Verse. 317 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

ذٰلِكَ بِاَنَّھُمْ قَالُوْا لَنْ تَمَــسَّـنَا النَّارُ اِلَّاۗ اَيَّامًا مَّعْدُوْدٰتٍ۝۰۠ وَغَرَّھُمْ فِيْ دِيْــنِہِمْ مَّا كَانُوْا يَفْتَرُوْنَ۝۲۴
Thalika biannahum qaloo lan tamassana alnnaru illa ayyaman maAAdoodatin wagharrahum fee deenihim ma kanoo yaftaroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ذلك» التولي والإعراض «بأنهم قالوا» أي بسبب قولهم «لن تمسنا النار إلا أياما معدودات» أربعين يوما مدة عبادة آبائهم العجل ثم تزول عنهم «وغرَّهم في دينهم» متعلق بقوله «ما كانوا يفترون» من قولهم ذلك.

24

Tafseer

القرطبي

تفسير : إشارة إلى التولِّي والإعراض، وٱغترار منهم في قولهم: {أية : نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ}تفسير : [المائدة: 18] إلى غير ذلك من أقوالهم. وقد مضى الكلام في معنى قولهم: «لن تمسنا النار» في البقرة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ذٰلِكَ } التولي والإعراض {بِأَنَّهُمْ قَالُواْ } أي بسبب قولهم {لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلا أَيَّامًا مَّعْدُودٰتٍ } أربعين يوماً مدة عبادة آبائهم العجل ثم تزول عنهم {وَغَرَّهُمْ فِى دِينِهِم } متعلق بقوله {مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } من قولهم ذلك.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ} الأربعون التي عبدوا فيها العجل، أو سبعة أيام، أو أيام منقطعة لانقضاء العذاب فيها. {مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} بقولهم: {أية : نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ}تفسير : [المائدة: 18] أو قولهم: {لن تَمَسَّنا النَّارُ}.

الخازن

تفسير : {ذلك بأنهم} يعني ذلك التولي والإعراض إنما حصل بسبب أنهم {قالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات} تقدم تفسيره في سورة البقرة {وغرّهم} أي وأطمعهم {في دينهم ما كانوا يفترون} أي يحلفون ويكذبون قيل: هو قولهم نحن أبناء الله وأحباؤه وقيل: هو قولهم: لن تمسنا النار إلاّ أياماً معدودات وقيل غرهم قولهم نحن على الحق وأنتم على الباطل {فكيف إذا جمعناهم} أي فكيف يكون حالهم إذا جمعناهم {ليوم} أي في يوم {لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت} أي لا شك فيه أنه كائن وواقع وهو يوم القيامة، وفيه تهديد لهم واستعظام لما أعد لهم في ذلك اليوم، وأنهم يقعون فيما لا حيلة لهم فيه وإن ما حدثوا به أنفسهم وسهلوه عليها تعلل بباطل وطمع فيما لا يكون ولا يحصل لهم. قيل: إن أول راية ترفع لأهل الموقف من رايات الكفار راية اليهود تفضحهم على رؤوس الأشهاد ثم يؤمر بهم إلى النار {وهم لا يظلمون} أي لا ينقص من حسناتهم إن كانت لهم حسنة ولا يزاد على سيئاتهم. قوله عز وجل: {قل اللّهم مالك الملك} قال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم دعا ربه عز وجل أن يجعل ملك فارس والروم في أمته فأنزل الله هذه الآية. وقال ابن عباس: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وعد أمته ملك فارس والروم، فقال المنافقون واليهود: هيهات هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم وهم أعز وأمنع من ذلك ألم يكف محمداً مكة والمدينة حتى طمع في ملك فارس والروم؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقيل: إن اليهود قالوا: والله لا نطيع رجلاً جاء ينقل النبوة من بني إسرائيل إلى غيرهم فنزلت هذه الآية {قل اللّهم} معناه يا الله لما حذف حرف النداء زيد الميم في آخره. وقيل: إن الميم فيه معنى آخر وهو يا الله أمنا بخير أي اقصدنا مالك الملك أي مالك العباد وما ملكوا. وقيل: مالك السموات والأرض، وقيل معناه بيده الملك يؤتيه من يشاء وقيل: معناه مالك الملوك ووارثهم يوم لا يدعي الملك أحد غيره. وفي بعض كتب الله المنزلة أنا الله ملك الملوك ومالك الملك قلوب الملوك ونواصيهم بيدي، فإن العباد أطاعوني جعلتهم عليهم رحمة، وإن هم عصوني جعلتهم عليهم عقوبة فلا تشتغلوا بسبب الملوك ولكن توبوا إلى أعطفهم عليكم. وقيل: الملك هو القدرة والمالك هو القادر. والمعنى أنه تعالى قادر على كل شيء، وملك على كل مالك، ومملوك وقادر ومقدور. وقيل: معناه مالك الملك أي جنس الملك يتصرف فيه كيف يشاء {تؤتي الملك من تشاء} يعني النبوة لأنها أعظم مراتب الملك، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم له الأمر على بواطن الخلق وظواهرهم، والملك ليس له الأمر إلاّ على ظواهر بعض الخلق وهو من يطيعه منهم وطاعة النبي واجبه على الكافة {وتنزع الملك ممن تشاء} يعني بذلك نزع النبوة من بني إسرائيل وإيتاءها محمداً صلى الله عليه وسلم فإنه لا نبي بعده ولم يشركه في نبوته ورسالته أحد، وقيل: تؤتي الملك من تشاء يعني محمداً صلى الله عليه وسلم وتنزع اللمك ممن تشاء، يعني من أبي جهل وصناديد قريش وقيل تؤتي الملك من تشاء يعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم وتنزع الملك ممن تشاء، يعني فارس والروم. وقيل: تؤتي الملك من تشاء يعني آدم وذريته وتنزع الملك ممن تشاء يعني إبليس وجنوده الذين كانوا في الأرض قبل آدم. {وتعز من تشاء} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم بالنبوة والرسالة {وتذل من تشاء} يعني اليهود بأخذ الجزية منهم ونزع النبوة عنهم، وقيل: تعز المهاجرين والأنصار، وتذل فارس والروم، وقيل: تعز من تشاء يعني محمداً وأصحابه دخلوا مكة في عشرة آلاف ظاهرين عليها، وتذل من تشاء يعني أبا جهل وأضرابه حين قتلوا وألقوا في قليب بدر يوم بدر، وقيل: تعز من تشاء بالطاعة وتذل من تشاء بالمعصية، وقيل: تعز من تشاء بالغنى وتذل من تشاء بالفقر، وقيل: تعز من تشاء بالقناعة والرضا، وتذل من تشاء بالحرص والطمع {بيدك الخير} يعني النصر والغنيمة. وقيل: الألف واللام تفيد العموم والمعنى بيدك كل الخيرات. فإن قلت: كيف قال بيدك الخير دون الشر. قلت: لأن الكلام إنما وقع في الخير الذي يسوقه الله تعالى إلى عباده المؤمنين وهو الذي أنكرته اليهود والمنافقون فقال: بيدك الخير تؤتيه أولياءك على رغم أعدائك. وقيل: إن قوله بيدك الخير لا ينافي أن يكون بيد غيره، فيكون المعنى بيدك الخير وبيدك ما سواه إلا أنه خص الخير بالذكر لأنه المنتفع به والمرغوب فيه. {إنّك على كل شيء قدير} يعني من إيتاء الملك من تشاء، وإعزازاً من تشاء وإذلال من تشاء.

ابن عادل

تفسير : قوله: "ذَلِكَ" فيها وجهان: أصحهما: أنها مبتدأ، والجار بعده خبره، أي: ذلك التوَلِّي بسبب هذه الأقوال الباطلةِ، التي لا حقيقةَ لها. والثاني: أن "ذَلِكَ" خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: الأمر ذلك، وهو قول الزَّجَّاج وعلى هذا قوله: "بأنَّهُمْ" متعلق بذلك المقدَّر - وهو الأمر ونحوه -. وقال أبو البقاء: فعلى هذا يكون قوله "بأنَّهُمْ" في موضع نَصْب على الحال بما في "ذَا" من معنى الإشارة، أي: ذلك الأمر مستحقاً بقولهم، ثم قال: "وهذا ضعيفٌ". قلت: بل لا يجوز ألبتة. وجاء - هنا - "مَعْدُودَاتٍ"، بصيغة الجمع - وفي البقرة "مَعْدُودَةً"، تفنُّناً في البلاغة، وذلك أن جمع التكسير - غير العاقل - يجوز أن يعامَل معاملةَ الواحدةِ المؤنثة تارةً، ومعاملةَ جمع الإناث أخْرَى، فيقال: هذه جبال راسيةٌ - وإن شئت: راسياتٌ -، وجمال ماشية، وإن شئت: ماشيات. وخص الجمع بهذا الموضع؛ لأنه مكان تشنيع عليهم بما فعلوا وقالوا: فأتى بلفظ الجمع مبالغةٌ في زجرهم، وزجر من يعمل بعملهم. فصل قال الجبائيُّ: "هذه الآية فيها [دلالة] على بُطْلان قَوْل مَنْ يقول: إنَّ أهلَ النار يخرجون من النار، قال: لأنه لو صَحَّ ذلك في هذه الآية لصح في سائر الأمم، ولو ثبت ذلك في سائر الأمم لما كان المُخْبِر بذلك كاذباً، ولما استحق الذمَّ، فلما ذكر الله - تعالى - ذلك في معرض الذمِّ، علمنا أن القول بخروج أهل النارِ من النار [قول] باطل". قال ابن الخطيبِ: "كان من حقه أن لا يذكر مثل هذا الكلام؛ لأن مذهبه أن العَفْوَ حَسَنٌ، جائز من الله، وإذا كان كذلك لم يلزم من حصول العفوِ في هذه الأمةِ حصولُه في سائر الأمم سلمنا أنه لا يلزم ذلك، لكن لِمَ قلتم: إن القومَ إنما استحقوا الذمَّ على مجرَّد الإخبارِ بأن الفاسقَ يخرج من النار؟ بل ههُنَا وُجُوهٌ أخَر: الأول: لعلهم استوجبوا الذم على أنهم قطعوا بأن مدة عذاب الفاسقِ قصيرة، قليلة؛ فإنه روي أنهم كانوا يقولون: إنَّ مدة عذابنا سبعةُ أيام، ومنهم من قال: لا، بل أربعينَ ليلةً - على قدر مُدَّة عبادة العِجْل -. الثاني: أنهم كانوا يتساهلون في أصول الدين، ويقولون: بتقدير وقوع الخطأ منا، فإنَّ عذابنا قليل، وهذا خطأ؛ لأن عندنا المخطئ في التوحيد والنبوة والمعاد كافر، والكافر عذابه دائم. الثالث: أنهم لما قالوا: {لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ} استحقروا تكذيبَ محمد - عليه السلام -، واعتقدوا أنه لا تأثيرَ له في تغليظ العقاب، فكان ذلك تصريحاً بتكذيبه - عليه السلام - وذلك كُفر، والكافر المُصِرُّ على كُفره لا شكَّ أن عذابَه مُخَلَّد، فثبت أنَّ احتجاجَ الجبائي بهذه الآية ضعيف". قوله: {وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ} الغُرور: الخِدَاع، يقال منه: غَرًَّهُ، يَغُرُّهُ، غُرُوراً، فهو غَارٌّ، ومغرور. والغَرُور: - بالفتح - مثال مبالغة كالضَّرُوب. والغِرُّ: الصغير، والغِرِّيرَة: الصغيرة؛ لأنهما يُخدعان، والغِرَّة: مأخوذة من هذا، قال: أخذه على غِرَّة، أي: تغفُّل وخداعِ، والغُرَّة: بياض في الوجه، يقال منه: وَجْهٌ أغَرُّ، ورجل أغَرّ وامرأة غَرَّاء. والجمع القياسي: غُرٌّ، و غير القياسي غُرَّانُ. قال: [الطويل] شعر : 1377- ثِيَابُ بَنِي عَوْفٍ طَهَارَى نَقِيَّةٌ وَأوْجُهُهُمْ عِنْدَ الْمَشَاهِدِ غُرَّانُ تفسير : والغرة من كل شيء أنفسه، وفي الحديث: "حديث : وَجَعَلَ فِي الْجَنِينِ غُرَّةً، عَبْداً أوُ أمَةً ". تفسير : قيل: الغُرَّة: الخِيار، وقال أبو عمرو بن العلاء - في تفسير هذا الحديث - إنه لا يكون إلا الأبيض من الرقيق، كأنه أخَذَه من الغُرَّة، وهو البياض في الوَجْه. قوله: {مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} "ما" يجوز أن تكون مصدريةً، أو بمعنى "الذي"، والعائد محذوف أي: الذي كانوا يفترونه. قيل هو قولهم: {أية : نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} تفسير : [المائدة: 18]. وقيل هو قولهم: {لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ} [آل عمران: 24]. وقيل: هو قولهم: نحن على الحق وأنت على الباطل. قوله: "فَكَيْفَ إذا" "كَيْفَ" منصوبة بفعل مُضْمَر، تقديره: كيف يكون حالهم، كذا قدَّره الحوفيّ وهذا يحتمل أن يكون الكون تاماً، فيجيء في "كيف" الوجهان المتقدمان في قوله: "كَيْفَ تَكْفُرُونَ" من التشبيه بالحال، أو الظرف، وأن تكون الناقصة فتكون "كيف" خبرها. وقدّر بعضهم الفعل، فقال: كيف يصنعون؟ [فإن أراد "كان" التامة كانت في موضع نصب على الحال، وإن أراد الناقصة كانت في موضع نصب على خبر "كان"]، فكيف على ما تقدم من الوجهين. ويجوز أن تكون "كيف" خبراً مقدماً والمبتدأ محذوف، تقديره: فكيف حالُهم؟ قوله: {إِذَا جَمَعْنَاهُمْ} "إذا" ظرف محض من غير تضمين شرط، والعامل فيه العامل في "كَيْفَ"؛ إن قلنا: إنها منصوبة بفعل مقدَّر كما تقدم تقريره - وإن قُلْنَا: إنها خبر لمبتدأ مُضْمَر، وهي منصوبة انتصاب الظروفِ كان العامل في "إذَا" الاستقرار العامل في "كَيْفَ"؛ لأنها كالظرف، وإن قلنا: إنها اسم غير ظرف، بل لمجرد السؤال كان العامل فيها نفس المبتدأ - الذي قدرناه - أي: كيف حالهم في وقت جمعهم؟ ويُحْذَف الحال - كثيراً - مع "كيف"، لدلالته عليها، تقول: كنت أكرمه - ولم يزرني - فكيف لو زارني؟ أي: كيف حاله إذا زارني؟ وهذا الحذف يوجب مزيد البلاغة، لما فيه من تحرُّك النفي على استحضار كل نوع من أنواع الكرامة، وكل نوع من أنواع العذاب - في هذه الآية -. قوله: "لِيَوْمٍ" متعلق بـ "جَمَعْنَاهُمْ" أي: لقضاء يوم، أو لجزاء يوم. فإن قيل: لِمَ قال: "لِيَوْمٍ" ولم يقل: في "يَوْمٍ". فالجوابُ: ما ذكرناه من أنّ المرادَ: لجزاء يوم، أو لحساب يوم، فحذف المضاف، ودلت اللام عليه قال الفرّاءُ: اللام لفعل مضمر، فإذا قلتَ: جُمِعُوا ليوم الخميس، كان المعنى: جمعوا لفعل يوجد في يوم الخميس، وإذا قلت: جُمِعُوا في يوم الخميس لم تُضْمِرْ فِعْلاً. وأيضاً فمن المعلوم أن ذلك اليوم لا فائدةَ فيه إلا المجازاة. وقال الكسائيُّ: اللام بمعنى "في". "لا ريب فيه" صفة للظرف. قوله: {وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ} إن حَمَلْتَ "مَا كَسَبَتْ" على عمل العبد، جُعِلَ في الكلام حذفٌ، والتقدير: ووفيت كلُّ نفسٍ جزاءَ ما كسبت من ثواب وعقاب، وإن حملت "مَا كَسَبَتْ" على الثواب والعقاب استغنيت عن هذا الإضمار، ثم قال: {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} فلا يُنْقَص من ثواب حسناتهم، ولا يُزاد على عقاب سيئاتهم. فصل استدلوا بهذه الآية على أن صاحب الكبيرة - من أصحاب الصلاة - لا يُخَلَّد في النار؛ لأنه مستحق للعقاب - بتلك الكبيرة - ومستحق ثواب الإيمانِ، فلا بُدَّ وأن يُوَفَّى ذلك الثوابَ؛ لقوله تعالى: {وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ} فإما أن يُثاب في الجنة ثم يُنقَل إلى النار، وذلك باطل بالإجماع. وإما أن يُعاقَبَ في النار، ثم يُنْقَل إلى دار الثواب أبَداً مُخَلَّداً، وهو المطلوب. وقد تقدم إبطال تمسك المعتزلة بالعمومات. فإن قيل: لِمَ لا يجوز أن يُقال: إن ثوابَ إيمانهم يُحْبَط بعقاب معصيتهم؟ فالجوابُ: أن هذا باطل لما تقدم في البقرة من أن القول بالمحابطة محال؛ وأيضاً فإنا نعلم - بالضرورة - أن ثوابَ توحيدِ [سبعين] سنةً أزيد من عقاب شُرْبِ جَرْعَةٍ من الخمر والمنازع فيه مُكابِر، وبتقدير القول بصحة المحابطة يمتنع سقوط ثوابِ كل الإيمانِ بعقاب شُربِ جَرعَةٍ من الخمر. وكان يحيى بن معاذ - رحمه الله - يقول: ثواب إيمان لحظة يُسْقِط كُفْرَ ستين سنةً، فثواب إيمان ستين سنةً كيف يُعْقَل أن لا يُحْبِطَ عِقَابَ ذَنْبِ لَحْظَة؟

ابو السعود

تفسير : {ذٰلِكَ} إشارة إلى ما مر من التولي والإعراض، وهو مبتدأ خبرُه قوله تعالى: {بِأَنَّهُمْ} أي حاصل بسبب أنهم {قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ} باقتراف الذنوب وركوب المعاصي {إِلا أَيَّامًا مَّعْدُودٰتٍ} وهي مقدارُ عبادتهم العجلَ، ورسَخ اعتقادُهم على ذلك وهوّنوا على أنفسهم الخطوب {وَغَرَّهُمْ فِى دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} من قولهم ذلك وما أشبهه من قولهم: إن آباءنا الأنبـياءَ يشفعون لنا أو إن الله تعالى وعد يعقوبَ عليه السلام ألا يعذبَ أولادَه إلا تحِلّةَ القَسَم ولذلك ارتكبوا ما ارتكبوا من القبائح {فَكَيْفَ} ردٌّ لقولهم المذكور وإبطالٌ لما عراهم باستعظام ما سيدهَمُهم وتهويلِ ما سيحيق بهم من الأهوال أي فكيف يكون حالُهم؟ {إِذَا جَمَعْنَـٰهُمْ لِيَوْمٍ} أي لجزاءِ يوم {لاَ رَيْبَ فِيهِ} أي في وقوعه ووقوعِ ما فيه، روي أن أولَ رايةٍ ترفع يوم القيامة من رايات الكفر رايةُ اليهود فيفضَحُهم الله عز وجل على رؤوس الأشهاد ثم يأمر بهم إلى النار {وَوُفّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ} أي جزاءَ ما كسبت من غير نقص أصلاً كما يزعُمون، وإنما وُضِع المكسوبُ موضعَ جزائه للإيذان بكمال الاتصالِ والتلازم بـينهما كأنهما شيء واحد، وفيه دَلالة على أن العبادة لا تَحْبَط وأن المؤمن لا يخلّد في النار لأن توْفيةَ جزاءِ إيمانِه وعملِه لا تكون في النار ولا قبل دخولها فإذن هي بعد الخلاصِ منها {وَهُمْ} أي كلُّ الناس المدلولِ عليهم بكل نفس {لاَ يُظْلَمُونَ} بزيادة عذابٍ أو بنقص ثواب بل يصيب كلاً منهم مقدارُ ما كسبه {قُلِ ٱللَّهُمَّ} الميم عوضٌ عن حرف النداء ولذلك لا يجتمعان وهذا من خصائص الاسمِ الجليل كدخوله عليه مع حرف التعريفِ وقطعِ همزتِه ودخولِ تاء القسمِ عليه وقيل: أصلُه يا ألله أُمَّنا بخير أي اقصدنا به فخُفف بحذف حرف النداء ومتعلقاتِ الفعل وهمزته {مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ} أي مالك جنسِ المُلك على الإطلاق مُلكاً حقيقياً بحيث تتصرف فيه كيفما تشاء إيجاداً وإعداماً وإحياءً وإماتة وتعذيباً وإثابةً من غير مشارِك ولا ممانعٍ وهو نداءٌ ثانٍ عند سيبويه فإن الميم عنده تمنع الوصفية {تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ} بـيان ق لبعض وجوه التصرفِ الذي تستدعيه مالكيةُ الملك وتحقيقٌ لاختصاصها به تعالى حقيقةً وكونِ مُلك غيرِه بطريق المجاز كما يُنبىءُ عنه إيثارُ الإيتاءِ الذي هو مجردُ الإعطاء على التمليك المؤْذِن بثبوت المالكيةِ حقيقةً {مَن تَشَاءُ} أي إيتاءه إياه {وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء} أي نزْعَه منه، فالملكُ الأولُ حقيقي عام ومملوكيتُه حقيقية والآخرانِ مجازيان خاصان ونِسبتُهما إلى صاحبهما مجازية، وقيل: الملكُ الأول عام والآخرانِ بعضانِ منه فتأمل. وقيل: المراد بالملك النبوة ونزعُها نقلُها من قوم إلى آخرين {وَتُعِزُّ مَن تَشَاء} أن تُعِزَّه في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما بالنصر والتوفيق {وَتُذِلُّ مَن تَشَاء} أن تُذِله في إحداهما أو فيهما من غير ممانعةٍ من الغير ولا مدافعة {بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ} تعريفُ الخير للتعميم، وتقديمُ الخبر للتخصيص أي بقدرتك الخيرُ كلُّه لا بقدرة أحدٍ غيرِك تتصرف فيه قبضاً وبسطاً حسبما تقتضيه مشيئتُك، وتخصيصُ الخير بالذكر لما أنه مقضيٌّ بالذات وأما الشرُّ فمقضيٌّ بالعَرَض إذ ما من شر جزئي إلا وهو متضمِّنٌ لخير كلي أو لأن في حصول الشر دخْلاً لصاحبه في الجملة لأنه من أجزية أعماله، وأما الخير ففضلٌ محضٌ أو لرعاية الأدب أو لأن الكلام فيه فإنه رُوي حديث : أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما خط الخندق عام الأحزاب وقطع لكل عشرةٍ من أهل المدينة أربعين ذِراعاً وأخذوا يحفِرونه خرج من بطن الخندق صخرةٌ كالتل لم تعمَلْ فيها المعاوِلُ فوجهوا سلمانَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يُخبره فجاء عليه السلام وأخذ منه المِعْول فضربها ضربة صدعَتْها وبرَقَ منها برقٌ أضاء ما بـين لابتيها لكأن مِصباحاً في جوف بـيت مظلم فكبر وكبر معه المسلمون وقال: "أضاءت لي منها قصورُ الحِيرة كأنها أنياب الكلاب" ثم ضرب الثانية فقال: "أضاءت لي منها القصورُ الحُمْرُ من أرض الروم" ثم ضرب الثالثة فقال: "أضاءت لي قصورُ صنعاء وأخبرني جبريلُ أن أمتي ظاهرةٌ على كلها فأبشروا"» تفسير : فقال المنافقون: ألا تعجبون؟ يُمنّيكم ويعِدُكم الباطلَ ويخبركم أنه يُبصر من يثربَ قصورَ الحِيرة ومدائن كسرى وأنها تُفتح لكم وأنتم إنما تحفِرون الخندقَ من الفرَق لا تستطيعون أن تبرُزوا فنزلت {إِنَّكَ عَلَىٰ كُلّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} تعليل لما سبق وتحقيقٌ له.

القشيري

تفسير : عاقبناهم في الدنيا بالاستدراج حتى حكموا لأنفسهم بالنجاة وتخفيف العقاب، وسوف يعلمون تضاعف البلاء عليهم، ويحسبون أنهم على شيء ألا أنهم هم الكاذبون. ظن المخطئون حكماً...

اسماعيل حقي

تفسير : {ذلك} اى التولى والاعراض {بانهم} اى حاصل بسبب انهم {قالوا لن تمسنا النار} باقتراف الذنوب وركوب المعاصى {الا اياما معدودات} اربعين يوما وهى مدة الايام التى عبدوا فيها العجل ورسخ اعتقادهم على ذلك وهونوا عليهم الخطوب {وغرهم فى دينهم ما كانوا يفترون} من قولهم ذلك وما أشبهه من قولهم ان آبائنا الانبياء يشفعون لنا او ان الله تعالى وعد يعقوب عليه السلام ان لا يعذب اولاده الا تحلة القسم ولذلك ارتكبوا ما ارتكبوا من القبائح. قال ابن عباس رضى الله عنهما زعمت اليهود انهم وجدوا فى التوراة ان ما بين طرفى جهنم اربعون سنة الى أن ينتهوا الى شجرة الزقوم وانما نعذب حتى نأتى الى شجرة الزقوم فتذهب جهنم وتهلك واصل الجحيم سقر وفيها شجرة الزقوم فاذا اقتحموا من باب جهنم وتبادروا فى العذاب حتى انتهوا الى شجرة الزقوم وملأوا البطون قال لهم خازن سقر زعمتم ان النار لن تمسكم الا اياما معدودات قد خلت اربعون سنة وانتم فى الابد.

الطوسي

تفسير : المعنى: الايام المعدودات قيل فيها قولان : أحدهما - هي الايام التي عبدوا فيها العجل وهي أربعون يوماً. ذكره قتادة، والربيع، والحسن إلا أن الحسن قال: سبعة أيام. والثاني - قال الجبائي: أرادوا أياماً منقطعة لانقضاء العذاب فيها وانقطاعه. اللغة: وقوله: {وغرهم في دينهم} فالغرور الاطماع في ما لا يصح. غره يغره غروراً، فهو مغرور واغتره اغتراراً. والغرور: الشيطان، لأنه يغر الناس. والغار: الغافل، لأنه كالمغتر. والغرارة: الدنيا، لأنها تغر أهلها. والغر: الغمر الذي لم يجرب الامور، ومصدره الغرارة، لأن من شأنه أن يقبل الغرور. والغرر: الخطر الذي يقدم فيه على ما لا ينبغي، لأنه كحال الغرور في الطمع المذموم. والغرارة: الوعاء، لأنها تغر بعظمها وخفاء ما فيها. والغر: آثار طي الثوب. أطوه على غره أي على آثار طيه. والغرغرة: التغرغر في الحلق. والغرغرة: حكاية صوت الراعي. والغر: زق الطائر فرخه. غره يغره غراً: إذا زقه وذلك، لأنه كالغرغرة في الحلق. والغُرة: الجبهة. وأصل الباب الغرور الطماع في غير مطمع. وقوله: {ما كانوا يفترون} فالافتراء: الكذب، وفرى فلان كذباً يفريه فرية، والفري: الشق، فريت الأديم فرياً، وفرية. مفرية: مشقوقة. وقد تفرو بجورها أي تشق. والفري: الاصر العظيم، لأنه يشق على النفس. وأصل الباب: الفري: الشق. ومنه الافتراء، لأنه يشق على النفس. المعنى: والافتراء الذي غرهم قيل فيه قولان: أحدهما - قوله: {نحن أبناء الله وأحباؤه} في قول قتادة، وقال مجاهد غرهم قوله: {لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات} وليس في الآية ما يدل على خلاف ما نذهب إليه من جواز العفو واخراج المعاقبين من أهل الملة من النار من حيث أن الله ذم هؤلاء بانه لا تمسهم النار إلا أياماً معدودات. وذلك انا لا نقول أن الايام التي يعاقب فيها الفاسق بعدد أيام عصيانه بل إنما نقول: إن عقاب من ثبت دوام ثوابه لا يكون إلا منقطعاً وإن لم يحط العلم مقداره. والله تعالى عاب أهل الكتاب بذلك من حيث قطعوا على ما قالوه وحكموا به وذلك بخلاف ما قلناه.

الجنابذي

تفسير : {ذٰلِكَ} التولّى والاعراض {بِأَنَّهُمْ} سهّلوا على أنفسهم عقوبة الآخرة و {قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ} قيل يعنى عدد ايّام عبادة اسلافهم العجل اربعين يوماً او سبعة ايّام وقيل ايّاماً منقطعة {وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} من انقطاع العذاب او قولهم: {أية : نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ}تفسير : [المائدة: 18] ، او ان ابّائهم الانبياء يشفعون لهم، او انّ الله وعد يعقوب ان لا يعذّب اولاده.

اطفيش

تفسير : {ذَلِكَ} أى ما ذكر من التولى والإعراض {بِأَنَّهُمْ} بسبب أنهم تساهلوا فى العقاب كما قال الله عز وجل {قَالُوا} اعتقدوا وتلفظوا على طبق اعتقادهم {لَن تَمَسَّنَآ النّارُ إِلآّ أيَّاماً مَّعْدُوداتٍ} ندخلها جزما من أجل عبادة آبائنا العجل، تطهرنا من عبادتهم ومن ذنوبنا فلا فائدة فى اتباع حكم محمد مع أنا داخلوها جزما، وخارجون منها بعد الأيام المعدودات، أربعين يوما، عدد أيام عبادة آبائهم العجل،أو سبعة أيام عدد أيام الأسبوع، وزعموا أن مدة الدنيا سبعة آلاف عام، يوم كألف {وَغَرَّهُمْ فِى دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} أى كونهم يفترون أو ما كانوا يفترونه من خروجهم منها بعد الأيام المعدودات، أو من أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم كلهم، من كان الأنبياء آباءهم ومن ليسوا بآبائهم، ولا شفاعة لهم ألبتة، او من قولهم {نحن أبناء الله وأحباؤه} أَو من كان ذرية نبى شفع له نبيه، ومن لم يكن خرج بعد الأيام، أو من دعوى أن الله عز وجل وعد يعقوب ألا يعذب أولاده إلا نحلة القسم، وفيه أنه لا عذاب فى تلك التحلة بل الورود، أما رؤيتها كما هو الحق، ويزيد الشقى بالعذاب وهو الحق وأما دخولها بلا عذاب للسعيد فيخرج.

الالوسي

تفسير : {ذٰلِكَ } أي المذكور من التولي والإعراض وهو مبتدأ خبره قوله تعالى: {بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلا أَيَّامًا مَّعْدُودٰتٍ } أي حاصل لهم بسبب هذا القول الذي رسخ اعتقادهم له وهونوا به الخطوب ولم يبالوا معه بارتكاب المعاصي والذنوب، والمراد ـ بالأيام المعدودات ـ أيام عبادتهم العجل، وجاء هنا {مَّعْدُودٰتٍ } بصيغة الجمع دون ما في البقرة [80] فإنه {أية : مَّعْدُودَةً }تفسير : بصيغة المفرد تفنناً في التعبير، وذلك لأن جمع التكسير لغير العاقل يجوز أن يعامل معاملة الواحدة المؤنثة تارة ومعاملة جمع الإناث أخرى فيقال: هذه جبال راسية، وإن شئت قلت راسيات، وجمال ماشية وإن شئت ماشيات، وخص الجمع هنا لما فيه من الدلالة على القلة كموصوفه وذلك أليق بمقام التعجيب والتشنيع. {وَغَرَّهُمْ فِى دِينِهِم } أي أطمعهم في غير مطمع وخدعهم {مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } أي افتراؤهم وكذبهم أو الذي كانوا يفترونه من قولهم: {لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ } الخ ـ قاله مجاهد ـ أو من قولهم: {أية : نَحْنُ أَبْنَٰؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰؤُهُ }تفسير : [المائدة: 18] ـ قاله قتادة ـ أو مما يشمل ذلك ونحوه من قولهم: «إن آباءنا الأنبياء يشفعون لنا وإن الله تعالى وعد يعقوب أن لا يعذب أبناءه إلا تحلة القسم» والظرف متعلق ـ بما عنده ـ أو ـ بيفترون ـ واعترضه الخطيب بأن ما بعد الموصول لا يعمل فيما قبله؛ وأجيب بالتوسع.

د. أسعد حومد

تفسير : {مَّعْدُودَاتٍ} (24) - وَمَا حَمَلَهُمْ عَلَى مُخَالَفََةِ الحَقِّ، وَعَلَى العِنَادِ إلاَّ افْتِراؤُهُمْ عَلَى اللهِ فِيمَا ادَّعَوْهُ لأِنْفُسِهِمْ مِنْ أنَّهُمْ لَنْ يُعَذَّبُوا فِي النَّارِ، إلاّ أياماً مَعْدُوداتٍ (قِيلَ: إنَّهَا سَبْعَةُ أيَّامٍ، عَنْ كُلِّ ألْفِ سَنَةٍ مِنْ عُمْرِ الدُّنْيَا يَوْمٌ مِنَ العَذَابِ). وَقَدْ خَدَعَهُمْ هذا الاعْتِقَادُ البَاطِلُ وَغَرَّهُمْ، فَاسْتَمَرُّوا فِي غَيِّهِمْ وَضَلاَلِهِمْ، وَأقَامُوا عَلَى ارْتِكابِ المَعاصِي وَالذُّنُوبِ. لَنْ تَمسَّنَا النَّارُ - لَنْ نُعَذَّبَ فِي النَّارِ. الافْتِراءُ - اخْتِلاقُ الكَذِبِ. غَرَّهُ - خَدَعَهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : لقد تولوا وهم معرضون عن حكم الله لقد ظنوا أن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودات. ولنا أن نعرف معنى "غرهم" ولنا أن نسأل ما الغرور؟ إن الغرور هو الأطماع فيما لا يصح ولا يحصل، فعندما تقول لواحد والعياذ بالله: "أنت مغرور" فأنت تقصد أنه يسلك سبيلا لا يوصله إلى الهدف المنشود. إذن فالغرور هو الإطماع فيما لا يصح ولا يحصل، ولذلك يسمى الله الشيطان "الغرور". {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ * إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ}تفسير : [فاطر: 5-6]. إنه الشيطان الذي يزين للناس بعض الأمور ويحث الخلق ليطمعوا في حدوثها، وعندما تحدث فإن هذه الأمور لا صواب فيها، فهي مما زينه الشيطان ولذلك فحصيلتها لا تتناسب مع الطمع فيها. والحق سبحانه يقول عن الدنيا: {أية : ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَاعُ ٱلْغُرُورِ}تفسير : [الحديد: 20]. ويقال عن الرجل الذي ليس له تجربة: إنه "غِرٌّ" فيأتي بأشياء بدون تجربة؛ فلا ينتفع منها، ولا تصح. إذن، فكل مادة "الغرور" مأخوذة من إطماع فيما لا يصح ولا يحصل. لذلك سمى الله الشيطان "الغرور" لأنه يطمعنا نحن البشر بأشياء لا تصح ولا تحدث، ولهذا سوف يأتي الشيطان يوم القيامة ليتبرأ من الذين اتبعوه ويتهمهم بالبلاهة: {أية : وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ من قَبْلُ إِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}تفسير : [إبراهيم: 22]. ما معنى "وما كان لي عليكم من سلطان" ؟ السلطان أي القوة التي تقنع الإنسان بعمل فعل ما، وهو إما أن يكون سلطان الحجة فيقنعك بفعل ما، فتفعله، وإما أن يكون سلطان القوة، فيرغمك أن تفعل، السلطان - إذن - نوعان: سلطان حجة، وسلطان قوة، والفرق بين سلطان الحجة و سلطان القوة القاهرة على الفعل، هو أن سلطان الحجة يقنعك أن تفعل وأنت مقتنع، أما سلطان القوة القاهرة فهو لا يُقنع الإنسان، ولكنه يُرغم الإنسان على فعل ما، ولذلك فالشيطان يعلن لأتباعه يوم القيامة: لم يكن لي سلطان عليكم، لا حجة عندي لأقنعكم بعمل المعاصي، ولا عندي قوة ترغمكم على الفعل، لكنكم أنتم كنتم على حرف إتيان المعاصي ودعوتكم فاستجبتم لي. ويضيف الشيطان مخاطباً أتباعه: {أية : مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ}تفسير : [إبراهيم: 22]. أي أن الشيطان يؤكد أنه لن يفزع لأحد من الذين اتبعوه لينجده، إن كلمة "يصرخ" تعني أن هناك مَنْ يفزع لأحد تلبية لنداء أو استغاثة. الشيطان إذن لن ينجد أحداً من عذاب الله، ولن ينجد أحد الشيطان من عذاب الله، وهكذا ذهب بعض من أهل الكتاب إلى الغرور في الدين، فافتروا أقوالاً على الله، لم تصدر عنه، وصدقوا افتراءاتهم، ويا ليت غرورهم لم يكن في الدين، لأن الغرور في غير الدين تكون المصيبة فيه سهلة، لكن الغرور في الدين هو المصيبة الكبرى، لماذا؟ لأن الغرور في أي أمر يخضع لقانون واضح، وهو أن ميعاد كل حدث موقوت بماهيته، لكن الغرور في أمر الدين مختلف، لماذا؟ لأن حدث الدين غير موقوت بماهية الزمان، إنه مستمر، لأنه منهج قيم صدر من الحق إلى الخلق، إن الغرور في أي جزئية من جزئيات الدنيا، فإن فشلت فالفشل يقف عند هذه الجزئية وحدها، ولا يتعدى الفشل إلى بقية الزمن، لكن الغرور في الدين يجعل العمر كُله يضيع، لأن الإنسان لم يتبع المنهج الحق بل يمتد الضياع والعذاب إلى العمر الثاني وهو الحياة في الآخرة يقول الحق: {أية : وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ}تفسير : [آل عمران: 24]. والإفتراء هو تعمد الكذب، إن الحق سبحانه يوضح لهم المعنى فيقول: إن حصل ذلك منكم وأعرضتم عن حكم الله الذي دعيتم إليه في كتاب الله، وعللتم ذلك بأن النار لن تمسكم إلا أياماً معدودة، وادعيتم كذباً أن الأيام المعدودات هي أيام عبادتكم للعجل، وادعيتم أنكم أبناء الله وأحباؤه، إن ذلك كله غرور وافتراءات، ويا ليتهم كانوا يعلمون صدق هذه الافتراءات، لكنهم هم الذين قالوها ويعرفون أنها كذب، فإذا جاز ذلك لهم في هذه الدنيا فكيف يكون موقفهم وحالهم عندما يجمعهم الله في يوم لا ريب فيه؟ وفي هذا يقول الحق: {فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ ...}.