Verse. 313 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

فَاِنْ حَاۗجُّوْكَ فَقُلْ اَسْلَمْتُ وَجْہِيَ لِلہِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ۝۰ۭ وَقُلْ لِّلَّذِيْنَ اُوْتُوا الْكِتٰبَ وَالْاُمِّيّٖنَ ءَاَسْلَمْتُمْ۝۰ۭ فَاِنْ اَسْلَمُوْا فَقَدِ اھْتَدَوْا۝۰ۚ وَاِنْ تَوَلَّوْا فَاِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلٰغُ۝۰ۭ وَاللہُ بَصِيْرٌۢ بِالْعِبَادِ۝۲۰ۧ
Fain hajjooka faqul aslamtu wajhiya lillahi wamani ittabaAAani waqul lillatheena ootoo alkitaba waalommiyyeena aaslamtum fain aslamoo faqadi ihtadaw wain tawallaw fainnama AAalayka albalaghu waAllahu baseerun bialAAibadi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فإن حاجوك» خاصمك الكفار يا محمد في الدين «فقل» لهم «أسلمت وجهي لله» أنقدت له أنا «ومن اتبعن» وخص الوجه بالذكر لشرفه فغيره أولى «وقل للذين أوتوا الكتاب» اليهود والنصارى و «الأميين» مشركي العرب «أأسلمتم» أي أسلموا «فإن أسلموا فقد اهتدوا» من الضلال «وإن تولوا» عن الإسلام «فإنما عليك البلاغ» أي التبليغ للرسالة «والله بصير بالعباد» فيجازيهم بأعمالهم وهذا قبل الأمر بالقتال

20

Tafseer

الرازي

تفسير : إعلم أنه تعالى لما ذكر من قبل أن أهل الكتاب اختلفوا من بعد ما جاءهم العلم، وأنهم أصروا على الكفر مع ذلك بيّن الله تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم ما يقوله في محاجتهم، فقال: {فَإنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ للَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ } وفي كيفية إيراد هذا الكلام طريقان: الطريق الأول: أن هذا إعراض عن المحاجة، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم كان قد أظهر لهم الحجة على صدقه قبل نزول هذه الآية مراراً وأطواراً، فإن هذه السورة مدنيّة، وكان قد أظهر لهم المعجزات بالقرآن، ودعاء الشجرة وكلام الذئب وغيرها، وأيضاً قد ذكر قبل هذه الآية آيات دالة على صحة دينه، فأولها: أنه تعالى ذكر الحجة بقوله {ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ } على فساد قول النصارى في إلٰهية عيسى عليه السلام وبقوله {أية : نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقّ } تفسير : [آل عمران: 3] على صحة النبوّة، وذكر شبه القوم، وأجاب عنها بأسرها على ما قررناه فيما تقدم، ثم ذكر لهم معجزة أخرى، وهي المعجزات التي شاهدوها يوم بدر على ما بيناه في تفسير قوله تعالى: {أية : قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا } تفسير : [آل عمران: 13] ثم بيّن صحة القول بالتوحيد، ونفى الضد والند والصاحبة والولد بقوله {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } تفسير : [آل عمران: 18] ثم بيّن تعالى أن ذهاب هؤلاء اليهود والنصارى عن الحق، واختلافهم في الدين، إنما كان لأجل البغي والحسد، وذلك ما يحملهم على الانقياد للحق والتأمل في الدلائل لو كانوا مخلصين، فظهر أنه لم يبق من أسباب إقامة الحجة على فرق الكفار شيء إلا وقد حصل، فبعد هذا قال: {فَإنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ للَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ } يعني إنا بالغنا في تقرير الدلائل، وإيضاح البينات، فإن تركتم الأنف والحسد، وتمسكتم بها كنتم أنتم المهتدين، وإن أعرضتم فإن الله تعالى من وراء مجازاتكم، وهذا التأويل طريق معتاد في الكلام، فإن المحق إذا ابتلى بالمبطل اللجوج، وأورد عليه الحجة حالاً بعد حال، فقد يقول في آخر الأمر: أما أنا ومن اتبعني فمنقادون للحق، مستسلمون له، مقبلون على عبودية الله تعالى، فإن وافقتم واتبعتم الحق الذي أنا عليه بعد هذه الدلائل التي ذكرتها فقد اهتديتم، وإن أعرضتم فإن الله بالمرصاد، فهذا الطريق قد يذكره المحتج المحق مع المبطل المصر في آخر كلامه. الطريق الثاني: وهو أن نقول: إن قوله {أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ للَّهِ } محاجة، وإظهار للدليل، وبيانه من وجوه: الوجه الأول: أن القوم كانوا مقرين بوجود الصانع، وكونه مستحقاً للعبادة، فكأنه عليه الصلاة والسلام قال للقوم: هذا متفق عليه بين الكل فأنا مستمسك بهذا القدر المتفق عليه وداع للخلق إليه، وإنما الخلاف في أمور وراء ذلك وأنتم المدعون فعليكم الاثبات، فإن اليهود يدعون التشبيه والجسمية، والنصارى يدعون إلٰهية عيسى، والمشركين يدعون وجوب عبادة الأوثان فهؤلاء هم المدعون لهذه الأشياء فعليهم إثباتها، وأما أنا فلا أدعي إلا وجوب طااعة الله تعالى وعبوديته، وهذا القدر متفق عليه، ونظيره هذه الآية قوله تعالى: {أية : يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً } تفسير : [آل عمران: 64]. والوجه الثاني: في كيفية الاستدلال ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني، وهو أن اليهود والنصارى وعبدة الأوثان كانوا مقرين بتعظيم إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه، والإقرار بأنه كان محقاً في قوله صادقاً في دينه، إلا في زيادات من الشرائع والأحكام، فأمر الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم بأن يتبع ملته فقال: {أية : ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ حَنِيفًا } تفسير : [النحل: 123] ثم إنه تعالى أمر محمداً صلى الله عليه وسلم في هذا الموضع أن يقول كقول إبراهيم صلى الله عليه وسلم حيث قال: {أية : إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [الأنعام: 79] فقول محمد صلى الله عليه وسلم: {أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ } كقول إبراهيم عليه السلام {وَجَّهْتُ وَجْهِىَ } أي اعترضت عن كل معبود سوى الله تعالى، وقصدته بالعبادة وأخلصت له، فتقدير الآية كأنه تعالى قال: فإن نازعوك يا محمد في هذه التفاصيل فقل: أنا مستمسك بطريقة إبراهيم، وأنتم معترفون بأن طريقته حقة، بعيدة عن كل شبهة وتهمة، فكان هذا من باب التمسك بالإلزامات، وداخلاً تحت قوله{أية : وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ }تفسير : [النحل: 125]. والوجه الثالث: في كيفية الاستدلال ما خطر ببالي عند كتبة هذا الموضع، وهو أنه ادعى قبل هذه الآية أن الدين عند الله الإسلام لا غير، ثم قال: {فَإنْ حَاجُّوكَ } يعني فإن نازعوك في قولك {أية : إِنَّ الدّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلَـٰمُ } تفسير : [آل عمران: 19] فقل: الدليل عليه أني أسلمت وجهي لله، وذلك لأن المقصود من الدين إنما هو الوفاء بلوازم الربوبية، فإذا أسلمت وجهي لله فلا أعبد غيره ولا أتوقع الخير إلا منه ولا أخاف إلا من قهره وسطوته، ولا أشرك به غيره، كان هذا هو تمام الوفاء بلوازم الربوبية والعبودية، فصح أن الدين الكامل هو الإسلام، وهذا الوجه يناسب الآية. الوجه الرابع: في كيفية الاستدلال، ما خطر ببالي أن هذه الآية مناسبة لقوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام {أية : لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً } تفسير : [مريم: 42] يعني لا تجوز العبادة إلا لمن يكون نافعاً ضاراً، ويكون أمري في يديه، وحكمي في قبضة قدرته، فإن كان كل واحد يعلم أن عيسى ما كان قادراً على هذه الأشياء امتنع في العقل أن أسلم له، وأن انقاد له، وإنما أسلم وجهي للذي منه الخير، والشر، والنفع، والضر، والتدبير، والتقدير. الوجه الخامس: يحتمل أيضاً أن يكون هذا الكلام إشارة إلى طريقة إبراهيم عليه الصلاة والسلام في قوله {أية : إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} تفسير : [البقرة: 131] وهذا مروي عن ابن عباس. أما قوله {أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ للَّهِ } ففيه وجوه الأول: قال الفرّاء أسلمت وجهي لله، أي أخلصت عملي لله يقال أسلمت الشيء لفلان أي أخلصته له، ولم يشاركه غيره قال: ويعني بالوجه ههنا العمل كقوله {أية : يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } تفسير : [الكهف: 28] أي عبادته، ويقال: هذا وجه الأمر أي خالص الأمر وإذا قصد الرجل غيره لحاجة يقول: وجهت وجهي إليك، ويقال للمنهمك في الشيء الذي لا يرجع عنه: مرّ على وجهه الثاني: أسلمت وجهي لله أي أسلمت وجه عملي لله، والمعنى أن كل ما يصدر مني من الأعمال فالوجه في الإتيان بها هو عبودية الله تعالى والانقياد لإلٰهيته وحكمه الثالث: أسلمت وجهي لله أي أسلمت نفسي لله وليس في العبادة مقام أعلى من إسلام النفس لله فيصير كأنه موقوف على عبادته، عادل عن كل ما سواه. وأما قوله {وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: حذف عاصم وحمزة والكسائي، الياء من اتبعن اجتزاء بالكسر واتباعاً للمصحف، وأثبته الآخرون على الأصل: المسألة الثانية: {مِنْ } في محل الرفع عطفاً على التاء في قوله {أَسْلَمْتُ } أي ومعنى اتبعني أسلم أيضاً. فإن قيل: لم قال أسلمت ومن اتبعن، ولم يقل: أسلمت أنا ومن اتبعن. قلنا: إن الكلام طال بقوله {وَجْهِىَ للَّهِ } فصار عوضاً من تأكيد الضمير المتصل، ولو قيل أسلمت وزيد لم يحسن حتى يقال: أسلمت أنا وزيد ولو قال أسلمت اليوم بانشراح صدر، ومن جاء معي جاز وحسن. ثم قال تعالى: {وَقُلْ لّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلاْمّيّينَ ءَأَسْلَمْتُمْ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: هذه الآية متناولة لجميع المخالفين لدين محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك لأن منهم من كان من أهل الكتاب، سواء كان محقاً في تلك الدعوى كاليهود والنصارى، أو كان كاذباً فيه كالمجوس، ومنهم من لم يكن من أهل الكتاب وهم عبدة الأوثان. المسألة الثانية: إنما وصف مشركي العرب بأنهم أميون لوجهين الأول: أنهم لما لم يدعوا الكتاب الإلٰهي وصفوا بأنهم أُميون تشبيهاً بمن لا يقرأ ولا يكتب والثاني: أن يكون المراد أنهم ليسوا من أهل القراءة والكتابة فهذه كانت صفة عامتهم وإن كان فيهم من يكتب فنادر من بينهم والله أعلم. المسألة الثالثة: دلّت هذه الآية على أن المراد بقوله {فَان حاجوك } عام في كل الكفار، لأنه دخل كل من يدعي الكتاب تحت قوله {ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } ودخل من لا كتاب له تحت قوله {ٱلأمّيّينَ }. ثم قال الله تعالى {ءَأَسْلَمْتُمْ } فهو استفهام في معرض التقرير، والمقصود منه الأمر قال النحويون: إنما جاء بالأمر في صورة الاستفهام، لأنه بمنزلته في طلب الفعل والاستدعاء إليه إلا أن في التعبير عن معنى الأمر بلفظ الاستفهام فائدة زائدة، وهي التعبير بكون المخاطب معانداً بعيداً عن الانصاف، لأن المنصف إذا ظهرت له الحجة لم يتوقف بل في الحال يقبل ونظيره قولك لمن لخصت له المسألة في غاية التلخيص والكشف والبيان؛ هل فهمتها؟ فإن فيه الإشارة إلى كون المخاطب بليداً قليل الفهم، وقال الله تعالى في آية الخمر {أية : فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } تفسير : [المائدة: 91] وفيه إشارة إلى التقاعد عن الانتهاء والحرص الشديد على تعاطي المنهي عنه. ثم قال الله تعالى: {فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ } وذلك لأن هذا الإسلام تمسك بما هدي إليه، والمتمسك بهداية الله تعالى يكون مهتدياً، ويحتمل أن يريد: فقد اهتدوا للفوز والنجاة في الآخرة إن ثبتوا عليه ثم قال: {وَإِن تَوَلَّوْاْ } عن الإسلام واتباع محمد صلى الله عليه وسلم: {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ } والغرض منه تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وتعريفه أن الذي عليه ليس إلا إبلاغ الأدلة وإظهار الحجة فإذا بلغ ما جاء به فقد أدى ما عليه، وليس عليه قبولهم ثم قال: {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ } وذلك يفيد الوعد والوعيد، وهو ظاهر.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ} أي جادلوك بالأقاويل المزوّرة والمغالطات، فأسْنِدْ أمرك إلى ما كُلِّفت من الإيمان والتبليغ وعلى الله نصرك. وقوله «وَجْهي» بمعنى ذاتْي؛ ومنه الحديث «حديث : سجد وجهي للذي خلقه وصوّره»تفسير : . وقيل: الوجه هنا بمعنى القصد؛ كما تقول: خرج فلان في وجه كذا. وقد تقدّم هذا المعنى في البقرة مستوفى؛ والأوّل أولى. وعبر بالوجه عن سائر الذات إذ هو أشرف أعضاء الشخص وأجمعها للحواس. وقال:شعر : أسلمتُ وجْهي لمن أسلمتْ له المُزْنُ تحمل عَذْباً زُلاَلاَ تفسير : وقد قال حذاق المتكلمين في قوله تعالى: {أية : وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ} تفسير : [الرحمن: 27] إنها عبارة عن الذات، وقيل: العمل الذي يقصد به وجهه. وقوله: {ومَنِ ٱتَّبَعَنِ} «مَن» في محل رفع عطفا على التاء في قوله «أَسْلَمْتُ» أي ومِن ٱتبعن أسلم أيضا، وجاز العطف على الضمير المرفوع من غير تأكيد للفصل بينهما. وأثبت نافع وأبو عمرو ويعقوب ياء «ٱتْبَعنِ» على الأصل، وحذف الآخرون ٱتباعا للمصحف إذ وقعت فيه بغير ياء. وقال الشاعر:شعر : ليس تُخفى يَسارتي قدَر يوم ولقد تُخْف شيمتي إعساري تفسير : قوله تعالى: {وَقُلْ لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ وَٱلأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ} يعني اليهود والنصارى «والأُميين» الذين لا كتاب لهم وهم مشركو العرب. «أَأَسْلَمْتُمْ» ٱستفهام معناه التقرير وفي ضمنه الأمر، أي أسلموا؛ كذا قال الطبري وغيره. وقال الزجاج: «أَأَسلمتم» تهديد. وهذا حسن، لأن المعنى أَأَسلمتم أم لا. وجاءت العبارة في قوله «فَقَدِ ٱهْتَدوا» بالماضي مبالغة في الإخبار بوقوع الهدى لهم وتحصيله. و «البلاغ» مصدر بلغ بتخفيف عين الفعل، أي إنما عليك أن تُبلغَّ. وقيل: إنه مما نسخ بالجهاد. وقال ٱبن عطية: وهذا يحتاج إلى معرفة تاريخ نزولها؛ وأمّا على ظاهر نزول هذه الآيات في وَفْد نجران فإنما المعنى فإنما عليك أن تبلغ ما أُنزِل إليك بما فيه من قتال وغيره.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَإنْ حَاجُّوكَ } خاصمك الكفار يا محمد في الدين {فَقُلْ } لهم:{أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ للَّهِ } انقدت له أنا {وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ } وخص الوجه بالذكر لشرفه فغيره أولى {وَقُلْ لّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ } اليهود والنصارى {وَٱلأُمّيّينَ } مشركي العرب {ءأَسْلَمْتُمْ } أي أسلموا {فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ } من الضلال {وَإِن تَوَلَّوْاْ } عن الإسلام {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَٰغُ } التبليغ للرسالة {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ } فيجازيهم بأعمالهم وهذا قبل الأمر بالقتال.

ابن عطية

تفسير : {حاجوك} فاعلوك من الحجة والضمير في {حاجوك} لليهود ولنصارى نجران والمعنى: إن جادلوك وتعنتوا بالأقاويل المزورة، والمغالطات فاسند إلى ما كلفت من الإيمان والتبليغ وعلى الله نصرك، وقوله {وجهي} يحتمل أن يراد به المقصد كما تقول خرج فلان في وجه كذا فيكون معنى الآية: جعلت مقصدي لله، ويحتمل أن يكون معنى الآية، أسلمت شخصي وذاتي وكليتي وجعلت ذلك لله، وعبر بالوجه إذ الوجه أشرف أعضاء الشخص وأجمعها للحواس، وقد قال حذاق المتكلمين في قوله تعالى: {أية : ويبقى وجه ربك} تفسير : [الرحمن: 27] أنها عبارة عن الذات، و {أسلمت} في هذا الموضع بمعنى دفعت وأمضيت وليست بمعنى دخلت في السلم لأن تلك لا تتعدى، وقوله تعالى {ومن اتبعن} في موضع رفع عطف على الضمير في {أسلمت} ويجوز أن يكون مبتدأ أي {ومن اتبعن} أسلم وجهه، وقال بعضهم: يحتمل أن يكون في موضع خفض عطفاً على اسم الله تعالى كأنه يقول: جعلت مقصدي لله بالإيمان به والطاعة له، ولمن اتبعن بالحفظ له والتحفي بتعليمه وصحبته لك في {اتبعن} حذف الياء وإثباتها وحذفها أحسن اتباعاً لخط المصحف، وهذه النون إنما هي لتسليم فتحة لام الفعل فهي مع الكسرة تغني عن الياء لا سيما إذا كانت رأس آية، فإنها تشبه قوافي الشعر كما قال الأعشى: [المتقارب] شعر : وَهَلْ يَمْنَعَنّ ارتياد البِلا دِ منْ حَذَرِ الْمَوت أنْ يَأْتِيَنْ تفسير : فمن ذلك قوله تعالى: {أية : ربي أكرمن} تفسير : [الفجر: 15] فإذا لم تكن نون فإثبات الياء أحسن، لكنهم قد قالوا: هذا غلام قد جاء فاكتفوا بالكسرة دلاله على الياء، و {الذين أوتوا الكتاب} في هذا الموضع يجمع اليهود والنصارى باتفاق، والأميون هم الذين لا يكتبون وهم العرب في هذه الآية، وهذه النسبة هي إلى الأم أو إلى الأمة أي كما هي الأم، أو على حال خروج الإنسان عن الأم أو على حال الأمة الساذجة قبل التعلم والتحذق، وقوله: {أأسلمتم} تقرير في ضمنه الأمر كذا قال الطبري وغيره، وذلك بين، وقال الزجاج {أأسلمتم} تهديد، وهذا حسن، لأن المعنى أأسلمتم أم لا؟ وقوله تعالى: {فقد اهتدوا} وجاءت العبارة بالماضي مبالغة في الإخبار بوقوع الهدى لهم وتحصله. وقوله تعالى: {فإنما عليك البلاغ} ذكر بعض الناس أنها آية موادعة وأنها مما نسخته آية السيف. قال أبو محمد: وهذا يحتاج أن يقترن به معرفة تاريخ نزولها، وأما على ظاهر نزول هذه الآية في وقت وفد نجران فإنما المعنى {فإنما عليك البلاغ} بما فيه قتال وغيره، و {البلاغ} مصدر بلغ بتخفيف عين الفعل، وفي قوله تعالى: {والله بصير بالعباد} وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَسْلَمْتُ} انقدت. {وَجْهِىَ} نفسي، انقدت بإخلاص التوحيد. {وَالأُمِّيِّنَ} الذين لا كتاب لهم، من الأمي الذي لا يكتب، قال ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ "هم مشركو العرب". {ءَأَسْلَمْتُمْ} أمر ليس باستفهام.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {فإن حاجوك} أي خاصموك يا محمد في الدين، وذلك أن اليهود والنصارى قالوا: لسنا على ما سميتنا به يا محمد إنما اليهودية والنصرانية نسب والدين هو الإسلام ونحن عليه فأمر الله عز وجل نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يحتج عليهم بأنه اتبع أمر الله الذي هم يقرون به بقوله: {فقل أسلمت وجهي لله} أي انقدت له بقلبي ولساني وجميع جوارحي، وإنما خص الوجه بالذكر لأنه أشرف جوارح الإنسان الظاهرة إذا خضع وجهه لشيء فقد خضع له سائر جوارحه وقيل: أراد بالوجه العمل أي خلصت عملي لله وقصدت بعبادتي الله {ومن اتبعن} يعني ومن أسلم كما أسلمت أنا {وقل للذين أوتوا الكتاب} يعني اليهود والنصارى {والأميين} يعني مشركي العرب {أأسلمتم} لفظه استفهام ومعناه أمر أي أسلموا {فإن اسلموا فقد اهتدوا} يعني إلى الفوز والنجاة في الآخرة، فلما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية على أهل الكتاب قالوا: قد أسلمنا فقال لليهود: أتشهدون أن موسى كليم الله وعبده ورسوله فقالوا: معاذ الله وقال للنصارى: أتشهدون أن عيسى كلمة الله وعبده ورسوله فقالوا: معاذ الله أن يكون عيسى عبداً قال الله تعالى: {وإن تولوا} أي أعرضوا {فإنّما عليك البلاغ} يعني تبليغ الرسالة. وليس عليك هدايتهم واختلف علماء الناسخ والمنسوخ في الآية فذهب طائفة إلى أنها محكمة، والمراد بها تسلية النبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان يحرص على إيمانهم ويتألم لتركهم الإجابة، وذهب طائفة إلى أنها منسوخة بآية السيف لأن المراد بها الاقتصار على التبليغ وهذا منسوخ بآية السيف {والله بصير بالعباد} يعني أنه تعالى عالم بمن يؤمن وبمن لا يؤمن.

ابن عادل

تفسير : {فَإنْ حَآجُّوكَ} أي: خاصموك يا محمد في الدين بالأقاويل المزوَّرة، والمغالطات، فأسْند أمرك إلى ما كُلِّفْتَ به من الإيمان والتبليغ، وعلى الله نصرك وذلك أن اليهود والنصارى قالوا: لسنا على ما سميتنا به يا محمد، إنما اليهودية والنصرانية نسب، والدين هو الإسلام، ونحن عليه، فقال الله تعالى - {فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ} أي: انقدت لله وحده، وإنما خص الوجه؛ لأنه أكرم جوارح الإنسان. وقال الفرّاءُ: معناه: أخلصت عملي لله. وفي كيفية إيراد هذا الكلام وجوه: أحدها: أنه - عليه السلام - كان قد أظهر لهم الحجةَ - على صدقه - قبل نزول هذه الآية - مراراً، فإن هذه السورة مدنية، وكان قد أظهر لهم المعجزاتِ بالقرآن، ودعاء الشجرة، وكلام الذئب، وغيرها مما يدل على صحة دينه، وذكر الحجة على فساد قول النصارى بقوله {ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ}، وأجاب عن شبه القوم بأسرها، ومشاهدة يوم بدر وأثبت التوحيد، ونفى الضدَّ والندَّ والصاحبة والولد بقوله: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [آل عمران: 18]، وبين - تعالى - أن إعراضهم عن الحق إنما كان بَغْياً وحَسَداً، فلما لِمْ يَبْقَ حجة على فِرَق الكفار إلا أقامها، قال بعده: {فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ} وهذه عادة المُحِقِّ مع المُبْطِلِ، إذا أورد عليه حُجَّة بَعْدَ حُجَّة، ولم يرجع إليه، فقد يقول - في آخر الأمر -: أما أنا فمنقادٌ للحق، فإن وافقتم، واتبعتم الحق الذي أنا عليه، فقد اهتديتم، وإن اعترضتم، فالله بالمرصاد. ثانيها: أن القوم كانوا مُقِرِّينَ بوجود الصانع، وكونه مستحقاً للعبادة، فكأنه - عليه السلام - قال لهم: هذا القدر متفق عليه بين الكُلِّ، فأنا مستمسك بهذا القدر المتفق عليه، وداعي الخلق إليه، وإنما الخلاف في أمور وراء ذلك، وأنتم المدعون فعليكم الإثبات، ونظيره قوله: {أية : قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلَمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ ٱشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} تفسير : [أل عمران: 64]. وثالثها: قال أبو مسلم: هو أن اليهود والنصارى وعبدة الأوثان كانوا مقرِّين بتعظيم إبراهيم - عليه السلام -، وبأنه كان مُحِقًّا صادقاً في دينه إلا في زيادات من الشرائع، فأمر الله تعالى - محمداً - صلى الله عليه وسلم بأن يتبع ملته، بقوله تعالى: {أية : ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ}تفسير : [النحل: 123]، ثم أمر محمداً صلى الله عليه وسلم في هذا الموضع أن يقول كقول إبراهيم حيث قال: {أية : إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} تفسير : [الأنعام: 79] فقل يا محمد: "أسْلَمْتُ وَجْهِيَ" كقول إبراهيم: "وَجَّهْتُ وَجْهِيَ"، أي: أعرضت عن كل معبود سوى الله - تعالى - وقصدته وأخلصت له، كأنه قال: فإن نازعوك في هذه التفاصيل فقل: أنا متمسك بطريقة إبراهيم - عليه السلام - وأنتم مقرون بأن طريقته حق لا شبهة فيها، فكان هذا من باب التمسك بالإلزامات. فصل فَتَحَ الياءَ من "وَجْهِيَ" - هنا وفي الأنعام - نافع وابن عامر وجعفر وحفص وسكنها الباقون. قوله: {وَمَنِ اتَّبَعَنِ} في محل "مَنْ" وجوه: أحدها: الرفع؛ عطفاً على التاء في "أسْلَمْتُ"، وجاز ذلك؛ لوجود الفصل بالمفعول؛ قاله الزمخشريُّ وابن عطية. قال أبو حيان: "ولا يمكن حمله على ظاهره؛ لأنه إذا عطف الضمير في نحو: "أكلت رغيفاً وزيدٌ" لزم من ذلك أن يكونا شريكين في أكل الرغيف، وهنا لا يسوغ ذلك؛ لأن المعنى ليس على أنهم أسلموا هم. وهو صلى الله عليه وسلم أسلم وجهه، بل المعنى على أنه صلى الله عليه وسلم أسلم وجهه لله، وأنهم أسلموا وجوههم لله؛ [فالذي يقوى في الإعراب أنه معطوف على ضمير محذوف منه المفعول، لا مشارك في مفعول "أسْلَمْتُ" والتقدير: ومن اتبعني وجهه، أو أنه مبتدأ محذوف الخبر؛ لدلالة المعنى عليه، والتقدير: ومن اتبعني كذلك، أي: أسلموا وجوههم لله]، كما تقول: قضى زيد نحبه وعمرو، أي: عمرو كذلك، أي: قضى نحبه". قال شهابُ الدينِ: "إنما صحت المشاركة في نحو: أكلتُ رغيفاً وزيدٌ؛ لإمكان ذلك، وأما في الآية الكريمة فلا يُتَوَهَّمُ فيه المشاركة". الثاني: أنه مرفوع بالابتداء، والخبر محذوف - كما تقدم. الثالث: أنه منصوب على المعية، والواو بمعنى "مع" أي: أسلمت وجهي لله مع من اتبعني؛ قاله الزمخشريُّ. وقال أبو حيّان: "ومن الجهة التي امتنع عطف "مَنْ" على الضمير - إذا حُمِلَ الكلام على ظاهره دون تأويل - يمتنع كون "مَنْ" منصوباً على أنه مفعول معه؛ لأنك إذا قلتَ: أكلتُ رغيفاً وعمرو أي مع عمرو - دل ذلك على أنه مشارك لك في أكل الرغيف، وقد أجاز الزمخشريُّ هذا الوجهَ، - وهو لا يجوز - لما ذكرنا - على كل حال؛ لأنه لا يجوز حذف المفعول مع كون الواوِ واوَ "مع" ألبتة". قال شهابُ الدينِ: "فهم المعنى، وعدم الإلباس يسَوِّغ ما ذكره الزمخشريُّ، وأي مانع من أن المعنى: فقل: أسلمت وجهي لله مصاحباً لمن أسلم وَجْهَهُ لله أيضاً، وهذا معنى صحيح مع القول بالمعية". الرابع: أن محل "مَنْ" الخفض، نسقاً على اسم "الله"، وهذا الإعراب - وإن كان ظاهره مُشْكِلاً - قد يؤول على معنى: جعلت مقصدي لله بالإيمان به والطاعة له، ولمن اتبعني بالحفظ له. وقد أثبت الياءَ في "مَنِ اتَّبَعَنِي" نافع، وحذفها أبو عمرو وخلاد - وقفاً - والباقون حذفُوهَا فيهما؛ موافقةً للرسم، وحسن ذلك أيضاً كونها فاصلةً ورأس آية، نحو {أية : أَكْرَمَنِ} تفسير : [الفجر: 15] و {أية : أَهَانَنِ} تفسير : [الفجر: 16] وعليه قول الأعشى: [المتقارب] شعر : 1374- وَهَلْ يَمْنَعَنِّي ارْتيادِي الْبِلاَ دَ مِنْ حَذَر الْمَوْتِ أنْ يَأتِيَنْ تفسير : وقول الأعشى - أيضاً -: [المتقارب] شعر : 1375- وَمَنْ شَانِىءٍ كَاسِفٍ بَالُهُ إذا مَا انْتَسَبْتُ لَهْ أنْكَرَنْ تفسير : قال بعضهم: حذف هذه الياء مع نون الوقاية - خاصّة - فإن لم تكن نونٌ فالكثير إثباتُها. قوله: {وَقُلْ لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} يعني اليهود والنصارى، والمراد بالأميِّيِّين: مشركو العرب، ووصفهم بكونهم أميين؛ لأنهم لم يَدَّعوا كتاباً، شبههم بمن لا يقرأ ولا يكتب، وإما لكونهم ليسوا من أهل الكتابة والقراءة، وإن كان فيهم من يكتب فهو نادر. قوله: {أَأَسْلَمْتُمْ} صورته استفهام، ومعناه الأمر، أي: أسلموا، كقوله تعالى: {أية : فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} تفسير : [المائدة: 91]. قال الزمخشري: "يعني أنه قد أتاكم من البيِّنات ما يوجب الإسلام، ويقتضي حصوله - لا محالة - فهل أسلمتم بعدُ أم أنتم على كفركم؟، وهذا كقولك - لمن لخَّصْتُ له المسألة، ولم تُبْقِ من طُرُق البيان والكشف طريقاً إلاَّ سلكته -: هل فهمتها، أم لا - لا أُمَّ لك - ومنه قوله - عز وجل - {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} بعد ما ذكر الصوارف عن الخمر والميسر، وفي الاستفهام استقصار، وتعبير بالمعاندة، وقلة الإنصاف؛ لأن المُنْصِفَ - إذا تَجَلَّتْ لَهُ الحجَّةُ - لم يتوقف إذْعانه للحق". وقال الزّجّاج: "أأسْلَمْتُم" تهديد. قال القرطبيُّ: "وهذا حَسَنٌ؛ لأن المعنى: أأسْلَمْتُمْ أمْ لاَ؟". قوله: {فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ} دخلت "قد" على الماضي؛ مبالغة في تحقُّق وقوعِ الفعل، وكأنه قد قَرُب من الوقوع. رُوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية، فقال أهل الكتاب: أسْلَمْنَا، فقال لليهود: أتَشَهدُونَ أنّ عِيسَى كَلِمَةُ اللهِ وَعَبْدُهُ، وَرَسُولُهُ؟ فقالوا: معاذَ اللهِ، وقال للنَّصَارَى: أتَشَهدُونَ أنّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ؟ فقالوا معاذَ الله أن يكون عيسى عبداً، فقال الله عز وجل-: {وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ}، أي: تبليغ الرسالة، وليس عليك الهداية. والبلاغ: مصدر "بَلَغَ" - بتخفيف عين الفعل -. قيل: إنها نُسِخَت بالجهاد. {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ} عالم بمن يؤمن ومن لا يؤمن، وهذا يفيد الوعد والوعيد.

البقاعي

تفسير : ولما تم ذلك كان كأنه قيل: قد جئناك بالأمر الواضح الذي لا يشكون فيه {فإن حاجّوك} بعده في شيء مما تضمنه وهدى إليه ودل صريحاً أو تلويحاً عليه فاعلم أن جدالهم عن عناد مع العلم بحقيقة الحال {فقل} أي فأعرض عنهم إلى أن آمرك بالقتال، لأن من الواجبات - كما تقرر في آداب البحث - الإعراض عمن كابر في المحسوس، وقل أنت عملاً بالآية السالفة: {أسلمت وجهي} أي أخلصت قصدي وتوجهي، وانقدت غاية الانقياد {لله} الملك الأعظم الذي له الأمر كله، فلا كفوء له. قال الحرالي: ولما أدرج تعالى شهادة الملائكة وأولي العلم في شهادته لقن نبيه صلى الله عليه وسلم أن يدرج من اتبعه في إسلامه وجهه لله ليكون إسلامهم بإسلام نبيهم صلى الله عليه وسلم لا بإسلام أنفسهم، لتلحق التابعة من الأمة بالأئمة، وذلك حال الفرقة الناجية مؤثرة الفرق الاثنين والسبعين التي قال النبي صلى الله عليه وسلم "وما أنا عليه" فيما أوتي من اليقين "وأصحابي" فيما أوتوه من الانقياد وبراءتهم من الرجوع إلى أنفسهم في أمر، كما كانوا يقولون عند كل ناشئة علم أو أمر: الله ورسوله أعلم، فمن دخل برأيه في أمر نقص حظه من الاتباع بحسب استبداده - انتهى. فقال تعالى عاطفاً على الضمير المرفوع المتصل لأجل الفعل: {ومن} أي وأسلم من {اتبعن} وجوههم له سبحانه وتعالى. ولما كان المكمل لنفسه يجب عليه السعي في إكمال غيره أعلمه بذلك في قوله: {وقل} تهديداً وتعجيزاً وتبكيتاً وتقريعاً {للذين أوتوا الكتاب} أي عامة من هؤلاء النصارى الذين يجادلونك ومن اليهود أيضاً {والأمّيّن} الذين لا كتاب لهم، مشيراً بالاستفهام إلى عنادهم منكراً عليهم موبخاً لهم: {ءأسلمتم فإن أسلموا} عند ذلك {فقد اهتدوا} فنفعوا أنفسهم في الدنيا والآخرة، وفي صيغة "افتعلوا" ما يليح إلى أن الأنفس مائلة إلى الضلال زائغة عن طريق الكمال {وإن تولوا} أي عن الإسلام فهم معاندون فلا يهمنك أمرهم {فإنما عليك البلاغ} أي وعليهم وبال توليهم، وفي بنية التفعل ما يومىء إلى أن طرق الهدى بعد البيان آخذ محاسنها بمجامع القلوب، وأن الصادف عنها بعد ذلك قاهر لظاهر عقله وقويم فطرته الأولى برجاسة نفسه واعوجاج طبعه. ولما كان التقدير: فالله يوفق لقبول البلاغ عنك من علم فيه الخير، وينكب عنه من علم فيه الشر، عطف عليه قوله: {والله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً {بصير بالعباد} أي فهو يوفق من خلقه للخير منهم ويخذل غيره. لا يقدر على فعل ذلك غيره، ولا يقدر أحد غيره أن يفعل غير ذلك. ولما أشرك اليهود في هذا الخطاب وأفهم شرط التولي بأداة الشك وقوعه، فتشوفت النفس إلى معرفة جزائهم أشار إليه واصفاً لهم ببعض ما اشتد فحشه من أفعالهم فقال: - وقال الحرالي: ولما كانت هذه السورة منزلة لتبيين ما اشتبه على أهل الإنجيل جرى ذكر أهل التوراة فيها مجملاً بجوامع من ذكرهم، لأن تفاصيل أمرهم قد استقرأته سورة البقرة، فكان أمر أهل التوراة في سورة البقرة بياناً وأهل الإنجيل إجمالاً، وكان أمر أهل الإنجيل في سورة آل عمران بياناً وذكر أهل التوراة إجمالاً، لما كان لبس أهل التوراة في الكتاب فوقع تفصيل ذكرهم في سورة {أية : الم ذلك الكتاب}تفسير : [البقرة: 1، 2]، ولما كان اشتباه أمر أهل الإنجيل في شأن الإلهية كان بيان ما تشابه عليهم في سورة {أية : الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم}تفسير : [آل عمران: 1، 2] فجاء هذا الذكر لأهل التوراة معادلة بينهم وبين أهل الإنجيل بما كفروا بالآيات من المعنى الذي اشتركوا فيه في أمر الإلهية في عزير واختصوا بقتل الأنبياء وقتل أهل الخير الآمرين بالقسط؛ انتهى. فقال تعالى: {إن الذين يكفرون} وهم الذين خذلهم الله {بآيات الله} في إبراز الاسم الأعظم إشارة إلى عظيم كفرهم بكونه مما أضيف إليه سبحانه وتعالى. قال الحرالي: وفي ذكره بصيغة الدوام ما يقع منهم من الكفر بآيات الله في ختم اليوم المحمدي مع الدجال فإنهم أتباعه {ويقتلون النبيين} في إشعاره ما تمادوا عليه من البغي على الأنيباء حتى كان لهم مدخل في شهادة النبي صلى الله عليه وسلم التي رزقه الله فيما كان يدعو به حيث كان يقول صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم ارزقني شهادة في يسر منك وعافية ". تفسير : ولما كان قتلهم إياهم بدون شبهة أصلاً بل لمحض والكفر والعناد، لأن الأنبياء مبرؤون من أن يكون لأحد قبلهم حق دنيوي أو أخروي قال: {بغير حق} أي لا صغير ولا كبير في نفس الأمر ولا في اعتقادهم، فهو أبلغ مما في البقرة على عادة أفعال الحكماء في الابتداء بالأخف فالأخف. ولما خص ذكر أكمل الخلق عبر بما يعم أتباعهم فقال معيداً للفعل زيادة في لومهم وتقريعهم: {ويقتلون الذين يأمرون بالقسط} أي العدل، ولما كان ذلك شاملاً لمن لا قدرة لهم على قتله من الملائكة قال: {من الناس} أي كلهم، سواء كانوا أنبياء أو لا، ويجوز أن يكون المراد بهذا القيد زيادة توبيخهم بأنهم يقتلون جنسهم الذي من حقهم أن يألفوه ويسعوا في بقائه، وهذا تحقيق لأن قتلهم لمجرد العدوان قال الحرالي: فيه إعلام بتمادي تسلطهم على أهل الخير من الملوك والرؤساء، فكان في طيه إلاحة لما استعملوا فيه من علم التطبب ومخالطتهم رؤساء الناس بالطب الذي توسل كثير منهم إلى قتلهم به عمداً وخطأ، ليجري ذلك على أيديهم خفية في هذه الأمة نظير ما جرى على أيدي أسلافهم في قتل الأنبياء جهرة - انتهى. ويجوز أن يكون الخبر عنهم محذوفاً والتقدير: أنهم مطبوع على قلوبهم، أو: لا يؤمنون، أو: لا يزالون يجادلونك وينازعونك ويبغون لك الغوائل {فبشرهم بعذاب أليم *} أي اجعل إخبارهم بأنه لهم موضع البشارة، فهو من وادي: تحيتهم بينهم ضرب وجيع. ولما كان الحال ربما اقتضى أن يقال من بعض أهل الضلال: إن لهؤلاء أعمالاً حساناً واجتهادات في الطاعة عظيمة، بيّن تعالى أن تلك الأفعال مجرد صور لا معاني لها لتضييع القواعد، كما أنهم هم أيضاً ذوات بغير قلوب، لتقع المناسبة بين الأعمال والعاملين فقال: {أولئك} أي البعداء البغضاء {الذين حبطت} أي فسدت فسقطت، وأشار بتأنيث الفعل إلى ضعفها من أصلها {أعمالهم} أي كلها الدنياوية والدينية، وأنبأ تعالى بقوله: {في الدنيا} كما قال الحرالي - أنهم يتعقبون أعمال خيرهم ببغي يمحوها فلا يطمعون بجزائها في عاجل ولا آجل، وبذلك تمادى عليهم الذل وقل منهم المهتدي - انتهى {والآخرة} فلا يقيم لهم الله في يوم الدين وزناً، وأسقط ذكر الحياة إشارة إلى أنه لا حياة لهم في واحدة من الدارين. ولما كان التقدير: فلا ينتصرون بأنفسهم أصلاً، فإنهم لا يدبرون تدبيراً إلا كان فيه تدميرهم، عطف عليه قوله: {وما لهم من ناصرين *} قال الحرالي: فيه إعلام بوقوع الغلبة عليهم غلبة لا نصرة لهم فيها في يوم النصر الموعود في سورة الروم التي هي تفصيل من معنى هذه السورة في قوله تعالى: {أية : ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء} تفسير : [الروم: 4، 5] فهم غير داخلين فيمن ينصر بما قد ورد أنهم "حديث : يقتلون في آخر الزمان حتى يقول الحجر: يا مسلم! خلفي يهودي فاقتله، حتى لا يبقى منهم إلا من يستره شجر الفرقد " تفسير : كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنه من شجرهم" تفسير : وفي إفهامه أن طائفة من أهل الإنجيل يقومون بحقه، فيكونون ممن تشملهم نصرة الله سبحانه وتعالى مع المسلمين، فتنتسق الملة واحدة مما يقع من الاجتماع حين تضع الحرب أوزارها - انتهى. ولما كان من المعلوم أن ثبات الأعمال وزكاءها إنما هو باتباع أمر الله سبحانه وتعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم وأمر الذين ورثوا العلم عنه دل على ما أخبر به من الحبوط وعدم النصر بما يشاهد من أحوالهم في منابذة الدين فقال: {ألم تر} وكان الموضع لأن يقال: إليهم، ولكنه قال: {إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب} ليدل على أن ضلالهم على علم، وأن الذي أوتوه منه قراءتهم له بألسنتهم وادعاء الإيمان به. وقال الحرالي: كتابهم الخاص بهم نصيب من الكتاب الجامع، وما أخذوا من كتابهم نصيب من اختصاصه، فإنهم لو استوفوا حظهم منه لما عدلوا في الحكم عنه ولرضوا به، وكان في هذا التعجيب أن يكون غيرهم يرضى بحكم كتابهم ثم لا يرضون هم به - انتهى. {يدعون إلى كتاب الله} أظهر الاسم الشريف ولم يقل: إلى كتابهم، احترازاً عما غيروا وبدلوا ولأنهم إنما دعوا إلى كتاب الله الذي أنزل على موسى عليه الصلاة والسلام، لا إلى ما عساه أن يكون بأيديهم مما غيروا - نبه عليه الحرالي. وفيه أيضاً إشارة إلى عظيم اجترائهم بتوليهم عمن له الإحاطة الكاملة {ليحكم بينهم} قال الحرالي: في إشعاره أن طائفة منهم على حق منه، أي وهم المذعنون لذلك الحكم الذي دعي إليه - انتهى. ولما كان اتباعه واجباً واضحاً نفعه لمن جرد نفسه عن الهوى عبر عن مخالفته بأداة البعد فقال: {ثم} وقال الحرالي: في إمهاله ما يدل على تلددهم وتبلدهم في ذلك بما يوقعه الله من المقت والتحير على من دعي إلى حق فأباه، وفي صيغة يتفعل في قوله: {يتولى} ما يناسب معنى ذلك في تكلف التولي على انجذاب من بواطنهم لما عرفوه وكتموه، وصرح قوله: {فريق منهم} بما أفهمه ما تقدم من قوله: {ليحكم بينهم} فأفهم أن طائفة منهم ثابتون قائلون لحكم كتاب الله تعالى، وأنبأ قوله المشير إلى كثرة أفراد هذا الفريق {وهم معرضون *} بما سلبوه من ذلك التردد والتكلف، فصار وصفاً لهم بعد أن كان تعملاً، ما أنكر منكر حقاً وهو يعلمه إلا سلبه الله تعالى علمه حتى يصير إنكاره له بصورة وبوصف من لم يكن قط علمه - انتهى. وفي هذا تحذير لهذه الأمة من الوقوع في مثل ذلك ولو بأن يدعى أحدهم من حسن إلى أحسن منه - نبه عليه الحرالي وقال: إذ ليس المقصود حكاية ما مضى فقط ولا ما هو كائن فحسب، بل خطاب القرآن قائم دائم ماض كلية خطابه في غابر اليوم المحمدي مع من يناسب أحوال من تقدم منهم، وفي حق المرء مع نفسه في أوقات مختلفة - انتهى. ثم علل اجتراءهم على الله تعالى فقال: {ذلك} أي الإعراض البعيد عن أفعال أهل الكرم المبعد من الله {بأنهم قالوا} كذباً على الله - كما تقدم بيانه في سورة البقرة {لن تمسنا النار إلا أياماً} ولما كان المقام هنا لتناهي اجترائهم على العظائم لاستهانتهم بالعذاب لاستقصارهم لمدته والتصريح بقتل الآمرين بالقسط عامة وبحبوط الأعمال، وكان جمع القلة قد يستعار للكثرة أكدت إرادتهم حقيقة القلة بجمع آخر للقلة، فقيل على ما هو الأولى من وصف جمع القلة لما لا يعقل بجمع جبراً له: {معدودات} وتطاول الزمان وهم على هذا الباطل حتى آنسوا به واطمأنوا إليه لأنه ما كذب أحد بحق إلا عوقب بتصديقه بباطل، وما ترك قوم سنة إلا أحيوا بدعة، على أن كذبهم أيضاً جرهم إلى الاستهانة بعذاب الله الذي لا يستهان بشيء منه ولو قل. ولما نسبوا ذلك إلى الكتاب فجعلوه ديناً قال: {وغرَّهم} قال الحرالي: من الغرور وهو إخفاء الخدعة في صورة النصيحة - انتهى {في دينهم ما كانوا} أي بما هيؤوا له وجبلوا عليه {يفترون *} أي يتعمدون كذبة، قال الحرالي: فتقابل التعجيبات في ردهم حق الله سبحانه وتعالى وسكونهم إلى باطلهم - انتهى. ولما تسبب عن اجترائهم بالكذب على الله أن يسأل عن حالهم معه قال صارفاً القول إلى مظهر العظمة المقتضي للمجازاة والمناقشة: {فكيف} أي يكون حالهم {إذا جمعناهم} أي وقد رفعنا حجاب العظمة وشهرنا سيف العزة والسطوة. ولما كان المقصود بالجمع الجزاء قال: {ليوم} ووصفُه بقوله: {لا ريب فيه} مشعر- كما قال الحرالي - بأنهم ليسوا على طمأنينة في باطلهم بمنزلة الذي لم يكن له أصل كتاب، فهم في ريبهم يترددون إلى أن يأتي ذلك اليوم. ولما كان الجزاء أمراً متحققاً لا بد منه أشار إليه بصيغة الماضي في قوله: {ووفيت} والبناء للمفعول للإفهام بسهولة ذلك عليه وإن كان يفوت الحصر, وتأنيث الفعل للإشارة إلى دناءة النفوس وضعفها, وقوله: {كل نفس} قال الحرالي: الفصل الموقع للجزاء مخصوص بوجود النفس التي دأبها أن تنفس فتريد وتختار وتحب وتكره، فهي التي توفي، فمن سلب الاختيار والإرادة والكراهة بتحقق الإسلام الذي تقدم ارتفع عنه التوفية، إذ لا وجود نفس له بما أسلم وجهه لله، فلذلك اختص وعيد القرآن كله بالنفس في نفاستها بإرادتها وما تنشأ لها عليه من أحوالها وأفعالها ودعواها في ملكها ومُلكها، فمتى نفست فتملكت ملكاً أو تشرفت مُلكاً خرجت عن إسلامها حتى ينالها سلب القهر منه وإلزام الذل عنه، وبلمح من هذا المعنى اتصلت الآية التي بعدها بختم هذه الآية وناظرت رأس آية ذكر الإسلام، فإنما هو مسلم لله وذو نفس متملك على الله حتى يسلبه الله في العقبى أو يذله في الدنيا، فشمل هذا الوفاء لكل نفس أهل الكتاب وغيرهم، وعم الوفاء لكل من يعمه الجمع، كذلك خطاب القرآن يبدأ بخصوص فيختم بعموم، ويبدأ بعموم فيثنيه تفصيل - انتهى. ولما كان هذا الجزاء شاملاً للخير والشر قال: {ما} أي جزاء ما {كسبت} فأتى به مخففاً ليشمل المباشرة بكسب أو اكتساب، وأنث الفعل مع جواز التذكير مراعاة للفظ كل إشارة إلى الإحاطة بالأفعال ولو كانت في غاية الحقارة، وراعى معنى " كل " للوفاء بالمعنى مع موافقة الفواصل {وهم لا يظلمون *} أي لا يقع عليهم ظلم بزيادة ولا نقص، ولا يتوقعونه. ولما أخبر تعالى أن الكفار سيغلبون وأنه ليس لهم من ناصرين كان حالهم مقتضياً لأن يقولوا: كيف ونحن أكثر من الحصى وأشد شكائم من ليوث الشرى، فكيف نغلب؟ أم كيف لا ينصر بعضنا بعضاً وفينا الملوك والأمراء والأكابر والرؤساء ومناوونا القليل الضعفاء، أهل الأرض الغبراء، وأولو البأساء والضراء، فقال تعالى لينتبه الراقدون من فرش الغفلات المتقلبون في فلوات البلادات من تلهيهم بما رأوا وسمعوا من نزع الملك من أقوى الناس وإعطائه لأضعفهم فيعلموا أن الذي من شأنه أن يفعل ذلك مع بعض أعدائه جدير بأن يفعل أضعافه لأوليائه: {قل اللهم} قال الحرالي: ولما كان هذا الأمر نبوة ثم خلافة ثم ملكاً فانتظم بما تقدم من أول السورة أمر النبوة في التنزيل والإنزال، وأمر الخلافة في ذكر الراسخين في العلم الذين يقولون: {أية : ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا}تفسير : [آل عمران: 8]، وكانت من هجيري أبي بكر رضي الله تعالى عنه، يقنت بها في وتر صلاة النهار في آخر ركعة من المغرب - انتظم برؤوس تلك المعاني ذكر الملك الذي آتى الله هذه الأمة، وخص به من لاق به الملك، كما خص بالخلافة من صلحت له الخلافة، كما تعين للنبوة الخاتمة من لا يحملها سواه - انتهى؛ فقال: {قل} أي يا محمد أو يا من آمن بنا مخاطباً لإلهك مسمعاً لهم ومعرضاً عنهم ومنبهاً لهم من سكرات غفلاتهم في إقبالهم على ملوك لا شيء في أيديهم، وإعراضهم عن هذا الملك الأعظم الذي بيده كل شيء. قال الحرالي: لعلو منزل هذه السورة كثر الإقبال فيها بالخطاب على النبي صلى الله عليه وسلم وجعل القائل لما كانت المجاورة معه، لأن منزل القرآن ما كان منه لإصلاح ما بين الخلق وربهم يجيء الخطاب فيه من الله سبحانه وتعالى إليهم مواجهة حتى ينتهي إلى الإعراض عند إباء من يأبى منهم، وما كان لإصلاح ما بين الأمة ونبيها يجري الله الخطاب فيه على لسانه من حيث توجههم بالمجاورة إليه، فإذا قالوا قولاً يقصدونه به قال الله عز وجل: قل لهم، ولكون القرآن متلواً ثبتت فيه كلمة قل - انتهى. {اللهم مالك الملك} أي لا يملك شيئاً منه غيرك. قال الحرالي: فأقنعه صلى الله عليه وسلم ملك ربه، فمن كان منه ومن آله وخلفائه وصحابته يكون من إسلامه وجهه لربه إسلام الملك كله الذي منه شرف الدنيا لله، فلذلك لم يكن صلى الله عليه وسلم يتظاهر بالملك ولا يأخذه مآخذه، لأنه كان نبياً عبداً، لا نبياً ملكاً، فأسلم الملك لله، كذلك خلفاؤه أسلموا الملك لله فلبسوا الخلقان والمرقعات واقتصروا على شظف العيش، ولانوا في الحق، وحملوا جفاء الغريب، واتبعوا اثره في العبودية، فأسلموا الملك لله سبحانه وتعالى، ولم ينازعوه شيئاً منه، حمل عمر رضي الله تعالى عنه قربة على ظهره في زمن خلافته حتى سكبها في دار امرآة من الأنصار في أقصى المدينة، فلما جاء الله بزمن الملك واستوفيت أيام الخلافة عقب وفاء زمان النبوة أظهر الله سبحانه وتعالى الملك في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وكما خصص بالنبوة والإمامة بيت محمد وآل محمد صلى الله عليه وسلم وخصص بالخلافة فقراء المهاجرين خصص بالملك الطلقاء الذين كانوا عتقاء الله ورسوله، لينال كل من رحمة الله وفضله، التي ولى جميعها نبيه صلى الله عليه وسلم كلَّ طائفة على قدر قربهم منه، حتى اختص بالتقدم قريشاً ما كانت، ثم العرب ما كانت إلى ما صار له الأمر بعد الملك من سلطنة وتجبر, إلى ما يصير إليه من دجل, كل ذلك مخول لمن يخوله بحسب القرب والبعد منه {تؤتي الملك من تشآء} في الإيتاء إشعار بأنه تنوبل من الله من غير قوة وغلبة, ولا مطاولة فيه, وفي التعبير بمن العامة للعقلاء إشعار بمنال الملك من لم يكن من أهله, وأخص الناس بالبعد منه العرب، ففيه إشعار بأن الله ينول ملك فارس والروم العرب كما وقع منه ما وقع، وينتهي منه ما بقي إلى من نال الملك بسببها وعن الاستناد إليها من سائر الأمم الذين دخلوا في هذه الأمة من قبائل الأعاجم وصنوف أهل الأقطار حتى ينتهي الأمر إلى أن يسلب الله الملك جميع أهل الأرض، فيعيده إلى إمام العرب الخاتم للهداية من ذريته ختمه صلى الله عليه وسلم للنبوة من ذرية آدم، ويؤتيهم من المكنة، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو شاء أحدهم أن يسير من المشرق إلى المغرب في خطوة لفعل "تفسير : ومع ذلك فليسوا من الدنيا وليست الدنيا منهم، فيؤتيهم الله ملكاً من ملكه - ظاهر هداية من هداه، شأفة عن سره الذي يستعلن به في خاتمة يوم الدنيا ليتصل بظهوره ملك يوم الدين، والملك التلبس بشرف الدنيا والاستئثار بخيرها؛ قال أبو بكر لعمر رضي الله تعالى عنهما في وصيته: إذا جنيت فلتهجر يدك فاك حتى يشبع من جنيت له، فإن نازعتك نفسك في مشاركتهم فشاركهم غير مستأثر عليهم، وإياك والذخيرة! فإن الذخيرة تهلك دين الإمام وتسفك دمه، فالملك التباس بشرف الدنيا واستئثار بخيرها واتخاذ ذخيرة منها. لما أرادوا أن يغيروا على عمر رضي الله تعالى عنه زيه عند إقباله على بيت المقدس نبذ زيهم وقال: إنا قوم أعزنا الله بالإسلام! فلن نلتمس العزة بغيره. فمن التمس الشرف بجاه الدنيا فهو ملك بقدر ما يلتمس من شرفها قل ذلك الحظ أو جل، وهو به من أتباع ملوك الدنيا، وكذلك من التمس الاستئثار بخيرها واتخذ الذخيرة منها، كل ينال من الملك ويكون من شيعة الملوك بحسب ما ينال ويحب من ذلك حتى ينتهي إلى حشره مع الصنف الذي يميل إليه، فمن تذلل وتقلل وتوكل بعث مع الأنبياء والمرسلين والخلفاء، كما أن من تشرف بالدنيا واستأثر وادخر منها حشر مع الملوك والسلاطين؛ جلس عمر رضي الله تعالى عنه يوماً وسلمان وكعب وجماعة رضي الله تعالى عنهم فقال: أخبروني أخليفة أنا أم ملك؟ فقال له سلمان رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين! إن جبيت درهماً من هذا المال فوضعته في غيره حقه فأنت ملك، وإن لم تضعه إلا في حقه فأنت خليفة، فقال كعب: رحم الله تعالى! ما ظننت أن أحداً يعرف الفرق بين الخليفة والملك غيري، فالتزام مرارة العدل وإيثار الغير خلافة وتشيع في سبيلها، ومنال حلاوة الاستئثار بالعاجلة شرفها ومالها ملك وتحيز لتباعه - انتهى. وفي تقديم الإيتاء على النزع إشارة إلى أن الداعي ينبغي أن يبدأ بالترغيب {وتنزع} قال الحرالي: من النزع، وهو الأخذ بشدة وبطش - انتهى. {الملك ممن تشآء} وفيه إشارة إلى إن الدعاء باللين إن لم يجدِ ثني بالترهيب، وعلى هذا المنوال أبرز قوله: {وتعز من تشآء} أي إعزازه {وتذل من تشآء} أي إذلاله، وهو كما قال: "حديث : إن رحمتي سبقت غضبي" تفسير : قال الحرالي: وفي كلمة النزع بما ينبىء عنه من البطش والقوة ما يناسب معنى الإيتاء، فهو إيتاء للعرب ونزع من العجم، كما ورد أن كسرى رأى في منامه أنه يقال له: سلم ما بيدك لصاحب الهراوة، فنزع مُلكَ المولك من الأكاسرة والقياصرة وخوّله قريشاً ومن قام بأمرها وانتحل الملك باسمها من صنوف الأمم غرباً وشرقاً وجنوباً وشمالاً، إلى ما يتم به الأمر في الختم، والعز - والله سبحانه وتعالى أعلم - عزة الله سبحانه وتعالى: {أية : ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين}تفسير : [المنافقون: 8] ليكون في الخطاب إنباء بشرى لهم أنه أتاهم من العز بالدين ما هو خير من الشرف بملك الدنيا {أية : من كان يريد العزة فللّه العزة جميعاً}تفسير : [فاطر: 10] فالملوك وإن تشرفوا بملك الدنيا فليس لهم من عزة الدين شيء، أعزهم الله سبحانه وتعالى بالدين، تخدمهم الأحرار وتتوطد لهم الأمصار، لا يجدون وحشة، ولا يحصرون في محل، ولا تسقط لهم حرمة حيث ما حلوا وحيث ما كانوا, استتروا أو اشتهروا، والمتلبسون بالملك لا يخدمهم إلا من استرقوه قهراً، يملكون تصنع الخلق ولا يملكون محاب قلوبهم، محصورون في أقطار ممالكهم، لا يخرجون عنها ولا ينتقلون منها حتى يمنعهم من كمال الدين، فلا ينصرفون في الأرض ولا يضربون فيها، حتى يمتنع ملوك من الحج مخافة نيل الذل في غير موطن الملك، والله عز وجل يقول: "حديث : إن عبداً أصححت له جسمه، وأوسعت عليه في رزقه، يقيم خمسة أعوام لا يفد على المحروم"تفسير : فالملوك مملوكون بما ملكوا، وأعزاء الله ممكنون فيما إليه وجهوا، لا يصدهم عن تكملة أمر الدين وإصلاح أمر الآخرة صادّ، ولا يردهم عنه راد لخروجهم من سجن الملك إلى سعة العز بعزة الله سبحان وتعالى، فقارض الله أهل بيت نبيه صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم، ولم يرضه للملك بعز الإمامة ورفعة الولاية والاستيلاء على محاب القلوب فاسترعاهم الله قلوب العالمين بما استرعى الملوك بعض حواس المستخدمين والمستتبعين، والذل مقابل ذلك العزة، فإذا كان ذلك العز عزاً دينياً ربانياً عوضاً عن سلب الملك كان هذا الذل - والله تعالى أعلم - ذل أهل الدنيا في دنياهم الذي ألزمهم سبحانه وتعالى إياه بما أذلتهم أنفسهم، فاستعملتهم في شواتها وأذلهم أتباعهم فتوسلوا بهم إلى قضاء أغراضهم في أهوائهم، ويستذلهم من يظلمونه بما ينتصفون منهم، وينالهم من ذل تضييع الدين، ويبدو على وجوههم من ظلمة الظلم ما يشهد ذلهم فيه أبصار العارفين - انتهى. ولعل نصارى نجران أشد قصداً بهذا الخطاب، فإنهم خافوا أن ينزع منه ملوك الروم ما خولوهم فيه من الدنيا إن أخبروا بما يعلمون من أمر هذا النبي الأمي صلى الله عليه وسلم. ولما تقرر أنه مالك لما تقدم أنتج أن له التصرف المطلق فعبر عنه بقوله: {بيدك} أي وحدك {الخير} ولم يذكر الشر تعليماً لعباده الأدب في خطابه، وترغيباً لهم في الإقبال عليه والإعراض عما سواه، لان العادة جارية بأن الناس أسرع شيء إلى معطي النوال وباذل الأموال، وتنبيهاً على أن الشر أهل للإعراض عن كل شيء من أمره حتى عن مجرد ذكره وإخطاره بالبال، مع أن الاقتصار على الخير يملك الخير كله مستلزم لمثل ذلك في الشر، لأنهما ضدان، كل منهما مساوٍ لنقيض الآخر، فإثبات أحدهما نفي للآخر ونفيه إثبات للآخر، فلا يعطى الخير إلا وقد نفي الشر، ولا ينزع الخير إلا وقد وضع الشر - والله سبحانه وتعالى أعلم. ولما أفهم أن الشر بيده كما أعلم أن الخير بيده وخاص به قرر ذلك على وجه أعم بقوله معللاً: {إنك على كل شيء قدير *}

القشيري

تفسير : طالِعْهُم بعين التصريف كيلا يفترق بك الحال في شهود اختلافهم وتباين أطوارهم؛ فإنَّ مَنْ طالَعَ الكائناتِ بعين القدرة علم أن المُثْبِتَ للكلِّ - على ما اختص به كل واحد من الكل - واحدٌ. فادْعُهم جهراً بجهر، واشهد تصريفنا إياهم سِرَّاً بسر، واشغل لسانك بنصحهم، وفرِّغ قلبك عن حديثهم، وأفرد سِرَّك عن شهودهم، فليس الذي كلفناك من أمورهم إلا البلاغ، والمُجرِي للأمور والمبدي - نحن.

اسماعيل حقي

تفسير : {فان حاجوك} اى فى كون الدين عند الله الاسلام {فقل اسلمت وجهى} اى اخلصت نفسى وقلبى وجملتي {لله} وحده لم أجعل فيها لغيره شركا بان أعبده وأدعوه الهاً معه يعنى دين التوحيد وهو القديم الذى ثبتت عندكم صحته كما ثبتت عندى وما جئت بشىء بديع حتى تجادلونى فيه {ومن اتبعن} عطف على المتصل فى اسملت وحسن ذلك لمكان الفصل الجارى مجرى التأكيد بالمنفصل اى واسلم من اتبعنى وجوههم ايضا {وقل للذين اوتوا الكتاب} اى من اليهود والنصارى {والاميين} الذين لا كتاب لهم من مشركى العرب {أاسلمتم} متبعين لى كما فعل المؤمنون فانه قد آتاكم من البينات ما يوجبه ويقتضيه لا محالة فهل اسلمتم وعملتم بقضيتها او انتم بعد على كفركم وهو استفهام بمعنى الامر اى اسلموا وهذا كقولك لمن لخصت له المسألة ولم تبق من طرق البيان والكشف طريقا الا سلكته فهل فهمتها {فان اسلموا} اى كما اسلمتم واخلصتم {فقد اهتدوا} اى فازوا بالحظ الاوفر ونجوا من مهاوى الضلال {وان تولوا} اى اعرضوا عن الاتباع وقبول الاسلام {فانما عليك البلاغ} قائم مقام الجواب اى لم يضروك شيأ اذما عليك الا البلاغ اى التبليغ بالرسالة دون الهداية وقد فعلت على ابلغ وجه - روى - "حديث : ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قرأ هذه الآية على اهل الكتاب قالوا اسلمنا فقال صلى الله عليه وسلم لليهود "أتشهدون ان عيسى عبد كلمة الله وعبده ورسوله" فقالوا معاذ الله وقال صلى الله عليه وسلم للنصارى "أتشهدون ان عيسى عبد الله ورسوله" فقالوا معاذ الله ان يكون عيسى عبدا وذلك قوله عز وجل وان تولوا {والله بصير بالعباد} تفسير : عالم بجميع احوالهم وهو وعد ووعيد.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {ومن اتبعن}، عطف على فاعل {أسلمت}؛ الضمير. يقول الحقّ جلّ جلاله: {فإن حاجوك} في الدين، وخاصموك فيه، بعدما أقيمت الحجج على صحته، {فقل} لهم: أما أنا فقد {أسلمت وجهي لله}، وانقدت بكليتي إليه، وتمسكت بدينه القويم، الذي قامت الحجج على حقيته، وكذلك من تبعني من المؤمنين. وخصّ الوجه بالانقياد؛ لأنه أشرف الأعضاء ومحل ظهور المحاسن، فإذا انقاد الوجه فقد انقاد الكل. {وقل للذين أوتوا الكتاب} من اليهود والنصارى، {والأميين} الذين لا كتاب لهم من المشركين: {أأسلمتم} كما أسلمتُ: لما وضحت لكم من الحجة؟ أم أنتم على كفركم بغياً وحسداً؟ والاستفهام معناه الأمر، كقوله:{أية : فَهَلَ أَنتُم مُّسْلِمُونَ}تفسير : [هُود: 14] أي: أسلموا، {فإن أسلموا فقد اهتدوا} وأنقذاو أنفسكم من الهلاك، {وإن تولوا} وأعرضوا {فإنما عليك البلاغ}، ولا يضرك عنادهم، فقد بلغت ما أمرت به. {والله بصير بالعباد} لا يخفى عليه من أسلم ممن تولى. "حديث : رُوِيَ أنه - عليه الصلاة والسلام - قرأ عليهم هذه الآية، فقال لليهُود: أتشهدون أن عزيراً عبد الله ورسوله وكلمته؟ فقالوا: معاذ الله، وقال للنصارى:أتشهدون أن عيسى عبد الله ورسوله؟ فقالوا: معاذ الله أن يكون عيسى عبداً. فنزل قوله تعالى: {وإن تولوا فإنما عليك البلاغ} الآية ". تفسير : الإشارة: لا يليق بالفقير، إذا توجه إليه الإنكار أو المجادلة والاستظهار، إلا السكوت والإقرار، والاستسلام بكليته لأحكام الواحد القهار، إذ لا يرى فاعلاً إلا الله، فلا يركن إلى شيء سواه. وفي الحكم: "إنما أجرَى الأذى عليهم لئلا تكون ساكناً إليهم، أراد أن يزعجك عن كل شيء، حتى لا تكون ساكناً إلى شيء". وقال بعض العارفين: لا تشتغل قط بمن يؤذيك، واشتغل بالله يرده عنك، وقد غلط في هذا خلق كثير، اشتغلوا بمن يؤذيهم، فطال عليهم الأذى مع الإثم، ولو أنهم رجعوا إلى مولاهم لكفاهم أمرهم. هـ. بالمعنى. وبهذا يأمر الشيخ أتباعه، فإن انقادوا لأحكام الحق، فقد اهتدوا إلى طريق الوصول، وإن تولوا فإنما عليك البلاغ، والهداية بيد السميع البصير.

الطوسي

تفسير : المعنى: المعني بقوله: {فإن حاجوك} نصارى نجران - على قول جميع المفسرين - فان قيل: لم قال: "ومن اتبعن" ولم يؤكد الضمير، فلم يقل: اسلمت أنا ولا يجوز أن يقول القائل قمت وزيد إلا بعد أن يقول قمت أنا وزيد؟ قيل: إنما جاز ها هنا لطول الكلام، فصار طوله عوضاً من تأكيد الضمير المتصل، ولو قال اسلمت وزيد لم يجز حتى يقول: أسلمت أنا وزيد، فاذا قال: أسلمت اليوم بانشراح صدري ومن جاء معي حسن. فان قيل ما الحجة في قوله: {فقل اسلمت وجهي لله}؟ قلنا فيه وجهان: أحدهما - أنه أراد إلزامهم على - ما أقروا به من أن الله خالقهم - اتباع أمره في {أية : ألا تعبدوا إلا إياه}تفسير : فلذلك قال: {أسلمت وجهي لله} أي انقدت لأمره في اخلاص التوحيد له. الثاني - أنه ذكر الأصل الذي يلزم جميع المكلفين الاقرار به لأنه لا ينتفض في ما يحتاج إلى العمل عليه في الدين الذي هو طريق النجاة من العذاب إلى النعيم، ومعنى قوله: {وجهي} يريد نفسي وإنما أضاف الاسلام إلى الوجه، لأنه لما كان وجه الشيء أشرف ما فيه ذكر بدلا منه ليدل على شرف الذكر. ومثله {أية : كل شيء هالك إلا وجهه}تفسير : أي إلا هو. وقوله: {وقل للذين أوتوا الكتاب} يعني اليهود والنصارى، {والأميين} الذين لا كتاب لهم على قول ابن عباس وغيره. من أهل التأويل، وهم مشركوا العرب، كما قال: {أية : هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم}تفسير : وقال: {أية : النبي الأمي}تفسير : أي الذي لا يكتب. وإنما قيل لمن لا يكتب أمي، لأنه نسب إلى ما عليه الأمة في الخلقة لأنهم خلقوا لا يكتبون شيئاً. وإنما يستفيدون الكتابة. وقوله: {ومن اتبعن} من حذف الياء اجتزاء بالكسرة وإنما حذفها حمزة، والكسائي وعاصم، وحذف الياء في أواخر الآي أحسن لأنها تشبه القوافي. ويجوز في وسط الآي أيضاً وأحسنها ما كان قبلها نون مثل قوله: "ومن اتبعن"، فان لم يكن نون، فانه يجوز أيضاً نحو قولك هذا غلام، وما أشبه ذلك. والاجود أن تقول هذا غلامي وإن شئت أسكنت الياء. وإن شئت فتحتها وقوله: {ءأسلمتم} أمر في صورة الاستفهام، وإنما كان كذلك، لأنه بمنزلة طلب الفعل، والاستدعاء إليه فذكر ذلك للدلالة على أمرين من غير تصريح به ليقر المأمور به بما يلزمه فيه، كما تقول لمن توصيه بما هو أعود عليه: أقبلت هذا. ومعناه اقبل، ومثله قوله تعالى: {أية : فهل أنتم منتهون}تفسير : معناه انتهوا، وأقروا به. وتقول لغيرك: هل أنت كاف عنا. ومعناه اكفف. ويقول القائل لغيره: أين أنت، ومعناه اثبت مكانك لا تبرح. وقوله: {فإن أسلموا فقد اهتدوا} معناه اهتدوا إلى طريق الحق {وإن تولوا} معناه كفروا، ولم يقبلوا واعرضوا عنه {فإنما عليك البلاغ} ومعناه عليك البلاغ، فقط دون ألا يتولوا، لأنه ليس عليك ألا يتولوا. وقوله: {والله بصير بالعباد} معناه ها هنا لا يفوته شيء من أعمالهم التي يجازيهم بها، لأنه بصير بهم أي عالم بهم وبسرائرهم وظواهر أعمالهم، لا يخفى عليه خافية. وقيل معناه يعلم ما يكون منك في التبليغ، ومنهم في الايمان، والكفر.

الجنابذي

تفسير : {فَإنْ حَآجُّوكَ} فى حقّيّة الاسلام او فى انحصار الدّين فيه {فَقُلْ} الاسلام اخلاص الوجه لله و {أَسْلَمْتُ} اى اخلصت عن الشّرك والخديعة او سلّمت {وَجْهِيَ لِلَّهِ} بسبب الاسلام وهذا وصف لا ينكره احد فلا وجه لمحاجّتكم لى فى دين الاسلام والمراد بالوجه الذّات فانّ شيئيّة الشّيء بصورته لا بمادّته وصورة كلّ شيءٍ فعليّته الاخيرة، وفعليّته الاخيرة ما به توجّهه كما انّ وجه البدن ما به توجّهه {وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ} عطف على الضّمير المرفوع ولم يؤكّد بالضّمير المنفصل للفصل بينه وبين المعطوف عليه او عطف على الله اى أخلصت وجهى لله ولمن اتّبعن، او سلّمت وجهى الى الله والى من اتّبعن، فانّ المسلم والمؤمن له وجهان وجه الى الله ووجه الى الخلق، والاسلام كما يقتضى اخلاص الوجه لله وتسليمه اليه يقتضى اخلاص الوجه لخلق الله وتسليمه اليهم {وَقُلْ لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ وَٱلأُمِّيِّينَ} الّذين لا كتاب لهم ولا نبىّ يعنى الّذين ما حصل لهم من الكمالات الانسانيّة شيء سوى الانتساب الى الام {أَأَسْلَمْتُمْ} يعنى بعد ما ذكرت لهم انّ الاسلام يقتضى اخلاص الوجه لله وهو وصف مطلوب لكلّ عاقل صار المقام مقام السّؤال عن اتّصافهم بالاسلام والمعنى اصرتم مسلمين او مخلصين وجوهكم لله {فَإِنْ أَسْلَمُواْ} صاروا مسلمين او مخلصين وهو تهييج لهم على الاسلام {فَقَدِ ٱهْتَدَواْ} لانّ الاسلام اهتداء ووصول الى طريق الايمان، واخلاص الوجه لله اهتداء الى الكمالات الانسانيّة {وَّإِن تَوَلَّوْاْ} عن الاسلام او اخلاص الوجه فليس عليك وباله {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ} اى التبليغ وقد بلّغت وليس عليك قبولهم حتّى يكون وبال عدم قبولهم عليك، والبلاغ اسم مصدر من الابلاغ او التّبليغ {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ} فيجازى كلاًّ بعمله؛ وعد ووعيد.

اطفيش

تفسير : {فإنْ حَاجُّوكَ}: خاصمك اليهود والنصارى نجران للكلام المزور، والمغالطة فى الدين، بعدما أقمت عليهم الحجج. {فَقُلْ أسْلَمتُ}: دفعت. {وَجْهِىَ}: وسكن الباء غير نافع، وابن عامر، وحفص. {لِلهِ}: لا أشرك كما أشركتم فى محاجتكم، بل أخلص نفسى، وجملتى لله تعالى إخلاصاً هو دين الله القويم، الذى جاءت به الرسل، والكتب من قبلى، وعبر عن الكل بالوجه، لأنه أشرف الأعضاء الظاهرة، وفيه الحواس وتظهر فيه القوى الباطنية، فإذا خضع الوجه فقد خضع الجسد كله، ومعنى إخلاص الوجه والأعضاء لله تعالى، استعمالها فى أمره، ومنعها عما نهى عنه. {وَمَنِ اتّبَعَنِ}: عطف على التاء فى {أسْلَمت}، وهى ضمير رفع متصل لوجود الفعل، أو مفعول معه، والمعنى: أسلمت وجهى لله، وأسلموا وجوهكم لله، أو أسلمت وجهى لله، مع إسلامهم وجوههم لله، وإلا فليسوا يسلمون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل وجوههم. قالت اليهود والنصارى ليسنا على ما سميتنا به يا محمد، إنما اليهودية والنصرانية نسب، والدين هوالإسلام، ونحن عليهِ فأمره الله أن يكذبهم فى ادعائهم كونهم على الإسلام. {وقُل لِلَّذينَ أوتُوا الْكِتَابَ}: اليهود والنصارى. {والأمِّيِّينَ}: مشركى العرب، منهم ولا كتاب لهم والكلام فى الأمى أو الأميين، فى غير هذا الموضع، وفيه أوجه منها: أن العرب يومئذ لا يعرفون الكتاب والحساب، كمن ولد من أمه إلا قليلا. {أأسْلَمْتُمْ}: حين أوضحت لكم الحجة؟ أم بقيتم بعد على كفركم؟ والاستفهام للتقرير، أو للتوبيخ على بقائهم فى الكفر، كما قال الزجاج: إنه تهديد، قيل: وهو حسن، أو بمعنى الأمر أى أسلموا، وعليه فإنما عبر بالاستفهام عن الأمر نداءً عليهم بالبلادة، والبعد عن الإسلام بالعناد بعد بيان الحجة وتلخيصها، كنا تجتهد فى البيان لبليد أو معاند، ثم تقول له: هل فهمت؟ تريد: افهم، فهل زالت بلادتك؟ أو عنادك؟ {فإنْ أسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا}: من ضلالتهم، إلى ما هو رشد لهم، وصلاح لهم، دنيا وأخرى. فالإسلام نفع لهم، حديث : وقرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم الآية فقال أهل الكتاب: أسلمنا. فقال صلى الله عليه وسلم لليهود "أتشهدون أن عيسى كلمة الله وعبده ورسوله" فقالوا: معاذ الله، وقال للنصارى: "أتشهدون أن عيسى عبد الله ورسوله" فقالوا لهُ: معاذ الله أن يكون عيسى عبداًتفسير : ، فقال الله عز وجل: {وإنْ تَولَّوا فإنّما عَلَيْكَ الْبَلاَغُ}: أى وإن أعرضوا عن قولك لم يضرك ضلالهم وتوليهم، لأنه ليس عليك إلا التبليغ، وقد بلغت لهم، فأقام العلة، مقام الجواب، والبلاغ اسم مصدر، ومعناه التبليغ، أو مصدر لبلغ بتخفيف اللام، أى: فإنما عليك أن تبلغهم قولك. {واللهُ بَصِيرٌ بالعِبَادِ}: عالم بمن يُؤمن، ومن لا يؤمن، فيجازيهم بالجنة والنار، وهذا وعد ووعيد، والذى عندى: أنه لا نسخ فى قوله {وإنْ تَولَّوا فإنما عَلَيْكَ الْبَلاَغُ} لأن معناه: تصبير رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إذ كان يتألم بكفرهم وعدولهم، لأن التوفيق بيد الله تعالى لا بيده صلى الله عليه وسلم. وبذلك قالت طائفة، وقالت طائفة أخرى: إنه منسوخ بآية السيف.

اطفيش

تفسير : {فَإنْ حَآجُّوكَ} جادلوك فى الدين يا محمد، أو أتوك بحجة فى زعمهم، قابلوا بها حجتك المحقة، أو سمى دعواهم حجة تهكماً، أو للمشاكلة، والواو للناس مطلقا، أو أهل الكتاب، أو وفد نصارى نجران {فَقُلْ} لهم {أَسْلَمْتُ} أخلصت {وَجْهِىَ} أى ذاتى ومقاصدى، فعلا أو تركا، وخص الوجه لشرفه، فغيره أولى لاشتماله على البصر واللسان والذوق والسمع والشم، وهو معظم ما يسجد به، وبه التوحيد إلى كل شىء {لِلّهِ} فله اعتقادى وقولى وعملى طبق ما أمرنى ونهانى {وَمَنِ اتَّبَعَنِ} أسلمت أنا ومن اتبعنى أو مع من اتبعنى، وذلك ظاهر، ليس مما أجادلكم فيه، أو حاجهم بأنى متمسك بما أقررتم به من وجود الصانع وكونه أهلا للعبادة، والواو للمعية، أى مع من اتبعنى بإسلام وجهه أو عاطفة على التاء للفصل، عطف معمولين، أَحدهما محذوف، على معمولى عامل، أى من اتبعنى وجهه، بنصب وجه عطفا على وجهى {وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ} جنس الكتاب، اليهود والنصارى والصائبين {وَالأُمِّيِّين} من لا كتاب له يقرؤه أو يكتب كمشركى العرب، أو هم مشركو العرب، والكتابة فى العرب قليلة، أو أراد من لا كتاب له ولو كان يقرأ ويكتب كبعض العرب {ءَأَسْلَمْتُمْ} اسلموا، كقوله، فهل أنتم منتهون، وهل أنتم شاكرون، أى انتهوا واشكروا إذ جاءكم ما يوجب الإسلام، أو تقرير أو استبطاء، كقولك لمن بالغت له فى البيان هل فهمت، أو توبيخ، أى أم بقيتم على كفركم {فَإنْ أَسْلَمُوا} كلام من الله، لا من القول، وإلا قال أسلمتم إلا على الالتفات لكن يرده فإنما عليك البلاغ {فَقَدِ اهْتَدُوا} الاهتداء نفس الإسلام، ولا بد من مغايرة الشرط والجزاء فإما أن يكتفى بمغايرتهما مفهوما، ولو اتحدا ما صَدَقاً، وإما أن يجعل اهتدوا كناية عن لازمه، أى نفعوا أنفسهم، أو يقدر فازوا، لأنهم قد اهتدوا، وأولى من ذلك أن المراد، فإن أسلموا فإسلامهم انتفاء للضلال، والمكلف فى الضلال ما لم يسلم، وهؤلاء لا يرون الإسلام اهتداء {وَإن تَوَلَّوْا} أعرضوا عن الإسلام، أى بقوا على الإعراض {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ} أى أهلكوا أنفسهم، أو ما ضرُّوا إلا أنفسهم، لأنه ما عليك إلا تحصيل البلاغ، أو إلا التبليغ للوحى، وقد بلغته {وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} وعد للمحسنين ووعيد للمسيئين، ولا يلزم أن تكون الآية قبل الأمر بالقتال، وأن الآية نسوخة، وأن المعنى إنما عليك البلاغ وحده لا مع القتال، لجواز أن يكون المعنى إنما عليك البلاغ لا التوفيق، وهذا صحيح قبل القتال وبعده.

الالوسي

تفسير : {فَإنْ حَاجُّوكَ} أي جادلوك في الدين بعد أن أقمت الحجج، والضمير -للذين أوتوا الكتاب - من اليهود والنصاري - قاله الحسن - وقال أبو مسلم: لجميع الناس، وقيل: وفد نصارى نجران؛ وإلى هذا يشير كلام محمد بن جعفر بن الزبير {فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّه} أي أخلصت/ وخضعت بقلبي وقالبي لله لا أشرك به غيره، وفيه إشارة إلى أن الجدال معهم ليس في موقعه لأنه إنما يكون في أمر خفي والذي جادلوا به أمر مكشوف، وحكم حاله معروف وهو الدين القويم فلا تكون المحاجة والمجادلة إلا مكابرة، وحينئذ يكون هذا القول إعراضاً عن مجادلتهم، وقيل: إنه محاجة وبيانه أن القوم كانوا مقرين بوجود الصانع وكونه مستحقاً للعبادة فكأَنه قال: هذا القول متفق عليه بين الكل فأنا مستمسك بهذا القدر المتفق عليه، وداعي الخلق إليه، وإنما الخلاف في أمور وراء ذلك فاليهود يدعون التشبيه والجسمية، والنصارى يدعون إلهية عيسى عليه السلام والمشركون يدعون وجوب عبادة الأوثان فهؤلاء هم المدعون فعليهم الإثبات، ونظير ذلك {أية : قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً}تفسير : [آل عمران: 64]، وعن أبي مسلم أن الآية في هذا الموضع كقول إبراهيم عليه السلام: {أية : إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ }تفسير : [الأنعام: 79] فكأنه قيل: فإن نازعوك يا محمد في هذه التفاصيل فقل: أنا متمسك بطريق إبراهيم عليه السلام وأنتم معترفون بأنه كان محقاً في قوله صادقاً في دينه فيكون من باب التمسك بالإلزامات وداخلاً تحت قوله تعالى: {أية : وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}تفسير : [النحل: 125] ولعل القول بالإعراض أولى لما فيه من الإشارة إلى سوء حالهم وحط مقدارهم، وعبر عن الجملة -بالوجه- لأنه أشرف الأعضاء الظاهرة ومظهر القوى والمشاعر ومجمع معظم ما يقع به العبادة وبه يحصل التوجه إلى كل شيء، وفتح الياء نافع وابن عامر وحفص وسكنها الباقون. {وَمَنْ اتَّبَعَن} عطف على الضمير المتصل في {أسلمت} وحسن للفصل، أو مفعول معه وأورد عليهما أنهما يقتضيان اشتراكهم معه صلى الله عليه وسلم في إسلام وجهه وليس المعنى: أسلمت وجهي وهم أسلموا وجوههم إذ لا يصح -أكلت رغيفاً وزيداً ووزيداً، وقد أكل كل منهما رغيفاً، فالواجب أن يكون - من - مبتدأ والخبر محذوف أي: ومن اتبعن كذلك، أو يكون معطوفاً على الجلالة وإسلامه صلى الله عليه وسلم لمن اتبعه بالحفظ والنصيحة، وأجيب بأن فهم المعنى وعدم الإلباس يسوغ كلا الأمرين ويستغني بذلك عن مئونة الحذف وتكلف خلاف الظاهر جداً، وأثبت الياء في - اتبعني - على الأصل أبو عمرو ونافع، وحذفها الباقون - وحذفها أحسن - لموافقة خط المصحف، وقد جاء الحذف في مثل ذلك كثيراً كقول الأعشى:شعر : فهل يمنعني ارتيادي البلا د من حذر الموت أن (يأتين) تفسير : {وَقُل لِّلَّذيِنَ أُوتُواْ الْكتَٰبَ والأُمِّيِّنَ} عطف على الجملة الشرطية، والمعنى فإن حاجك أهل الكتاب فقابلهم بذلك فإن أجدى فعمم الدعوة وقل للأسود والأحمر {ءَأسْلَمْتُمْ} متبعين لي كما فعل المؤمنون فإنه قد جاءكم من الآيات ما يوجبه ويقتضيه أم أنتم على كفركم بآيات الله تعالى وإصراركم على العناد- وهذا كما تقول إذا لخصت لسائل مسألة ولم تدع من طرق البيان مسلكاً إلا سلكته -فهل فهمتها؟ على طرز {أية : فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} تفسير : [المائدة: 91] إثر تفصيل الصوارف عن تعاطي ما حرم تعاطيه، وفي ذلك تعيير لهم بالمعاندة وقلة الإنصاف وتوبيخ بالبلادة وجمود القريحة، والكثيرون على أن الاستفهام للتقرير وفي ضمنه الأمر ووضع الموصول موضع الضمير لرعاية التقابل بين المتعاطفين، والمراد من الأميين الذين لا يكتبون من مشركي العرب قاله ابن عباس وغيره. {فإنْ أَسْلَمُوا} أي اتصفوا بالإسلام والدين الحق {فَقَد اهْتَدَواْ} على تضمين معنى الخروج أي اهتدوا خارجين من الضلال كذا قيل، وبعض يفسر الاهتداء باللازم وهو النفع أي فقد نفعوا أنفسهم قالوا: وسبب/ إخراجه عن ظاهره أن الإسلام عين الاهتداء فإن فسر على الأصل اتحد الشرط والجزاء، وفيه منع ظاهر. {وإنْ تَوَلَّوْاْ} أي أعرضوا عن الإسلام ولم يقبلوا {فإنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَٰغُ} قائم مقام الجواب أي لا يضرك شيئاً إذ ما عليك إلا البلاغ وقد أديته على أكمل وجه وأبلغه، وهذا قبل الأمر بالقتال فهو منسوخ بآية السيف {واللَّهُ بَصيرٌ بالْعبَاد} تذييل فيه وعد على الإسلام ووعيد على التولي عنه.

ابن عاشور

تفسير : تفريع على قوله: {أية : إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب}تفسير : [آل عمران: 19] الآية فإنّ الإسلام دين قد أنكروه، واختلافهم في أديانهم يفضي بهم إلى محاجّة الرسول في تبرير ما هم عليه من الدين، وأنّهم ليسوا على أقلّ مما جاء به دين الإسلام. والمحاجة مُفاعلة ولم يجىء فِعلها إلاَّ بصيغة المفاعلة. ومعنى المحاجّة المخاصمة، وأكثر استعمال فعل حاجّ في معنى المخاطمة بالباطل: كما في قوله تعالى: {أية : وحاجّهُ قومه}تفسير : [الأنعام: 80] وتقدم عند قوله تعالى: {أية : ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه}تفسير : في سورة [البقرة: 258]. فالمعنى: فإن خاصموك خصام مكابرة فقل أسلمت وجهي لله. وضمير الجمع في قوله: {فإن حاجوك} عائد إلى غير مذكور في الكلام، بل معلوم من المقام، وهو مقام نزول السورة، أعني قضية وفد نجران؛ فإنّهم الذين اهتمّوا بالمحاجّة حينئذ. فأما المشركون فقد تباعدَ ما بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم بَعْدَ الهجرة، فانقطعت محاجّتهم، وأما اليهود فقد تظاهروا بمسالمة المسلمين في المدينة. وقد لقّن الله رسوله أن يجيب مجادلتهم بقوله: {أسلمت وجهي لله} والوجه أطلق على النفس كما في قوله تعالى: {أية : كل شيء هالك إلاّ وجهه}تفسير : [القصص: 88] أي ذاته. وللمفسّرين في المراد من هذا القول طرايق ثلاث: إحداها أنّه متاركة وإعْراض عن المجادلة أي اعترفت بأن لا قدرة لي على أن أزيدكم بياناً، أي أنّي أتيت بمنتهى المقدور من الحجّة فلم تقتنعوا، فإذ لم يقنعكم ذلك فلا فائدة في الزيادة من الأدلة النظرية، فليست محاجّتكم إياي إلاّ مكابرة وإنكاراً للبديهيات والضروريات، ومباهته، فالأجدر أن أكفّ عن الازدياد. قال الفخر: فإن المُحِقّ إذا ابتُلي بالمُبْطل اللَّجوج يقول: أمّا أنا فمنقاد إلى الحق. وإلى هذا التفسير مال القرطبي. وعلى هذا الوجه تكون إفادة قطع المجادلة بجملة: {أسلمت وجهي لله ومن اتّبعن} وقوله: {أأسلمتم} دون أن يقال: فأعرض عنهم وقُل سلام، ضَرْباً من الإدماج؛ إذ أدمج في قطع المجادلة إعادةَ الدعوة إلى الإسلام، بإظهار الفرق بين الدينين. والقصد من ذلك الحرصُ على اهتدائهم، والإعذارُ إليهم، وعلى هذا الوجه فإنّ قوله: {وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم} خارج عن الحاجة، وإنّما هو تكرّر للدعوة، أي اتْرُكْ محاجَّتهم ولا تَترك دعوتهم. وليس المراد بالحِجاج الذي حاجَّهم به خصوصَ ما تقدم في الآيات السابقة، وإنّما المراد ما دار بين الرسول وبين وفد نجران من الحجاج الذي علِموه فمنهُ ما أشير إليه في الآيات السابقة، ومنه ما طُوي ذكره. الطريقة الثانية أنّ قوله: {فقل أسلمت وجهي} تلخيص للحجة، واستدراج لتسليمهم إياها، وفي تقريره وجوه مآلها إلى أنّ هذا استدلال على كون الإسلام حقاً، وأحسنها ما قال أبو مسلم الأصفهاني: إنّ اليهود والنصارى والمشركين كانوا متّفقين على أحقّية دين إبراهيم عليه السلام إلاّ زيادات زادتها شرائعهم، فكما أمر الله رسوله أن يتّبع ملة إبراهيم في قوله: {أية : ثم أوحينا إليك أن اتّبع ملة إبراهيم حنيفاً}تفسير : [النحل: 123] أمَرَه هنا أن يجادل الناس بمثل قول إبراهيم: فإبراهيم قال: {أية : إنّي وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض}تفسير : [الأنعام: 79] ومحمد عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : أسلمت وجهي لله»تفسير : أي فقد قلتُ ما قاله الله، وأنتم معترفون بحقيقة ذلك، فكيف تنكرون أنّي على الحق، قال: وهذا من باب التمسّك بالإلزامات وداخل تحت قوله: {أية : وجادلهم بالتي هي أحسن}تفسير : [النحل: 125]. الطريقة الثالثة ما قاله الفخر وحاصله مع بيانه أن يكون هذا مرتبطاً بقوله: {أية : إن الدين عند الله الإسلام}تفسير : [آل عمران: 19] أي فإن حاجّوك في أنّ الدين عند الله الإسلام، فقل: إنّي بالإسلام أسلمتُ وجهي لله فلا ألتفتُ إلى عبادة غيره مثلكم، فديني الذي أرسلتُ به هو الدين عند الله (أي هو الدين الحقّ وما أنتم عليه ليس ديناً عند الله). وعلى الطريقتين الأوليين في كلام المفسّرين جعلوا قوله: {وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم} خارجاً عن الحجة؛ إذ لا علاقة بينه وبين كون الإسلام هو ملّة إبراهيم، ويكون مراداً منه الدعوة إلى الإسلام مرة أخرى بطريقة الاستفهام المستعمل في التحْضيض كقوله: {أية : فهل أنتم منتهون}تفسير : [المائدة: 91] أي قل لأولئك: أتُسلمون. وعندي أنّ التعليق بالشرط لما اقتضى أنّه للمستقبل فالمراد بفعل: «حاجُّوك» الاستمرار على المحاجّة: أي فإن استمرّ وفدُ نجران على محاجّتهم فقل لهم قولاً فَصْلاً جامعاً للفَرْق بين دينك الذي أرسلتَ به وبين ما هُم متديّنون به. فمعنى {أسلمت وجهي لله} أخلصت عبوديتي له لا أوَجِّه وجهي إلى غيره، فالمراد أنّ هذا كُنْه دين الإسلام، وتَبيَّن أنَّه الدين الخالص، وأنّهم لا يُلْفُوْن تَدَيّنهم على هذا الوصفِ. وقوله: {وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم} معطوف على جملة الشرط المفرّعة على ما قبلها، فيدخل المعطوف في التفريع، فيكون تقديرُ النظم: ومن يكفر بآيات الله فإنّ الله سريع الحساب فقُل للذين كفروا بآيات الله الذين أوتوا الكتاب والأميّين: أأسلمتم، أي فكرِّرْ دعوتهم إلى الإسلام. والاستفهامُ مستعمل في الاستبطاء والتحضيض كما في قوله تعالى: {أية : فهل أنتم منتهون}تفسير : [المائدة: 91]. وجيء بصيغة الماضي في قوله: {أأسلمتم} دون أن يقول أتسلمون على خلاف مقتضى الظاهر، للتنبيه على أنّه يَرجو تحقق إسلامهم، حتى يكونَ كالحاصل في الماضي. اعلم أنّ قوله: {أسلمت وجهي لله} كلمة جامعة لمعاني كنه الإسلام وأصوله ألقيت إلى الناس ليتدبّروا مطاويها فيهتدي الضالون، ويزداد المسلمون يقيناً بدينهم؛ إذ قد علمنا أنّ مجيء قوله: {أسلمت وجهي لله} عقب قوله: {أية : إن الدين عند الله الإسلام}تفسير : [آل عمران: 19] وقوله: {فإن حاجوك} وتعقيبه بقوله: {أأسلمتم} أنّ المقصود منه بيان جامع معاني الإسلام حتى تسهل المجادلة، وتختصر المقاولة، ويسهل عَرض المتشككين أنفسهم على هذه الحقيقة، ليعلموا ما هم عليه من الديانة. وبَيّنتْ هذه الكلمة أنّ هذا الدين يترجم عن حقيقة اسمه؛ فإنّ اسمه الإسلام، وهو مفيد معنى معروفاً في لغتهم يرجع إلى الإلقاء والتسليم، وقد حذف مفعوله ونُزِّل الفعل منزلة الفعل اللاّزم فعلم أنّ المفعول حذف لدلالة معنى الفاعل عليهِ، فكأنّه يقول: أسلمتُني أي أسلمتُ نفسي، فبُين هنا هذا المفعول المحذوف من اسم الإسلام لئلاّ يقع فيه التباس أو تأويل لما لا يطابق المراد، فعبّر عنه بقوله: (وجهي) أي نفسي: لظهور ألاّ يحسن محمل الوجه هنا على الجزء المعروف من الجسد، ولا يفيد حمله عليه ما هو المقصود، بل المعنى البَيِّن هو أن يراد بالوجه كامل الذات، كقوله تعالى: {أية : كل شيء هالك إلا وجهه}تفسير : [القصص: 88]. وإسلام النفس لله معناه إسلامها لأجله وصيرورتها ملكاً له، بحيث يكون جميع أعمال النفس في مرضاة الله، وتحت هذا معانٍ جمّة هي جماع الإسلام: نحصرها في عشرة: المعنى الأول: تمام العبودية لله تعالى، وذلك بألاّ يعبد غير الله، وهذا إبطال للشرك لأنّ المشرك بالله غير الله لم يسلم نفسه لله بل أسلم بعضَها. المعنى الثاني: إخلاصُ العمل لله تعالى فلا يلحظ في عمله غير الله تعالى، فلا يرائي ولا يصانع فيما لا يرضي الله ولا يُقدّم مرضاةَ غير الله تعالى على مرضاة الله. الثالث: إخلاص القول لله تعالى فلا يقول ما لا يرضَى به الله، ولا يصدر عنه قول إلاّ فيما أذن الله فيه أن يقال، وفي هذا المعنى تجيء الصراحة، والأمرُ بالمعروف، والنهيُ عن المنكر، على حسب المقدرة والعلمِ، والتَّصدِي للحجة لتأييد مراد الله تعالى، وهي صفة امتاز بها الإسلام، ويندفع بهذا المعنى النفاق، والملق، قال تعالى في ذكر رسوله: {أية : وما أنا من المتكلّفين}تفسير : [يس: 86]. الرابع: أن يكون ساعياً لِتَعَرُّف مرادِ الله تعالى من الناس، ليُجري أعماله على وفقه، وذلك بالإصغاء إلى دعوة الرسل المخبرين بأنّهم مرسلون من الله، وتلقّيها بالتأمّل في وجود صدقها، والتمييز بينها وبين الدعاوي الباطلة، بدون تحفّز للتكذيب، ولا مكابرة في تلقّي الدعوة، ولا إعراضٍ عنها بداعي الهوى وهو الإفحام، بحيث يكون علمه بمراد الله من الخلق هو ضالته المنشودة. الخامس: امتثال ما أمر الله به، واجتناب ما نهى عنه، على لسان الرسل الصادقين، والمحافظة على اتّباع ذلك بدون تغيير ولا تحريف، وأن يذود عنه من يريد تغييره. السادس: ألاّ يجعل لنفسه حُكماً مع الله فيما حكم به، فلا يتصدّى للتحكّم في قبول بعض ما أمر الله به ونبذِ البعض. كما حكى الله تعالى: {أية : وإذا دُعوا إلى الله ورسوله لِيحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين}تفسير : [النور: 48، 49]، وقد وصف الله المسلمين بقوله: {أية : وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسولُه أمراً أنْ يكون لهم الخِيَرَةُ من أمرهم}تفسير : [الأحزاب: 36]، فقد أعرض الكفّار عن الإيمان بالبعث؛ لأنّهم لم يشاهدوا ميّتاً بُعث. السابع: أن يكون متطلّباً لمراد الله ممّا أشكل عليه فيه، واحتاج إلى جريه فيه على مراد الله: بتطلّبه من إلحاقه بنظائره التامةِ التنظيرِ بما عُلم أنّه مراد الله، كما قال الله تعالى: {أية : ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم}تفسير : [النساء: 83] ولهذا أدخل علماء الإسلام حكم التفقّه في الدين والاجتهاد، تحت التقوى المأمور بها في قوله تعالى: {أية : فاتقوا الله ما استطعتم}تفسير : [التغابن: 16]. الثامن: الإعراض عن الهوى المذموم في الدين، وعن القولِ فيه بغير سلطان: {أية : ومن أضَلُّ ممن اتّبع هواه بغير هُدًى من الله}تفسير : [القصص: 50]. التاسع: أن تكون معاملة أفراد الأمة بعضها بعضاً، وجماعاتِها، ومعاملتها الأممَ كذلك، جارية على مراد الله تعالى من تلك المعاملات. العاشر: التصديق بما غُيّب عنّا، مما أنبأنا الله به: من صفاته، ومن القضاء والقدر، وأنّ الله هو المتصرّف المطلق. وقوله: {وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم} إبطال لكونهم حاصلين على هذا المعنى، فأمّا المشركون فبعدهم عنه أشدّ البعد ظاهر، وأمّا النصارى فقد ألَّهوا عيسى، وجعلوا مريم صاحبة لله تعالى فهذا أصل لبطلان أن يكونوا أسلموا وجوههم لله؛ لأنّهم عبدوا مع الله غيره، وصانعوا الأمم الحاكمة والملوك، فأسّسوا الدين على حسب ما يلذّ لهم ويكسبهم الحظوة عندهم. وأما اليهود فإنّهم - وإن لم يشركوا بالله - قد نقضوا أصول التقوى، فسفّهوا الأنبياء وقتلوا بعضهم، واستهزءوا بدعوة الخير إلى الله، وغيّروا الأحكام اتّباعاً للهوى، وكذّبوا الرسل، وقتلوا الأحبار، فأنَّى يَكون هؤلاء قد أسلموا لله، وأكبر مُبطل لذلك هو تكذيبهم محمداً صلى الله عليه وسلم دون النظر في دلائل صدقه. ثم إنّ قوله: {فإن أسلموا فقد اهتدوا} معناه: فإن التزموا النزول إلى التحقّق بمعنى أسلمت وجهي لله فقد اهتدوا، ولم يبق إلا أن يتّبعوك لتَلقي ما تُبَلِّغِهم عن الله؛ لأنّ ذلك أول معاني إسلام الوجه لله، وإن تولّوا وأعرضوا عن قولك لهم: آسلمتم فليس عليك من إعراضهم تبِعة، فإنّما عليك البلاغ، فقوله: {فإنما عليك البللاغ} وقع موقع جواب الشرط، وهو في المعنى علة الجواب، فوقوعه موقع الجواب إيجاز بديع، أي لا تحزن، ولا تظن أنّ عدم اهتدائهم، وخيبتَك في تحصيل إسلامهم، كان لتقصير منك؛ إذ لم تُبعث إلاّ للتبليغ، لا لتحصيل اهتداء المبلَّغ إليهم. وقوله: {والله بصير بالعباد} أي مطّلع عليهم أتمّ الأطّلاع، فهو الذي يتولّى جَزاءهم وهو يعلم أنّك بلّغت ما أمرت به. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وحمزة والكسائي، وأبو جعفر، وخلف «اتبعني» بإثبات ياء المتكلم في الوصل دون الوقف. وقرأ يعقوب بإثباتها في الحاليين، والباقون بحذفها وصلا ووقفا.

الواحدي

تفسير : {فإن حاجوك} أَيْ: جادلوك {فقل أسلمتُ وجهي لله} أَيْ: أخلصت عملي لله وانقدت له {ومن اتبعني} يعني: المهاجرين والأنصار {وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين} يعني: العرب {أأسلمتم} استفهامٌ معناه الأمر: أَيْ: أسلموا، وقوله: {عليك البلاغ} أَي: التَّبليغ وليس عليك هداهم {والله بصيرٌ بالعباد} أيْ: بمَنْ آمن بك وصدَّقك، ومَنْ كفر بك وكذَّبك، وكان هذا قبل أنْ أُمر بالقتال. {إنَّ الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق} قد مضى تفسيره في سورة البقرة، وقوله {ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [حديث : قتلت بنو إسرائيل ثلاثةً وأربعين نبياً من أوَّل النَّهار في ساعةٍ واحدةٍ، فقام مائةٌ واثنا عشر رجلاً من عبَّاد بني إسرائيل، فأمروا مَنْ قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر، فَقُتلوا جميعاً من آخر النَّهار في ذلك اليوم، فهم الذين ذكرهم الله في هذه الآية] تفسير : .وهؤلاء الذين كانوا في عصر النبيَّ صلى الله عليه وسلم كانوا يتولَّونهم، فهم داخلون في جملتهم. {أولئك الذين حبطت أعمالهم} بطلت أعمالهم التي يدَّعونها من التَّمسُّك بالتَّوراة، وإقامة شرع موسى عليه السَّلام {في الدنيا} لأنَّها لم تحقن دماءَهم وأموالهم {و} في {الآخرة} لأنَّهم لم يستحقوا بها ثواباً. {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب} يعني: اليهود {يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم} وذلك أنَّهم أنكروا آية الرَّجم من التَّوراة، حديث : وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حدِّ المحصنين إذا زنيا، فحكم بالرَّجم فقالوا: جُرْتَ يا محمد، فقال: بيني وبينكم التَّوراة، ثمَّ أتوا بابن صوريا الأعور فقرأ التَّوراة، فلمَّا أتى على آية الرَّجم سترها بكفِّه، فقام ابن سلاَّم فرفع كفَه عنها، وقرأها على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى اليهود، فغضبت اليهود لذلك غضباً شديداً وانصرفواتفسير : ، فأنزل الله تعالى هذه الآية. {ثمَّ يتولى فريق منهم} يعني: العلماء والرؤساء {وهم معرضون}. {ذلك} أَْيْ: ذلك الإِعراض عن حكمك بسبب اغترارهم حيث قالوا: {لن تمسنا النار إلاَّ أياماً معدودات وغرَّهم في دينهم ما كانوا يفترون} افتراؤهم، وهو قوله: {لن تمسنا النار} وقد مضى هذا في سورة البقرة.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْكِتَابَ} {وَٱلأُمِّيِّينَ} {أأسْلَمْتُمْ} {ٱلْبَلاَغُ} (20) - فَإنْ جَادَلَكَ أهْلُ الكِتَابِ أوْ غَيْرُهُمْ (حَاجُّوكَ) يَا مُحَمَّدُ فِي التَّوْحِيدِ، بَعْدَ أنْ أقَمْتَ لَهُمُ البَيِّنَاتِ وَالبَرَاهِينَ، وَبَعْدَ أَنْ جِئْتَهُمْ بِالحَقِّ، فَقُلْ لَهُمْ: إنَّني أخْلَصْتُ عِبَادَتِي للهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَلا نِدَّ، وَلاَ وَلَدَ وَلاَ صَاحِبَةَ: وَمَنِ اتَّبَعَني عَلى دِينِي يَقُولُ كَمَقَالَتِي. وقُلْ لأَهْلِ الكِتَابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصَارَى وَللأمِّيينَ (مُشْرِكِي العَرَبِ) أأسْلَمْتُمْ وَآمنْتُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى نَبِيِّهِ، كَمَا أسْلَمْتُ أنا. فَإنْ أسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا إلى الخَيْرِ وَالرَّشَادِ، وَإنْ رَفَضُوا الدُّخُولَ فِي الإِسْلاَمِ، وَآثَرُوا البَقَاءَ عَلَى مَا هُمْ عَليهِ، فَأنْتَ مُكَلَّفٌ بِبَلاغِهِمْ وَدَعْوتِهِمْن وَإلى اللهِ مَرْجِعُهُمْ، وَعَليهِ حِسَابُهُمْ، وَاللهُ عَليمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ الهِدَايَةَ، مِمَّنْ يِسْتَحِقُّ الضَّلاَلَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {فَإنْ حَآجُّوكَ} [آل عمران: 20] هذا القول يدل على أن الحق سبحانه وتعالى يلقي منهجه على الرسول الخاتم، ويعطيه الواقع الذي يحيا فيه، لقد جابه الرسول صلى الله عليه وسلم ثلاثة معسكرات. المعسكر الأول: هم مشركو قريش، وكان كفرهم في القمة. والمعسكر الثاني: هو معسكر اليهود والنصارى ويجمعهم معا لأنهم أهل كتاب. والمعسكر الثالث: هو معسكر المنافقين. والمحاجّة قد أتت من المعسكر الثاني، لأن كفار قريش لم يدعوا أن عندهم ديناً قد نزل من السماء، أما أهل الكتاب فهم يدعون أن عندهم ديناً منزلاً من السماء، وعندما يناطح الشرك ديناً فهذا أمر معقول، أما أن يناطح أهل دين نزل من السماء رسولاً جاء بدين خاتم من السماء فهذا أمر يستحق أن نتوقف عنده. ومعنى {فَإنْ حَآجُّوكَ} [آل عمران: 20] أي أنهم يحاججون الرسول صلى الله عليه وسلم وتم إدغام الحرفين المتشابهين وهما حرفا "الجيم" حتى لا تصبح ثقيلة على اللسان. ومعنى المحاجة: أن يدلي كل واحد من الخصمين بحجته. وهذا يعني النقاش، وما دام هناك نقاش بين حق وبين باطل، فإن الله لا يترك الرسول صلى الله عليه وسلم، بل يقول له: {فَإنْ حَآجُّوكَ} [آل عمران: 20] أي إن ناقشوك في أمر الإسلام الذي جئت به كدين خاتم مناقض لوثنية أو شرك قريش ومناقض لما قام أهل الكتاب بتغييره من مراد الله فقل يا محمد: {أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ} [آل عمران: 20] وقد قلنا من قبل: إننا عندما نسمع قول الحق "فقل" كان من الجائز أن يكتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقول القول, وضربنا مثلاً على ذلك، حين يقول الأب لابنه: اذهب إلى عمك وقل له: كذا وكذا. وساعة أن يذهب الابن إلى العم فيقول له: الأمر كذا، وكذا. إن الابن لا يقول لعمه: قل لعمك كذا وكذا .. لكن الرسول صلى الله عليه وسلم قد حافظ على النص الذي جاءه من ربه لأن النص واضح. {فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ} [آل عمران: 20] فهل هذا رد بالحجة؟ نعم هذا هو الرد، لأن أهل الكتاب وكفار قريش يأتي فيهم القول: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ}تفسير : [الزخرف: 9]. ويأتي فيهم القول الحكيم: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ}تفسير : [الزخرف: 87]. والكون كما نعرف "مكان" و"مكين" فالمكان: هو السماء والأرض. والمكين وهو الإنسان. والمكان مخلوق لله، والمكين مخلوق لله. وكان المنطق أن نسلم وجهنا لمن خلق. إذن فقول الحق: {فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ} [آل عمران: 20] أي انتبهوا أيها الناس، إنني لم أخرج عن دائرة الإيمان بالإله الواحد، الذي تؤمنون به. إنه هو الذي خلق وهو الذي أوجد الكون. وبعد ذلك إذا كان في الإسلام خضوع، فإن الحق يأتي بأشرف شيء في الإنسان ليجعله مظهر الخضوع. لأن الوجه هو السمة العالية المميزة، وهو الذي يظهر عليه انفعالات الأحداث في الكون من سرور أو حزن، ويظهر عليه أنك قد تكون قد سجدت وأنت كاره للسجود، أو سجدت وأنت مقرب لله سبحانه وتعالى فيمتلئ الوجه بالبشر والبشاشة. وقول الحق: {أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ} [آل عمران: 20]. تعني أن الوجه المسلم لله وهو أشرف شيء في الإنسان قد خضع للحق، وكأن القول الكريم لم ينسب الخضوع للبدن ولكن لأشرف شيء في الإنسان وهو الوجه، والوجه يطلق مرة ويراد به الذات كلها، فعندما يقول إنسان: "أسلمت وجهي" فهو يعني "أسلمت ذاتي" بكل ما أوتيت الذات من جوارح ومن أعضاء، ولنقرأ قول الحق سبحانه: {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ ٱلْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}تفسير : [القصص: 88]. أي كل شيء هالك إلا ذاته سبحانه وتعالى، وهذا هو المقصود بـ "إلا وجهه" وإلا إن أخذنا الوجه على أنه الوجه فقط فقد يقول قائل: أليس لله يد مثلاً؟ ونقول إن له يداً في نطاق ليس كمثله شيء، ولذلك فلا يد الله تهلك ولا أي شيء فيه يهلك، ووجهه يعني ذاته في نطاق ليس كمثله شيء. وأطلق الوجه على الذات، لأن الوجه هو المشخص للذات، فلا يستطيع أحد أن يميز أعضاء بدن عن أعضاء بدن، إنما التمييز يأتي بسمة الوجه، لأنها السمة المميزة، وقول الحق في تلقينه لرسول الله: {فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ} [آل عمران: 20]. تدل على أن الرسول قد أسلم وجهه لله؛ لأن الله خاطبه بوساطة الوحي، والوحي يباشره صلى الله عليه وسلم، ولكن حين يقول: {وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ} [آل عمران: 20] فقد قام الدليل لمن اتبعني، وإن لم يكن مخاطباً من الله مباشرة. إذن فلا مجال لأن يقول قائل للرسول صلى الله عليه وسلم: أنت أسلمت وجهك لله لأنه خاطبك وحدك، وكأن صاحب هذا القول يريد خطاباً لكل مؤمن، قال سبحانه: {وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ} [آل عمران: 20] فمن اتبع الرسول فقد آمن بأن محمداً صلى الله عليه وسلم هو رسول صدق مبلغ عن الله منهج حق، فلا مجال لطلب البلاغ لكل فرد؛ لأن البلاغ قد وصل إليهم بالإيمان بما أنزله الله على رسوله الكريم ويأمر الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم {وَقُلْ لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ وَٱلأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ} [آل عمران: 20]. وساعة تقرأ أو تسمع أسلوباً فيه "همزة الاستفهام" فلك أن تعرف أن الاستفهام يُطلب منه أن تُعرف الحقيقة، كقول إنسان لآخر: أعندك محمد؟ أو أزارك فلان؟ إن هذا استفهام المراد به فهم الحقيقة، ومرة يريد الاستفهام مجرد الأمر بشيء، كأن يأتيك ضيف وتجلس معه ويدخل عليك والدك فيقول لك: أصنعت قهوة لضيفك؟ إن ذلك توجيه لك إن كنت لم تقم بواجب الضيافة فعليك أن تسرع في القيام بهذا الواجب. وعلى ذلك نفهم قول الحق: "أأسلمتم" ولذلك نقرأ قول الحق سبحانه بعد الكلام عن الخمر:{أية : إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ}تفسير : [المائدة: 91]. إن قول الحق: "فهل أنتم منتهون" يتضمن استفهاماً، والاستفهام هنا يعني الأمر بالانتهاء. وفي مجال الآية التي نتعرض لها بالخواطر نجد قول الحق: "أأسلمتم" تعني الدعوة للإسلام، أي "أسلموا" وجاء بعد ذلك قول الحق الكريم: {فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ} [آل عمران: 20] ومعنى "اهتدوا" أنهم عرفوا الطريق الموصل للغاية التي خلق الله من أجلها الإنسان. وهنا يجب أن نعلم أن كلمة "الإسلام" هنا جاءت لتدل على الخضوع, والخضوع لا يلمح إلا من خاضع، وعملية الخضوع تعرف بالحركة والسلوك، ولا تعرف فقط بالاعتقاد، ولذلك فالإمام عليّ كرم الله وجهه الذي أوتي شيئاً من نفح النبوة في الأداء الإيماني بالأسلوب البياني الجميل قال الإمام عليّ لإخوانه: سأنسب الإسلام نسباً لم ينسبه قبلى أحد: الإسلام هو اليقين، واليقين هو التصديق، والتصديق هو الإقرار, والإقرار هو الأداء، والأداء هو العمل، والمؤمن يُعرف إيمانه بالعمل. ونحن في حياتنا العادية نسأل: ما نسب فلان؟ أي أننا نسأل "هو ابن مَن"؟ ومعنى كلمة "نسابة" عند العرب هو الرجل الذي يعرف سلسلة النسب، ومَن ابن مَن، ففلان ابن فلان ابن فلان، ابن فلان. والإمام عليّ كرم الله وجهه، حين ينسب الإسلام ينسبه بالفعل إلى نسب لم ينسبه قبله أحد. وحين ينتهي الإمام عليّ كرم الله وجهه إلى أن نسب الإسلام إلى العمل قال: المؤمن يعرف إيمانه بالعمل، فالدليل الصحيح على إيمان المؤمن هو عمله ويضيف الإمام عليّ كرم الله وجهه: والكافر يُعرف كفره بالإنكار، وإن المؤمن قد أخذ دينه من ربه، ولم يأخذه برأيه. والسيئة في الإسلام خير من الحسنة في غيره؛ لأن السيئة في الإسلام تُغفر، والحسنة في غيره لا تُقبل؛ لأن الكفر يصاحبها بالله, هل هناك نسب للإسلام أروع من هذا؟ وهكذا نجد القول الكريم: {فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ} [آل عمران: 20]. والمقابل للإسلام يأتي بعد ذلك: {وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ} [آل عمران: 20] إن المقابل هو "تولوا" أي لم يسلموا، إنه الحق ينبه رسوله ألا يحزن, وألا يأسف إن تولوا, كما جاء في قوله الكريم: {أية : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً}تفسير : [الكهف: 6]. لماذا؟ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم عليه البلاغ فقط، وما دام قد جاء في صدر الآية: {أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ} [آل عمران: 20] فإن البلاغ أيضاً يشمل النبي صلى الله عليه وسلم ومن اتبعه، ولذلك تأتي آية أخرى لتشرح هذه القضية الإيمانية، ولتبقى الرسالة في أمته صلى الله عليه وسلم، ولتخبرنا أيضاً لماذا لم يعد هناك داع لوجود أنبياء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذلك أن المؤمنين برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم أمناء على أن يعدلوا فساد السلوك في الكون، فلم يعد العالم في حاجة إلى أنبياء جدد، ولهذا السبب قال الرسول: صلى الله عليه وسلم: "حديث : العلماء ورثة الأنبياء ". تفسير : إذن "فعليك البلاغ" نأخذ منها الفهم الواضح أن البلاغ لا تنتهي مهمته عند الرسول صلى الله عليه وسلم، إنما يشمل كل عالم بالبلاغ الذي وصل إلى رسول الله وآمن به، فقد كان لهم في رسول الله أسوة حسنة، ويوضح الحق ذلك في آية أخرى:{أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَاسِقُونَ}تفسير : [آل عمران: 110]. ويقول الحق في آية أخرى: {أية : وَجَاهِدُوا فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ ٱجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَـٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَـاةَ وَٱعْتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ}تفسير : [الحج: 78]. ومعنى ذلك أنكم تشهدون على الناس أنكم أبلغتموهم رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن لم يقم بإبلاغ الناس برسالة رسول الله فهو لم يأخذ ميراث النبوة، وميراث النبوة كما يكون شرف تبليغٍ، فهو أيضاً تجلّد وتحمل، إن ميراث النبوة يكون مرة هو نيل شرف التبليغ لرسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومرة أخرى يكون ميراث النبوة هو جلادة التحمل، في سبيل أداء الرسالة، وجلادة التحمل هي التي يجب أن يتصف بها أتباع محمد صلى الله عليه وسلم، فكما ورثناه نحن المسلمين في شرف النبوة فإننا نرثه في جلادة التحمل، وهذا هو معنى القول الحق: {أية : لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ}تفسير : [الحج: 78]. فما معنى الأسوة إذن؟ إن الأسوة في رسول الله صلى الله عليه وسلم تقتضي أنه ما دام قد تحمل بجلادة بلاغ الناس في رسالته، فعلينا أيضاً أن نقتدي به. لقد ناضل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى أتباع رسول الله أن يناضلوا في سبيل نشر الدعوة، فإن رأيت أهل الدين في استرخاء وترهل وعدم قدرة على النضال في سبيل البلاغ عن الله فلتعلم أن هؤلاء القوم لن يأخذوا ميراث النبوة. ولذلك إذا رأيت عالماً من علماء الإسلام ليس له أعداء فأعلم أنه قد نقص ميراثه من ميراث الأنبياء. لماذا؟ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان له أعداء وكان يواجههم، فساعة أن ترى رجل دين له أعداء فاعرف أنه قد أخذ حظه من ميراث الأنبياء ولننظر الآن إلى قول الحق سبحانه تذييلاً للآية يوضح لنا ما الإسلام: {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ} [آل عمران: 20] لم يقل الله: إنه عليم بالعباد، لأن "عليم" تكون للأمور العقدية، لقد قال الحق في وصف ذاته هنا: "إنه بصير بالعباد"، والبصر لا يأتي إلا ليدرك حركة وسلوكاً. فماذا يرى الله من العباد؟ إنه - سبحانه - يرى العباد المتحركين في الكون، وهل حركة العبد منهم تطابق الإسلام أم لا؟ ومتابعة الحركة تحتاج إلى البصر، ولا تحتاج إلى العلم، وكأن الحق سبحانه وتعالى يقول: إن كنتم تعتقدون أني لا أراكم، فالخلل في إيمانكم، وإن كنتم تعتقدون أني أراكم فلم جعلتموني أهون الناظرين إليكم؟ إذن فقول الحق: {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ} [آل عمران: 20] نفهم منها أن الإسلام سلوك لا اعتقاد فقط، لأن الذي يُرى هو الفعل لا المعتقدات الداخلية. وما دام الله بصيراً بكل سكنات الإنسان وحركاته، فإن الإنسان يستحي أن يراه ربه على غير ما يحب، وأضرب هذا المثل للتقريب لا للتشبيه فالحق سبحانه له المثل الأعلى وليس كمثله شيء، نحن في حياتنا العادية نجد أن الشاب الذي يدخن يستحي أن يظهر أمام كبار عائلته كمدخن، فيمتنع عن التدخين أثناء تواجده مع الكبار، فما بالنا بالعبد وهو يعتقد أن الله يراه؟ وبعد ذلك يقول الحق: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلأُمِّيِّينَ} [معناه] الذينَ لَمْ يأتِهم الأَنبياءُ بالكُتُبِ. والنَّبيُّ الأُميُّ: الَّذي لاَ يَكْتُبُ. تفسير : وقوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ} تفسير : [يونس: 60] معناه يَخْتَلِقُونَ.

الأندلسي

تفسير : {فَإنْ حَآجُّوكَ} الظاهر عود الضمير على أهل الكتاب ويحتمل العموم. ومعنى {أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ} انقدت وأطعت وخضعت لله وعبر بالوجه عن جميع ذاته لأنه أشرف الأعضاء. {وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ} معطوف على الضمير في أسلمت: قاله الزمخشري وابن عطية. وبدأ به ولا يجوز لأنه يلزم منه المشاركة في المفعول الذي هو وجهي وهو ولا يجوز بل المعنى وأسلم من اتبعني وجهه لله فالأحسن أن تكون من في موضع رفع على الإِبتداء، والخبر محذوف لدلالة ما قبله عليه التقدير، ومن اتبعني أسلم وجهه لله فيكون إخباراً منه عليه السلام لأنه وإياهم أسلموا وجوههم لله. وأجاز الزمخشري أن تكون الواو واو مع، وهو لا يجوز لأنه يلزم منه المشاركة في المفعول، ألا ترى أنك إذا قلت: أكلت رغيفاً وعمراً أي مع عمر، ودل ذلك على أنه مشارك لك في أكل الرغيف. والمراد بالأميين من ليس من أهل الكتاب من مشركي العرب وغيرهم. {أَأَسْلَمْتُمْ} تقرير في ضمنه الأمر أي أسلموا، فقد أتاكم من البينات ما يوجب الإِسلام. {فَإِنْ أَسْلَمُواْ} أي دخلوا في شريعة الإِسلام، {فَقَدِ ٱهْتَدَواْ} أي حصلت لهم الهداية. {وَّإِن تَوَلَّوْاْ} أي لا يضرونك بتوليهم عن الإِسلام ولا يلزمك إلا تنبيههم للهداية بما تبلغ عن ربك. {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ} فيه وعيد وتهديد شديد لمن تولى عن الإِسلام، ووعد بالخير لمن أسلم. إذ معناه أن الله مطلع على أحوال عبيده فيجازيهم بما تقتضي حكمته. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ} ذكر أولاً أعظم الأوصاف المذكورة في هذه الآية وهو الكفر بآيات الله، ثم قتل الأنبياء الذين أظهروا آيات الله وهي المعجزات الدالة على صدقهم، ثم قتل من أمر بالقسط وهو العدل، وهذه أوصاف أسلافهم وهم عالمون بها فنعي على أهل الكتاب المعاصرين للرسول عليه السلام فعل أسلافهم قبلك وجعلوا كمن باشر ذلك، وجاء هنا بغير حق بالتنكير، وفي البقرة بالتعريف، لأن الجملة هنا خرجت مخرج لشرط وهو عام لا يتخصص فناسب أن يكون المنفي بصيغة التنكير حتى يكون عاماً، وهناك جاء في سورة البقرة في ناس معهودين. وذلك قوله: {أية : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ}تفسير : [البقرة: 61، آل عمران: 112] الآية. و{بِغَيْرِ حَقٍّ} حال مؤكدة كالتي في البقرة لأن قتل نبيّ لا يكون بحق. {فَبَشِّرْهُم} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وضمير المفعول عائد على أسلافهم وهو في المعنى لهم لأنهم راضون بقول أسلافهم. ودخول الفاء دليل على أنه أريد بالذين العموم. وقرىء: {حَبِطَتْ} بفتح الباء. "وناصرين" جمع ناصر وهو أولى من الإِفراد لأنه رأس آية وبإِزاء شفعاء المؤمنين وإذا انتفى النفع من جمع فانتفاؤه من واحد أولى. والضمير في أوتوا لليهود، والنصيب: الحظ، ومن: للتبعيض، والكتاب: التوراة. و{يُدْعَوْنَ} حال و{إِلَىٰ كِتَابِ ٱللَّهِ} التوراة أو القرآن. والضمير في {لِيَحْكُمَ} عائد على كتاب الله. وقرىء ليحكم مبْنياً للمفعول ونسب التولي إلى فريق منهم لأن منهم من أسلم كعبد الله بن سلام. {وَهُمْ مُّعْرِضُونَ} جملة حالية مؤكدة أو لأن التولي كان بالأبدان والإِعراض بالقلوب فثبت التغاير بينهما. {ذٰلِكَ} الإِشارة إلى التولي والإِعراض بسبب هذه الأقوال الباطلة وتسهيلهم على أنفسهم العذاب وطمعهم في الخروج من النار بعد أيام قلائل. وجاء هنا {مَّعْدُودَاتٍ} بالجمع وهناك معدودة بالصفة التي تصلح للواحدة من المؤنث وهما فصيحان. {مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} أي ما كانوا يختلقون من الكذب كقولهم هذا وقولهم نحن أبناء الله وأحباؤه وغير ذلك فكيف يجوز أن يكون في موضع نصب التقدير فكيف يصنعون وفي موضع رفع خبر المبتدأ محذوف التقدير فكيف حالهم وإذا معمول لذلك المحذوف. {لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ} وهو يوم القيامة أي لجزاء يوم. {قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ} الآية سبب نزولها ما أخبر عليه السلام من ظهور ملك أمته على قصور العجم وعلى قصور الروم وقصور اليمن من الضربات التي ضربها على الصخرة يوم الخندق فبرقت ثلاث مرات، أي عليه السلام تلك القصور فعيره المنافقون بأنه يحفر الخندق ويضرب بالمعول ويخبر أن مُلك أمته يكون بالمواضع المذكورة، واللهم منادى والميم زائدة ولا يجمع بينهما وبين حرف النداء في مذهب البصريين. (قال) ابن عطية: أجمعوا على أنها يعني اللهم مضمومة الهاء مشددة الميم المفتوحة وانها منادى. "انتهى" ما ذكره من الإِجماع على تشديد الميم فقد نقل الفراء تخفيفها في بعض اللغات قال وأنشدني بعضهم: شعر : كحلفة من أبي رباح يسمعها اللهم الكبار تفسير : قال: الراد عليه تخفيف الميم خطأ فاحش خصوصاً عند الفراء ولأن عنده أن الميم هي التي في أمنا إذ لا يحتمل التخفيف أن تكون الميم فيه بقية. امنا. (قال): والرواية الصحيحة يسمعها لاه الكبار. "انتهى". وإن صح هذا البيت الذي أنشده الفراء عن العرب كان فيه شذوذ آخر من حيث استعماله في غير النداء ألا ترى أنه جعله في هذا البيت فاعلاً بالفعل الذي قبله. ومالك الملك: منصوب على أنه منادى ثان ولا يجوز عند سيبويه نصبه على أن يكون صفة لقوله: اللهم. ومعنى مالك الملك أي يتصرف فيه كما يريد ولذلك جاء تبيين التصرف بعد في قوله: {تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ} الآية وجاء فيها مقابلة الإِيتاء بالنزع والإِذلال بالاعزاز ثم ختم بقدرته العامة الناشىء عنها ما ذكر. وقوله: {بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ} اقتصر عليه لأن الآية في معنى المدح وإن كان عز وجل بيده الخير والشر على مذهب أهل السنة، قال الزمخشري: (فإن قلت): كيف قال: بيدك الخير فذكر الخير دون الشر. (قلت): لأن الكلام إنما وقع في الخير الذي يسوقه إلى المؤمنين وهو الذي أنكرته الكفرة. فقال: بيدك الخير تؤتيه أولياءك على رغم من أعدائك ولأن كل أفعال الله من نافع وضار صادر عن الحكمة والمصلحة فهو خير كله. انتهى كلامه. وهذا يدافع آخره أوله لأنه ذكر السؤال ثم اقتصر على ذكر الخير دون الشر وأجاب بالجواب الأول وذلك يدل على أن بيده تعالى الخير والشر وإنما كان الاقتصار على الخير لأن الكلام إنما وقع فيما يسوقه تعالى من الخير للمؤمنين فناسب الاقتصار على ذكر الخير فقط، وأجاب بالجواب الثاني. وذلك يدل على أن جميع أفعاله خير ليس فيها شر وهذا الجواب يناقض الأول لأن الآية في معنى المدح، وإن كان سبحانه بيده الخير والشر على مذهب أهل السنة.