Verse. 316 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

اَلَمْ تَرَ اِلَى الَّذِيْنَ اُوْتُوْا نَصِيْبًا مِّنَ الْكِتٰبِ يُدْعَوْنَ اِلٰى كِتٰبِ اللہِ لِيَحْكُمَ بَيْنَھُمْ ثُمَّ يَتَوَلّٰى فَرِيْقٌ مِّنْھُمْ وَھُمْ مُّعْرِضُوْنَ۝۲۳
Alam tara ila allatheena ootoo naseeban mina alkitabi yudAAawna ila kitabi Allahi liyahkuma baynahum thumma yatawalla fareequn minhum wahum muAAridoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ألم تر» تنظر «إلى الذين أوتوا نصيبا» حظاً «من الكتاب» التوراة «يُدْعَوْنَ» حال «إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون» عن قبول حكمه نزلت في اليهود زنى منهم اثنان فتحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحكم عليهما بالرجم فغضبوا فجيء بالتوراة فوجدا فيها فرجما.

23

Tafseer

الرازي

تفسير : إعلم أنه تعالى لما نبّه على عناد القوم بقوله {أية : فَإنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ للَّهِ } تفسير : [آل عمران: 20] بيّن في هذه الآية غاية عنادهم، وهو أنهم يدعون إلى الكتاب الذي يزعمون أنهم يؤمنون به، وهو التوراة ثم إنهم يتمردون، ويتولون، وذلك يدل على غاية عنادهم، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: ظاهر قوله {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ } يتناول كلهم، ولا شك أن هذا مذكور في معرض الذم، إلا أنه قد دلّ دليل آخر، على أنه ليس كل أهل الكتاب كذلك لأنه تعالى يقول {أية : مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ ءَانَاء ٱلَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ } تفسير : [آل عمران: 113]. المسألة الثانية: قوله تعالى: {أوتوا نصيباً من الكتاب} المراد به غير القرآن لأنه أضاف الكتاب إلى الكفار، وهم اليهود والنصارى، وإذا كان كذلك وجب حمله على الكتاب الذي كانوا مقرين بأنه حق، ومن عند الله. المسألة الثالثة: ذكروا في سبب النزول وجوهاً أحدها: روي عن ابن عباس أن رجلاً وامرأة من اليهود زنيا، وكانا ذوي شرف، وكان في كتابهم الرجم، فكرهوا رجمهما لشرفهما، فرجعوا في أمرهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم، رجاء أن يكون عنده رخصة في ترك الرجم فحكم الرسول صلى الله عليه وسلم بالرجم فأنكروا ذلك فقال عليه الصلاة والسلام: حديث : بيني وبينكم التوراة فإن فيها الرجم فمن أعلمكم؟ تفسير : قالوا: عبد الله بن صوريا الفدكي فأتوا به وأحضروا التوراة، فلما أتى على آية الرجم وضع يده عليها، فقال ابن سلام: قد جاوز موضعها يا رسول الله فرفع كفه عنها فوجدوا آية الرجم، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بهما فرجما، فغضبت اليهود لعنهم الله لذلك غضباً شديداً، فأنزل الله تعالى هذه الآية. والرواية الثانية: أنه صلى الله عليه وسلم دخل مدرسة اليهود، وكان فيها جماعة منهم فدعاهم إلى الإسلام فقالوا: على أي دين أنت؟ فقال: على ملة إبراهيم، فقالوا: إن إبراهيم كان يهودياً فقال صلى الله عليه وسلم: حديث : هلموا إلى التوراة،تفسير : فأبوا ذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية. والرواية الثالثة: أن علامات بعثة محمد صلى الله عليه وسلم مذكورة في التوراة، والدلائل الدالة على صحة نبوّته موجودة فيها، فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى التوراة، وإلى تلك الآيات الدالة على نبوّته فأبوا، فأنزل الله تعالى هذه الآية، والمعنى أنهم إذا أبوا أن يجيبوا إلى التحاكم إلى كتابهم، فلا تعجب من مخالفتهم كتابك فلذلك قال الله تعالى: {أية : قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين} تفسير : [آل عمران: 93] وهذه الآية على هذه الرواية دلّت على أنه وجد في التوراة دلائل صحة نبوّته، إذ لو علموا أنه ليس في التوراة ما يدل على صحة نبوّته لسارعوا إلى بيان ما فيها ولكنهم أسروا ذلك. والرواية الرابعة: أن هذا الحكم عام في اليهود والنصارى، وذلك لأن دلائل نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم كانت موجودة في التوراة والإنجيل، وكانوا يدعون إلى حكم التوراة والإنجيل وكانوا يأبون. أما قوله {نَصِيباً مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ } فالمراد منه نصيباً من علم الكتاب، لأنا لو أجريناه على ظاهره فهم أنهم قد أوتوا كل الكتاب والمراد بذلك العلماء منهم وهم الذين يدعون إلى الكتاب، لأن من لا علم له بذلك لا يدعي إليه. أما قوله تعالى: {يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَـٰبِ ٱللَّهِ } ففيه قولان: القول الأول: وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما والحسن أنه القرآن. فإن قيل: كيف دعوا إلى حكم كتاب لا يؤمنون به؟. قلنا: إنهم إنما دعوا إليه بعد قيام الحجج الدالة على أنه كتاب من عند الله. والقول الثاني: وهو قول أكثر المفسرين: إنه التوراة واحتج القائلون به بوجوه الأول: أن الروايات المذكورة في سبب النزول دالة على أن القوم كانوا يدعون إلى التوراة فكانوا يأبون والثاني: أنه تعالى عجب رسوله صلى الله عليه وسلم من تمردهم وإعراضهم، والتعجب إنما يحصل إذا تمردوا عن حكم الكتاب الذي يعتقدون في صحته، ويقرون بحقيته الثالث: أن هذا هو المناسب لما قبل الآية، وذلك لأنه تعالى لما بيّن أنه ليس عليه إلا البلاغ، وصبره على ما قالوه في تكذيبه مع ظهور الحجة بيّن أنهم إنما استعملوا طريق المكابرة في نفس كتابهم الذي أقروا بصحته فستروا ما فيه من الدلائل الدالة على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم فهذا يدل على أنهم في غاية التعصب والبعد عن قبول الحق. وأما قوله {لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ } فالمعنى: ليحكم الكتاب بينهم، وإضافة الحكم إلى الكتاب مجاز مشهور، وقرىء {لِيَحْكُمَ } على البناء للمفعول، قال صاحب «الكشاف»: وقوله {لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ } يقتضي أن يكون الاختلاف واقعاً فيما بينهم، لا فيما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بيّن الله أنهم عند الدعاء يتولى فريق منهم وهم الرؤساء الذين يزعمون أنهم هم العلماء. ثم قال: {وَهُم مُّعْرِضُونَ } وفيه وجهان: الأول: المتولون هم الرؤساء والعلماء والمعرضون الباقون منهم، كأنه قيل: ثم يتولى العلماء والأتباع معرضون عن القبول من النبي صلى الله عليه وسلم لأجل تولي علمائهم. والثاني: أن المتولي والمعرض هو ذلك الفريق، والمعنى أنه متولي عن استماع الحجة في ذلك المقام ومعرض عن استماع سائر الحجج في سائر المسائل والمطالب، كأنه قيل: لا تظن أنه تولى عن هذه المسألة بل هو معرض عن الكل. وأما قوله تعالى: {أية : ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلا أَيَّامًا مَّعْدُودٰتٍ } تفسير : [آل عمران: 24] فالكلام في تفسيره قد تقدم في سورة البقرة، ووجه النظم أنه تعالى لما قال في الآية الأولى {ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ } قال في هذه الآية: ذلك التولي والإعراض إنما حصل بسبب أنهم قالوا: لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات، قال الجبائي: وفيها دلالة على بطلان قول من يقول: إن أهل النار يخرجون من النار، قال: لأنه لو صحّ ذلك في هذه الأمة لصح في سائر الأمم، ولو ثبت ذلك في سائر الأمم لما كان المخبر بذلك كاذباً، ولما استحق الذم، فلما ذكر الله تعالى ذلك في معرض الذم علمنا أن القول بخروج أهل النار قول باطل. وأقول: كان من حقه أن لا يذكر مثل هذا الكلام، وذلك لأن مذهبه أن العفو حسن جائز من الله تعالى، وإذا كان كذلك لم يلزم من حصول العفو في هذه الأمة حصوله في سائر الأمم. سلمنا أنه يلزم ذلك، لكن لم قلتم: إن القوم إنما استحقوا الذم على مجرد الإخبار بأن الفاسق يخرج من النار بل ههنا وجوه أُخر الأول: لعلمهم استوجبوا الذم على أنهم قطعوا بأن مدة عذاب الفاسق قصيرة قليلة، فإنه روي أنهم كانوا يقولون: مدة عذابنا سبعة أيام، ومنهم من قال: بل أربعون ليلة على قدر مدة عبادة العجل والثاني: أنهم كانوا يتساهلون في أصول الدين ويقولون بتقدير وقوع الخطأ منا فإن عذابنا قليل وهذا خطأ، لأن عندنا المخطىء في التوحيد والنبوّة والمعاد عذابه دائم، لأنه كافر، والكافر عذابه دائم والثالث: أنهم لما قالوا {لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلا أَيَّامًا مَّعْدُودٰتٍ } فقد استحقروا تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم واعتقدوا أنه لا تأثير له في تغليظ العقاب فكان ذلك تصريحاً بتكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وذلك كفر والكافر المصر على كفره لا شك أن عذابه مخلد، وإذا كان الأمر على ما ذكرناه ثبت أن احتجاج الجبائي بهذه الآية ضعيف وتمام الكلام على سبيل الاستقصاء مذكور في سورة البقرة. أما قوله تعالى: {وَغَرَّهُمْ فِى دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } فاعلم أنهم اختلفوا في المراد بقوله {مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } فقيل: هو قولهم {أية : نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ } تفسير : [المائدة: 18] وقيل: هو قولهم {لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلا أَيَّامًا مَّعْدُودٰتٍ } وقيل: غرهم قولهم: نحن على الحق وأنت على الباطل. أما قوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَـٰهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ } فالمعنى أنه تعالى لما حكى عنهم اغترارهم بما هم عليه من الجهل بيّن أنه سيجيء يوم يزول فيه ذلك الجهل، ويكشف فيه ذلك الغرور فقال {فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَـٰهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ } وفي الكلام حذف، والتقدير: فكيف صورتهم وحالهم ويحذف الحال كثيراً مع كيف لدلالته عليها تقول: كنت أكرمه وهو لم يزرني، فكيف لو زارني أي كيف حاله إذا زارني، واعلم أن هذا الحذف يوجب مزيد البلاغة لما فيه من تحريك النفس على استحضار كل نوع من أنواع الكرامة في قول القائل: لو زارني وكل نوع من أنواع العذاب في هذه الآية. أما قوله تعالى: {إِذَا جَمَعْنَـٰهُمْ لِيَوْمٍ } ولم يقل في يوم، لأن المراد: لجزاء يوم أو لحساب يوم فحذف المضاف ودلّت اللام عليه، قال الفرّاء: اللام لفعل مضمر إذا قلت: جمعوا ليوم الخميس، كان المعنى جمعوا لفعل يوجد في يوم الخميس وإذا قلت: جمعوا في يوم الخميس لم تضمر فعلاً وأيضاً فمن المعلوم أن ذلك اليوم لا فائدة فيه إلا المجازاة وإظهار الفرق بين المثاب والمعاقب، وقوله {لاَ رَيْبَ فِيهِ } أي لا شك فيه. ثم قال: {وَوُفّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ } فإن حملت ما كسبت على عمل العبد جعل في الكلام حذف، والتقدير: ووفيت كل نفس جزاء ما كسبت من ثواب أو عقاب، وإن حملت ما كسبت على الثواب والعقاب استغنيت عن هذا الإضمار. ثم قال: {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } فلا ينقص من ثواب الطاعات، ولا يزاد على عقاب السيئات. واعلم أن قوله {وَوُفّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ } يستدل به القائلون بالوعيد، ويستدل به أصحابنا القائلون بأن صاحب الكبيرة من أهل الصلاة لا يخلد في النار، أما الأولون قالوا: لأن صاحب الكبيرة لا شك أنه مستحق العقاب بتلك الكبيرة، والآية دلّت على أن كل نفس توفى عملها وما كسبت، وذلك يقتضي وصول العقاب إلى صاحب الكبيرة. وجوابنا: أن هذا من العمومات، وقد تكلمنا في تمسك المعتزلة بالعمومات. وأما أصحابنا فإنهم يقولون: إن المؤمن استحق ثواب الإيمان فلا بد وأن يوفي عليه ذلك الثواب لقوله {وَوُفّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ } فإما أن يثاب في الجنة ثم ينقل إلى دار العقاب وذلك باطل بالإجماع، وإما أن يقال: يعاقب بالنار ثم ينقل إلى دار الثواب أبداً مخلداً وهو المطلوب. فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: إن ثواب إيمانهم يحبط بعقاب معصيتهم؟. قلنا: هذا باطل لأنا بينا أن القول بالمحابطة محال في سورة البقرة، وأيضاً فإنا نعلم بالضرورة أن ثواب توحيد سبعين سنة أزيد من عقاب شرب جرعة من الخمر، والمنازع فيه مكابر، فبتقدير القول بصحة المحابطة يمتنع سقوط كل ثواب الإيمان بعقاب شرب جرعة من الخمر، وكان يحيـى بن معاذ رحمة الله عليه يقول: ثواب إيمان لحظة، يسقط كفر سبعين سنة، فثواب إيمان سبعين سنة كيف يعقل أن يحبط بعقاب ذنب لحظة، ولا شك أنه كلام ظاهر.

القرطبي

تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى: قال ٱبن عباس: هذه الآية نزلت بسبب أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل بيت المِدْرَاس على جماعة من يهود فدعاهم إلى الله. فقال له نُعَيم بن عمرو والحارث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : إني على مِلة إبراهيم»تفسير : فقالا: فإن إبراهيم كان يهوديا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : فهلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم»تفسير : فأبيا عليه فنزلت الآية. وذكر النقاش أنها نزلت لأن جماعة من اليهود أنكروا نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم؛ فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : هلموا إلى التوراة ففيها صفتي»تفسير : فأبوا. وقرأ الجمهور «لِيَحْكُمَ» وقرأ أبو جعفر يزيد بن القعقاع «لِيُحكم» بضم الياء. والقراءة الأولى أحسن؛ لقوله تعالى: {أية : هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ} تفسير : [الجاثية: 29]. الثانية: في هذه الآية دليل على وجوب ٱرتفاع المدعو إلى الحاكم لأنه دعي إلى كتاب الله؛ فإن لم يفعل كان مخالفا يتعين عليه الزجر بالأدب على قدر المخالِف والمخالَف. وهذا الحكم جار عندنا بالأندلس وبلاد المغرب وليس بالديار المصرية. وهذا الحكم الذي ذكرناه مبيِّن في التنزيل في سورة «النور» في قوله تعالى {وَإِذَا دُعُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مُّعْرِضُونَ} ـ إلى قوله ـ {أية : بَلْ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} تفسير : [النور: 48، 49، 50] وأسند الزهرّي عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من دعاه خصمه إلى حاكم من حكام المسلمين فلم يجب فهو ظالم ولا حق له»تفسير : . قال ٱبن العربي: وهذا حديث باطل. أمّا قوله «فهو ظالم» فكلام صحيح. وأمّا قوله «فلا حق له» فلا يصح، ويحتمل أن يريد أنه على غير الحق. قال ٱبن خُوَيْزِ مَندَاد المالكي: واجب على كل من دُعي إلى مجلس الحاكم أن يجيب ما لم يُعلم أنّ الحاكم فاسق، أو يُعلم عداؤه من المدعي والمدعى عليه. الثالثة: وفيها دليل على أن شرائع من قبلنا شريعة لنا إلا ما علِمنا نسخه، وأنه يجب علينا الحكم بشرائع الأنبياء قبلنا، على ما يأتي بيانه. وإنما لا نقرأ التوراة ولا نعمل بما فيها لأن من هي في يده غير أمين عليها وقد غيرها وبدّلها، ولو علمنا أن شيئاً منها لم يتغير ولم يتبدل جاز لنا قراءته. ونحو ذلك روي عن عمر حيث قال لكعب: إن كنت تعلم أنها التوراة التي أنزلها الله على موسى بن عمران فاقرأها. وكان عليه السلام عالما بما لم يغيِّر منها فلذلك دعاهم إليها وإلى الحكم بها. وسيأتي بيان هذا في «المائدة» والأخبار الواردة في ذلك إن شاء الله تعالى. وقد قيل: إن هذه الآية نزلت في ذلك. والله أعلم.

البيضاوي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ} أي التوراة أو جنس الكتب السماوية، ومن للتبعيض أو للبيان. وتنكير النصيب يحتمل التعظيم والتحقير. {يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَـٰبِ ٱللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ } الداعي محمد عليه الصلاة والسلام وكتاب الله القرآن، أو التوراة لما روي (أنه عليه الصلاة والسلام دخل مدراسهم فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد على أي دين أنت. فقال: على دين إبراهيم. فقالا إن إبراهيم كان يهودياً فقال: هلموا إلى التوراة فإنها بيننا وبينكم. فأبيا فنزلت). وقيل نزلت في الرجم. وقرىء ليحكم على البناء للمفعول فيكون الاختلاف فيما بينهم، وفيه دليل على أن الأدلة السمعية حجة في الأصول. {ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مّنْهُمْ} استبعاد لتوليهم مع علمهم بأن الرجوع إليه واجب. {وَهُم مُّعْرِضُونَ } وهم قوم عادتهم الإِعراض، والجملة حال من فريق وإنما ساغ لتخصصه بالصفة. {ذٰلِكَ} إشارة إلى التولي والإِعراض. {بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلا أَيَّامًا مَّعْدُودٰتٍ } بسبب تسهيلهم أمر العقاب على أنفسهم لهذا الاعتقاد الزائغ والطمع الفارغ. {وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} من أن النار لن تمسهم إلا أياماً قلائل، أو أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم، أو أنه تعالى وعد يعقوب عليه السلام أن لا يعذب أولاده إلا تحلة القسم. {فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَـٰهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ} استعظام لما يحيق بهم في الآخرة وتكذيب لقولهم لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات. روي: أن أول راية ترفع يوم القيامة من رايات الكفار راية اليهود فيفضحهم الله تعالى على رؤوس الأشهاد ثم يأمر بهم إلى النار. {وَوُفّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ} جزاء ما كسبت. وفيه دليل على أن العبادة لا تحبط وأن المؤمن لا يخلد في النار، لأن توفية إيمانه وعمله لا تكون في النار ولا قبل دخولها، فإذن هي بعد الخلاص منها {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} الضمير لكل نفس على المعنى لأنه في معنى كل إنسان. {قُلِ ٱللَّهُمَّ} الميم عوض عن يا ولذلك لا يجتمعان، وهو من خصائص هذا الاسم كدخول يا عليه مع لام التعريف وقطع همزته وتاء القسم. وقيل: أصله يا الله أمنا بخير، فخفف بحذف حرف النداء ومتعلقات الفعل وهمزته. {مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ } يتصرف فيما يمكن التصرف فيه تصرف الملاك فيما يملكون، وهو نداء ثان عند سيبويه فإن الميم عنده تمنع الوصفية. {تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء} تعطي منه ما تشاء من تشاء وتسترد، فالملك الأول عام والآخران بعضان منه. وقيل: المراد بالملك النبوة ونزعها نقلها من قوم إلى قوم {وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء} في الدنيا أو في الآخرة، أو فيهما بالنصر والإِدبار والتوفيق والخذلان. {بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ} ذكر الخير وحده لأنه المقضي بالذات، والشر مقضي بالعرض، إذ لا يوجد شر جزئي ما لم يتضمن خيرًا كلياً، أو لمراعاة الأدب في الخطاب، أو لأن الكلام وقع فيه إذ روي (أنه عليه السلام لما خط الخندق وقطع لكل عشرة أربعين ذراعاً، وأخذوا يحفرون، فظهر فيه صخرة عظيمة لم يعمل فيها المعاول، فوجهوا سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره، فجاء عليه الصلاة والسلام فأخذ المعول منه فضربها ضربة صدعتها. وبرق منها برق أضاء منه ما بين لابتيها لكأن بها مصباحاً في جوف بيت مظلم، فكبر وكبر معه المسلمون وقال «حديث : أضاءت لي منها قصور الحيرة كأنها أنياب الكلاب، ثم ضرب الثانية فقال: أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم، ثم ضرب الثالثة فقال: أضاءت لي منها قصور صنعاء»تفسير : وأخبرني جبريل عليه السلام حديث : أن أمتي ظاهرة على كلها فابشروا». تفسير : فقال المنافقون: ألا تعجبون يمنيكم ويعدكم الباطل ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأنها تفتح لكم وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق) فنزلت. فنبه على أن الشر أيضاً بيده بقوله {إِنَّكَ عَلَىٰ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. {تُولِجُ ٱلَّيْلَ فِي ٱلْنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيْلِ وَتُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيّتِ وَتُخْرِجُ ٱلَمَيّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بغيْرِ حِسَابٍ} عقب ذلك ببيان قدرته على معاقبة الليل والنهار والموت والحياة وسعة فضله، دلالة على أن من قدر على ذلك قدر على معاقبة الذل والعز وإيتاء الملك ونزعه. والولوج: الدخول في مضيق. وإيلاج الليل والنهار: إدخال أحدهما في الآخر بالتعقيب أو الزيادة والنقص. وإخراج الحي من الميت وبالعكس. إنشاء الحيوانات من موادها وإماتتها، أو إنشاء الحيوان من النطفة والنطفة منه. وقيل: إخراج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر {ٱلْمَيّتِ} بالتخفيف.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى منكراً على اليهود والنصارى المتمسكين فيما يزعمون بكتابيهم اللذين بأيديهم، وهما التوراة والإنجيل، وإذا دعوا إلى التحاكم إلى ما فيهما من طاعة الله فيما أمرهم به فيهما من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم تولوا وهم معرضون عنهما، وهذا في غاية ما يكون من ذمهم والتنويه بذكرهم بالمخالفة والعناد، ثم قال تعالى: {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَ أَيَّامًا مَّعْدُودَٰتٍ} أي: إنما حملهم وجرأهم على مخالفة الحق افتراؤهم على الله فيما ادعوه لأنفسهم أنهم إنما يعذبون في النار سبعة أيام، عن كل ألف سنة في الدينا يوماً، وقد تقدم تفسير ذلك في سورة البقرة. ثم قال تعالى: {وَغَرَّهُمْ فِى دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} أي: ثبتهم على دينهم الباطل، ما خدعوا به أنفسهم من زعمهم أن النار لا تمسهم بذنوبهم إلا أياماً معدودات، وهم الذين افتروا هذا من تلقاء أنفسهم واختلقوه، ولم ينزل الله به سلطاناً، قال الله تعالى متهدداً لهم ومتوعداً: {فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَـٰهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ} أي: كيف يكون حالهم وقد افتروا على الله، وكذبوا رسله، وقتلوا أنبياءه، والعلماء من قومهم، الآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر، والله تعالى سائلهم عن ذلك كله ومحاسبهم عليه ومجازيهم به؟ ولهذا قال تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَـٰهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ} أي: لا شك في وقوعه وكونه، {وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ } تنظر {إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا } حظاً {مّنَ ٱلْكِتَٰبِ } التوراة {يُدْعَونَ } حال {إِلَىٰ كِتَٰبِ ٱللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ } عن قبول حكمه نزلت في اليهود زنى منهم اثنان فتحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحكم عليهما بالرجم فأبوا فجيء بالتوراة فوُجد فيها فرُجما فغضبوا.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ} يعني حظاً لأنهم علموا بعض ما فيه. {يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ} في الكتاب الذي دعوا إليه قولان: أحدهما: أنه التوراة، دعي إليها اليهود فأبوا، قاله ابن عباس. والثاني: القرآن، لأن ما فيه موافق لما في التوراة من أصول الدين، قاله الحسن وقتادة. وفي قوله تعالى: {لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ} ثلاثة أقاويل: أحدها: نبوة النبي صلى الله عليه وسلم. والثاني: أمر إبراهيم وأن دينه الإِسلام. والثالث: أنه حد من الحدود. {ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ} قال ابن عباس: هذا الفريق المتولي هم زعماء يهود بني قينقاع: النعمان بن أوفى، وبحري بن عمرو بن صوريا تولوا عنه في حد الزنى لما أخبرهم أنه الرجم، ورجم اليهوديين الزانيين. فإن قيل: التولِّي عن الشيء هو الإعراض عنه، قيل: معناه يتولَّى عن الداعي ويعرض عما دُعِيَ إليه. قوله عز وجل: {... قَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ} هذا من قول اليهود، واختلفوا فيها على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها الأيام التي عبدوا فيها العجل وهي أربعون يوماً، قاله قتادة، والربيع. والثاني: أنها سبعة أيام، وهذا قول الحسن. والثالث: أنها متقطعة لانقضاء العذاب فيها، وهذا قول بعض المتأخرين. {وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} فيه قولان: أحدهما: هو قولهم نحن أبناء الله وأحباؤه، قاله قتادة. والثاني: هو قولهم لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات، قاله مجاهد.

ابن عطية

تفسير : قال ابن عباس: نزلت هذه الآية بسبب حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل بيت المدراس على جماعة من يهود فدعاهم إلى الله فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنا على ملة إبراهيم" فقالا: فإن إبراهيم كان يهودياً، فقال لهما النبي عليه السلام: "فهلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم" تفسير : فأبيا عليه فنزلت، وذكر النقاش: أنها نزلت لأن جماعة من اليهود أنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. فقال لهم النبي عليه السلام: "هلموا إلى التوراة ففيها صفتي" فأبوا. قال القاضي أبو محمد: فالكتاب في قوله: {من الكتاب} هو اسم الجنس، و {الكتاب} في قوله: {إلى كتاب الله} هو التوراة، وقال قتادة وابن جريج: {الكتاب} في قوله {إلى كتاب الله} هو القرآن، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم إليه فكانوا يعرضون، ورجح الطبري القول الأول، وقال مكي: الكتاب الأول اللوح المحفوظ والثاني التوراة، وقرأ جمهور الناس "ليَحكم" بفتح الياء أي ليحكم الكتاب، وقرأ الحسن وأبو جعفر وعاصم الجحدري "ليُحكم" بضم الياء وبناء الفعل للمفعول، وخص الله تعالى بالتولي فريقاً دون الكل لأن منهم من لم يتول كابن سلام وغيره، وقوله تعالى: {ذلك بأنهم} الإشارة فيه إلى التولي والإعراض، أي إنما تولوا وأعرضوا لاغترارهم بهذه الأقوال والافتراء الذي لهم في قولهم: {أية : نحن أبناء الله وأحباؤه} تفسير : [المائدة: 18] إلى غير ذلك من هذا المعنى، وكان من قول بني إسرائيل: إنهم لن تمسهم النار إلا أربعين يوماً عدد الأيام التي عبدوا فيها العجل، قاله الربيع وقتادة، وحكى الطبري أنهم قالوا: إن الله وعد أباهم يعقوب أن لا يدخل أحداً من ولده النار إلا تحله القسم، وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لليهود: من أول من يدخل النار؟ فقالوا نحن فترة يسيرة ثم تخلفوننا فيها فقال: كذبتم الحديث بطوله، و {يفترون} معناه، يشققون ويختلقون من الأحاديث في مدح دينهم وأنفسهم وادعاء الفضائل لها، ثم قال تعالى خطاباً لمحمد وأمته على جهة التوقيف والتعجيب فكيف حال هؤلاء المغترين بالأباطيل إذا حشروا يوم القيامة واضمحلت تلك الزخارف التي ادعوها في الدنيا وجوزوا بما اكتسبوه من كفرهم وأعمالهم القبيحة؟ قال النقاش: واليوم الوقت، وكذلك قوله: {أية : في ستة أيام} تفسير : [الأعراف: 54] [السجدة: 4] إنما هي عبارة عن أوقات فإنها الأيام والليالي والصحيح في يوم القيامة أنه يوم لأن قبله ليلة وفيه شمس، واللام في قوله تعالى: {ليوم} طالبة لمحذوف، قال الطبري تقديره لما يحدث في يوم.

ابن عبد السلام

تفسير : {نَصِيباً} حظاً، لأنهم لم يعلموا الكل. {إِلَى كِتَابِ اللَّهِ} التوراة، أو القرآن لموافقته التوراة. {لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ} في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أو إن الإسلام دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام، أو في حد من الحدود.

ابن عادل

تفسير : لمَّا نَبَّهَ على عِنادِهم بقوله: {أية : فَإنْ حَآجُّوكَ} تفسير : [آل عمران: 20] بَيَّنَ في هذه الآيةِ غايةَ عِنادِهم، واعلم أن ظاهر الآية يتناول الكُلَّ؛ لأنه ذكره في معرض الذم، إلا أنه قد دَلَّ دليل آخر على أنه ليس كل أهل الكتاب كذلك، لقوله تعالى: {أية : مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ آنَآءَ ٱللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} تفسير : [آل عمران: 113] والمراد بالكتاب غير القرآن؛ لأنه أضاف الكتاب إلى الكفار، وهم اليهود والنصارى. فصل في سبب النزول وجوهٍ: أحدها: رَوَى ابنُ عباس: حديث : أنَّ رجلاً وامرأةً - من اليهود - زَنَيَا وكانا ذَوَى شَرَفٍ، وكان في كتابهم الرَّجْمُ، فكرهوا رَجْمَهُمَا؛ لشرفهما، فرجعوا في أمرهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم، رجَاءَ أن يكون عنده رخصةٌ في تَرْك الرجم، فحكم الرسولُ - عليه السلام - بالرجم، فأنكروا ذلك، فقال - عليه السلام - بيني وبينكم التوراةُ؛ فإن فيها الرَّجمَ، فمَنْ أعْلَمُكم؟ قالوا: رجل أعور يسكن فَدك، يقال له: ابن صوريا، فأرسلوا إليه، فقدِمَ المدينةَ، وكان جبريلُ قد وصفه لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: أنت ابن صُوريا؟ قال: نَعَمْ، قال: أنت أعلمُ اليهودِ؟ قال: كذلك يَزْعُمُونَ، قال:فأحْضِروا التوراةَ، فلما أتى على آية الرجم وضع يده عليها، فقال ابنُ سَلاَم: قد جاوَزَ موضِعَها يا رسول الله، وقام فرفع كَفَّه عنها فوجدوا آيةَ الرجم، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بهما فرُجِمَا، فغضبت اليهودُ لذلك غَضَباً شديداًتفسير : فأنزل الله تعالى هذه الآية. وثانيها: روى سعيدُ بنُ جُبَيْر وعكرمةُ - عن ابنِ عباس - قال: حديث : دخل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بيت المِدْرَاس على جماعة من اليهود، فدعاهم إلى الله - عز وجل - فقال له نعيم بن عمرو والحرث بن يزيد: على أي دين أنت يا محمد؟ فقال: على ملة إبراهيم، قالا: إن إبراهيمَ كان يهوديًّا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهلموا إلى التوراة؛ فهي بيننا وبينكم حَكَمْ فأبيَا عليهتفسير : فأنزل الله تعالى هذه الآية. وثالثها: أن علامة بعثة محمد صلى الله عليه وسلم مذكورةٌ في التوراةِ، والدلائل على صحة نبوته موجودة فيها فلما جادلوه في النبوة والبعثة دعاهم إلى التحاكم إلى كتابهم، فأبَوْا، فأنزل الله - تعالى - هذه الآيةَ، ولذلك قال: {أية : فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ فَٱتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} تفسير : [آل عمران: 93] وهذه الآية تدل على أن دلائلَ صحةِ نبوتهِ موجودةٌ في التوراة؛ إذْ لو علموا أنه ليس في التوراة ما يدل على صحة نبوته لسارعوا إليه، ولَمَا ستروا ذلك. رابعها: أن هذا الحكم عام في اليهود والنصارى؛ فإن دلائل صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم كانت موجودة في التوراة والإنجيل. وقوله: {نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ} أي: من علم الكتاب؛ لأنا لو أجريناه على ظاهره، فهم قد أوتوا كل الكتاب، والمراد بذلك العلماء منهم، وهم الذين يُدْعَوْن إلى الكتاب؛ لأن مَنْ لا علمَ له بذلك لا يدعى إليه. قوله: "يُدْعَوْنَ" في محل نَصْب على الحال من {ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابِ}. قوله: "إلَى كِتَابِ اللهِ" قال أكثرُ المفسرين: هو التوراة؛ لوجوهٍ: أحدها: ما ذكرنا في سبب النزول. ثانيها: أن الآيةَ سِيقت للتعجُّب من تمرُّدِهم وإعْرَاضِهم، والتعجُّب إنما يحصل إذا تَمَرَّدُوا على حكم الكتاب الذي يعتقدون صحته. ثالثها: أن هذا هو المناسب لما قبل الآية؛ لأنه لما بَيَّن أنه ليس عليه إلا البلاغ وصبَّره على معاندتهم - مع ظهور الحُجَّة عليهم - بيَّن أنهم استعملوا طريقَ المكابرةِ في نفس كتابِهم الذي أقروا بصحته، فستروا ما فيه من الدلائلِ الدالةِ على صحةِ نبوةِ محمدٍ - عليه السلام - فهذا يدل على أنهم في غاية التعصُّب والبُعْدِ عن قبول الحق. قال ابنُ عباس والحسنُ وقتادةُ: هو القرآن. روى الضّحاكُ عن ابن عباس - في هذه الآية - أن الله - تعالى - جعل القرآن حَكَماً فيما بينهم وبَيْنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فحكم القرآن على اليهود والنصارى أنهم على غير الهُدَى، فأعرضوا عنه، وقال تعالى: {أية : هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ} تفسير : [الجاثية: 29]، وقال تعالى: {أية : وَإِذَا دُعُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مُّعْرِضُونَ} تفسير : [النور: 48]. فإن قيل: كيف دُعُوا إلى حُكْم كتاب لا يؤمنون به؟ فالجواب: أنه مدعوا إليه بَعْدَ قِيَام الحُجَج الدالَّةِ على أنه كتابٌ من عند الله. قوله: "ليحكم" متعلق بـ "يدعون". وإضافة الحكم إلى الكتاب مجاز مشهور. وقرأ الحسن وأبو جعفر والجحدري "لِيُحْكَمَ" - مبنيًّا للمفعول - والقائم مقام الفاعل هو الظرف، أي: ليقع الحكمُ بينهم. قال الزمخشريُّ: قوله: {لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ} يقتضي أن يكون الاختلاف واقعاً فيما بينهم، لا فيما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله: {ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ} عطف على "يُدْعَوْنَ" و "مِنْهُمُ" صفة لـ "فَرِيقٌ"، وقوله: {وَهُم مُّعْرِضُونَ} يجوز أن تكون صفةً معطوفة على الصفة قبلها - فتكون الواو عاطفة - وأن تكون في محل نصب على الحال من الضمير المستتر في "مِنْهُمْ"؛ لوقوعه صفة - فتكون الواو واوَ الحال - ويجوز أن تكون حالاً من "فَرِيقٌ"، وجاز ذلك - وإن كان نكرةً - لتخصيصه بالوصف قبله، وإن كان حالاً فيجوز أن تكون مؤكِّدةً؛ لأن التولِّي والإعراضَ بمعنًى, ويجوز أن تكون مبينة؛ لاختلاف مُتَعلَّقِهما قالوا: لأن التوَّليَ عن الداعي, والإعراض عما دعا إليه. قال ابنُ الخطيبِ: "فكأن المتولِّيَ والمعرضَ هو ذلك الفريق، والمعنى أنه مُتَوَلٍّ عن استماع الحُجَّة في ذلك المقام، ومُعْرِضٌ عن استماع سائر الحُجَج". ويحتمل أن تكون هذه الجملة مستأنفة، لا محل لها، أخبر عنهم بذلك، فيكون المتولِّي هم الرؤساء والعلماء، والأتباع مُعرضون عن القبول؛ لأجل تَوَلِّي علمائِهم.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن اسحق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال "حديث : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المدراس على جماعة من يهود فدعاهم إلى الله فقال له النعمان بن عمرو، والحرث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟ قال: على ملة إبراهيم ودينه قالا: فإن إبراهيم كان يهودياً فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهلُّما إلى التوراة فهي بيننا وبينكم، فأبيا عليه، فأنزل الله {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم} إلى قوله {وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون} ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {ألم تر إلى الذين أوتوا...} الآية. قال: هم اليهود دعوا إلى كتاب الله ليحكم بينهم، وإلى نبيه وهم يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة ثم تولوا عنه وهم معرضون. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في الآية قال: كان أهل الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم بالحق وفي الحدود، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى الإِسلام فيتولون عن ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله {نصيباً} قال: حظاً {من الكتاب} قال: التوراة. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد {قالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات} قال: يعنون الأيام التي خلق الله فيها آدم عليه السلام. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة {وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون} حين قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد {وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون} قال: غرهم قولهم {لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات}. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {وَوُفِّيَتْ} يعني تُوَفَّى كلُّ نفس برٍ وفاجرٍ {ما كسبت} ما عملت من خير أو شر {وهم لا يظلمون} يعني من أعمالهم.

القشيري

تفسير : امتحناك بدعوة من سبق علمنا بأنهم لا يستجيبون، فاصبر على ما أُمِرْتَ فيهم، واعلم سوء أحوالهم، فإنهم أهل التولِّي عن الإجابة، لأنهم فقدوا منا حسن التجلي بسابق الإرادة.

اسماعيل حقي

تفسير : {ألم تر} تعجيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم او لكل من تتأتى منه الرؤية من حال اهل الكتاب وسوء صنيعهم اى ألم تنظر {الى الذين اوتوا نصيبا} حظا وافرا {من الكتاب} اى التوراة والمراد بما اوتوه منها ما بين لهم فيها من العلوم والاحكام التى من جملتها ما عملوه من نعوت النبى عليه السلام وحقية الاسلام {يدعون الى كتاب الله} الذى اتوا نصيبا منه وهو التوراة كأنه قيل ماذا يصنعون حتى ينظر اليهم فقيل يدعون الى كتاب الله فالجملة استئناف {ليحكم} ذلك الكتاب {بينهم} وفى الكتاب بيان الحكم فاضيف اليه الحكم كما فى صفة القرآن بشيرا ونذيرا لان فيه بيان التبشير والانذار وذلك "حديث : ان رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مدراس اليهود فدعاهم الى الايمان فقال له رئيسهم نعيم بن عمرو على أى دين انت قال صلى الله عليه وسلم "على ملة ابراهيم" قال ان ابراهيم كانو يهوديا قال صلى الله عليه وسلم "ان بيننا وبينكم التوراة فهاتوها فابوا" " .تفسير : وقال الكلبى نزلت الآية فى الرجم حديث : فجر رجل وامرأة من اهل خيبر وكانا فى شرف منهم وكان فى كتابهم الرجم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم رجاء رخصة عنده فحكم عليهم بالرجم فقالوا جرت علينا ليس عليهما الرجم فقال صلى الله عليه وسلم "بينى وبينكم التوراة" قالوا قد انصفتنا قال "فمن اعلمكم بالتوراة قالوا ابن صوريا فأرسلوا اليه فدعا النبى عليه الصلاة والسلام بشيء من التوراة فيه الرجم دله على ذلك ابن سلام فقال له (اقر فلما اتى على آية الرجم وضع كفه عليها) وقام ابن سلام فرفع اصبعه عنها ثم قرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى اليهود بان المحصن والمحصنة اذا زنيا وقامت عليهما البينة رجما وان كانت المرأة حبلى تربص حتى تضع ما فى بطنها وامر رسول الله صلى الله عليه وسلم باليهوديين فرجما فغضب اليهود لذلك ورجعوا كفارا فانزل الله هذه الآية {ثم يتولى فريق منهم} تفسير : استبعاد لتوليهم بعد علمهم بوجوب الرجوع اليه ولم يصب به الكل لانه قال فى هذه السورة {أية : من أهل الكتاب أمة قائمة} تفسير : [آل عمران: 113]. وقال تعالى {أية : أمة يهدون بالحق وبه يعدلون}تفسير : [الأعراف: 181]. {وهم معرضون} اما حال من فريق لتخصصه بالصفة اى يتولون من المجلس وهم معرضون بقلوبهم او اعتراض اى وهم قوم ديدنهم الاعراض عن الحق والاصرار على الباطل.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: التنكير في {نصيب}؛ يحتمل التحقير والتعظيم، والأول أقرب. وجملة: {وهم معرضون}؛ حال من {فريق}؛ يتخصيصه بالصفة. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ألم تر} يا محمد، أو مَنْ تصح منه الرؤية، {إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب} وهم: اليهود، تمسكوا بشيء من التوارة، ولم يعملوا به كلّه، كيف {يدعون إلى كتاب الله} القرآن {ليحكم بينهم} فيما اختلفوا فيه من أمر التوحيد وصحة نبوته - عليه الصلاة والسلام -، فأعرضوا عنه، أو المراد بكتاب الله: التوراة. قال ابن عباس رضي الله عنه: (دخل النبيّ صلى الله عليه وسلم على جماعة من اليهود، فَدَعاهُمْ إلى الله تعالى، فقال نُعَيْمُ بْنُ عَمِرْو والحَارِثُ بَنْ زَيْد: على أيِّ دين أنْتَ يا مُحَمَّدُ؟ قال:"حديث : على مِلَّةِ إبْرَاهِيم"تفسير : قالا: إنَّ إبرَاهِيم كان يَهُودِيّاً، فقال لهما النبيّ صلى الله عليه وسلم:"حديث : فَهَلمُّوا إلى التَّوراةِ فهي بَيْنَنَا وبينكم"تفسير : فأبَيا عليه، فنزلت الآية). وقيل: نزلت في الرجم، على ما يأتي في العقود. {ذلك} الأعراض بسبب اغترارهم وتسهيلهم أمر العقاب، فقالوا: {لن تسمنا النار إلا أياماً معدودات}؛ أربعين يوماً، قدر عبادتهم العجل، ثم يَخْلفهم المسلمون، {وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون} بزعمهم الفاسد وطمعهم الفارغ. يقول الحقّ جلّ جلاله: {فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه}، وهذا تهويل لشأنهم، واستعظام لما يحيق بهم، {ووفيت كل نفس ما كسبت} من خير أو شر، {وهم لا يظلمون} أي: لا يبخسون من أعمالهم شيئاً، فلا ينقص من الحسنات، ولا يزاد على السيئات. وفيه دليل على أن المؤمن لا يخلد في النار. قال ابن عباس: (أولُ رايةٍ تُرفع لأهل الموقف، ذلك اليوم، رايةُ اليهود، فيفضحُم اللّهُ تعالى على رؤوس الأشهاد، ثم يؤمر بهم إلى النار). الإشارة: ترى كثيراً ممن ينتسب إلى العلم والدين ينطلق لسانه بدعوى الخصوصية، وأنه منخرط في سلك المقربين، فإذا دُعي إلى حق، أو وقف على عيب من عيوب نفسه، أعرض وتولى، وغرته نفسه، وغلبه الهوى، فجعل يحتج لنفسه بما عنده من العلم أو الدين، أو بمن ينتسب إليهم من الصالحين، فكيف يكون حاله إذا أقبل على الله بقلب سقيم، ورأى منازل أهل الصفا، الذين لقوا الله بقلب سليم، حين ترفع درجاتهم مع المقربين، ويبقى هو مع عوام أهل اليمين؟ قال تعالى:{أية : وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ}تفسير : [الزُّمَر: 47] الآية.

الطوسي

تفسير : المعنى: معنى {ألم تر} ألم تعلم {إلى الذين أوتوا} معناه الذين أعطوا {نصيباً} أي حظاً وإنما قيل {أوتوا نصيباً} منه، لأنهم يعلمون بعض ما فيه {من الكتاب} قال ابن عباس، والزجاج، والجبائي: إنه التوراة دعي إليها اليهود فأبوا لعلمهم بلزوم الحجة عليهم بما فيه من الدلالة على نبوة نبينا (صلى الله عليه وسلم) وتصديقه. والثاني - قال الحسن، وقتادة: دعوا إلى القرآن، لأن ما فيه موافق ما في التوراة في أصول الديانة وأركان الشريعة. وفي الصفة التي تقدمت البشارة بها. والحكم الذي دعوا فيه إلى الكتاب يحتمل ثلاثة أشياء: أحدها - أن يكون نبوة النبي (صلى الله عليه وسلم). والثاني - أن يكون أمر إبراهيم فان دينه الاسلام. والثالث - أن يكون حداً من الحدود، لأنهم نازعوا في ذلك، وليس في القرآن دليل على تعيين ذلك وإنما هو محتمل لكل واحد منها. والفرق بين الدعاء إلى الشيء والأمر به أن الأمر له صيغة مخصوصة وفيه زجر عن المخالفة عند من قال: إنه يقتضي الايجاب. والدعاء قد يكون بالخبر وغيره من الدلالات على معنى الخبر وإنما دعوا إلى المحاكمة لتظهر الحجة فأبوا إلا المخالفة. والحكم هو الخبر الذي يفصل الحق من الباطل بامتناعه من الالباس وهو مأخوذ من الحكمة. وهو الخبر الذي توجب صحته الحكمة. وإنما يقال حكم بالباطل لأنه جعل موضع الحق باطلا بدلا منه. وقولهم ليس هذا حكم كذا معناه ليس هذا حقه فانما دعوا إلى كتاب الله ليفصل الحق من الباطل فيما اختلفوا فيه. ومعنى قوله: {يتولى فريق منهم وهم معرضون} فالتولي عن الشيء هو الاعراض عنه، فليس على وجه التكرار لأن معناه يتولى عن الداعي، وهو معرض عما دعا إليه، لأنه قد كان يمكنه أن يتولى عنه وهو متأمل لما دعا إليه، فلما لم يفعل كان العيب له ألزم والذم على ما فعل أعظم.

الجنابذي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ} الم تر الى كذا كلمة تعجّب وتعجيب، والرّؤية اعمّ من رؤية البصر ورؤية القلب، ونزول الآية ان كان فى احبار اليهود فهى جارية فى كلّ من أقرّ بشريعة وكتاب ثمّ اعرض عن شريعته وكتابه فانّ الكتاب عبارة عن احكام الرّسالة والنّبوّة، والكتب التّدوينيّة السّماويّة صورة تلك الاحكام وظهورها، والمنظور منافقوا الامّة حيث أقرّوا بمحمّد (ص) وشريعته وكتابه واعرضوا عن كتابه بعد وفاته {يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ ٱللَّهِ} حال او جواب لسؤالٍ مقدّرٍ، وان كان المراد به التّوراة فالتّعريض بالامّة والقرآن {لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ} قرئ بفتح الياء وضمّها وفتح الكاف {ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ} عن كتاب الله عطف على يدعون والاتيان باداة التّراخى اشارة الى انّ التولّى وقع منهم بعد الدّعاء الى الكتاب بمهلة فانّه (ص) على ما قيل دخل مدرسهم ودعاهم الى الاسلام فقالوا: على اىّ دين انت؟ - قال: على ملّة ابراهيم (ع) فقالوا: انّ ابراهيم كان يهوديّاً، فقال: انّ بيننا وبينكم التّوراة فأبوا من الرّجوع اليها بعد محاجّاتٍ وقعت بينهم، ونسب فى مجمع البيان الى ابن عبّاس انّه قال: ان رجلاً وامرأة من اهل خيبر زنيا وكانا ذوى شرفٍ فيهم وكان فى كتابهم الرّجم فكرهوا رجمهما لشرفهما ورجوا ان يكون عند رسول الله (ص) رخصة فى امرهما، فرفعوا أمرهما الى رسول الله (ص) فحكم عليهما بالرّجم فقالوا جرت يا محمّد ليس عليهما الرّجم فقال (ص): بينى وبينكم التّوراة، قالوا قد أنصفتنا قال: فمن أعلمكم بالتّوراة؟ - قالوا: ابن صوريا ساكن فدك فارسلوا اليه فقدم المدينة وكان جبرئيل قد وصفه لرسول الله (ص) الى ان قال فدعا رسول الله (ص) بشيءٍ من التّوراة فيها الرّجم مكتوب فقال له: اقرء فلمّا اتى على آية الرّجم وضع كفّه عليها وقرأ ما بعدها فقال ابن سلام يا رسول الله قد جاوزها وقام الى ابن صوريا ورفع كفّه عنها ثمّ قرأ على رسول الله (ص) وعلى اليهود بانّ المحصن والمحصنة اذا زنيا وقامت عليهما البيّنة رجما، فأمر رسول الله (ص) باليهوديّين فرجما، فغضب اليهود وأنكروا على ابن صوريا فأنزل الله هذه الآية {وَهُمْ مُّعْرِضُونَ} والحال انّ سجيّتهم الاعراض عن الحقّ مطلقاً.

الأعقم

تفسير : {ألم تر الى الذين أُوتُوا نصيباً من الكتاب} الآية نزلت في اليهود،حديث : وذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) دخل مدراسهم فدعاهم، فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد: على أي دين أنت؟ قال: "على ملَّة إبراهيم". قالا: إن إبراهيم كان يهودياً، قال لهما: "إن بيني وبينكما التوراة"، فأبياتفسير : ، وقيل: نزلت في الرجم. "حديث : روي عن ابن عباس أن رجلاً وامرأة زنيا وكانا ذا شرف وكان في كتابهم الرجم فكرهوا رجمهما لشرفهما، فرجعوا في أمرَهما إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ورجوا أن تكون عنده رخصة فأمر بالرجم، فقالوا: ليس عليهما الرجم، فقال: "بيني وبينكم التوراة فمن أعلمكم بالتوراة؟" فقالوا: عبد الله بن صوريا فأتوا به ودعوا بالتوراة، فلما أتى على آية الرجم وضع يده عليها، فقال عبد الله بن سلام: يا رسول الله قد جاوز موضعها فرفع يده فوجدوا آية الرجم، فأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بهما فرجما، فغضب اليهود غضباً شديداً" تفسير : {ما كانُوا يفترون} في قولهم قالوا: إن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم، قوله تعالى: {فكيف إذا جمعناهم} كيف يكون حالهم {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء} تعطي من تشاء النصيب الذي قسمته له واقتضته حكمتك، وروي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، حين فتح مكة وعد أُمَّته ملك فارس والروم، فقال اليهود والمنافقون: من أين لمحمد ملك فارس والروم؟ فنزلت الآية، وقيل: حديث : نزلت يوم الخندق فظهر حجر عظيم وجاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فضربها ثلاث ضربات وكسرها بمعول وكان يبرق منها بكل ضربة برق عظيم، فكبّر تكبيرة الفتح، فسُئِلَ عن ذلك، فقال: "أخبرني جبريل أن أُمتي ستظهر على ملك فارس والروم" فاستبشر المسلمون، فقال المنافقون: إنه يعدكم الباطل إنما نحفر الخندق من الفرق تفسير : فنزلت الآية، قال جارالله: حديث : وروي أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لما خط الخندق عام الأحزاب وقطع لكل عشرة أربعين ذراعاً وأخذوا يحفرون خرج من بطن الخندق صخرة كالتل العظيم لم تعمل فيها المعاول، فخرج سلمان إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يخبره فأخذ المعول من سلمان فضربها ضربة صدَّعها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها لكأنَّ مصباحاً في جوف بيت مظلمٍ، وكبّر وكبّر المسلمون وقال: "أضاء لي منها قصور الحيرة كأنها أنياب الكلاب"، ثم ضرب الثانية فقال: "أضاءت لي منها البقور، الخمر من الروم" ثم ضرب الثالثة وقال: "أضاءت لي منها قصور صنعاء وأخبرني جبريل أن أُمّتِّي ظاهرة علي كلها فابشروا" فقال المنافقون: ألا تعجبون يمنيكم الباطل ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة، وأنها تفتح لكم مدائن كسرى، وأنكم إنما تحفرون الخندق من الفرق، ولا تستطيعون أن تبررواتفسير : ، فنزلت الآية: {وتعز من تشاء} قيل: بعز القناعة، وقيل: بعز الطاعة {بيدك الخير} تؤتيه أولياءك على رغم أعدائك خير الدنيا والآخرة {تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل} وذلك بقدرته الباهرة، بذكر حال الليل والنهار بالمعاقبة بينهما وحال الحي والميت في إخراج أحدهما من الآخر، وهو أن يخرج المؤمن من الكافر وعكسه، وفي بعض ما رواه في الكشاف أن الله ملك الملوك قال: "قلوب الملوك ونواصيهم بيدَي فإن العباد أطاعوني جعلتهم عليهم رحمة وإن العباد عصوني جعلتهم عليهم عقوبة فلا تشتغلوا بسب الملوك ولكن توبوا إليَّ أعطفهم عليكم"، وهو معنى قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : كما تكونوا يولى عليكم ".

الهواري

تفسير : قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ}. يعني أهل الكتاب في تفسير الحسن. وقال غيره: هم اليهود خاصة. دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المحاكمة إلى كتاب الله، وأعلمهم أن الكتاب الذي أنزله الله عليه موافق لكتابهم الذي أنزل عليهم، فتولوا عن ذلك وأعرضوا عنه. قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ} عدد الأيام التي عبدوا فيها العجل، يعني به أوليهم ـ وقد فسّرناه في سورة البقرة ـ، ثم رجع الكلام إليهم فقال: {وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [أي يختلقون] على الله فيه الكذب. قال بعض المفسّرين: هو قولهم: (أية : نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ)تفسير : [المائدة:18]. قوله: {فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ} أي لا شك فيه، وهو يوم القيامة، لا شك أنه كائن. {وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ} أي جزيت كل نفس {مَا كَسَبَتْ} أي ما عملت من خير أو شر {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}. فأما المؤمن فيُوفَّى حسناته في الآخرة، وأما الكافر فيجازى بها في الدنيا وله في الآخرة عذاب النار. وهو كقوله: {مَن كَانَ يُرِيدُ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} وهو الكافر لا يريد إلا الدنيا، لا يقرُّ بالآخرة. قال: {نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ} أي حسناتهم {فِيهَا} أي في الدنيا {وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ} أي: لا ينقصون (أية : أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) تفسير : [هود:15-16]. وكقوله: {مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ} يوم القيامة (أية : كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ) تفسير : [إبراهيم:18]. قوله: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ المُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. قال الحسن: أمر الله رسوله أن يدعوه فيعطيه ملك فارس والروم، ويرد ذلّ العرب عليهما؛ أمره بذلك وفي حكمه أن يستجيب له ويعطيه ذلك. وهكذا منازل الأنبياء عندهم؛ إذا أمرهم بالدعاء في شيء أو على قومهم استجاب دعاءهم. وقال بعضهم: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل ربه أن يجعل ملك فارس والروم في أمته، فأنزل الله هذه الآية: {قُل اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشَاءُ}... إلى آخر الآية. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : تقاتلون جزيرة العرب فيفتح الله عليكم، وتقاتلون فارس فيفتح الله عليكم، وتقاتلون الروم فيفتح الله عليكم، وتقاتلون الدجال فيفتح الله عليكم تفسير : . وكان عقبة بن نافع يحلف بالله لا يخرج الدّجّال حتى تفتح الروم. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إذا مات كسرى فلا كسرى بعده، وإذا مات قيصر فلا قيصر بعده .

اطفيش

تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ}: أى: التوراة و {أل} للعهد و{من} للتبعيض، لأن ما حصلوا من معانيها، بعض جملة معانيها التى لا يحيط بها إلا الله، ويجوز أن تكون {من} للبيان فيكون النصيب الذى أتوه هو نفس التوراة، ومعنى إيتائها على هذا: أنزلها عليهم، ويجوز أن يكون المراد بالكتاب جنس الكتب التى أنزلها الله، فتكون {من} للتبعيض، والنصيب: التوراة إذ نزلت عليهم، أو ما حصلوا منها، وتنكير نصيب، للتعظيم على كل حال، سواء جعلت من للتبعيض أو للبيان، لأن بعض التوراة أيضاً عظيم، وأجيز أن يكون للتحقير إذا جعلت للتبعيض. {يُدْعَوْنَ}: أى: يدعوهم محمد - صلى الله عليه وسلم. {إِلَى كِتَابِ اللَّهِ}: هذه الجملة حال من {الَّذِين}، وكتاب الله: هو القرآن، و{أل} فيه للعهد الحضورى، وهو أيضاً فى ذهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك غير لفظ الأول للإضافة إلى الله، وقرىء بالبناء للمفعول، والفاعل كتاب الله. {لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُمْ مُّعْرِضُونَ} الذين يدعون إلى كتاب الله هم اليهود، والفريق المتولى علماؤهم وأتباعهم، والرؤساء تولوا عن حكم القرآن حال كونهم معرضين، وأسند الحكم للكتاب تجوزاً، لأن ما به الحكم مذكور فيه، ويتولى فريق، جملة معطوفة على {يُدْعَوْن}، وجملة {هُمْ مُّعْرِضُون} حال مؤكدة، وصاحبها فريق، وسوغ مجىء الحال منه وصفه بقوله {مِّنْهُم}. قال الحسن، وقتادة، وابن حريج: كتاب الله: القرآن، لأنهم قد علموا أنه كتاب الله، ولم يشكوا فيهِ، ولعلمهم بأنه كتاب الله تعالى، كان العطف بـ {ثم} لتدل على بعد الرتبة، بمعنى أن توليهم أمر منكر، مستبعد جداً، لأنهم تولوا عناداً، ورجوعاً عن علمهم بأنه كتاب الله، ولذلك أكد أيضاً بقوله {وهُمْ مُّعْرِضُون}، وإن جعلنا قوله وهم معرضون استئنافاً، كان فيه تأكيداً أيضا، لأن المعنى: تولوا. ومن العادة الراسخة فيهم الإعراض عن الحق، وحكم الله عز وجل وحكم القرآن يرحم المحصن فى قوله تعالى: "الشيخُ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة" وكان قد زنى فيهم محصن ومحصنة شريفان فيهم، ولم يقبلوا فيهما هذا الحكم مع أن مثله أيضاً فى التوراة، وعن ابن عباس: زعم اليهود أنهم على الحق، والنصارى أنهم على الحق، فجعل الله القرآن حكماً بينهم، وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فحكم القرآن بأن اليهود والنصارى على غير الهدى، فأعرضوا عنه. وقيل: المراد بكتاب الله: التوراة، روى حديث : عن ابن عباس - رضى الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، دخل بيتاً تدرس فيه اليهود، فدعاهم إلى الله عز وجل، فقال له نعيم بن عمرو، والحارث بن زيد: على أى دين أنت يا محمد؟ فقال: "على ملة إبراهيم" فقالا: إن إبراهيم كان يهودياً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أهلموا إلى التوراة فهى بيننا وبينكم؟"تفسير : فأعرضا وتوليا وله أتباع، فأنزل الله هذه الآية. واختار فى الكشاف أن كتاب الله التوراة، وأنه وقع التعادى والاختلاف بين من أسلم من اليهود من أحبارهم، ومن لم يسلم، فدعاهم الله ورسوله إلى الكتاب الذين لا يختلفون فيه وهو التوراة، ليحكم بين المحق والمبطل، فتولى وأعرض من لم يسلم، ويدل له أن الحكم يترتب على خلاف سابق بينهم وروى حديث : عن ابن عباس أيضاً أن رجلا وامرأة محصنين من أهل خيبر زنيا، وفى التوراة: الرجم، فكرهوا رجمهما لشرفهما عندهم، فَرَفَعُوا أمرهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجوا أن يكون عنده فيهما رخصة، فحكم عليهما بالرجم، فقال النعمان بن أوفى، ومحرز بن عمرو: جرت عليهما يا محمد وليس عليهما الرجم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بينى وبينكم التوراة" فقالوا: قد أنصفت. فقال: "من أعلمكم بالتوراة" قالوا: رجل أعور يقال له عبد الله بن صوريا يسكن فدك فى القدس، فأرسوا إليه فقدم المدينة، كان جبريل قد وصفه للنبى صلى الله عليه وسلم، وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنت ابن صوريا؟" قال: نعم. قال:"أنت أعلم اليهود بالتوراة؟" قال: كذلك يزعمون. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوراة وقال له "إقرأ" فقرأ فلما انتهى من آية الرجم، وضع يده عليها، وقرأ ما بعدها، فقال عبد الله بن سلام: يا رسول الله قد جاوزها، ثم قام عبد الله بن سلام ورفع عنها كف بن صوريا، وقرأها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى اليهودى فيها أن المحصن والمحصنة إذا زنيا وقامت عليهما البينة رجما، وإن كانت المرأة حبلى، تربصوا بها حتى تضع ما فى بطنها، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم باليهوديين فرجما فغضبت اليهود لذلكتفسير : ، فنزلت الآية فى، ذَلِكَ، التولى أو ذلك الإعراض، والمعنى واحد، وهو مبتدأ والخبر قوله: {بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ}: أى بسبب قولهم لن تمسنا إلا أياماً معدودات، لأن تسهيل أمر العقاب وتقليل مدته، سبب للاجتراء على موجبه من المعاصى، وقد قللوا أيام مكثهم فى النار، بذكرها بجمع القلة الذى هو الجمع بألف وتاء، وبذكر العدد، وكانوا يقولون: مدة عذابنا سبعة أيام، عدد الأسبوع، ومنهم - لعنهم الله - من يقول أربعين ليلة، على قدر مدة عبادة العجل. وعن ابن عباس، رضى الله عنهما: زعمت اليهود أنهم وجودا فى التوراة ما بين طرفى جهنم أربعون ليلة إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم، وقالوا إنا نعذب إلى أن ننتهى إلى شجرة الزقوم، فتذهب جهنم وتهلك. قال ابن عباس رضى الله عنهما: أصل الجحيم، ضفر، وفيها شجرة الزقوم، فإذا اقتحموا جهنم، تبادروا فى العذاب حتى ينتهوا إلى شجرة الزقوم، فيملئوا منها بطونهم فيقول لهم خازن سَقَر: زعمتم أن النار لن تمسكم إلا أياماً معدودة، وقد خلت أربعون سنة، وأنتم فى النار، ومن زعم أن أصحاب الكبائر يخرجون من النار فقد ضاهى قوله بقولهم، وكذا فى إثباتهم الرؤية سبحان الله تعالى. {وَغَرَّهُمْ فى دِينِهِمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُون}: أى غرهم فى دينهم كونهم يفترون، أى يكذبون. و{ما} مصدرية، والمصدر فاعل غر، وجىء بالمصدر من {كان} لأنها مصدرا أو دلالة على الحديث عندى، ولعل من يقدره من خبرها، مع قربها واتصالها بما هكذا، وغرهم افترائهم يرى أنها لا مصدر لها، ولا حدث. والدين الذى غرهم فيه، الدين الذى أنزل الله فى التوارة، أو الدين الواجب عليهم أن يدخلوا فيه وينتسبوا إليه وهو دين محمد صلى الله عليه وسلم الذى أنزل الله فى القرآن، أو مطلق الدين الواجب عليهم، وهو حكم التوراة قبل إنزال ما ينسخه من القرآن، وحكم القرآن بعد نزوله الناسخ لما قبله، والحكم لا ينسخ، كالتوحيد ومعنى كون افترائهم غرهم فى دينهم أنه أوقع لهم الخلل والفساد فى دينهم، الذى اعتقدوه، أو يجب أن يعتقدوه، بأن أضافوا إلى دينهم اعتقاداً زائغاً وكان لا ينفعهم دينهم معه، ذلك أنهم غرهم قولهم: {لَنْ تَمسّسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَات} وقولهم: {أية : نحن أبناء الله وأحباؤه}تفسير : وقولهم: "إن آباءنا الأنبياء يشفعون لنا، وقولهم: إن الله تعالى وعد يعقوب عليه السلام أن لا يعذب أولاده إلا تحلة القسم، وقولهم: نحن على الحق وأنت على الباطل، ويجوز كون {إما} إسماً، أى الكلام الذى يفترنه أو كلام يفترونه، وبين الله عز وجل أن ذلك افتراء يزول يوم القيامة، فقال: {فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ}.

اطفيش

تفسير : {أَلَمْ تَرَ} تعجيب له صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يصلح له {إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً} بعضا، وذكر بلفظ النصيب إشعاراً لكمال اختصاصه بهم، وأنه مؤمن حقوقهم {مِّنَ الْكِتَابِ} أى هو الكتاب، وهو التوراة، أو بعضا من جنس كتب الله، فيشمل التوراة وغيرها، قيل: أو جاء من الكتاب الذى هو اللوح المحفوظ، وعلى هذين فالتنكير تعظيم، ويجوز أن يكون تحقيراً، ووجهه، أنه ولو لم يكن معهم إلا نصيب قليل ينقادون به لأمر الله ولو استعملوا عقولهم، فكيف لو كان لهم كثير، وفيه، أن المقام لتقبيحهم، لا لبيان أن القليل منه كاف، ولو كان وجه هو ما ذكرته، قلت، أو بعضاً من علم التوراة، لأنهم لا يدركون كل علمها، وإنما علمه كله الله، وكأنه قيل، ما شأن هؤلاء المؤمنين نصيباً من الكتاب فاستأنف جوابا بقوله {يُدْعَوْنَ إَلَى كِتَاب اللهِ} القرآن كما هو اصطلاح الشرع، وذلك أنهم علموا أنه القرآن ولو أنكروه بألسنتهم، أو هذه الجملة حال، والداعى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أو بعض اليهود راجيا ألا يكون الرجم فى القرآن، أو كتاب الله التوراة، وهو أوفق لقوله، {أوتوا نصيبا من الكتاب}، والدعوة إلى التوراة دعوة إلى القرآن لكونه مصدقا له، ومن جملة ما أوتوا من علماه وأحكامها نعوت النبى صلى الله عليه وسلم وحقيقة الإسلام، حديث : ودخل صلى الله عليه وسلم مدرسة لليهود فقال له نعيم بن عمرو، والحارث بن زيد، على أى دين أنت؟ فقال، على دين إبراهيم، فقالا له، إن إبراهيم كان يهوديا، فقال، هلما إلى التوراة، فإنها بيننا وبينكم، فأبيا، فنزل قوله تعالى، ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله تفسير : {لِيَحْكُمَ} أى الكتاب أو الله {بَيْنَهُمْ} فيما اختلفوا فيه من الرجم، أو بينهم وبين الرسول فى إبراهيم، أو بين من لم يسلم وبين من أسلم منهم، والوعيد لمن لم يسلم {ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ} بأبدانهم عن مجلسه صلى الله عليه وسلم {وَهُمْ مُعْرِضُونَ} بقلوبهم عن حكمه، حديث : وروى أن أهل خيبر كرهوا رجم رجل وامرأة منهم زنيا، لشرفهما، فترافعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجاء لرخصه، فأمر برجمهما، فقال النعمان بن أوفى، وعدى ابن عمرو: جرت عليهما يا محمد، فقال صلى الله عليه وسلم، بيننا التوراة، قالوا، أنصفت، فقال: من أعلمكم بالتوراة؟ قالوا: أعور يسكن فدك، يسمى عبد الله بن صوريا، فأرسلوا إليه، فجاء المدينة، وقد وصفه جبريل عليه السلام له صلى الله عليه وسلم، فقال، أنت ابن صوريا؟ فقال: نعم، فقال: أنت أعلم اليهود بالتوراة، فقال، كذلك يزعمون، فدعا صلى الله عليه وسلم بالتوراة، وقال له، أقرأ، ولما أتى على آية الرجم وضع يده عليها وقرأ ما بعدها، فقال عبد الله بن سلام: يا رسول الله، قد جاوزها، ثم قام، ورفع كفه عنها: وقرأها على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى اليهود وفيها، أن المحصن والمحصنة إذا زنيا وقامت عليهما البينة رجما، وإن كانت المرأة حبلى تربص بها حتى تضع ما فى بطنها، فأمر صلى الله عليه وسلم بهما، فرجما، وليست حبلى، وقال صلى الله عليه وسلم، إنما أحكم بكتابكمتفسير : ، أى إنما أحكم بما ثبت فيه ولم ينسخ، لأنه موافق لما فى كتاب الله إلى، وليس لامراد أنى تركت ما أوحى إلى، بل حكمت بما أوحى إلى وهو نص كتابكم، ولما رجما غضبت اليهود لذلك غضباً شديداً، فنزلت الآية: "ألم تر إلى الذين...إلخ" فالخلاف بين عبدالله بن صوريا ومن معه، وبين عبدالله بن سلام مع النبى صلى الله عليه وسلم أو بين أحدهما معهم، أيرجمان أم يسحمان، وبينه صلى الله عليه وسلم وبينهم فى إبراهيم، أيهودى، حاشاه، أم حنيف مسلم.

الالوسي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلى الَّذينَ أُوْتُواْ نَصيباً مِّنَ الْكتَٰب} تعجيب للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل من يتأتى منه الرؤية من حال أهل الكتاب وأنهم إذا عضتهم الحجة فروا إلى الضجة وأعرضوا عن المحجة، وفيه تقرير لما سبق من أن الاختلاف إنما كان بعد مجيء العلم، وقيل: إنه تنوير لنفي الناصر لهم حيث يصيرون مغلوبين عند تحكيم كتابهم، والمراد بالموصول اليهود - وبالنصيب - الحظ، و {من} إما للتبعيض وإما للبيان على معنى (نصيباً) هو الكتاب، أو نصيباً منه لأن الوصول إلى كنه كلامه تعالى متعذر فإن جعل بياناً كان المراد إنزال الكتاب عليهم وإن جعل تبعيضاً كان المراد هدايتهم إلى فهم ما فيه، وعلى التقديرين اللام في (الكتاب) للعهد، والمراد به التوراة - وهو المروي عن كثير من السلف - والتنوين للتكثير، وجوز أن يكون اللام في (الكتاب) للعهد والمراد به اللوح، وأن يكون للجنس؛ وعليه -النصيب- التوراة، و {من} للابتداء في الأول: ويحتملها، والتبعيض في الثاني: والتنوين للتعظيم، ولك أن تجعله على الوجه السابق أيضاً كذلك، وجوز على تقدير أن يراد -بالنصيب- ما حصل لهم من العلم أن يكون التنوين للتحقير، واعترض بأنه لا يساعده مقام المبالغة في تقبيح حالهم، وأجيب بأنه يحتمل أن يكون المقصود تعييرهم بتمردهم واستكبارهم بالنصيب الحقير عن متابعة من له علم لا يوازنه علوم المرسلين كلهم، والتعبير عما أوتوه بالنصيب للإشعار بكمال اختصاصه بهم وكونه حقاً من حقوقهم التي يجب مراعاتها والعمل بموجبها. وقوله تعالى: {يُدْعَوْنَ إِلَى كتَٰب اللَّه} إما جملة مستأنفة مبينة لمحل التعجيب، وإما حال من الموصول، والمراد بكتاب الله التوراة والإظهار في مقام الإضمار لإيجاب الإجابة، والإضافة للتشريف وتأكيد وجوب المراجعة، وإلى ذلك ذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنه وغيره. وقد أخرج ابن إسحق وجماعة عنه قال: "حديث : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المدراس على جماعة من يهود فدعاهم إلى الله تعالى فقال النعمان بن عمرو، والحرث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟ قال: على ملة إبراهيم ودينه قالا: فإن إبراهيم كان يهودياً فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهلما إلى التوراة فهي بيننا وبينكم فأبيا عليه فأنزل الله تعالى الآية" تفسير : وفي "البحر": "حديث : زنى رجل من اليهود بامرأة ولم يكن بعد في ديننا الرجم فتحاكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تخفيفاً على الزانيين لشرفهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما/ أحكم بكتابكم فأنكروا الرجم فجيء بالتوراة فوضع حبرهم ابن صوريا يده على آية الرجم فقال عبد الله بن سلام: جاوزها يا رسول الله فأظهرها فرجما فغضبت اليهود فنزلت" تفسير : وهو المروي عن ابن جريج - وحكي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أيضاً - وذهب الحسن وقتادة إلى أن المراد بكتاب الله تعالى القرآن دعوا إليه لأن ما فيه موافق لما في التوراة من أصول الديانة وأركان الشريعة والصفة التي تقدمت البشارة بها أو لأنهم لا يشكون في أنه كتاب الله تعالى المنزل على خاتم رسله. {ليَحْكُمَ بَيْنَهُمْ} قيل: أي ليفصل الحق من الباطل بين الذين أوتوا -وهم اليهود - وبين الداعي لهم - وهو النبي صلى الله عليه وسلم في أمر إبراهيم عليه السلام، أو في حكم الرجم، أو في شأن الإسلام، أو بين من أسلم منهم ومن لم يسلم حيث وقع بينهم اختلاف في الدين الحق، وعلى هذا -وهو المرضي عند البعض وإن لم يوافق سبب النزول- وربما أحوج إلى ارتكاب مجاز في مرجع الضمير لا يتعين أن يكون الداعي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقرئ {ليحكم} على البناء للمفعول ونسب ذلك إلى أبي حنيفة. {ثُمَّ يَتَوَلَّى فَريقٌ مِّنْهُمْ} عطف على (يدعون)، و{ثم} للتراخي الرتبي، وفيه استبعاد توليهم بعد علمهم بوجوب الرجوع إليه، و{منهم} صفة لفريق، ولعل المراد بهذا الفريق أكثرهم علماً ليعلم تولي سائرهم من باب الأولى قيل: وهذا سبب العدول عن -ثم يتولون- وقيل: الذين لم يسلموا، ووجه العدول عليه ظاهر فتدبر. {وَهُمْ مُّعْرضُونَ} جوز أن يكون صفة معطوفة على الصفة قبلها فالواو للعطف، وأن تكون في محل نصب على الحال من الضمير المستكن في {منهم} أو من {فريق} لتخصيصه بالصفة فالواو حينئذ للحال وهي إما مؤكدة لأن التولي والإعراض بمعنى، وإما مبينة لاختلاف متعلقيهما بناءاً على ما قيل: إن التولي عن الداعي والإعراض عن المدعو إليه أو التولي بالبدن والإعراض بالقلب، أو الأول كان من العلماء. والثاني من أتباعهم، وجوز أن لا يكون لها محل من الإعراب بأن تكون تذييلاً أو معترضة، والمراد وهم قوم ديدنهم الإعراض، وبعضهم فسر الجملة بهذا مع اعتبار الحالية ولعله رأى أنه لا يمنع عنها.

ابن عاشور

تفسير : استئناف ابتدائي: للتعجيب من حالة اليهود في شدّة ضلالهم. فالاستفهام في قوله: {ألم تر} للتقرير والتعجيب، وقد جاء الاستعمال في مثله أن يكون الاستفهام داخلاً على نفي الفعل والمراد حصولُ الإقرار بالفعل ليكون التقرير على نفيه محرّضاً للمخاطب على الاعتراف به بناء على أنّه لا يرضى أن يكون ممّن يجهله، وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيم في ربّه}تفسير : في سورة [البقرة: 258]. والرؤية بصرية بدليل تعديتها بحرف إلى: الذي يتعدى به فعل النظر، وجوز صاحب الكشاف في قوله تعالى: {أية : ألم تر إلى الذي أوتوا نصيباً من الكتاب يشترون الضلالة} تفسير : في سورة [النساء: 44]: أن تكون الرؤية قلبية، وتكون (إلى) داخلة على المفعول الأول لتأكيد اتّصال العِلم بالمعلوم وانتهائه المجازي إليه، فتكون مثل قوله: {أية : ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيم}تفسير : [البقرة: 258]. وعُرف المتحدّث عنهم بطريق الموصولية دون لقبهم، أعني اليهودَ: لأنّ في الصلة ما يزيد التعجيب من حالهم؛ لأنّ كونهم على علم من الكتاب قليلٍ أو كثير من شأنه أن يصدّهم عمّا أخبر به عنهم. على ما في هذه الصلة أيضاً من توهين علمهم المزعوم. والكتاب: التوراة فالتعريف للعهد، وهو الظاهر، وقيل: هو للجنس. والمراد بالذين أوتوه هم اليهود، وقيل: أريد النصارى، أي أهل نجران. والنصيب: القسط والحظّ وتقدم عند قوله تعالى: {أية : أولئك لهم نصيب ممّا كسبوا}تفسير : في سورة [البقرة:202]. {وتنكير نصيباً} للنوعية، وليس للتعظيم؛ لأنّ المقام مقام تهاون بهم، ويحتمل أن يكون التنوين للتقليل. و{من} للتبعيض، كما هو الظاهر من لفظ النصيب، فالمراد بالكتاب جنس الكتب، والنصيب هو كتابُهم، والمراد: أوتوا بعض كتابهم، تعريضاً بأنّهم لا يعلمون من كتابهم إلاّ حظّاً يسيراً، ويجوز كون مِن للبيان. والمعنى: أوتوا حظّاً من حظوظ الكمال، هو الكتاب الذي أوتوه. وجملة {يدعون إلى كتاب الله} في موضوع الحال لأنّها محل التعجيب، وذلك باعتبار ضميمة ما عطف عليها، وهو، قوله: {ثم يتولى فريق منهم} لأنّ ذلك هو العجيب لا أصل دعوتهم إلى كتاب الله، وإذا جعلت (تَر) قلبية فجملة يدعون في موضع المفعول الثاني وقد علمتَ بُعده. و{كتاب الله}: القرآن كما في قوله: {أية : نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب اللَّه وراء ظهورهم}تفسير : [البقرة: 101]. فهو غير الكتاب المراد في قوله: {من الكتاب} كما ينبىء به تغيير الأسلوب. والمعنى: يُدعون إلى اتّباع القرآن والنظرِ في معانيه ليحكم بينهم فيأبون. ويجوز أن يكون كتاب الله عين المراد من الكتاب، وإنّما غير اللفظ تفنّناً وتنويهاً بالمدعوّ إليه، أي يُدعون إلى كتابهم ليتأملوا منه، فيعلموا تبشيره برسول يأتي من بعد، وتلميحَه إلى صفاته. روي، في سبب نزول هذه الآية: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مِدْراس اليهود فدعاهم إلى الإسلام، فقال له نُعيم بن عمرو، والحارث بن زَيد: على أيّ دين أنت - قال: على ملة إبراهيم - قالا: فإنّ إبراهيم كان يهودياً. فقال لهما: إنّ بيننا وبينكم التوراة فهلموا إليها، فأبيا، وقوله: {ثم يتولى فريق منهم} (ثم) عاطفة جملة {يتولّى فريق منهم} على جملة {يدعون} فالمعطوفة هنا في حكم المفرد فدلت (ثم) على أنّ تولّيهم مستمر في أزمان كثيرة تبعد عن زمان الدعوة، أي أنّهم لا يرعوون فهم يتولَّون ثم يتولّون؛ لأنّ المرء قد يُعرض غضباً، أو لِعِظَم المفاجأة بالأمر غيرِ المترقَّب، ثم يثوب إليه رشده، ويراجع نفسه، فيرجع، وقد علم أنّ تولّيهم إثر الدعوة دون تراخخٍ حاصل بفحوى الخطاب. فدخول {ثم} للدلالة على التراخي الرتبي؛ لأنّهم قد يتولّون إثر الدعوة، ولكن أريد التعجيب من حالهم كيف يتولّون بعد أن أوتُوا الكتاب ونقلوه، فإذا دُعوا إلى كتابهم تولّوا. والإتيان بالمضارع في قوله: {يتولون} للدلالة على التجدّد كقول جعفر ابن عُلبة الحارثي: شعر : ولا يكشف الغَمَّاء إلاّ ابن حرة يَرَى غَمَراتِ الموتِ ثُم يَزُورها تفسير : والتولّي مجاز عن النفور والإباء، وأصله الإعراض والانصراف عن المكان. وجملة {وهم معرضون} حال مؤكّدة لجملة {يتولّى فريق} إذ التولّي هو الإعراض، ولما كانت حالاً لم تكن فيها دلالة على الدوام والثبات فكانت دالة على تجدّد الإعراض، منهم المفاد أيضاً من المضارع في قوله: {ثم يتولى فريق منهم}. وقوله: {ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار} الإشارة إلى تولّيهم وإعراضهم، والباء للسببية: أي إنّهم فعلوا ما فعلوا بسبب زعمهم أنّهم في أمان من العذاب إلاّ أياماً قليلة، فانعدَم اكتراثهم باتّباع الحق؛ لأنّ اعتقادهم النجاة من عذاب الله على كل حالٍ جَرّأهم على ارتكاب مثل هذا الإعراض. وهذا الاعتقاد مع بطلانه مؤذن أيضاً بسفالة همّتهم الدينية، فكانوا لا ينافسون في تزكية الأنفس. وعبر عن الاعتقاد بالقول دلالة على أنّ هذا الاعتقاد لا دليل عليه وأنّه قول مفتري مدلّس، وهذه العقيدة عقيدة اليهود، كما تقدم في البقرة. وقوله: {وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون} أي ما تقوّلوه على الدِّين وأدخلوه فيه، فلذلك أتي بفي الدالة على الظرفية المجازية. ومن جملة ما كانوا يفترونه قولهم: {أية : لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة}تفسير : [البقرة: 80]، وكانوا أيضاً يزعمون أنّ الله وعد يعقوب ألاّ يعذّب أبناءه. وقد أخبر الله تعالى عن مفاسد هذا الغرور والافتراء بإيقاعها في الضلال الدائم، لأنّ المخالفة إذا لم تكن عن غرور فالإقلاع عنها مرجوٌ، أما المغرور فلا يترقّب منه إقلاع. وقد ابتلي المسلمون بغرور كثير في تفاريع دينهم وافتراءات من الموضوعات عادت على مقاصد الدين وقواعد الشريعة بالإبطال، وتفصيل ذلك في غير هذا المجال. وقوله: {فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه} تفريع عن قوله: {وغرهم في دينهم} أي إذا كان ذلك غروراً فكيف حالهم أو جزاؤهم إذا جمعناهم ووفيناهم جزاءهم والاستفهام هنا مستعمل في التعجيب والتفظيع مجازاً. «وكيف» هنا خبر لمحذوف دل على نوعه السياق، و{إذا} ظرف منتصب بالذي عمِلَ في مظروفه: وهو ما في كيف من معنى الاستفهام التفظيعي كقولك: كيف أنت إذا لقيت العدوّ، وسيجيء زيادة بيان لمثل هذا التركيب عند قوله تعالى: {أية : فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد}تفسير : في سورة [النساء: 41].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات : أوتوا نصيباً من الكتاب: اعطوا حظا وقِسْطا من التوراة. يدعون: يُطْلب إليهم أن يتحاكموا فيما اختلفوا فيه من الحق إلى كتابهم الذي يؤمنون به وهو التوراة فيأبون ويعرضون. يتولى: يرجع وهو مصمم على عدم العودة إلى الحق. أياما معدودات: هذا قول اليهود ويعنون بالأيام الأربعين يوماً تلك التي عبدوا فيها العجل بعد غياب موسى عليه السلام عنه. يفترون: يكذبون. ليوم لا ريب فيه: هو يوم القيامة. ما كسبت: ما عملت من خير أو شر. لا يظلمون: بأن يعذبوا بدون المقتضي لعذابهم من الشرك والكفر والمعاصي. معنى الآيات: ما زال السياق في فضح أهل الكتاب بذكر ذنوبهم وجرائمهم فيقول تعالى لرسوله حاملاً له على التعجب من حال اليهود ألم تر يا رسولنا إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب أي ألم ينته إلى علمك أمرهم حيث يدعون إلى التحاكم إلى كتاب الله تعالى فيما أنكروه واختلفوا فيه من صفاتك وشأن نبُوَّتك ورسالتك، ثم يتولى عدد منهم وهم مصممون على عدم العودة وطلب الحق والإِقرار به. إنها حال تدعو إلى التعجب حقاً، وصارفهم عن قبول الحق. ومراجعته هو إعتقادهم الفاسد بأن النار لا تمسهم إذا ألقوا فيها إلا مدة أربعين يوما وهي المدة التي عبد فيها أسلافهم العجل يوم غاب موسى عنهم لمناجاته ربه تعالى في جبل الطور. وهذه الدعوى باطلة لا أساس لها من الصحة بل يُخلدون في النار لا بعبادة أسلافهم العجل أربعين يوماً بل بكفرهم وظلمهم وجحودهم وعنادهم. ويبين تعالى الحقيقة لرسوله والمؤمنين وهي أن هذه الدعوى اليهودية ما هي إلا فرية افتراها علماؤهم ليهونّوا عليهم ارتكاب الجرائم وغشيان عظائم الذنوب، كما حصل للمسلمين في القرون المظلمة من تاريخ الإِسلام حيث أصبح مشايخ التصوف يُدَجِّلون على المريدين بأنهم سيستغفرون لهم ويغفر لهم. ثم قال تعالى مستعظماً حالهم مهوِّلاً موقفهم: فكيف أي حالهم. إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه وهو يوم القيامة كيف تكون حالهم أنها حال يعجز الوصف عنها، {وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ} من خير أو شر وهم لا يظلمون بنقص حسناتهم إن كانت لهم حسنات، ولا بالزيادة في سيئآتهم وما لهم إلا السَّيئات. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- من الإعراض عن الدين والكفر به رفض التحاكم إليه قال تعالى: {أية : فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً}تفسير : [ النساء: 65]. 2- أفسد شيء للأديان بعقائدها وشرائعها وعباداتها الافتراء فيها والإبتداع عليها والقول فيها بغير علم. 3- مضرّة الإِغترار بما يقوله بعض المفسرين والمحشين على الكتب الدينية من الحكايات والأباطيل بحجة الترغيب أو الترهيب فيغتر بها الناس فيضلوا ويهلكوا. 4- فضيلة ذكر أهوال يوم القيامة وما يلاقي فيها أهل الظلم والشر والفساد وفي القرآن {أية : إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ} تفسير : [ص: 46].

القطان

تفسير : النصيب: الحظ. الكتاب: التوراة. يتولى: يعرض. يفترون: يكذبون. لا ريب فيه: لا شك فيه. ألم تعلم يا محمد حال هؤلاء الذين أُعطوا حظاً من التوراة كيف يُعرضون عن العمل بموجبه حين يُدعون اليه اذا لم يوافق أهواءهم! هذا دأب أرباب الديانات في طور انحلالها واضمحلالها. "حديث : روى البخاري عن عبد الله بن عمر ان اليهود جاءوا الى النبي صلى الله عليه وسلم برجل منهم وامرأة قد زنيا، فقال لهم: كيف تفعلون بمن زنى منكم؟ قالوا: نحمِّهما ونضربهما. فقال: لا تجدون في التوراة الرجم؟ فقالوا: لا نجد فيه شيئاً. قال لهم عبد الله بن سلام ـ وكان من علمائهم وقد أسلم ـ: كذبتم، فأتوا بالتوراة فاتلوها ان كنتم صادقين. فلما جاءوا بها وجدوا فيها آية الرجم، فأمر بهما النبي فرجما"تفسير : . فغضب جماعة من اليهود من ذلك، لأنهم يزعمون ان النار لن تمسّهم الا أياماً معدودات. وقد دفعهم الى ذلك غرورهم بأنفسهم وتكبرهم، حتى لقد صدّقوا ما كانوا يفترون من الكذب على دينهم وما يحرّفون من كتبهم. كيف سيكون حالهم اذا جمعناهم ليوم القيامة، وهو آتٍ لا ريب فيه، حيث توفّى كل نفس جزاء ما عملته من خير أو شر، وبالقسطاس المستقيم!! هناك العدل الكامل، ولا يظلم ربك أحداً.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْكِتَابِ} {كِتَابِ} (23) - يُنكِرُ اللهُ تَعَالى اليَهُودِ رَفْضَهُمُ الأخْذَ بِمَا جَاءَ فِي كُتُبِهِم - التِي يَزْعُمُونَ أنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِهَا - حِينَمَا يَكُونُ الحُكْمُ فِيها لاَ يُوافِقُ أهْوَاءَهُمْ. فَقَدْ زَنَى أحَدُ أشْرَافِ اليَهُودِ فَجَاؤُوا إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَسْألُونَهُ الحُكْمَ فِي الأمْرِ، فَحَكَمَ بَيْنَهُمْ بِمِثْلِ مَا جَاءَ فِي كُتُبِهِمْ. وَحُكْمُ الزِّنَا فِي التَّورَاةِ هُوَ الرَّجْمُ، فَتَولَّوْا عَنْهُ مُعْرِضِينَ. وَلَمْ يَقْبَلُوا حَكْمَهُ. فَهُمْ إنَّمَا جَاؤُوا إليهِ لِيَجِدُوا لَدَيهِ حُكْماً أخَفَّ مِمَّا فِي التَّورَاةِ، وَكَانَ مِنَ المَفْرُوضِ فِيهِمْ ألاَّ يَتَرَدَّدُوا فِي إجَابَةِ الدَّعْوَةِ إلى كِتَابِهِمْ، إذْ أنَّهُ أصْلُ دِينِهِمْ، وَعَلَيْهِ بُنِيَتْ عَقِيدَتُهُمْ. وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى {ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ} إشَارَةٌ إلى أنَّهُمْ يَحْفَظُونَ طَرَفاً مِنْ كِتَابِهِمْ الذِي أوْحَاهُ اللهُ إليهِمْ. وَقَدْ فَقَدُوا سَائِرَهُ، وَأنَّهُمْ لا يُحْسِنُونَ فَهْمَهُ، وَلاَ يَلْتَزِمُونَ العَمَلَ بِهِ. النَّصِيبُ - الحَظُّ وَهُوَ هُنَا طَرَفٌ مِنَ التَّورَاةِ وَشَيءٌ مِنْهُ. التَّوَلِّي - الإِعْراضُ بِالبَدَنِ.

الثعلبي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ} حظاً من التوراة. {يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ ٱللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ}، فقد علمهم أنَّها في التوراة. {وَهُمْ مُّعْرِضُونَ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} {فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ}: أي فكيف يصنعون {لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ}: وهو يوم القيامة. {وَوُفِّيَتْ}: ذكرت. { كُلُّ نَفْسٍ}: برَّ أو فاجر. {مَّا كَسَبَتْ}: أي جزاء ما عملت من خير أو شر. { وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}: لا ينقصون من حسناتهم ولا يُزداد على سيئاتهم. روى الضحاك عن ابن عباس، قال: "أوَّل راية تُرفع لأهل الموقف ذلك اليوم من رايات الكفار راية اليهود، فيقمعهم اللَّه على رؤوس الاشهاد ثم يأمر بهم الى النار". {قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ}، قد روى الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وروى جعفر ابن محمد عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب (عليه السلام): حديث : إنَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "لما أراد اللَّه أنْ ينزّل فاتحة الكتاب، وآية الكرسي، و{شَهِدَ ٱللَّهُ} ، و{قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ} ... إلى {بِغَيْرِ حِسَابٍ} تعلقن بالعرش، وليس بينهن وبين اللَّه حجاب، وقلن: يا رب تهبطنا دار الذنوب وإلى من يعصيك ونحن متعلقات بالطيور والعرش. فقال تعالى: وعزَّتي وجلالي ما من عبد قرأكنَّ في دبر كل صلاة مكتوبة إلاَّ أسكنتهُ حظيرة القدس على ما كان فيه، وإلاّ نظرتُ له بعيني في كل يوم سبعين مرة، وإلاَّ قضيت له في كل يوم سبعين حاجة أدناها المغفرة، وإلاَّ أعذته من كل عدو ونصرته عليه، ولا يمنعه دخول الجنة إلاَّ الشرك ". تفسير : وقال معاذ بن جبل: حديث : أحتبستُ عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يوماً لم أصلِّ معهُ الجمعة. فقال: يا معاذ ما منعك من صلاة الجمعة؟ قلت: يا رسول اللَّه كان ليوحنا اليهودي عليَّ أوقية (من تبر)، وكان على بابي يرصدني، فأشفقت أن يحبسني دونك. فقال: "أتحب يا معاذ أنْ يقضي اللَّه دينك؟ قلت: نعم يا رسول اللَّه. قال: قل {ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ} .. إلى قوله: {بِغَيْرِ حِسَابٍ} ، وقل: "يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمها تُعطي منها ما تشاء وتمنع منها ما تشاء، أقضِ عني دَيني. فإنْ كان عليك ملىء الأرض ذهباً قضاهُ اللَّه عنك" . تفسير : قال قتادة: حديث : ذُكر لنا أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم سأل ربه أنْ يجعل مُلك فارس والروم في أمته، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية. تفسير : وقال ابن عباس، وأنس بن مالك:حديث : لما فتح رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مكة ووعد أمته مُلك فارس والروم. قالت: المنافقين واليهود: هيهات هيهات من أينَ لمحمد مُلك فارس، هم أعزَّ وأمنع من ذلك، ألم يكف محمداً مكة والمدينة حتى طمع في مُلك فارس والروم. فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية. تفسير : وروى كثير بن عبد اللَّه بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده، قال: حديث : خطّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الخندق في عام الأحزاب. ثمّ قطع أربعين ذراعاً بين كلّ عشرة، قال: فاحتج المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسي، وكان رجلاً قوياً، فقال المهاجرون: سلمان مِنّا. وقال الأنصار: سلمان منّا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم "سلمان منّا أهل البيت" . تفسير : قال عمرو بن عوف: حديث : كنتُ أنا وسلمان وحذيفة والنعمان بن مقرن المزني وستة من الأنصار في أربعين ذراعاً، فحفرنا حتى بلغنا الصدى أخرج اللَّه من بطن الخندق صخرة مروة كسرت حديدنا وشقَّت علينا. فقلنا يا سلمان: آت إلى رسول اللَّه وأخبره خبر هذه الصخرة. فإمّا أنْ نعدل عنها فإنَّ المعدل قريب، وإما أن يأمرنا فيها بأمر،فإنّا لا نحب أن نجاوز خطة. قال: فرقى سلمان إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو ضارب عليه قبّة تركية. فقال: يا رسول اللَّه خرجت صخرة بيضاء مروة من بطن الخندق، وكسرت حديدنا وشقت علينا حتى ما يجيء منها قليل ولا كثير، فمرنا فيها بأمرك فإنّا لا نحب أن نجاوز خطك، قال: فهبط رسول اللَّه مع سلمان الخندق وبقينا نحن التسعة على شفة الخندق. فأخذ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم المعول من سلمان فضربها ضربة صدعها، وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها، يعني المدينة، حتى لكأن مصباحاً في جوف بيت مظلم، فكبَّر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم تكبير فَتْح، وكبَّر المسلمون، ثم ضربها صلى الله عليه وسلم فكسرها،وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحاً في جوف بيتُ مظلم، فكبَّر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم تكبير فتح، وكبَّر المسلمون معه. فأخذ بيد سلمان ورقى. فقال سلمان: بأبي أنت وأمي يا رسول اللَّه لقد رأيتُ شيئاً ما رأيتُ مثلهُ قط فالتفت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى القوم فقال: رأيتم ما يقول سلمان؟ قالوا: نعم يا رسول اللَّه (بأبينا أنت وأمّنا وقد رأيناك تضرب فيخرج برق كالموج، فرأيناك تكبّر فنكبّر ولا نرى شيئاً غير ذلك) قال: ضربت ضربتي الأولى، فبرق الذي رأيتم، أضاءت لي منها قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبرائيل (عليه السلام) أنَّ أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربت ضربتي الثانية فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور نصرى من أرض الروم كأنَّها أنياب الكلاب، وأخبرني جبرائيل (عليه السلام) أنَّ أمتي ظاهرة عليها. (ثم ضربت ضربتي الثالثة فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبرائيل أنَّ أمتي ظاهرة عليها) فأبشروا. فاستبشر المسلمون، وقالوا: الحمد لله موعود صدق بأن وعدنا النصرُ بعد الحصر. (فطبقت الأحزاب فقال: المسلمون: {هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} [الآية: 22] . تفسير : وقال المنافقون: ألا تعجبون يُمنّيكم ويعدكم الباطل، ويخبركم أنَّه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأنَّها تفتح لكم وأنتم إنَّما تحفرون الخندق من الفرق لا تستطيعون أنْ تبرزوا، قال: فأنزل القرآن: {وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً} [الأحزاب: 12] وأنزل اللَّه في هذه القصة قوله تعالى: {قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ }. واختلف النحاة في وجه دخول الميم في هذا الاسم وأصلهُ (اللَّه) وفي نصبه. وقال بعضهم: إنَّما أُدخل الميم في آخره بدلاً من حرف النداء المحذوف من أوله؛ لأنَّ أصلهُ (يا اللَّه) فحذفت حرف النداء وأُدخلت الميم خلفاً منه. كما قالوا: فم، ودم، وزر، قم مُحذف وستهم، وما أشبه ذلك من الأسماء والنعوت التي يحذف منها الحرف. واحتجوا بأنّ نحوها من الأسماء والنعوت إذا حُذف منها حرف أُبدل مكانهُ ميم، ولمّا كان المحذوف من هذا الاسم حرفين كان البدل ميمين، فأدغمت إحداها في الأُخرى فجاء التشديد لذلك، وفي سائر أخواتها مخففة؛ لأنَّ المحذوف حرف واحد ثم نُصب لحق التضعيف. وأنكر الآخرون هذه القول وقالوا: سمعنا العرب يدخل الميم فيه مع ياء النداء وأنشد الفرّاء: شعر : وما عليكِ أنْ تقولي كلما سبحتَّ أو هللت يا اللّهمّ ما اردد علينا شيخنا مسلما فإنّنا من خيره لن نعدما تفسير : قالوا: ونرى أنَّما أصله اللَّه في الدعاء. بمعنى (يا اللَّه) ضُم إليها أمَّ وحذف حرف النداء. يُراد يا الله آتنا الخير أي: أقصدنا به ثمّ ضرب في الكلام حتى اختلطت به. فحذفت الهمزة استخفافاً كقولهم: هلَّم إلينا كان أصلهُ هل لم إلينا، أي أقصد أو أسرع. ثم كُثرت هذه اللفظة حتى قالوا: لاهم بمعنى اللهم، وربما خفضوا ميمها أيضاً، واللَّه أعلم. وقال أبو رجاء العطاردي: هذه الميم في قوله: (اللَّهم): تجمع سبعين اسماً من أسمائه عزَّ وجلَّ مالك المُلك. قال اللَّه تعالى في بعض الكتب: أنا اللَّه مالك الملوك ومالك الملك، قلوب الملوك ونواصيها بيدي، فإذا العباد أطاعوني جعلت عليهم رحمة، وإذا العباد عصوني جعلت عليهم عقوبة، فلا تشتغلوا بسبَّ الملوك، ولكن توبوا إليَّ اعطفهم عليكم. {تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ}، قال مجاهد وسعيد بن جبير: يعني ملك النبوة، الكلبي: {تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ} محمد وأصحابه، {وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ}: أبي جهل وصناديد قريش. وقال معتصم: {تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ}: العرب. {وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ}: الروم والعجم وسائر الأمم. السدَّي: {تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ}: آتى اللَّه الأنبياء وأمر العباد بطاعتهم. {وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ}: نزع من الجبّارين وأمر العباد بخلافهم. وقيل: {تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ}: آدم وولده، {وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ} إبليس وجُنده. وقيل: {تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ}: داود. {وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ}: جالوت. وقيل: {تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ}: صخراً. {وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ}: سليمان (عليه السلام)كان يطعم الخبز الجواري ويأكل خبز الشعير، وكان يلبس المرقعة ولم ينظر أربعين سنة إلى السماء تخشيّاً لله. وكان يدخل المسجد فيرتاد فقيراً يقعد بجنبهِ، ويقول: مسكينٌ جالس مسكيناً {وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ}: ملك النفس حتى يغلبهُ هواه ويتخذهُ إلهاً. كما قال اللَّه عزَّ وجل {أية : أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ} تفسير : [الجاثية: 23]. وقال الشاعر: شعر : ملكتُ نفسي فذاك ملكٌ ما مثلهُ للأنام ملكٌ فصرتُ حراً بملك نفسي فما لخلق عليَّ ملكٌ تفسير : آخر: شعر : من ملك النفس فحر (ضاهي) والعبدُ من يملكهُ هواه تفسير : وقيل: هو ملك العافية. قال اللَّه تعالى: {أية : وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً} تفسير : [المائدة: 20]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أصبح منكم آمناً في سربه. معافىً في بدنه، وعندهُ قوت يومهِ؛ فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ". تفسير : وقيل: هو القناعة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ملوك أمتي القانع يوماً بيوم، فمن أوتي ذلك فلم يقبلهُ بقبوله ولم يصبر عليه شاكراً قصر عملهُ، وقل عقلهُ ". تفسير : وعن ابن المبارك قال: دخلت على سفيان الثوري بمكة، فوجدتهُ مريضاً شارب دواء، وبه غمٌ شديد فسلمتُ عليه، وقلت: مالك يا عبد اللَّه؟ فقال: أنا مريضٌ شارب دواء وبيَّ غمٌ شديد، فقلتُ: أعندك بصلة؟ قال: نعم، فقلت: آتيني بها فأتاني بها، فكسرتها ثم قلتُ: شِمَّها فشَمَّها؛ فعطس عند ذلك فقال: الحمدُ لله ربَّ العالمين، فسكن ما به، فقال لي: يا بن المبارك أنت فقيه وطبيب أو قال: عالمٌ وطبيب، فقلت لهُ: مجرّب يا أبا عبد اللَّه. قال: فلمّا رأيته سكن ما بهِ وطابت نفسهُ. قلتُ: إني أريد أنْ أسألك حديثاً. فقال: سلْ ما شئتَ. فقلت: أخبرني ما الناس؟ قال: الفقهاء. قلتُ: فما الملوك؟ قال: الزَّهادْ. قلتُ: فما الاشراف؟ قال: الأتقياء. قلتُ: فما الغوغاء؟ قال: الذين يكتبون الأحاديث ليستأكلوا به أموال الناس. قلت له: أخبرني رحمك اللَّه: ما السفلة؟ قال: الظلمة. ثم ودّعتهُ وخرجت من عنده. قال: يا ابن المبارك عليك بهذا الخبر فإنهُ موجود رخيص قبل أنْ يغلوا فلا يوجد بالثمن. وقال عبد العزيز بن يحيى: {تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ}: يعني الملك على المهين وقهر الشيطان. كما قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّ الشيطان ليجري من بني آدم مجرى الدم ". تفسير : وقال تعالى: {تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ}: يعني ملك المعرفة، كما آتى السحرة: {وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ}، كما نزع من إبليس وبلعام. الحسين بن الفضل: {تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ}: يعني ملك الجنة كما آتى المؤمنين قال اللَّه تعالى: {وَمُلْكًا كَبِيرًا}، {وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ}: كما نُزع من الكفار وأهل النَّار. أبو عثمان: أراد (بالملك): توفيق للإيمان والطاعة. وحكى الاستاذ أبو سعيد الواعظ: إنَّهُ سمع بعض زهّاد اليمن يقول: هو قيام الليل. الشبلي: الاستغناء بالمكوِن عن الكونين. الواسطي: افتخر الملوك بالملك. فأخبرهم اللَّه تعالى أنَّ الملك (زائل) عندهم لقوله تعالى: {تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ} . قالت الحكماء في هذه الآية: هذا إخبار عن كمال القدرة. وأنَّ القادر على الكمال هو القادر على الشيء وضده، فأخبر أنَّه قادر على أن يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء. {وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ}: قال عطا: تعز من تشاء: المهاجرين والأنصار، وتذل من تشاء: فارس والروم. وقيل: {وَتُعِزُّ مَن تَشَآء}: محمداً وأصحابه حين دخلوا مكة وعشرة آلاف ظاهرين عليها، وتذل من تشاء: أبا جهل وأصحابه حين حزَّوا رؤوسهم وألُقوا في القليب. وقيل: {وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ}: بالايمان والمعرفة. وتذل من تشاء: بالخذلان والحرمان. وقيل: {وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ}: بالتمليك والتسليط. وتذل من تشاء: بسلب الملك وتسليط عدوهُ عليه. الورّاق: {وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ}: بقهر النفس ومخالفة الهوى. {وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ}: باتباع الهوى. الكياني: {وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ}: بقهرهِ الشيطان. {وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ}: بقهر الشيطان لنا. وقيل: {وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ}: بالقناعة والرضا. {وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ}: بالخزي والطمع. قال الثعلبي (رحمه اللَّه): وسمعتُ السلمي يقول: سمعت عبد اللَّه بن علي يقول: سمعت محمد بن الفضل يقول: سمعت الزبير بن عبد الواحد يقول: سمعت بنان الحمّال يقول: الحرَّ عبدٌ ما طمع. والعبد حرٌ ما قنع. وقال وهب: خرج الغنى والعز يجولان فلقيا القناعة فاستقرا. وقال عيسى (عليه السلام) لأصحابه: لأنتم أغنى من الملوك. قالوا: كيف يا روح اللَّه ولسنا نملك شيئاً؟ قال: أنتم ليس عندكم شيء ولا تريدونها، وعندهم أشياء ولا تكفيهم. وللشافعي (رضي الله عنه): شعر : ألاَّ يا نفس أنْ ترضي بقوت فأنتِ عزيزة أبداً غنَّية دعي عنكِ المطامع والاماني فكم أمنية جلبت منيَّة تفسير : وقال الآخر: شعر : أفادتني القناعة كل عز وهل عزٌّ أعزُّ من القناعة فصيرَّها لنفسك رأس مال وصيّرها مع التقوى بضاعة تفسير : وقيل: {وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ}: بالإخلاص، وتذلُ مَن تشاء: بالرياء. وقال الحسن بن الفضل: {وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ}: بالجنة والرؤيا. {وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ}: بالنار والحجاب. {بِيَدِكَ الْخَيْرُ}: يعني الخير والشر، فأكتفي بذكر الخير؛ فإنَّهُ الأفضل والاغلب كقوله تعالى: {أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ} تفسير : [النحل: 81]: أي الحر والبرد {إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. {تُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلْنَّهَارِ}: (أي تدخل ما نقص من أحدهما في الآخر) حتى يكون النهار خمس عشرة ساعة (وهو أطول ما يكون)، والليل تسع ساعات، (وهو أقصر ما يكون). {وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ}: حتى يكون الليل خمس (عشر) ساعة، والنهار تسع ساعات فما نقص عن هذا زيدَ في الآخر نظير قوله تعالى: {أية : يُكَوِّرُ ٱللَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّـهَارَ عَلَى ٱللَّيْلِ} تفسير : [الزمر: 5]. قال سعيد بن جبير: يوم وليلة ويوم وليلة عند خلق السماوات والأرض إلى أن تقوم الساعة، ثم قرأ: {يولج الليل في النهار ويولج النَّهار في الليل} . {يخرج الحي مِن الميت ويخرج الميتَ من الحي} قال ابن مسعود وابن جبير ومجاهد وقتادة والضحّاك وإبراهيم والسدَّي وإسماعيل بن أبي خالد وعبد الرحمن بن زيد: يخرج الحيوان من النطفة وهي ميتة، ويخرج النطفة من الحيوان. عكرمة والكلبي: {يخرج الحي من الميت}، أي الفرخ من البيضة ويخرج البيضة من الطير. أبو مالك: يخرج النخلة من النواة، ويخرج النواة من النخلة، ويخرج السنبلة من الحبة والحبّة من السنبلة. الحسن: يخرج المؤمن من الكافر، ويخرج الكافر من المؤمن، والمؤمن عبدٌ حي الفؤاد، والكافر عبدٌ ميتُ الفؤاد يدل عليه قوله: {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ...}تفسير : [الأنعام: 122]. معمر عن الزهري: حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على بعض نسائه، فإذا بإمرأة حسنة الهيئة، فقال: من هذه؟ قالت: إحدى خالاتك، فقال: إن خالاتي بهذه البلاد (كثير) أي خالاتي هذه؟ قالت: هذه خالدة بنت الأسود بن عبد يغوث، فقال: "سبحان اللَّه الذي يخرج الحي من الميت"تفسير : . وكانت امرأة صالحة. وكان مات أبوها كافراً. الفرّاء: يخرج الطيب من الخبيث والخبيث من الطيب. وقال أهل الاشارة: يخرج الحكمة من قلب الفاجر حتى لا تستقر فيه، والسَّقطة من لسان العارف. { وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}، {لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} قال ابن عباس: كان الحجّاج بن عمرو وابن أبي الحقيق وقيس بن زيد ظفروا بنفر من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم، فقال رفاعة بن المنذر وعبدالله بن حبير وسعد بن جهيمة لأولئك النفر: أجتنبوا هؤلاء اليهود، واحذروا لزومهم ومخاطبتهم وملازمتهم فأنزل اللَّه تعالى فيهم هذه الآية. وقال المقاتلان: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وغيره، كانوا يظهرون المودَّة لكفار مكة فنهاهم اللَّه عزَّ وجل عن ذلك. الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، قال: نزلت في المنافقين عبد اللَّه بن أُبي وأصحابه، كانوا يتولون اليهود والمشركين ويأتونهم بالأخبار، ويرجون أنْ يكون لهم الظفر على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية، ونهى المؤمنين عن مثل فعلهم. وروى يوسف بن داود الضبي عن بعضهم، قال: {لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} بالرفع خبراً عنهم وفيه معنى النهي كقوله تعالى: {أية : ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} تفسير : [البقرة: 2]. جوبير عن الضحاك عن ابن عباس: نزلت في عُبادة بن الصامت الأنصاري، وكان بدرياً تقياً، وكان له حلفاء من اليهود، فلمّا خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب، قال عبادة: يا نبي اللَّه إنَّ معي خمسمائة رجل من اليهود، وقد رأيت أن يخرجوا معي فاستظهرتهم على العدَّو، فأنزل اللَّه تعالى: {لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ} الآية. {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ}: أي موالاة الكفار في نقل الأخبار إليهم، وإظهارهم على عدَّة المسلمين، {فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيْءٍ}: وفيه اختصار، أي ليس من دين اللَّه في شيء. وقال الحسن والسدَّي: ليس من الولاية في شيء، فقد بريء اللَّه منهُ، ثم استثنى فقال: { إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً}: يعني: إلاَّ أنْ تخافوا منهم مخافة. وقرأ أبو العالية عن الحسن، والضحاك وأبو رجاء وجابر بن زيد وحميد بن مجاهد: تقية على وزن نقية، [وخالفهما] أبو حاتم قال: لأنهم كتبوها بالياء مثل حصاة ونواة إلاَّ بالألف. قرأ حمزة والكسائي وخلف: "تقية" بالاحتجاج فكان الياء. وقرأ الباقون "تقاة" بالتضميم. وأختاره أبو عبيدة. وقرأ الأخفش: "تقاءة" مثل تكأة ويؤده ونحوها، وهي مصدر (أتقى) ومثال تقيهُ تُقاةً وتقية وتقيٌ وتقوى، وإذا قلت: اتقنت كان مصدرهُ الاتقاء، وإنَّما قال: "تتقوا" من الأتقياء، ثم قال: "تقاة" ولم يقل أتَّقاء؛ لأن العرب إذا كان بالكلمتين واحداً واختلف ألفاظها أخرجوا مصدر أحد اللفظين مصدر اللفظ الآخر فيقولون: التقيتُ فلاناً لقاءً حسناً. وقال القطامي في وصف غيث: شعر : قد لجّ بجانب الجبلين........ ركام يحفر الترب احتفاراً تفسير : ولم يقل حفراً قال اللَّه تعالى: {أية : وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً} تفسير : [نوح: 17] . وقال: {أية : وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً} تفسير : [المزمل: 8]. وأما معنى الآية فقال المفسرون: نهى اللَّه عزَّ وجلَّ المؤمنين عن ملاطفة الكافرين وموالاتهم ومداهنتهم ومبايعتهم إلاَّ أنْ يكون الكفَّار ظاهرين غالبين، أو يكون المؤمن في قوم كفَّار ليس فيهم غيره، ويخافهم ويداريهم باللسان وقلبه مطمئنُ بالإيمان دفعاً عن نفسه من غير أنْ يسفك دماً حراماً، أو مالاً حراماً، أو يُظهر الكافرين على عورة المؤمنين، فالمتَّقي لا يكون إلاَّ مع خوف القتل وسلامة النية كفعل عمار بن ياسر. عبد الرحمن بن حرملة عن ابن المسيب، قال: ورد رجلٌ على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة فقال: ما أراني إلاَّ قد هلكت، قال: مالك؟ قال: قد عذّبني قريش. فقلت: ما قالوا؟ قال: كيف كان قلبك؟ قال: مطمئن، قال: فإنْ عادوا لك فعد لهم مثل ذلك، قالها ثلاث مرات. المسيب بن عبيدة عن إبراهيم، قال: قال ابن مسعود: خالطوا النَّاس ونائلوهم وصافحوهم بما يشتهون، ودينكم لا يكون به ريبة. وقال صعصعة بن صوحان لأسامة بن زيد: أنا كنت أحبُّ إلى أبيك منك، وأنت أحبُّ إليَّ من أبي ولذا أوصيك بخصلتين: خالص المؤمن وخالق الكافر؛ فإنَّ الكافر يرضى منك بالخلق الحسن، ويحق عليك أن تُخالص المؤمن. وروي عن جعفر بن محمد الصادق أنَّه قال: التقية واجبة، وإني لأسمع الرجل في المسجد يشتمني فأستر بالسارية منهُ لئلا يراني. وقال: الرياء مع المؤمن شرك ومع المنافق في داره عباده. وأنكر قوم التقيَّة اليوم: فقال معاذ بن جبل عن مجاهد: كانت التقيَّة في جُدة الإسلام قبل استحكام الدين وقوة المسلمين، فأمّا اليوم فقد أعزَّ اللَّه عزَّ وجل الإسلام، فليس ينبغي لأهل الإسلام أنْ يتّقوا من عدوهم. وقال يحيى البكاء: قلتُ لسعيد بن جبير في أيام الحجّاج: إنَّ الحسن كان يقول لكم: التقيَّة باللسان والقلب مطمئن بالإيمان. قال سعيد: ليس في الإسلام تقيَّة إنَّما التقيّة في أهل الحرب. { وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ}: أي يخوّفكم اللَّه على موالاة الكفار وارتكاب المنهي ومخالفة المأمور من نفسه. قال المفسرون: من عذاب نفسه وعقوبته وبطشه. وقال أهل المعاني: معناه ويحذّركم اللَّه إيَّاه؛ لأن الشيء والنفس والذات والإسم عبارة عن الوجود، ونفس الشيء هو الشيء بعينه كقوله: {أية : أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ} تفسير : [النساء: 66]: أي ليقتل بعضكم بعضاً. وقال الأعشى: شعر : يوماً بأجود نائلاً منه إذا نفس البخيل تجهمت سؤالها تفسير : أراد إذا البخيل تجهم سؤاله. { وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ}، {قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ}: قلوبكم من مودة الكفَّار. {أَوْ تُبْدُوهُ}: من موالاتهم قولا وفعلا، {يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ}: وقال الكلبي: أي ستروا ما في قلوبكم لرسول اللَّه من التكذيب، ويظهرون بحربه. وقال: يعلمه اللَّه ويحفظ عليكم حتى يحاربكم به ويعاقبكم عليه، ثم قال: {وَيَعْلَمُ}: رفع على الاستئناف كقولهم: {أية : قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ} تفسير : [التوبة: 14، 15] بالرفع. وقوله: {أية : فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَاطِلَ} تفسير : [الشورى: 24]، ثم قال: {أية : وَيُحِقُّ ٱلْحَقَّ} تفسير : [الشورى: 24]: وكيف يخفى عليه موالاتكم الكافرين وميلكم إليهم، مودَّة بالقلب: أي معونة بالقلب والفعل. {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ}: نصب يوماً، نزع حرف الصفة أي في يوم. وقيل: نصب بإضمار فعل، أي: إذكروا واتقوا {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً}: موفراً لم يبخس منه شيء. قراءة العامة بنصب الضاد على المفعول قد صدَّهم قوله: {أية : وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً} تفسير : [الكهف: 49]: وقرأ عبيد عن عُمير محضراً بكسر الضاد يريد أن عمله يحضره الجنَّة يسرع به من الحضور أو الحضر. {وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ}: جعل بعضهم خبراً في موضع النصب، وأعمل فيها الوجود وجعل عملت صلة لها، أي: ويجد عملها، وجَعله بعضه خبراً مستأنفاً، وحينئذ يجوز في { تَوَدُّ} الرفع، والجزم، دليل هذا التأويل: قراءة عبد اللَّه {وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ تَوَدُّ} . {لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا}: بين النفس {وَبَيْنَهُ}: يعني بين السوء {أَمَدَاً بَعِيداً}: والأمد: الأجل والغاية التَّي ينتهي إليها. قال اللَّه: {أية : أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّيۤ أَمَداً} تفسير : [الجن: 25]، وقال: {أية : فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ} تفسير : [الحديد: 16]. قال النابغة: شعر : ألا لمثلك أو من أنت سابقة بسبق الجواد إذا إستويا على الأمد تفسير : قال السدي: أمداً بعيداً أي: مكان بعيد. مقاتل: كما بين المشرق والمغرب. قال الحسن: ليس أحدهم أن لا يلقى عمله أبداً ولا يوَدَّ لو أن يعلمه. {وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ}: أي بالمؤمنين منهم. {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ} الآية، قال الحسن وابن جريج: زعم أقوام على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنَّهم يحبَّون اللَّه، فقالوا: يا محمَّد إنَّا نحبُ ربَّنا، فأنزل اللَّه عز وجل هذه الآية، وجعل إتبَّاع نبيه عَلماً لحبَّه تعالى. وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: وقف النبي صلى الله عليه وسلم على قريش وهم في المسجد الحرام، وقد نصبوا أصنامهم وعلَّقوا عليها بعض النعام وجعلوا في آذانها السيوف وهم يسجدون لها. فقال: يا معشر قريش واللَّه لقد خالفتم ملَّة أبيكم إبراهيم وإسماعيل، ولقد كانا على الإسلام. فقالت له قريش: يا محمَّد إنَّا نعبدها حبَّاً لله، ليقرّبونا إلى الله زلفى، فقال الله تعالى: قل يا محمّد إنْ كنتم تحبّون الله وتعبدون الأصنام ليقرّبوكم إليه فاتبعوني يحببكم اللَّه، وأنا رسوله إليكم وحجتَّه عليكم وأنا أولى بالتعظيم من الأصنام. وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: إنَّ اليهود لمَّا قالوا: نحن أبناء اللَّه وأحباؤه، أنزل اللَّه هذه الآية، فلمَّا نزلت عرضها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على اليهود، فأبوا أن يقبلوها. روى محمد بن إسحاق عن محمَّد بن جعفر عن الزبير: قال: نزلت في نصارى أهل نجران وذلك أنَّهم قالوا: إنَّا نعظم المسيح ونعبده حبَّاً لله سبحانه وتعظيماً له، فقال الله: قل يا محمّد: إنْ كنتم تحبّون الله وكان عظيم قولكم في عيسى حبّاً لله سبحانه وتعالى وتعظيماً له فاتَّبعوني يحببكم اللَّه، أي: إتَّبعوا شريعتي وسنتي يحببكم اللَّه، وحب المؤمنين لله إتباعهم أمره وقصدهم طاعته ورضاه، وحبَّه عزَّ وجلَّ للمؤمنين (منّة) عليهم وثوابه لهم وعفوه عنهم وذلك قوله: {وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} . قال الثعلبي: أنشدنا أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدنا أبو أحمد محمد بن ابراهيم الصريمي قال: أنشدنا علي بن محمد قال: أنشدني الحسن بن إبراهيم البجلي لعبد اللَّه بن المبارك: شعر : تعصي الإله وأنت تظهر حبَّه هذا لعمري في الفعال قبيح لو كان حبّك صادقاً لأطعته إنَّ المحب لمن يحبُّ مطيع تفسير : عروه عن عائشة قالت: حديث : قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم "الشرك أخفّ من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء، وأدناه أن تحبّ على شيء من الجور أو تبغض على شيء من العدل وهل الدين إلاّ الحبّ في الله والبغض في الله قال اللَّه: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ} . تفسير : فلما نزلت هذه الآية قال عبد اللَّه بن أُبي (لأصحابه: إنّ محمّداً يجعل طاعته كطاعة الله ويأمرنا أن نحبّه) كما أحبت النصارى عيسى ابن مريم، فنزل: {قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ}: أعرضوا عن طاعتهما. {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَافِرِينَ}: لا يرضى فعلهم ولا شيء لهم ولا يغفر لهم. وكيع عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم "حديث : من أطاعني فقد أطاع اللَّه ومن أطاع الإمام فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى اللَّه ومن عصى الإمام فقد عصاني ".

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ونعرف أننا ساعة نسمع قول الحق: {أَلَمْ تَرَ} [آل عمران: 23] فهنا همزة استفهام، وهنا أداة نفي هي "لم"، وهنا "تر" ومعناها أن يستخدم الإنسان آلة الإبصار وهي العين. فإذا ما قال الله لرسوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ ٱللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُمْ مُّعْرِضُونَ} [آل عمران: 23]. إن هذه دعوة لأمر واضح. لكن في بعض الأحيان تأتي {أَلَمْ تَرَ} [آل عمران: 23] في حادث كان زمانه قبل بعثته صلى الله عليه وسلم فلم يره رسول الله كقول الحق:{أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ}تفسير : [الفيل: 1]. إن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير أصحاب الفيل، إذن فساعة تسمع {أَلَمْ تَرَ} [آل عمران: 23]، إن كان حدثها من المعاصر، فمن الممكن أن تكون رؤية، والرؤية تؤدي إلى علم يقين، لأنها رؤية لمشهود, وإن جاءت {أَلَمْ تَرَ} [آل عمران: 23] في أمر قد حدث من قبل، أو أمر لما يحدث بعد فهي تعني "ألم تعلم"؛ لأن الرؤية سيدة الأدلة، فكأن الله سبحانه وتعالى ساعة يقول لرسوله في حدث لم يشهده الرسول: ألم تر؟ فهذا معناه: ألم تعلم؟ وقد يقول قائل: ولماذا لم يأت بـ "تعلم" وجاء بـ (تر)؟ لأن سيادة الأدلة هو الدليل المرئي، فكأن الله يريد أن يخبرنا بـ {أَلَمْ تَرَ} [آل عمران: 23] أن نأخذ المعلومة من الله على أنها مرئية، وليكن ربك أوثق عندك من عينك، إنك قد لا ترى بالفعل هذا الأمر الذي يخبرك به الله، ولكن لأن القائل هو الله، ولا توجد قدرة تُخرج ما يقوله الله على غير ما يقوله الله. لذلك فقد قلنا ساعة يعبر الله عن الأمر المستقبل الذي سيأتي بعد، فإنه قد يعبر عنه بالماضي، فالحق قد قال: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ}تفسير : [النحل: 1]. فهل ينسجم قوله: "أتى أمر الله" مع "فلا تستعجلوه"؟ إن الأمر الذي يخبرنا به الله قد أتى، فكيف يمكن عدم استعجاله؟ إن "أتى" معناها أن الأمر قد حصل قبل أن يتكلم. يجب علينا إذن أن نعرف أن الذي قال: "أتى" قادر على الإتيان به، فكأنه أمر واقع، إنها مسألة لا تحتاج إلى جدال؛ لأنه لا توجد قوة تستطيع أن تنازع الله لتبرز أمراً أراده في غير مراده. فكأن قوله الحق: {أَلَمْ تَرَ} [آل عمران: 23] إن كانت تحكي عن حدث فات زمنه فالذي يأتي منها هو العلم، لأنه إخبار الله، وإن كانت تحكي عن حدث معاصر فالذي يأتي منه أيضاً هو العلم؛ لأنه صادر عن رؤية ومشاهدة. وعندما يقول الحق: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ} [آل عمران: 23]. "وأوتوا" تلفتنا إلى قوم قد نزل إليهم منهج من أعلى. وذلك يأتي في القرآن ذكر المنهج بـ "نزل" و"أنزل"، وذلك حتى نشعر بعلو المكانة التي نزل منها المنهج. وما هو النصيب؟ إننا نسمي النصيب "الحظ"، أو خارج القسمة، كأن يكون عندنا عشرون ديناراً، ونقسمها على أربعة فيكون لكل واحد خمسة، هذه الخمسة الدنانير هي التي تسمى "نصيباً" أو "حظاً"، والنصيب: "حظ" أو "قسمة" يضاف لمن أخذه. إذن، فلماذا يقول الحق: {ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ} [آل عمران: 23] إنها لفتة جميلة، فالكتاب كله لم يبق لهم، إنما الذي وصل وانتهى إليهم جزء بسيط من الكتاب، فكأن هذه الكلمة تنبه الرسول والسامعين له أن يعذروا هؤلاء القوم حيث لم يصلهم من الكتاب إلا جزء يسير منه، إن نصيباً من الكتاب فقط هو الذي وصلهم. ويشرح الحق ذلك في آيات أخرى: {أية : فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ}تفسير : [المائدة: 13]. إن الجزء المنسي من الكتاب لم يأخذه المعاصرون لرسول الله. وقلنا أيضاً: إن الحق قد أوضح أن بعضهم كتم بعضاً من الكتاب. {أية : ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}تفسير : [البقرة: 146]. وما دام هناك من كتم بعضاً من الكتاب فمعنى ذلك كتمانه عن المعاصرين له، وهناك أناس منهم مخدوعون، فشيء من الكتاب قد نسي، وبالتالي مسح من الذاكرة، وهناك شيء من الكتاب قد كتم، فصار معلوماً عند البعض، وغير معلوم عند البعض الآخر، وحتى الذي لم يكتموه، جاء فيه القول الحكيم: {أية : وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}تفسير : [آل عمران: 78]. إذن فالكتاب الذي أنزل إليهم من الله قد تعرض لأكثر من عدوان منهم، ولم يبق إلا حظ من الكتاب، وهذا الحظ من الكتاب هو الذي يجادل القرآن به هؤلاء الناس، إن القرآن لا يجادلهم فيما تبدل عندهم بفعل أحبارهم ورهبانهم السابقين، ولكنه يجادلهم بالنصيب الذي أوتوه. يقول الحق: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ ٱللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُمْ مُّعْرِضُونَ} [آل عمران: 23]. وعن أي كتاب لله تتحدث هذه الآية؟ هل تتحدث عن القرآن؟ لو كان الحديث عن القرآن فلا بد أنه حُكِّمَ في أمر بينهم وبين رسول الله، لكن الذين أوتوا نصيباً من الكتاب قد اختلفوا فيما بينهم، ولماذا يختلفون فيما بينهم؟ السبب هو أيضاً لون من البغي فيما بينهم. وإذا كان الكتاب هو القرآن، أليس القرآن مصدقاً لما معهم؟ إذن فعندما يدعون ليتم التصديق على ما جاء في كتبهم، فالدعوة هنا لأن يسود حكم القرآن. وما معنى {يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ ٱللَّهِ} [آل عمران: 23]، إن الداعي هو الرسول صلى الله عليه وسلم، وهم المدعون، وما دام الحق قد قال: {أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ} [آل عمران: 23] فهل كان خلافهم في النصيب الذي بين أيديهم أم النصيب المحذوف؟ إنه خلاف بينهم في النصيب الذي بين أيديهم، ليكون ذلك حجة على أنهم غير مأمونين حتى على ما وصل إليهم وما هو مكتوب عندهم. وعندما تكلم العلماء عن هذه المسألة أوردوا لذلك الأمر حادثة. لقد اختلفوا في أمر سيدنا إبراهيم وقالوا: إن سيدنا إبراهيم يهودي وقال بعضهم: إنه نصراني. وجاء القرآن حاسماً:{أية : مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ}تفسير : [آل عمران: 67]. لماذا .. لأن كلمة يهودي ونصراني قد جاءت بعد إبراهيم، وكان لا بد لهم أن يخرجوا من قلة الفطنة وأن يرتبوا الأحداث حسب زمانها، إذن ففي إي أمر اختلفوا؟ هل اختلفوا في أمر النبي محمد صلى الله عليه وسلم؟ هل اختلفوا في حكم موجود عندهم في التوراة؟ لقد كانت الدعوة موجهة إليهم في ماذا؟ إنهم {يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ ٱللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ} [آل عمران: 23] وذلك يدل على أن كلمة: {أية : بَغْياً بَيْنَهُمْ}تفسير : [آل عمران: 19]. هي حالة شائعة بينهم، لماذا؟ لأن العلماء حينما ذكروا الحادثة التي دعوا للحكم فيها بكتاب الله، قال العلماء: إن اثنين من يهود خيبر - امرأة - خيبرية ورجل من خيبر، قد زنيا، وكان الاثنان من أشراف القوم، ويريد الذين يحكمون في هذا الأمر بكتاب التوراة ألا يبرزوا حكم الله الذي جاء بالتوراة، وهو الرجم، فاحتالوا حيلة، وهي أن يذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولماذا يذهبون في هذه الجزئية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ إننا نأخذ مجرد الذهاب إلى رسول الله ارتضاء لحكمه. لكن لماذا لم يرتضوا من البداية بكل ما جاء به رسول الله؟ لقد أرادوا أن يذهبوا لعلهم يجدون نفعاً في مسألة يبغونها، أما في غير ذلك فهم لا يذهبون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن مجرد ذهابهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطينا فكرة عنهم، لقد كانوا يريدون حكما مخففا غير الرجم. إن الزاني وهو من خيبر والخيبرية الزانية أرادا أن يستنقذا أنفسهما من حكم التوراة بالرجم، إنهما من أشراف خيبر، ولأن اليهود قد صنعوا لأنفسهم في ذلك الوقت سلطة زمنية، فذهب الزاني والزانية ومعهما الأحبار الذين يريدون أن يلووا حكم الله السابق نزوله في التوراة وهو الرجم. وعندما دخلوا على رسول الله كان هناك واحد اسمه "النعمان بن أوفى"، وواحد اسمه "بحرى بن عمرو" فقالوا: يا رسول اقض بين هؤلاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما معناه: أوَ ليس عندكم حكم؟ وأضاف رسول الله ما معناه: أنا احتكم إلى التوراة وهي كتابكم، فماذا قالوا: ؟قالوا: أنصفتنا. وكان رسول الله قد بين لهم أولاً حكم الإسلام في الزنا بأنه الرجم، وجيء بالجزء الباقي عندهم من التوراة لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يتضمن الحكم الملزم دليلاً على أن الله أطلعه على أشياء لم تكن في بال أحد. فدعا بقسم من التوراة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما معناه: أيكم أعلم بالتوراة؟ فقالوا: شخص اسمه عبد الله بن صورية فأحضروه، وأعطاه التوراة، وقال: اقرأ مجلس عبد الله بن صورية يقرأ، فلما مر على آية الرجم وضع كفه عليها ليخفيها، وقرأ غيرها وكان عبد الله بن سلام حاضراً، فقال: يا رسول الله أما رأيته قد ستر بكفه آية وقرأ غيرها؟ وزحزح ابن سلام كف الرجل، وقرأ هو فإذا هي آيةُ الرجم. هذه المسألة تعطينا أن الحكم في القرآن الكريم هو الحكم في التوراة في أمر الزنا، وتعطينا أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض الله عليه من إلهاماته فجاء بالجزء من التوراة الذي يحمل هذا النص. وجاء بعد ذلك جندي من جنود الله هو عبد الله بن سلام وكان يهودياً قد أسلم ليظهر به رغبة القوم في التزييف والتزوير. وإسلام عبد الله بن سلام له قصة عجيبة، فبعد أن اختمر الإيمان في قلبه، جاء إلى رسول الله قائلاً: لقد شرح الله صدري إلى الإسلام ونطق بكلمة "لا إله إلا الله محمد رسول الله" ولكني أحب قبل أن أعلن إسلامي أن تحضر رؤساء اليهود لتسألهم رأيهم في شخصى، لأن اليهود "قوم بهت" فيهم افتراء وفيهم الكذب وفيهم التضليل، فلما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساء اليهود عن رأيهم في عبد الله بن سلام قالوا: سيدنا وابن سيدنا وحبرنا .. إلخ. وأفاضوا في صفات المدح والإطراء والتقدير. فقال عبد الله بن سلام أمامهم: الآن أشهد ألا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فانقلب رؤساء اليهود، وقالوا في عبد الله بن سلام: عكس ما قالوه أولاً، قالوا: إنه خبيثنا وابن خبيثنا .. إلخ. لقد غيروا المديح إلى ذم. فقال عبد الله بن سلام: يا رسول الله أما قلت لك: إنهم قوم بهت؟ والله لقد أردت أن أعلمك برأيهم فيّ قبل أن أسلم. ذلك هو عبد الله بن سلام الذي زحزح كف عبد الله بن صورية عن النص الذي فيه آية الرجم في التوراة، وفي ذلك جاء القول الحق: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ ٱللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُمْ مُّعْرِضُونَ} [آل عمران: 23] إنهم الذين أعرض فريق منهم عن قبول الحق. ما سبب هذا الإعراض؟ أهو قضية عامة؟ أو أنّ سبب هذا الإعراض هو السلطة الزمنية التي أراد اليهود أن يتخذوها لأنفسهم؟ ومعنى السلطة الزمنية أن يجيء أشخاص فيأخذوا من قداسة الدين ما يفيض عليهم هم قداسة، ويستمتعوا بهذه القداسة ثم يستخدموها في غير قضية الدين، هذا هو معنى السلطة الزمنية. وقلنا سابقاً: إن كل تحوير في منهج الله سببه البغي، والمفروض أن أهل الكتاب من أصحاب التوراة كانوا يستفتحون على العرب ويقولون: سيأتي نبيّ من العرب نتبعه ونقتلكم به قتل عاد وإرم، فلما جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما عرفوه سابقاً في كتبهم كفروا به، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى في مثل هذه القضية موضحاً موقفهم من قضية الإيمان العليا: {أية : وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ}تفسير : [الرعد: 43]. فكأن من عنده علم بالكتاب كان مفروضاً فيه أن يشهد لصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلا فلا يقول الله: "ومن عنده علم الكتاب" لن يقول الحق ذلك إلا إذا كان عند علماء أهل الكتاب ما يتفق مع ما جاء به الله في صدق رسوله صلى الله عليه وسلم في البلاغ عنه، وكان السبب في محاولة بعض اليهود لإنكار رسالة رسول الله هو السلطة الزمنية، وأرادوا أن ييسروا لأتباعهم أمور الدين. إن كل دعي - أي مزيف - في مبدأ من المبادئ يحاول أن يأخذ لنفسه سلطة زمنية، فيأتي إلى تكاليف الدين التي قد يكون فيها مشقة على النفس، ويحاول أن يخفف من هذه التكاليف، أو يأتي بدين فيه تخفيف مخلٍ بالعبادات، فإذا نظرنا إلى مسيلمة الكذاب، نجده قد خفف الصلاة حتى يُرغب في دينه من تشق عليه الصلاة، وينضم إلى دين مسيلمة، وحذف مسيلمة جزءاً من الزكاة، وهذا يعطي فرصة التحلل من تكاليف الدين، ولذلك فالذي أفسد الأديان السابقة على الإسلام أن بعضاً من رجال الدين فيها كلما رأوا قوماً على دين فيه تيسيرات أخذوا من هذه التيسيرات ووضعوها في الدين؛ لأن تكاليف الدين شاقة ولا يحمل إنسان نفسه عليها إلا من آمن بها إيمان صدق وإيمان حق، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى في عمدة العبادات وهي الصلاة: {أية : وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ}تفسير : [البقرة: 45]. ويقول في موقع آخر في القرآن الكريم عن الصلاة: {أية : وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلاَةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَٱلْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ}تفسير : [طه: 132]. إن الحق عليم حكيم بمن خلق وهو الإنسان، ويعلم أن الضعف قد يصيب روح الإنسان فلا يصطبر على الصلاة، أو يراها تكليفاً صعباً، لكن الذي يقيم الصلاة ويحافظ عليها فهو الخاشع لربه. ولذلك فإننا نجد أن كل منحرف يأتي ويحاول أن يخفف من تكاليف الدين، ويحاول أن يحلل أشياء محرمة في الدين، ولم نر منحرفاً يزيد في الأشياء المحرمة. إن المنحرفين يريدون إنقاص الأمور الحرام. وإذا سألنا هؤلاء المنحرفين: لماذا تفعلون ذلك؟ فإننا نجد أنهم يفعلون ذلك لجذب الناس إلى أمور محرمة يحللها هؤلاء المنحرفون. ولذلك أراد أراد بعض من اليهود أن يسهلوا على أتباعهم الدين، وقال بعض من أحبارهم: لا تخافوا من أمر يوم القيامة. وجاء القول الحق يحكي عنهم وكأنهم حاولوا أن يفهموا الأمر بأن الله يحلل لهم أموراً, لا، إن الله لم يحلل إلا الحلال، ولم يحرم إلا الحرام. وإذا كان الحق قد قال: {أية : قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ}تفسير : [التحريم: 2]. فهذا القول الحكيم جاء في مناسبة محددة وينطبق فقط في مجال ما حلل الله فلا تحرمه، أما ما حرم الله فلا تقربه، لقد أرادوا أن يبيحوا للأتباع ارتكاب الآثام، لأن النار لن تصيبهم إلا أياماً معدودة، وإذا دققنا التأمل في القول الحق الذي جاء على لسانهم، فإننا نجد الآتي: إننا نعرف أن لكل حدث زماناً، ولكل حدث قوة يحدث عليها، فمن ناحية الزمان. قال هؤلاء المزوّرون لأحكام الله عن يوم القيامة إنها أيام معدودة، فلا خلود في النار، وحتى لو كان العذاب شديداً فإنه أيام معدودة، فالإنسان يستطيع أن يتحمل، ومن ناحية قوة الحدث، أرادوا أن يخففوا منه، فقالوا: إنه عذاب ليس بشديد إنما هو مجرد مس. إنهم يحاولون إغراء الناس لإفسادهم وقال هؤلاء الأحبار: نحن أبناء الله وأحباؤه أرأيتم أحداً يعذب أبناءه وأحباءه؟ لقد أعطى الله يعقوب النبوة، ولا يمكن أن يعاقب ذريته أبداً، إلا بمقدار تحلة القسم. {أية : وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَٱضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ}تفسير : [ص: 44]. إن أيوب عليه السلام قد حلف أن يضرب امرأته إذا برئ من مرضه مائة سوط، وأراد الله أن يحله في هذا القسم فأمره أن يأخذ حزمة من حشيش أو عشب فيها مائة عود ويضربها بها ضربة خفيفة ليبرّ في قسمه، وكان ذلك رحمة من الله به وبزوجته التي قامت على رعايته وقت المرض، وكان أيوب عبداً شاكراً لله، كأن الضربة الواحدة هي مائة ضربة، وهذا تحليل للقسم، وقال بعض من بني إسرائيل: إن ذرية يعقوب لن تُعذب من الله إلا بمقدار تحلة القسم، وكل ذلك ليزينوا للناس بقاءهم على هذا الدين الذي سوف تكون الآخرة فيه بعذابها مجرد مس من النار، وأيام معدودة، بادعاء أن بني يعقوب هم أبناء الله وأحباؤه، وأن الله قد أعطى وعداً ليعقوب بأنه لن يعذب أبناءه إلا بمقدار تحلة القسم، وهذا بطبيعة الحال هو تزييف لدين الله ومنهجه لقد تولوا عن منهج الله، وأعرضوا عنه بعصيان، يوضح لنا هذا المعنى القول الكريم: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ ...}.

الجيلاني

تفسير : {أَلَمْ تَرَ} أيها الرائي {إِلَى ٱلَّذِينَ} أي: إلى إصرار اليهود وعنادهم مع كونهم {أُوتُواْ نَصِيباً} كاملاً {مِّنَ ٱلْكِتَابِ} أي: التوراة في زعمهم حين {يُدْعَوْنَ} في الوقائع {إِلَىٰ} رجوع {كِتَابِ ٱللَّهِ} الذي يدعون الإيمان والعمل بمقتضاه {لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ} بمقتضى ما أمره الله في كتابه كيف يتكاسلون ويتهاونون {ثُمَّ} يترقى تكاسلهم وتهاونهم إلى أن {يَتَوَلَّىٰ} يستدبر ونبذ {فَرِيقٌ مِّنْهُمْ} الكتاب وراء ظهروهم {وَهُمْ مُّعْرِضُونَ} [آل عمران: 23] عنه وعن أحكامه بالمرة. روي أنه صلى الله عليه وسلم دخل مدارس اليهود، فقال لهم نعيم بن عمرو والحارث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟ فقال: "على دين أبي إبراهيم عليه السلام"، فقال: إن إبراهيم يهودي، فقال صلى الله عليه وسلم: "هلموا كتابكم ليحكم بيننا وبينكم، فأنكروا عليه وامتنعا عن إحضاره فنزلت": {ذٰلِكَ} التولي والإعراض من كثرة الخصلة الذميمة والديدنة الخبيثة، المتركزة في نفوسهم المنسوبة إلى دينهم افتراء {بِأَنَّهُمْ} اعتقدوا {قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ} المعدة لجزاء العصاة {إِلاَّ أَيَّاماً} قلائل {مَّعْدُودَاتٍ} سواء كانت ذنوبنا كثيرة أو قليلة، صغير أو كبيرة {وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} [آل عمران: 24] اي: جرأهم على الذنب والعصيان ما يفترون في شأن دينهم من أمثال هذه الهذايانات، منها قولهم هذا، ومنها اعتقادهم أن آباءهم الأنبياء سيشفعون لهم، وإن عظمت ذنوبهم، ومنها أن يعقوب عليه السلام ناجى مع الله ألاَّ يعذب أولاده إل تحلة القسم. قل لهم يا أكمل الرسل نيابة عنا: {فَكَيْفَ} لا تمسهم النار، اذكر لهم {إِذَا جَمَعْنَاهُمْ} إلينا بعد تفريقهم منا لكسب المعارف والحقائق والمكاشفات والمشاهدات {لِيَوْمٍ} شأنه {لاَّ رَيْبَ فِيهِ} عند من يكاشف له {وَ} بعد جمعنا إياهم {وُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ} جزاء {مَّا كَسَبَتْ} من الحقائق والعرفان والمعاصي والخذلان {وَهُمْ} أي: كل منهم في ذلك اليوم مجزي بما كسبت {لاَ يُظْلَمُونَ} [آل عمران: 25] فالنيل والوصول لأرباب الفضل، والقبول والويل كل الويل لأصحاب الطرد والخمول. أدركنا بلطفك يا خفي الألطاف.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن غرور أهل الغفلة والفتور بقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ ٱللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُمْ مُّعْرِضُونَ} [آل عمران: 23]، {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} [آل عمران: 24]، إشارة في الآيات: إن من أوتي نصيباً إذا ادعي إلى حكم من أحكام الله، أو يدعي إلى ترك الدنيا ومخالفة الهوى، وشيء من الورع والتقوى والقربة إلى المولى، كما أنزل في كتاب الله أخذته الأنفة، ودعته العزة أن يقبل الحق وينقاد له، ويثقل عليه الأسماع ويعرض في الاتباع، فهو مغرور في الدنيا بما يفتري الشيطان ويغويه، وتمنيه الأنفس وتستهويه. {فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ} [آل عمران: 25]، حال المغرور إذا جمعهم الله {لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ} [آل عمران: 25]، في مزرعة الدنيا من الدرجات العلا والدركات السفلي، {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [آل عمران: 25]، بأن ينزل أهل الدرجات في الدركات، وأهل الدركات في الدرجات؛ لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، وإنما خص {ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ} [آل عمران: 23] هذا الاختصاص؛ لأن أكثر ما أدنى نصيباً من العلم الظاهر ولم يؤت نصيباً من العلم الباطن؛ فإنهم أهل العزة بالله بالظاهر، ويغفلون عن الأحوال الباطنة، فيستولي الشيطان على بواطنهم، ويزين لهم الدنيا وشهواتها وشكرهم بلذاتها ورفعة الدرجات، فتهلكهم في واد من أوديتها. ثم أخبر عن كمال عنايته مع أهل ولايته بقوله تعالى: {قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ} [آل عمران: 26]، إشارة في الآيتين: إن الله تعالى هو الملك في الحقيقة، ولا ملك ولا ملك إلا له؛ لأنه ملك له ملك العدم والوجود بالمالكية؛ فإنه كان مالكاً، ولم يكن معه وجود ولا عدم فأبدع بالملكية، فإنه ملك الوجود في مراتب شتى: فمنها: وجود قابل الفناء والعدم؛ وهو عالم الكون والفساد، ومنها: وجود قابل البقاء غير فانٍ ولا عادم؛ وهو عالم يقبل الكون ولا يقبل الفساد، فكان مالك ملك الوجود والعدم بالمالكية؛ لإبداعه، فقوله: {تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ} [آل عمران: 26]؛ يعني: تؤتي ملك الوجود الباقي الذي لا يقبل الفناء {مَن تَشَآءُ} [آل عمران: 26]؛ يعني: الملكية والإنسان، فإن شخص الإنسان قابل للفناء، ولكن روحه لا تقبل الفناء: كالملائكة وعالم الأرواح والملكوت؛ وهو عالم الآخرة، {وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ} [آل عمران: 26]؛ يعني: تنزع ملك الوجود الباقي ممن تشاء من الحيوانات وعالم الكون والفساد. {وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ} [آل عمران: 26]؛ يعني: تعز بعزة الوجود الحقيقي، الذي لا يقبل الكون والفساد من تشاء من الأنبياء والأولياء، دليله قوله تعالى: {أية : وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [المنافقون: 8]، فافهم جيداً. {وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ} [آل عمران: 26]؛ يعني: تذل بذل الغضب والسحت من تشاء من الكافرين والمنافقين، بأن تبطل استعدادهم عن قبول فيض الوجود الحقيقي، دليله قوله تعالى: {أية : وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ...} تفسير : [البقرة: 62]، وفي قوله تعالى: {بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 26]، تضمير الدعاء؛ يعني: اللهم مالك الملك تؤتي من تشاء أنت الذي بيدك الخير كله، فآتني الملك فيمن تشاء أن تؤتيه، وأعزني فيمن تشاء أن تعزه، إنك على شيء من الإيتاء والمنع والإعزاز والإذلال قدير. وقوله: {تُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلْنَّهَارِ} [آل عمران: 27]؛ أي: تولج ظلمانية البشرية النفسانية في نهار أنوار الصفات الروحانية، {وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ} [آل عمران: 27]، أنوار الروحانية في ظلمات الصفات النفسانية، {وَتُخْرِجُ} [آل عمران: 27] القلب {ٱلْحَيَّ} [آل عمران: 27]، بالحياة الحقيقية {مِنَ} [آل عمران: 27]، النفس {ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ} [آل عمران: 27]، القلب {ٱلَمَيِّتَ} [آل عمران: 27]، عن الحياة الحقيقية {مِنَ} [آل عمران: 27]، النفس {ٱلْحَيِّ} [آل عمران: 27]، بالحياة المجازية الحيوانية {وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 27]؛ أي: ترزقه من عالم الجود الحقيقي من النفس الميت، وتخرج الذي هو غير متناهٍ، ولا يدخل تحت العدد والحساب.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى عن حال أهل الكتاب الذين أنعم الله عليهم بكتابه، فكان يجب أن يكونوا أقوم الناس به وأسرعهم انقيادا لأحكامه، فأخبر الله عنهم أنهم إذا دعوا إلى حكم الكتاب تولى فريق منهم وهم يعرضون، تولوا بأبدانهم، وأعرضوا بقلوبهم، وهذا غاية الذم، وفي ضمنها التحذير لنا أن نفعل كفعلهم، فيصيبنا من الذم والعقاب ما أصابهم، بل الواجب على كل أحد إذا دعي إلى كتاب الله أن يسمع ويطيع وينقاد، كما قال تعالى {أية : إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا } تفسير : والسبب الذي غر أهل الكتاب بتجرئهم على معاصي الله هو قولهم { لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون } . افتروا هذا القول فظنوه حقيقة فعملوا على ذلك ولم ينزجروا عن المحارم، لأن أنفسهم منتهم وغرتهم أن مآلهم إلى الجنة، وكذبوا في ذلك، فإن هذا مجرد كذب وافتراء، وإنما مآلهم شر مآل، وعاقبتهم عاقبة وخيمة، فلهذا قال تعالى { فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه } . أي: كيف يكون حالهم ووخيم ما يقدمون عليه، حالة لا يمكن وصفها ولا يتصور قبحها لأن ذلك اليوم يوم توفية النفوس ما كسبت ومجازاتها بالعدل لا بالظلم، وقد علم أن ذلك على قدر الأعمال، وقد تقدم من أعمالهم ما يبين أنهم من أشد الناس عذابا.