٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
21
Tafseer
الرازي
تفسير : إعلم أنه تعالى لما ذكر من قبل حال من يعرض ويتولى بقوله {وإن تُوَلُّواْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ } أردفه بصفة هذا المتولي فذكر ثلاثة أنواع من الصفات: الصفة الأولى: قوله {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ }. فإن قيل: ظاهر الآية يقتضي كونهم كافرين بجميع آيات الله واليهود والنصارى ما كانوا كذلك لأنهم كانوا مقرين بالصانع وعلمه وقدرته والمعاد. قلنا: الجواب من وجهين الأول: أن نصرف آيات الله إلى المعهود السابق وهو القرآن، ومحمد صلى الله عليه وسلم الثاني: أن نحمله على العموم، ونقول إن من كذب بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم يلزمه أن يكذب بجميع آيات الله تعالى لأن من تناقض لا يكون مؤمناً بشيء من الآيات إذ لو كان مؤمناً بشيء منها لآمن بالجميع. الصفة الثانية: قوله تعالى: {وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيّينَ بِغَيْرِ حَقّ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ الحسن {وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيّينَ بِغَيْرِ حَقّ } وهو للمبالغة. المسألة الثانية: روي عن أبي عبيدة بن الجراح أنه قال: قلت يا رسول الله أي الناس أشد عذاباً يوم القيامة؟ قال: حديث : رجل قتل نبياً أو رجلاً أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وقرأ هذه الآية ثم قال: يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيّاً من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة رجل وإثنا عشر رجلاً من عباد بني إسرائيل، فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعاً من آخر النهار في ذلك اليوم فهم الذين ذكرهم الله تعالى، وأيضاً القوم قتلوا يحيـى بن ذكريا، وزعموا أنهم قتلوا عيسى بن مريم فعلى قولهم ثبت أنهم كانوا يقتلون الأنبياء.تفسير : وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: إذا كان قوله {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ } في حكم المستقبل، لأنه وعيد لمن كان في زمن الرسول عليه الصلاة والسلام ولم يقع منهم قتل الأنبياء ولا القائمين بالقسط فكيف يصح ذلك؟. والجواب من وجهين الأول: أن هذه الطريقة لما كانت طريقة أسلافهم صحت هذه الإضافة إليهم، إذ كانوا مصوبين وبطريقتهم راضين، فإن صنع الأب قد يضاف إلى الابن إذا كان راضياً به وجارياً على طريقته الثاني: إن القوم كانوا يريدون قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتل والمؤمنين إلا أنه تعالى عصمه منهم، فلما كانوا في غاية الرغبة في ذلك صح إطلاق هذا الاسم عليهم على سبيل المجاز، كما يقال: النار محرقة، والسم قاتل، أي ذلك من شأنهما إذا وجد القابل، فكذا ههنا لا يصح أن يكون إلا كذلك. السؤال الثاني: ما الفائدة في قوله {وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيّينَ بِغَيْرِ حَقّ } وقتل الأنبياء لا يكون إلا كذلك. والجواب: ذكرنا وجوه ذلك في سورة البقرة، والمراد منه شرح عظم ذنبهم، وأيضاً يجوز أن يكون المراد أنهم قصدوا بطريقة الظلم في قتلهم طريقة العدل. السؤال الثالث: قوله {وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيّينَ } ظاهره مشعر بأنهم قتلوا الكل، ومعلوم أنهم ما قتلوا الكل ولا الأكثر ولا النصف. والجواب: الألف واللام محمولان على المعهود لا على الاستغراق. الصفة الثالثة: قوله {وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة وحده {ويقاتلون} بالألف والباقون {وَيَقْتُلُونَ } وهما سواء، لأنهم قد يقاتلون فيقتلون بالقتال، وقد يقتلون ابتداء من غير قتال وقرأ أُبي {وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيّينَ وَٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ }. المسألة الثانية: قال الحسن: هذه الآية تدل على أن القائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الخوف، تلي منزلته في العظم منزلة الأنبياء، وروي أن رجلاً قام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أي الجهاد أفضل؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر». تفسير : واعلم أنه تعالى كما وصفهم بهذه الصفات الثلاثة، فقد ذكر وعيدهم من ثلاثة أوجه الأول: قوله {فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: إنما دخلت الفاء في قوله {فَبَشّرْهُم } مع أنه خبران، لأنه في معنى الجزاء والتقدير: من يكفر فبشرهم. المسألة الثانية: هذا محمول على الاستعارة، وهو أن إنذار هؤلاء بالعذاب قائم مقام بشرى المحسنين بالنعيم، والكلام في حقيقة البشارة تقدم في قوله تعالى: {أية : وَبَشّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } تفسير : [البقرة: 25]. النوع الثاني من الوعيد: قوله {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةِ }. إعلم أنه تعالى بيّن بهذا أن محاسن أعمال الكفار محبطة في الدنيا والآخرة، أما الدنيا فإبدال المدح بالذم والثناء باللعن، ويدخل فيه ما ينزل بهم من القتل والسبي، وأخذ الأموال منهم غنيمة والاسترقاق لهم إلى غير ذلك من الذل الظاهر فيهم، وأما حبوطها في الآخرة فبإزالة الثواب إلى العقاب. النوع الثالث من وعيدهم: قوله تعالى: {وَمَا لَهُم مّن نَّـٰصِرِينَ }. إعلم أنه تعالى بيّن بالنوع الأول من الوعيد اجتماع أسباب الآلام والمكروهات في حقهم وبيّن بالنوع الثاني زوال أسباب المنافع عنهم بالكلية وبيّن بهذا الوجه الثالث لزوم ذلك في حقهم على وجه لا يكون لهم ناصر ولا دافع والله أعلم.
القرطبي
تفسير : فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ} قال أبو العباس المبرد: كان ناس من بني إسرائيل جاءهم النبيون يدعونهم إلى الله عز وجل فقتلوهم، فقام أناس من بعدهم من المؤمنين فأمروهم بالإسلام فقتلوهم؛ ففيهم نزلت هذه الآية. وكذلك قال معقل بن أبي مسكين: كانت الأنبياء صلوات الله عليهم تجيء إلى بني إسرائيل بغير كتاب فيقتلونهم، فيقوم قوم ممن ٱتبعهم فيأمرون بالقِسط، أي بالعدل، فيُقتَلون. وقد روي عن ٱبن مسعود قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : بئس القوم قوم يقتلون الذين يأمرون بالقِسط من الناس، بئس القوم قوم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، بئس القوم قوم يمشي المؤمن بينهم بالتّقِيّة» تفسير : وروى أبو عبيدة بن الجرّاح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً من أوّل النهار في ساعةٍ واحدة فقام مائة رجل وٱثنا عشر رجلاً من عُبّاد بني إسرائيل فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر فقتلوا جميعاً في آخر النهار من ذلك اليوم وهم الذين ذكرهم الله في هذه الآية»تفسير : . ذكره المهدوي وغيره. وروى شعبة عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله قال: كانت بنو إسرائيل تقتل في اليوم سبعين نبياً ثم تقوم سُوقُ بَقْلِهم من آخر النهار. فإن قال قائل: الذين وُعِظوا بهذا لم يقتلوا نبيا. فالجواب عن هذا أنهم رضوا فعل من قتل فكانوا بمنزلته؛ وأيضاً فإنهم قاتلوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهموا بقتلهم؛ قال الله عز وجل: {أية : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ} تفسير : [الأنفال: 30]. الثانية: دلت هذه الآية على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان واجباً في الأمم المتقدّمة، وهو فائدة الرسالة وخلافة النبوة. قال الحسن قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : من أمر بالمعروف أو نهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة رسوله وخليفة كتابه»تفسير : وعن درّة بنت أبي لهبٍ قالت: حديث : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر فقال: مَن خيرُ الناس يا رسول الله؟ قال: «آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأتقاهم لله وأوصلهم لرحمه»تفسير : . وفي التنزيل: {أية : ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ}تفسير : [التوبة: 67] ثم قال: {أية : وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} تفسير : [التوبة: 71] فجعل تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرقا بين المؤمنين والمنافقين؛ فدل على أن أخص أوصاف المؤمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورأسها الدعاء إلى الإسلام والقتال عليه. ثم إن الأمر بالمعروف لا يليق بكل أحد، وإنما يقوم به السلطان إذْ كانت إقامة الحدود إليه، والتعْزيز إلى رأيه، والحبس والإطلاق له، والنفي والتغريب؛ فينصب في كل بلدة رجلا صالحا قويا عالما أمينا ويأمره بذلك، ويمضي الحدود على وجهها من غير زيادة. قال الله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَـاةَ وَأَمَرُواْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ}تفسير : [الحج: 41]. الثالثة: وليس من شرط الناهي أن يكون عدلا عند أهل السنة، خلافا للمبتدعة حيث تقول: لا يغيره إلا عَدْل. وهذا ساقط؛ فإن العدالة محصورة في القليل من الخلق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عام في جميع الناس. فإن تشبثوا بقوله تعالى: {أية : أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} تفسير : [البقرة: 44] وقوله: {أية : كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} تفسير : [الصف: 3] ونحوه، قيل لهم: إنما وقع الذمّ ها هنا على ٱرتكاب ما نهي عنه لا على نهيه عن المنكر. ولا شك في أن النهي عنه ممن يأتيه أقبح ممن لا يأتيه، ولذلك يدور في جهنم كما يدور الحمار بالرَّحى، كما بيناه في البقرة عند قوله تعالى {أية : أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ}تفسير : [البقرة: 44]. الرابعة: أجمع المسلمون فيما ذكر ٱبن عبدالبر أَنّ المنكر واجب تغييره على كل من قدر عليه، وأنه إذا لم يلحقه بتغييره إلا اللوم الذي لا يتعدى إلى الأذى فإن ذلك لا يجب أن يمنعه من تغييره؛ فإن لم يقدر فبلسانه، فإن لم يقدر فبقلبه ليس عليه أكثر من ذلك. وإذا أنكر بقلبه فقد أدّى ما عليه إذا لم يستطع سوى ذلك. قال: والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في تأكيد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة جدا ولكنها مقيدة بالاستطاعة. قال الحسن: إنما يُكلَّمُ مؤمن يُرجى أو جاهل يُعلَّم؛ فأما من وضع سيفه أو سوطه فقال: ٱتّقنى آتقِنى فما لك وله. وقال ٱبن مسعود: بحسب المرء إذا رأى منكراً لا يستطيع تغييره أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره. وروى ٱبن لَهِيعَة عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : «لا يحل لمؤمن أن يُذِلّ نفسه». قالوا: يا رسول الله وما إذلاله نفسه؟ قال: «يتعرّض من البلاء لِما لا يقوم له».تفسير : قلت: وخرّجه ابن ماجه عن علي بن زيد بن جدعان عن الحسن بن جندب عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكلاهما قد تُكُلِّمَ فيه. وروي عن بعض الصحابة أنه قال: حديث : إن الرجل إذا رأى منكراً لا يستطيع النكير عليه فليقل ثلاث مرات «اللهم إنّ هذا منكر» فإذا قال ذلك فقد فعل ما عليهتفسير : ، وزعم ٱبن العربي أن من رجا زواله وخاف على نفسه من تغييره الضربَ أو القتل جاز له عند أكثر العلماء الاقتحامُ عند هذا الغرر، وإن لم يرجُ زواله فأي فائدة عنده. قال: والذي عندي أن النية إذا خلصت فليقتحم كيف ما كان ولا يبالي قلت: هذا خلاف ما ذكره أبو عمر من الإجماع. وهذه الآية تدل على جواز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع خوف القتل. وقال تعالى: {أية : وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ} تفسير : [لقمان: 17]. وهذا إشارة إلى الإذاية. الخامسة: روى الأئمة عن أبي سعيد الخدري قال؛ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان»تفسير : قال العلماء: الأمر بالمعروف باليد على الأمراء، وباللسان على العلماء، وبالقلب على الضعفاء، يعني عوامّ الناس. فالمنكر إذا أمكنت إزالته باللسان للناهي فليفعله، وإن لم يمكنه إلا بالعقوبة أو بالقتل فليفعل، فإن زال بدون القتل لم يجز القتل؛ وهذا تُلُقي من قول الله تعالى: {أية : فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ}تفسير : [الحجرات: 9]. وعليه بنى العلماء أنه إذا دفع الصائل على النفس أو على المال عن نفسه أو عن ماله أو نفسِ غيره فله ذلك ولا شيء عليه. ولو رأى زيد عمرًا وقد قصد مال بكر فيجب عليه أن يدفعه عنه إذا لم يكن صاحب المال قادرا عليه ولا راضيا به؛ حتى لقد قال العلماء: لو فرضنا (قودا). وقيل: كل بلدة يكون فيها أربعة فأهلها معصومون من البلاء: إمامٌ عادلٌ لا يظلِم، وعالِم على سبيل الهُدى، ومشايخ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويُحرّضون على طلب العلم والقرآن، ونساؤهم مستورات لا يتبرّجن تبرّج الجاهلية الأولى. السادسة: روى أنس بن مالك قال حديث : قيل: يا رسول الله، متى نترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: «إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأُمم قبلكم». قلنا: يا رسول الله، وما ظهر في الأُمم قبلنا؟ قال: «الملك في صِغاركم والفاحشة في كِباركم والعلم في رُذَالتكم»تفسير : . قال زيد: تفسير معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم «والعلم في رذالتكم» إذا كان العلم في الفساق. خرّجه ٱبن ماجه. وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في «المائدة» وغيرها إن شاء الله تعالى. وتقدّم معنى «فبَشِّرْهُم» وْ«حَبِطَتْ» في البقرة فلا معنى للإعادة.
ابن كثير
تفسير : هذا ذم من الله تعالى لأهل الكتاب بما ارتكبوه من المآثم والمحارم في تكذيبهم بآيات الله، قديماً وحديثاً، التي بلغتهم إياها الرسل استكباراً عليهم، وعناداً لهم، وتعاظماً على الحق، واستنكافاً عن اتباعه، ومع هذا قتلوا من قتلوا من النبيين حين بلغوهم عن الله شرعه بغير سبب ولا جريمة منهم إليهم، إلا لكونهم دعوهم إلى الحق {وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ} وهذا هو غاية الكبر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : الكبر بطر الحق وغمط الناس»تفسير : ، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو الزبير الحسن بن علي بن مسلم النيسابوري نزيل مكة، حدثني أبو حفص عمر بن حفص، يعني: ابن ثابت بن زرارة الأنصاري، حدثنا محمد بن حمزة، حدثنا أبو الحسن مولى لبني أسد، عن مكحول، عن أبي قبيصة بن ذؤيب الخزاعي، عن أبي عبيدة بن الجراح، رضي الله عنه، قال: قلت: يا رسول الله أي الناس أشد عذاباً يوم القيامة؟ قال: «حديث : رجل قتل نبياً، أو من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر»تفسير : ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} الآية، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة وسبعون رجلاً من بني إسرائيل، فأمروا من قتلهم بالمعروف، ونهوهم عن المنكر، فقتلوهم جميعاً من آخر النهار من ذلك اليوم، فهم الذين ذكر الله عز وجل»تفسير : وهكذا رواه ابن جرير عن أبي عبيد الوصابي محمد بن حفص، عن ابن حمير، عن أبي الحسن مولى بني أسد، عن مكحول، به. وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: قتلت بنو إسرائيل ثلاثمائة نبي من أول النهار، وأقاموا سوق بقلهم من آخره، رواه ابن أبي حاتم. ولهذا لما أن تكبروا عن الحق، واستكبروا على الخلق، قابلهم الله على ذلك بالذلة والصغار في الدنيا، والعذاب المهين في الآخرة، فقال تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} أي: موجع مهين {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّـٰصِرِينَ}
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ } وفي قراءة (يقاتلون) {ٱلنَّبِيّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ } بالعدل {مِنَ ٱلنَّاسِ } وهم اليهودُ روي أنهم قتلوا ثلاثة وأربعين نبياً فنهاهم مائة وسبعون من عُبَّادهم فقتلوهم من يومهم {فَبَشّرْهُم } أعلمهم {بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } مؤلم وذكر البشارة تهكم بهم ودخلت الفاء في خبر (إنّ) لشبه اسمها الموصول بالشرط.
الشوكاني
تفسير : قوله: {بآيات الله} ظاهره عدم الفرق بين آية وآية {وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيّينَ بِغَيْرِ حَقّ } يعني: اليهود قتلوا الأنبياء {وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ } أي: بالعدل، وهم الذين يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، قال المبرد: كان ناس من بني إسرائيل جاءهم النبيون، فدعوهم إلى الله، فقتلوهم، فقام أناس من بعدهم من المؤمنين، فأمروهم بالإسلام، فقتلوهم. ففيهم نزلت الآية. وقوله: {فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } خبر {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ } الخ، ودخلته الفاء لتضمن الموصول معنى الشرط، وذهب بعض أهل النحو إلى أن الخبر قوله: {أُولَـئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ } وقالوا إن الفاء لا تدخل في خبر إن، وإن تضمن اسمها معنى الشرط؛ لأنه قد نسخ بدخول "إن" عليه، ومنهم سيبويه، والأخفش، وذهب غيرهما إلى أن ما يتضمنه المبتدأ من معنى الشرط لا ينسخ بدخول "إن" عليه، ومثل المكسورة المفتوحة، ومنه قوله تعالى: {أية : وَٱعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مّن شَىْء فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ }تفسير : [الأنفال: 41]. وقوله: {حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ } قد تقدم تفسير الإحباط، ومعنى كونها حبطت في الدنيا، والآخرة أنه لم يبق لحسناتهم أثر في الدنيا، حتى يعاملوا فيها معاملة أهل الحسنات، بل عوملوا معاملة أهل السيئات، فلعنوا وحل بهم الخزي، والصغار، ولهم في الآخرة عذاب النار. قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ } فيه تعجيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكل من تصح منه الرؤية من حال هؤلاء، وهم أحبار اليهود. والكتاب: التوراة، وتنكير النصيب للتعظيم، أي: نصيباً عظيماً، كما يفيده مقام المبالغة، ومن قال: إن التنكير للتحقير، لم يصب، فلم ينتفعوا بذلك، وذلك بأنهم يدعون إلى كتاب الله الذي أوتوا نصيباً منه، وهو التوراة: {لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مّنْهُمْ } والحال أنهم معرضون عن الإجابة إلى ما دعوا إليه مع علمهم به، واعترافهم بوجوب الإجابة إليه، و {ذٰلِكَ } إشارة إلى ما مر من التولي، والإعراض بسبب {أَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلا أَيَّامًا مَّعْدُودٰتٍ } وهي: مقدار عبادتهم العجل. وقد تقدم تفسير ذلك: {وَغَرَّهُمْ فِى دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } من الأكاذيب التي من جملتها هذا القول. قوله: {فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَـٰهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ } هو: ردّ عليهم، وإبطال لما غرهم من الأكاذيب، أي: فكيف يكون حالهم إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه، وهو يوم الجزاء الذي لا يرتاب مرتاب في وقوعه، فإنهم يقعون لا محالة، ويعجزون عن دفعه بالحيل، والأكاذيب {وَوُفّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ } أي: جزاء ما كسبت على حذف المضاف {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } بزيادة، ولا نقص. والمراد كل الناس المدلول عليهم بكل نفس. قال الكسائي: اللام في قوله: {لِيَوْمِ } بمعنى "في"، وقال البصريون: المعنى لحساب يوم. وقال ابن جرير الطبري المعنى لما يحدث في يوم. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي عبيدة بن الجراح: قلت يا رسول الله أي الناس أشدّ عذاباً يوم القيامة؟ قال: «حديث : رجل قتل نبياً، أو رجلاً أمر بالمعروف، ونهى عن المنكر"تفسير : ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ٱلَّذِينَ يقتلون ٱلنَّبِيّينَ بِغَيْرِ حَقّ وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ } إلى قوله: {وَمَا لَهُم مّن نَّـٰصِرِينَ } ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً أوّل النهار في ساعة واحدة، فقام مائة رجل وسبعون رجلاً من عباد بني إسرائيل، فأمروا من قتلهم بالمعروف، ونهوهم عن المنكر، فقتلوا جميعاً من آخر النهار من ذلك اليوم، فهم الذين ذكر الله»تفسير : . وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، عن ابن عباس قال: بعث عيسى يحيـى بن زكريا في اثني عشر رجلاً من الحواريين يعلمون الناس، فكان ينهي عن نكاح بنت الأخ، وكان ملك له بنت أخ تعجبه، فأرادها، وجعل يقضي لها كل يوم حاجة، فقالت لها أمها: إذا سألك عن حاجة، فقولي حاجتي أن تقتل يحيـى بن زكريا، فقال: سلي غير هذا، فقالت: لا أسألك غير هذا، فلما أبت أمر به، فذبح في طست، فبدرت قطرة من دمه، فلم تزل تغلي حتى بعث الله بختنصر، فدلت عجوز عليه، فألقى في نفسه أن لا يزال يقتل حتى يسكن هذا الدم، فقتل في يوم واحد من ضرب واحد وسن واحد سبعين ألفاً فسكن. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن معقل بن أبي مسكين في الآية قال: كان الوحي يأتي بني إسرائيل، فيذكرون قومهم، ولم يكن يأتيهم كتاب، فيقوم رجال ممن اتبعهم، وصدقهم، فيذكرون قومهم، فيقتلون فهم الذين يأمرون بالقسط من الناس. وأخرج ابن جرير، عن قتادة، نحوه. وأخرج ابن عساكر، عن ابن عباس، قال: {الذين يأمرون بالقسط من الناس}: ولاة العدل. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: «دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المدراس على جماعة من يهود، فدعاهم إلى الله، فقال له النعمان بن عمرو، والحارث بن زيد: على أي دين أتيت يا محمد؟ قال: حديث : على ملة إبراهيم، ودينه، تفسير : قال: فإن إبراهيم كان يهودياً قال لهما النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : فهلما إلى التوراة، فهي بيننا، وبينكم، تفسير : فأبيا عليه، فأنزل الله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَـٰبِ ٱللَّهِ } الآية». أخرج ابن أبي حاتم، عن أبي مالك في قوله: {نَصِيباً } قال: حظاً {مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ } قال: التوراة. وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد في قوله: {قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلا أَيَّامًا مَّعْدُودٰتٍ } قال: يعنون الأيام التي خلق الله فيها آدم. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة في قوله: {وَغَرَّهُمْ فِى دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } حين قالوا {أية : نحن أبناء الله، وأحباؤه}تفسير : [المائدة: 18]. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: {وَوُفّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ } يعني: توفي كل نفس برّ، أو فاجر {مَّا كَسَبَتْ } ما عملت من خير، أو شر {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } يعني: من أعمالهم.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِّيِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ} قرأ حمزة: ويقاتلون الذين يأمرون، وقيل: إنها كذلك في مصحف ابن مسعود. وفي {الْقِسْطِ} هنا وجهان: أحدهما: العدل. والثاني: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. {فَبَشِّرْهُم بِعَذابٍ أَلِيمٍ} رُوِيَ عن أبي عبيدة بن الجراح قال: قلت: يا رسول الله أي الناس أشد عذاباً يوم القيامة؟ قال: رجل قتل نبياً أو رجلاً أمر بمعروف أو نهى عن منكر، ثم قرأ هذه الآية، ثم قال: "حديث : يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً من أول النهار في ساعة واحدة فقام مائة رجل واثنا عشر رجلاً من عباد بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر، فقتلوا جميعاً في آخر النهار من ذلك اليوم ". تفسير : {فَبَشِّرْهُم} أي فأخبرهم، والأغلب في البشارة إطلاقها على الإِخبار بالخير، وقد تستعمل في الإِخبار بالشّر كما استعملت في هذا الموضع وفي تسميتها بذلك وجهان: أحدهما: لأنها تغير بَشْرَةَ الوجه بالسرور في الخير، وبالغم في الشر. والثاني: لأنها خبر يستقبل به البشرة.
ابن عطية
تفسير : قال محمد بن جعفر بن الزبير وغيره: إن هذه الآية في اليهود والنصارى. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وتعم كل من كان بهذه لحال، والآية توبيخ للمعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمساوىء أسلافهم وببقائهم أنفسهم على فعل ما أمكنهم من تلك المساوىء لأنهم كانوا حرصى على قتل محمد عليه السلام، وروي أن بني إسرائيل قتلوا في يوم واحد سبعين نبياً وقامت سوق البقل بعد ذلك، وروى أبو عبيدة بن الجراح عن النبي عليه السلام: أنهم قتلوا ثلاثة وأربعين نبياً فاجتمع من خيارهم وأحبارهم مائة وعشرون ليغيروا وينكروا فقتلوا أجمعين كل ذلك في يوم واحد وذلك معنى قوله تعالى: {ويقتلون الذين يأمرون بالقسط} وقوله تعالى: {بغير حق} مبالغة في التحرير للذنب إذ في الإمكان أن يقتضي ذلك أمر الله تعالى بوجه ما من تكرمة نبي أوغير ذلك، وعلى هذا المعنى تجيء أفعل من كذا إذا كان فيها شياع مثل أحب وخير وأفضل ونحوه مقولة من شيئين ظاهرهما الاشتراك بينهما. وقرأ جمهور الناس: "ويقتلون الذين" وقرأ حمزة وجماعة من غير السبعة "ويقاتلون الذين" وفي مصحف ابن مسعود "وقاتلوا الذين"، وقرأها الأعمش، وكلها متوجهة وأبينها قراءة الجمهور، والقسط العدل، وجاءت البشارة بالعذاب من حيث نص عليه وإذا جاءت البشارة مطلقة فمجملها فيما يستحسن، ودخلت الفاء في قوله: {فبشرهم} لما في الذي من معنى الشرط في هذا الموضع فذلك بمنزلة قولك: الذي يفعل كذا فله إذا أردت أن ذلك إنما يكون له بسبب فعله الشيء الآخر فيكون الفعل في صلتها وتكون بحيث لم يدخل عليها عامل يغير معناها كليت ولعل، وهذا المعنى نص في كتاب سيبويه في باب ترجمة هذا باب الحروف التي تتنزل منزلة الأمر والنهي لأن فيها معنى الأمر والنهي، و{حبطت} معناه: بطلت وسقط حكمها، وحبطها في الدنيا بقاء الذم واللعنة عليهم، وحبطها في الآخرة كونها هباء منبثاً وتعذيبهم عليها، وقرأ ابن عباس وأبو السمال العدوي: "حبَطت" بفتح الباء وهي لغة، ثم نفى النصر عنهم في كلا الحالين.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّنَ} قال الرسول صلى الله عليه وسلم: " حديث : قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة واثنا عشر رجلاً من عُبَّادهم فأمروا القاتلين بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوهم جميعاً آخر ذلك اليوم ".
النسفي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيّينَ } هم أهل الكتاب رضوا بقتل آبائهم الأنبياء {بِغَيْرِ حَقّ } حال مؤكدة لأن قتل النبي لا يكون حقاً {وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ } «ويقاتلون»: حمزة {بِٱلْقِسْطِ } بالعدل {مِنَ ٱلنَّاسِ } أي سوى الأنبياء. قال عليه السلام «حديث : قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً من أول النهار في ساعة واحدة فقام مائة واثنا عشر رجلاً من عباد بني إسرائيل فأمروا قتلتهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعاً في آخر النهار من ذلك اليوم»تفسير : {فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } دخلت الفاء في خبر «إن» لتضمن اسمها معنى الجزاء كأنه قيل: الذين يكفرون فبشرهم بعذاب أليم بمعنى من يكفر فبشرهم، وهذا لأن «إن» لا تغير معنى الابتداء فهي للتحقيق فكأن دخولها كلا دخول ولو كان مكانها «ليت» أو «لعل» لامتنع دخول الفاء {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ } أي ضاعت {فِي ٱلدُّنُيَا وَٱلآخِرَةِ } فلهم اللعنة والخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة {وَمَا لَهُم مّن نَّـٰصِرِينَ } جمع لوقف رؤوس الآي وإلا فالواحد النكرة في النفي يعم. {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ } يريد أحبار اليهود وأنهم حصلوا نصيباً وافراً من التوراة. «ومن» للتبعيض أو للبيان {يُدْعُونَ } حال من «الذين» {إِلَىٰ كِتَـٰبِ ٱللَّهِ } أي التوراة أو القرآن {لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ } جعل حاكماً حيث كان سبباً للحكم أو ليحكم النبي. روي أنه عليه السلام دخل مدراسهم فدعاهم فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد: على أي دين أنت؟ قال النبي عليه السلام: «حديث : على ملة إبراهيم»تفسير : قالا: إن إبراهيم كان يهودياً. قال لهما: إن بيننا وبينكم التوراة فهلموا إليها فأبيا {ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مّنْهُمْ } استبعاد لتوليهم بعد علمهم بأن الرجوع إلى كتاب الله واجب {وَهُم مُّعْرِضُونَ } وهم قوم لا يزال الإعراض ديدنهم {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلا أَيَّامًا مَّعْدُودٰتٍ } أي ذلك التولي والإعراض بسبب تسهيلهم على أنفسهم أمر العقاب وطمعهم في الخروج من النار بعد أيام قلائل وهي أربعون يوماً أو سبعة أيام و«ذلك» مبتدأ «وبأنهم» خبره {وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } أي غرهم افتراؤهم على الله وهو قولهم «نحن أبناء الله وأحباؤه فلا يعذبنا بذنوبنا إلا مدة يسيرة». {فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَـٰهُمْ لِيَوْمٍ } فكيف يكون حالهم في ذلك الوقت {لاَ رَيْبَ فِيهِ } لا شك فيه {وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ } جزاء ما كسبت {وَهُمْ } يرجع إلى كل نفس على المعنى لأنه في معنى كل الناس {لاَ يُظْلَمُونَ } بزيادة في سيئاتهم ونقصان في حسناتهم. {قُلِ ٱللَّهُمَّ } الميم عوض من «يا» ولذا لا يجتمعان، وهذا بعض خصائص هذا الاسم كما اختص بالتاء في القسم وبدخول حرف النداء عليه، وفيه لام التعريف وبقطع همزته في «يا الله» وبالتفخيم {مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ } تملك جنس الملك فتتصرف فيه تصرف الملاك فيما يملكون وهو نداء ثانٍ أي يا مالك الملك {تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَاءُ } تعطي من تشاء النصيب الذي قسمت له من الملك {وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ } أي تنزعه فالملك الأول عام والملكان الآخران خاصان بعضان من الكل. حديث : روي أنه عليه السلام حين فتح مكة وعد أمته ملك فارس والروم فقالت اليهود والمنافقون: هيهات هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم هم أعز وأمنع من ذلك تفسير : فنزلت {وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ } بالملك {وَتُذِلُّ مَن تَشَاء } بنزعه منه {بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ } أي الخير والشر فاكتفى بذكر أحد الضدين عن الآخر، أو لأن الكلام وقع في الخير الذي يسوقه إلى المؤمنين وهو الذي أنكرته الكفرة فقال: بيدك الخير تؤتيه أولياءك على رغم من أعداءك {إِنَّكَ عَلَىٰ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } ولا يقدر على شيء أحد غيرك إلا بإقدارك. وقيل: المراد بالملك ملك العافية أو ملك القناعة. قال عليه السلام «حديث : ملوك الجنة من أمتي القانعون بالقوت يوماً فيوماً»تفسير : أو ملك قيام الليل. وعن الشبلي: الاستغناء بالمكون عن الكونين تعز بالمعرفة أو بالاستغناء بالمكون أو بالقناعة وتذل بأضدادها. ثم ذكر قدرته الباهرة بذكر حال الليل والنهار في المعاقبة بينهما، وحال الحي والميت في إخراج أحدهما من الآخر، وعطف عليه رزقه بغير حساب بقوله {تُولِجُ ٱلَّيْلَ فِي ٱلْنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيْلِ } فالإيلاج إدخال الشيء في الشيء وهو مجاز هنا أي تنقص من ساعات الليل وتزيد في النهار، وتنقص من ساعات النهار وتزيد في الليل {وَتُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيّتِ } الحيوان من النطفة، أو الفرخ من البيضة، أو المؤمن من الكافر {وَتُخْرِجُ ٱلَمَيّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ } النطفة من الإنسان، أو البيض من الدجاج، أو الكافر من المؤمن {وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } لا يعرف الخلق عدده ومقداره وإن كان معلوماً عنده، ليدل على أن من قدر على تلك الأفعال العظيمة المحيرة للأفهام، ثم قدر أن يرزق بغير حساب من يشاء من عباده فهو قادر على أن ينزع الملك من العجم ويذلهم ويؤتيه العرب ويعزهم. وفي بعض الكتب: أنا الله ملك الملوك، قلوب الملوك ونواصيهم بيدي، فإن العباد أطاعوني جعلتهم عليهم رحمة، وإن العباد عصوني جعلتهم عليهم عقوبة، فلا تشتغلوا بسبب الملوك ولكن توبوا إليّ أعطفهم عليكم. وهو معنى قولهم عليه السلام «حديث : كما تكونوا يولى عليكم الحي من الميت والميت من الحي» تفسير : بالتشديد حيث كان: مدني وكوفي غير أبي بكر. {لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَاءَ } نهوا أن يوالوا الكافرين لقرابة بينهم أو لصداقة قبل الإسلام أو غير ذلك، وقد كرر ذلك في القرآن والمحبة في الله والبغض في الله باب عظيم في الإيمان. {مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } يعني أن لكم في موالاة المؤمنين مندوحة عن موالاة الكافرين فلا تؤثروهم عليهم {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيْءٍ } أي ومن يوال الكفرة فليس من ولاية الله في شيء لأن موالاة الولي وموالاة عدوه متنافيان {إِلا أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـٰةً } إلا أن تخافوا من جهتهم أمراً يجب اتقاؤه أي إلا أن يكون للكافر عليك سلطان فتخافه على نفسك ومالك فحينئذ يجوز لك إظهار الموالاة وإبطان المعاداة {وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ } أي ذاته فلا تتعرضوا لسخطه بموالاة أعدائه وهذا وعيد شديد {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ } أي مصيركم إليه والعذاب معد لديه وهو وعيد آخر. {قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ } من ولاية الكفار أو غيرها مما لا يرضى الله {يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ } ولم يخف عليه وهو أبلغ وعيد {وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } استئناف وليس بمعطوف على جواب الشرط أي هو الذي يعلم ما في السموات وما في الأرض فلا يخفى عليه سركم وعلنكم {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } فيكون قادراً على عقوبتكم {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بعيداً } «يوم» منصوب بـ «تود» والضمير في «بينه» لليوم أي يوم القيامة حين تجد كل نفس خيرها وشرها حاضرين، تتمنى لو أن بينها وبين ذلك اليوم وهو له أمداً بعيداً أي مسافة بعيدة، أو بـ «اذكر» ويقع «تجد» على «ما عملت» وحده ويرتفع «وما عملت» على الابتداء و«تود» خبره أي والذي عملته من سوء تود هي لو تباعد ما بينها وبينه، ولا يصح أن تكون «ما» شرطية لارتفاع «تود»، نعم الرفع جائز إذا كان الشرط ماضياً لكن الجزم هو الكثير. وعن المبرد أن الرفع شاذ. وكرر قوله {وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ } ليكون على بال منهم لا يغفلون عنه {وَٱللَّهُ رَءُوفٌ بِٱلْعِبَادِ } ومن رأفته بهم أن حذرهم نفسه حتى لا يتعرضوا لسخطه، ويجوز أن يريد أنه مع كونه محذوراً لكمال قدرته مرجو لسعة رحمته كقوله تعالى: {أية : إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةَ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ }تفسير : [فصلت: 43]. ونزل حين قال اليهود نحن أبناء الله وأحباؤه. {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ } محبة العبد لله إيثار طاعته على غير ذلك، ومحبة الله العبد أن يرضى عنه ويحمد فعله. وعن الحسن: زعم أقوام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم يحبون الله فأراد أن يجعل لقولهم تصديقاً من عمل، فمن ادعى محبته وخالف سنة رسوله فهو كذاب وكتاب الله يكذبه. وقيل: محبة الله معرفته ودوام خشيته ودوام اشتغال القلب به وبذكره ودوام الأنس به. وقيل: هي اتباع النبي عليه السلام في أقواله وأفعاله وأحواله إلا ما خص به. وقيل: علامة المحبة أن يكون دائم التفكير، كثير الخلوة، دائم الصمت، لا يبصر إذا نظر، ولا يسمع إذا نودي، ولا يحزن إذا أصيب، ولا يفرح إذا أصاب، ولا يخشى أحداً ولا يرجوه {وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ } قيل: هي علامة المحبة {فَإِن تَوَلَّوْاْ } أعرضوا عن قبول الطاعة، ويحتمل أن يكون مضارعاً أي فإن تتولوا {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَـٰفِرِينَ } أي لا يحبهم. {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَى } اختار {ءَادَمَ } أبا البشر {وَنُوحاً } شيخ المرسلين {وآلَ إبراهيم } إسماعيل وإسحاق وأولادهما {وآل عمران } موسى وهارون هما ابنا عمران بن يصهر. وقيل: عيسى ومريم بنت عمران ابن ماثان وبين العمرانين ألف وثمانمائة سنة {عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ } على عالمي زمانهم {ذُرِّيَّةَ } بدل من «آل إبراهيم وآل عمران» {بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ } مبتدأ وخبره في موضع النصب صفة لـ «ذرية» يعني أن الآلين ذرية واحدة متسلسلة بعضها متشعب من بعض: موسى وهارون من عمران، وعمران من يصهر، ويصهر من قاهث، وقاهث من لاوي، ولاوي من يعقوب، ويعقوب من إسحاق، وكذلك عيسى بن مريم بنت عمران بن ماثان وهو يتصل بيهودا بن يعقوب بن إسحاق، وقد دخل في آل إبراهيم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: بعضها من بعض في الدين {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } يعلم من يصلح للإصطفاء، أو سميع عليم لقول امرأة عمران ونيتها {إِذْ قَالَتِ } «وإذ» منصوب به أو بإضمار «اذكر». {ٱمْرَأَتُ عِمْرٰنَ } هي امرأة عمران بن ماثان أم مريم جدة عيسى وهي حنة بنت فاقوذا {رَبِّ إِنّي نَذَرْتُ لَكَ } أوجبت {مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا } هو حال من «ما» وهي بمعنى الذي أي معتقاً لخدمة بيت المقدس لا يد لي عليه ولا أستخدمه، وكان هذا النوع من النذر مشروعاً عندهم أو مخلصاً للعبادة يقال «طين حر» أي خالص {فَتَقَبَّلْ مِنّي } «منّي» مدني وأبو عمر، والتقبل: أخذ الشيء على الرضا به {إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا } الضمير لـ «ما في بطني» وإنما أنّث على تأويل الحبلة أو النفس أو النسمة {قَالَتْ رَبِّ إِنّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ } «أنثى» حال من الضمير في «وضعتها» أي وضعت الحبلة أو النفس أو النسمة أنثى، وإنما قالت هذا القول لأن التحرير لم يكن إلا للغلمان فاعتذرت عما نذرت وتحزنت إلى ربها ولتكلمها بذلك على وجه التحزن والتحسر قال الله {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ } تعظيماً لموضوعها أي والله أعلم بالشيء الذي وضعت وما علق به من عزائم الأمور. «وضعتُ»: شامي وأبو بكر بمعنى ولعل لله فيه سراً وحكمة، وعلى هذا يكون داخلاً في القول. وعلى الأول يوقف عند قوله «أنثى» وقوله: «والله أعلم بما وضعت». ابتداء إخبار من الله تعالى {وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ } الذي طلبت {كَٱلأُنثَىٰ } التي وهبت لها واللام فيهما للعهد {وَإِنّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ } معطوف على «إني وضعتها أنثى» وما بينهما جملتان معترضتان. وإنما ذكرت حنة تسميتها مريم لربها لأن مريم في لغتهم العابدة، فأرادت بذلك التقرب والطلب إليه أن يعصمها حتى يكون فعلها مطابقاً لاسمها وأن يصدق فيها ظنها بها، ألا ترى كيف أتبعته طلب الإعاذة لها ولولدها من الشيطان بقوله {وَإِنّي } «وإنّي» مدني {أُعِيذُهَا بِكَ } أجيرها {وَذُرِّيَّتَهَا } أولادها {مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ } الملعون في الحديث «حديث : ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها»تفسير : {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا } قبل الله مريم ورضي بها في النذر مكان الذكر {بِقَبُولٍ حَسَنٍ } قيل: القبول اسم ما يقبل به الشيء كالسعوط لما يسعط به وهو اختصاصه لها بإقامتها مقام الذكر في النذر ولم تقبل قبلها أنثى في ذلك، أو بأن تسلمها من أمها عقيب الولادة قبل أن تنشأ وتصلح للسدانة. روي أن حنة لما ولدت مريم لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد ووضعتها عند الأحبار أبناء هارون وهم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة، فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم، وكانت بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم فقال لهم زكريا: أنا أحق بها، عندي أختها. فقالوا: لا حتى نقترع عليها. فانطلقوا ــ وكانوا سبعة وعشرين إلى نهر ــ فألقوا فيه أقلامهم فارتفع قلم زكريا فوق الماء ورسبت أقلامهم فتكفلها. وقيل: هو مصدر على تقدير حذف المضاف أي فتقبلها بذي قبول حسن أي بأمر ذي قبول حسن وهو الاختصاص {وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا } مجاز عن التربية الحسنة، قال ابن عطاء: ما كانت ثمرته مثل عيسى فذاك أحسن النبات. «ونباتاً» مصدر على خلاف الصدر أو التصدير فنبتت نباتاً {وَكَفَّلَهَا } «وكفلها»: قبلها أو ضمن القيام بأمرها. وكفّلها: كوفي أي كفلها الله زكريا يعني جعله كافلاً لها وضامناً لمصالحها {زَكَرِيَّا } بالقصر: كوفي غير أبي بكر في كل القرآن. وقرأ أبو بكر بالمد والنصب هنا. غيرهم بالمد والرفع كالثانية والثالثة ومعناه في العبري: دائم الذكر والتسبيح {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ } قيل: بنى لها زكريا محراباً في المسجد أي غرفة تصعد إليها بسلم. وقيل: المحراب أشرف المجالس ومقدّمها كأنها وضعت في أشرف موضع من بيت المقدس. وقيل: كانت مساجدهم تسمى المحاريب وكان لا يدخل عليها إلا هو وحده {وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا } كان رزقها ينزل عليها من الجنة ولم ترضع ثدياً قط فكان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء {قَالَ يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا } من أين لك هذا الرزق الذي لا يشبه أرزاق الدنيا وهو آتٍ في غير حينه؟ {قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } فلا تستبعد. قيل: تكلمت وهي صغيرة كما تكلم عيسى وهو في المهد {إنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ } من جملة كلام مريم أو من كلام رب العالمين {بِغَيْرِ حِسَابٍ } بغير تقدير لكثرته أو تفضلاً بغير محاسبة ومجازاة على عمل. {هُنَالِكَ } في ذلك المكان حيث هو قاعد عند مريم في المحراب أو في ذلك الوقت فقد يستعار «هنا» و «حيث» و «ثم» للزمان. لما رأى حال مريم في كرامتها على الله ومنزلتها رغب أن يكون له من إيشاع ولد مثل ولد أمها حنة في الكرامة على الله، وإن كانت عاقراً عجوزاً فقد كانت أمها كذلك. وقيل: لما رأى الفاكهة في غير وقتها انتبه على جواز ولادة العاقر {دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرّيَّةً } ولداً والذرية يقع على الواحد والجمع {طَيِّبَةً } مباركة والتأنيث للفظ الذرية {إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَاءِ } مجيبه {فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَـئِكَةُ } قيل: ناداه جبريل عليه السلام. وإنما قيل «الملائكة» لأن المعنى أتاه النداء من هذا الجنس كقولهم «فلان يركب الخيل». «فناديه» بالياء والإمالة: حمزة وعلي {وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّي فِي ٱلْمِحْرَابِ } وفيه دليل على أن المرادات تطلب بالصلوات، وفيها إجابة الدعوات وقضاء الحاجات. وقال ابن عطاء: ما فتح الله تعالى على عبد حالة سنية إلا باتباع الأوامر وإخلاص الطاعات ولزوم المحاريب {إِنَّ ٱللَّهَ } بكسر الألف: شامي وحمزة وعلى إضمار القول، أو لأن النداء قول. الباقون: بالفتح أي بأن الله {يُبَشّرُكَ } «يبشرك» وما بعده: حمزة وعلي من بشره والتخفيف والتشديد لغتان {بِيَحْيَـىٰ } هو غير منصرف إن كان عجمياً وهو الظاهر فللتعريف والعجمة كموسى وعيسى، وإن كان عربياً فللتعريف ووزن الفعل كـ «يعمر» {مُصَدِّقاً } حال منه {بِكَلِمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ } أي مصدقاً بعيسى مؤمناً به فهو أول من آمن به. وسمي عيسى كلمة الله لأن تكون بـ «كن» بلا أب، أو مصدقاً بكلمة من الله مؤمناً بكتاب منه {وَسَيّدًا } هو الذي يسود قومه أي يفوقهم في الشرف، وكان يحيـى فائقاً على قومه لأنه لم يركب سيئة قط ويا لها من سيادة. وقال الجنيد: هو الذي جاد بالكونين عوضاً عن المكون {وَحَصُورًا } هو الذي لا يقرب النساء مع القدرة حصراً لنفسه أي منعاً لها من الشهوات {وَنَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } ناشئاً من الصالحين لأنه كان من أصلاب الأنبياء أو كائناً من جملة الصالحين {قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَـٰمٌ } استبعاد من حيث العادة واستعظام للقدرة لا تشكك {وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ } كقولهم «أدركته السن العالية» أي أثر فيَّ الكبر وأضعفني وكان له تسع وتسعون سنة ولامرأته ثمان وتسعون {وَٱمْرَأَتِي عَاقِرٌ } لم تلد {قَالَ كَذٰلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاء } من الأفعال العجيبة.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {إن الذين يكفرون بآيات الله} يعني يجحدون القرآن وينكرونه وهم اليهود والنصارى {ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس} كان أنبياء بني إسرائيل يأتيهم الوحي ولم يكن يأتيهم كتاب لأنهم كانوا ملتزمين بأحكام التوراة، فكانوا يذكرون قومهم فيقتلونهم فيقوم رجال ممن آمن بهم وصدقهم فيذكرونهم ويأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر فيقتلونهم أيضاً، فهم الذين يأمرون بالقسط يعني بالعدل من الناس. روى البغوي بسند الثعلبي حديث : عن أبي عبيدة بن الجراح قال: قلت: يا رسول الله أي الناس أشد عذاباً يوم القيامة؟ "قال رجل: قتل نبياً أو رجلاً أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس} إلى أن انتهى إلى قوله {وما لهم من ناصرين} ثم قال على فراشك" تفسير : . وقيل: هم الذين يصلون صلاة الصبح في جماعة فعلى هذا القول إنما سميت الصلاة استغفاراً لأنهم طبلوا بفعلها المغفرة. قوله عز وجل: {أية : شهد الله أنه لا إله إلا هو}تفسير : [آل عمران: 18] قيل سبب نزول الآية أن حبرين من أحبار الشام قدما على النبي صلى الله عليه وسلم فلما أبصرا المدينة قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبي صلى الله عليه وسلم الذي خرج في آخر الزمان، فلما دخلا على النبي صلى الله عليه وسلم عرفاه بالصفة فقالا له: أنت محمد؟ قال: نعم، قالا وأنت أحمد؟ قال: نعم. قالا فإنا نسألك عن شيء: فإن أنت أخبرتنا به آمنا بك وصدقناك قال: اسألاني قالا: فأخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله عز وجل، فأنزل الله هذه الآية فأسلم الحبران. وقيل: إن هذه الآية نزلت في نصارى نجران فيما ادعوا في عيسى عليه السلام فقوله تعالى: شهد الله يعني بيّن الله وأظهر لأن معنى الشهادة تبيين وإظهار. وقيل: معنى شهد الله حكم الله وقضى. وقيل: معناه أعلم الله أنه لا إله إلاّ هو وذلك بيان الدلائل لما أمكن التوصل إلى معرفة الوحدانية، فهو تعالى أرشد عباده إلى معرفة توحيده بما بين من عجائب مصنوعاته وغرائب مبتدعاته سئل بعض الأعراب ما الدليل على وجود الصانع؟ فقال: إن البعرة تدل على البعير، وآثار القدم تدل على المسير فهيكل علوي بهذه اللطافة ومركز سفلي بهذه الكثافة أما يدلان على وجود الصانع الخبير. قال ابن عباس: خلق الله تعالى الأرواح قبل الأجساد بأربعة آلاف سنة، وخلق الأرزاق قبل الأرواح بأربعة آلاف سنة، فشهد لنفسه بنفسه قبل أن خلق الخلق كان ولم تكن سماء ولا أرض ولا بر ولا بحر، فقال تعالى: شهد الله أنه لا إله إلا هو {أية : والملائكة}تفسير : [آل عمران: 18] أي وشهد الملائكة فمعنى شهادة الله تعالى الإخبار والإعلام ومعنى شهادة الملائكة والمؤمنين الإقرار والاعتراف بأنه لا إله إلاّ هو، ولما كان واحد من هذين الأمرين يسمى شهادة حسن إطلاق لفظ الشهادة عليهما {أية : وأولو العلم}تفسير : [آل عمران: 18] أي وشهد أولو العلم بأنه لا إله إلا هو، واختلفوا في أولي العلم فقيل: هم الأنبياء عليهم السلام لأنهم أعلم الخلق بالله تعالى وقيل: هم علماء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار وقيل: هم علماء مؤمني أهل الكتاب مثل عبدالله بن سلام وأصحابه، وقيل: هم علماء جميع المؤمنين {أية : قائماً بالقسط}تفسير : [آل عمران: 18] أي بالعدل نصب على الحال والقطع أو المدح ومعناه أنه تعالى قائم بتدبير خلقه كما يقال: فلان قائم بأمر فلان يعني أنه مدبر له ومتعهد لأسبابه، وفلان قائم بحق فلان، أي أنه مجاز له فالله مدبر أمر خلقه وقائم بأرزاقهم ومجاز لهم بأعمالهم {أية : لا إله إلا هو}تفسير : [آل عمران: 18] إنما كرره للتأكيد، وقيل إن الأول وصف وتوحيد والثاني رسم وتعليم أي قولوا لا إله إلاّ هو. وقيل فائدة تكرارها الإعلام بأن هذه الكلمة أعظم الكلام وأشرفه فيه حث للعباد على تكريرها والاشتغال بها، فإنه من اشتغل بها فقد اشتغل بأفضل العبادات {أية : العزيز}تفسير : [آل عمران: 18] أي الغالب الذي لا يقهر {أية : الحكيم}تفسير : [آل عمران: 18] يعني في جميع أفعاله {أية : إن الدين عند الله الإسلام}تفسير : [آل عمران: 19] يعني أن الدين المرضي عند الله هو الإسلام كما قال تعالى: {أية : ورضيت لكم الإسلام ديناً} تفسير : [المائدة: 3] وفيه رد على اليهود والنصارى وذلك لما ادعت اليهود أنه لا دين أفضل من اليهودية، وادعت النصارى أنه لا دين أفضل من النصرانية رد الله عليهم ذلك فقال: إن الدين عند الله الإسلام. وقرئ أن الدين بفتح الهمزة رداً على أن الأولى والمعنى شهد الله أنه لا إله إلاّ هو، وشهد أن الدين عند الله الإسلام، وأصل الدين في اللغة الجزاء. يقال كما تدين تدان ثم صار اسماً للملة والشريعة، ومعناه الانقياد للطاعة والشريعة، قال الزجاج الدين اسم لجميع ما تعبد الله به خلقه وأمرهم بالإقامة عليه، والإسلام هو الدخول في السلم وهو والاستسلام والانقياد والدخول في الطاعة. وروى البغوي بسند الثعلبي عن غالب القطان قال: أتيت الكوفة في تجارةٍ فنزلت قريباً من الأعمش فكنت أختلف إليه فلما كان ذات ليلة أردت أن أنحدر إلى البصرة قام من الليل يتهجد فمر بهذه الآية {أية : شهد الله أنه لا إله إلاّ هو والملائكة وأولو العلم قائماً بالقسط لا إله إلاّ هو العزيز الحكيم} تفسير : [آل عمران: 18] قال الأعمش: وأنا أشهد بما شهد الله به وأستودع الله هذه الشهادة وهي لي عند الله وديعة إن الدين عند الله الإسلام قالها مراراً. قلت: سمع فيها شيئاً فصليت الصبح معه وودعته ثم قلت له: إني سمعتك ترددهما فما بلغك فيها؟ قال: والله لا أحدثك فيها إلى سنة فكتبت على بابه ذلك اليوم وأقمت سنة، فلما مضت السنة قلت: يا أبا محمد قد مضت السنة فقال: حدثني أبو وائل عن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يجاء بصاحبها يوم القيامة. فيقول الله عز وجل: إن لعبدي هذا عندي عهداً وأنا أحق من وفى بالعهد أدخلوا عبدي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة واثنا عشر رجلاً من عباد بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوهم جميعاً من آخر النهار في ذلك اليوم فهم الذين ذكرهم الله في كتابه وأنزل الآية فيهم" {فبشرهم بعذابٍ أليم} إنما دخلت الفاء في قوله فبشرهم مع أنه خبر إن لأنه في معنى الجزاء والتقدير من كفر فبشرهم بعذاب أليم يوم القيامة، وهذا محمول على الاستعارة وهو أن إنذار الكفار بالعذاب قام مقام بشرى المحسنين بالثواب، وفي هذه الآية توبيخ لليهود الذين كانوا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان أسلافهم الذين قتلوا الأنبياء لأنهم رضوا بفعلهم {أولئك الذين حبطت} أي بطلت {أعمالهم في الدنيا والآخرة} وبطلان العمل هو أن لا يقبل في الدنيا ولا يجازى عليه في الآخرة {وما لهم من ناصرين} يعني يمنعونهم من العذاب. قوله عز وجل: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب} أنزلت في اليهود {يدعون إلى كتاب الله} يعني القرآن، وذلك أن اليهود دعوا إلى حكم القرآن فأعرضوا عنه. قال ابن عباس: إن الله جعل القرآن حكماً فيما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحكم القرآن على اليهود والنصارى أنهم على غير الهدى فأعرضوا عنه. وروي عن ابن عباس أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل بيت المدارس على جماعة من اليهود فدعاهم إلى الله عز وجل فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد على أي دين أنت يا محمد؟ فقال: على ملة إبراهيم. قال: إن إبراهيم كان يهودياً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : هلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم" تفسير : فأبيا عليه فأنزل الله الآية. فعلى هذا القول يكون المراد بكتاب الله التوراة. وروي عنه أيضاً أن رجلاً وامرأة من أهل خيبر زنيا وكان في كتابهم الرجم فكرهوا رجمهما لشرفهما فيهم فرفعوا أمرهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجوا أن تكون عنده رخصة فحكم عليهما بالرجم. فقال النعمان بن أوفى وبحري بن عمرو: جرت عليهما يا محمد وليس عليهما الرجم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : بيني وبينكم التوراة" تفسير : فقالوا: قد أنصفت. فقال من أعلمكم بالتوراة؟ فقالوا رجل أعور يقال له عبدالله بن صوريا يسكن فدك فأرسلوا إليه فقدم المدينة وكان جبريل قد وصفه للنبي صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أأنت ابن صوريا؟ قال: نعم قال: أنت أعلم اليهود بالتوراة. قال: كذلك يزعمون"تفسير : . فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوراة وقال له: اقرأ فقرأ فلما أتى على آية الرجم وضع يده عليها وقرأ ما بعدها فقال عبدالله بن سلام: يا رسول الله قد جاوزها ثم قام ورفع كفه عنها وقرأها على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى اليهود وفيها: أن المحصن والمحصنة إذا زنيا وقامت عليهما البينة رجماً، وإن كانت المرأة حبلى تربص بها حتى تضع ما في بطنها، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم باليهوديين فرجما فغضبت اليهود لذلك فأنزل الله عز وجل: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب} يعني علمهم الذي علموه من التوراة يدعون إلى كتاب الله يعني القرآن أو التوراة على اختلاف الروايتين {ليحكم بينهم} أي ليقضي بينهم وإضافة الحكم إلى الكتاب هو على سبيل المجاز {ثم يتولى فريق منهم} يعني الرؤساء والعلماء {وهم معرضون} يعني عن الحق وقيل الذين تولوا هم العلماء، والذين أعرضوا هم الأتباع.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ...} الآية: هذه الآيةُ نزلَتْ في اليهودِ والنصارَىٰ، وتعمُّ كلَّ من كان بهذه الحال، وفيها توبيخٌ للمعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، روَىٰ أبو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ [حديث : أَنَّ بَنِي إسْرَائِيلَ قَتَلُوا ثَلاَثَةً وَأَرْبَعِينَ نَبِيًّا، فَٱجْتَمَعَ مِنْ عُبَّادِهِمْ وأَحْبَارِهِمْ مِائَةٌ وعِشْرُونَ؛ لِيُغَيِّرُوا المُنْكَرَ، وَيُنْكِرُوا، فَقُتِلُوا جَمِيعاً، كُلُّ ذَلِكَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وذَلِكَ مَعْنَىٰ قَوْلِهِ تَعَالَىٰ: {وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ }]تفسير : ، و {حَبِطَتْ}: معناه: بَطَلَتْ. وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَـٰبِ ٱللَّهِ...} الآية: قال ابن عبَّاس: نزَلَتْ هذه الآيةُ بسبب أنَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم دخَلَ بيْتَ المِدْرَاسِ عَلَىٰ جماعةٍ من يَهُود، فدعاهمْ إِلى اللَّه تعالى، فقال له نُعَيْمُ بْنُ عَمْرٍو، والحَارِثُ بْنُ زَيْدٍ: عَلَىٰ أَيِّ دِينٍ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ، فقالَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: أَنا عَلَىٰ مِلَّةِ إبْرَاهِيمَ صلى الله عليه وسلم، فَقَالا: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ يَهُودِيًّا، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: فَهَلُمُّوا إِلَى التَّوْرَاةِ، فَهِيَ بَيْنَنَا، وَبَيْنَكُمْ، فَأَبَيَا عَلَيْهِ، وَنَزَلَتِ الآيةُ. قال * ع *: فالكتابُ؛ في قوله: {مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ}: اسمُ جنس، والكتابُ؛ في قوله: {إِلَىٰ كِتَـٰبِ ٱللَّهِ} هو التوراةُ، وقال قتادةُ وابنُ جُرَيْجٍ: هو القرآن، ورجَّح الطبريُّ الأولَ. وقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ}: الإشارة فيه إٍلى التولِّي والإِعراض، أي: إِنما تولَّوْا، وأعرضوا؛ لاغترارهم بأقوالهم، وٱفترائهم، ثم قال تعالَىٰ خطاباً لنبيِّه محمَّد صلى الله عليه وسلم، وأمته، علَىٰ جهة التوقيفِ والتعجيب: فكيف حالُ هؤلاءِ المغترِّين بالأباطيل، إِذا حشروا يوم القيامة، وٱضمحلَّتْ تلك الزخارفُ والدعاوَىٰ، وجوَّزوا بما ٱكتسبوه مِنْ كفرهم، وأعمالهم القبيحة، قال ابن عطيَّة: والصحيحُ في يوم القيامةِ أنَّه يَوْمٌ؛ لأنَّ قبله ليلةٌ، وفيه شَمْسٌ، وقال النقَّاش: المراد باليَوْمِ الوقْتُ.
ابن عادل
تفسير : لما ذكر حال من يُعْرِض ويتولّى وصفهم في هذه الآيةِ بثلاثِ صفاتٍ: الأولى قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ} لما ضمن هذا الموصول معنى الشرط دخلت الفاء في خبره وهو قوله: {فَبَشِّرْهُم}، وهذا هو الصحيح، أعني أنه إذا نُسِخَ المبتدأ بـ "إنَّ" فجواز دخول الفاء باقٍ؛ لأن المعنى لم يتغير، بل ازداد تأكيداً، وخالف الأخفش، فمنع دخولها من نسخه بـ "إنَّ" والسماع حُجَّةٌ عليه كهذه الآية، وكقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ}تفسير : الآية [البروج: 10]، وكذلك إذا نُسِخَ بـ "لَكِنَّ" كقوله: [الطويل] شعر : 1376- فَوَاللهِ مَا فَارَقْتُكُمْ عَنْ مَلاَلَةٍ وَلَكِنَّ مَا يُقْضَى فَسَوْفَ يَكُونُ تفسير : وكذلك إذا نُسِخ بـ "أنَّ" - المفتوحة - كقوله: {أية : وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} تفسير : [الأنفال: 41] أما إذا نُسِخ بـ "لَيْتَ"، و "لَعَلَّ" و "كَأنَّ" امتنعت الفاءُ عند الجميع؛ لتغيُّرِ المعنى. فصل المراد بهؤلاء الكفارِ اليهودُ والنصارى. فإن قيل: ظاهر هذه الآيةِ يقتضي كونَهم كافرين بجميع آيات الله - تعالى -، واليهود والنصارى، كانوا مقرِّين بالصانع وعلمِه وقدرته والمعادِ. الجواب: أن تُصْرَفَ الآياتُ إلى المعهود السابق - وهو القرآن ومحمد - أو نحمله على العموم، ونقول: إن من كذب بنبوة محمد - عليه السلام - يلزمه أن يُكذب بجميع آيات الله تعالى. الصفة الثانية: قوله: {وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ} قرأ الحسن هذه والتي بعدها بالتشديد ومعناه: التكثير، وجاء - هنا - {بِغَيْرِ حَقٍّ} منكَّراً، وفي البقرة {أية : بِغَيْرِ الحَقِّ} تفسير : [البقرة: 61] معرَّفاً قيل: لأن الجملة - هنا - أخرجت مخرَجَ الشرط - وهو عام لا يتخصَّص - فلذلك ناسبَ أن تذكر في سياق النفي؛ لتعمَّ. وأما في البقرة فجاءت الآية في ناسٍ معهودين، مختصين بأعيانهم، وكان الحق الذي يُقْتَل به الإنسان معروفاً عندهم، فلم يقصد هذا العموم الذي هنا، فجِيء في كل مكان بما يناسبه. فصل حديث : روى أبو عبيدة بنُ الجراح، قال: قلت: يا رسولَ الله، أيُّ الناسِ أشَدُّ عذاباً يَوْمَ القيامةِ؟ قال: رجل قتل نبيًّا، أو رجلاً أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وقرأ هذه الآية، ثم قال: يا أبا عبيدة، قتلت بنو إسرائيل ثلاثةً وأربعين نبيًّا، من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة رجل، واثنا عشر رجلاً من عُبَّادِ بني إسرائيلَ، فأمَرُوا قَتَلَتَهُمْ بالمعروفِ، ونَهَوْهُمْ عن المنكر، فقُتِلوا جميعاً من آخرِ النَّهَارِ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، فَهُم الَّذينَ ذَكَرَهُمُ اللهُ تعالى . تفسير : وأيضاً القوم قتلوا يحيى بن زكريا، وزعموا أنهم قتلوا عيسى ابن مريم. فإن قيل: قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} في حكم المستقبل؛ لأنه كان وعيداً لمن كان في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يقع منهم قتل الأنبياء، ولا الآمرين بالقسط، فكيف يَصِحُّ ذلك؟ فالجوابُ من وجهين: أحدهما: أن هذه لما كانت طريقة أسلافِهم صحَّت الإضافة إليهم؛ إذْ كانوا مُصَوِّبِينَ لهم، راضين بطريقتهم، فإن صُنْعَ الأب قد يُضاف إلى الابن، إذا كان راضياً به. الثاني: أن القوم كانوا يريدون قَتلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتلَ المؤمنين، إلا أن الله - تعالى - عَصَمَه منهم، فلما كانوا راغبين في ذلك صحَّ إطلاق هذا الاسم عليهم - على سبيل المجاز - كما يقال: النار مُحْرِقةٌ، السَّمُّ قاتل. فإن قيل: قَتْل الأنبياء لا يصح أن يكون إلا بغير حق، فما فائدة قوله: {وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ}؟ فالجوابُ تقدم في البقرة، وأيضاً يجوز أن يكون قصدوا بقتلهم أنها طريقة العدل عندهم. فإن قيل: قوله: {وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ} ظاهره يُشْعِر بأنهم قتلوا كُلَّ النبيِّين، ومعلوم أنهم ما قتلوا الكل، ولا الأكثر، ولا النصف. فالجواب أن الألف واللام هنا للعَهْد، لا للاستغراق. الصفة الثالثة: قوله: {وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ} قرأ حمزة "وَيُقَاتِلُونَ" - من المقاتلة - والباقون "وَيَقْتُلُونَ" - كالأول. فأما قراءةُ حمزةَ فإنه غاير فيها بين الفعلين، وهي موافقة لقراءة عبد الله "وَقَاتَلُوا" - من المقاتلة - إلا أنه أتى بصيغة الماضي، وحمزة يحتمل أن يكون المضارع - في قراءته - لحكاية الحال، ومعناه: المُضِيّ. وأما الباقون فقيل - في قراءتهم -: إنما كرر الفعل؛ لاختلاف متعلَّقه، أو كُرِّرَ؛ تأكيداً، وقيل: المراد بأحد القتلَيْن إزهاق الروح، وبالآخر الإهانة، وإماتة الذكر، فلذلك ذكر كل واحد على حدته، ولولا ذلك لكان التركيبُ: ويقتلون النَّبِيِّينَ والذين يأمرون، وبهذا التركيب قرأ أبَيّ. قوله: {مِنَ النَّاسِ} إما بيان، وإما للتبعيض، وكلاهما معلوم أنهم من الناس، فهو جَارٍ مَجْرَى التأكيد. فصل قال القرطبيُّ: "دلت هذه الآيةُ على أن الأمرَ بالمعروف والنهي عن المنكر كان واجباً في الأمم المتقدمةِ، وهو فائدة الرِّسالةِ وخلافة النبوة". قال الحسنُ: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ أمَرَ بِالْمَعْرُوفِ، أو نَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، فَهُوَ خَلِيفَةُ اللهِ في أرْضِهِ، وَخَلِيفَةُ رَسُولِهِ، وَخِلِيفَةُ كِتَابِهِ ". تفسير : وعن دُرَّةَ بِنْتِ أبِي لَهَب، قالت: "حديث : جاء رجل إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر - فقال: مَنْ خيرُ الناس يا رسول الله؟ قال: آمَرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وأنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأتْقَاهُمْ لله، وَأوْصَلُهُمْ لِرَحِمِهِ ". تفسير : قد ورد في التنزيل: {أية : ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ} تفسير : [التوبة: 67]، ثم قال: {أية : وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} تفسير : [التوبة: 71]. فجعل - تعالى - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرقاً بين المؤمنين والمنافقين، فدل ذلك على أن أخَصَّ أوصاف المُؤمِن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ورأسها الدعاء إلى الإسلام والقتال عليه، ثم إن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لا يليق بكل أحد، وإنما يقوم به السلطانُ؛ إذْ كانت إقامةُ الحدودِ إليه، والتعزير إلى رأيه، والحبس والإطلاق له، والنفي والتغريب، فينصب في كل بلدة رجلاً قويًّا، عالماً، أميناً، ويأمره بذلك، ويُمْضِي الحدودَ على وَجْهها من غير زيادةٍ، كما قال تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَـاةَ وَأَمَرُواْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} تفسير : [الحج: 41]. فصل قال الحسنُ: هذه الآيةُ تدل على أن القائمَ بالأمْر بالمعروف والنهي عن المنكر - عند الخوف - تلي منزلته - في العِظَم - منزلةَ الأنبياء، ورُوِيَ أنَّ رَجُلاً قام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمِنًى - فقال: "حديث : أيُّ الجهاد أفضلُ؟ فقال عليه السلام: أفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَق عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائرٍ ". تفسير : قال ابن جريج: كان الوحي يأتي إلى أنبياء بني إسرائيل - ولم يكن يأتيهم كتابٌ - فيذكِّرُون قومَهم فيُقْتلون، فيقوم رجال ممن تَبِعهم وصدَّقهم، فيذكرون قومَهم، فيُقْتَلون - أيضاً - فهم الذين يأمرون بالقسط من الناس. قوله: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتْ} قرأ ابنُ عباس وأبو عبد الرحمن "حَبَطَتْ" بفتح الباء - وهي لغة معروفة، أي: بطلت في الدنيا - بإبدال المدح بالذم، والثناء باللعن، وقَتْلِهم، وسَبْيِهم وأخذ أموالهم، واسترقاقِهم، وغير ذلك من أنواع الذل - وفي الآخرة - بإزالة الثواب، وحصول العقاب - {وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} يَدْفَعُونَ عَنْهُم.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم "حديث : عن أبي عبيدة بن الجراح قالقلت يا رسول الله أي الناس أشد عذاباً يوم القيامة؟ قال: رجل قتل نبياً، أو رجل أمر بالمنكر ونهى عن المعروف. ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس} إلى قوله {وما لهم من ناصرين} ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة رجل وسبعون رجلاً من عباد بني إسرائيل، فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر، فقتلوا جميعاً من آخر النهار من ذلك اليوم، فهم الذين ذكر الله". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا فيمن عاش بعد الموت وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: بعث عيسى يحيى في اثني عشر رجلاً من الحواريين يعلمون الناس، فكان ينهى عن نكاح بنت الأخ، وكان ملك له بنت أخ تعجبه، فأرادها وجعل يقضي لها كل يوم حاجة فقالت لها أمها: إذا سألك عن حاجتك، فقولي: حاجتي أن تقتل يحيى بن زكريا فقال الملك: حاجتك... ؟ قالت حاجتي أن تقتل يحيى بن زكريا. فقال سلي غير هذا. قالت: لا أسألك غير هذا. فلما أبت أمر به فذبح في طست، فبدرت قطرة من دمه فلم تزل تغلي حتى بعث الله بختنصر، فدلت عجوز عليه فألقى في نفسه أن لا يزال يقتل حتى يسكن هذا الدم، فقتل في يوم واحد، من ضرب واحد، وسن واحد، سبعين ألفاً فسكن. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن معقل بن أبي مسكين في الآية قال: كان الوحي يأتي بني إسرائيل فيذكرون قومهم ولم يكن يأتيهم كتاب فيقتلون، فيقوم رجال ممن اتبعهم وصدقهم فيذكرون قومهم فيقتلون. فهم الذين يأمرون بالقسط من الناس. وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله {ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس} قال: هؤلاء أهل الكتاب. كان أتباع الأنبياء ينهونهم ويذكرونهم بالله فيقتلونهم. وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: أقحط الناس في زمان ملك من ملوك بني إسرائيل فقال الملك: ليرسلن علينا السماء أو لنؤذينه فقال له جلساؤه: كيف تقدر على أن تؤذيه أو تغيظه وهو في السماء؟ قال: اقتل أولياءه من أهل الأرض، فيكون ذلك أذى له. قال: فأرسل الله عليهم السماء. وأخرج ابن عساكر من طريق زيد بن أسلم عن ابن عباس في قول الله {إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم} قال: الذين يأمرون بالقسط من الناس ولاة العدل، عثمان وأضرابه. وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش قال: في قراءة عبدالله "إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق وقاتلوا الذين يأمرون بالقسط من الناس".
ابو السعود
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ} أيَّ آيةٍ كانت فيدخُل فيهم الكافرون بالآيات الناطقةِ بحقية الإسلام على الوجه الذي مر تفصيلُه دخولاً أولياً {وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيّينَ بِغَيْرِ حَقّ} هم أهلُ الكتاب قتل أوّلوهم الأنبـياءَ عليهم السلام وقتلوا أتباعَهم وهم راضون بما فعلوا وكانوا - قاتلهم الله تعالى - حائمين حول قتلِ النبـي صلى الله عليه وسلم لولا أن عصَم الله تعالى ساحتَه المنيعة، وقد أُشير إليه بصيغة الاستقبال، وقرىء بالتشديد للتكثير، والتقيـيدُ بغير حق للإيذان بأنه كان عندهم أيضاً بغير حق {وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ} أي بالعدل، ولعل تكريرَ الفعل للإشعار بما بـين القتلين من التفاوت أو باختلافهما في الوقت، حديث : عن أبـي عبـيدة بن الجراح قلتُ: يا رسول الله أيُّ الناسِ أشدُّ عذاباً يوم القيامة؟ قال: "رجل قتل نبـياً، أو رجلاً أمر بمعروف ونهي عن منكر" ثم قرأها ثم قال: "يا أبا عبـيدة قتلت بنو إسرائيلَ ثلاثةً وأربعين نبـياً من أول النهار في ساعة واحدة فقام مائةٌ واثنا عشرَ رجلاً من عبّاد بني إسرائيل فأمروا قَتلَتهم بالمعروف ونهَوْهم عن المنكر فقُتلوا جميعاً من آخر النهار"» تفسير : وقرىء ويقاتلون الذين {فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} خبر إن والفاء لتضمن اسمها معنى الشرط فإنها بالنسخ لا تغير معنى الابتداء بل تزيده تأكيداً وكذا الحال في النسخ بأن المفتوحة كما في قوله تعالى: {أية : وَٱعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مّن شَىْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ } تفسير : [الأنفال، الآية 41] وكذا النسخ بلكن كما في قوله: [الطويل] شعر : فوالله ما فارقتُكم عن ملالةٍ ولكنّ ما يُقُضىٰ فسوف يكون تفسير : وإنما يتغير معنى الابتداء في النسخ بليت ولعل وقد ذهب سيبويه والأخفش إلى منع دخول الفاء عند النسخ مطلقاً فالخبر عندهما.
القشيري
تفسير : إن الذين ربطناهم بالخذلان ووسمناهم بوصف الحرمان - أخْبِرْهم بأن إعراضنا عنهم مؤبد، وأن حكمنا سبق بنقلهم عن دار الجنان إلى دار الهوان، من الخذلان والحرمان إلى العقوبة والنيران.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان الذين يكفرون بآيات الله} أى آية كانت فيدخل فيهم الكافرون بالآيات الناطقة بحقية الاسلام {ويقتلون النبين بغير حق} هو اهل الكتاب قتل اولوهم الانبياء عليهم السلام وقتلوا اتباعهم وهو راضون بما فعلوا وكانوا حاولوا قتل النبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنين لولا عصمهم الله وقد اشير اليه بصيغة الاستقبال قال فى سورة البقرة {أية : بغير الحق} تفسير : [البقرة: 61]. اى بغير الحد الذى حده الله واذن فيه والنكرة ههنا على معنى ان القتل يكون بوجوه من الحق فمعناه يقتلون بغير حق من تلك الحقوق {ويقتلون الذين يأمرون بالقسط} اى بالعدل {من الناس} "حديث : عن ابى عبيدة بن الجراح رضى الله عنه قلت يا رسول الله أى الناس اشد عذابا يوم القيامة قال "رجل قتل نبيا او رجلا امر بمعروف أو نهى عن منكر" ثم قرأها ثم قال "يا ابا عبيدة قتلت بنوا اسرائيل ثلاثة واربعين نبيا من اول نهار فى ساعة واحدة فقام مائة واثنا عشر رجلا من عباد بنى اسرائيل فامروا قتلتهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعا من آخر النهار" " .تفسير : {فبشرهم بعذاب اليم} اى وجيع دائم جعل لهم بدل البشارة وهو الاخبار السار الاخبار بالنار وهو كقول القائل تحية بينهم ضرب وجيع.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: إنما دخلت الفاء في خبر إنَّ؛ لتضمن اسمها معنى الشرط؛ لعموم الموصول وإبهامه، وهو خاص بإنَّ، دون ليت ولعل؛ لأن "إن" لا تغير معنى الابتداء، وإنما تؤكده. وقيل: الخبر: {أولئك...} الخ. يقول الحقّ جّل جلاله: {إن الذين يكفرون بآيات الله} أي: بحُججه الدالة على توحيده، وصحة نبوة رسله، أو بكلامه، وهم اليهود، {ويقتلون النبيين بغير حق} بل بغياً {ويقتلون الذين يأمرون} بالعدل وترك الظلم من الأحبار {فبشرهم بعذاب أليم} موجع، {أولئك الذين حبطت أعمالهم} أي: بطلت، {في الدنيا والآخرة} فلا ينتفعون بها في الدارين، {وما لهم من ناصرين} يمنعونهم من العذاب "حديث : . وعن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قال: سألت النبيّ صلى الله عليه وسلم أيُّ النَّاسِ أشَدُّ عَذَاباً يَوْمَ القيامة؟ قال: رَجُلٌ قَتَلَ نَبِيّاً، أو رَجل أمَرَ بالمُنكَر ونَهَى عن المَعْرُوفِ، ثم قرأ النبيّ صلى الله عليه وسلم {ويقتلون النبيين بغير حق} الآية، ثم قال: يا أبَا عُبَيْدَةَ، قتلَتْ بَنُوا إسْرَائِيلَ ثلاثةً وأرْبَعِين نبيّاً أوَّل النَّهَار في سَاعَةٍ، فقام مائة وعشرون من عُبَّادِ بَني إسْرَائِيل فأَمرُوهم بالمَعرُوف ونَهوهُمْ عن المنكر، فقتلوهم جميعاً مِنْ آخِرِ النَّهارِ من ذلك اليوم، فهم الذين ذكرهم في كتابه، وأنزل الآية فيهم"تفسير : . هـ. من الثعلبي. الإشارة: ذكر في الآية الأولى تشجيع المريدين، وأمرهم بالصبر والتسليم لإذاية المؤذين، وذكر هنا وبال المؤذين الجاحدين لخصوصية المقربين، فالأولياء والعلماء ورثة الأنبياء، فمن آذاهم فله عذاب أليم، في الدنيا؛ بغم الحجاب وسوء المنقلب، وفي الآخرة؛ بالبعد عن ساحة المقربين، وبالسقوط إلى دَرْكَ الأسفلين، والله تعالى أعلم.
الطوسي
تفسير : القراءة: قرأ حمزة ونصير {ويقاتلون الذين يأمرون} بالف لأن في مصحف عبد الله {وقاتلوا} والأجود ما عليه الجماعة. المعنى: وقوله: {إن الذين يكفرون} معناه يجحدون {آيات الله} يعني حججه وبيناته {ويقتلون النبيين} روى أبو عبيدة بن الجراح قال: قلت يا رسول الله أي الناس أشد عذاباً يوم القيامة قال: حديث : رجل قتل نبياً أو رجلا أمر بمعروف ونهى عن منكرتفسير : ، ثم قرأ رسول الله {ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم} ثم قال يا أبا عبيدة، قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة رجل واثنا عشر رجلا من عُباد بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف، ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعاً من آخر النهار في ذلك اليوم، وهم الذين ذكرهم الله. واستدل الرماني بذلك على جواز انكار المنكر مع خوف القتل، وبالخبر الذي رواه الحسن عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال:حديث : أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر يقتل عليهاتفسير : . وقال عمرو بن عبيد: لا نعلم عملا من أعمال البشر أفضل من القيام بالقسط يقتل عليه. وهذا الذي ذكروه غير صحيح، لأن من شرط إنكار المنكر إلا يكون فيه مفسدة، وألا يؤدي إلى قتل المنكر، ومتى أدى ذلك إلى قتله، فقد انتفي عنه الشرطان معاً فيجب أن يكون قبيحاً، والاخبار التي رووها أخبار آحاد لا يعارض بها على أدلة العقول على أنه لا يمتنع أن يكون الوجه فيها وفي قوله: {ويقتلون الذين يأمرون بالقسط} هو من غلب على ظنه أن انكاره لا يؤدي إلى مفسدة فحسن منه ذلك بل وجب وإن تعقب - في ما بعد - القتل، لأنه ليس من شرطه أن يعلم ذلك بل يكفي فيه غلبة الظن. وقوله: {بغير حق} لا يدل على أن قتل النبيين يكون بحق بل المراد بذلك أن قتلهم لا يكون إلا بغير حق، كما قال: {أية : ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به}.تفسير : والمعنى ان ذلك لا يكون عليه برهان كما قال امرؤ القيس: شعر : على لاحب لا يهتدى بمناره إذا سافه العود الديافي جرجرا تفسير : وتقول: لا خير عنده يرجى. وأنت تريد لا خير عنده أصلاً. وكذلك أراد امرؤ القيس أنه لا منار هناك، فيهتدى به قال أبو ذؤيب: شعر : متفلق انشاؤها عن قاني كالقرط صاو غيره لا يرضع تفسير : أي ليس له بقية لبن فيرضع، ومعنى صاو في البيت صوت يابس النخلة. وقوله: {ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس} معناه الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. وقوله: {فبشرهم بعذاب أليم} إنما خاطبهم بذلك وإن كان الخبر عن أسلافهم من حيث رضواهم بافعالهم، فاجملوا معهم على تقدير فبشر أخلافهم بأن العقاب لهم، وكأسلافهم. فان قيل لم جاز أن تقول إن الذي يقوم، فيكرمك، ولم يجز ليت الذي يقوم فيكرمك؟ قلنا: لأن دخول الفاء لشبه الجزاء، لأن الذي يحتاج إلى صلة فصلتها قامت مقام الشرط، فلذلك دخل الفاء في الجواب كما دخل في جواب الشرط، وليت تبطل معنى الجزاء وليس كذلك أن لأنها بمنزلة الابتداء.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} استئناف بيانىّ جواب لسؤالٍ مقدّرٍ {وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ} للتّبيين لا للتّقييد {وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ} اى اتّباع الانبياء والمبتاعين بالبيعة الخاصّة فانّ البائع بالبيعة الخاصّة يأمر بالقسط البتّه ولو فى مملكة وجوده {فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} نزلت فى بنى اسرائيل الّذين قتلوا ثلاثة واربعين نبيّاً من اوّل النّهار فى ساعةٍ واحدةٍ فقام مائة رجل واثنا عشر رجلاً من عبّاد بنى اسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعاً فى آخر النّهار فى ذلك اليوم، هكذا روى عن رسول الله (ص) لكنّ الآية جارية فى كلّ من كان مثلهم وسنخهم وكلّ من قتل نبيّه الباطنىّ واتباعه وان لم يقتل نبيّاً فى الخارج ولا تابعاً لنبىٍّ، وتعريض بمن تعرّض لقتل الائمّة واتباعهم بعد وفاة الرّسول (ص).
اطفيش
تفسير : {إن الذينَ يَكفرون بآياتِ الله ويَقْتُلونَ النّبِيّين بِغَير حَقَّ ويَقْتُلُون الذين يَأمُرونَ بالقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبشِّرْهُمْ بعَذابٍ ألِيِم} هم اليهود فى زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كفروا بما أوحى الله تعالى من القرآن، وغيره من الوحى، على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبصفات رسول الله صلى الله عليه وسلم، فى الإنجيل، وغيرهما، مما دعاهم إلى الكفر به، هواهم قتل أوائلهم الأنبياء، ومتابعيهم ورضوا بذلك، فسماهم لرضاهم، وتضويبهم قاتلين، وأيضاً يقصدون قتل النبى صلى الله عليه وسلم، ومتابعيه، ولا يصلون لذلك، وقد رغبوا فيه أشد الرغبة. والقسط: العدل، ويجوز أن يراد أوائلهم، حديث : فعن أبى عبيدة بن الجراح قلت: يا رسول الله أى الناس أشد عذاباً يوم القيامة؟. قال: "رجل قتل نبياً، أو رجل أمر بالمنكر ونهى عن المعروف" ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ويَقْتلُونَ النَّبِيينَ بغيرِ حقٍ ويَقْتُلون الّذين يأمرونَ بالقِسْطِ مِنَ النَّاس فَبشِّرْهُمْ بعَذابٍ أليِم} إلى قوله {وما لهم من نَاصرينَ} ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا عبيدة.. قَتَلتْ بنُو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا أول النهار فى ساعة واحدة، فقام مائة واثنا عشر"تفسير : ، وروى مائة وعشرون رجلا من عباد بنى إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر، فقتلوهم جميعاً فى أخر النهار فى ذلك اليوم، فهم الذين ذكرهم الله وأنزل فيهم هذه الآية، وعلى هذا فالتبشير بالعذاب الأليم، الحكم به عليهم لا مشافهتهم به، لأنهم مضوا قبله، وأصل التبشير فى الخير، وذكره هنا، تهكم، وقرأ حمزة: ويقاتلون بالألف، وجملة بشرهم خبر إن، وهو أمر، والفاء فيها لعموم اسمها، وإبهامه كذا، قال غير سيبويه تشبيهاً باسم الشرط، مع إن اسم الشرط لا تدخل عليه إن، وإذا دخلت عليه قدر اسمها ضير الشأن، والظاهر عندى فى الآية أن الخبر محذوف، لأنه لم يشبه اسم إن اسم الشرط هنا فى العموم الشرطى، لأنه ليس المعنى هنا أن كل من يكفر بآيات الله.. إلخ، فحكمه كذا، بل ناس مخصوصون فعلوا ذلك، وتقدير الخبر: لهم نار جهنم، أو لهم عذاب أليم، أو نحو ذلك أو الخبر قوله: {أُولَـئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ}.
اطفيش
تفسير : {إنَّ الَّذِينَ} خبر إن هو قوله: {أية : أولئك حبطت أعمالهم} تفسير : [التوبة: 17، 69]، وأما فبشرهم فمعترض، أو عطف طلب على إخبار، وهو الصلة، والمراد قوم مخصوصون من اليهود، لا كل من يفعل ذلك، فليس فيه عموم الشرط، فلا تقل الخبر بشرهم، وقرن بالفاء لشبهه بالشرط {يَكْفُرُون بِأيآتِ اللهِ} هذا المضارع وما بعده لحكاية الحال الماضية، وهم اليهود الماضون ، إذ كفروا ببعض التوراة وقتلوا الأنبياء كما قال {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ} أل للحقيقة هكذا، أو للحقيقة المعهودة فى غيرهذه الآية مما فيه أنهم قتلوا الأنبياء {بِغَيْرِ حَقٍّ} توكيد لخطئهم، كقولك أمس الدابر، لأن قتل الأنبياء لا يكون إلا بغير حق، أو بغير حق فى اعتقادهم، كما أنه غير حق فى نفس لأمر {وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ} العدل، وهو الإيمان والعمل الصالح وترك الظلم والعدل {مِنَ النّاسِ} اليهود، تقدم ذكر قتلهم الأنبياء، ويروى أنهم قتلوا ثلاثة وأربعين نبيَّا أول اليوم، فنهاهم مائة وسبعون، وقيل مائة واثنا عشر من عبادهم، فقتلوهم آخر يومهم، ذكر الله عز وجل كفر أوائلهم وقتلهم من يحق له القتل، تعنيفا لهم، لرضاهم عنهم ومدحهم الجملة مع تلك المساوئ، ويجوز أن يكون المراد بالذين يكفرون ويقتلون الأنبياء ويقتلون الذين يأمرون بالقسط اليهود الذين فى عصره صلى الله عليه وسلم، وصفهم بالقتل وبالكفر بالآيات لرضاهم عن من كفر بها من أسلافهم، ولعدم خلوهم عن الكفر ببعض التوراة، ولرضاهم عن من قتل لأنبياء، وقيل الذين يأمرون بالقسط، ولقصدهم قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسم، وإلقاء الصخرة عليه، وبالسحر وغير ذلك، وقتلهم بعض المؤمنين، ولقصدهم قتل المؤمنين الآمرين بالقسط من جملة الناس، رض واحد رأس مؤمنة، وأكل صحابى مع النبى صلى الله عليه وسلم من الشاة المسمومة فمات، وعليه فالمضارع للاستمرار على قصد ذلك وعلى فعله لو وجدوه كما قصدوه، وكرر ذكر القتل للتفاوت بين قتل الأنبياء وقتل من دونهم من الآمرين بالقسط أو لاختلافهما فى الوقت، ولأن الأول على تبليغ الوحى، والثانى على الأمر بالعدل {فَبَشِّرْهُم} أخبرهم، استعمال للمقيد فى المطلق، أو تهكم بهم، لأن التبشير إنما هو فى الخير، وأصله من ظهور اثر الفرح على البشرة، أى الجلدة من الوجه {بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ } أية آية كانت، ويدخل فيهم الكافرون بالآيات الناطقة بحقية الإسلام دخولاً أولياً {وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيّيْنَ بِغَيْرِ حَقّ } هم أهل الكتاب الذين كانوا في عصره صلى الله عليه وسلم إذ لا معنى لإنذار الماضين قال القطب: وإسناد القتل إليهم ولم يصدر منهم قتل لوجهين: أحدهما: أن هذه الطريقة لما كانت طريقة أسلافهم صحت إضافتها إليهم إذ صنع الأب قد يضاف إلى الابن لا سيما إذا كان راضياً به، الثاني: أن المراد من شأنهم القتل إن لم يوجد مانع، والتقييد بغير حق لما تقدم وتركت ـ أل ـ هنا دون ما سبق لتفاوت مخرج الجملتين وقد مر ما ينفعك في هذه الآية فتذكر. وقرأ الحسن (يقتلون النبيين). {وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ } أي بالعدل، ولعل تكرير الفعل للإشعار بما بين القتلين من التفاوت أو باختلافهما في الوقت، أخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم عن أبـي عبيدة بن الجراح قال: قلت يا رسول الله:حديث : أي الناس أشد عذاباً يوم القيامة؟ قال: «رجل قتل نبياً أو رجلاً أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ـ ثم قرأ الآية ـ ثم قال صلى الله عليه وسلم: يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً أول النهار في ساعة واحدة فقام مائة رجل وسبعون رجلاً من عباد بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعاً من آخر النهار من ذلك اليوم فهم الذين ذكر الله تعالى» تفسير : وقرأ حمزة ـ ويقاتلون الذين ـ وقرأ عبد الله ـ وقاتلوا ـ وقرأ أبـيّ ـ ويقتلون النبيين ـ و ـ الذين يأمرون ـ. {فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } خبر {إِنَّ} ودخلت الفاء فيه لتضمن الاسم معنى الشرط ولا يمنع الناسخ الذي لم يغير معنى الابتداء من الدخول ومتى غير ـ كليت ولعل ـ امتنع ذلك إجماعاً، وسيبويه والأخفش يمنعانه عند النسخ مطلقاً فالخبر عندهما قوله تعالى: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ..}.
ابن عاشور
تفسير : استئناف لبيان بعض أحوال اليهود، المنافية إسلامَ الوجه لله، فالمراد بأصحاب هذه الصلات خصوص اليهود، وهم قد عُرفوا بمضمون هذه الصلات في مواضع كثيرة من القرآن. والمناسبة: جريان الجدال مع النصارى وأن جُعلوا جميعاً في قَرَن قولِه: {أية : وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم}تفسير : [آل عمران: 20]. وجيء في هاته الصلات بالأفعال المضارعة لتدل على استحضار الحالة الفظية، وليس المراد إفادة التجدّد؛ لأنّ ذلك وإن تأتَّى في قوله: {يكفرون} لا يتأتَّى في قوله: {ويقتلون} لأنَّهم قتلوا الأنبياء والذين يأمرون بالقسط في زمنٍ مضى. والمراد من أصحاب هذه الصلات يهود العَصر النبوي: لأنّهم الذين توعّدهم بعذاب أليم، وإنّما حَمَل هؤلاء تبِعة أسلافهم لأنّهم معتقدون سداد ما فعله أسلافهم، الذين قتلوا زكرياء لأنّه حاول تخليصَ ابنه يَحيَى من القتل، وقتلوا يحيَى لإيمانه بعيسى، وقتلوا النبي إرْمِيَاء بمصر، وقتلوا حزقيال النبي لأجل توبيخه لهم على سوء أفعالهم، وزعموا أنّهم قتلوا عيسى عليه السلام، فهو معدود عليهم بإقرارهم وإن كانوا كاذبين فيه، وقَتَل مَنشا ابنُ حزقيال، ملكُ إسرائيل، النبي أشعياء: نشره بالمِنشار لأنّه نهاه عن المنكر، بمرأى ومسمع من بني إسرائيل، ولم يحموه، فكان هذا القتل معدوداً عليهم، وكم قتلوا ممّن يأمرون بالقسط، وكل تلك الجرائم معدودة عليهم؛ لأنّهم رضُوا بها، وألَحّوا في وقوعها. وقوله: {بغير حق} ظرف مستقر في موضع الحال المؤكّدة لمضمون جملةِ {يقتلون النبيّئين} إذ لا يكون قتل النبيّئين إلاّ بغير حق، وليس له مفهوم لظهور عدم إرادة التقييد والاحترازِ؛ فإنّه لا يقتل نبي بحق، فذكر القيد في مثله لا إشكال عليه، وإنّما يجيء الإشكال في القيد الواقع في حَيّز النفي، إذا لم يكن المقصود تسلّط النفي عليه مثل قوله تعالى: {أية : لا يسألون الناس إلحافاً}تفسير : [البقرة: 273] وقولِه: {أية : ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً }تفسير : وقد تقدم في سورة البقرة (41). والمقصود من هذه الحال زيادة تشويه فعلهم. ولما كان قوله: ويقتلون الذين يأمرون بالقسط} مومئاً إلى وجه بناء الخبر: وهو أنَّهم إنّما قتلوهم لأنّهم يأمرون بالقسط أي بالحق، فقد اكتفي بها في الدلالة على الشناعة، فلم تحتج إلى زيادة التشنيع. وقرأ الجمهور من العشرة {يقتلون} الثاني مثل الأول - بسكون القاف - وقرأه حمزة وحده «ويُقاتلون» - بفتح القاف بعدها - بصيغة المفاعلة وهي مبالغة في القتل. والفاء في {فبشّرهم} فاء الجواب المستعملةُ في الشرط، دخلت على خبر إنّ لأنّ اسم إنّ وهو موصول تضمن معنى الشرط، إشارة إلى أنّه ليس المقصود، قوماً معيّنين، بل كل من يتَّصف بالصلة فجزاؤه أنّ يَعلم أنّ له عذاباً أليماً. واستعمل بشّرهم في معنى أنذرهم تهكّماً. وحقيقة التبشير: الإخبار بما يُظهر سرور المخبَر (بفتح الباء) وهو هنا مستعمل في ضدّ حقيقته، إذ أريد به الإخبار بحصول العذاب، وهو موجب لحزن المخبَرين، فهذا الاستعمال في الضدّ معدود عند علماء البيان من الاستعارة، ويسمّونها تهكّمية لأنّ تشبيه الضدّ بضدّه لا يروج في عقل أحد إلاّ على معنى التهكّم، أو التمليح، كما أطلق عمرو ابن كلثوم. اسم الأضياف على الأعداء، وأطلق القرى على قتل الأعداء، في قوله: شعر : نزلتم مَنزل الأضيافِ منّا فعَجَّلْنَا القِرى أن تشتمونا قَزَيْنَاكُم فعَجَّلْنا قِراكم قُبَيْل الصُّبْح مِرْداةً طَحُونا تفسير : قال السكاكي: وذلك بواسطة انتزاع شَبه التضادّ وإلحافه بشَبه التناسب. وجيء باسم الإشارة في قوله: {أولئك الذين حبطت أعمالهم} لأنّهم تميّزوا بهذه الأفعال التي دلت عليها صِلاتُ الموصول أكملَ تمييز، وللتنبيه على أنّهم أحِقَّاءِ بما سيخبر به عنهم بعدَ اسم الإشارة. واسم الإشارة مبتدأ، وخبره {الذين حَبِطتْ أعمالهم}، وقيل هو خبر (إنّ) وجملة {فبشرهم بعذاب أليم} وهو الجاري على مذهب سيبويه لأنّه يمنع دخول الفاء في الخبر مطلقاً. وحَبَط الأعمالِ إزالةِ آثارها النافعة من ثوابٍ ونعيم في الآخرة، وحياةٍ طيّبة في الدنيا، وإطلاق الحَبَط على ذلك تمثيل بحال الإبل التي يصيبها الحَبَط وهو انتفاخ في بطونها من كثرة الأكل، يكون سبب موتها، في حين أكلت ما أكلت للالتذاذ به. وتقدم عند قوله تعالى: {أية : ومن يرتدد منكم عن دينه فيَمُت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة}تفسير : في سورة البقرة (217). والمعنى هنا أنّ اليهود لما كانوا متديّنين يَرجون من أعمالهم الصالحة النفعَ بها في الآخرة بالنجَاة من العقاب، والنفع في الدنيا بآثار رضا الله على عباده الصالحين، فلمّا كفروا بآيات الله، وجحدوا نبوءة محمد، وصوّبوا الذين قَتَلوا الأنبياء والذين يأمرون بالقسط، فقد ارتدُّوا عن دينهم فاستحقّوا العذاب الأليم، ولذلك ابتُدىء به بقوله: فبشرهم بعذاب أليم}. فلا جرم تَحْبَطُ أعمالهم فلا ينتفعون بثوابها في الآخرة، ولا بآثارها الطيّبة في الدنيا، ومعنى {وما لهم من ناصرين} ما لهم من ينقذهم من العذاب الذي أنذروا به. وجيء بمن الدالة على تنصيص العموم لئلاّ يترك لهم مدخل إلى التأويل.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 21- إن الذين يجحدون آيات الله الكونية والمنزَّلة، ويقتلون من بعثهم الله لهدايتهم من الأنبياء، ظلماً بغير حق، ويقتلون دعاة الناس إلى القسط والعدل يستحقون العذاب الأليم فبشرهم به. 22- أولئك المتصفون بتلك الصفات بطلت أعمالهم فى الدنيا والآخرة ولو كان بعضها طيبة، وخلت من ثمراتها فلم تنفعهم في الدنيا وأعقبهم الخزي والنكال في الآخرة، وليس من ينقذهم من الخسران والعذاب فلا يقبل لهم عمل وما لهم من ناصر ينصرهم من عذاب الله. 23- ألم تعلم حال الذين أُعطوا حظاً من الكتاب والعلم يدعون إلى كتاب الله وهو القرآن ليفصل الحق من الباطل فيما شجر بينهم من خلاف فلا يسارعون إلى إجابة الداعى، بل يعرض عنه فريق منهم شأنه الإعراض عن دعوة الخير. 24- إن أولئك المعرضين من اليهود زَيَّن لهم ذلك الإعراض أنهم يُمنُّون أنفسهم بالأمانى الباطلة، فيزعمون أن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودات ودفعهم إلى ذلك الغرور وتلك الأمانى افتراءاتهم المستمرة فى دينهم. 25- فكيف يكون حالهم وقت أن يجمعهم الله فى الآخرة التى لا شك فى وجودها ولا حسابها فكل نفس تعطى جزاءها وافياً، وهم مستحقون لما نالهم من جزاء.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: يكفرون: يجحدون ويكذِّبون. النبيين: جمع نبي وهو ذكر من بني آدم أوحي إليه الله تعالى. القسط: العدل والحق والخير والمعروف. بشرهم بعذاب أليم: أخبرهم إخباراً يظهر أثره على بشرة وجوههم ألماً وحسرة. حبِطت أعمالهم: بَطَلت وذهبت لم يجنوا منها شيئاً ينفعهم، ويهلكون بذلك ويعدمون الناصر لهم لأن الله خذلهم وأراد إهلاكهم وعذابهم في جهنم. معنى الآيتين: ما زال السياق في هَتْك أستار الكفرة من أهل الكتابين اليهود والنصارى فذكر تعالى هنا أن الذين يكفرون بآيات الله وهي حججه وأعلام دينه، وما بعث بها رسله، ويقتلون مع ذلك النبيين بغير حق ولا موجب للقتل، ويقتلون الذين يأمرونهم بالعدل من أتباع الأنبياء المؤمنين الصالحين، هذه جرائم بعض أهل الكتاب فبشرهم بعذاب أليم، ثم أخبر أن أولئك البعداء في مهاوي الشر والفساد والظلم والعناد حبطت أعمالهم في الدنيا فلا يجنون منها عاقبة حسنة ولا مدحاً ولا ثناءً بل سُجلت لهم بها عليهم لعنات في الحياة والممات، والآخرة كذلك وليس لهم فيها من ناصرين ينصرونهم فيخلصونهم من عذاب الله وهيهات هيهات أن يوجد من دون الله ولي أو نصير. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- الكفر والظلم من موجبات هلاك الدنيا ولزوم عذاب الآخرة. 2- قتل الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر كقتل الأنبياء في عِظَم الجُرْم. 3- الشرك محبط للأعمال مفسد لها في الدنيا والآخرة. 4- من خذله الله تعالى لا ينصره أحد، ومن ينصره الله لا يغلبه أحد.
القطان
تفسير : حبطت أعمالهم: بطلت. أصل البشارة: الخبر السار، وجاء استعمالها هنا على طريق التهكم والسخرية. ان الذين يكفرون بدينك من يهود زمانك يا محمد، وكان اسلافهم يقتلون الأنبياء بغير حق، كما يقتلون الذين يأمرون بالعدل من الناس ـ لن ينالوا خيراً أبداً، بل لك ان تبشّرهم بعذاب مؤلم في الدنيا والآخرة. هؤلاء هم الذين خسروا أنفسهم وفسدت أعمالهم في الدنيا والآخرة. أما في الدنيا، فلأنهم لم ينالوا حمداً ولا ثناء من الناس، وأما في الآخرة فلأنهم فعلوا كل ما سبق من الشائنات. لذا فقد أعد لهم الله الخلود في النار، وما لهم من أحد يجنّبهم بأس الله وعذابه. قراءات: قرأ حمزة: ويقاتلون الذين يأمرون بالقسط.
د. أسعد حومد
تفسير : {بِآيَاتِ} {ٱلنَّبِيِّينَ} (21) - يَذُمُّ اللهُ تَعَالَى أَهْلَ الكِتَابِ الذِينَ ارْتَكَبُوا المَآثِمَ وَالمَحَارِمَ بِكُفْرِهُمْ بِاللهِ وَآيَاتِهِ، وَقَتَلُوا الأَنْبِيَاءَ وَالصَّالِحِينَ الذِينَ يَدُعُونَ إلى اللهِ وَإِلى اتِّبَاعِ الحَقِّ. وَالمَقْصُودُونَ فِي هَذِهِ الآيَةِ هُمُ اليَهُودُ بَنُو إِسْرَائِيلَ، الذِينَ قَتَلُوا عَدَداً مِن أنْبِياءِ اللهِ فِي يَومٍ وَاحِدٍ اسْتِكْباراً، فَعَاقَبَهُمُ اللهُ عَلَى ذَلِكَ بِالذِّلَّةِ وَالصَّغَارِ فِي الدُّنْيا، وَبَشَّرَهُمْ بِعَذَابٍ أليمٍ مُهِينٍ فِي الآخِرةِ، لأنَّ هَذَا هُوَ جَزَاءُ جُرْمِهِمْ وَصَنِيعِهِمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وقلنا إن الحق حين يقول: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} [آل عمران: 21] هم الذين يكفرون بآيات الله على إطلاقها، وهناك فرق بين الكفر بآيات الله وبين الكفر بالله. لماذا؟ لأن الإيمان بالله يتطلب البينات التي تدل على الله، والبينات الدالة على وجود الله موجودة في الكون. إذن فالبينات واضحة، إن الذي يكفر بالله يكون قبل ذلك كافراً بالأدلة التي تدل على وجود الخالق. إن الحق لم يقل هنا: إن الذين يكفرون بالله، وذلك حتى يوضح لنا أنّ الحق غيب، ولكن الآيات البينات ظاهرة في الكون، لذلك قال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّين} [آل عمران: 21]. ولنا أن نلاحظ هنا، أن كلمة القتل تأتي دائماً للنبيين، أي أنها لا تأتي للذين أخذوا صفة تزيد على مهمة النبي، وهو الرسول، فليس من المعقول أن يرسل الله رسولاً ليبلغ منهجاً لله، فيُقدر الله خلقه على أن يقتلوا الرسول. لكن الأنبياء يرسلهم الله ليكونوا أسوة سلوكية للمؤمنين، ولا يأتي الواحد منهم بتشريعات جديدة، أما الرسول فإن الله يبعثه حاملاً لمنهج من الله. وليس من المعقول أن يصطفي الله عبداً من عباده ويستخلصه ليبلغ منهجه، ويُمَكّن الله بعد ذلك بعضاً من خلقه أن يقتلوا هذا الرسول. إن الخلق لا يقدرون على رسول أرسله الله، لكنهم قد يقدرون على الأنبياء، وكل واحد من الأنبياء هو أسوة سلوكية، ولذلك نجد ان كل نبيّ يتعبد على دين الرسول السابق عليه، فلماذا يقتل الخلق الأسوة السلوكية ما دام النبيّ من هؤلاء قد جاء ليكون مجرد أسوة، ولم يأت بدين جديد؟ فلو كان النبي من هؤلاء قد جاء بدين جديد، لقلنا: إن التعصب للدين السابق عليه هو الذي جعلهم يقتلونه، لكن النبيّ أسوة في السلوك، فلماذا القتل؟ إن النبي من هؤلاء يؤدي من العبادة ما يجعل القوم ينتبهون إلى أن السلوك الذي يفعله النبيّ لا يأتي وفق أهوائهم. إن القوم الذين يقتلون النبيين هم القوم الذين لا يوافقون على أن يسلكوا السلوك الإسلامي الذي يعني إخضاع الجوارح، والحركة لمنطق الدين ولمنطق الإسلام، لماذا؟ لأن النبيّ وهو ملتزم بشرع الرسول السابق عليه، حينما يلتزم بدين الله بين جماعة من الملتزمين يكون سلوكه قد طعن غير الملتزمين. إن وجود النبيّ الذي يتمسك بشرع الله، ويخضع جوارحه، وسلوكه لمنهج الله بين جماعة تدّعي أنها تدين بدين الله، ولكنها لا تتمسك بمنهج الله تحملهم إلى أن يقولوا: لماذا يفعل النبي هذا السلوك القويم، ولماذا يخضع جوارحه لمنطق الإيمان، ونحن غير ملتزمين مثله؟ وهذا السؤال يثير الغيظ والحقد على النبيّ بين هذه الجماعة غير الملتزمة بدين الله، وإن أعْلنت في ظاهر الأمر التزامها بالدين. إنهم يحقدون على النبيّ لأنه يرتفع بسلوك المسلم، وهم لا يستطيعون أن يرتفعوا ليكونوا مثله. إن النبيّ بسلوكه الخاضع لمنهج الله يكون أسوة واضحة جلية يظهر بها الفرق بين مجرد إعلان الإيمان بمنهج الله، وبين الالتزام السلوكي بمنهج الله، وتكون أسوة النبيّ مُحقرة لفعلهم. ولذلك حين نجد إنساناً ملتزماً بدين الله ومنهجه، فإننا نجد غير الملتزم ينال الملتزم بالسخرية والاستهزاء، لماذا؟ لأن غير الملتزم يمتلئ بالغيظ والحقد على الملتزم القادر على إخضاع نفسه لمنهج الله، ويسأل غير الملتزم نفسه: لماذا يكون هذا الإنسان قادراً على نفسه مخضعاً لها لمنهج الله وأنا غير قادر على ذلك؟ إن غير الملتزم يحاول إزاحة الملتزم وإبعاده من أمامه. لماذا؟ لأن غير الملتزم يتضاءل في نظر نفسه ونظر الآخرين إذا ما قارن نفسه بالملتزم بمنهج الله، وعندما يقارن الآخرون بين سلوك الملتزم بمنهج الله وسلوك غير الملتزم بمنهج الله فهم لا يحترمون غير الملتزم، فيشعر بالصغار النفسي أمام الملتزم وأمام الناس. فيحاول غير الملتزم أن يزيح الملتزم وينحيه عن طريقه، إن غير الملتزمين بمنهج الله يسخرون ويتغامزون على الملتزمين بمنهج الله، كما يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ * وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ}تفسير : [المطففين: 29-33]. ألا توضح لنا تلك الآيات البينات ما يقوله غير الملتزمين في بعض مجتمعاتنا للملتزمين بمنهج الله؟ ألا نسمع قول غير الملتزمين للملتزم بمنهج الله: "خذنا على جناحك"؟ إن هؤلاء غير الملتزمين ينطبق عليهم قول الحق: {أية : وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ}تفسير : [المطففين: 30-32]. إن غير الملتزمين قد يفرح الواحد منهم، لأنه استطاع السخرية من مؤمن ملتزم بالله. وقد يتهم غيرُ الملتزمين إنساناً ملتزماً بأن الالتزام ضلال. والحق سبحانه وتعالى يرد على هذا الاتهام بالقول الكريم: {أية : وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ}تفسير : [المطففين: 33]. الحق يرد على الساخرين من الملتزمين بمنهج الله، فيضحك الذين آمنوا يوم القيامة من الكفار، ويتساءل الحق بجلال قدرته وتمام جبروته: {أية : فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ}تفسير : [المطففين: 34-36]. هكذا ينال غير الملتزمين عقابهم، فماذا عن الذين يقتلون النبيين بغير حق؟ إن لنا أن نسأل: لماذا وصف الله قتل النبيين بأنه "بغير حق"، وهل هناك قتل لنبيّ بحق؟ لا يمكن أن يكون هناك قتل لنبيّ بحق، وإذا كان الله قد قال: {وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ} [آل عمران: 21] هذا القول الكريم قد أتى ليوضح واقعاً، إنه سبحانه يقول بعد ذلك في سلسلة أعمال هؤلاء الذين يقتلون النبيين بغير حق: {وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ} [آل عمران: 21] إنهم لم يكتفوا بقتل النبيين، بل يقتلون أيضاً من يدافع من المؤمنين عن هذا النبيّ كيف؟ لأنه ساعة يُقتل نبيّ، فالذين التزموا بمنهج النبيّ، وكانوا معه لابد لهم أن يغضبوا ويحزنوا. إن أتباع النبيّ ينفعلون بحدث قتل النبيّ، فإن استطاعوا منع ذلك القتل لفعلوا وإن لم يستطع أتباع النبيّ منع قتل النبيّ فلا أقل من أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، لكن القتلة يتجاوز طغيانهم فلا يقتلون النبيين فقط فإذا قال لهم منكر لتصرفهم: ولماذا تقتلون النبيين؟ فإنهم يقتلونه أيضاً، وبالنسبة لرسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، نحن نعرف أن أعداءه قد صنعوا معه أشياء أرادوا بها اغتياله، وذلك يدل على غباء الذين فكروا في ذلك الاغتيال. لماذا؟ لأنهم لم ينظروا إلى وضعه صلى الله عليه وسلم، فلم يكن نبياً فقط، ولكنه رسول أيضاً. وما دام رسولاً فهو أسوة وحامل لمنهج في آن واحد، فلو كان محمد صلى الله عليه وسلم نبياً فقط لكان في استطاعتهم أن يقتلوه كما قتلوا النبيين من قبل، لكنه رسول من عند الله، ولقد رأوه يحمل منهجاً جديداً، وهذا المنهج يسفه أحلامهم، ويوضح أكاذيبهم، من تبديلهم للكتب المنزلة عليهم. إذن، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولاً يحمل رسالة ومنهجاً، وحينما أرادوا أن يقتلوه كنبيّ، غفلوا عن كونه رسولاً. وذلك قال الحق مطمئناً لنا ومحدثاً رسوله صلى الله عليه وسلم: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [المائدة: 67]. الرسول الكريم إذن حامل رسالة ومعصوم بالله من أعدائه، والحق سبحانه وتعالى قد حكى عن الذين يقتلون الأنبياء، وأراد أن يطمئن المؤمنين، ويطمئن الرسول على نفسه، وأن يعرف خصوم رسول الله أنه لا سبيل إلى قتله، فيقول الحق: {أية : قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ}تفسير : [البقرة: 91]. ولماذا يأتي الله بـ "من قبل" هذه؟ إنه يوضح لنا وللرسول ولأعداء محمد صلى الله عليه وسلم أن مسألة قتل الأنبياء كان من الممكن حدوثها قبل رسول الله، لكن هذه المسألة صارت منتهية، ولا يجرؤ أحد أن يمارسها مع محمد رسول الله، وبذلك طمأن الحق المؤمنين، وطمأن رسول الله بأن أحداً لن يناله بأذى، ولذلك قال الحق: {أية : وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ}تفسير : [المائدة: 67]. وأيأس الحق الذين يريدون قتل رسول الله فقد قال لهم: {أية : قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ}تفسير : [البقرة: 91]. ولو أن المسألة مسألة نبوة ورسالة رسول الله غير داخلة في مواجيدهم، وكان إنكارهم لرسالته عنادا، لكانوا قد قالوا: "إن مسألة قتل الأنبياء لا تتوقف عند "من قبل" لأننا سنجعلها "من بعد" أيضاً، لكانوا قد كتلوا قواهم وقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن الله سبحانه أيأسهم وقنطهم من ذلك، وذلك من مناط قدرة الله. وإذا كان الحق سبحانه وتعالى يحكي عن أمر في قتل الأنبياء، وقتل الذين يأمرون بالقسط، أكان ذلك معاصراً لقول الرسول هذا؟ أو كان هذا الكلام لمن؟ إنه مواجه لبعض من أهل الكتاب، إنه موجه لمن آمنوا باتباع الذين قتلوا النبيين من قبل، وقتلوا الذين يأمرون بالقسط، لقد آمنوا كإيمان السابقين لهم من قتلة الأنبياء، وقتلهم للذين يأمرون بالقسط. وهذا تقريع لهؤلاء الذين اتبعوا في الإيمان قوماً قتلوا الأنبياء من قبل، وقتلوا الذين يأمرون بالقسط، إنه تقريع وتساؤل. كيف تؤمنون كإيمان الذين قتلوا الأنبياء؟ وكيف تتبعون من فعل مثل ذلك؟ وقد قص رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن بني إسرائيل قد قتلوا ثلاثة وأربعين نبياً دفعة واحدة، فقام مائة وسبعون من أتباع الأنبياء لينكروا عليهم ذلك، فقتلوهم، وهذا هو معنى هذه الآية الكريمة: {وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [آل عمران: 21]. لماذا يبشرهم الحق بعذاب أليم؟ أليس معنى التبشير هو إخبار بما يسر في أمد يمكن أن يؤتى فيه الفعل الذي يسر؟ إن التبشير دائماً يكون للفعل الذي يسر، كتبشير الحق للمؤمنين بالجنة، ومعنى التبشير بالجنة أن الله يخبر المؤمن بأمر يُسر له المؤمن، ويعطي الحقّ الفرصة للمؤمن لينفذ منهج الله ليأخذ الجائزة والبشارة. لماذا يكون الحديث بالبشارة موجها لأبناء الذين فعلوا ذلك؟ لأننا نعرف أن الذين قتلوا النبيين وقتلوا الذين أمروا بالقسط من الناس لم يكونوا معاصرين لنزول هذا الآية، إن المعاصرين من أهل الكتاب لنزول هذه الآية هم أبناء الذين قتلوا الأنبياء وقتلوا الذين أمروا بالقسط، ويبشرهم الحق بالعذاب الأليم؛ لأنهم ربما رأوا أن ما فعله السابقون لهم كان صواباً. فإن كانوا قد رأوا أن ما فعله السابقون لهم كان صواباً فلهم أيضاً البشارة بالعذاب. وتتسع دائرة العذاب لهم أيضاً, ولكن لماذا يكون العذاب بشارة لهم، رغم أن البشارة غالباً ما تكون إخباراً بالخير، وعملية العذاب الأليم ليست خيراً؟ إن علينا أن نعرف أنه ساعة نسمع كلمة "أبشر" فإن النفس تتفتح لاستقبال خبر يسر, وعندما تستعد النفس بالسرور وانبساط الأسارير إلى أن تسمع شيئاً حسناً يأتي قول: أبشر بعذاب أليم، ماذا يحدث؟ الذي يحدث هو انقباض مفاجئ أليم, ابتداء مطمع "فبشرهم" وانتهاء مُيْئِس (بعذاب أليم) وهنا يكون الإحساس بالمصيبة أشد؛ لأن الحق لو أنذرهم وأوعدهم من أول الأمر بدون أن يقول: "فبشرهم" لكان وقوع الخبر المؤلم هيناً. لكن الحق يريد للخبر أن يقع وقوعاً صاعقاً، ومثال لذلك قول الحق:{أية : وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِي ٱلْوجُوهَ بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً}تفسير : [الكهف: 29]. إنهم يستغيثون في الآخرة، ويغاثون بالفعل، ولكن بماذا يغيثهم الله؟ إنه يغيثهم بماء كالمهل يشوي الوجوه. إننا ساعة أن نسمع "يغاثوا" قد نظن أن هناك فرجاً قادماً، ولكن الذي يأتي هو ماء كالمهل يشوي الوجوه. وهكذا تكون البشارة بالنسبة لمن قتلوا الأنبياء أو لأتباع القتلة الذين آمنوا بمثل ما آمن به هؤلاء القتلة. {فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [آل عمران: 21] وكلمة "عذاب" تعني إيلام حيّ يحس بالألم. والعذاب هو للحيّ الذي يظل متألماً، أما القتل فهو ينهى النفس الواعية وهذا ليس بعذاب، بل العذاب أن يبقى الشخص حيّاً حتى يتألم ويشعر بالعذاب، وقول الحق: {بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [آل عمران: 21] يلفتنا إلى قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً}تفسير : [النساء: 56]. أي أن الحق يديم عليهم الحياة ليديم عليهم التعذيب. وبعد ذلك يقول الحق: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن معقل بن أَبي مسكين في قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ} [الآية: 21] قال: كان النبي، من بني إِسرائيل يأْتيه الوحي ولا يأْتيه كتاب. فيقوم فيذكر قومه، فيقتل. فيقوم رجال ممن اتبعه وصدقه فيذكرونهم فيقتلون. فهم {ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ}. أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: { تُولِجُ ٱلَّيْلَ فِي ٱلْنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيْلِ } [الآية: 27]. قال: مَا نَقَصَ من أَحدهما دخل في الآخر. أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَتُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ} [الآية: 27]. يعني: تخرج النطفة والبيضة والحبة وأَشباه هذا، تخرج منه الحي {وَتُخْرِجُ ٱلَمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ} [الآية: 27]. قال: تخرج النطفة والبيضة والحبة تخرجها من الحي.
الجيلاني
تفسير : وقل لهم أيضاص تذكيراً واستحضاراً حكاية عن حال أسلافهم الماضين: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ} ينكرون {بِآيَاتِ ٱللَّهِ} المنزلة على أنبيائه بعد ظهور صدقها وحقيتها {وَ} مع ذلك {يَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ} الذين أنزل عليهم الآيات من عنده سبحانه {بِغَيْرِ حَقٍّ} بلا رخصة شرعية أي: موافقة بشرع ودين {وَيَقْتُلُونَ} أيضاً {ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ} بالعدل {مِنَ ٱلنَّاسِ} الذين يتبعون شرائعهم وينقادون بأديانهم، ويمتثلون بأديانهم ويمتثلون بأوامرهم وأحكامهم، جرى عليهم في الدنيا ما جرى، في الآخرة ما جرى بأضعاف ذلك لعلهم ينتبهوا ويمتنعوا، وإلا {فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [آل عمران: 21] جزاء لإصرارهم وعنادهم. {أُولَـٰئِكَ} المصرون المعاندون هم {ٱلَّذِينَ حَبِطَتْ} ضاعت {أَعْمَالُهُمْ} كلها بحيث لا ينفع لهم عند الله لا {فِي ٱلدُّنْيَا وَ} ولا في {ٱلآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ} عند ربهم من يشفع لهم أو يعين عليهم {مِّن نَّاصِرِينَ} [آل عمران: 22] الذين يدعون الاقتداء بهم ويستنصرون منهم لكونهمه ضالين منهمكين في الغفلة، لاحظ لهم من الهداية أصلا.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هؤلاء الذين أخبر الله عنهم في هذه الآية، أشد الناس جرما وأي: جرم أعظم من الكفر بآيات الله التي تدل دلالة قاطعة على الحق الذي من كفر بها فهو في غاية الكفر والعناد ويقتلون أنبياء الله الذين حقهم أوجب الحقوق على العباد بعد حق الله، الذين أوجب الله طاعتهم والإيمان بهم، وتعزيرهم، وتوقيرهم، ونصرهم وهؤلاء قابلوهم بضد ذلك، ويقتلون أيضا الذين يأمرون الناس بالقسط الذي هو العدل، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي حقيقته إحسان إلى المأمور ونصح له، فقابلوهم شر مقابلة، فاستحقوا بهذه الجنايات المنكرات أشد العقوبات، وهو العذاب المؤلم البالغ في الشدة إلى غاية لا يمكن وصفها، ولا يقدر قدرها المؤلم للأبدان والقلوب والأرواح. وبطلت أعمالهم بما كسبت أيديهم، وما لهم أحد ينصرهم من عذاب الله ولا يدفع عنهم من نقمته مثقال ذرة، بل قد أيسوا من كل خير، وحصل لهم كل شر وضير، وهذه الحالة صفة اليهود ونحوهم، قبحهم الله ما أجرأهم على الله وعلى أنبيائه وعباده الصالحين.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):