن يرتقوا بها ونالوا حقهم من التقدير، وارتفعوا بالعلم بجهد حقيقي بذلوه، وبدراسة لما بذله السابقون عليهم. إذن فطلب الاستعلاء في حد ذاته غير ممقوت، بل محمود ما دام قائما على الجهد. لكن أن يطلب الإنسان الاستعلاء بغير حق، فهذا هو البغي. لقد أثبت الله لنا في هذه الآية، أن كل خلاف بين رجال دين، أو بين دين ودين، إنما مرجعه إلى نشوء البغي، ونشوء البغي هو طلب رجال دين الاستعلاء بغير الحق. ومظاهر طلب الاستعلاء بغير حق هو إعطاء الفتاوى التي توافق أمزجة القوم، وتخالف ما أنزله الحق. إن الواحد من هؤلاء يدعي لنفسه التحضر، ويعطي من الفتاوى ما يناقض الذي أنزله الله، ويدعي أنه يأخذ الدين بروح العصر، ويدعي لنفسه عدم الجمود، ويذهب إلى حد اتهام المتمسكين بدينهم بأنهم متخلفون، والهدف الذي يختبئ في صدر مثل هذا الإنسان هو الاستعلاء في قومه بغير الحق، ويجب أن نفهم أن كل خلاف بين أهل دين واحد، أو بين دين ودين، منبعه قول الحق: "بغياً بينهم". وهذا يعني اتباع البعض للهوى النابع من بينهم ولم ينزله الله. لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى إمّا أن ينزل حكماً محكماً لا رأي فيه لأحد، ولا يستطيع أحد أن ينقضه، وإما أن ينزل الله حكماً قابلاً للفهم والاجتهاد. ولم يجعل الله الأحكام كلها من لون واحد، إنما جعل الأحكام على لونين، وذلك حتى يحترم الإنسان ما وهبه الخالق له من عقل، ويجعل له مهمة، فيأتي بقضية ويبحثها ويرجح سبباً على سبب. وفي ذلك استخدام من الإنسان لعقله، إنها رحمة من الله حتى لا يجمد العقل الإنساني. إذن فإذا رأيت أي خلاف بين رجال الدين أو بين دين ودين فاعلم أن القول الفصل في هذا الأمر هو ما عبر عنه في القرآن: "بغياً بينهم" فمن البغي يهب الهوى الذي تنشأ منه الأعاصير، إن من يحب الاستعلاء بغير الحق هو الذي يحاول البغي فيدعي لنفسه أنه أرقى في الفكر، أو يستعلي عند من يملكون له أمراً، أو يستعلي عندما يوافق حاكماً في رأي من الآراء، ويبرر للحاكم حكماً من الأحكام. إن كلمة "بغياً بينهم" يدخل في نطاقها كل موجات الخروج عن منهج الله، والتي نراها في الكون، والرسول صلى الله عليه وسلم قد أعطانا المناعة ضد الأمراض النفسية الناشئة عن البغي، مثلما يعطي المعاصرون المصل ضد أمراض البدن التي تفتك بالإنسان، وحتى لا تفاجئنا أمراض البغي، نجد الرسول يعطينا المناعة. فيقول لنا صلى الله عليه وسلم: "حديث : البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس ". تفسير : ويحذرنا الرسول صلى الله عليه وسلم من ذلك كما في الحديث التالي: فيقول صلى الله عليه وسلم: "حديث : البر ما سكنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما لم تسكن إليه النفس ولم يطمئن إليه القلب وإن أفتاك المفتون ". تفسير : إن الرسول صلى الله عليه وسلم يحذرنا ليوضح لنا أن أهل البغي لهم لجاج في أن يقولوا ويصدروا الفتاوى، وما معنى الإفتاء الذي يحذرنا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هل هو مجرد رأي؟ أم هو رأي يأتي من إنسان معروف عنه أنه مشتغل بعلم الله وبالأحكام؟ إن الرسول صلى الله عليه وسلم ينبهنا إلى ذلك مناعة لنا. فقد يصبح أصحاب الحق قلة، وليس لهم نصيب في إيصال رأيهم للناس، أو أن الذين يملكون الكلمة الإعلامية ليسوا مع أصحاب الحق بل في جانب رجل يساير الباطل أو الركب. وهنا نرى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أعطانا المناعة حتى لا ييأس المتمسكون بالحق، فأمر الدين لن يمر رخاء، أو بسلام دائم، بل سنجد قوماً يفسرون أحكام الدين بغياً بينهم، ويلوون الأشياء؛ لذلك أوضح لنا أن المؤمن حَكَمٌ في نفسه، ويحذرنا من الذين يفتون بالبغي، إن الإفتاء يحتاجه الناس من الذي يعلم، ولذلك جاءت كلمة "يستفتونك" أكثر من مرة في القرآن الكريم، لأن الذين يطلبون الفتوى هم الذين يحتاجون إلى توضيح لأمر ما؛ لأنهم مشغولون بقضية الإيمان، ولذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم يحذرنا من الذين يحاولون إلقاء الفتاوى، ويحذر كل مؤمن من أن يستمع لكل فتوى. ويقول الحق: {وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} [آل عمران: 19]. إذن فمن هو الذي يكفر بآيات الله؟ وفي أي مجال؟ إن الكفر بآيات الله هنا محدد في الاختلاف، وفي البغي بينهم، أي طلب الاستعلاء بغير حق، وسمى الحق كل ذلك "كفرا" والمراد منه هنا التنبيه لنا ألا نستر أحكام الله بالاختلاف أو البغي، وجاء التحذير في تذييل الآية بقوله: {فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} [آل عمران: 19]. فإياك أن تستطيل أمر الجزاء وتقول: سأستمتع بنتيجة البغي والاختلاف لخدمة من يهمهم أمر الاختلاف، ويهمهم أمر البغي، لأنك تريد أن تتعجل أشياء تظن أنها نافعة لك، لكن ها هو ذا الحق سبحانه يحذرك أن تستبطئ حسابه، لماذا؟ لأنه من الجائز أن يأتي لك الحساب من الله في الدنيا، وهب أن الله لم يبتل مثل هذا الإنسان ببلاء كبير في الدنيا فإن هذا الإنسان سيكون له الحساب العسير في الآخرة. وقد يقول قائل: إن الحساب في الدنيا قد يؤجله الله إلى الآخرة، والعلامات الصغرى للقيامة نحن في مراحلها، وما زالت العلامات الكبرى ليوم القيامة لم تظهر. لمثل هذا القائل نقول: هناك فرق بين الحدث في ذاته، وبين الحدث فيمن يُجرى عليه الحدث. هناك فرق بين أن تقوم القيامة على الناس جميعاً، وبين أن تُختصر حياة الإنسان بحادثة ليست في حسبانه، فقد يفتي الإنسان فتوى اليوم؟ وتأتي له حادثة فورية تنقله فجأة إلى سريع الحساب، فإن استبطأ إنسان الحساب، فعليه أن يعرف أن الآخرة قد تجيء له أسرع من مسائل الدنيا, لأن الإنسان لا يملك القدرة على إطالة عمره، ومفتاح العمر عند الخالق الأكرم، وهو الذي يملك القدرة على أن ينقل إليه من يريد في أي وقت. وهكذا تكون الآخرة بالنسبة للمستبطئ للحساب أسرع من حساب الدنيا، وكلمة "حساب" كلمة تطمئن المؤمن إلى أن الله قائم بالقسط لا يتخلى حتى عمن كفر به أو عصاه، إن كل إنسان يأخذ ماله ويدفع ما عليه، ويقول الحق من بعد ذلك: {فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ ...}.
الجيلاني
تفسير : {إِنَّ ٱلدِّينَ} القيوم والشرع المستقيم المقبول المرضي {عِندَ ٱللَّهِ} الهادي للعباد إلى طريق الرشاد هو {ٱلإِسْلاَمُ} المنزل من عنده إلى خير الأنام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم {وَمَا ٱخْتَلَفَ} المعاندون المنكرون لدين الإسلام من {ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} أي: اليهود والنصارى {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ} اليقيني في كتبهم المنزلة من عند الله بأنه سيظهر النبي الحق، والدين الحق الناسخ لجميع الأديان السابقة، وعلموا حين ظهوره حقيته بالدلائل والعلامات المبينة في كتابهم، ومع ذلك ينكرونه {بَغْياً} حسداً ثابتاً {بَيْنَهُمْ} ناشئاً من طلب الرئاسة والاستكبار والعتو الإصرار {وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} بأمثال هذه الأباطيل المموهة يجازيهم على كل منها بلا فوت شيء {فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} [آل عمران: 19] لا ي عزب عن علمه شيء، شديد العقاب لمن أنكر آياته بعد ظهور حقيتها. {فَإنْ حَآجُّوكَ} جادلوك يا أكمل الرسل بعد ظهور حقية دينك وكتابك عندهم مكابرة وعناداً، لا تجادل معهم بل أعرض عنهم {فَقُلْ أَسْلَمْتُ} أي: فوضت وسلمت أمري في ظهور ديني، ووجهت: {وَجْهِيَ} صورتي المخلوقة على صورة الله المستجمع للكل {للَّهِ} ظاهراً وباطناً {وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ} فعليهم الانقياد والتسليم إلى الله في جميع الأمور {وَقُلْ} يا أكمل الرسل إمحاضاً للنصح {لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ} أي: اليهود والنصارى {وَٱلأُمِّيِّينَ} الذين لا يأتيهم الكتاب والدعوة: {أَأَسْلَمْتُمْ} بدين الإسلام المبين لتوحيد الله كما أسلمت أنا ومن اتبعني بعدما ظهر لكم دلائل حقيته، أم لم تسلموا بغياً وعناداً؟ {فَإِنْ أَسْلَمُواْ} بعد دعوتك وعرضك لهم طريق الهداية {فَقَدِ ٱهْتَدَواْ} إلىطريق الحق كما اهتديت أنت ومن تبعك {وَّإِن تَوَلَّوْاْ} أعرضوا عن دعوتك عناداً واستكباراً {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَٰغُ} أي: لم يضروك بإعراضهم بل ما عليك من حسابهم من شيء، ولا عليهم من حسابك من شيء، فأعرض عنهم {وَٱللَّهُ} المحيط بهم وبضمائرهم {بَصِيرٌ} خبير {بِٱلْعِبَادِ} [آل عمران: 20] وأحوالهم وأعمالهم، يجازيهم على مقتضى علمه وخبرته.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):