Verse. 315 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

اُولٰۗىِٕكَ الَّذِيْنَ حَبِطَتْ اَعْمَالُھُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْاٰخِرَۃِ۝۰ۡوَمَا لَھُمْ مِّنْ نّٰصِرِيْنَ۝۲۲
Olaika allatheena habitat aAAmaluhum fee alddunya waalakhirati wama lahum min nasireena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أولئك الذين حبطت» بطلت «أعمالهم» ما عملوا من خير كصدقة وصلة رحم «في الدنيا والآخرة» فلا اعتداد بها لعدم شرطها «وما لهم من ناصرين» مانعين من العذاب.

22

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {أُولَئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتْ } بطلت {أَعْمَٰلَهُمْ } ما عملوا من خير كصدقة وصلة رحم {فِى ٱلدُّنُيَا وَٱلأَخِرَةِ } فلا اعتداد بها لعدم شرطها {وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ } مانعين من العذاب.

ابو السعود

تفسير : قوله تعالى: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةِ} كما في قولك: الشيطانُ ــ فاحذر ــ عدوٌ مبـين وعلى الأول هو استئناف واسم الإشارة مبتدأ وما فيه من معنى البعد للدِلالة على ترامي أمرهم في الضلال وبُعد منزلتهم في فظاعة الحال، والموصولُ بما في حيز صلته خبرُه أي أولئك المتصفون بتلك الصفات القبـيحة أو المبتلون بأسوأ الحال الذين بطلت أعمالُهم التي عمِلوها من البر والحسنات ولم يبق لها أثر في الدارين بل بقي لهم اللعنة والخزيُ في الدنيا وعذاب أليم في الآخرة {وَمَا لَهُم مّن نَّـٰصِرِينَ} ينصرونهم من بأس الله وعذابِه في إحدى الدارين، وصيغةُ الجميع لرعاية ما وقع في مقابلته لا لنفي تعددِ الأنصار من كل واحد منهم كما في قوله تعالى: {أية : وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} تفسير : [البقرة، الآية 270]. {أَلَمْ تَرَ} تعجيبٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل من يتأتّىٰ منه الرؤيةُ من حال أهل الكتاب وسوءِ صنيعِهم، وتقرير لما سبق من أن اختلافهم في الإسلام إنما كان بعد ما جاءهم العلم بحقّيته أي ألم تنظرُ {إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ} أي التوراةِ على أن اللامَ للعَهدْ وحملُه على جنس الكتبِ الإلٰهية تطويلٌ للمسافة إذ تمامُ التقريب حينئذ بكون التوراة من جملتها لأن مدار التشنيع والتعجيب إنما هو إعراضُهم عن المحاكمة إلى ما دُعوا إليه وهم لم يُدْعَوا إلا إلى التوراة، والمرادُ بما أوتوه منها ما بُـيِّن لهم فيها من العلوم والأحكام التي من جملتها ما علِموه من نعوت النبـي صلى الله عليه وسلم وحقّية الإسلام، والتعبـيرُ عنه بالنصيب للإشعار بكمال اختصاصِه بهم وكونِه حقاً من حقوقهم التي يجبُ مراعاتُها والعملُ بموجبها وما فيه من التنكير للتفخيم، وحملُه على التحقير لا يساعده مقامُ المبالغة في تقبـيح حالِهم {يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَـٰبِ ٱللَّهِ} الذي أوتوا نصيباً منه وهو التوراة، والإظهارُ في مقام الإضمار لإيجاب الإجابة، وإضافتُه إلى الاسم الجليلِ لتشريفه وتأكيدِ وجوب المراجعةِ إليه، والجملةُ استئنافٌ مبـيِّنٌ لمحل التعجيب مبنيّ على سؤال نشأ من صدر الكلام كأنه قيل: ماذا يصنعون حتى ينظُرَ إليهم؟ فقيل: يُدعون إلى كتاب الله تعالى، وقيل: حال من الموصول {لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ} وذلك حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مِدراسَهم فدعاهم إلى الإيمان فقال له نعيمُ بن عمرو، والحٰرث بن زيد: على أيّ دين أنت؟ قال عليه الصلاة والسلام: "على ملة إبراهيم" قالا: إن إبراهيمَ كان يهودياً فقال صلى الله عليه وسلم لهما: "إن بـيننا وبـينكم التوراةَ فهلُمّوا إليها" فأبـيا» تفسير : . وقيل: نزلت في الرجم وقد اختلفوا فيه وقيل: {كِتَـٰبِ ٱللَّهِ} القرآنُ فإنهم قد علموا أنه كتابُ الله ولم يشكوا فيه، وقرىء ليُحكَم على بناء المجهول فيكون الاختلافُ بـينهم بأن أسلم بعضُهم كعبد اللَّه بن سلام وأضرابه وعاداهم الآخرون {ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مّنْهُمْ} استبعاد لتولّيهم بعد علمِهم بوجوب الرجوع إليه {وَهُم مُّعْرِضُونَ} إما حال من {فَرِيقٌ} لتخصصه بالصفة أي يتولون من المجلس وهم معرضون بقلوبهم، أو اعتراضٌ أي وهم قوم ديدنُهم الإعراضُ عن الحق والإصرارُ على الباطل.

القشيري

تفسير : أولئك الذين ليس لهم - اليومَ - توفيق بأعمالهم، ولا غداً تحقيق لآمالهم، وما ذلك إلا لأنهم فقدوا في الدارين نصرتنا، ولم يشهدوا عِزَّنا وقدرتنا.

اسماعيل حقي

تفسير : {اولئك} المتصفون بتلك الصفات القبيحة {الذين حبطت اعمالهم فى الدنيا والآخرة} الذين بطلت اعمالهم التى ما عملوهن البر والحسنات ولم يبق لها اثر فى الدارين بل بقى لهم اللعنة والخزى فى الدنيا والعذاب الاليم فى الآخرة {وما لهم من ناصرين} ينصرونهم من بأس الله وعذابه فى احدى الدارين وصبغة الجمع لرعاية ما وقع فى مقابلته لا لنفى تعدد الانصار من كل واحد منهم كما فى قوله تعالى {أية : وما للظالمين من أنصار}تفسير : [المائدة: 72]. ففى الآية ذم لمن قتل الآمرين بالمعروف والناهين عن المكنر فبئس القوم قوم يقتلون الذين يأمرون بالمعروف والناهين عن المنكر وبئس القوم قوم لا يقومون بالقسط بين الناس وبئس القوم يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فعليك بالعدل والانصاف واياك الجور والظلم والاعتساف فاصدع باوامر الحق ونواهيه ولا تخف غير الله فيما انت فيه وانما عليك البلاغ شعر : كرجة دانى نشنوند بكوى هرجه مى دانى ازنصيحت وبند زود باشد كه خيره سر بينى بدو باى او فتاده اندر بند دست بدست مى زند كه دريغ نشنيدم حديث دانشمند تفسير : ولا يسقط الامر بالمعروف والنهى عن المنكر ابدا ولكنه لا ينفع الوعظ والزجر فى آخر الزمان حين تشتد القلوب قساوة وتكون الانفس مولعة بلذات الدنيا - روى - ان يهوديا قال لهارون الرشيد فى سيره مع عسكره اتق الله فلما سمع هارون قول اليهودى نزل عن فرسه وكذا العسكر نزلوا تعظيما لاسم الله العظيم. ومن اكبر الذنوب ان يقول الرجل لاخيه اتق الله فيقول فى جوابه عليك نفسك أانت تأمرنى بهذا ومن الله العظة والتوفيق الى سواء الطريق.

الطوسي

تفسير : المعنى: حبوط العمل - عندنا - هو إيقاعه على خلاف الوجه المأمور به، فاذا أوقعه كذلك لم يستحق عليه الثواب، فجاز لذلك أن يقال: أحبط عمله، ومتى أوقعه على الوجه المنهي عنه، استحق مع ذلك العقاب، وليس المراد بذلك بطلان ما يستحق عليه من الحمد والثناء. ولا بطلان الثواب بما يستحق من العقاب، لأن الثواب إذا ثبت فلا يزول على وجه بما يستحق صاحبه من العقاب، لأنه لا تنافي بين المستحقين، ولا تضاد. وأما حبوطها في الدنيا، فلأنهم لم ينالوا بها مدحاً ولا ثناء. وأصل الحبوط مأخوذ من قولهم: حبطت بطون الماشية: إذا فسدت من مآكل الربيع. فعلى ما حررناه إنما تبطل الطاعة حتى تصير بمنزلة ما لم تفعل إذا وقعت على خلاف الوجه المأمور به وعند المعتزلة، ومن خالفنا في ذلك أن أحدهما يبطل صاحبه إذا كان ما يستحق عليه من الثواب أو العقاب أكثر مما يستحق على الآخر فانه يبطل الاقل على خلاف بينهم في أنه يتحبط على طريق الموازنة أو غير الموازنة، قال الرماني: والفرق بين حبوط الفريضة وحبوط النافلة أن النافلة من الفاسق لا بد عليها من منفعة عاجلة، لأن الله رغب فيها إن أقام على فسقه أو لم يقم. والترغيب من الحكيم لا يكون إلا لمنفة، فأما الفريضة من الفاسق، فلانتقاض المضرة التي كان يستحقها على ترك المضرة، وهذا - على مذهبنا - لا يصح على ما فصلناه، ولا على مذهب شيوخه، لأن المستحق على النوافل لا يكون إلا ثواباً والثواب لا يصح فعله في دار التكليف، فكيف يصح ما قاله. وقوله: {وما لهم من ناصرين} يدل على أنه تعالى لا ينصر كافراً لأنه لو نصره، لكان أعظم ناصر والله تعالى نفى على وجه العموم أن يكون لهم ناصر، ولأن مفهوم الكلام أنه لا ينفعهم نصر لكفرهم.

الجنابذي

تفسير : {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتْ} بطلت وذهبت {أَعْمَالُهُمْ}. اعلم انّ العمل مقابل العلم عبارة عمّا يظهر على الاعضاء مسبوقاً بقصد من العامل قولاً كان او فعلاً او ما يصدر من النّفس فى الباطن من المجاهدات الباطنيّة، وكلٌّ منهما لا يبقى بنفسه لكنّ النّفس تتجوهر بكيفيّة تكون مصدراً لهما ثمّ تتزايد تلك الكيفيّة منهما وتكون تلك الكيفيّة باقية معها فى الدّنيا والآخرة وثمرتها فى الدّنيا الخلاص من عذاب الاوصاف الرّذيلة وفى الآخرة التلذّذ بالامور الاخرويّة وبمناجاة الله، وبعبارة اخرى النّفس تتكيّف منهما بجهتيها، جهتها الدّنيويّة الّتى يحصل بها للانسان الاضافة الى الخلق وجهتها الاخرويّة الّتى بها يحصل الاضافة الى عالم الارواح، وثمرة كيفيّة جهتها الدّنيويّة الفراغ من رذائل تلك الاضافة ومتاعبها، وثمرة كيفيّة جهتها الاخرويّة التلذّذ بالامور الاخرويّة وبمناجاة الله؛ وعلى هذا فقوله تعالى: {فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} حال من اعمالهم او ظرف للحبط {وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} يدفعون عنهم العذاب الّذى تبشّرهم به.

الهواري

تفسير : {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ} وهذه الأصناف في كتاب الله في ثلاثة مواضع؛ قال الله: (أية : لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) تفسير : [المائدة:17 و 72]. وقال: (أية : وَقَالَتِ النَّصَارَى المَسِيحُ ابْنُ اللهِ) تفسير : [التوبة:30] وقال: (أية : لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاََثَةٍ) تفسير : [المائدة: 73]. فهذه الأصناف الثلاثة موصوفة في هذه المواضع التي سمّينا من كتاب الله.

اطفيش

تفسير : {أُولَـئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ}: وفى ذلك الإعراب السلامة من الإخبار بالأمر، وأما سيبويه فمنع إدخال الفاء فى خبر إن مطلقاً، كما لا يجوز دخولها في خبر ليت ولعل إجماعاً، وذلك لزوال شبه إسم الشرط بدخول الناسخ، لأنه لا يدخل على اسم الشرط. والجمهور على جواز دخول الفاء فى خبر إن، لأن إن لم تؤثر فى الجملة شيئاً سوى التخفيف لها، بخلاف ليت وغيرها، وجملة {أية : فَبشَّرَهُمْ بِعَذابٍ أليم}تفسير : معترضة بين إسم إن وخبرها، إذا جعلنا الخبر جملة {أُولَـئِكَ الَّذِينَ.. } إلخ، فهى مستأنفة محلها بعد الخبر، ومعنى {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُم}: بطلانها بأن لم يثابوا عليها فى الدنيا، ولم تنفعهم فيها، ولن يثابوا عليها فى الآخرة، بل لهم اللعنة والخزى فى الدنيا، والعذاب فى الآخرة، وكذلك أهل عصره صلى الله عليه وسلم من اليهود، لهم الذم فى الدنيا والآخرة، والعذاب فى الآخرة، وسلب أموالهم، وإخراجهم، والخزية والقتل فى الدنيا، وبطل ادعاؤهم التمسك بالتوراة، وإقامة شريعتها، وروى أنه لما رفع عيسى اختار بنو إسرائيل أربعة فقهاء فقالوا للأول: ما تقول فى عيسى؟ فقال: هو الله هبط فاحيا ما أحيا أو أمات ما أمات، ثم صعد وتعبه قوم فهم اليعقوبية من النصارى. وقال الثلاثة: كذبت. فقالوا للثاني: ما تقول؟ فقال: ابن الله وتبعه قوم فهم النسطورية من النصارى. فقال الإثنان. كذبت. فقالوا للثالث: ما تقول؟ فقال: هو إله وأمه إله والله إله وتعبه قوم هم الإسرائيلية من النصارى. فقال الرابع: كذبت؟ لكنه عبد الله ورسوله، من كلمته وروحه. فاحتصموا فغلهم المسلمون، وهو الرابع إذ قال: قد علمتم أنه يأكل وينام والله لا يوصف بذلك، وأنعموا بذلك، واقتتلوا وظفرت اليعقوبية، لعنهم الله، على المسلمين يومئذ ونزلت الآية فيهم. {وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ}: يدفعون عنهم عذاب الله عز وجل.

اطفيش

تفسير : {أوْلَئِكَ} الكافرون بالآية، القاتلون للأنبياءِ وللآمرين بالقسط {الَّذِينَ حَبِطَتْ} بطلت {أَعْمَالُهُمْ} كصدقة وصلة رحم ومكارم الأخلاق {فِى الدُّنْيَا وَالأَخِرَةِ} لا تحقن دماؤهم بها ولا يحترمون عليها فى الدنيا ولا يثابون عليها فى الآخرة، وقال بعض قومنا: إن الأعمال التى لا تحتاج إلى نية تنفع الكافر فى الآخرة بأن تنقص من عذابه كالصدقة وصلة الرحم، وهو خطأ، من حيث أن النصوص، أنهم لا ينتفعون بعمل ما، وحديث شرب أبى لهب فى مثل نقرة الأبهم، وهى أسفل الإبهم، لعتقه ثويبة إذ بشرته بولادة النبى صلى الله عليه وسلم لم يصح، وإن صح فشاذ، ومن حيث إنه لا غمل لا يحتاج إلى النية، فالصدقة وصلة الرحم لا تصحان إلا بالنية {وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ} مانعين من العذاب، كما لم يكن فيهم ناصر للأنبياء والآمرين بالقسط.

الالوسي

تفسير : {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} وجملة {أية : فَبَشّرْهُم } تفسير : [آل عمران: 21] معترضة بالفاء كما في قولك زيد ـ فافهم ـ رجل صالح، وقد صرح به النحاة في قوله:شعر : ـ فاعلم ـ فعلم المرء ينفعه أن سوف يأتي كل ما قدرا تفسير : ومن لم يفهم هذا قال: إن الفاء جزائية وجوابها مقدم من تأخير والتقدير زيد رجل صالح؛ وإذا قلنا لك ذلك ـ فافهم ـ وعلى الأول هو استئناف، و {أُوْلَـٰئِكَ } مبتدأ، وما فيه من البعد على المشهور للإيذان ببعد منزلتهم في فظاعة الحال، والموصول خبره ـ أي أولئك المتصفون بتلك الصفات الشنيعة الذين بطلت أعمالهم وسقطت عن حيز الاعتبار وخلت عن الثمرة في الدنيا حيث لم تحقن دماؤهم وأموالهم ولم يستحقوا بها مدحاً وثناءاً وفي الآخرة حيث لم تدفع عنهم العذاب ولم ينالوا بسببها الثواب ـ وهذا شامل للأعمال المتوقفة على النية ولغيرها. ومن الناس من ذهب إلى أن العمل الغير المتوقف على النية كالصدقة وصلة الرحم ينتفع به الكافر في الآخرة ولا يحبط بالكفر، فالمراد بالأعمال هنا ما كان من القسم الأول، وإن أريد ما يشمل القسمين التزم كون هذا/ الحكم مخصوصاً بطائفة من الكفار وهم الموصوفون بما تقدم من الصفات وفيه تأمل. {وَمَا لَهُم مّن نَّـٰصِرِينَ } ينصرونهم من بأس الله تعالى وعذابه في أحد الدارين، وجمع ـ الناصر ـ لرعاية ما وقع في مقابلته لا لنفي تعدد الأنصار لكل واحد منهم وقد يدعى أن مجيء الجمع هنا أحسن من مجيء المفرد لأنه رأس آية، والمراد من انتفاء ـ الناصرين ـ انتفاء ما يترتب على النصر من المنافع والفوائد وإذا انتفت من جمع فانتفاؤها من واحد أولى، ثم إن هذا الحكم وإن كان عاماً لسائر الكفار كما يؤذن به قوله تعالى: {أية : وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ }تفسير : [البقرة: 270] إلا أن له هنا موقعاً حيث إن هؤلاء الكفرة وصفوا بأنهم يقتلون الذين يأمرون بالقسط وهم ناصرو الحق ـ على ما أشار إليه الحديث ـ ولا يوجد فيهم ناصر يحول بينهم وبين قتل أولئك الكرام فقوبلوا لذلك بعذاب لا ناصر لهم منه ولامعين لهم فيه. ومن الناس من زعم أن في الآية مقابلة ثلاثة أشياء بثلاث أشياء الكفر بالعذاب وقتل الأنبياء بحبط الأعمال، وقتل الآمرين [بالقسط] بانتفاء الناصر وهو كما ترى.

د. أسعد حومد

تفسير : {أُولَـٰئِكَ} {أَعْمَالُهُمْ} {نَّاصِرِينَ} (22) - "حديث : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لأبي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرَّاحِ:يَا أبَا عُبَيْدَةَ قَتَلَتْ بَنُو إسْرائيل ثَلاَثَةً وَأرْبَعينَ نَبِياً أوَّلَ النَّهَارِ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ. فَقَامَ مِئَةٌ وَسَبْعُونَ رَجُلاً مِنْ عُبَّادِ بَني إسْرَائيلَ فَأمَروا القَتَلَةَ بِالمَعْرُوفِ، وَنَهَوْهُمْ عَنِ المُنْكَرِ، فَقُتِلُوا جَمِيعاً مِنْ آخِرِ ذَلِكَ اليَوْمِ فَهُمُ الذِينَ ذَكَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ" تفسير : (أخْرَجَهُ ابْنُ أبي حَاتِمٍ). وَيَقُولُ تَعَالَى إنَّ الذِينَ يَرْتَكِبُونَ هَذِهِ المُنْكَرَاتِ يُهْلِكُ اللهُ أعْمَالَهُمْ وَيُبْطِلُها فِي الدُّنْيا، فَلاَ يَنَالُونَ عَليها حَمْداً، وَلا ثَنَاءً مِنَ النَّاس. وَقَدْ لَعَنَهُمُ اللهُ، وَهَتَكَ أسْتَارَهُمْ وَأبْدَى مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبَائِحِ أعْمَالِهِمْ، عَلَى ألْسِنَةِ أنْبِيائِهِ وَرُسُلِهِ. وَقَدْ أعَدَّ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ، العَذَابَ الألِيمَ وَالخُلُودَ فِي جَهَنَّمَ، وَلَنْ يَجِدُوا لَهُمْ مَنْ يَنْصُرُهُمْ مِنْ بَأسِ اللهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إنهم الذين كفروا بآيات الله، وقتلوا النبيين بغير حق، وقتلوا الذين أمروا بالقسط بين الناس، هؤلاء لهم العذاب، ولهم أيضاً حبط العمل في الدنيا والآخرة، وكذلك من نهج نهجهم، ومعنى "حبطت" أي لا ثمرة مرجوة من العمل، إن كل عمل يعمله العاقل لا بد أن يكون لهدف يقصده، فأي عمل لا يكون له مقصد يكون كضربة المجنون ليس لها هدف. إن العاقل قبل أن يفعل أي عمل ينبغي أن يعرف الغاية منه، وما الذي يحققه من النفع؟ وهل هذا النفع الذي سوف يحققه هو خير النفع وأدومه، أو هو أقل من ذلك؟ وعلى ضوء هذه المقاييس يحدد العاقل عمله، وحينما يقول الحق: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} [آل عمران: 22] فهو سبحانه يريد أن يخبرنا أن إنساناً قد يفعل عملاً هو في ظاهره خير، فإياك أن تغتر أيها المؤمن بأنه عَمِلَ خيراً. لماذا؟ لأن عمل الخير لا يحسب للإنسان إلا بنية إيمانه بمن يجازى، فالإنسان إن عمل عملاً قد تصلح به دنياه فهو عمل حسن، فلماذا يكون عمل هؤلاء حابطاً في الدنيا، وفي الآخرة؟ إنه حابط بموازين الإيمان ويكون العمل حابطاً لأنه لم يصدر من مؤمن، لأن ذلك الإنسان قد عمل العمل ثقة بنتيجة العمل، لا ثقة بالأمر الأعلى. إن الإنسان المؤمن حين يقوم بالعمل يقوم بالعمل ثقة في الأمر الأعلى. وبعض من الناس في عصرنا يأخذون على الإسلام أنه لا يجازي الجزاء الحسن للكفرة الذين قاموا بأعمال مفيدة للبشرية. يقوم الواحد منهم: هل يعقل أحد أن "باستير" الذي اكتشف الميكروبات، والعالم الآخر الذي اكتشف الأشعة، وكل هؤلاء العلماء يذهبون إلى النار؟ ولهؤلاء نقول: نعم، إن الحق بعدالته أراد ذلك، ولنتقاض نحن وأنتم إلى أعراف الناس. إن الذي يطلب أجراً على عمل يطلبه ممن؟ إنه يطلب الأجر ممن عمل له. فهل كان الله في بال هؤلاء العلماء وهم يفعلون هذه الأعمال؟ إن بالهم كان مشغولاً بالإنسانية، وقد أعطتهم الإنسانية التخليد، وغير ذلك من مكاسب الدنيا، وينطبق عليهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن أول الناس يُقْضَى يوم القيامة عليه رجل استشهد، فأتى به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال؛ قاتلت فيك حتى استشهدت قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: جرىء فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه، حتى ألقي في النار، ورجل تعلّم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فأتى به فعرّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن، ليقال: هو قارئ فقد قيل، ثم أمر به، فسحب على وجهه، حتى ألقي في النار، ورجل وسّع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال كله، فأتى به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه، ثم ألقي في النار ". تفسير : إذن فإذا كان الجزاء من الله، فلنا أن نسأل: هل كان الله في بال هؤلاء العلماء حينما أنتجوا مخترعاتهم؟ لم يكن في بالهم الله. والذي يطلب أجراً، فهو يطلبه ممن عمل له. ولم يُضع الله ثمرة عملهم، بل درت عليهم أعمالهم الذكر والجاه والرفعة. لم يضع الله أجر من أحسن عملاً. {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ}تفسير : [الشورى: 20]. وقد قلت لكم قديماً: تذكروا المفاجأة التي تحدث لمن عمل عملاً هو في ظاهره خير، ولكن لم يكن ربه في باله، هذا ينطبق عليه قول الحق: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ}تفسير : [النور: 39]. إنه يفاجأ بوجود الله، ولم يكن هذا الإله في باله ساعة أن قام بهذا العمل الذي هو في ظاهره خير، كأن الله يقول لصاحب مثل هذا العمل: أنا لم أكن في بالك ساعة أن قمت بهذا العمل، فخذ جزاءك ممن كان في بالك. {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} [آل عمران: 22] إن أعمالهم حبطت في الدنيا، لأنهم قد يعملون عملاً يراد به الكيد للإسلام، لذلك لا يمكنهم الله من ذلك، بل يخذلهم جميعاً. وانتصر دين الله رغم قلة العدد وقلة العُدّة. وليس لهؤلاء ناصرون. أي ليس لهم من يأتي ويراهم مهزومين أمام خصم لهم وينجدهم، إنهم لن يجدوا ناصراً إذا هزمهم الله، فليس مع الله أحد غيره. وبعد ذلك يقول الحق: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ ...}.